← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142

الاتصال والانقطاع

إبراهيم اللاحم

Полный текст (466 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وقد جاء بالعنعنة بين سفيان، وسعيد، فأعله أبوحاتم باحتمال تدليس ابن عيينة وبغير ذلك (١). ورد ذلك أحمد شاكر بوقوع التصريح بالتحديث من ابن عيينة عند الحاكم (٢)، ولا يخفى أنه لا يصح الاعتماد على "المستدرك" في إثبات تصريح بالسماع ولا سيما مع التحريف الكثير في المطبوع، ولو لم يكن فهي رواية معلولة. وروى يزيد أبوخالد القرشي، عن ابن جريج: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال لي رسول الله ﷺ : " لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " (٣)، وكذا جاء في رواية عن روح بن عبادة، عن ابن جريج (٤). وجاء من روايات متعددة، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، هكذا بالعنعنة (٥)، وكذا رواه عبدالعزيز بن أبي رواد (٦)، ورواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت (٧).

стр. 282

قال أبوحاتم: "ابن جريج لم يسمع هذا الحديث بهذا الإسناد من حبيب، إنما هو من حديث عمرو بن خالد الواسطي، ولا يثبت لحبيب رواية عن عاصم، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب، والحسن بن ذكوان، وعمرو بن خالد ضعيفا الحديث" (١). وعمرو بن خالد أشدهما ضعفاً، فهو متروك الحديث، متهم بالوضع (٢). وقال ابن حجر: "وقع في "زيادات المسند"، وفي الدارقطني، و"مسند الهيثم بن كليب" تصريح ابن جريج بإخبار حبيب له، وهو وهم في نقدي" (٣). وتأيد وقوع الخطأ في التصريح بالتحديث، وأن ابن جريج دلسه بما ذكره ابن معين من كون ابن جريج لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت سوى حديثين، ليس هذا واحداً منهما، كما تقدم في المبحث الثالث. وقد مر أحد الباحثين بأحد الطرق التي وقع فيها تصريح ابن جريج بالتحديث، فراح يشتغل ببيان قوة رواية ابن جريج إذا صرح بالإخبار، ولم يتعرض لكلام الأئمة على تدليسه لهذا الحديث، وأن التصريح بالتحديث خطأ ممن دونه، ولا ذكر الباحث أن حبيب بن أبي ثابت لا تصح له رواية عن عاصم ابن ضمرة، كما تقدم آنفاً من كلام أبي حاتم، وقاله غيره من الأئمة (٤)، فما جاء من ذلك عنه فهو من رواية عمرو بن خالد المذكور آنفاً، بل نقل الباحث عن أبي

стр. 283

داود قوله بعد أن روى الحديث: "هذا الحديث فيه نكارة" (١)، ثم عقبه بقوله: "وأما النكارة التي صرح بها أبوداود ... فهي ليست أكثر من وهم، لا يصمد أمام الدراسة الجادة للحديث ولرجاله". كذا قال الباحث ـ سامحه الله ـ، وهكذا فلتكن الدراسة الجادة للسنة النبوية! ! . وهذا باحث آخر علق على نفي الإمام أحمد أن يكون شيخه هشيم سمع كلمة (فانحرف) من يعلى بن عطاء في حديث يزيد بن الأسود، فقال الباحث معلقاً على كلام أحمد: "ولكن رواه الترمذي (حديث ٢١٩) عن شيخه أحمد بن منيع، عن هشيم قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، حدثنا جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: " شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال: فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: عليّ بهما ... "، والمدلس إذا صرح بالإخبار والتحديث فروايته مقبولة صحيحة عند الجمهور ... ". كذا قال الباحث، وظاهر جداً أن رد كلام أحمد بمثل هذا غير لائق، فالكلمة مدرجة في هذه الرواية بلا شك، والباحث نفسه قد خرج الحديث من "سنن النسائي" (حديث ٨٥٧)، من رواية زياد بن أيوب، عن هشيم، ومن "مسند أحمد (٤: ١٦١)، وليس فيهما هذه الكلمة، بل فيه في رواية أحمد: "وربما قيل لهشيم: فلما قضى صلاته تحرف، فيقول: تحرف عن مكانه".

стр. 284

وكما يقع الخطأ على المدلس في تصريحه بالتحديث يقع عليه أيضاً إذا دلَّس تدليس تسوية، فيرد التصريح بالتحديث بين راويين قد أسقط المدلس مَنْ بينهما، كما تقدم مثاله في رواية إسحاق بن راهويه، عن بقية بن الوليد، عن أبي وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: " لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه "، حيث جاءت هذه الرواية بالتصريح بالتحديث بين أبي وهب ونافع، مع أن بقية قد أسقط أحد المتروكين بينهما. ومثله حديث الوليد بن مسلم المتقدم أيضاً، فقد رواه جماعة كثيرون منهم داود بن رشيد في رواية أحمد بن يحيى الحلواني عنه، عن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، هكذا بالعنعنة بين ثور ورجاء، ورواه البغوي، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم بالتصريح بالتحديث بين ثور ورجاء، فيترجح جداً أن هذه الرواية وقع فيها خطأ، ولا يصح الاعتماد عليها لنفي تدليس التسوية من الوليد، ومعارضة أقوال كبار الأئمة، كما فعل أحمد شاكر وغيره من الباحثين (١). وروى إبراهيم بن المنذر، ودحيم، عن الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: "كان النبي ﷺ يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه ... " الحديث (٢)، وكذا رواه ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي (٣).

стр. 285

ورواه داود بن رشيد، وإسحاق بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن نافع، هكذا بالعنعنة بين الأوزاعي، ونافع، وكذا قال عيسى بن يونس، وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي. ورواه الوليد بن مزيد، وعمر بن عبدالواحد، عن الأوزاعي قال: بلغني عن نافع، ورواه شعبة، عن الأوزاعي، عن رجل، عن نافع (١). فالاحتمال الأقوى أن يكون الأوزاعي لم يسمعه من نافع، وأنه دلس عليه تدليس تسوية، ثم وقع التصريح بالتحديث خطأ ممن دونه، وليس للأوزاعي، عن نافع في الكتب الستة، و"مسند أحمد"، وكتب أخرى كثيرة غير هذا الحديث (٢)، وقد قال أبو داود السجستاني: "لا نعلم أن الأوزاعي حدث عن نافع إلا بمسألة" (٣). وروى أبو زرعة الدمشقي بإسناده إلى عمرو بن أبي سلمة قال: "قلت للأوزاعي: يا أبا عمرو: الحسن أو رجل عن الحسن؟ قال: رجل عن الحسن، قلت: فنافع أو رجل عن نافع؟ قال: رجل عن نافع ... " (٤). قال أبو زرعة بعد أن روى هذا: "لا يصح عندنا للأوزاعي عن نافع شيء ... " (٥).

стр. 286

والحديث له طرق مشهورة إلى نافع من غير طريق الأوزاعي (١). ومن دقائق موضوع أخطاء التصريح بالتحديث من مدلس أن يكون التدليس قد وقع في جملة من الحديث، وباقيه على السماع، فتأتي الرواية عن المدلس مصرحاً فيه بالتحديث في الكل. فمن ذلك أن جماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي - ومنهم شعبة، والثوري، وأبو الأحوص، وابن عيينة - رووا عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: "أن النبي ﷺ أوصى رجلاً فقال: إذا أردت مضجعك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ... " الحديث، وفي رواية شعبة قول أبي إسحاق: سمعت البراء بن عازب (٢). وجاء عن أبي إسحاق من رواية حفيده إسرائيل بن يونس: " وكان أبو إسحاق يزيد فيه: لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ويقول: لم أسمع هذا من البراء، سمعتهم يذكرونه عنه: لا ملجأ ولا منجى " (٣).

стр. 287

وغير خاف - بعد ما تقدم - أهمية التحقق من صواب تصريح المدلس بالتحديث، وأن ما يفعله كثير من المتكلمين على الأسانيد من التعلق بأدنى شبهة طريقة غير سليمة، وفي نظري أن تشدد المتأخرين في الرد بعنعنة المدلس قابله تسامح كبير منهم في إزالة شبهة التدليس بما يقفون عليه من التصريح بالتحديث دون دراسة له وتمعن فيه. والذي يوصى به الباحث أن يسلك منهج أئمة النقد في المقارنة، وإنعام النظر، وتوقع أخطاء الرواة والنساخ، ويتأكد هذا الأمر إذا كان الراوي عن المدلس ممن نسب إليه الخطأ في هذا الجانب، أي إنه يخطئ على شيخه فيجعل روايته بالتصريح بالتحديث، كما تقدم في حال أصحاب بقية بن الوليد، ويوجد ذلك في غيره أيضاً. فممن نسب إليه الخطأ على شيخه: عبد الواحد بن زياد مع الأعمش، قال أبو داود الطيالسي: "عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها كلها، يقول: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا مجاهد - في كذا وكذا - " (١). ومحمد بن كثير العبدي مع سفيان الثوري، قال ابن معين: "كان في حديثه ألفاظ، حدثنا أبو إسحاق - كأنه ضعفه -" (٢). وكذلك إذا كان رواة الإسناد من الأمصار التي نص العلماء على تساهلهم بألفاظ الأداء، فيبدلون بالصيغ غير الصريحة صيغاً صريحة، كما تقدم في كلام أبي

стр. 288

حاتم وابن عدي في أهل حمص مع أحاديث بقية. وقال الإسماعيلي: "عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما يروونه، لا يطوونه طيّ أهل العراق". قال ابن رجب معقباً على كلمة الإسماعيلي: "يشير إلى أن الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم، ولا يكون الإسناد متصلاً بالسماع" (١). وقال في موضع آخر في كلام له على حديث من رواية الشاميين قيل إنه وقع فيه خطأ في التصريح بالتحديث: "قد قيل: إن الشاميين كانوا يتسامحون في لفظة (أنا) و (ثنا)، ويستعملونها في غير السماع، ذكره الإسماعيلي وغيره" (٢). ويكفي لإدراك ما تقدم من ضرورة التحقق من تصريح المدلس بالتحديث أن شعبة بن الحجاج هو أشهر من كان يتفقد السماع من شيوخه المدلسين وغير المدلسين، كما تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول، وكما سيأتي قريباً في هذا المبحث، ومع هذا وقع في الخطأ، قال ابن رجب: "لا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه ويكون منقطعاً " (٣). وبعد، فهذه أربعة أسباب إذا وجد واحد منها لزم التوقف في تصريح المدلس بالتحديث، ولا شك أن ترجيح وجود الأول والثاني والرابع منها ليس بالأمر اليسير، وإنما تثور الشبهة إذا عارض التصريح بالتحديث ما يعلم منه

стр. 289

الانقطاع، والباحث ـ إذا واجه مثل هذا ـ عليه أن يقوم بالدراسة المتأنية، والموازنة بين دلائل إثبات السماع وعدمه. الأمر الثالث: يقوم مقام تصريح المدلس بالتحديث أن تأتي الرواية عنه من طريق من عرف بالانتقاء عن شيخه، وأنه لم يأخذ عنه إلا ما كان قد سمعه، أو يأخذ عنه لكن لا يحدث عنه إلا بما كان مسموعاً له. وقد عرف الالتزام بهذا عن جماعة من تلامذة المدلسين، ومن أشهرهم شعبة، ويحيى القطان، وقد تقدم في الفصل الثاني ذكر تحريهما في تصريح من يأخذان عنه بالتحديث، سواء كان مدلساً أو غير مدلس، وتقدم عن شعبة أيضاً أن كل ما رواه عن شيوخه فقد صرحوا فيه بالتحديث إلا ما بينه لتلاميذه. ومن النصوص عن شعبة في خصوص المدلسين قوله: "كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت، أو حدثنا ـ حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركته" (١). وقال أيضاً: "كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبوإسحاق، وقتادة" (٢). واستثنى شعبة من روايته عن قتادة عن أنس أربعة أحاديث، فإنه تسامح فيها ولم يسأل قتادة عن سماعه، أحدها حديث إقامة الصفوف في الصلاة (٣)،

стр. 290

وجاء عنه قوله في هذا الحديث: "كرهت أن أوقفه عليه فيفسده عليَّ، فلم أوقفه عليه" (١)، وقال أيضاً: "داهنت في هذا الحديث، لم أسأل قتادة: أسمعته من أنس أم لا؟ " (٢). وقال ابن المديني في كلامه على أصحاب قتادة الكبار: "وشعبة أعلم بما سمع وما لم يسمع" (٣). ومما جاء عن يحيى القطان في شيوخه المدلسين قوله: "لم أكن أهتم لسفيان (يعني الثوري) أن يقول ـ لمن فوقه ـ قال: سمعت فلاناً، ولكن كان يهمني أن يقول هو: سمعت فلاناً، وحدثني فلان" (٤). وقال أيضاً: "ما كتبت عن سفيان شيئاً إلا ما قال: حدثني، أو حدثنا، إلا حديثين ... " (٥). وذكر سفيان الثوري معتمر بن سليمان فقال فيه: "رجل صالح، يأخذ عن كل"، وفسر أحمد ذلك بقوله: "كان معتمر لا يوقفه، يقول: يأخذ عن كل، سفيان عن رجل، وسفيان بلغه، ليس مثل يحيى يوقِّفه، قل: حدثني، قل:

стр. 291

سمعت" (١). ولذا قال علي بن المديني: "الناس يحتاجون في حديث سفيان إلى يحيى القطان، لحال الإخبار" (٢). وقال البخاري: "أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأنه عرف صحيح حديثه من تدليسه" (٣). ومما جاء عن يحيى أيضاً قوله في أبي حرة واصل بن عبدالرحمن: "كتبت عن أبي حُرَّة أحاديث يسيرة، ما قال: سمعت، وسألت" (٤). وسمع يحيى القطان من إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أحاديث كثيرة، وكان يميز ما دلس فيه إسماعيل مما ليس كذلك، قال أحمد: "كنت أسأل يحيى ابن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شريح وغيره، فكان في كتابي: إسماعيل قال: حدثنا عامر، عن شريح، حدثنا عامر، عن شريح، فجعل يحيى يقول: إسماعيل، عن عامر، فقلت: إن في كتابي: حدثنا عامر، حدثنا عامر، فقال لي يحيى: هي صحاح، إذا كان ـ يعني مما لم يسمعه إسماعيل ـ أخبرتك" (٥).

стр. 292

وقال ابن المديني: "قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل، عن عامر ـ هي صحاح؟ قال: نعم، إلا أن فيها حديثين أخاف ألا يكون سمعهما، قلت ليحيى: ما هما؟ قال: قال عامر في رجل خير امرأته حتى تفرقا، والآخر قول علي ﵁ في رجل تزوج امرأة على أن يعتق أباها" (١). وقال أيضاً: "كل شيء كتبت عن إسماعيل: حدثنا عامر، إلا أن يسمي رجلاً دون الشعبي" (٢). وكأن هذا في عموم رواية إسماعيل، عن الشعبي وغيره، كما قال أحمد: "يحيى أحسن الناس حديثاً عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - يقول: لأن فيها أخباراً، حدثنا قيس، حدثنا حكيم بن جابر" (٣). وقال عبدالرحمن بن مهدي: "لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان عنه، لأعرف صحيحها من سقيمها" (٤). وقال يحيى القطان لأبي بكر بن خلاد: "أتيت ميمون المرئي فما صحح لي إلا هذه الأحاديث التي سمعتها" (٥). وقال يحيى أيضاً في روايته عن مبارك بن فضالة: "لم أقبل منه شيئاً قط إلا

стр. 293

ما قال: حدثنا، فيه" (١). ونقل ابن حجر في كلام له على حديث عن الإسماعيلي حكماً عاماً في جميع ما يرويه يحيى القطان عن شيوخه المدلسين، وأنه لا يحمل عنهم إلا ما كان مسموعاً لهم (٢). وما قاله ليس ببعيد، إذ جاء عنه في بعض المدلسين أنه لا يأخذ عن تلميذ المدلس إلا ما صرح فيه المدلس بالسماع، فقد ذكر الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد كان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق (٣). وقال أبو خيثمة زهير بن حرب: "كان يحيى بن سعيد يحدث من حديث الحارث (يعني ابن عبدالله النخعي) ما قال فيه أبو إسحاق: سمعت الحارث" (٤). ولكن ينبغي أن تحمل كلمة الإسماعيلي وقوله: إن يحيى القطان لا يحمل عن شيوخه إلا ما كان مسموعاً لهم - على معنى ما يحدث به يحيى القطان عن شيوخه، أو على معنى تمييزه ما دلسوه مما سمعوه، إذ قد ثبت عنه أخذه ما دلسه بعض شيوخه، كما تقدم آنفاً في سماعه من إسماعيل بن أبي خالد، وكما في قوله: "كتبت عن الأعمش أحاديث عن مجاهد كلها ملزقة، لم يسمعها" (٥).

стр. 294

وأما ما جاء عن غير هذين الإمامين ـ شعبة والقطان ـ فمنه قول محمد بن فضيل في المغيرة بن مقسم: "كان يدلس، فكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم" (١). وقول عبدالرحمن بن مهدي: "مبارك بن فضالة يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: سمعت الحسن" (٢)، وقال أيضاً: "كنا نتتبع من حديث مبارك (يعني ابن فضالة) ما قال فيه: حدثنا الحسن" (٣). وقول يزيد بن زريع: "ما منعني أن أحمل عن يونس (يعني ابن عبيد) أكثر مما حملت عنه إلا أني لم أكتب عنه إلا ما قال: سمعت، أو سألت، أو حدثنا الحسن" (٤). وقال أبونعيم الفضل بن دكين في أبي جناب يحيى بن أبي حية: "ما سمعت منه شيئاً إلا شيئاً قال فيه: حدثنا" (٥). وقال عفان بن مسلم في عمر بن علي المقدمي: "كان رجلاً صالحاً، ولم يكن ينقمون عليه شيئاً، غير أنه كان مدلساً، وأما غير ذلك فلا، ولم أكن أقبل منه حتى يقول: حدثنا" (٦).

стр. 295

وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: "قلت له (يعني حفص بن غياث): ما لكم حديثكم عن الأعمش إنما هو: عن فلان، عن فلان، ليس فيه حدثنا، ولا سمعت؟ قال: فقال: حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا عمار، عن حذيفة يقول ... ، وذكر حديثاً آخر مثله، وكان عامة حديث الأعمش عند حفص بن غياث على الخبر والسماع" (١). فهذه الكلمات وأمثالها تفيد ثبوت سماع المدلس وإن جاء الحديث عنه غير مصرح فيه بالسماع، ويبقى حكمها حتى يعارضها ما هو أخص وأقوى منها في ظهور التدليس، فقد تقدم قريباً في الأمر الثاني أن مجيء الرواية عن المدلس مصرحاً فيها بالتحديث قد يعارضه ما هو أقوى منه، فلا يعتد به، فههنا من باب أولى.

стр. 296

المبحث الخامس رواية المدلس بصيغة محتملة للسماع إذا روى المدلس بصيغة محتملة للسماع وعدمه مثل: قال فلان، وذكر فلان، وحدث فلان، وعن فلان، ونحو ذلك، ولم نقف على نص في إثبات السماع أو عدمه، فروايته والحال هذه إحدى المسائل العويصة في نقد المرويات، حتى أن الإمام أحمد لما سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه: حدثني أو سمعت؟ قال: "لا أدري" (١). يضاف إلى ذلك أن بعض الذين تعرضوا لبحث هذه المسألة خلطوا فيها بين الاحتجاج برواية المدلس إذا احتمل السماع وعدمه، وبين الحكم باتصالها، كما أدخلوا فيها حكم رواية المدلس إذا صرح بالتحديث (٢). وفي نظري أن بحث هذه المسألة ـ بعيداً عن المباحث الأصولية ـ ينبغي أن يقتصر فيه على أقوال أهل الحديث، المشترطين اتصال الإسناد للحكم بالصحة، القائلين بقبول رواية المدلس إذا علم اتصال حديثه، بصرف النظر عن قضية الاحتجاج، إذ هي ترجع إلى الاحتجاج بالمرسل سواء كان مدلساً أو غير مدلس، وما يوجد في كلام أئمة الحديث وفي أجوبتهم ـ وسيأتي قريباً شيء منه - من ذكر للاحتجاج فالمراد به ـ فيما يظهر لي ـ الاتصال، أي هل يحكم لرواية المدلس حينئذٍ بالاتصال أو بالانقطاع؟

стр. 297

وبصرف النظر ـ أيضاً ـ عن البحث في رواية المدلس إذا صرح بالتحديث، فإن القول بالرد راجع إلى العدالة، وليس إلى اتصال الإسناد وانقطاعه، ثم لا قائل بذلك من أهل الحديث كما تقدم تقريره في المبحث السابق. ومع صعوبة هذه المسألة - أعني حكم رواية المدلس إذا لم يصرح بالتحديث من حيث الاتصال وعدمه - فإن الناظر في كلام الأئمة وفي أحكامهم يمكنه أن يصل إلى رأي في هذه القضية الشائكة، وقبل أن أذكر ما توصلت إليه لابد من عرض ما يحكى فيها من أقوال ومناقشتها، وجملتها ترجع إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أن رواية المدلس بهذه الصفة إذا كان ثقة محمولة على الاتصال، ولا يحكم على رواية المدلس بالانقطاع إلا إذا تبين أنه دلس في تلك الرواية بعينها. وهذا القول حكاه ابن القطان هكذا بإطلاق عن قوم لم يسم أحداً منهم، وخصصه مرة حين حكاه عنهم بمن عرف عنه أنه لا يدلس إلا عن ثقة عنده (١). وينسب هذا القول إلى يحيى بن معين، فقد قال يعقوب بن شيبة: "سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلت له: فيكون المدلس حجة فيما روى، أو حتى يقول: حدثنا، أو أخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دَلَّس فيه" (٢).

стр. 298

فهذا يحتمل أن يكون مراده ما تبين أنه دلس فيه، فيوافق هذا القول، وبناء على هذا الاحتمال نسب بعض الباحثين هذا القول إلى ابن معين، ويحتمل أن يكون مراده ما لم يصرح فيه بالتحديث، فإن عدوله عن التصريح يوجب ريبة أن يكون دلس فيه، والاحتمال الأخير هو الذي فهمه ابن رجب، والسخاوي من جواب ابن معين (١). ويظهر لي أن الاحتمال الثاني هو الأقرب، فقد قال أحمد حين سئل عن هشيم: "ثقة إذا لم يدلس" (٢) - ومراده إذا لم يصرح بالتحديث، يدل عليه قوله في حديث لهشيم: "لم يقل فيه: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا" (٣). ومثل ذلك يقال في عبارة يعقوب بن سفيان: "وحديث سفيان، وأبي إسحاق، والأعمش - ما لم يعلم أنه مدلس - يقوم مقام الحجة " (٤). فالعلم بكونه قد دلس يحتمل أن يكون بأمر خارجي، ويحتمل أيضاً - وهذا هو الأقرب - أن يكون قد عرف من صيغة الرواية. والذي دعاني إلى تفسير عبارة ابن معين، وعبارة الفسوي بما ذكرته أن هذا التفسير هو الموافق لأقوال أئمة النقد وتصرفاتهم مع المدلسين - كما سيأتي في القول الثالث -. وأيضاً فإن العلم بكون هذا الحديث المعين وقع فيه تدليس يستوي في

стр. 299

التعليل به المدلس وغير المدلس كما سيأتي شرحه في المبحث السادس، فلا يكون هناك فرق ظاهر بين المدلس وغيره. ويحتمل أن يكون ابن القطان عنى بالقوم الذين لم يسمهم ابن حزم الظاهري، فإنه كثير الاستمداد منه، وله كلام يقرب من هذا القول، فقد قال بعد أن قسم المدلسين إلى قسمين: "أحدهما: حافظ عدل، ربما أرسل حديثه، وربما أسنده ... ، نترك من حديثه ما علمنا يقيناً أنه أرسله، وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئاً من ذلك، وسواء قال: أخبرنا فلان، أو قال: عن فلان، أو قال: فلان عن فلان، كل ذلك واجب قبوله، ما لم نتيقن أنه أورد حديثاً بعينه إيراداً غير مسند، فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته ... . وهذا النوع منهم كان جلة أصحاب الحديث وأئمة المسلمين، كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن دعامة، وعمرو بن دينار، وسليمان الأعمش، وأبي الزبير، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة " (١). ويلاحظ أن هناك فرقاً جوهرياً بين عبارة ابن حزم، وعبارة ابن القطان، إذ عبر ابن حزم باليقين، فعلى قوله هذا لا أثر للتدليس مطلقاً، اللهم إلا من جهة التنقيب والبحث في رواية المدلس المعينة التي لم يصرح فيها بالتحديث، فإن تيقنا أنه دلسه، وإلا عاد المدلس وأخذ حكم غيره، وحينئذٍ فليس هناك للمدلس إلا حالتان، ما تيقنا أنه دلسه فحكمه الانقطاع، وما صرح فيه

стр. 300

بالتحديث، أو لم يصرح فيه بالتحديث ولكن لم نتيقن أنه دلسه ـ فحكمه الاتصال. وقضية اليقين هذه لا أدري كيف تضبط؟ إذ يحتمل أن تشمل ما تقدم من الدلائل على ثبوت الانقطاع التي مضى ذكرها في المبحث الثالث، ويحتمل أن بعضها هو الذي يفيد ذلك، وهو ما إذا ورد عن المدلس ما يفيد أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه، وأما ما دون ذلك ـ مثل حكم إمام بأن فلاناً لم يسمع الحديث من فلان، فلا تفيد ذلك. والاحتمال الثاني هو الأقرب، فإن حكم الإمام إذا لم يكن من تلامذة المدلس ـ بناه في الغالب على قرائن الأحوال، وليس على نص من المدلس، بل إني رأيت أحمد شاكر ـ وهو ممن يقول بقول ابن حزم ـ يذهب إلى عدم قبول قول تلميذ المدلس بأنه لم يسمعه، مع أن الظن الغالب أن يكون قد تلقى ذلك منه، فقد تعقب أحمد شاكر تضعيف الترمذي لحديث من رواية الحكم بن عتيبة، عن مقسم، بأن شعبة قد عَدَّ الأحاديث التي سمعها الحكم من مقسم وليس هذا منها، تعقبه بقوله: "وليس في هذا دلالة على ضعف روايته عن مقسم، فالحكم ثقة ثبت فقيه عالم، وكان معاصراً لمقسم، فيحمل ما يرويه عنه على الاتصال، ما لم يثبت بيقين أن حديثاً معيناً لم يسمعه منه" (١). والناظر المتأمل في أقوال أئمة النقد وصنيعهم ـ وسيأتي شيء من ذلك لاحقاً ـ لا يتخالجه شك في أن هذا القول على إطلاقه بعيد جداً عن منهجهم،

стр. 301

وفيه تساهل كبير، وإهدار لجهود الأئمة في التفتيش عن التدليس، وإعمال القرائن لكشفه. والأمر يهون حين يتبنى شخص هذا الرأي، كما فعل ابن حزم، وأحمد شاكر، لكنه ليس كذلك حين يحرره الباحث على أنه قول الأئمة المتقدمين، وعليه ساروا في نظرهم لمرويات المدلسين، وقد رأيت بعض الباحثين يلهج بذلك، وإن كان يعبر بالعلم بدل اليقين، وعندي أن ما نسبه إلى أئمة النقد كان منه ردة فعل للإسراف في نقد المرويات بالتدليس من قبل باحثين آخرين، كتطبيق حرفي للقول الثاني الآتي. وأما ابن القطان فقد عبر بالتبين بدل اليقين، وهو يمكن أن يشمل ما تقدم في المبحث الثالث من النص على الانقطاع، ويشمل أيضاً ما سيأتي من قرائن ترجح الانقطاع، وإذا كان كذلك فهذا القول قريب جداً. القول الثاني: رواية المدلس بصيغة محتملة محمولة على الانقطاع أبداً، ولا يحكم لروايته بالاتصال إلا إذا روى بصيغة صريحة فيه، كحدثنا، وسمعت، وأخبرنا، يستوي في ذلك المكثر من التدليس والمقل منه، حتى لو دلَّس مرة واحدة أخذ هذا الحكم. وهذا قول الشافعي، مشهور عنه، قال الشافعي: "وأقبل الحديث: حدثني فلان عن فلان ـ إذا لم يكن مُدَلِّساً، ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلناه من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من

стр. 302

مدلس حديثاً حتى يقول: حدثني أو سمعت" (١). وتبع الشافعي على هذا جماعة من الأئمة منهم ابن حبان، فإنه قال وهو يعدد أجناس أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها: "الجنس الثالث: الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار، مثل قتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وأبي إسحاق، وابن جريج، وابن إسحاق، والثوري، وهشيم، ومن أشبههم ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضيين، وأهل الورع في الدين، كانوا يكتبون عن الكل، ويروون عمن سمعوا منه، فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم منه عن أقوام ضعفاء، لا يجوز الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقل المدلس ـ وإن كان ثقة ـ: حدثني أو سمعت، فلا يجوز الاحتجاج بخبره، وهذا أصل أبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي ﵀، ومن تبعه من شيوخنا" (٢). ومنهم الخطيب البغدادي، وقد نص ـ كالشافعي ـ على ثبوت هذا الحكم في حق من دلَّس مرة واحدة (٣). هذا هو القول الثاني، وأود أن أنَبِّه فيه على أمور: الأمر الأول: ذكر ابن رجب، والسخاوي أن ابن معين موافق للشافعي فيما ذهب إليه، بناء على جواب ابن معين حين سئل عن المدلس يكون حجة فيما

стр. 303

روى، أو حتى يقول: حدثنا أو أخبرنا؟ فقال: "لا يكون حجة فيما دلس فيه" (١). وكلام ابن معين غير صريح في هذا، إذ هناك احتمال آخر يمكن أن يفهم من جوابه، تقدم ذكره في القول الأول، وهو أنه لا يكون حجة فيما تبين أنه دلَّس فيه، فيكون عكس كلام الشافعي، وإذا تطرق إليه الاحتمال ضعف إلحاقه به. يضاف إلى ذلك أن السؤال كان عن (المدلس)، فنحتاج إلى معرفة إطلاق ابن معين هذا الوصف على من دلَّس مرة، كما صرح به الشافعي، إذ يمكن أن يكون رأيه أن يكون وصف (المدلس) إنما يستحقه من عرف بالتدليس وأكثر منه. ويؤيد هذا أن ابن حبان نسب هذا القول إلى الشافعي ومن تبعه من شيوخهم، فلو كان عنده عن أحد من أئمة النقد المعروفين لسارع بذكره، والله أعلم. الأمر الثاني: كلام الشافعي صريح في أن هذا الحكم الذي ذهب إليه إنما هو في نوع التدليس الذي شرحه، وهو رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة محتملة، فقد قرر الشافعي ذلك في موضعين، قال الشافعي في شروط الراوي الذي تقوم الحجة بخبره: "برياً من أن يكون مدلساً، يحدث عمن لقي

стр. 304

ما لم يسمع منه" (١). وقال في مكان آخر: "ولم نعرف بالتدليس ببلدنا فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثاً، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيراً له، وكان قول الرجل: سمعت فلاناً يقول: سمعت فلاناً، وقوله: حدثني فلان عن فلان ـ سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه" (٢). وسواء قلنا: إن الشافعي يخص التدليس بهذه الصورة كما نسبه إليه ابن حجر، أو قلنا: إنه ذكر هذه الصورة وسكت عن الأخرى، وهي رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، ولا يدل سكوته عنها على أنه لا يراها تدليساً، فإن الحكم الذي أطلقه الشافعي على رواية المدلس، وأنها غير مقبولة حتى يصرح بالتحديث، وأن من ثبت عنه التدليس مرة واحدة فهو مدلس ـ ينبغي أن يقصر في نسبته إلى الشافعي على الصورة التي ذكرها فقط، ويبقى رأيه في الصورة الثانية على فرض أنه يراها تدليساً ـ لم يذكره، فهل يلحقها بالأولى في هذا الحكم، أو يلحق بالأولى من أكثر منها، أو يرى أن من ارتكبها فقط فعنعنته عمن سمع منه مقبولة مطلقاً؟ وأما ابن حبان فمع أنه مَثَّل بأناس يدلسون عمن سمعوا منه، ونص هو على هذا، إلا أنه ثابت عنه تسمية الرواية عمن عاصره ولم يسمع منه تدليساً، بل ربما سمى الرواية عمن لم يدركه تدليساً، كما تقدم في المبحث الأول، وعلى هذا

стр. 305

فالظاهر أنه ذكر الصورة الأولى على سبيل التمثيل، فسرد جماعة من المشهورين بالتدليس يرتكبونها. وما يقال عن ابن حبان يقال عن الخطيب البغدادي، لكن رأيه بشمول هذا الحكم لمن دلَّس على الصورتين من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى البحث عن قرائن، فقد عرف التدليس بصورتيه، ثم ذكر شيئاً من أخبار المدلسين على الصورتين، ثم ذكر الخلاف في رواية المدلس، واختار هذا القول، ونص على سريانه فيمن دلس مرة واحدة (١). وبناءً على ما تقدم فرأي الخطيب البغدادي في رواية المدلس إذا روى بصيغة محتملة للسماع وعدمه أشد ما وقفت عليه من أقوال للأئمة. الأمر الثالث: صحح القول بأن رواية المدلس بصيغة محتملة محمولة على الانقطاع كثير ممن ألف في "علوم الحديث"، كابن الصلاح، والنووي، والعلائي، وابن حجر، وغيرهم، ونسبه العلائي إلى جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول، بل إن النووي نقل الاتفاق على أن المدلس لا يحتج بخبره إذا عنعن (٢)، إلا أن العلائي وابن حجر عادا فأخرجا من هذا الحكم من هو قليل التدليس، كما أن المكثرين منه ليسوا على درجة واحدة، وذلك بتقسيمهما المدلسين إلى الطبقات المعروفة، وسيأتي الكلام عنها في القول الثالث.

стр. 306

الأمر الرابع: نظراً لتصحيح كثير ممن ألف في "مصطلح الحديث" هذا القول، ونسبته إلى جمهور الأئمة، وسهولة تطبيقه لاطراده ـ فقد سار عليه جماعة كثيرون جداً من الأئمة المتأخرين والباحثين المعاصرين، فكثر نقد الأحاديث وتضعيفها بعنعنة المدلسين، وصاحب ذلك ما تقدم ذكره في المبحث الثاني من التوسع في جمع من وصف بالتدليس، أو جاءت عنه رواية فيها صورة التدليس وإن لم يوصف بذلك، والاعتماد على كتاب ابن حجر "تعريف أهل التقديس"، مع قصور واضح في البحث عن دلائل ثبوت سماع المدلس لهذا الحديث، أو ثبوت عدم سماعه. وترتب على هذا الصنيع شيئان، أحدهما: أن بعض الباحثين تحرج من كثرة تضعيف الأحاديث بعنعنة المدلسين، فصاروا يتمسكون بأدنى رواية فيها تصريح المدلس بالتحديث، دون دراسة لها والتحقق من ثبوتها، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الرابع. والثاني: ردة فعل قوية من باحثين آخرين، ينادون بضرورة مراجعة ما يسير عليه المتأخرون من قواعد في نقد السنة، ومن ذلك قواعد التدليس، لكن بعضهم سارع إلى الجزم بآراء بعضها قريب، مثل وجوب الاقتصار في وصف الراوي بالتدليس على من وصفه أئمة النقد بذلك، دون من جاءت عنه صورة التدليس ولم يوصف به، وبعضها يحتاج إلى مزيد بحث ودراسة، مثل ما نسبه بعضهم إلى أئمة النقد أن من وصف بالتدليس وأريد به روايته عمن عاصره ولم يسمع منه فإن ما رواه عن شيوخه الذين سمع منهم محكوم له بالاتصال وإن رواه بصيغة محتملة لعدم السماع، ومثله ما تقدم ذكره آنفاً في القول الأول من أن بعض الباحثين نسب إلى أئمة النقد أن رواية المدلس محمولة على السماع أبداً،

стр. 307

حتى يعلم الانقطاع في حديث بعينه. القول الثالث: التفريق بين المقل من التدليس وبين المكثر منه، فالمقل روايته بصيغة محتملة للسماع وعدمه محمولة على الاتصال، والمكثر روايته محمولة على الانقطاع. وهذا القول منقول صراحة عن ابن المديني، فيمكن نسبته إليه والنفس مطمئنة، في موضوع عسر فيه الوقوف على أقوال صريحة لغيره من أئمة الجرح والتعديل في عصر الرواية، فقد سأله يعقوب بن شيبة عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا؟ ـ فقال: "إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا" (١). ومراده بالغالب ـ فيما يظهر ـ أي كثر ذلك منه وعرف به، إذ يبعد أن يكون مراده ظاهر اللفظ؛ لأن معرفة ذلك تقتضي تمييز ما دلس فيه مما سمعه، ثم الموازنة، وإذا عرف ما دلَّس فيه انتهى الأمر، اللهم إلا أن يقال: إنه أمكن تمييز ما دلس فيه فكان هو الغالب على رواياته، وعنده فوق ذلك أشياء رواها بصيغة محتملة لم تتميز، وهذا بعيد جداً، فقد نقل عنه يعقوب بعد ذلك قوله: "والناس يحتاجون في صحيح حديث سفيان إلى يحيى القطان ـ يعني علي أن سفيان كان يدلس، وأن القطان كان يوقفه على ما سمع وما لم يسمع ـ " (٢). ولا يقول أحد إن رواية سفيان الثوري أكثرها مدلسة، بل قد قيل: إنه من

стр. 308

المقلين من التدليس، يقول البخاري: "لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور ـ وذكر مشايخ كثيرة ـ لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليساً، ما أقلَّ تدليسه" (١)، ولعل المراد بقلة تدليسه مقارنة بكثرة مروياته، فإنه واسع الرواية جداً. وما أجاب به ابن المديني هو المفهوم من كلام للحميدي ذكر فيه أن من أكثر الرواية عن شخص وعرف به فإنما يترك من حديثه ما عرفنا أنه أسقط الواسطة بينه وبينه، وما عدا ذلك فمحمول على السماع، وسيأتي نقله بنصه، وهو يدل على أن الأصل في رواية من عرف بالتدليس أنه لابد من تصريحه بالتحديث. ويمكن أن ينسب هذا القول إلى يحيى بن معين، بناء على تفسير عبارته السابقة في القولين الأولين: "ولا يكون ـ يعني المدلس ـ حجة فيما دلس فيه"، وأن مراده: لا يكون حجة فيما رواه بصيغة محتملة، وليس مراده ما تبين فيه تدليسه، مع مراعاة أن يكون المقصود بالمدلس من عرف بهذا الوصف واشتهر به، لا من دلَّس نادراً، وليس هذا الفهم لعبارة ابن معين ببعيد. ومثل ذلك كلمة أحمد في حق هشيم بن بشير، قال مهنا: " سألت أحمد عن هشيم، فقال: ثقة إذا لم يدلس، فقلت له: والتدليس عيب هو؟ قال: نعم" (٢).

стр. 309

فمراد أحمد - فيما يظهر - أنه ثقة إذا صرح بالتحديث، وبه يعرف أنه لم يدلس. وقد ذكر مسلم في معرض مناقشته لقول من يشترط ثبوت التصريح بالتحديث لإثبات السماع بين راوٍ وآخر معاصر له ـ ما يمكن اعتباره نقلاً لقول ابن المديني عن الأئمة كلهم، والشاهد من العبارة هنا تحرير الوصف الذي يأخذ به المدلس حكماً يخالف به غيره، قال مسلم: "وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم ـ إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه، كي تنزاح عنهم علة التدليس" (١). وقد ذكر ابن رجب احتمالين لمعنى كلمة مسلم هذه "عرف بالتدليس في الحديث وشهر به"، أحدهما ما ذكرته، والثاني: أن يكون مراده: ثبت عليه التدليس وصح عنه ـ يعني ولو مرة واحدة ـ، فيوافق كلام الشافعي (٢). والاحتمال الأول هو الأظهر، فإنما يعرف بالتدليس ويشتهر به إذا أكثر منه. وفي السؤال الموجه لأحمد الماضي ذكره في أول هذا المبحث عن حكم رواية المدلس ما يفهم منه بوضوح أن المحك هو فيمن عرف بالتدليس، لا من وقع منه على سبيل الندرة.

стр. 310

وهذا القول - وهو مطالبة المعروف بالتدليس بالتحديث - نقل ابن عبدالبر الإجماع عليه، فقد قال بعد أن ذكر توقف شعبة في بادئ الأمر عن قبول الإسناد المعنعن من المدلس وغيره: "وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين في تصنيفهم الصحيح، قد أجمعوا على ما ذكرت لك (يعني قبول الإسناد المعنعن)، وهو قول مالك وعامة أهل العلم - والحمد لله -، إلا أن يكون الرجل معروفاً بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه أيضاً خلافاً" (١). والمتتبع لموقف الأئمة من المدلسين يرى بوضوح أن مذهبهم هو ما أجاب به علي بن المديني، ونقل ابن عبدالبر الإجماع عليه، وهو الأقرب لتفسير عبارة أحمد، وابن معين، فهم يشترطون تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه، ولكن من كثر منه التدليس حتى عرف به واشتهر عنه. وقد تقدم في المبحث الرابع شيء من كلام الرواة في خصوص مشايخهم المدلسين، وتفقدهم لتصريحهم بالتحديث، كشعبة، ويحيى القطان مع شيوخهما، ومحمد بن فضيل مع المغيرة بن مقسم، وعبدالرحمن بن مهدي مع المبارك بن فضالة، ويزيد بن زريع مع يونس بن عبيد، وعفان بن مسلم مع عمر بن علي المقدمي، وغيرهم، بل إن بعضهم يتفقد السماع من شيخ شيخه إذا كان مدلساً. وقال محمد بن سعد في هشيم: "كان ثقة، كثير الحديث، ثبتاً، يدلس كثيراً، فما قال في حديثه: أخبرنا، فهو حجة، وما لم يقل فيه: أخبرنا، فليس

стр. 311

بشيء" (١). وقال الذهلي في ابن جريج: "إذا أخبر الخبر فهو جيد، وإذا لم يخبر فلا يعبأ به" (٢)، وقال أيضاً: "إذا قال: حدثني، وسمعت، فهو محتج بحديثه، داخل في الطبقة الأولى من أصحاب الزهري" (٣). وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي قلت: قتادة، عن معاذة، أحب إليك، أو أيوب، عن معاذة؟ فقال: قتادة إذا ذكر الخبر" (٤). وقال أبو حاتم في الحجاج بن أرطاة: "صدوق، يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولا يحتج بحديثه" (٥). وقال البرديجي في حميد الطويل: "وأما حديث حميد فلا يحتج منه إلا بما قال: حدثنا أنس" (٦). وأعلى من ذلك قول هشيم بن بشير عن نفسه لبعض أصحابه: "طلبت الحديث وذاكرت به ثلاثين سنة، فإذا قلت لك: حدثنا وأخبرنا ـ فلا عليك من

стр. 312

خالفك" (١)، وفي رواية عنه: "طلبت الحديث عشرين سنة، وجالست الناس وذاكرتهم عشرين سنة، فإذا قلت لكم: حدثنا وأخبرنا ـ فشدوا به أيديكم" (٢). ويؤكد ما تقدم - بل هو فاصل في الموضوع - نصوصهم الكثيرة في أن المعروف بالتدليس إذا قال: قال فلان، أو ذكر فلان - يعني لم يأت بصيغة صريحة في السماع - علم أن ذلك الحديث لم يسمعه، فلم يبق مجال للقول بأن الأئمة لا يفتشون عن التدليس، وأن الصيغة المحتملة محمولة على السماع حتى نتيقن الانقطاع، أو يتبين لنا. ومن هذه النصوص قول شعبة: "كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت أو حدثنا، حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركت " (٣). وقال سفيان الثوري في جابر الجعفي: "إذا قال لك جابر: حدثني، أو سمعت، أو سألت - فذاك، فإذا قال: قال ... " (٤). وقال يحيى القطان في ابن جريج: "إذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: قال، فهو شبه الريح" (٥). وكذا قال أحمد: "إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت،

стр. 313

جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به" (١). وقال أيضاً: "إذا قال ابن جريج: قال، فاحذره، وإذا قال: سمعت، أو سألت، جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" (٢). وقال أحمد في محمد بن إسحاق: "إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان ـ فلم يسمعه منه" (٣). وقال أيضاً: "كان ابن إسحاق يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعاً قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال ... " (٤). وذكر أبوداود عن أحمد قوله: "عامة حديث ابن إسحاق، عن أبي الزناد، حديث الأعرج، ولم يسمعها، هي في كتب يعقوب: ذكر أبوالزناد، ذكر أبوالزناد" (٥). ويعقوب هو ولد إبراهيم بن سعد. وكذا أشار ابن المديني إلى نحو ما ذكره أحمد في رواية ابن إسحاق (٦). وقال أحمد فيه أيضاً: "هو كثير التدليس جداً، فكان أحسن حديثه عندي

стр. 314

ما قال: أخبرني وسمعت " (١). وقال أبو داود: "سمعت أحمد يقول: حديث ابن شبرمة قال رجل للشعبي: "نذرت أن أطلق امرأتي" - لم يقل فيه هشيم: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا" (٢)، فتوقف أحمد اعتماداً على صيغة الأداء، وأن هشيماً لم يأت بلفظ صريح في السماع. ومثله ما رواه عمرو بن علي قال: "سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أحاديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة كلها صحاح، وجعل يحدثني بها، ويقول: حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي مليكة، فقال في واحد منها: عن ابن أبي مليكة، فقلت: قل: حدثني، قال: كلها صحاح " (٣). فتوقف ابن المديني في هذا الحديث المعين حين رأى الرواية فيه لابن جريج بعن، فأخبره يحيى أنه مسموع لابن جريج. والخلاصة من كل ما تقدم أن أئمة النقد على اختلاف طبقاتهم يطالبون المعروف بالتدليس بالتصريح بالتحديث، وأنه إذا أتى بصيغة محتملة للسماع وعدمه فقد ارتكب التدليس، فهي دلالة على أنه قد دلس، ولا يحتاج الأمر إلى قرينة خارجية، وما يحكى عن أئمة النقد خلاف ذلك فهو - فيما أرى- ضعيف جداً. ولقائل أن يقول: تفقد النقاد للتصريح بالسماع من شيوخهم المدلسين وما

стр. 315

في معناه لا حجة فيه بالنسبة لنا، ذلك أن الناقد في ذلك الوقت يمكنه أن يتحقق من صيغة الرواية التي حدث بها المدلس، إما تصريح بالسماع، كأن يقول: سمعت، أو حدثنا، أو عدم تصريح، كأن يقول: قال، أو ذكر، أو حدث، فإذا لم يصرح المدلس بالتحديث حكم الناقد بأنه قد دلس، وليس هذا محل مناقشة، وإنما المناقشة فيما إذا وردتنا رواية عن المدلس فيها عنعنة بين المدلس وشيخه، فهي موضع الإشكال، لكثرة ورودها في الأسانيد، فالاحتمال قائم أن يكون المدلس صرح بالتحديث، والتغيير ممن بعده، ذلك أن التعبير بصيغة عن أكثره ليس من الراوي المعنعن، وإنما هو ممن بعده، ولهذا فإننا لو عرفنا بطريقة ما أن المعنعن هو المدلس لحكمنا أيضاً بوقوع التدليس، كما لو روى بصيغة قال، وذكر. ولابد من التسليم بقوة هذا الاعتراض، ومع هذا فعنه جواب، فالاستدلال بهذه النصوص الغرض منه تأكيد اهتمام النقاد بالتدليس، وبذلهم الجهود المضنية للكشف عنه، فقد شاع بين الباحثين أن المتقدمين لم يكونوا يشددون في التدليس، وليس الأمر كذلك، بل شددوا فيه أبلغ تشديد، ولاقوا في سبيل ذلك عناء ومشقة، فمطالبة المدلس بالتصريح والإلحاح عليه - بل وغير المدلس - ليس بالأمر الهين عليه، والناقد يلاقي من ذلك عنتاً. فمن ذلك ما رواه حماد بن سلمة قال: "جاء شعبة إلى حميد فسأله عن حديث لأنس، فحدثه به، فقال له شعبة: سمعته من أنس؟ قال: فيما أحسب، فقال شعبة بيده هكذا - وأشار بأصابعه -: لا أريده، ثم ولَّى، فلما ذهب قال حميد: سمعته من أنس كذا وكذا مرة، ولكنني أحببت أن أفسده عليه" (١).

стр. 316

وروى همام قال: "كان شعبة يوقف قتادة، قال: فحدث شعبة ذات يوم بحديث، فقال قتادة: من حدثك؟ - أو من ذكر ذلك؟ - فقال: نسألك فتغضب وتسألنا؟ " (١). وروى علي بن المديني عن أبي سعيد مولى بني هاشم قال: "سأل رجل شعبة عن حديث إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، فقال له: سمعته من إسماعيل بن رجاء؟ قال: سمعته يا غلام من إسماعيل بن رجاء ثمانين مرة، ولا والله لا أحدثك به أبداً " (٢). وقال زهير بن معاوية: "قدمت البصرة، فأتيت حميداً الطويل، وعنده أبو بكر بن عياش، فقلت له: حدثني، فقال: سل، فقلت: ما معي شيء أسأل عنه، قلت: حدثني، فحدثني بثلاثين حديثاً، قلت: حدثني، فحدثني بتسعة وأربعين حديثاً، فقلت له: ما أراك إلا قد قاربت، قال: فجعل يقول: سمعت أنساً، والأحيان يقول: قال أنس، فلما فرغ قلت له: أرأيت ما حدثتني به عن أنس أنت سمعته منه؟ فقال أبو بكر بن عياش: هيهات، فاتك ما فاتك - يقول: كان ينبغي لك أن تقفه عند كل حديث وتسأله -، فكأن حميداً وجد في نفسه فقال: ما حدثتك بشيء عن أحد فعنه أحدثك، فلم يشف قلبي - أو لم يشفني - " (٣). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: "بلغني أن أبا جزي كان عند الحجاج بن أرطاة، فقال الحجاج: مكحول، فقال له أبو جزي: يا أبا أرطاة قل: سمعت

стр. 317

مكحولاً، فقال: مه، من هذا؟ ثم أشرف إليه فقال: متى اجترأت علي يا قصاب، يا قصاب ما هذا، حدثني مكحول، لا تعد إلى مثلها " (١). ونقل الدارقطني عن أبي معاوية الضرير قوله: "قال لي حجاج (يعني ابن أرطاة): لا يسألني أحد عن الخبر - يعني إذا حدثتكم بشيء فلا تسألوني: من أخبرك به؟ -" (٢). وقال ابن الهيثم الدقاق: "سمعت يحيى يقول: شهدت ابن أبي الليث وقال لهشيم: إن قلت: أخبرنا، وإلا لاكتبنا عنك حرفاً، فقلت له أنا بعض هذا الكلام، فقال يحيى: أنا شاهد ذلك المجلس، فقال له هشيم: غير مستوحشة منك الدار، فتركه وقام" (٣). وروى شجاع بن مخالد قال: "سمعت رجلاً يسأل هشيماً فقال: يا أبا معاوية، أخبركم أبو حرة، عن الحسن؟ فضحك هشيم، ثم قال: أخبرنا أبوحرة، عن الحسن" (٤). ومما يشير إلى اهتمام النقاد بتدليس المدلسين أنهم كانوا يتذاكرون أحاديث المدلسين، للكشف عنه، كما روى محمد بن عيسى بن الطباع، قال: "اختلف عبدالرحمن بن مهدي، وأبو داود، في حديث هشيم، فقال أحدهما: كان يدلسه،

стр. 318

وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا، فأخبرتهما بما عندي، فاقتصرا عليه" (١). فاستفدنا من ذلك اهتمام النقاد بالتدليس وحذرهم الشديد منه، ونستدل بفعلهم هذا على رواية المدلس إذا وصلتنا بالعنعنة من جهة أن الواجب على الناقد المتأخر عنهم إذا جاءت رواية للمدلس بالعنعنة، واحتمل أن يكون المدلس صرح بالتحديث، واحتمل أنه لم يصرح، فالواجب حينئذ الاحتياط، والبقاء على الأصل، وهو أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه الذي رواه عنه، فهذا وجه الاستدلال بهذه النصوص وأمثالها. ثم إن وجه الاستدلال هذا عليه دليل من عمل النقاد أنفسهم، وذلك في أسانيد متقدمة عن الناقد، قد بلغته بالعنعنة، فهم ومن تأخر عنهم في الأمر سواء. فمن ذلك قول أحمد: "كان ابن أبي زائدة إذا قال: قال ابن جريج، عن فلان، فلم يسمعه، وكان يحدث عن ابن جريج فلا يجيء بالألفاظ والأخبار، وكذا كان حفص بميزان يحيى، كان يحيى يقول: ابن جريج، سمعت أبا الزبير" (٢). ومراد أحمد أن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، يرويان عن ابن جريج ما لم يسمعه من شيوخه، بالعنعنة بينه وبينهم، وأما القطان فيروي عن ابن جريج ما سمعه من شيوخه، ويذكر تصريحه بالتحديث.

стр. 319

وقد تقدم في المبحث الرابع أن رواية حفص بن غياث، عن الأعمش عامتها على السماع، وقد نقل ابن حجر عن أبي الفضل بن طاهر - ووافقه - أن حفص بن غياث يميز بين ما صرح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلسه، وأن البخاري اعتمد عليه في ذلك (١). وقال ابن حجر في هشيم: "ذكر جماعة من الحفاظ أن البخاري كان لا يخرج عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، واعتبرت أنا هذا في حديثه فوجدته كذلك، إما أن يكون قد صرح به في نفس الإسناد، أو صرح به من وجه آخر" (٢). ومن تأمل طريقة البخاري في أحاديث قتادة لم يتخالجه شك في اعتنائه بتدليس قتادة، وأنه يخرج له ما صرح فيه بالتحديث، أو توبع عليه، وربما ساق أسانيد ليس الغرض منها إلا بيان تصريحه بالتحديث (٣). وكذلك الحال بالنسبة لأبي إسحاق السبيعي، وعمر بن علي المقدمي، وأمثالهما. وأخرج النسائي حديثاً لأبي الزبير، عن جابر، معنعناً، ثم قال: "كان شعبة سيئ الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفاظ، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، ومالك بن أنس، فإذا قال: سمعت جابراً فهو صحيح، وكان يدلس ... " (٤).

стр. 320

وأما تعليلهم الأحاديث بتدليس المدلسين إذا لاحت قرينة في الإسناد أو المتن فأشهر من أن يذكر، وسيأتي شرح ذلك قريباً. وهذا المنهج لهؤلاء الأئمة منهج وسط، يراعي الاحتياط للسنة بالنسبة للمكثرين والمقلين، أما المكثرون فمن جهة أن لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا سيما أن أصل الرواية بصيغة محتملة ـ وإن لم يكن الراوي مدلساً ـ فيه كلام قديم لبعض الأئمة، فمنهم من كان يشترط في بادئ الأمر تصريح الجميع بالتحديث، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول. وأما المقلون فمن الجهة الأخرى، أي درء مفسدة ردّ أحاديثهم الصحيحة التي سمعوها بسبب تدليس نادر منهم، فهذه ـ بلا شك ـ مفسدة كبرى، لاحظها الأئمة حين فرقوا هذا التفريق. وإذا ترجح هذا القول فإني أنبّه على عدد من الأمور، الغرض منها شرحه، ووضع ضوابط لكيفية تطبيقه بالنسبة للباحث، ذلك أن كثيراً من الخلل يأتي من طرد القول في حالات يعارضه فيها ما هو أخص منه، وهي خمسة أمور: الأمر الأول: يشكل على هذا القول قضية التمييز بين المقلّ والمكثر من التدليس، وصعوبة وضع حد إذا بلغه المدلس ألحق بالمكثرين، إذ ليست المسألة مسألة عدد، وإنما يلاحظ فيها ما عند المدلس أصلاً من الحديث، وما ثبت عليه التدليس فيه، ولا شك أن هذا بالنسبة للباحث المتأخر عسر جداً، فالسبيل إذاً هو الرجوع إلى كلام أئمة الجرح والتعديل، فمتى توارد عدد منهم على وصف راوٍ بالتدليس عرفنا أنهم قصدوا شهرته بذلك لتطبق عليه أحكام المدلسين. وللعلائي تصنيف للمدلسين باعتبار القلة والكثرة، وباعتبارات أخرى أيضاً، يحسن النظر فيه، فقد وضع خمس مراتب للمدلسين:
следующие страницы →