← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 142

الاتصال والانقطاع

إبراهيم اللاحم

Полный текст (466 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أخرج من طريق حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: " انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل علي رسول الله ﷺ ، وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديداً، قال: فقعد عليه رسول الله ﷺ ، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها " (١). وقد قال ابن المديني: " حديث أبي رفاعة: " أتيت النبي ﷺ وهو على كرسي من حديد " رواه سليمان بن المغيرة، عن أبي هلال (كذا في النسخة) عن أبي رفاعة، ولم يلق عندي أبا رفاعة " (٢). وكل الدلائل تشير إلى ما قاله ابن المديني، فأبو رفاعة صحابي مقل جداً، لم يرو عنه سوى حميد بن هلال، وصلة بن أشيم (٣)، وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث عند مسلم، والنسائي، وليس هو معنعناً، فلا يرد احتمال أن يكون حميد بن هلال صرح بالتحديث - فأبدلت الصيغة ممن بعده، وحميد بن هلال يظهر من ترجمته أنه يرسل (٤)، والأقرب أنه لم يدرك أبا رفاعة أصلاً (٥)، وفي حديثه هذا ما يدل على ذلك، فقد اعترض على أبي رفاعة بقوله: "أراه رأى

стр. 387

خشباً أسود حسبه حديداً" (١). ومثل ما يقال في الإرسال يقال في تدليس الراوي عمن سمع منه، سواء بسواء، ففي "الصحيحين" أحاديث للمدلسين ليس فيها تصريح بالسماع، وإنما أخرجها الشيخان لأسباب خاصة، كأن تكون في المتابعات، أو الشواهد، أو في غير المرفوع، ولا يبعد أيضاً أن يكون فاتهما فأخرجا شيئاً وقع فيه تدليس، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث أنهما أخرجا أحاديث فيها تصريح بالسماع، وأعلت مع ذلك بالتدليس. وقد تقدم أيضاً في المبحث الخامس من الفصل الثالث شرح طريقة البخاري في تخريج أحاديث المعروفين بالتدليس، مثل هشيم، والأعمش، وقتادة. وعلى هذا فلا يصح أبداً أن يلتقط باحث بضعة أسانيد في "الصحيحين" فيها عنعنة مدلس، ثم يبني عليه أن منهج النقاد في تعاملهم مع أحاديث المدلسين أنهم لا يلتفتون للتدليس إلا إذا ظهر ذلك في الحديث المعين. وقد رأيت أحد الإخوة الباحثين ممن ينتصر لهذا الرأي يفعل هذا، ومن أمثلة ما ذكره والاستدلال به غير صحيح أنه ذكر أن جمهور النقاد وصفوا عمر ابن علي المقدمي بالتدليس (٢)، وأن البخاري قال: "لا أعرف أن عمر بن علي يدلس" (٣)، ثم قال الباحث: "وقد احتج (يعني البخاري) بأحاديث له معنعنة لم

стр. 388

يجد لها الحافظ نفسه طريقاً آخر مصرحاً فيه بالتحديث"، ثم عزا للتمثيل إلى "صحيح البخاري" المطبوع مع فتح الباري ١١: ٢٣٩ حديث (٦٠٥٦). وقصد الباحث بذلك الرد على ابن حجر حيث وضع عمر بن علي في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين، وهم من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع (١). وصنيع الباحث غير مستقيم أبداً، وابن حجر لم يقل إنهم لم يخرجوا له، وإنما قال: إنهم لم يحتجوا إلا بما صرح فيه بالسماع، وقد ذكر في "هدي الساري" أنه لم ير له في "الصحيح" إلا ما توبع عليه (٢)، ولم يأت الباحث بشيء ينقض به كلام ابن حجر، وقول الباحث: إن البخاري احتج به في أحاديث معنعنة لم يجد لها الحافظ نفسه طريقاً آخر مصرحاً فيه بالتحديث - كلام مرسل لا معنى له، والمثال الذي عزا إليه لتأييد قوله لم يتمعنه الباحث، فلم يحتج به البخاري، وإنما أخرجه متابعة، والباحث عزا إلى الحديث برقم (٦٠٥٦)، ولم أجده بهذا الرقم، وإنما هو برقم آخر، وهذا نص البخاري: " حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلغه ستين سنة"، تابعه أبو حازم، وابن عجلان، عن المقبري" (٣).

стр. 389

فهذا البخاري قد ذكر متابعين لعمر بن علي، في شيخ شيخه، فهي متابعة قاصرة، ولا يشترط في الاعتضاد أن تكون متابعة تامة، مع أن ابن حجر حين بحث هذا الإسناد، وأوضح أن عمر بن علي مدلس لم يصرح بالتحديث، ذكر أنه قد توبع في شيخه، وإن كانت غير صريحة، قال: "هذا الحديث أخرجه أحمد، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن رجل من بني غفار، عن سعيد المقبري بنحوه، وهذا الرجل المبهم هو معن بن محمد الغفاري، فهي متابعة قوية لعمر بن علي ... " (١). وأختم هذا المبحث بتأكيد ما بدأت به، وهو أن شروط النقاد التي وضعوها لقبول الحديث لا ينبغي لباحث أن يستعجل في نفيها لمجرد وقوفه على بعض الأسانيد في "الصحيحين" لا تتوافر فيها تلك الشروط، والله أعلم.

стр. 390

المبحث الثاني درجات الاتصال والانقطاع من الأدلة التي يستند إليها من يرجح رأي مسلم في مسألة رواية الثقة عن شخص أمكن لقاؤه له ولم يثبت دليل خطابي خارج عن أصل القضية، فهو يقول: إن الأخذ بقول الجمهور يؤدي إلى رد أحاديث كثيرة، وهذا معناه تعطيل جملة من السنة النبوية. فهذا دليل خطابي لا يقدم ولا يؤخر في المسألة، فلو افترضنا أن ما ذكره صحيح فما المانع من التزامه؟ فقد ردت أحاديث كثيرة جداً بأسباب أخرى، ولو فتح هذا الباب لأدى ذلك إلى إلغائها أيضاً، ولذهبت جهود أئمة الحديث سدى. ثم إن القول بأن الأخذ برأي الجمهور معناه تعطيل جملة من السنة النبوية غير صحيح، كما قال ابن رجب: "فإن قال قائل: هذا يلزم منه طرح أكثر الأحاديث، وترك الاحتجاج بها، قيل: من ههنا عظم على مسلم ﵀، والصواب أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين، كما نص عليه الإمام أحمد" (١). وهذا الذي قاله من الأهمية بمكان، وليس خاصاً بمسألة الانقطاع، فهو جارٍ أيضاً في جرح الرواة وتعديلهم كما تقدم شرحه، فما ضعف بسبب اختلال شرط من شروط الصحة ليس معناه طرحه بالكلية، وعليه فليس الحكم على

стр. 391

تلك الأحاديث بأنها غير متصلة بموجب لطرحها، فقد تعضد غيرها، ويعضدها غيرها، ويحتج بها مع أدلة أخرى، وقد يحتج بها استقلالاً من يرى العمل بما فيه ضعف غير شديد إذا لم يكن في الباب ما يدفعه، أو لسبب آخر. ومن هذا الباب قول أبي داود وهو يصف "سننه": "وإن من الأحاديث في كتابي "السنن" ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلَّس، وهو - إذا لم توجد الصحاح - عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن، عن جابر، والحسن، عن أبي هريرة، والحكم، عن مقسم " (١). وقد ذكر أبو زرعة حديث حفص بن غياث، عن محمد بن قيس، عن حبيب بن أبي ثابت قال: "كان عمر لا يجيز نكاحاً في عام سنة - يعني مجاعة -"، قيل لأبي زرعة: ما ترى في هذا؟ قال: "هو مرسل، ولكن عن عمر، أهاب أن أرد قوله" (٢). وقد مر بنا في الفصل الثاني من "الجرح والتعديل" مراتب الجرح والتعديل، وتبين من عرضها أن درجات الأحاديث تختلف بحسب اختلاف درجات رواتها، ومثل هذا يقال في شرط (الاتصال)، فما حكم له بالاتصال هو على درجات، وما حكم عليه بالانقطاع فهو على درجات أيضاً، وإن كان الأئمة لم ينصوا على درجات للاتصال والانقطاع، لكن يمكن للباحث أن يتلمس هذا من صنيعهم وتطبيقهم.

стр. 392

فأما درجات الاتصال فإن إثبات سماع راوٍ من آخر ظاهر جداً أنه يختلف باختلاف قوة دليل ذلك الثبوت، فحال من اتفق الأئمة على ثبوت سماعه ممن روى عنه، واشتهاره بالأخذ عنه واستفاضة ذلك - ليس كحال من ثبت سماعه عندهم بحديث واحد صرح فيه بالتحديث، وإن لم يجر خلاف في نفي السماع. ثم دون ذلك من جرى بين الأئمة خلاف في سماعه ممن روى عنه، وإن ترجح ثبوت السماع. وعلى هذا فاتصال حديث من رواية عروة بن الزبير ـ مثلاً ـ أو القاسم بن محمد، أو عمرة بنت عبدالرحمن، ونحوهم ممن استفاض لقاؤه لعائشة وسماعه منها، ليس كاتصال حديث من رواية مجاهد، أو عكرمة، عن عائشة، وقد جرى بين الأئمة خلاف في سماعهما منها (١). ومثل ذلك يقال في حديث معين بعد ثبوت أصل السماع، فحديث يرويه مدلس قد صرح فيه بالتحديث وثبت عنه ليس في الاتصال كحديث لم يصرح فيه المدلس بالتحديث، وإن كانت عنعنته مقبولة، إما لكونه قليل التدليس، أو لكونه يروي ذلك الحديث عن شيخ أكثر عنه جداً، أو لسبب آخر أوجب قبول عنعنته في ذلك الحديث، أو لكون دارس الإسناد يذهب إلى أن الأصل في رواية المدلس بصيغة محتملة هو الاتصال ما لم يتبين في الحديث المعين أنه دلسه. وأيضاً ورود تصريح المدلس بالتحديث من طرق متعددة أقوى من وروده من طريق واحد يتطرق إليه الاحتمال، ثم هذا الطريق الواحد قد يكون قوياً

стр. 393

جداً، وقد يكون دون ذلك. وتبرز الاستفادة من معرفة درجات الاتصال عند التعارض، والحاجة إلى الموازنة والترجيح، وقد يحتاج إليها وإن لم يكن هناك تعارض، مثل كون الحديث فرداً في حكم مهم تعم به البلوى، ونقل المكلف عن البراءة الأصلية فيه يحتاج إلى دليل قوي. وأما درجات الانقطاع فيمكن وضع درجات له كما سبق في الاتصال، أي باعتبار قوة القول بالانقطاع وضعفه، فرواية راوٍ عن شخص لم يدركه، ليست في الانقطاع كرواية راوٍ عن شخص قد أدركه، ورواية راوٍ عن شخص أدركه ولكن لا يمكن سماعه منه، ليست كرواية راوٍ عن شخص أدركه وأمكن سماعه منه، لكن لم يثبت سماعه، فإن بعض الأئمة - كما تقدم في الفصل الثاني- يحكم لمثل هذه الحالة بشروط معينة بالاتصال. ويدخل في ذلك وجود الاختلاف بين الأئمة في الحالة المعينة وعدمه، فرواية راوٍ عن شخص قد اتفق على أنه لم يدركه ليست كرواية راوٍ عن شخص قيل إنه أدركه، ورواية راوٍ عن شخص قد اتفق على أنه أدركه ولم يسمع منه ليست كرواية راوٍ عن شخص أثبت أئمة له سماعاً منه، وإن ترجح عدمه. كما يمكن وضع درجات للانقطاع باعتبار مرتبة الساقط من الإسناد، إذ من المتقرر أن شرط اتصال الإسناد يرجع في نهاية الأمر إلى الشرطين الأولين، وهما عدالة الرواة وضبطهم، فإذا أمكن معرفة درجة الساقط تحديداً أو تقريباً فالحكم على الإسناد حينئذٍ يكون بحسب درجة هذا الساقط. ويتهيأ في أحيان كثيرة معرفة الساقط من الإسناد في الحديث المعين على وجه التحديد، إما بوروده في رواية أخرى، أو بنص إمام من أئمة هذا الشأن،

стр. 394

ثم قد يكون ثقة وقد يكون ضعيفاً أو كذاباً، وقد يكون مجهولاً، أو مبهماً غير مسمى، بل في أحيان كثيرة يكون الدليل على وجود انقطاع في الإسناد هو نفسه الدليل المعرف بالساقط من هو. وقد تقدم في الفصل الثالث أمثلة كثيرة على تسمية الساقط من إسناد أحاديث معينة. ومن أمثلة ذلك أيضاً حديث شعبة، وابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر في (العزل)، الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثالث، وقد نص عمرو على أنه لم يسمعه من جابر، والواسطة بينهما عطاء بن أبي رباح، هكذا رواه سفيان بن عيينة - في المشهور عنه - عن عمرو (١). وروى أحمد قال: "حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم: "أن ابن عمر حلف على مملوك له يطلق امرأته، فأبى، فكفر عن يمينه"، قال شعبة: أراه بلغه - يعني الحكم - عن أبان بن أبي عياش" (٢). وأبان متروك الحديث (٣). وروى جماعة عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن

стр. 395

يزيد بن أبي مالك، عن أبي سباع، عن واثلة بن الأسقع قصة شراء ناقة معيبة (١)، ذكر لأحمد فقال: "أبو جعفر لم يسمع من هذا، إنما روى هذا عن محمد بن سعيد -والله أعلم-، فترك محمد بن سعيد، وقال: عن يزيد"، ثم ذكر أحمد حال محمد ابن سعيد، وأنه متروك الحديث، يقال: إن أبا جعفر المنصور صلبه على الزندقة (٢). ويتنبه هنا إلى عبارات يستخدمها الأئمة قد يفهم منها تسمية الواسطة جزماً، وليس الأمر كذلك، كما في قول أحمد بعد أن روى عن هشيم، عن أبي بشر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه كان يقول: ((تذاكروا الحديث، فإن الحديث يهيج بعضه بعضاً)) ـ قال أحمد: "لم يسمعه هشيم من أبي بشر، هذا حديث شعبة" (٣)، فقد يفهم من هذه العبارة أن هشيماً سمعه من شعبة، عن أبي بشر، والعبارة لا تؤدي ذلك، إذ قد يكون هشيماً لم يسمعه من شعبة أيضاً، وإنما رواه عنه بواسطة. ومثله قول أحمد أيضاً في حديث رواه عن هشيماً، عن أيوب أبي العلاء، عن عطاء: ((أنه سئل عن الملاح يكون في السفينة فيها أهله وتنوره، قال: يصلي أربعاً)) ـ قال أحمد: "لم يسمعه هشيم من أبي العلاء، هذا حديث أبي شهاب ـ يعني الحناط ـ، كان يرويه أبوشهاب" (٤).

стр. 396

وإذا لم يتهيأ تسمية الساقط من الإسناد في الحديث المعين فقد يتهيأ تسميته في جملة ما يرويه الراوي عن ذلك الشيخ الذي أسقط من دونه، إما بتسميته على وجه التعيين، أو بتسمية عدد من الرواة، وقد تقدم في الفصل الثاني ذكر أمثلة لذلك. ومن أمثلته أيضاً أحاديث يرويها خلاس بن عمرو، عن علي، وهو لم يسمع منه في قول جمهور العلماء، وإنما يحدث من صحيفة، قال أبوداود: "كانوا يخشون أن يكون خلاس يحدث عن صحيفة الحارث الأعور" (١). ومثله رواية محمد بن سيرين، عن ابن عباس عدة أحاديث، وهو لم يسمع منه، وإنما سمع من عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، كذا قال خالد الحذاء، وشعبة، وغيرهما (٢)، وأخرج البخاري منها حديثاً واحداً في المتابعات، وساق بعده طريقين آخرين إلى عكرمة، عن ابن عباس، واستظهر ابن حجر أن

стр. 397

يكون البخاري قصد بإيرادهما الإشارة إلى الانقطاع في السند الأول (١). وأحاديث يرسلها معاوية بن قرة عن ابن عباس وغيره، وهنها شعبة، يرى أنها عن شهر بن حوشب (٢)، وشهر بن حوشب مختلف فيه كثيراً، وكان شعبة يضعفه (٣). وأحاديث يرويها عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، ذكر أبوحاتم، وابن حبان، أنه أخذها عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وكذا نص على ذلك أحمد في أحاديث منها، وقد سئل عباد نفسه عن شيء منها فأخبر بذلك (٤)، وإبراهيم بن أبي يحيى متروك الحديث، كذبه أئمة (٥). ومن الأمثلة أيضاً أحاديث يرويها الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، وهو لم يسمع منه، فهذه الأحاديث أخذها من أحد المتروكين المتهمين، وهو عمرو بن خالد الواسطي، عنه، كذا قال أحمد، وابن معين، وابن صاعد،

стр. 398

وابن عدي، وغيرهم (١). ومثل ذلك رواية ابن جريج أيضاً عن صفوان بن سليم، وهو لم يسمع منه، قال أبومسعود أحمد بن الفرات: "رأيت عند عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن صفوان بن سليم أحاديث حساناً، فسألته عنها، فقال: أي شيء تصنع بها؟ هي أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى "، قال أبو مسعود: "كان ابن جريج يدلسها عن إبراهيم بن أبي يحيى، فتركتها ولم أسمعها" (٢). وقال أبوحاتم: "ابن جريج يدلس عن ابن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم غير شيء" (٣). ونقل ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قوله: "لم يسمع سعيد - يعني ابن أبي عروبة - من حماد، ولا من أبي بشر، ولا من هشام بن عروة، ولا من يحيى بن سعيد شيئاً، إنما كان يأخذها عن البري" (٤). والبري هو عثمان بن مقسم البري، فقيه مشهور، لكنه متروك الحديث (٥). وقال أحمد في رواية مطرف بن طريف، عن الحسن البصري: "مطرف لم

стр. 399

يسمع من الحسن شيئاً، إنما يروي عن إسماعيل بن مسلم، عنه" (١). وإسماعيل هذا هو البصري نزيل مكة، وهو ضعيف (٢). وقال عبد الله بن أحمد: "سئل (يعني أباه) عن حديث الفريابي، عن سفيان، عن القاسم بن عبدالرحمن: "أن عمر صلى بهم - يعني بالناس - وهو جنب"، فقال أبي: سفيان لم يسمع من القاسم بن عبدالرحمن، إنما روى عن أشعث - يعني ابن سوار - عنه" (٣). وأشعث هذا ضعيف الحديث (٤). وذُكر لأبي حاتم، وأبي زرعة، حديثٌ من رواية الثوري، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، فقالا: "هذا هو جعفر بن أبي وحشية، ولم يدرك الثوري جعفر ابن أبي وحشية، إنما يروي الثوري، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية" (٥). وسئل أبو حاتم عن حديث لموسى بن عقبة، عن أبي إسحاق السبيعي، خالف فيه موسى إسرائيل بن يونس، فقال: "إسرائيل أحفظ، وموسى بن عقبة يروي هذه الأحاديث عن رجل يقال له: عبد الله بن علي، عن أبي إسحاق،

стр. 400

وعبد الله هذا رجل مجهول" (١). وسئل أحمد عن معمر هل سمع من يحيى بن سعيد الأنصاري، فقال: "لا أراه، ولكن كان عندهم ابن محمد بن عباد بن جعفر، فأراه سمع منه، وكان رباح يحدث عنه" (٢). ومراد أحمد أن ابن محمد بن عباد - واسمه جعفر - كان في اليمن، وكان رباح بن زيد الصنعاني يحدث عنه، فالظاهر أن معمراً كذلك، إنما سمع أحاديث يحيى بن سعيد بواسطته. وقد ذكر أبو حاتم في ترجمة جعفر هذا أن معمراً يروي عنه (٣). وقال أحمد أيضاً في أحاديث يرويها هشيم عن القاسم الأعرج: "هشيم لم يسمع من القاسم الأعرج شيئاً، إنما سمعها من أصبغ الوراق" (٤)، وأصبغ هو ابن زيد، وقد قواه أكثر الأئمة (٥). فهذه الأمثلة كلها فيمن لم يسمع ممن روى عنه، وأما من سمع منه غير أنه روى عنه أحاديث بواسطة وأسقطها، فمثاله رواية حميد الطويل، عن أنس بن مالك أحاديث كثيرة، وهو إنما سمع منه القليل، والباقي سمعها بواسطة ثابت البناني، وهو ثقة ثبت غير مدلس، قال شعبة: "لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة

стр. 401

وعشرين حديثاً، والباقي سمعها من ثابت، أو ثبته فيها ثابت" (١). وقال مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة: "عامة ما يروي حميد، عن أنس، سمعه من ثابت ـ يعني البناني ـ عنه" (٢). وقال ابن خراش: "يقال: إن عامة حديثه عن أنس إنما سمعه من ثابت" (٣). وقال ابن حبان: "سمع من أنس ثمانية عشر حديثاً، وسمع الباقي من ثابت فدلس عنه" (٤). قال ابن عدي معقباً على ما قاله شعبة: "ما ذكر عنه أنه لم يسمع من أنس إلا مقدار ما ذكر، وسمع الباقي من ثابت عنه ـ فإن تلك الأحاديث يميزها من كان يتهمه أنها عن ثابت، عنه، لأنه قد روى عن أنس، وقد روى عن ثابت، عن أنس أحاديث، فأكثر ما في بابه أن الذي رواه عن أنس البعض مما يدلسه عن أنس، وقد سمعه من ثابت، وقد دلَّس جماعة من الرواة عن مشايخ قد رأوهم" (٥). وقد قيل: إنه يدلس عن غير ثابت أيضاً كقتادة (٦)، ولذا قال البرديجي:

стр. 402

"لا يحتج من حديث حميد إلا ما قال: حدثنا أنس" (١). والذي يظهر أن تدليسه عن غير ثابت قليل، فإن تبين شيء منه فذاك، وإلا فالأصل سماعه من أنس، أو تدليسه عن ثابت، والله أعلم. ورواية هشام بن حسان، عن الحسن، وعطاء، فهو يرسل عنهما (٢)، وما يرسله عن الحسن أخذه من كتب حوشب بن عقيل، وهو ثقة، وما يرسله عن عطاء شيء منه أخذه من قيس بن سعد، وهو ثقة أيضاً، قال ابن المديني: قال بعضهم: "كتب هشام بن حسان أخذها من حوشب، وأحاديث عطاء شيء منه في المناسك عن قيس بن سعد" (٣). وقال أيضاً: " أحاديث هشام، عن الحسن عامتها تدور على حوشب" (٤). وقال أبوداود: "كانوا يرون أنه أخذ كتب حوشب" (٥). ورواية يونس بن عبيد، عن الحسن البصري، فهو من أصحاب الحسن، وقد روى عنه أشياء لم يسمعها منه، وإنما أخذها من أشعث بن عبدالملك الحمراني، وهو ثقة، قال شعبة: "عامة تلك الدقائق ـ يعني مسائل الدقائق ـ التي حدث بها يونس ـ يعني ابن عبيد ـ عن الحسن، إنما كانت عن أشعث ـ

стр. 403

يعني ابن عبدالملك ـ" (١). وقال أحمد في أشعث: "كان عالماً بمسائل الحسن الرقاق، ويقال: ما روى يونس فقال: نبئت عن الحسن ـ إنما أخذه من أشعث بن عبدالملك" (٢). ثم إن الأشعث لم يسمعها من الحسن أيضاً، فبينهما حفص بن سليمان المنقري، كما قال شعبة: "إنما فقه مسائل يونس، عن الحسن؛ لأنه كان - يقال -: أخذها من أشعث، وإنما كثرة علم الأشعث لأن أخته كانت تحت حفص بن سليمان مولى بني منقر، وكان قد نظر في كتبه، وكان حفص أعلمهم بقول الحسن" (٣). وقال إسماعيل بن علية: "كنا نرى أن يونس سمعها من أشعث، وأشعث من حفص" (٤). وحفص بن سليمان هذا ثقة، من قدماء أصحاب الحسن، ومن المقدمين فيه، بل قدمه ابن المديني على جميع أصحابه (٥). ورواية ابن جريج، عن داود بن الحصين، وصالح بن نبهان مولى التوأمة، قال ابن المديني: "كل ما في كتاب ابن جريج: أخبرت عن داود بن الحصين،

стр. 404

وأخبرت عن صالح مولى التوأمة ـ فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى" (١). ورواية الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، قال ابن المبارك: "كان الحجاج مدلساً، كان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه محمد العرزمي، والعرزمي متروك الحديث، لا نقر به" (٢). وقال أبونعيم: "لم يسمع الحجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث، والباقي عن محمد بن عبيدالله العرزمي" (٣). وكذا قال ابن معين: "إنه يدلس عن عمرو بن شعيب بإسقاط العرزمي" (٤). ويصلح أن يكون هذا قاعدة في عنعنة الحجاج بن أرطاة، فإذا روى عن رواة هم من شيوخ العرزمي هذا يكون قد أسقطه، قال ابن المبارك أيضاً: "رأيت الحجاج بن أرطاة يحدث في مسجد الكوفة، والناس مجتمعون عليه، وهو يحدثهم بأحاديث محمد بن عبيدالله العرزمي، يدلسها حجاج عن شيوخ العرزمي، والعرزمي قائم يصلي ما يقر به أحد، والزحام على الحجاج" (٥). ومثله ما يرويه ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب بالعنعنة، فإنه يسقط القاسم

стр. 405

ابن عبد الله العمري، وهو يضع الحديث، وإسحاق بن أبي فروة، وهو متروك الحديث، متهم، والمثنى بن الصباح، وهو ضعيف مختلط (١). وكذا رواية هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم النخعي، أحاديث منكرة المتون، فإنه يدلسها عن راوٍ متروك الحديث، وهو إبراهيم بن عطية، وربما ذكره لكن يبهمه فيقول: أخبرنا صاحب لنا، قال عباس الدوري: "سألت يحيى عن أحاديث يرويها هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: ((النظر في مرآة الحجام دناءة))، و ((إذا بلي المصحف دفن))، وأشباه هذه الأحاديث ـ فقال: سمعها هشيم من إبراهيم بن عطية الواسطي، عن مغيرة، قلت ليحيى: إبراهيم هذا سمع من المغيرة هذه الأحاديث؟ قال: كان إبراهيم هذا لا يساوي شيئاً، وينبغي أن يكون قد سمع من مغيرة، فهشيم إنما سمع هذه الأحاديث منه عن مغيرة، وكان يقول: مغيرة، هكذا قال يحيى، أو شبيه بهذا" (٢). ومراد ابن معين أن إبراهيم هذا سمع من مغيرة في الجملة، لا أنه سمع منه هذه الأحاديث. وأما تسمية عدد من الوسائط بين الراوي ومن روى عنه، فإن كانوا كلهم ثقات أو كلهم ضعفاء فكما لو كان المسمى واحداً، وإن كان فيهم ثقات وضعفاء فيتوقف فيه، وما يتوقف فيه فمآله دائماً إلى الرد حتى يثبت نقيضه.

стр. 406

ومن أمثلة ذلك رواية معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس تفسيره، فإن علياً لم يسمع منه بالاتفاق، وقد سمى بعض العلماء الواسطة بينهما، فقيل: الواسطة بينهما مجاهد، وقيل: مجاهد وعكرمة، وقيل: مجاهد وسعيد بن جبير، والثلاثة أئمة ثقات، ولهذا يعدّ هذا الطريق ـ رغم انقطاعه ـ أقوى الطرق في التفسير إلى ابن عباس، وقد اعتمدها البخاري كثيراً فيما يعلقه عن ابن عباس (١). وقال أحمد في شأن هذه النسخة: "لو أن رجلاً رحل إلى مصر، فانصرف منها بكتاب التأويل لمعاوية بن صالح، ما رأيت رحلته ذهبت باطلاً " (٢). وبضد ذلك ما تقدم ذكره في المبحث الرابع من الفصل الثالث في الحديث عن تدليس التسوية، حيث سمى العلماء عدداً من الضعفاء والمتروكين يسقطهم الوليد بن مسلم بين الأوزاعي، وعطاء بن أبي رباح، وبين الأوزاعي، ونافع مولى ابن عمر. ومثله رواية ابن جريج، عن المطلب بن عبدالله ـ وهو لم يسمع منه ـ، فقد ذكر ابن المديني أنه كان يأخذ أحاديثه عن ابن أبي يحيى، عنه (٣).

стр. 407

وقال الدارقطني: "لم يسمع ابن جريج من المطلب بن عبدالله بن حنطب شيئاً، ويقال: كان يدلسه عن ابن أبي سبرة أو غيره من الضعفاء" (١). وابن أبي سبرة هو أبوبكر بن عبدالله بن محمد بن أبي سبرة، متروك الحديث، ورماه أحمد بالوضع (٢). ورواية الأعمش، عن مجاهد، فإن بينهما في أحاديث يدلسها عنه جماعة من الضعفاء والمتروكين، منهم ليث بن أبي سليم، قال عبدالله بن أحمد: "قلت لأبي: أحاديث الأعمش، عن مجاهد ـ عمن هي؟ قال: قال أبوبكر بن عياش: قال رجل للأعمش: ممن سمعته ـ في شيء رواه عن مجاهد ـ؟ قال: مر كزاز مر ـ بالفارسية ـ، حدثنيه ليث، عن مجاهد" (٣). وذكر ابن المديني أن أحاديثه التي يدلسها عن مجاهد هي عن أبي يحيى القتات، وحكيم بن جبير، وهؤلاء (٤). وكذلك رواية الأعمش، عن أنس، فإنه لم يسمع منه، وذكر ابن المديني أن ما يرويه عن أنس سمعه من يزيد الرقاشي، وأبان (٥)، ويزيد، وأبان متروكا

стр. 408

الحديث (١). وبين الدرجتين من كان فيمن يسقطهم الراوي ثقات وضعفاء، أو غير معروفين، كما في رواية الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس تفسيره، فإنه لم يسمع منه، وروى شعبة عن عبدالملك بن ميسرة قوله: "الضحاك لم يسمع من ابن عباس، إنما لقي سعيد بن جبير بالري فسمع منه التفسير" (٢). وسئل أحمد: ممن سمع التفسير؟ فقال: "يقولون: سمعه من سعيد بن جبير" (٣). فهذان ثقتان، لكن جاء في رواية عن شعبة، عن عبدالملك بن ميسرة قوله: "قلت للضحاك: أسمعت من ابن عباس؟ قال: لا، قلت: فهذا الذي ترويه عمن أخذته؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا" (٤). ومثله زكريا بن أبي زائدة في الشعبي، فقد كان يدلس عن فراس بن يحيى (٥)، وفراس ثقة (٦). وروى أبوداود عن أحمد قوله: "كان عند زكريا كتاب فكان يقول فيه: سمعت الشعبي، ولكن زعموا كان يأخذ عن جابر، وبيان، ولا يسمي ـ يعني

стр. 409

ما يروي من غير ذاك الكتاب يرسلها عن الشعبي ـ" (١)، وجابر هو الجعفي متروك الحديث (٢)، وبيان هو ابن بشر ثقة ثبت (٣). وقال أبوحاتم: "يقال: إن المسائل التي يرويها زكريا لم يسمعها من عامر، إنما أخذها من أبي حريز" (٤)، وأبوحريز هو عبدالله بن الحسين الأزدي، مختلف فيه (٥). وكذا مغيرة بن مقسم في إبراهيم النخعي، فقد قال أحمد: "عامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد ابن الوليد، والحارث العكلي، وعن عبيدة وغيره ـ وجعل يضعف حديثه عن إبراهيم وحده ـ" (٦). والحارث هو ابن يزيد ثقة (٧)، وحماد هو ابن أبي سليمان، ثقة في إبراهيم وتغير حفظه في الآخر (٨)، ويزيد مستور (٩)، وعبيدة هو ابن المعتب ضعيف

стр. 410

مختلط (١)، قال أحمد: "ترك الناس حديثه، قال له رجل: هذا رأي إبراهيم؟ قال: لا، إنما قست على رأيه" (٢). ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الأئمة قد يذكرون واسطة بين راوٍ وآخر، إما شخصاً واحداً أو أكثر، ويكون غرضهم بيان أنه لم يسمع منه، وهذا كثير جداً، وقد تقدم شرحه وذكر أمثلته في المبحث الأول من الفصل الثاني، لكن لا يصح أن تجعل هذه الواسطة هي التي بينهما في كل رواية ترد عنه وليس بينهما أحد، إذ غرض الأئمة من ذكرها هو إقامة الدليل على أنه لم يسمع منه لا أكثر، وقد يكون هناك غيرها ممن لم يسم، ولكن لا بأس أن يستأنس بها استئناساً، كما قال يحيى القطان: "أما مجاهد، عن علي ـ فليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى، عن علي" (٣). ومراد يحيى أن ما يرسله مجاهد عن علي ﵁ ليس به بأس، رغم أنه منقطع، لأن مجاهداً قد روى عن علي بواسطة عبدالرحمن بن أبي ليلى غير ما أرسله (٤)، وعبد الرحمن ثقة، فلا يبعد أن يكون قد أسقطه فيما يرسله. قال ابن رجب معقباً على كلمة القطان: "من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك" (٥).

стр. 411

وإذا لم يتهيأ تسمية الواسطة في الحديث المعين، أو في جملة ما يرويه الراوي عمن أرسل أو دلس عنه ـ فالدرجة الثالثة أن يعرف بالقرائن حال من يسقطهم هذا المرسل أو المدلس عادة. وعن طريق هذا وضع الأئمة مراتب للمراسيل، ينص الأئمة على مبررات تفريقهم بينها (١)، وعلى الباحث أن ينظر فيها حين يريد الحكم على مرسل أمامه، ما درجته؟ وهل يصلح للاعتضاد أو لا؟ ومثل ذلك يقال في التدليس. ومن أمثلة حكم الأئمة على مرسل بدراسة حال من أرسله ما يرويه سعيد ابن المسيب، عن عمر بن الخطاب، فقد مات عمر وهو صغير، سمع منه خطبته ينعي النعمان بن مقرن، لكن حال سعيد في نفسه وجلالته، وكونه عرف عنه أنه لا يرسل إلا عن الثقات، واعتناءه بشأن عمر بن الخطاب وقضاياه وجمعه لها حتى كان ابن عمر يسأله عن شأن أبيه ـ أوجب ذلك كله قوة لما يرسله عنه، قال أحمد لما سئل: سعيد بن المسيب، عن عمر ـ حجة؟ : "هو عندنا حجة، وقد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد، عن عمر، فمن يقبل؟ " (٢).

стр. 412

ومثله رواية أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه، فجمهور الأئمة على أنه لم يسمع من أبيه، وقد توارد عدد منهم على تقوية حديثه عن أبيه، وعللوا ذلك، قال ابن رجب بعد أن ذكر حديثاً بهذا الإسناد: "وأبوعبيدة وإن لم يسمع من أبيه ـ إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره" (١). ونقل أيضاً عن ابن المديني قوله في حديث يرويه أبوعبيدة، عن أبيه: "هو منقطع، وهو حديث ثبت" (٢). وقال يعقوب بن شيبة: "إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة، عن أبيه في المسند ـ لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر" (٣). وقال الشافعي في حديث لطاوس، عن معاذ بن جبل: "طاوس لم يلق معاذاً، لكنه عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ، وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافاً"، قال السخاوي بعد أن ذكر هذا: "وتبعه البيهقي وغيره" (٤). ومثل ذلك يقال في تدليس سفيان بن عيينة، فقد تتبع الأئمة من يسمي إذا

стр. 413

دلّس ثم طولب بالسماع، فوجدوهم ثقات، حتى قال ابن حبان بعد أن بين مذهبه في التوقف في عنعنة المدلس: "إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلَّس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلَّس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بيّن سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلة ـ وإن لم يبين السماع فيها ـ كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه ... " (١). وقول ابن حبان: "عن ثقة مثل نفسه" ـ أي في مطلق كونه ثقة، لا أن المقصود أن كل من أسقطهم ابن عيينة فهم في درجته، هذا هو الظاهر ـ والله أعلم ـ، فقد أسقط مرة إبراهيم بن نافع، بينه وبين ابن أبي نجيح (٢)، وإبراهيم هذا ثقة، لكنه لا يقارن بابن عيينة (٣). وأسقط مرة وائل بن داود، وولده بكر بن وائل، بينه وبين الزهري (٤)،

стр. 414

وبكر صدوق، ووائل ثقة (١). وأسقط مرة العلاء بن عبدالرحمن، وسلم بن قتيبة، بينه وبين عمرو بن دينار (٢)، والعلاء، وسلم بن قتيبة صدوقان (٣). وبضد ذلك من عرف عنه أنه يروي عن الضعفاء والمتروكين والمجهولين، ويكثر ذلك منه، فمتى حكم على إسناد هو فيه بالانقطاع ضعف جداً، فلا يصلح للاعتضاد، كما هو حال ابن جريج، ومحمد بن إسحاق (٤)، وبقية بن الوليد (٥)، والوليد بن مسلم (٦)، ومروان بن معاوية الفزاري (٧)، وعيسى بن موسى غنجار (٨)، وغيرهم. قال أحمد: "بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث

стр. 415

موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه ـ يعني قوله: أخبرت، وحدثت عن فلان" (١). وقال أيضاً: "إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت ـ جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به" (٢). وقال أيضاً: "إذا قال ابن جريج: قال ـ فاحذروه، وإذا قال: سمعت، أو سألت، جاء بشيء ليس في النفس منه شيء" (٣). وقال الدارقطني: "يتجنب تدليسه، فإنه وحش التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما" (٤). ويقرب من هؤلاء سليمان الأعمش إذا دلس، فإنه يسقط الضعفاء والمتروكين كثيراً، وربما أسقط ثقة، قال الأزدي: "فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه، لأنه يحيل على مليء ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه، لأنه يحيل على غير مليء، والأعمش إذا سألته: عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريف، وعباية بن ربعي ... " (٥). فمن عرف عنه إسقاط المتروكين فما يدلسه أو يرسله يكون شديد الضعف

стр. 416

لا يصلح للمتابعة، وإن لم يعرف الساقط في رواية معينة. مثاله رواية ابن جريج، عن مجاهد، قال ابن الجنيد: "سألت يحيى بن معين قلت: ابن جريج سمع من مجاهد شيئاً؟ قال: حرفاً أو حرفين، قلت: فمن بينهما (يعني فيما يدلسه عن مجاهد)؟ قال: لا أدري" (١). وبين هؤلاء وأولئك جماعة من الرواة يسقطون فيما يرسلونه أو يدلسونه الثقات وغيرهم. وأعود إلى تأكيد ما بدأت به هذا المبحث من أن الانقطاع ليس على درجة واحدة، بل هو متفاوت جداً، فإذا عرف هذا لم يكن مستغرباً أن نجد في "الصحيح" ما صورته الانقطاع، واحتف به ما يجعله في حكم المتصل (٢)، وكذلك أن نجد من أحاديث المدلسين ما يحتمل أو يترجح أنه وقع فيه تدليس، لكن يتسامح فيه لأنه ليس عليه الاعتماد (٣). ويستغرب جداً من باحث يأتي إلى إسناد فيه إرسال أو تدليس من يكثر منه إسقاط الضعفاء والمتروكين ثم يعضده بغيره، أو يعضد غيره به. والأمر في مثل هذا ظاهر جداً، وذلك باستحضار ما تقدم من أن شرط الاتصال يعود في النهاية إلى شرطي العدالة والضبط، فإعطاء المنقطع حكماً لائقاً

стр. 417

به يرجع إلى تحديد الساقط على التعيين أو التقريب، ومن الأمر البدهي في هذا العلم جعل الرواة على طبقات، فمنهم من يعتمد عليه في نفسه، ومنهم من لا يعتمد عليه، ثم هذا الثاني قد يصلح أن يعتضد بغيره أو يعضد غيره، وقد لا يصلح لذلك، فالسقط في الإسناد يرجع إلى هذه المراتب ولابد، والله أعلم.

стр. 418

المبحث الثالث مصطلحات في الاتصال والانقطاع هناك مصطلحات يستخدمها الأئمة في حديثهم عن اتصال الإسناد وانقطاعه، وكثير من هذه المصطلحات شائع معروف، مثل: الإرسال، الانقطاع، التدليس، الإدراك، الاتصال، اللقي، وما تصرف منها نفياً أو إثباتاً. وهناك مصطلحات أخرى غير شائعة عند الباحثين، إما لقلة استخدامها عند الأئمة، أو لاستخدام الباحثين مصطلحات أخرى بديلة لها مما هو شائع معروف، أو لأسباب أخرى، وسأقتصر هنا على شرح هذا النوع من المصطلحات، إذ ما هو شائع معروف لا يحتاج إلى بيان. ١ - التوقيف: معنى التوقيف سؤال الراوي لشيخه عن أمر ما في روايته، وأكثر ما يستخدم في مطالبة الراوي لشيخه أن يصرح له بالتحديث، فإذا فعل فقد وقف، وإلا قالوا: لم يقف، فيقولون: وقفته فوقف لي، أي طالبته بالتصريح بالتحديث فصرح به، أو: وقفته فلم يقف لي، أي طالبته فلم يصرح بالتحديث، ومثل ذلك: وقف فلان فلاناً، أي سأله أن يصرح له بالتحديث، ونحو هذه العبارات، وقد يكون الجواب عن التوقيف أن يذكر الواسطة بينه وبين من حدث عنه. وفيما مضى من هذا البحث نصوص كثيرة في التوقيف بهذا المعنى.

стр. 419

ومن ذلك أيضاً قول شعبة: " وقِّفوهم، تُصدقوا، أو تُكذبوا" (١)، أي طالبوا الرواة بالتصريح بالتحديث، ليتبين سماعهم للحديث من عدمه. وقال عبدالرحمن بن مهدي: "كنت مع سفيان عند عكرمة، فجعل يوقفه على كل حديث على السماع" (٢). وقال أيضاً: "شهدت سفيان عند العمري، فجعل يوقفه في كل حديث توقيفاً شديداً" (٣). ونقل أبومعاوية عن الحجاج بن أرطاة قوله: "لا توقفوني على السماع" (٤). وقال علي بن المديني: "سمعت يحيى بن سعيد وذكر توقيف الرجال على سماع الحديث - يعني المحدثين - فقال: قلت ليحيى بن سعيد الأنصاري - وهو قاض - في حديث معاذ بن جبل: سمعته من سعيد بن المسيب؟ قال: نعم" (٥). وقال علي أيضاً: "قلت ليحيى بن سعيد: إن في كتاب عباد بن صهيب أحاديث عن الجعد بن أوس يقول فيها: سمعت السائب بن يزيد، فقال يحيى: أخذت أطرافها من حكيم فما صحح الجعد منها حرفاً، ولا وقف عليه" (٦). وفي رواية أخرى عن ابن المديني أن يحيى بن سعيد ذكر له أن الجعد يذكر

стр. 420

الواسطة بينه وبين السائب، فكان يقول: حدثني يزيد بن خصيف، عن السائب (١). ومراد يحيى بن سعيد بهذا بيان خطأ كتاب عباد بن صهيب، بذكر التحديث بين الجعد بن أوس، وبين السائب بن يزيد. وقال عبدالرحمن بن مهدي: "كنا إذا وقفنا أبا الأشهب نقول له: قل: سمعت الحسن ـ يقول: سمعت الحسن أو غيره" (٢). ومثله في توقيف أبي الأشهب قول بهز بن أسد: "وقفنا أبا الأشهب، فوقف لنا فقال: حدثنا الحسن" (٣). وقال أحمد: "كان مبارك يرسل [عن] الحسن، قيل: يدلس؟ قال: نعم، قال: وحدث يوماً عن الحسن بحديث فوقف عليه، قال: حدثنيه بعض أصحاب الحديث، عن أبي حرب، عن يونس" (٤). وقال العجلي في إسماعيل بن أبي خالد: "وكان ربما أرسل الشيء عن الشعبي، فإذا وقف أخبر" (٥). ٢ - التصحيح: ويريدون به اتصال الإسناد بالسماع، فيقولون: سألت فلاناً أن يصحح لي

стр. 421

هذه الأحاديث فصححها، يعني صرح بالتحديث فيها، أو لم يصححها، يعني أبى ذلك، أو صحح لي منها كذا، يعني صرح بالتحديث في بعضها دون بعضها الآخر، فهو لم يسمعه، ويقولون: أحاديث فلان عن فلان صحاح، يعني سمعها، أو ليست بصحاح، يعني لم يسمعها، ونحو هذه العبارات. وفي بعض عباراتهم ما يشتبه بالتصحيح المطلق، وهو الحكم على الحديث، ولكن يفهم من السياق أو من عبارات أخرى أن ذلك خاصٌ بالسماع، ولا شك أنه بالنسبة للنفي يوافق عدم التصحيح المطلق، لأن معناه اختلال شرط من شروط الصحة، وهذا كافٍ في التضعيف، أما بالنسبة للإثبات فلا يلزم منه الصحة المطلقة، إذ يبقى النظر في باقي الإسناد، وفي بقية شروط الصحة للحديث. وقد تقدم في هذا البحث نصوص كثيرة في التصحيح بهذا المعنى. ومن نصوصهم في ذلك أيضاً قول شعبة: "هذه الأربعة التي يصححها الحكم، سماع من مقسم" (١). وقال الآجري: "سألت أبا داود عن عمار بن أبي عمار، فقال: ثقة، روى عنه شعبة حديثاً، قال شعبة: وكان لا يصحح لي" (٢). ومراد شعبة أنه لم يصرح له بالتحديث، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث عن شعبة أن كل ما رواه عن شيوخه قد صرحوا فيه بالسماع، إلا

стр. 422

ما بينه شعبة. وقال يحيى القطان: "كان عند عثمان بن غياث كتاب عن عكرمة، فلم يصححه لنا" (١). وقال أيضاً: "قتادة لم يصحح عن معاذة" (٢)، ومراده أن قتادة لا يثبت له سماع من معاذة العدوية. وقال ابن المديني: "قلت ليحيى: قول عامر في طلاق الصبي سمعه إسماعيل من عامر؟ قال: لا، قلت ليحيى: سألته عنه؟ قال: نعم ـ فيما أعلم ـ، فضعفه، قلت ليحيى: فطلاق السكران ـ قول عامر ـ من صحيح حديثه؟ قال: لا، قلت: سألته عنه؟ قال برأسه: أي نعم، قلت: فلم يصححه؟ قال: لا ... " (٣). وقال ابن المديني أيضاً: "سمعت يحيى يقول: أخذت أطراف بحر بن مرار، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة، فسألته عنها، فلم يصحح منها شيئاً، قلت ليحيى: أي شيء منها؟ قال: حديث: ((شهرا عيد لا ينقصان ... )) " (٤). وذكر أحمد أن يحيى القطان كان لا يحدث عن قتادة، عن خلاس بن عمرو الهجري، عن علي، وكان يحدث عن قتادة، عن خلاس، عن غير علي، قال أحمد: "كأنه يتوقى حديث خلاس، عن علي وحده ـ يعني يقول: ليس هي

стр. 423

صحاحاً - أو لم يسمع منه -" (١). وذكر ليحيى القطان حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، في (الجراحات أخماس)، فقال يحيى: "كان معي فلم يصححه إسماعيل" (٢)، يعني ذكر أنه لم يسمعه من الشعبي. وقال عبد الرحمن بن مهدي في حديث الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر: "من بنى لله مسجداً ... " الحديث: "ليس من صحيح حديث الأعمش" (٣). ومراده أنه دلسه، فلم يسمعه من إبراهيم بن يزيد. وقال أحمد: "إبراهيم بن سعد صحيح الحديث عن ابن إسحاق" (٤). ومراد أحمد أن إبراهيم بن سعد يبين في روايته عن ابن إسحاق ما سمعه ابن إسحاق وصرح فيه بالتحديث مما ليس كذلك. وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد في عبدالله بن الوليد العدني: "سمع من سفيان، وجعل يصحح سماعه، ولكن لم يكن صاحب حديث، وحديثه حديث صحيح، وكان ربما أخطأ في الأسماء، وقد كتبت أنا عنه كثيراً" (٥).

стр. 424

ومراد أحمد ـ فيما يظهر ـ بصحة حديثه أنه يعتني بالتصريح بالتحديث، يوضح ذلك قول أحمد: "لم يكن يفصل ... بن القاسم، وبين المسعودي، ولكن كانت صدور أحاديثه صحاحاً، كتبت عنه شيئاً، صالح" (١). وقال أحمد أيضاً: "كان ابن علية يقولون: عنده حديث واحد ـ يعني عن يحيى بن عتيق ـ، فلم يصح له، ولم يكن يحدث به، لم أدرك أحداً يحدث عن يحيى ابن عتيق" (٢). ومراد أحمد أن هذا الحديث لم يسمعه ابن علية من يحيى بن عتيق، فلم يكن يحدث به، وقد كان حدث به أولاً وسمعه منه يعقوب بن إبراهيم الدورقي الحافظ، وتفرد به عن ابن علية، ثم سرقه منه بعض المتروكين، وسأل الإمام أحمد سائل عنه فقال: "لم أسمعه من ابن علية، وقد سمعه يعقوب الدروقي، فاسمعه منه". وجاء عن أحمد أيضاً أنه نهى يعقوب أن يحدث به (٣). وقال أحمد أيضاً: "الذي يُصَحِّح الحكم، عن مقسم أربعة أحاديث ... " (٤). وذكر أحمد أن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان ولم يلقه، وقال: "بينهما

стр. 425

معدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح" (١). وقال ابن المديني في هشام بن حسان بعد أن ذكر أنه يرسل عن الحسن: "وأما أحاديثه عن محمد فصحاح" (٢). وقال أيضاً في حديث رواه ابن إسحاق: "كنت أرى أن هذا من صحيح حديث ابن إسحاق، فإذا هو قد دلسه" (٣). وقال ابن معين: "إبراهيم بن سعد أحب إليّ من ابن أبي ذئب في الزهري، ابن أبي ذئب يقولون: لم يصحح عن الزهري شيئاً" (٤). ومراد ابن معين أنه لم يسمع من الزهري سماعاً، ولكنه عرض عليه، وقيل إن الزهري كتب إليه أحاديث فكان يحدث بها (٥). ٣ - الخبر: يطلق الخبر ويراد به متن الحديث، وجمعه أخبار، وهذا كثير، ويطلق ويراد
следующие страницы →