← Фикх малики

Фикх малики · id 1430

الرسالة لابن أبي زيد القيرواني - نسخة التتائي

ابن أبي زيد القيرواني

Полный текст (343 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السلسلة المحكمة (٤٠) نصوص (٢٢) نسخة شمس الدين التتائيّ (ت: ٩٤٢ هـ) من الرسالة [لابن أبي زيد القيرواني] (مجموعة من شرحه تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة) مع بيان غريبها ونُكَتٍ من إعرابها، وهي الحاشية المسماة «سبيل أهل البسالة إلى غريب الرسالة» جمع وتحقيق: د. إبراهيم أحمد إبراهيم السناري

стр. 2

الملخص هذا البحث جمع لنص الرسالة الذي شرحه الشمس التتائي (رحمه الله تعالى)، وقد قوبل هذا النص على نسختين خطيتين للرسالة، وقورن بنص الرسالة في خمسة شروح أخرى، وفي جمع نسخة التتائي فوائد من جهة فن التحقيق: منها التنبيه على منزلة علمائنا الشراح في هذا الفن؛ وهذا البحث مقدمة بين يديّ دراسة أُعِدُّها عن تحقيق الشراح. ومنها حكاية التتائي لاختلاف نسخ الرسالة ورواياتها، وفيه رد لتمسك بعض المحققين بنسخة معيارية للرسالة قد اتفق غير واحد من الشراح على مخالفتها في مواضع. وقد أضفت لهذه النسخة شرحًا لغريبها، وبيَّنت نكتًا من إعراب الرسالة لن تجدها مجموعة في شرح من الشروح المطبوعة. وقد قدَّمت بين يدي النص المحقق بدراسة بيَّنتُ فيها ترجمة العالم الرباني ابن أبي زيد القيرواني، وأردفتها بترجمة صاحب هذه النسخة، وهو شمس الدين التتائي آخر قاضٍ لقضاة المالكية في مصر في عهد المماليك، ثم أعقبت ذلك بمبحث ذكرت فيه سبب تأليف الرسالة، والتأريخ لكتابتها، وأهميتها كمرجع للفقه المالكي، والمؤلفات التي دارت في فلك الرسالة من شروح ومنظومات وغيرها، ثم ختمت هذا المبحث بسبب إعادتي النظر في غريب الرسالة، ثم ختمت هذه الدراسة بذكر النسخ التي اعتمدت عليها لإخراج نسخة التتائي وذكر النسختين المخطوطتين للرسالة. ثم ذكرت النص المحقق وحاشيتي عليه، وختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم نتائج الدراسة.

стр. 3

شكر جزى الله خيرًا كلَّ مَنْ أسدى إليَّ معروفًا، أو تعلمتُ من خلقه أدبًا أو أفادني علمًا، وهؤلاء كثير، حفظ الله الباقين في عالمنا ورزقهم طول العمر وحسن العمل، ورحم الله مَنْ انتقل منهم إلى الدار الآخرة، وأحسن إليهم غاية الإحسان فهو الكريم الرحمن. وأخص بالشكر هنا أستاذي فضيلة الشيخ أحمد مصطفى قاسم الطهطاوي، وهو علم السادة المالكية في صعيد مصر؛ لأنه هو الذي أتاح لي الاطلاع على نسخ "تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة" للشمس التتائي، وأشركني معه في تحقيقها، فاستخرجتُ من هذه النسخِ الخطيةِ نسخةَ التتائي من الرسالة، فجزاه الله خيرًا، وجعل خدمته للعلم في ميزان حسناته، ورفع بها درجاته. وجعل الله تعالى هذا العمل خالصًا لوجهه، نافعًا لخلقه، وجعله ورحمة ورضوانًا لوالديّ، وزيادة في أجور أساتذتي أجمعين.

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن يا كريم مقدمة الحمد لله باري البرايا، غافر الخطايا، كاشف البلايا، عظيم العطايا، المجيد الذي تنعقد بأسمائه الحسنى وصفاته الأَلايا، اللطيف لما يشاء كم ألبس منحَه ثوبَ الرَّزايا، وجعل وحْيَه ربيعًا أَحْيَانَا به منَ المنايا، فسالت أودية بقدرها منها البحار والرَّكايا، وبعث حبيبه محمدًا خيرَ مَنْ ركب المطايا، جميلَ الخَلْقِ حسنَ الصوتِ عظيمَ السجايا، ففتح الله به عيونًا عميًا وشفى به النفوسَ الرَّذايا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه كلِّ كريم سنايا، وأزواجِه الطاهراتِ القانتاتِ السخايا، أمهاتِنا الكريمات السَّرايا. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١)، يا رب أنعم علينا بالتقوى والهدى حتى لا نكونَ للشياطين سبايا، وثبت قلوبنا واجعلنا لنصرة دينك جيوشًا وسرايا، وأعنَّا دائمًا على شكرِكَ وذكرِكَ في الغدايا والعشايا، واجعلنا من عبادك السعداء غير الندامى ولا الخزايا. أما بعد. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ومن نعمه عليَّ أني في هذا العمل قد قرأت _________ (١) سورة آل عمران، آية ١٠٢.

стр. 5

الرسالة مرات، ووقفت عند حروفها والكلمات، وتدبرت معانيها وأظهرت من إعرابها نكات، وبينت اشتقاق كلماتها الغريبات، وزدت على ذلك ببيان المبهمات، وصرحت بالمراد من المضمرات؛ لتكون نسخة التتائي من الرسالة مكتفية بنفسها عن الشروح والتفريعات؛ فمَن رام الزيادة فعليه بالمطولات، وكتب الأصحاب الأمهات؛ كالمدونة والنوادر والزيادات، والمنتقى والمقدمات الممهدات، وقد قصدتُ بتنبيهاتي التحقيق لا تتبع العثرات؛ فقلَّما يخلو عملٌ من هفوات، وقاني الله وإياكَ السيئات، وستر لنا العيوب ومحا الخطيئات، ورفع لنا بفضله الدرجات؛ إنه سميع قريب مجيب الدعوات. المراد بنسخة التتائي: أردتُ بنسخة التتائي نصَّ الرسالة الذي شرحه شمس الدين التتائي في شرحه "تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة"، وتسمية نسخة شمس الدين التتائي من الرسالة ليست بدعةً ابتدعتُها، بل استعمل مثل هذا شمسُ الدين التتائي نفسُه في قوله في باب البيوع: "وقد علمتَ ممَّا تقرَّر وجهَ نصبِ (حملًا)، وهو كذلك في نسخةِ أبي محمدٍ صالحٍ (ت ٦٥٣ هـ) (١)، وفي بعضِ النسخِ: (حمل)، والظاهرُ أنَّه بالجرِّ، والتقديرُ: ولا تجوزُ البراءةُ من الحملِ إلا من حملٍ ظاهرٍ، وقال بعضُهم: إنَّه بالرفعِ واستشكله". وقال التتائي أيضًا: "ووقع في نسخةِ ابنِ عمرَ حذفُ النونِ من (يتأملانِه) و (يعرفان)؛ فقال: انظرْ لِمَ أسقط النونَ (٢)؟ وتعقَّب التثنيةَ بأنَّ المشتري هو الذي يتأمل". ومنه قوله في الديات: "كذا رُوِي (الرجلين) و (العينين)، والصوابُ (الرجلان) _________ (١) هو الفاسي الهسكوري. يراجع ترجمته في شجرة النور الزكية (ص ١٨٥). (٢) هذا معنى قول ابن عمر في شرحه، ومع هذا جاء لفظ الرسالة في المطبوع من شرح ابن عمر على الجادة دون تعليق من المحقق. يراجع: شرح يوسف بن عمر الأنفاسي (٤/ ٥٠٤).

стр. 6

و (العينان) بالألفِ، كذا قال بعضُ مشايخي، وعلى ما قرَّرتُه لا يحتاجُ لتصويبٍ ولا لدعوى أنَّه على حذفِ الجارِ وإبقاءِ عملِه لضعفِه، واللهُ (تعالى) أعلمُ، وما ذكره بعضُ مشايخي بناءً على ما وقع في نسختِه من سقوطِ لفظةِ (في) بعدَ قولِه: "وكذلك"". أسباب جمع نسخة التتائي: ١ - دقة التتائي في حكاية ألفاظ الرسالة والاهتمام ببيان النسخ المتاحة لديه أو روايات الرسالة التي رواها عن أشياخه أو الشراح السابقين، مع بيان وجه كل نسخة أو رواية. ٢ - طريقة شرح التتائي (الشرح الممزوج) جعلت شرحه مستوعبًا للرسالة كاملة (١)، وهذه الطريقة تخالف طريقة غيره في الإتيان بقطعة من نص الرسالة، وأحيانا يختصرها بذكر أول النص فقط، ثم يتكلم على المسائل التي اشتمل عليها النص دون استيعاب لكل ألفاظ نص الرسالة، فطريقة التتائي تجعل كلامَه ونصَّ الرسالة شيئًا واحدًا، إن سقط منه شيء ظهر الخلل في المعنى، أما على طريقة غيره فما سقط من متن الرسالة قد لا يُفطَن إليه، وكذا إن زيد فيه. ٣ - شيوع نسخة أبي الحسن المنوفي في كفاية الطالب حتى صارت النسخة المعيارية التي لا ينبغي أن يحاد عنها، مع أن الشراح ينبهون على اختلافٍ في نسخها ورواياتها، وأضرب لذلك مثالًا في قول التتائي: "وَالمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي السَّفَرِ لَا نِسَاءَ مَعَهَا" ظاهرُه مسلماتٌ أو غيرُهنَّ "وَلَا" معَها "ذو مَحْرَم" منها "مِنَ الرِّجَالِ" ولا زوجَ ولا سيِّدَ، بل رجالٌ أجانبُ مؤتمنونَ سافرتْ معَهم، أو مات محرمُها الذي سافرتْ معَه "فَلْيُيَمِّمْ رَجُلٌ" منهم "وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا" فقط " فقد قال محقق شرح القاضي عبد الوهاب -في قوله _________ (١) قد سقطت أشياء لا تؤثر في المعنى الفقهي، وقد نبهنا عليها في حاشية التحقيق.

стр. 7

"ذو" من "ذو محرم"-: "ليست من الرسالة"؛ هكذا جزم! هل لأنها سقطت من نسخة أبي الحسن المنوفي ومن الرسالة الفقهية المطبوعة (١)؟ أليس إثبات مثل القاضي عبد الوهاب لها كافيًا؟ لا سيما إن أثبتها غيرُه؛ فقد وافق القاضي عبد الوهاب على إثباتها العلامة ابن عمر الأنفاسي والتتائي وزروق (٢). ٤ - وضع بعض المحققين لهذا النص المعياري للرسالة في تحقيقهم لبعض هذه الشروح دون النظر إلى شرح الشارح هل اعتمد هذا النص في شرحه أم اعتمد غيره؟ وقد مرَّ عليَّ في تحقيق تنوير المقالة مواضع كثيرة يختلف فيها نص الرسالة بين المثبت في المتن والشرح، وأذكر هنا مثالًا من قول التتائي: ""وَأَمَّا مَنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ" بما يفارقُه من طاهرٍ أو نجسٍ "أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا" لأنَّه صَلَّاها بوضوءٍ غيرِ جائزٍ "و" أعاد "وُضُوءَهُ" لم يذكرْ تغيُّرَ الريحِ اكتفاءً بذكرِ المتفقِ عليه"، فقد صرح التتائي بأن نص الرسالة ليس فيه ذكر الريح (٣)، وكذا قال ابن ناجي: "وظاهر كلام الشيخ أن تغيير الريح للماء لا يبطل الصلاة" (٤)، وقد جاء متن الرسالة في شرح ابن ناجي المطبوع بإثبات الريح؛ فالمذكور في متن الرسالة عنده خلاف شرحه! فالظاهر أن المحقق قلَّد متن الرسالة المطبوع بزيادة "أو ريحه" (٥). وهذا مثال آخر قال التتائي""وَالعُهْدَةُ" مستقرةٌ "فِي الرَّقِيقِ" لا في غيرِه، وقيل: وفي _________ (١) يراجع: كفاية الطالب الرباني (٢/ ٢٧٢) والرسالة الفقهية (ص ١٥٠). (٢) فقد وافق التتائي على زيادتها ابن عمر وزروق. يراجع: شرح ابن عمر، تح د. محمد الطريباق، دار الكلمة- القاهرة، ط ١، ٢٠١٩ م (٢/ ٨٦٣) وشرح زروق (١/ ٤١٠). (٣) وافق التتائي على إسقاط هذه الزيادة هنا ابن عمر (٢/ ٧١٩) وأبو الحسن في الكفاية (٢/ ٧٣)، وزروق (١/ ٣٢١). (٤) يراجع: شرح ابن ناجي (١/ ١٩٨). (٥) يراجع: الرسالة الفقهية، تح د. الهادي حمو (ص ١٣٢).

стр. 8

الحيوانِ، وقولُ التادليِّ: إنَّها في كلِّ شيءٍ = أُنكِر" فمتن الرسالة في كلام التتائي واضح هو "والعهدة في الرقيق" دليله تقديره الخبر (مستقرة)، ولو صح لفظ (جائزة) (١) عنده لكان أولى من التقدير، وكلام التتائي هنا قريب من كلام ابن عمر حيث قال: "قوله: "والعهدة" هذا مبتدأ، والخبر في الاستقرار أي: لازمة في الرقيق، أو في قوله: "فعهدة الثلاث" (٢) " فكذلك قدر ابن عمر الخبر، فكيف يكون في شرحه نص الرسالة قبل كلام ابن عمر وبعده: "والعهدة جائزة في الرقيق"؟ فلا شك أن متن الرسالة المثبت في الكتاب مدرج فيه: إما من ناسخ أو من محقق الكتاب، لكن إن كان متن الرسالة الثابت في المطبوع من قبل الناسخ فكان ينبغي على المحقق التنبيه على هذه المخالفة، وأنه وجد متن الرسالة ثابتًا في النسخ بهذا اللفظ. وهذا مثال ثالث في قول الرسالة: "وَعَلَى القَاذِفِ الحُرِّ الحَدُّ ثَمَانُونَ" (٣) هذه نسخة التتائي وغيره، ونسخة ابن عمر تخالف هذا؛ فقد جاءت بالنصب (ثمانين) لهذا يقول ابن عمر: "قوله: "ثمانين" صوابه ثمانون وقد روي بذلك، وعلى رواية النصف (٤) قيل: "تمييز"" (٥)، وقد تابع أبو الحسن المنوفي رواية ابن عمر بالنصب، وذكر كلام ابن عمر وتصويبه الرفع، ومع هذا جاءت نسخة الرسالة في المطبوع من شرح ابن عمر على _________ (١) لستُ أقدح في ثبوت هذه اللفظة من متن الرسالة بإطلاق، فقد تكون صحت عند غيرهما من الشراح أو ثبتت في نسخ موثوقة عن ابن أبي زيد، لكن أريد أن هذه اللفظة لا تصح من طريق هذين الشارحين لِمَا ذكراه في شرحيهما، وهي ثابتة عند أبي الحسن المنوفي وفي متن الرسالة المطبوع، والله أعلم. يراجع: كفاية الطالب الرباني (٣/ ٢٥٩) والرسالة الفقهية (ص ٢١٦). (٢) يراجع: شرح ابن عمر، تح د. عبد الرحيم الحمدادي دار الكلمة (٤/ ٤٨٥، ٤٨٦). (٣) يراجع: الرسالة الفقهية، تح د. الهادي حمو (ص ٢٤٢). (٤) كذا في المطبوع، وهو تحريف، وصوابه [النصب] كما نقله أبو الحسن في كفاية الطالب (٤/ ٨٨). (٥) يراجع: شرح ابن عمر (٤/ ٧٩٤).

стр. 9

الجادة مخالفة لرواية ابن عمر التي عليها شرحه. ٥ - جمع الرسالة لابن أبي زيد من تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة للشمس التتائي فيه تنويه بمكانة أئمتنا شراح العلوم من فن التحقيق؛ فكل واجب على المحقق -كما في اصطلاح المحدَثين من المحققين- تجد علماءنا الشراح قائمين به على أكمل وجه؛ ويمكن القول بأن كتب الشروح التي تملأ المكتبات العربية والإسلامية في شتى العلوم هي مدارس لفن التحقيق، نستطيع أن نخرج منها بما يجب على المحقق فعله وما يستحب وما لا يجوز. ٦ - جمع الرسالة من تنوير المقالة فيه إظهار لمزية شرح التتائي، وفيه -أيضًا- إظهار لمكانة الشمس التتائي من التحقيق والرواية. وأزيد هنا سببًا شخصيًّا لجمع هذه الرسالة المباركة، وهو رغبتي في خدمة كتاب لعالم رباني شهد له أئمة الإسلام بالفضل والعلم وإحياء السنة ومحاربة البدعة، وسار ذكره الطيب في الأمصار مع اختلاف الأعصار؛ وكتابه هذا رسالة مباركة يشهد لها مرُّ الأيام والليالي، وفي فضلها يقول القلشاني: "ولهذا يقال: إن مَنْ حفظها واعتنى بها وهبه الله (تعالى) ثلاثًا أو واحدة من الثلاثة: العلم والصلاح والمال الطيب" (١)، رب إني لِمَا أنزلت إليَّ من خير فقير. أهمية نسخة التتائي: ١ - الثقة بها؛ إذ لم أكن أولَ من شعر بأهمية نسخة التتائي للرسالة، بل أثارت ذهن العلامة العدوي فنقل عنها ثقة بها في غير موضع؛ منها قوله: "قوله: "ولا يحصن به الزوجين" كذا فيما بيدي من نسخ هذا الشارح، وهو غير صواب، ونسخة التحقيق: _________ (١) يراجع: تحرير المقالة في شرح الرسالة، للقاضي أحمد القلشاني (ص ٤٩).

стр. 10

"ولا يحصن به الزوجان"، وهو الصواب، وأفاد (تت) أن للمصنف نسختين النسخة التي في التحقيق، ونسخة: "ولا يحصن الزوجين" بإسقاط (به)، وهي ظاهرة أيضًا" (١). ومنه قول العدوي" قَوْلُهُ: بِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [سورة الشمس، آية ١] أَيْ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ: وَبِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [سورة الأعلى، آية ١] أَيْ فِي الْأُولَى، كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، كَذَا ذَكَرَهُ التَّتَّائِيُّ مَتْنًا وَشَرْحًا بِتَقْدِيمِ الشَّمْسِ وَتَأْخِيرِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ " (٢). ٢ - حكاية اختلاف النسخ التي بين يديه أو رواها عن شراح الرسالة كقوله: ""وَيَحِقُّ عَلَى مَنْ لَهُ مَا" أي شاءٌ "يُوصِي فِيهِ" وفي نسخةٍ: "مَالٌ" موضعَ "ما"" فهذا الموضع لم أجد عند ابن عمر ولا ابن ناجي ولا أبي الحسن المنوفي مَنْ حكى خلافًا في روايته (٣)، ومن الجدير بالذكر أن أبا الحسن المنوفي فسَّر لفظ الرسالة "ما" بقوله: "أي مال"، وكذا فعل النفراوي (٤)، وقد فسر التتائي (رحمه الله تعالى) هذه اللفظة بتفسيرين: الأول لغوي ف (ما) نكرة موصوفة بالجملة بعدها؛ لذا فسرها ب (شيء)، ثم فسرها بنسخة أخرى للرسالة، وهذا من علو قدره في العلم واهتمامه بالأصول؛ فإنَّ منَ الأصولِ تفسيرَ قولِ المتكلمِ من كلامه، وحملَ المجملِ من قوله على تفصيله في موضع آخر، وهذه قاعدة تجدها في أصول التفسير، يذكرها المفسرون باسم: "تفسير القرآن بالقرآن". ٣ - جاءت نسخة التتائي بزيادات مؤثرة في معاني الفقه، ومن هذه الزيادات المؤثرة في المعنى: قوله في ذكر نافلة الظهر: "ويتنفَّلُ بَعْدَها، ويُستحَبُّ لَهُ أنْ يتنفَّلَ بأربعِ _________ (١) يراجع: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (٣/ ١١٤). (٢) يراجع: حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (٢/ ١٨٠). (٣) يراجع: شرح ابن عمر (٤/ ٥٦٩) وشرح ابن ناجي (٢/ ٢٠٣) وكفاية الطالب الرباني (٣/ ٤٥٣). (٤) يراجع: الفواكه الدواني، للنفراوي (٢/ ٢١٧).

стр. 11

ركعاتٍ قبلَها، يُسَلِّمُ من كلِّ ركعتَيْنِ" فقوله: (قبلها) سقطت من نسخ الشراح -الذين وقفت على كلامهم- سوى التتائي، ويظهر لي موافقة النفراوي على صحة هذه الزيادة فقد نقلها، لكن محقق المطبوع من شرحه، لم يدخل هذه اللفظة في متن الرسالة (١)، أو لم تقع له نسخة تدخلها فيه، وذلك في قوله: "ويُستحَبُّ لَهُ أنْ يتنفَّلَ بأربعِ ركعاتٍ قبلَها أي الظهر وبعد الزوال"؛ فظاهره أن (قبلها) من متن الرسالة، ثم فسر الضمير بقوله أي الظهر، ولو كان الكلام كله له لكان أولى أن يقول: "أي قبل الظهر وبعد الزوال" فهو أظهر وأحسن، والله تعالى أعلم. ومنها قول الرسالة: " وَمَنْ الْتَذَّ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ قُبْلَةٍ فَأَمْذَى لِذَلِكَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ. وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ حَتَّى أَمْنَى فَعَلَيْهِ القَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ " فقوله (القضاء) زيادة في بعض نسخ الرسالة أثبتها التتائي في نسخته، ولا تحتاج الرسالة بإثباتها إلى تقدير لبيان المعنى المراد كما فعل غيره من الشراح (٢). ٤ - معرفة ترتيب النص إذا اختلفت النسخ في ترتيبه؛ فلا شك أن ترتيب الشراح أو اتباعهم ترتيبًا معينًا كأنه حكم منهم على عدم الثقة في النسخ المخالفة؛ لأن نسخة الشراح هي ذروة سنام الثقة، لا سيما إن وجدنا متنًا قد تعاقب الشراح على شرحه، وقد أجمعوا على ترتيب معين للكتاب، ثم نجد نسخًا لهذا المتن تخالف هذا الترتيب، فلا شك أن هذه النسخ المخالفة لنسخة الشراح تشعر الباحث بريبة عظيمة، خاصة إن وجدنا المحتوى مخالفًا للترجمة، كما في آخر باب جمل من الفرائض والسنن، فقد انتهى الباب عند قوله: "وفي مبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من _________ (١) يراجع: شرح النفراوي (١/ ٣٠٣). (٢) "يراجع: الكفاية (٢/ ٣١٤) والفواكه الدواني، للنفراوي (١/ ٤٨٧).

стр. 12

أجلك" كذا هو في مخطوط الرسالة ج لوحة (١٠٨، ١٠٩) وفي الشروح التي بين أيدينا (١)، لكن جاء في الرسالة الفقهية المطبوعة بعده زيادة أولها: "ولا تخرج امرأة إلا مستترة" (٢)، وهذه الزيادة جاءت في وسط "باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس" عند الشراح لتعلقها بأحكام (اللباس). ومن ذلك أيضًا ما جاء في باب البيوع من قوله: "وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ" (٣)، هذه الفقرة جاءت بعد قول الرسالة مباشرة: "وَلَا أَنْ يَكْتُمَ مِنْ أَمْرِ سِلْعَتِهِ مَا إِذَا ذَكَرَهُ البَائِعُ كَرِهَهُ المُبْتَاعُ أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ لَهُ أَبْخَسَ فِي الثَّمَنِ" (٤) في نسخة الشراح (٥)، وبين هاتين الفقرتين ما يقارب الصفحة في الرسالة الفقهية المطبوعة. ٥ - الحكم على زيادات النسخ: كذلك نفيد من نسخ الشراح في الحكم على زيادات النسخ ومثال هذا في أول كتاب البيوع من الرسالة الفقهية زيادة الآيتين (٢٧٥ - ٢٧٦) من سورة البقرة (٦)، لكننا لا نجد في الشروح التي بين أيدينا شرح هاتين الآيتين أو حتى مجرد ذكرهما كاملتين (٧)، ولا في مخطوط الرسالة ج لوحة (٧٠)، وإنما _________ (١) وهذا متفق عليه في شرح ابن عمر (٥/ ١١٧٠) وابن ناجي (٢/ ٤٥٢) وكفاية الطالب (٤/ ٣٢٤) وفي نسخ التتائي، وفي شرح النفراوي (٢/ ٤٩٤). (٢) يراجع: في الرسالة الفقهية (ص ٢٦٩). (٣) يراجع: في الرسالة الفقهية (ص ٢١٤). (٤) يراجع: في الرسالة الفقهية (ص ٢١٣). (٥) يراجع: كفاية الطالب (٣/ ٣١٤، ٣١٥) والفواكه الدواني (٢/ ١٣٠، ١٣١) ومعين التلاميذ (ص ٣١٨). (٦) يراجع: في الرسالة الفقهية (ص ٢١٠). (٧) يراجع: شرح ابن عمر (٤/ ٤١٢) وابن ناجي (٢/ ١١٠) وكفاية الطالب الرباني (٣/ ٢٨٩) وفي نسخ التتائي، وفي الفواكه الدواني للنفراوي (٢/ ٤٩٤).

стр. 13

اقتصرت الرسالة على محل الشاهد من الآيتين، وهذا هو المعهود من أسلوب الرسالة؛ لأنها مختصر. ولا يلزم أن تكون كل الفروق مؤثرة في المعنى الفقهي، لكنها قد تكون مؤكدة للرواية المشهورة كقوله في الطلاق: "وَطَلَاقُ السُّنَّةِ مُبَاحٌ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فِيهِ" فقد جاءت العبارة في كفاية الطالب: "لم يقربها فيه" (١) وهو مرادف لقوله: "لَمْ يَمَسَّهَا"، وكلاهما تعبير قرآني، وابن أبي زيد حريص على ألفاظ الوحيين. ومن وقوع الترادف بين نسخة التتائي ونسخة أبي الحسن المنوفي قول الرسالة: "وَمَنْ أَوْلَدَ أَمَتَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا فِي حَيَاتِهِ، وَتُعتَقُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ (٢) " فقد جاءت في نسخة أبي الحسن: "بعد مماته" (٣)، وهو الموافق لمخطوط الرسالة (٧٩ ب)، لكن لاحظ أن نسخة أبي الحسن استعملت (منها) (٤) جارًا ومجرورًا متعلقًا ب (يستمتع) بدلًا من (بها)، والجادة في هذا الفعل تعديته بحرف الباء (٥). عملي في الكتاب: ١ - أثبت نص الرسالة الذي أجمعت عليه نسخ شرح التتائي في أصل الكتاب، أو ما وافق شرح التتائي منها. ٢ - إن كان هناك خلاف بين نسخ تنوير المقالة في لفظ الرسالة حكيت الخلاف في _________ (١) كذا في الرسالة الفقهية (ص ٢٠١) وفي كفاية الطالب الرباني (٣/ ١٦٦) وهو موافق لمخطوط الرسالة (٦٤ أ). (٢) قد وافقه النفراوي على لفظ (وفاته). يراجع: الفواكه الدواني، للنفراوي (٢/ ٢٣٣). (٣) يراجع: الرسالة الفقهية المطبوع (ص ٢٢٥) و في كفاية الطالب الرباني (٣/ ٤٨١). (٤) ونسخة أبي الحسن هي الموافقة لمخطوط الرسالة (٧٩ ب) أيضًا. (٥) يراجع: المعجم الوسيط (ص ٨٥٢) مادة (متع).

стр. 14

حاشية التحقيق، وأثبت الراجح منه في أصل الكتاب، والترجيح لأسباب: ١ - لدلالة سياق شرح التتائي. ٢ - أو لدليل لغوي ومعنى فقهي. ٣ - أو لموافقة ألفاظ الرسالة في الشروح الأخرى؛ فليس معنى جمعي لنسخة التتائي أنني حريص على إثبات مخالفة النسخة لألفاظ الرسالة في الشروح الأخرى، فمثل هذا الحرص لا يقوم عليه عمل علمي، بل الموافقة حميدة تؤكد مدى دقة علمائنا الرواة والشراح، كما أن وجود هذه الاختلافات مزية يُظهِر اللهُ تعالى بها فضلَ العلماء المحققين المنقحين الذين يجمعون بين هذه الوجوه المختلفة بصورة قد تبهر العقول، أو يرجحون بعضًا منها على بعض. ٣ - راجعت نص الرسالة على نسختين مخطوطتين لها سيأتي في الدراسة وصفهما، وقد أدرجت في النص بداية الورقة من المخطوط أ، وقد جعلت رقم الورقة بين هاتين العلامتين//؛ فأكتب مثلًا/ أ ٨٠/ ليسهل الرجوع إليها، فذكرت في حاشية التحقيق موافقة هاتين النسختين لنسخ التتائي أو غيره من الشراح، وتركت ذكر بعض هذه الفروق التي ترجح عندي أنها من قبيل السهو لمخالفتها لنسخ الشراح التي بين يدي رغبةً في تقليل الحواشي على الكتاب. ٤ - وقد جعلت في بداية كل باب من أبواب الرسالة رقم الورقة التي يبدأ فيها كلام الرسالة من النسخة (خ) من نسخ تنوير المقالة للتتائي، فتجدها هكذا/ خ ٦٥ ب/. ٥ - حاولت جاهدًا أن أجعل كلام ابن أبي زيد فقرات متتالية، ترتبط عباراتُ كلِّ

стр. 15

فقرةٍ بعضها ببعض، لكن طريقة الاختصار قد تحول دون ذلك الوئام التام، فستجد في الفقرة الواحدة عددًا من الأحكام والمسائل، وهذا أحسن من تقطيع الرسالة إلى مسائل، وكل مسألة في جملة منعزلة في فقرة مستقلة. ٦ - وضعت تراجم للمسائل الأمهات داخل الأبواب، وميزتها بالمعقوفين [] ليعلم أنها من قبل المحقق، ليسهل الرجوع لمسائل الرسالة وفهرستها، وأكثر هذه التراجم من كلام التتائي في شرحه أو معنى كلامه أو تقسيمه لمسائل الرسالة. ٧ - قمت ببيان غريب الرسالة في حاشية التحقيق، وقد التزمت بما ذكره التتائي في ضبط ألفاظ الرسالة وشرح غريبها، فإن لم أجد شفاء في كلامه نقلت عن غيره من الشراح أو ذكرت تفسيرها من المعاجم. ٨ - ذكرت نكتًا من إعراب الرسالة، وأوجه ضبط بعض ألفاظها مما ذكره التتائي أو غيره من الشراح، أو مما ضبطه بعض المحققين وما تعقبتُ به كلام بعضهم؛ لأنه لا ينبغي للفقيه أن يهمل المعاني التي تؤدي إليها وجوه الإعراب. ٩ - خرجت الآيات القرآنية في حاشية التحقيق، ولم أجد حاجة إلى تخريج الأحاديث والآثار التي ضمنها ابن أبي زيد (رحمه الله تعالى) في عباراته حرصًا على الإيجاز في كتاب أراد مؤلفه الاختصار، وتخريج آثار الرسالة قد ألف فيه الحافظ أحمد بن الصديق الغماري كتابه مسالك الدلالة على مسائل الرسالة، وهو مطبوع. ١٠ - قدمت بين يدي الكتاب بدراسة ذكرت فيها ترجمة العالم الرباني ابن أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة، والتعريف بالشمس التتائي راوي هذه النسخة، ثم ذكرت التعريف بهذه الرسالة المباركة، والنسخ التي اعتمدت عليها في تحقيق نسخة التتائي. وقد اشتملت هذه الدراسة على مقدمة وأربعة مباحث: المبحث الأول- في التعريف بابن أبي زيد القيرواني. وفيه مطالب:

стр. 16

المبحث الثاني- في التعريف بشمس الدين التتائي. وفيه مطالب: المبحث الثالث- في التعريف برسالة ابن زيد. وفيه مطالب: المبحث الرابع- وصف النسخ التي اعتمدت عليها في استخراج نسخة التتائي: وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 17

المبحث الأول- التعريف بابن أبي زيد القيرواني المطلب الأول- عصر ابن أبي زيد: عاش ابن أبي زيد في زمان سيطرة دولة العبيدين على المغرب الإسلامي، وهو زمان كثرت فيه الفتن، بل قُتِل عدد من شيوخ ابن أبي زيد في حرب العبيدين، وقد رسم لنا القاضي عياض صورة من فظائع هؤلاء بقوله: "كان أهل السنة بالقيروان أيام بني عبيد، في حالة شديدة من الاهتضام والتستر كأنهم ذمة، تجري عليهم في كثرة الأيام محن شديدة، ولما أظهر بنو عبيد أمرهم، ونصبوا حسينًا الأعمى السبّاب لعنه الله تعالى في الأسواق للسب بأسجاعٍ لُقِّنها يوصل منها إلى سب النبي ﷺ ، في ألفاظ حفظها كقوله لعنه الله: العنوا الغار وما وعى، والكساء وما حوى، وغير ذلك. وعُلِّقت رؤوس الأكباش والحمر على أبواب الحوانيت عليها قراطيس معلقة مكتوب فيها أسماء الصحابة = اشتد الأمر على أهل السنة؛ فمن تكلم أو تحرك قُتِل ومُثِّل به. وذلك في أيام الثالث من بني عبيد، وهو إسماعيل الملقب بالمنصور، لعنه الله تعالى، سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة" (١). وقد كان لعلماء المسلمين مقاومة لهؤلاء العبيدين تُمدَح: منها ما كان بالسيف والسنان، ومنها ما كان بالدعاء والبيان، ومن ذلك ما يروى أن الشيخ أبا إسحاق السبائي (ت: ٣٥٦ هـ) -وكان مستجاب الدعاء- كان يرقي المرضى بسور: الفاتحة والإخلاص والمعوذتين، كل ذلك يقرؤه سبعًا، ثم يقول في آخر دعائه: "ببغضي في عبيد وذريته وحبي في نبيك وأصحابه وأهل بيته اشفِ كلَّ مَنْ رقيتُه" (٢). _________ (١) يراجع: ترتيب المدارك، للقاضي عياض (٥/ ٣٠٣). (٢) وهو من طبقة شيوخ ابن أبي زيد، وكان ابن أبي زيد يجله كثيرًا، كما أن أبا إسحاق كان مقدرًا لفضل ابن أبي زيد وعلمه. يراجع: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (٣/ ٦٨).

стр. 18

المطلب الثاني- في اسمه وكنيته ولقبه: هو عبد الله بن أبي زيد، وأبو زيد اسمه عبد الرحمن، وكنيته أبو محمد (١)، نفزي النسب، وقيل: اسمه عبد الله بن بلال بن عبد الرحمن بن إسحاق النفزاوي، وبلده القيروان، ونفزاوة (٢) قبيلة من قبائل إفريقية، عُرِف بمالك الصغير (٣). المطلب الثالث- مولده: ولد ابن أبي زيد سنة عشر وثلاثمائة بالقيروان (٤). المطلب الرابع - مشايخه: اتصل ابن أبي زيد بعدد كبير من الشيوخ، وأجازوا له رواية كتب المذهب، ومن هؤلاء: ١ - العباس بن عيسى بن محمد بن عيسى بن العباس أبو الفضل الممْسي (٥)، وهو _________ (١) يراجع: ترتيب المدارك، للقاضي عياض (٦/ ٢١٥). (٢) كذا ذكر التتائي في ترجمته. وفي تاج العروس: ونَفْزَة بلدة بالمغرب، وهي قبيلة مشهورة من قبائل البربر. يراجع: تاج العروس (١٥/ ٣٥٧) مادة (نفز). (٣) يراجع: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٠). (٤) ذكر التتائي في ترجمته أن مولده سنة ثمانية عشر بعد ثلاثمائة، والمثبت هو معنى ما في معالم الإيمان وشجرة النور. يراجع: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (٣/ ١١٨) وشجرة النور الزكية (ص ٩٦). (٥) كذا في ترتيب المدارك (٥/ ٢٩٧) وضبطه في حاشية معالم الإيمان بضم الميم الأولى وسكون الثانية، وفي شجرة النور بميمين بعدهما ياء مثناة من تحت، والله أعلم. يراجع: الديباج المذهب (٢/ ١٢٩) ومعالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (٣/ ٢٧) وشجرة النور الزكية (ص ٨٣).

стр. 19

من أفاضل أهل القيروان علمًا وورعًا وصيانة، استشهد في جهاد العبيديين سنة ٣٣٣ هـ، وقال فيه ابن أبي زيد: وددت أن القيروان سبيت ولم يقتل أبو الفضل (١). ٢ - أبو سليمان ربيع بن عطاء الله بن نوفل القطان فقيه عالم بالحديث متصوف، قُتِل شهيدًا رحمه الله تعالى في قتال العبيديين سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة (٢). ٣ - محمد بن محمد بن وشاح، أبو بكر بن اللباد، وهو من أهل العلم والعمل، له كتاب إثبات الحجة في بيان العصمة، وغيره، توفي سنة ٣٣٣ هـ. (٣). ٤ - عبد الله بن أحمد بن ابراهيم بن إسحاق، المعروف بأبي العباس الإِبِّياني بكسر الهمزة وتشديد الباء. ويقال: صوابه تخفيفها. التميمي. تفقه بيحيى بن عمر وحمديس وغيرهما، والإِبِّياني عالم إفريقية من غير مدافع، كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رضي الله تعالى عنه إذا نزلت به نازلة مشكلة كتب إليه ليُبَيِّنها له، توفي سنة ٣٥٢ هـ (٤). المطلب الخامس - رحلته: قال القاضي عياض: " ورحل فحجّ، وسمع من ابن الأعرابي، وإبراهيم بن محمد بن المنذر، وأبي علي بن أبي هلال، وأحمد بن إبراهيم بن حماد القاضي. وسمع أيضًا من الحسن بن بدر، ومحمد ابن الفتح، والحسن بن نصر السوسي، ودرّاس بن إسماعيل، وعثمان بن سعيد الغرابلي، وحبيب بن أبي حبيب الجزولي، وغيرهم. واستجاز ابن _________ (١) يراجع: الديباج المذهب (٢/ ١٣٠). (٢) يراجع: ترتيب المدارك (٥/ ٣٢١). (٣) يراجع: ترتيب المدارك (٥/ ٢٨٦). (٤) يراجع: ترتيب المدارك (٦/ ١٠).

стр. 20

شعبان، والأبهري، والمروزي" (١). المطلب السادس- تلاميذه: أخذ عن ابن أبي زيد خلق كثير (٢)، منهم أبو بكر محمد بن موهب الحصار القبري (٣) (ت: ٤٠٦ هـ) وهو أول مَنْ شرح الرسالة (٤)، وأبو محمد مكي بن أبي طالب المقرئ المفسر صاحب الهداية (٥) (ت: ٤٣٧ هـ)، وأبو القاسم اللبيدي (ت: ٤٤٠ هـ) (٦)، وأبو القاسم البرادعي صاحب التهذيب المشهور (٧) توفي بعد سنة ٤٣٠ هـ (٨). المطلب السابع- مصنفاته: ذكر القاضي عياض شيئًا كثيرًا من ذلك، ونذكر هنا أشهرها والمطبوع منها: ١ - اختصار المدونة والمختلطة: وهو مطبوع في أربعة مجلدات، نشره مركز نجيبويه. _________ (١) يراجع: ترتيب المدارك (٦/ ٢١٧). (٢) يراجع: ترتيب المدارك (٦/ ٢١٧). (٣) كذا في ترتيب المدارك، وفي شجرة النور (ص ١١١) [المقبري]. يراجع: ترتيب المدارك (٧/ ١٨٨). (٤) يراجع: الرسالة الفقهية (ص ٤٤). (٥) يراجع: ترتيب المدارك (٨/ ١٤). (٦) يراجع: ترتيب المدارك (٧/ ٢٥٤). (٧) يراجع: ترتيب المدارك (٧/ ٢٥٦). (٨) كذا قدَّر وفاته الذهبي. يراجع: يراجع: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٢٣).

стр. 21

٢ - النوادر والزيادات: وهو مطبوع في خمسة عشر مجلدًا، نشرته دار الغرب الإسلامي، قال عياض في كتابيه: اختصار المدونة والنوادر: "على كتابيه هذين المعوَّل بالمغرب في التفقه" (١). ٣ - الرسالة: وقد طبع غير مرة، منها طبعة دار الغرب الإسلامي -بيروت، وطبعة دار الفضيلة- القاهرة، وهذا الكتاب هو موضوع بحثنا. ٤ - الذب عن مذهب مالك: نشره مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث المغرب. المطلب الثامن- عقيدته: قال الذهبي: "وكان ﵀ على طريقة السلف في الأصول، لا يدري الكلام، ولا يتأول، فنسأل الله التوفيق " (٢)، قلتُ: ويتضح موافقته لطريقة السلف من قوله عن الله سبحانه تعالى: "وأنه يسمع ويرى ويقبض ويبسط، وأن يديه مبسوطتان، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، وأن يديه غير نعمتيه" (٣) وقد نقل القرافي هذه المسألة عن ابن أبي زيد (٤)، وهي توضح مذهبه في ترك التأويل، وهو _________ (١) يراجع: ترتيب المدارك (٦/ ٢١٧). (٢) يراجع: يراجع: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٢). (٣) يراجع: اختصار المدونة والمختلطة (٤/ ٥٣٧). (٤) لكنها في الذخيرة (١٣/ ٢٣٥) بالإفراد "وأن يده غير نعمته"، وهي نسخة جعلها محقق اختصار المدونة في حاشية التحقيق، وهو الظاهر لسببين: أن التثنية تعبير قرآني؛ وابن أبي زيد حريص على ألفاظ الوحي. الثاني أن الذخيرة المطبوعة تحتاج إلى إعادة تحقيقها لتليق بمكانة الشهاب القرافي في التراث المالكي، وهذه إحدى نتائج بحثي الذي نشره معهد المخطوطات العربية بعنوان "التنبيه الوافي على التصحيف الواقع في ذخيرة القرافي" (ص ٤٦).

стр. 22

مذهب السلف وأهل الحديث. قلت: ويظهر دفاعه عن مذهب السلف الصالح من عدد من مؤلفاته التي ذكرها القاضي عياض، منها كتاب الاقتداء بأهل السنّة، ورسالة النهي عن الجدال، ورسالة في الرد على القدرية، ومناقضة رسالة البغدادي المعتزلي، وكتاب الاستظهار في الردّ على الفكرية، وكتاب كشف التلبيس، ورسالة في أصول التوحيد (١)؛ ولهذا قد علقت على عقيدة الرسالة لتوضيحها مما حكاه ابن أبي زيد عن مالك في كتاب الجامع من كتابه اختصار المدونة والمختلطة؛ لأن مذهب المصنف خير ما يشرحه كلامه في غيره من كتبه. المطلب التاسع - ثناء العلماء عليه: قال القاضي عياض: "إمام المالكية في وقته وقدوتهم، وجامع مذهب مالك وشارح أقواله، وكان واسع العلم كثير الحفظ والرواية، وكتبه تشهد له بذلك، فصيح القلم ذا بيان ومعرفة بما يقوله، ذابًّا عن مذهب مالك، قائمًا بالحجة عليه، بصيرًا بالرد على أهل الأهواء، يقول الشعر ويجيده، ويجمع إلى ذلك صلاحًا تامًّا وورعًا وعفة، وحاز رئاسة الدين والدنيا، وإليه كانت الرحلة من الأقطار، ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه" (٢). وقال الذهبي: "وكان مع عظمته في العلم والعمل ذا بر وإيثار وإنفاق على الطلبة وإحسان" (٣). _________ (١) يراجع: ترتيب المدارك (٦/ ٢١٨). (٢) يراجع: ترتيب المدارك (٦/ ٢١٥، ٢١٦). (٣) يراجع: يراجع: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٢).

стр. 23

المطلب العاشر- وفاته: قال شمس الدين التتائي في ترجمته لابن أبي زيد: "مات سنة ثمانية وثمانين، فعمره سبعون سنة"، وقال الذهبي: "قال أبو إسحاق الحبال: مات ابن أبي زيد لنصف شعبان، سنة تسع وثمانين وثلاث مائة، وكذا أرخه أبو القاسم بن منده، وأرخ موته القاضي عياض وغيره في سنة ست وثمانين وثلاث مائة" وزاد بروكلمان عامين آخرين لوفاة ابن أبي زيد، وهما ٣٩٠ هـ، ٣٩٦ هـ (١). والمشهور من هذه الأقوال ما ذكره حافظ المغرب القاضي عياض (رحمه الله تعالى) أن وفاته سنة ٣٨٦ هـ، فرحم الله ابن أبي زيد، وجزاه خير الجزاء. _________ (١) يراجع: تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان (٣/ ٢٨٦).

стр. 24

المبحث الثاني- التعريف بشمس الدين التتائي المطلب الأول- عصر الشمس التتائي: الحياة السياسية: عاش التتائي حقبة تاريخية عجيبة، فيها أفلتْ شمس دولة المماليك، وظهرت دولة الأتراك العثمانيين التي سيطرت على المشرق الإسلامي كله، ونقلت مركز القيادة الإسلامية من القاهرة إلى إسلامبول (١). الحياة الاجتماعية: كثرت في هذا العصر أوجه الخرافات والبدع والبعد عن النهج القويم، وعمَّ ظلم المماليك على المصريين، ومما يكشفُ لك حجمَ الفسادِ في المجتمعِ في هذه الحقبة عبارةُ السلطانِ طومان باى للقضاة الذين عيَّنهم: "أنا ما أقبل رشوة في ولاية أحد من القضاة؛ فلا تأخذوا إنتوا (٢) رشوة من الناس أبدًا" وهذا يظهر منه أن الفساد والرشوة لم تكن بعيدة عن أرقى المناصب وأشرفها. الحياة العلمية: رغم هذه الحوادث العظيمة ظلت الحياة العلمية والثقافية في القاهرة مزدهرة في حياة التتائي، فعاصر الشمس التتائي كوكبة من العلماء الأفاضل. المطلب الثاني- في اسمه وكنيته ولقبه: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خليل، ولقبه الذي اشتهر به شمس الدين التتائي. قال الزبيدي: تَتَا بالفتْحِ مَقْصورًا: قَريةٌ بمِصْر مِنْ أَعمال المنوفية، وَمِنْهَا الشمس _________ (١) يراجع: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، للجبرتي، تح د عبد الرحيم عبد الرحمن (١/ ٣٦). (٢) كذا نقلها ابن إياس بالعامية المصرية. يراجع: بدائع الزهور في وقائع الدهور (٥/ ١١٧).

стр. 25

التَّتَائيّ شيخُ المالكيَّةِ فِي عَصْره (١). وقد نسب إلى هذه القرية العديد من المالكية، ولكنْ إذا أُطلِقت النسبةُ إليها فلا ينصرفُ الذهنُ إلا إلى الشمس التتائي؛ لأنه أشهرهم (٢). المطلب الثالث- مشايخه: أخذ التتائي علوم الشريعة عن جمعٍ من كبارِ العلماء في عصره، منهم: ١ - قاضي الأنكحة أبو العباس أحمد بن يونس القسنطيني التونسي: الإِمام الفقيه المالكي العالم الكامل المتفنن العمدة الفاضل، أخذ عن البرزلي وابن مرزوق الحفيد والْبِسَاطِيّ، ولد سنة ٨١٦ هـ، وتوفي سنة ٨٧٨ هـ (٣). ٢ - نور الدين أبو الحسن علي بن عبد الله السّنهوري: الإِمام الحافظ المحدّث المقرئ شيخ المالكية في وقته، أخذ عن الزين طاهر النويري والْبِسَاطِيّ وأبي القاسم النويري، له تعليق على التلقين، وشرحان للآجرومية ولد سنة ٨١٤ هـ، وتوفي في رجب سنة ٨٨٩ هـ (٤). ٣ - أبو الحسن علي بن محمد بن علي القرشي البَسطي، الشهير بالقَلَصَادي: فقيه مالكي، محدِّث فرضي عالم بالحساب، وهو آخر مَنْ له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس، وتوفي بباجة تونس، له "أشرف المسالك إلى مذهب مالك"، و"هداية الأنام في _________ (١) يراجع: تاج العروس (٣٧/ ٢٤٥) مادة (تتو). (٢) يراجع: مقدمة تحقيق جواهر الدرر، للشمس التتائي، تح د. أبو الحسن نوري حسن (١/ ٤٥). (٣) يراجع: كفاية المحتاج (١/ ١٢١) ونيل الابتهاج (ص ١٢٦) وشجرة النور الزكية (١/ ٣٧٤). (٤) يراجع: الضوء اللامع (٥/ ٢٤٩) وكفاية المحتاج (١/ ٣٥٩) وشجرة النور الزكية (١/ ٣٧١ - ٣٧٢).

стр. 26

مختصر قواعد الإسلام"، و"الضروريّ في علم المواريث" وغيرها، توفي سنة ٨٩١ هـ (١). ٤ - برهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمد بن عمر القاضي المغربي الأصل اللقَّاني: القاهري الأزهري المالكي، قاضي القضاة، الإِمام الفقيه العالم المحدّث العمدة المتفنن القدوة، سمع الحديث من الزركشي، وتفقه بأحمد البجائي. ولد سنة ٨١٧ هـ، وتوفي سنة ٨٩٦ هـ (٢). ٥ - داود بن علي القلتاوي الأزهري: الإِمام الفقيه المالكي المتفنن أخذ عن الزين طاهر وأبي القاسم النويري وغيرهما، وعنه الشمس التتائي وغيره، له شرح على مختصر خليل ومختصر ابن الحاجب الفرعي والرسالة والتنقيح والألفية وغير ذلك. توفي سنة ٩٠٢ هـ (٣). ٦ - محمد بن محمد بن احمد بن محمد الدمشقي القاهري، الشافعي، المعروف بسبط المارديني أو المارداني: فقيه شافعي فرضي رياضي فلكي نحوي، أصله من دمشق، وولد بالقاهرة ونشأ بها، وعُيِّن مُوقِّتًا بالجامع الأزهر، من كتبه وسيلة الطلاب ونزهة الألباب إلى معرفة الأوقات بالحساب، توفي بالقاهرة سنة ٩١٢ هـ (٤). ٧ - أبو يحيي زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السّنيكي القاهري: الفقيه الشافعي المفسر المقرئ المحدِّث الأصولي الفرضي اللغوي الأزهري، المعروف بشيخ الإسلام، أخذ أَنْوَاع الْعُلُوم عَنْ شُيُوخ عصره كالقاياتي وَابْن حجر والجلال _________ (١) يراجع: الضوء اللامع (٦/ ١٤) والأعلام، للزركلي (٥/ ١٠). (٢) يراجع: الضوء اللامع (١/ ١٦١) وكفاية المحتاج (١/ ١٧٣) وشجرة النور (١/ ٣٧٢). (٣) يراجع: كفاية المحتاج (١/ ٢٠٦) نيل الابتهاج (ص ١٧٦) وشجرة النور الزكية (١/ ٣٧٢). (٤) يراجع: الضوء اللامع (٩/ ٣٥، ٣٦) والأعلام، للزركلي (٧/ ٥٤).

стр. 27

الْمحلي والشرف الْمَنَاوِيّ وَغَيرهم، وتولى القضاء. توفي بالقاهرة سنة ٩٢٦ هـ (١). المطلب الرابع- تلاميذه: تخرّج بالإمام التتائي جمع غفير من كبار العلماء، ذكرت كتب التراجم منهم: أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد الفِيشي (٢). وأبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الدميري توفي سنة ٩٤٣ هـ (٣). وأبو الفتح عبد الرحيم بن أحمد، بدر الدين العباسي القاهري، ثم الإسلامبولي توفي سنة ٩٦٣ هـ (٤). ومحمد بن محمد بدر الدين الكرخي الشافعي توفي سنة ١٠٠٦ هـ (٥). المطلب الخامس- مهامه ووظائفه: يذكر المترجمون للعلاّمة التتائي أنه تولى منصب القضاء، حتي صار قاضي قضاة المالكية بمصر، وذلك في عهد السلطان طومان باى في مستهل ذي القعدة من سنة ٩٢٢ هـ، فأخلع عليه السلطان، وقرَّره على قضاء المالكية عوضًا عن القاضي محيي الدين بن الدميري بحكم أسره عند السلطان سليم شاه بن عثمان (٦)، وقد حفظ الله التتائي فتولى القضاء في عهد سلطانٍ أبى المظالمَ والأخذَ من أموال الناس قهرًا، وقد منع الرِّشا؛ لأن في هذه الحقبة كان بعض القضاة يصل إلى منصب القضاء بالرشوة؛ لذلك كان يقبل _________ (١) يراجع: الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة (١/ ١٩٨) والأعلام للزركلي (٣/ ٤٦). (٢) قال مخلوف: لم أقف على وفاته. راجع: كفاية المحتاج (٢/ ٢٣٥) وشجرة النور الزكية (١/ ٤٠٥). (٣) يراجع: كفاية المحتاج (٢/ ٢٢٦) وشجرة النور الزكية (١/ ٣٩٣). (٤) يراجع: الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة (٢/ ١٥٩ - ١٦٣) (٥) يراجع: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للمحبي، المطبعة المصرية الوهبية (٤/ ١٥٢). (٦) يراجع: بدائع الزهور في وقائع الدهور، لمحمد بن أحمد بن إياس الحنفي (٥/ ١١٧).

стр. 28

في عمله الرشوة؛ فكثرت المظالم، ولم يطل المقام بالشمس التتائي في هذا المنصب، فما هي إلا أيام، حتى اضطربت البلاد بدخول العثمانيين مصر، ولما استقر الأمر للسلطان سليم شاه أعاد القاضي محيي الدين بن الدميري الذي كان في أسره مرةً أخرى على قضاء المالكية (١)، وذلك في الحادي عشر من شهر صفر من سنة ٩٢٣ هـ. ومن ثمَّ تفرغ شمس الدين التتائي للتأليف والتدريس والإفادة، حتى استحقَّ أن يُنعَتَ بأنه: شيخُ المالكيَّةِ فِي عَصْره (٢). المطلب السادس- مصنفاته: ترك العلامة التتائي العديد من الكتب والمصنفات المهمة التي صارت مرجعًا لمَن جاء بعده من العلماء، وخصوصًا ما كتبه في المذهب المالكي، ونبدأ بالمطبوع أو المحقق منها: ١ - البهجة السنية في حلّ الإشارات السنية: وهو شرح على القصيدة الغرامية في مصطلح الحديث لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن فرح اللَّخْمِيّ الأشبيلي (ت: ٦٩٩ هـ) (٣)، حققها الأستاذ عبد الرحمن جديد. ٢ - تنوير المقالة في حلّ ألفاظ الرسالة: وهو شرح على رسالة ابن أبي زيد القيرواني في مذهب مالك، وقد أخرج الجزء الأول منه فضيلة الدكتور محمد عايش في رسالته للدكتوراه، ويخرج قريبًا كاملًا بعون الله (تعالى) بتحقيقي بالاشتراك مع فضيلة الشيخ أحمد مصطفى الطهطاوي. _________ (١) يراجع: بدائع الزهور في وقائع الدهور (٥/ ١٦٥). (٢) يراجع: كفاية المحتاج للتنبكتي (٢/ ٢٢٣) وشجرة النور (١/ ٣٩٣). (٣) يراجع: البهجة السنية في حلّ الإشارات السنية، للشمس التتائي (ص ١٦).

стр. 29

٣ - جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر: للشيخ خليل في الفقه المالكي، وهو شرحه الصغير للمختصر الخليلي، وقد طبع حديثا في ثمانية أجزاء بدار ابن حزم بيروت، بتحقيق الدكتور أبي الحسن نوري حسن المسلاتي. ٤ - خطط السداد والرشد بشرح نظم مقدمة ابن رشد: في الفقه المالكي، حققه أستاذنا الشيخ أحمد مصطفى الطهطاوي، ونشرته دار ابن حزم. ٥ - حاشية على شرح المحلي على جمع الجوامع، في أصول الفقه. ٦ - شرح على الشامل لبهرام: في الفقه، لم يُكمله. ٧ - شرح على ألفية العراقي، في مصطلح الحديث. ٨ - شرح على الإرشاد: وهو كتاب "إرشاد السالك" لابن عسكر البغدادي. ٩ - شرح على جامع الأمهات: لابن الحاجب. ١٠ - فتح البديع الوهاب شرح التفريع: لابن الجلاب (١). ١١ - فتح الجليل في شرح مختصر خليل: وهو الشرح الكبير على المختصر. ٧ - فهرسة شمس الدين التتائي: اشتملت على إسناد الحديث المسلسل بالأولية والجامع الصحيح والترمذي والحلية لأبي نعيم وكتاب الدعاء للمحاملي وجزء عاشوراء للمنذري والشفا والبردة وأذكار النووي وألفية ابن مالك، منه نسخة في مكتبة تشستربيتي- إيرلندا، برقم (٤٨٦٩) (٢). المطلب السابع- أهمية مصنفاته في المذهب: _________ (١) يراجع: مقدمة تحقيق جواهر الدرر، للشمس التتائي، تح د. أبو الحسن نوري حسن (١/ ٦٦). (٢) يراجع: البهجة السنية في حلّ الإشارات السنية، للشمس التتائي (ص ٣٥).

стр. 30

اكتسبت مصنفات العلامة التتائي أهمية كبيرة؛ وخصوصًا شروحه التي دوَّنها على أهم الكتب التي جرى اعتمادُ المالكية عليها في المذهب كشرحه على الرسالة ومختصر خليل وغيرها؛ ولذا أكثر علماءُ المالكية من بعدِه منَ النقل عنه في كتبهم، واعترضوا عليه أحيانًا في بعضِ ما قاله. وقد اهتمَّ بعضُهم بكتابةِ الحواشي على شروح التتائي كحاشيةِ العلامة أبي الخيرات مصطفى بن عبد الله الرماصي الجزائري المتوفي سنة ١١٣٦ هـ على شرح التتائي الكبير على خليل (١)، وحاشية العلامة أبي الإرشاد نور الدين على بن زين العابدين بن محمد الأجهوري المتوفي (سنة ١٠٦٦ هـ) شيخ المالكية في عصره على شرح التتائي على الرسالة (٢). المطلب الثامن- ثناء العلماء عليه: لهجت ألسنة العلماء والمؤرخين بالثناء على العلاّمة التتائي والإشادة بعلمه وفضله ومنزلته بين علماء عصره، ومن ذلك قول العلاَّمة الغزي: "الإمام العلامة شمس الدين المصري المالكي، أقام بمدرسة الشيخونية بمصر، وشرح الرسالة شرحًا حافلاً، وعدة كتب، وكان معمور الأوقات بالعلم والعبادة والأوراد، وكان صوامًا قوامًا مؤثرًا للخمول، لا يتردد إلى الأكابر، ولا يأكل لأحدٍ من الظلمة أو من أعوانهم شيئًا، وكان محرِّرًا لنقول مذهبه ضابطًا لها (٣). _________ (١) يراجع: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (١/ ٤٨٢). (٢) يراجع: شجرة النور الزكية في طبقات المالكية (١/ ٤٤٠). (٣) يراجع: الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة (١/ ٩٣ - ٩٤).

стр. 31

المطلب التاسع- محبته للأدب والشعر: المطالع لكتاب تنوير المقالة يجد التتائي ينثر الدر على كلامه، ويقطع جمود الفروع الفقهية بتحفة أدبية أو أبيات شعرية كقوله في ولاية القضاء: " وأنشد بعضُهم في ولايةِ شخصٍ لم يكنْ أهلًا له لجهلِه: ولَمَّا أنْ توليْتَ القضايا ........ وفاض الجهلُ من كفيْكَ فيضًا ذُبِحْتَ بغيرِ سكينٍ، ولكنْ ........ تريدُ (١) الذبحَ بالسكينِ أيضًا" (٢). وقد نظم التتائي مقطوعات شعرية كثيرة على غير بحر من بحور الشعر، وبعضها يصل إلى عشرة أبيات، وأكثرها في صياغة فوائد فقهية أو النظائر من مسائل الفروع. المطلب العاشر- وفاته: اختُلف في تأريخ وفاة العلَّامة التتائي على أقوال: فذكر الغزيُّ أنه توفي سنة ٩٣٠ هـ (٣)، وهذا خطأ أو تحريف في النسخ؛ لأن النسخة الفرنسية ذكرت -في آخر الجزء الأول- تاريخ تأليف تنوير المقالة في سنة ٩٣٣ هـ، وأيضًا ذكر المحبي في ترجمة محمد بن محمد بدر الدين الكرخي (ت: ١٠٠٦ هـ) أنه قرأ على شمس الدين التتائي شرحه على قصيدة غرامي صحيح سنة ٩٣٣ هـ (٤). _________ (١) في النجوم الزاهرة [ذبحت بغير سكين وإني لأرجو … ] والبيتان من بحر الوافر، وقد ذكرهما ابن تغري بردي من شعر محمد بن مسعود الأديب المعروف بالفخر النحوي في وفيات سنة ٥٧٢ هـ. يراجع: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، لابن تغري بردي، تعليق محمد حسين (٦/ ٧٣). (٢) يراجع: مخطوط م لتنوير المقالة (٩٩ أ). (٣) يراجع: الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة (١/ ٩٤)، ديوان الإسلام" للغزي (٢/ ١٧). (٤) يراجع: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، للمحبي، المطبعة المصرية الوهبية (٤/ ١٥٢).

стр. 32

ومما سبق يترجح أن وفاة الشمس التتائي بعد هذا التاريخ، وفيه ثلاثة أقوال: فذكر الكتاني وغيره أنه توفي سنة ٩٣٧ هـ (١). وذكر التنبكتي أنه توفي بعد سنة ٩٤٠ هـ (٢)، وذكر حاجي خليفة ومحمد مخلوف والزركلي أنه توفي سنة ٩٤٢ هـ (٣)، وهو مقارب لما ذكره التنبكتي. وأيًا ما كان تاريخ وفاته -قبل أو بعد سنة ٩٤٠ هـ- فرحم الله التتائي وجزاه خير الجزاء على حياته التي قضاها في خدمة علوم الإسلام. _________ (١) يراجع: الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السُّنَّة المشرفة" للكتاني (ص: ٢١٨). (٢) يراجع: كفاية المحتاج " للتنبكتي (٢/ ٢٢٣) ونيل الابتهاج له (ص ٥٨٨). (٣) يراجع: كشف الظنون (٢/ ١٦٢٨) وشجرة النور الزكية (١/ ٣٩٣) والأعلام (٥/ ٣٠٢).

стр. 33

المبحث الثالث- رسالة السادة المالكية يظهر من عنوان شرح الشمس التتائي على الرسالة أنها إذا أُطلقت عندنا -معاشرَ المالكية- لا يراد بها غير رسالة ابن أبي زيد، فقد سمى شرحه: "تنوير المقالة في حل ألفاظ الرسالة"، وهو صنيع ابن غازي المكناسي (ت: ٩١٩ هـ) من قبل في نظمه (١)، وكذا صنع الحطاب فسمى شرحه على نظم نظائر الرسالة "تحرير المقالة شرح نظم نظائر الرسالة"، وقد شايعهم على ذلك ناظم الرسالة، فسمى شرحه لنظمه "توضيح المقالة على نظم الرسالة"، وقد قلدت هؤلاء الأعلام في إطلاق اسم الرسالة في عنوان البحث، ولم أحتج إلى تقييدها بأنها رسالة ابن أبي زيد اختصارًا للعنوان، والاختصار في مثل هذا محبوب؛ لا سيما إن وافق اصطلاح جماعة من الفضلاء. ونفصل الكلام على الرسالة من خلال هذه المطالب: المطلب الأول- التأريخ لتأليف لرسالة: تعد الرسالة أول مؤلفات ابن أبي زيد، وقد ذكر أبو زيد عبد الرحمن ابن الدباغ (ت: ٦٩٦ هـ): أن ابن أبي زيد قد ألفها وهو في سن الحداثة، وذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وسنُّه إذ ذاك سبع عشرة سنة (٢)، وفي هذا دليل على النضج العقلي المبكر لابن أبي زيد، وفيه بيان لأهمية التربية الإيمانية والعلمية في حياة الإنسان، أو قل: هو اصطناع الله تعالى لأوليائه. لكن هذا التاريخ لتأليف الرسالة يُقبَلُ على رواية أبي زيد الدباغ لمولد ابن أبي _________ (١) يراجع: تحرير المقالة شرح نظم نظائر الرسالة، للحطاب، دار ابن حزم- بيروت (ص ١٦). (٢) يراجع: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (٣/ ١١١).

стр. 34

زيد، وعلى ما اختاره التتائي أنه ولد سنة ثماني عشرة وثلاثمائة فلا يمكن اعتماد هذا التاريخ لكتابة الرسالة؛ لأن ابن أبي زيد سيكون له تسع سنين فقط؛ ولم يذكر التتائي شيئًا عن تاريخ تأليف الرسالة يتوافق مع ما ذكره من تاريخ مولد ابن أبي زيد. المطلب الثاني- سبب تأليفها: وقد ذكر ابن أبي زيد في مقدمة رسالته أنه إنما ألفها بناء على طلب من معلم للوُلْدان، لكنه لم يسمه، وقد اختلف في تسميته، قال أبو زيد عبد الرحمن ابن الدباغ (ت: ٦٩٦ هـ): "كان الشيخ أبو إسحاق السبائي سأله وهو في سن الحداثة أن يؤلف له كتابًا مختصرًا في اعتقاد أهل السنة مع فقه وآداب ليتعلم ذلك أولاد المسلمين، فألف الرسالة، وذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وسنه إذ ذاك سبع عشرة سنة" (١)، وقال ابن ناجي: "وهو ضعيف ولا يقال: إنهما معًا سألاه وأسعفهما جميعًا؛ لأنَّ إفراد الضمير يأباه، وأيضًا فإنَّ قوله: كما تعلمهم حروف القرآن يدل على أنه المؤدب محرَز لأني لا أعلم أحدًا ممَّن تعرَّض لمناقبِ أبي إسحاق ذكر أنه كان مؤدبًا" (٢)، وقد نقل شمس الدين التتائي كلام ابن ناجي في شرحه ولم يتعقبه. قلتُ: وكلامهما ظاهر من جهة أن المعنيّ بالخطاب في الرسالة هو محرز ﵀، لكن هذا لا ينفي أصل القصة التي ذكرها أبو زيد؛ لأن ابن أبي زيد كان شابًا؛ والتصنيف فيه نوع من التصدر؛ فالظاهر أنه تورَّع عن إجابة المؤدب محرز حتى استشار أبا إسحاق السبائي في الأمر، وهذا منه عمل بسيرة الإمام مالك الذي قال: "ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للحديث والفتيا جلس حتى يشاور فيه أهل _________ (١) يراجع: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (٣/ ١١١). (٢) يراجع: شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١١).

стр. 35

الصلاح والفضل وأهل الجهة من المسجد؛ فإن رأوه لذلك أهلًا جلس. وما جلستُ حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم إني لموضع لذلك" (١)؛ وهذا ما فعله ابن أبي زيد؛ لهذا مَنْ نسب سبب التأليف لسؤال أبي إسحاق السبائي فقد صدق؛ لأن ابن أبي زيد -لورعه وديانته- ما كان ليقدم على التأليف دون هذه الإجازة من مثل أبي إسحاق السبائي (رحمهما الله)، وقد أشار العلامة زروق إلى احتمال الجمع بين رواية المؤرخين ورواية أصحاب التقاييد التي قواها ابن ناجي وغيره (٢)، وهو ما ذكرته، والله أعلم. المطلب الثالث- أهمية الرسالة في المذهب المالكي: الرسالة "أكثر كتب ابن أبي زيد انتشارًا، وأعظمها تأثيرًا في الميدان التعليمي الفقهي بخاصة، ويمكن أن تعدَّ بحق كتابه الخالد، ابتدأ رواجها من حياة مؤلفها، واستمر تعاقب الشروح عليها من عصر مؤلفها في القرن الرابع، حيث ابتدأ بشرحها القاضي عبد الوهاب. بل ومن قبل القاضي عبد الوهاب اهتم شيخه إمام المدرسة العراقية أبو بكر الأبهري بالرسالة، وألف عليها كتابه: "مسلك الجلالة، في مسند الرسالة". ويذكر أن شروحها زادت عن مائة شرح؛ فما أعلم كتابًا في الفقه المالكي -بعد الموطأ والمدونة- حظِي بمثل ما حظِيتْ به رسالة ابن أبي زيد من قبول وعناية وشهرة وانتشار في الآفاق وعمق أثر في خدمة المذهب، ونفع الأجيال من طلابه على امتداد الزمان والمكان" (٣). وقال ابن ناجي: "الانتفاع بالرسالة ظاهر لا ينكر، وقيل: فيها أربعة آلاف مسألة، والنفع يقع بكل مسألة منها فضلًا عن الكل، وكل مسألة بحديث ففيها أربعة آلاف _________ (١) يراجع: ترتيب المدارك، للقاضي عياض (١/ ١٤٢). (٢) يراجع: شرح زروق على الرسالة (١/ ١٩). (٣) يراجع: اصطلاح المذهب المالكي، للدكتور محمد إبراهيم علي (ص ٢٤٣).

стр. 36

حديث، وأسندها الأبهري في كتاب سماه مسالك الجلالة في إسناد أحاديث الرسالة" (١). وقد انتشرت الرسالة في العالم الإسلامي شرقًا وغربًا في حياة مؤلفها، فلما فرغ ابن أبي زيد من تأليفها بعث بنسخة منها إلى أبي بكر الأبهري ببغداد "فأظهر الفرح بها، وأشاع خبرها بين الناس، وأثنى عليها وعلى مؤلفها، وأمر ببيعها؛ ليحسن بثمنها إلى الواصل بها، فبيعت بمائتي دينار دراهم. فقال: لا تباع إلا وزنًا بوزن، ففعل ذلك، فجاء وزنها ثلاثمائة دينار ونيفًا" (٢). ولأهمية الرسالة قصدها القرافي في موسوعته الفقهية الشهيرة "الذخيرة" فقال: "وقد آثرت أن أجمع بين الكتب الخمسة التي عكف عليها المالكيون شرقًا وغربًا حتى لا يفوت أحدًا من الناس مطلبٌ، ولا يعوزه أرب؛ وهي المدونة والجواهر والتلقين والجلاب والرسالة جمعًا مرتبًا بحيث يستقر كلُّ فرع في مركزه، ولا يوجد في غيره حيزه " (٣). ولمَّا تكلم الدكتور محمد إبراهيم عن مختصر خليل قال: "اعتنى الناس به شرحًا ودرسًا، وتركوا كل شيء سواه غير الرسالة للشيخ ابن أبي زيد" (٤)، وقد صدق فرسالة ابن أبي زيد بشرح أبي الحسن المنوفي مرحلة أساسية في تعليم الفقه المالكي في الأزهر الشريف إلى يومنا هذا. _________ (١) يراجع: شرح ابن ناجي على الرسالة (١/ ١٦). (٢) يراجع: معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان (٣/ ١١٢). (٣) يراجع: الذخيرة، للشهاب القرافي (١/ ٣٦). (٤) يراجع: اصطلاح المذهب المالكي، للدكتور محمد إبراهيم علي (ص ٤٣٩).

стр. 37

المطلب الرابع- المؤلفات على الرسالة: ١ - الشروح: تعددت شروح الرسالة منذ حياة مؤلفها إلى يومنا هذا حتى قيل: إنها تزيد على مائة شرح؛ وقد ذكر بروكلمان أن بعضهم عدَّ ثمانية وعشرين شرحًا للرسالة، وذكر هو بعضها (١)، وأن أكتفي هنا بذكر ما راجعته أثناء إعداد هذه النسخة، وإليك أسماء هذه الشروح: ١ - شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب البغدادي (ت: ٤٢٢ هـ)، نشرته دار ابن حزم- بيروت. ٢ - شرح تاج الدين الفاكهاني (ت: ٧٣٤ هـ)، المسمى "التحرير والتحبير"، وقد نشره مركز نجيبويه حديثًا، لكني كنت اعتمدت على الجزء الذي حققته الباحثة رمضة صالح الدين. ٣ - شرح يوسف بن عمر الأنفاسي (ت: ٧٦١ هـ)، نشرته دار الكلمة- القاهرة. ٤ - شرح ابن ناجي التنوخي (ت: ٨٣٧ هـ)، نشرته دار الكتب العلمية- بيروت. ٥ - شرح زروق الفاسي (ت: ٨٩٩ هـ)، نشرته دار الكتب العلمية- بيروت. ٦ - كفاية الطالب الرباني، لأبي الحسن المنوفي (ت: ٩٣٩ هـ)، ومعه حاشية العدوي الصعيدي (ت: ١١٨٩ هـ)، تحقيق أحمد حمدي إمام، وإشراف السيد علي الهاشمي. _________ (١) يراجع: تاريخ الأدب العربي، لبروكلمان (٣/ ٢٨٧).

стр. 38

٧ - الفواكه الدواني، للشيخ أحمد النفراوي (ت: ١١٢٦ هـ)، نشرته دار الكتب العلمية- بيروت. ٢ - تخريج أحاديث الرسالة: ١ - مسلك الجلالة في مسند الرسالة: تتبع الإمام الأبهري في كتابه مسلك الجلالة "جميع مسائلها التي تبلغ أربعة آلاف، فرفع لفظها أو معناها إلى رسول الله ﷺ أو إلى أصحابه ﵃، وبذلك دعم الفروع بحججها (١). ٢ - مسالك الدلالة على مسائل الرسالة، للحافظ أحمد بن الصديق الغماري، نشرته المكتبة العصرية ببيروت. ٣ - نظم الرسالة: ١ - نظم رسالة ابن أبي زيد القيرواني، لعبد الله بن الحاج حماه الله القلاوي المالكي، وعليه شروح: منها شرح الناظم، وهو شرح لطيف سماه "توضيح المقالة"، و"العذاق الحواني على نظم رسالة القيرواني" للشيخ زايد الأذان الشنقيطي، نشرته مجلة الوعي الإسلامي في ثلاثة مجلدات. _________ (١) يراجع: الرسالة الفقهية (ص ٤٣).

стр. 39

٢ - ونظم نظائرها فقط محمد بن أحمد بن عبد الله الفاسى العثمانى المكناسى (المتوفى ٩١٩ هـ ١٥١٣ م) (١)، وشرحه شمس الدين الحطاب (ت: ٩٥٢ هـ) بشرح سماه تحرير المقالة. ٣ - وقد نُظِمت عقيدة الرسالة وحدها، نظمها الشيخ أحمد بن مشرف الإحسائي فزادت عن تسعين بيتا (٢). ٤ - ترجمة الرسالة إلى اللغات الأخرى: ١ - ترجمت الرسالة إلى الإنجليزية على يد رسل وعبد الله المأمون السهروردى. ٢ - وترجمت إلى اللغة الفرنسية على يد فانيان، ونشر نصها العربي وترجمها إلى الفرنسية برشيه الجزائر ١٩٤٥ م (٣). المطلب الخامس- مدح الرسالة: قال أبو طاهر السلفي: أنشدني الفقيه أبو محمد عبد الله بن موسى بن إسماعيل الغرناطي بالإسكندرية للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي في رسالة أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني: رسالةُ علمٍ صاغها العَلَمُ النَّهْدُ ........ قدِ اجتمعتْ فيها الفرائضُ والزهدُ. أصولٌ أضاءتْ بالهدى فكأنَّما ........ بدا لعيونِ الناظرينَ بها الرُّشْدُ. _________ (١) يراجع: تاريخ التراث العربي، للدكتور فؤاد سزكين (٣/ ١٧٢). (٢) يراجع: الرسالة الفقهية (ص ٤٨). (٣) يراجع: تاريخ التراث العربي، للدكتور فؤاد سزكين (٣/ ١٦٨).

стр. 40

لقدْ أمَّ بانيها السدادَ فذِكْرُهُ ........ بها خالدٌ ما حجَّ واعتمرَ الوفدُ. وفي صدرِها علمُ الدِّيانةِ واضحٌ ........ وآدابُ خيرٍ ليس فيها لها نِدُّ (١). المطلب السادس- الرسالة مرحلة مستقلة: ذكرنا في السبب الباعث على تأليف الرسالة أن ابن أبي زيد ألفها لتكون المرحلة الأولى في البناء الفقهي؛ ليتعلمها الوُلْدان في الكتاتيب؛ لهذا ينبغي أن يحافظ على حجمها وعلى الغرض منها كمرحلة علمية مستقلة؛ والقارئ لها أو الدارس لا يحتاج في الوقوف على معانيها إلا إلى ضبط ألفاظها وفهم غريبها والمسائل المهمات من إعرابها، وهذا ما حاولت الاقتصار عليه. وتمثل شروح الرسالة في الحقيقة مرحلة أخرى تالية لمرحلة تعلُّم الرسالة؛ لأن ابن أبي زيد ما تعرض للخلاف في المذهب إلا في مواضع قليلة منها، وقد جمع ابن ناجي ما فيه ثلاثة أقوال من مسائل الرسالة في قوله: "اعلم أن هذه المسألة (٢) إحدى المسائل التي ذكر في الرسالة أن فيها ثلاثة أقوال: وثانيتها: من ترك الفاتحة من ركعة. وثالثتها: هل يتيمم لكل صلاة أم لا؟ رابعتها: في تغليظ الدية على الأب إذا ضرب ابنه بحديدة. وخامستها: في كفن الزوجة هل هو على الزوجة أم لا؟ وسادستها: في تقديم الظهر وتأخيرها" (٣)، أما شروح الرسالة فقد ذكرت الخلاف في المذهب، واحتجت لأقوال الرسالة بالأدلة من الكتاب والسنة وقواعد الفقه، وأظهرت مفهوم الرسالة كما تكلمت على ظاهر المنطوق، بل إن شرحًا مثل شرح التتائي حاول الربط بين الرسالة _________ (١) الأبيات من بحر الطويل. يراجع: معجم السفر، لأبي طاهر السلفي، تح عبد الله عمر البارودي (ص ١٦٧) ومعالم الإيمان (ص ١١٢). (٢) يريد قول ابن أبي زيد: "ومن استحق أمة قد ولدت قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم". (٣) يراجع: شرح ابن ناجي (٢/ ٣٧٩).
следующие страницы →