وفي "أذكار النووي" (١): "كان إذا أراد أن يودع الجيش قال ... " إلى آخره. فهذا اللفظ هو الذي يطابق جمع الضمير في دينكم وما بعده، فما كان للمصنف تحويل لفظ الجامع وهو أصله.
قوله: "أخرجه أبو داود" أقول: في "الأذكار" (٢) زاد غيره بالإسناد الصحيح.
قوله: وفي أخرى عن ابن عمر لفظه في "الجامع" (٣) [٣٢ ب] عن قزعة. قال: قال ابن عمر: هلم أودعك كما ودعني رسول الله ﷺ ، فذكره.
٥ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ في السَّفَرِ قَالَ: "يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ الله، أَعُوذُ بِالله مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ. أَعُوذُ بِالله مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ، وَمِنَ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ، وَمِنْ سَاكِنِ البَلَدِ، وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ". أخرجه أبو داود (٤). [ضعيف]
"والمراد بِسَاكن البَلَدَ" الجن (٥)، لأنهم سكان الأرض.
"وَبِالوَالِدِ" هنا إبليس.
"وَبِمَا وَلَدَ" نسله وذريته (٦).
стр. 2242
قوله: "في حديث ابن عمر: ساكن البلد" هم الجن. أقول: في "الأذكار" (١) قال الخطابي (٢): هم الجن الذين هم سكان الأرض، والبلد من الأرض؛ ما كان فيه مأوى الحيوان، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل.
قال (٣): ويحتمل أن المراد بالوالد إبليس وما ولد الشياطين، هذا كلام الخطابي.
"والأسود" الشخص، وكل شخص يسمى أسود. انتهى.
وفي غيره (٤): الأسود: هو العظيم من الحيات وفيه سواد، ويكون تخصيصها بالذكر لخبثها.
٦ - وعن خولة بنت حكيم ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ". أخرجه مسلم (٥) ومالك (٦) والترمذي (٧). [صحيح]
قوله: "في حديث خولة" وهي بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو.
"وكلمات الله التامات" في "النهاية" (٨) قيل: هي القرآن، وإنما وصف كلامه بالتمام؛ لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه شيء من النقص والعيب كما يكون في كلام الناس.
стр. 2243
وقيل (١): معنى التمام هنا: أنها تنفع المتعوذ وتحفظه من الآفات وتكفيه. انتهى.
قوله: "أخرجه مسلم ومالك والترمذي" وقال (٢): "حسن صحيح غريب".
الفصل التاسع: في أدعية الكرب والهم
١ - عن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَاهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالمِينَ. مَا دَعَا بِهَا أَحَدٌ قَطٌ إلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ". أخرجه الترمذي (٣). [صحيح]
قوله: "التاسع" أي: "الفصل التاسع" [في أدعية الكرب والهم] (٤).
[أقول: الكرب؛ بفتح الكاف [٣٣ ب] وسكون الراء فموحدة، هو غاية الغَمِّ (٥) الذي يأخذ بالنفس.
والهم؛ هو الحزن والقلق لأمر متوقع.
قوله: "عن سعد" هو ابن أبي وقاص. وهذا الحديث لم أجده في "الجامع" في هذا الفصل، ولا ذكره في التفسير في حرف "التاء" وذكره هنا مناسب؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ (٦) نعم .. ذكره ابن الأثير في قسم الأدعية المطلقة.
стр. 2244
واعلم أن وجه تأثير هذه الأدعية الواردة ونحوها في دواء هذه الأمراض القلبية، أن القلب خلق لمعرفة فاطره ومحبته وتوحيده، والسرور به، والابتهاج بحبه والرضا عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحب إليه من كل ما سواه، وأجلَّ في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم له ولا سرور ولا لذة؛ بل ولا حياة له إلا بذلك.
وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقد غذاءه وصحته وحياته فالهموم والغموم والأحزان مسارعة إليه من كل صوب إليه، [ورهنٌ] (١) مقيم عليه .. فدواؤه الذي لا دواء سواه ما تضمنته هذه العلاجات النبوية [٢٩٧/ أ] المضادة لهذه الأدواء، فإن المرض يزول بالضد، والصحة تحفظ بالمثل، فصحته تحفظ بهذه [الأمور] (٢) النبوية وأمراضه بأضدادها. أفاده ابن القيم [٣٤ ب] في "زاد المعاد" (٣).
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وأحمد (٤)، والنسائي (٥)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٦)، والبزار (٧) ,
стр. 2245
وابن جرير (١)، وابن أبي حاتم (٢)، والحاكم (٣) وصححه، وابن مردويه (٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥).
وأخرج الحديث ابن السني (٦) عن سعد، بلفظ: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: "إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه، كلمة أخي يونس ... " الحديث. ففيه النص على المكروب، ورواية الترمذي التي ذكرها المصنف يدخل المكروب في عموم لفظ: "في شيء".
٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله رَبُّ السَّمَوَاتِ (٧)، [وَرَبُّ الأَرْضِ] (٨)، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ" أخرجه الشيخان (٩)، واللفظ لهما والترمذي (١٠). [صحيح]
قوله: "في حديث ابن عباس، أخرجه الشيخان".
стр. 2246
قلت: وفي لفظ مسلم: "أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر قال ذلك" و"حزبه" بفتح الحاء المهملة فزاي فموحدة، أي: إذا نزل به أمر مهم أو أصابه غم (١).
٣ - وعن الخدري ﵁ قال: دَخَلَ رسول الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ المَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ: "يَا أَبَا أُمَامَةَ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي المَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صلاَةِ" قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي، وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ الله. قَالَ ﷺ : "أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ أَذْهَبَ الله عنَّك هَمَّكَ، وَقَضَى دَيْنَكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله. قَالَ: "قُلْ: إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ". فَقُلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ الله عَنِّي غَمِّي، وَقَضَى دَيْنِي". أخرجه أبو داود (٢). [ضعيف]
قوله: "وعن الخدري" بضم الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، فراء، بعدها ياء النسبة نسبة إلى خدرة، اسم قبيلة.
هو أبو سعيد الخدري، واسمه: سعد بن مالك (٣) الخزرجي الأنصاري، اشتهر بكنيته. كان من الحفاظ المكثرين، العلماء الفضلاء العقلاء، أول مشاهدة الخندق، وغزا مع النبي ﷺ اثنتي عشرة غزوة. مات سنة أربع وسبعين، ودفن بالبقيع.
стр. 2247
قوله: "يقال له أبو أمامة" هو إياس (١) بكسر الهمزة وتخفيف المثناة التحتية آخره مهملة ابن ثعلبة الأنصاري أحد بني الحارث بن الخزرج.
قوله: "من العجز والكسل" العجز: عدم القدرة، والكسل: ترك الشيء مع القدرة [٣٥ ب] على الأخذ في عمله. "والجبن" ضد الشجاعة والاستعاذة من قهر الرجال، لما في ذلك من الوهن في النفس والمعاش.
٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵂ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ لَهَا: "قُولِي: اللهمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَرَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالفُرْقَان، فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى. أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وَأَغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ" (٢). [صحيح]
قوله: "وعن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة ... الحديث" لم يذكره ابن الأثير في "الجامع" في هذا الفصل.
قوله: "أخرجه الترمذي". قلت: وقال (٣): "إنه حسن غريب".
قال: وهكذا روى بعض أصحاب الأعمش عن الأعمش نحو هذا.
ورواه الأعمش (٤)، عن أبي صالح مرسلاً لم يذكر فيه عن أبي هريرة.
قوله: "وأنت الأول" الأربع الصفات تقدم تفسيرها في الأسماء الحسنى.
стр. 2248
٥ - وعن أنس ﵁ قال: كَانَ رسُولُ الله ﷺ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ يَقُولُ: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ" وقال: "ألِظَّوا بِياذَا الجَلاَلِ والإِكْرَام". أخرجه الترمذي (١). [حسن]
ومعنى "ألِظُّوا" (٢) الزموا ذلك، وثابروا عليه، وأكثروا من التلفظ به.
٦ - وعن أسماء بنت عميس ﵂ قالت: قَالَتْ قَالَ لِي رسول الله ﷺ : "أَلاَ أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ؟ الله الله رَبِّي لاَ أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". أخرجه أبو داود (٣). [حسن]
قوله: "وعن أسماء بنت عميس" بضم العين المهملة بعد الميم مثناة تحتية آخره سين مهملة، وهي زوجة أبي بكر صحابية جليلة، كانت تحت جعفر بن أبي طالب، ثم تحت أبي بكر الصديق، ثم تحت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، ولها أولاد من كل الثلاثة الأعيان.
قوله: "الله الله ربي لا أشرك به شيئاً" قال المظفري [٣٦ ب] في كتاب "الدعاء" له: كأن هذه الكلمات آخر كلام عمر بن عبد العزيز عند الموت.
٧ - وعن ابن مسعود (٤) ﵁ قال: مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ فَلْيَقلِ: "اللهمَّ إِنِّي عَبْدُكَ, وَابْنُ عَبْدِكَ, وَابْنُ أَمَتِكَ، وَفِي قَبْضَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ, مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ. أَسْأَلُكَ بِكُلَّ
стр. 2249
اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في مَكْنُونِ الغَيْبِ عِنْدَكَ؛ أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَجَلاَءَ هَمِّي وغَمِّي، مَا قالهَا عَبْدٌ قَطٌّ إِلاَّ أَذْهَبَ الله غَمَّهُ وَأبْدَلَهُ فَرَحاً" أخرجه رزين. [حسن]
"الاسْتِئْثَارُ" بالشيء التخصيص (١) به الانفراد، وقوله: "أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبي" شبه بالربيع من الزمان لارتياح الإنسان فيه وميله إليه.
قوله: "وعن ابن مسعود قال: من كثر همه ... الحديث" هو موقوف عليه، هكذا في نسخ "التيسير"، والذي في "الجامع" (٢) عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "من كثر همه" الحديث فهو مرفوع، وقصر المصنف بوقفه.
قوله: "أن تجعل القرآن ربيع قلبي" سأل الله أن يجعل القرآن لقلبه كالربيع، الذي يرتع فيه الحيوان، وكذا القرآن ربيع القلوب، وأن يجعله نور صدره، أي: كالنور الذي هو مادة الحياة، وبه يتم معاش العبد، وأن يجعله شفاء همه وغمه، فيكون له بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله، وأن يجعله لحزنه كالجلاء الذي يجلو الطبوع والأصدية. قاله ابن القيم (٣) ﵀.
стр. 2250
قوله: "أخرجه رزين" قد عرفناك عدم صحة هذه النسبة مراراً، وفي عدة الحصن الحصين (١): أنه أخرجه أحمد (٢)، وابن حبان (٣)، والبزار (٤)، ونسبه النووي في "الأذكار" (٥) إلى كتاب ابن السني (٦)، وفيه أنه قال رجل من القوم: يا رسول الله! إن المغبون من غبن هؤلاء الكلمات. قال: "أجل، فقولوهن وعلموهن، فإن من قالهن التماس ما فيهن أذهب الله تعالى حزنه، وأطال فرحه" انتهى.
قوله: "الاستئثار بالشيء" التخصيص به والانفراد.
قلت: في "شرح الأسماء" (٧) للبيهقي إن في هذا دلالة على صحة القول بأن لله تعالى أسماء غير التسعة والتسعين، وإنه ليس في قوله ﷺ : "إن لله [تسعاً] (٨) وتسعين اسماً" نفي لغيرها، وإنما وقع التخصيص بذكرها؛ لأنها أشهر الأسماء. انتهى بمعناه. وقد ذكر ذلك العلامة الكبير محمد بن إبراهيم الوزير ﵀ في كتابه "إيثار الحق على الخلق". [٣٧ ب].
الفصل العاشر: في أدعية الحفظ
١ - عن ابن عباس ﵄ قال: "جَاءَ عِليُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، تَفَلَّتَ هَذَا القُرْآنُ مِنْ صَدْرِي فَمَا أَجِدُنِي أَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ رسول الله ﷺ : "يَا أَبَا
قَرَأْتُهُنَّ عَلَى نَفْسِي تَفَلَّتْنَ، وَإنِّي أتعَلَّمُ اليَوْمَ أَرْبَعيِنَ آيَةً أَوْ نَحْوَهَا، فَإِذَا قَرَأْتُهَا عَلَى نَفْسِي، فَكَأَنَّمَا كِتَابُ الله بَيْنَ عَيْنَيَّ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ الحَدِيثَ، فَإِذَا رَدَّدْتُهُ تَفَلَّتَ، وَأَنَا اليَوْمَ أَسْمَعُ الأَحَادِيثَ، فَإِذَا تحَدَّثْتُ بِهَا لَمْ أَخْرِمْ مِنْهَا، فَقَالَ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "مُؤْمِنٌ وَرَبِّ الكَعْبَةِ أَبَا الحَسَنِ". أخرجه الترمذي (١). [موضوع]
قوله: "العاشرة في أدعية الحفظ" أي: (الفصل العاشر).
قوله: "في حديث ابن عباس: و ﴿آلم (١) تَنْزِيلُ﴾ لفظ "الجامع" (٢): بالم تنزيل السجدة.
قوله: "أبداً ما أبقيتني" أي: ما دمت حيّاً؛ لأن أبد كل إنسان مدته.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٣): "حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم".
ورواه الحاكم (٤) وقال: "صحيح على شرطهما"، إلا أنه قال: يقرأ في الثانية بالفاتحة و ﴿آلم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة.
وفي الثالثة الفاتحة والدخان، عكس ما في الترمذي. وقال في الدعاء: وأن "تشغل بدني"، عوض وأن "تستعمل" [٢٩٨/ أ]، وهو كذلك في بعض نسخ الترمذي ومعناهما
стр. 2253
واحد [٣٨ ب] وفي بعضها وأن "تغسل" قال الحافظ المنذري: ﵀ في "الترغيب والترهيب" (١) أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جداً.
وقال الجلال السيوطي في "الجامع الصغير" (٢): أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣) فلم يصب.
٢ - وعن شداد بن أوس ﵁ قال: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ يُعَلِّمُنَا أنْ نَقُولَ في الصَّلاَةِ: "اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالعَزِيمَةِ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ". أخرجه النسائي (٤). [ضعيف]
قوله: "وعن شداد بن أوس" حديث شداد بن أوس لم أجده في "الجامع" في هذا الفصل، ولا مناسبة فيه له؛ فإنه للحفظ، وحديث شداد من أدعية الصلاة، وفيها ذكره ابن الأثير في فصل الدعاء في الصلاة مطلقاً ومشتركاً.
واعلم أن ابن الأثير جعل الفصل العاشر في دعاء الاستخارة [٣٩ ب] ثم قال: إنه قد ورد دعاؤه المشهور مقروناً بصلاة الاستخارة فذكره في كتاب الصلاة.
قلت: والمصنف قد أخره إلى هنالك فلم يجعل له فصلاً.
стр. 2254
الفصل الحادي عشر: في دعاء اللباس والطعام
١ - عن الخدري ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا قَالَ: "اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِي هذَا، وَيُسمِّيِه: أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَه، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرَّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ". أخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢). [صحيح]
قوله: "الحادي عشر" أي: (الفصل الحادي عشر: في دعاء اللباس والطعام) في "الجامع" (٣) عقد الفصل لأدعية الطعام والشراب، ولم يذكر اللباس كما لم يذكر المصنف الشراب، وعقد لأدعية اللباس فصلاً مستقلاً.
قوله: "في حديث الخدري: ويسميه" زاد في "الجامع" (٤) باسمه، إما قميصاً، وإما عمامة، أو رداء. "أسألك خيره" إلى آخره، ولا أدري لم حذف المصنف بعض الحديث.
٢ - وعن أبي أمامة قال: لَبِسَ ابْنُ عُمَرُ ﵄ ثَوْبًا جَدِيدًا، فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي، وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِي أَخْلَقَ، فَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ فِي كَنَفِ الله وَحِفْظِه، الله وَسَتْرِهِ حَيًّا وَمَيِّتًا". أخرجه الترمذي (٥). [ضعيف]
قوله: "في حديث أبي أمامة: أخرجه الترمذي" قلت: وقال (٦): "حسن".
стр. 2255
٣ - وعن أبي سعيد ﵁ قال: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: "الحَمْدُ لله الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ" (١). [ضعيف]
٤ - وعن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي، وَلاَ قُوَّةٍ؛ غُفِرَ لَه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٢). أخرجهما أبو داود والترمذي. [حسن]
وزاد أبو داود (٣) في الثاني: "وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي كَسَانِي هَذَا ورَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي، وَلاَ قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" [حسن]
قوله: "في رواية أبي سعيد: واجعلنا مسلمين" في "الجامع" (٤): هذه رواية الترمذي، وفي رواية أبي داود: "كان إذا فرغ من طعامه قال: وذكر الحديث. انتهى.
والمصنف نسب الروايتين إلى أبي داود والترمذي، وبين الروايتين تفاوت.
قوله: "أخرجهما" أي: حديث أبي سعيد ومعاذ بن أنس. [٤٠ ب].
قوله: "الترمذي" قلت: وقال (٥): "حسن غريب".
стр. 2256
٥ - وعن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ الله لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا". أخرجه مسلم (١) والترمذي (٢). [صحيح]
قوله: "في حديث معاذ بن أنس: ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها" هذا من فضله، يقال: أطعم، وسقى، وغفر لعبده بحمده له على ما أعطى.
[و] (٣) قوله: "الأكلة" (٤) بضم الهمزة اللقمة، وبفتحها المرة الواحدة من الأكل.
قوله: "مسلم والترمذي" قلت: وقال الترمذي (٥): "حسن".
٦ - وعن أنس ﵁ قال: أكَلَ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ سَعْدِ بْنِ عُبَادةَ ﵁ خُبْزاً وَزَيتْاً، ثُمَّ قَالَ: "أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وأكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلاَئِكَةُ". أخرجه أبو داود (٦). [صحيح]
وله (٧) في أخرى عن جابر ﵁ قال: صَنَعَ أَبُو الهْيْثَمِ طَعَامًا، فَدَعَا رسول الله ﷺ وَأَصْحَابَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ: "أَثِيبُوا أَخَاكُمْ". قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا إِثَابَتُهُ؟ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا دُخِلَ بَيْتُهُ, وَأُكِلَ طَعَامُهُ، وَشُرِبَ شَرَابُهُ، فَدَعَوْا لَهُ فَذَلِكَ إِثَابَتُهُ". [ضعيف]
стр. 2257
"الإثَابَةٌ" (١) الجزاء.
قوله: "في حديث أنس: أكل" لفظه في "الجامع" (٢) أنه ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة، فجاء بخبز وزيت فأكل ... الحديث.
وقوله: "أفطر عندكم الصائمون" دعا له بأن يفطر عنده الصائمون؛ لأن من فطر صائماً كان له مثل أجره، وإلا فإنه ﷺ أكل ذلك الطعام وهو مفطر. ففيه أنه يقول المفطر لمن أطعمه، ويقوله الصائم لمن فَطَّرَه.
وكذلك قوله: "أكل طعامكم الأبرار" دعا لهم بأن يطعمون الأبرار الذين في طعامهم تقوية لهم على برهم، وقد ورد حديث (٣): "ولا يأكل طعامك إلا تقي".
وقوله: "وصَلَّت عليكم الملائكة" استغفرت لكم.
قوله: "أبو الهيثم" (٤) بفتح الهاء، وسكون المثناة التحتية، فمثلة: هو ابن التيهان، بفتح المثناة الفوقية [٤١ ب] فمثناة تحتية مشددة.
اسم أبي الهيثم مالك، وأبو الهيثم أحد النقباء الإثني عشر، شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها، مات في خلافة عمر سنة عشرين بالمدينة.
وقيل: قتل بصفين سنة سبع وثلاثين، وقيل غير ذلك.
قوله: "أثيبوا أخاكم" أي: بالدعاء له كما يقيده آخر الحديث.
стр. 2258
الفصل الثاني عشر: في دعاء قضاء الحاجة
١ - عن أنس ﵁ قال: كَانَ النَّبِيَّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ لِقضَاءِ الحاجَةِ يَقُولُ: "اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبْثِ وَالخَبَائِثِ". أخرجه الخمسة (١). [صحيح]
"الخُبثُ" بضم الباء جمع خبيث.
"والخَبَائِثُ" جمع خبيثة، والمراد بهما ذكور (٢) شياطين الجن والإنس وإناثهم.
[قوله] (٣): (الثاني عشر) أي: (الفصل الثاني عشر: في دعاء قضاء الحاجة).
قوله: "في حديث أنس: دخل الخلاء" (٤) هو بالخاء المعجمة ممدوداً؛ اسم الفضاء الخالي عن الناس وصار عرفاً اسماً لمحل قضاء الحاجة. والمراد إذا أراد (٥) دخوله كما في الرواية الأخرى.
"كان إذا أراد أن يدخل الخلاء" (٦).
стр. 2259
وفي أخرى (١): "كان إذا دخل الكنيف" ذكرهما ابن الأثير في "الجامع" (٢).
قوله: "الخبث" بضم الباء (٣)، وقيل بسكونها.
قال النووي (٤): ولا يصح قول من أنكر الإسكان [٤٢ ب]، وفسره بما ترى.
وقيل: "الخبث" الكفر، و"الخبائث" الشياطين. وقيل: "الخبث" الشيطان، و"الخبائث" المعاصي.
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاَءِ قَالَ: "غُفْرَانَكَ". أخرجه أبو داود (٥) والترمذي (٦). [صحيح]
وله (٧) في أخرى عن علي ﵁ قال: "سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَني آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الخَلاَءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ الله". [صحيح]
стр. 2260
"الغُفْرَانُ" (١) مصدر، ونصبه بإضمار أطلب، وأستغفر لقصور الشكر عن بلوغ هذه النعمة، وقيل: استغفر من تركه ذكر الله سبحانه مدة لبثه على الخلاء؛ لأنه كان لا يترك ذكر الله إلا عند قضاء الحاجة، فرأى ذلك تقصيراً فتداركه بالاستغفار.
قوله: "في حديث عائشة: أخرجه الترمذي وأبو داود" قلت: وقال الترمذي (٢): "حسن غريب".
قوله: "في حديث علي: وله" أي: الترمذي. قلت: وقال (٣): "غريب"، وفي "الأذكار" (٤) أنه قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي.
قوله: "لقصور الشكر عن بلوغ هذه النعمة" قلت: ويؤيده حديث أبي ذر (٥) عند الترمذي، كان يقول إذا خرج من الخلاء: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"، وفي رواية: "الحمد لله الذي أخرج عني أذاه، وأبقى فيّ منفعته". وأخرجه ابن ماجه (٦) عن أنس.
стр. 2261
قال النووي (١): إنه يستحب ذكر الدخول والخروج، سواء كان في البنيان أو في الصحراء.
الفصل الثالث عشر: في دعاء الخروج من المسجد والدخول إليه
١ - عن فاطمة بنت الحسن بن علي عن جدتها فاطمة الكبرى ﵂ قالت: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالَ: "رَبَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ"، وإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالَ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أبوَابَ فَضْلِكَ". أخرجه الترمذي (٢). [صحيح]
قوله: "الثالث عشر" أي: "الفصل الثالث عشر في دعاء الدخول إلى المسجد والخروج منه"
قوله: "عن فاطمة بنت الحسين" [٢٩٩/ أ] أي: ابن علي بن أبي طالب ﵇. ولا يخفى أن فاطمة بنت الحسن لم تدرك فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فهو منقطع، إلا أنه ذكر ابن الأثير (٣) تمام كلام الترمذي.
قال إسماعيل بن إبراهيم (٤): فلقيت عبد الله بن الحسن بمكة، فسألته عن هذا الحديث؟ فحدثني به قال: كان إذا دخل قال: "رب افتح لي باب رحمتك" وإذا خرج قال: "رب افتح لي باب فضلك" انتهى. إلا أنه في روايته الصلاة عليه ﷺ ، وأيضاً [٤٣ ب] عبد الله بن الحسن لم يدرك جدته فاطمة الكبرى. والترمذي (٥) قال بعد إخراجه: "غريب"، وكان الأحسن
стр. 2262
للمصنف أن يقول: ما ذكره ابن الأثير (١) من حديث أبي أسيد وأبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك" أخرجه مسلم (٢) والنسائي (٣).
وزاد أبو داود (٤) في الدخول: "فليسلم على النبي ﷺ ، ثم ليقل: اللهم افتح لي" وذكره، وإنما قلنا: كان الأحسن؛ لأنه موصول ومصحح، وهو ناقل من "الجامع"، فاقتصاره على الرواية التي غربها من أخرجها مع كونها مقطوعة تقصير.
الباب الرابع عشر: في دعاء رؤية الهلال
١ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: كَانَ رسولُ الله ﷺ إِذَا رَأَى الهِلاَلَ قَالَ: "اللهمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِاليُمْنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَمِ رَبِّي وَرَبُّكَ الله". أخرجه الترمذي (٥). [صحيح]
قوله: "الرابع عشر" أي: "الفصل الرابع عشر في دعاء رؤية الهلال".
أي: في الدعاء المشروع لمن رأى الهلال.
قوله: "في حديث طلحة بن عبيد الله أخرجه الترمذي (٦) وقال: حديث حسن".
стр. 2263
٢ - وعن قتادة ﵁: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الهِلاَلَ قَالَ: "هِلاَلُ خيْرٍ وَرُشْدٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ, آمَنْتُ بِالله الَّذِي خَلَقَكَ" ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ يَقُولُ: "الحَمْدُ لله الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا". أخرجه أبو داود (١). [إسناده ضعيف].
وفي رواية له (٢) عنه قال: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا رَأَى الِهلاَلَ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ. [إسناده ضعيف].
قوله: "في حديث قتادة" وهو قتادة بن النعمان صحابي أنصاري، أخرجه أبو داود إلى قوله: وفي رواية له. قال النووي في "الأذكار" (٣) بعد سياقهما: هكذا رواهما أبو داود مرسلين، وفي بعض نسخ أبي داود.
قال أبو داود (٤): ليس في هذا الباب عن النبي ﷺ [٤٤ ب] حديث مسند صحيح.
الفصل الخامس عشر: في دعاء الرعد والريح والسحاب
١ - عن ابن عمر ﵄ قال: كَانَ رَسُولَ الله ﷺ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ قَالَ: "اللهمَّ لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ, وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ". أخرجه الترمذي (٥). [ضعيف]
стр. 2264
قوله: "الخامس عشر" أي: "الفصل الخامس عشر في دعاء الرعد والسحاب والريح".
أي: في الدعاء المشروع عند حدوث ذلك.
قوله: "في حديث ابن عمر أخرجه الترمذي" قال النووي في "الأذكار" (١): بإسناد ضعيف.
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسُولُ الله ﷺ إِذَا رَأَى نَاشِئًا فِي أُفُقِ السَّمَاءِ تَرَكَ العَمَلَ، وَإِنْ كَانَ فِي صَلاَةٍ خَفَّفَ، ثُمَّ يَقُولُ: "اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا". فَإِنْ مُطِرَ قَالَ: "اللهمَّ صَيَّبًا هَييئًا". أخرجه أبو داود (٢). [صحيح]
و"النَّاشِئُ" (٣) السحاب، و"الصَّيِّبُ" (٤) المدرار.
قوله: "في حديث عائشة: وإن كان في صلاة خفف" لم يذكر في "الأذكار" (٥) لفظ: "خفف" بل قال: ترك العمل. وإن كان في صلاة، فينظر لفظ سنن أبي داود (٦) إن شاء الله.
стр. 2265
قوله: "ناشئاً" في "الأذكار" (١): "ناشئاً" بهمز آخره، أي: سحاباً لم يتكامل اجتماعه.
"والصيب" (٢) بكسر المثناة التحتية المشددة هو المطر الكثير. وقيل: المطر الذي يجري ماؤه وهو منصوب بفعل محذوف، أي: أسألك صيباً أو اجعله صيباً.
قوله: "أخرجه أبو داود" قلت: في "الأذكار" (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجه (٥).
٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رسولُ الله إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: "اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ". أخرجه الشيخان (٦) هكذا والترمذي (٧). [صحيح]
٤ - وله (٨) عن أبي بن كعب ﵁: "لاَ تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خيْرِهَا ... ". الحديث. [صحيح]
"عَصَفَتِ الرِّيحُ" إذا اشتد هبوبها.
стр. 2266
قوله: "في حديث أبي بن كعب: اللهم إنا نسألك من خيرها" لفظه في "الجامع" (١): "اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به. ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به" وهذه الرواية؛ قال الترمذي (٢) بعد إخراجها [٤٥ ب]: "حديث حسن صحيح".
الفصل السادس عشر: في دعاء يوم عرفة وليلة القدر
١ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قَالَ النبيُّ ﷺ : "أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".
أخرجه مالك (٣) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز إلى قوله: "لا شريك له". [صحيح لغيره]
والترمذي (٤) عن عمرو بتمامه. [حسن]
قوله: "السادس عشر" أي: "الفصل السادس عشر في دعاء يوم عرفة وليلة القدر".
قوله: "أخرجه مالك عن طلحة بن عبيد الله" أقول: هو أبو مطرف طلحة بن عبيد الله ابن كريز بفتح الكاف وكسر الراء وسكون الياء وبالزاي، وهو الكعبي الخزاعي، تابعي من أهل المدينة، روى عن أم الدرداء، وأبي الدرداء وغيرهما. قاله ابن الأثير (٥).
стр. 2267
قلت: فروايته مرسلة.
قوله: "والترمذي بتمامه" قلت: وقال (١): "حسن غريب من هذا الوجه" وحماد بن أبي حميد هو أبو إبراهيم الأنصاري المدني، وليس بالقوي عند أهل الحديث.
٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةٍ القَدْرِ مَا أَدْعُوا بِهِ؟ قَالَ: "قُولِي: اللهمَّ إِنَّكَ كَرِيمٌ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي". أخرجه الترمذي (٢) وصححه. [صحيح]
قوله: "في حديث عائشة: إن وافقت ليلة القدر".
أقول: تريد إن عرفتها بعينها، وقد ذكرت لها علامات (٣): عدم الحرِّ والبرد فيها، وأن تطلع الشمس في صبيحتها بيضاء بلا كثير شعاع؛ لخبر مسلم بذلك. وحكمة ذلك: أنها علامة جعلت لها، وأن ذلك لكثرة اختلاف الملائكة ونزولها وصعودها فسترت بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوء الشمس وشعاعها، هكذا ذكر. وهذا يدل قلة شعاع الشمس بعد مرور ليلة القدر، وهو علامة لمرورها، والمطلوب علامات تستقبل بها وتعرف بها المراقب لها فيدعو.
فأي فائدة بعد مرورها؟ وأجيب: بأن فائدة معرفة صفتها [٤٦ ب] بعد فواتها بعد طلوع الفجر: أنه يسن أن يكون اجتهاده في يومها كاجتهاده في ليلتها.
стр. 2268
قلت: ولا دليل (١) على هذه الدعوى.
قالوا: أو لأنها لا تنتقل فيكون معرفة يومها لينتفع به في السنين الآتية [٣٠٠/ أ] قالوا: ويسن لمن رآها كتمها. ولا أدري ما وجهه.
ووجهوه بأن رؤيتها كرامة، والكرامة ينبغي كتمها، وما في "شرح صحيح مسلم" (٢) من أنه لا ينال فضلها إلا من اطلع عليها، فمن قامها ولم يشعر بها لا ينال فضلها.
رده جماعة ولم يقيموا دليلاً؛ فإن في "صحيح مسلم": "قام ليلة القدر فوافقها" أي: علم بها، إلا أن الأولين قالوا: تفسير الموافقة بالعلم ليس صحيحاً لغة، سيما وقد قال ابن مسعود (٣): من يقم الحول يصبها، قالوا: ويرى حقيقة فيتأكد طلبها والاجتهاد في إدراكها وأحيا ليله كله بالعبادة، ولعله يأتي عند ذكرها زيادة على هذا.
الفصل السابع عشر: في دعاء العطاس
١ - عن عامر بن ربيعة ﵁ قال: عَطَسَ رَجُلٌ فِي الصَّلاَةِ خَلْفَ رسول الله ﷺ فَقَالَ: الحمْدُ لله حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّنَا، وَبَعْدَ مَا يَرْضَى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ رسول الله ﷺ قَالَ: "مَنِ القَائِلُ الكَلِمَةَ؟ ". فَسَكَتَ الرَّجُلُ، ثُمَّ قَالَ: "مَنِ القَائِلُ الكَلِمَة, فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا". فَقَالَ: أنَّا، وَلم أُرِدْ بِهَا إِلاَّ الْخَيْر. قَالَ: "مَا تَنَاهَتْ دُونَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ تَعَالَى". [أخرجه أبو داود (٤). [صحيح]
стр. 2269
قوله: "السابع عشر" أي: "الفصل السابع عشر في دعاء العطاس".
أي: فيما شرع عند حصوله للعاطس والسامع له.
قوله: "عن عامر بن ربيعة" (١) هو العنزي بفتح العين المهملة والنون، نسبة إلى جده عنز ابن وائل، بفتح العين وسكون النون.
قوله: "عطس رجل" لفظ "الجامع" (٢): "عطس شاب من الأنصار" الحديث.
قوله: "وهو في الصلاة" الضمير للشاب وأنه حمد الله في صلاته، وأقره النبي ﷺ ، بل أخبر بفضيلة ما قال.
وقال النووي في "الأذكار" (٣): إذا عطس في الصلاة فيستحب [٤٧ ب] أن يحمد الله ويسمع نفسه، هذا مذهبنا، ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال:
أحدها: هذا، واختاره ابن العربي.
والثاني: يحمد في نفسه.
والثالث: قاله سحنون لا يحمد سراً ولا جهراً. انتهى.
قلت: ولقد خالفوا كلهم ما أفاده الحديث، وتقريره ﷺ له، ولم يقل لا تعد، أو أحمد في نفسك أو لا تحمد، والحق مع الحديث (٤).
وفي الترمذي (٥): أنه كان هذا الحديث عند بعض أهل العلم في التطوع؛ لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه، ولم يوسعوا له
стр. 2270
أكثر من ذلك. انتهى.
وظاهر (١) الحديث أنه قالها في فريضة.
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قَالَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ لله عَلَى كُلَّ حَالٍ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ, أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذَا قَالَ له فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ الله وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ". أخرجه البخاري (٢) وأبو داود (٣). [صحيح]
"بَالَكُمْ" (٤) شأنكم.
قوله: "في حديث أبي هريرة: أخوه أو صاحبه" شك من الراوي، والأمر في: "فليقل" للندب؛ لأنه لو قال: الحمد لله؛ أجزأه للأحاديث الأخر. فإذا لم يحمد لم يستحق أن يقال له يرحمك الله.
قال النووي (٥): قال أصحابنا: وقول يرحمك الله سنة على الكفاية، لو قاله بعض الحاضرين أجزأ عنهم، لكن الأفضل أن يقوله كل واحد منهم، لظاهر قوله ﷺ في الحديث الصحيح: "كان حقاً على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله" انتهى.
قلت: ولا يخفى أنه يفيد الحديث إيجابه على كل سامع كيف وقد سماه حقاً. واختار الإيجاب على كل سامع؛ ابن العربي، وهو الحق.
стр. 2271
قلت: قال ابن الأثير (١): قد جاء [٣٨ ب] ذكر العطاس وآدابه، وما يقال فيه في كتاب "الصحبة" من حرف "الصاد".
قال (٢): ونذكر ها هنا ما يختص بدعائه. انتهى.
الفصل الثامن عشر: في دعاء داود ﵇ -
١ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ ﵇: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحبُّكَ، وَالعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ. اللهمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَأَهْلِي وَمَالِي، وَمِنَ المَاءِ البَارِدِ". قَالَ: وَكَانَ رسول الله ﷺ إِذَا ذَكَرَ دَاوُدَ يُحَدَّثُ عَنْهُ بِقَولِهِ: "كَانَ أَعْبَدَ البَشَرِ". أخرجه الترمذي (٣). [ضعيف]
قوله: "الثامن عشر" أي: "الفصل الثامن عشر في دعاء داود ﵇ ".
وترجم ابن الأثير (٤) بقوله: في أدعية مفردة، ثم بدأ بذكر دعاء ذي النون، وذكر سعد ابن أبي وقاص، فالمصنف قدمه في أدعية الكرب والهم، فاستغنى عن إعادته.
قوله: "حبك" يحتمل أنه مضاف إلى الفاعل. أي: حبي إياك، أو إلى المفعول، أي: حبك إياي، ويحتملها وحب من يحبك، أي: أن يحبني من يحبك أو أحبه.
قوله: "والعمل الذي" أي: وجب العمل الذي يبلغني حبك، أي: حبك إياي أو حبي إياك أي: يزيدني حباً لك.
стр. 2272
قوله: "اللهم حبك إلي أحب من نفسي" ظاهره حبه هو لربه سبحانه. ويحتمل المعنى الآخر، والمراد: أوثر حبك على كل ما ذكر. واعلم أن للناس كلام طويل في محبة الله (١)، هل حقيقة أو مجاز؟
فالحق أنها حقيقة لا يعلم كنهها وكيفيتها.
قوله: "أخرجه الترمذي وقال (٢): حديث حسن غريب".
الفصل التاسع عشر: في دعاء قوم يونس ﵇ -
١ - عن أبي هريرة ﵁ يرفعه قال: "كانَ مِنْ دُعَائِهِمْ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ حِينَ لاَ حَيَّ، يَا مُحْيِي يَا مُمِيتُ، يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ" (٣). أخرجه رزين.
قوله: "التاسع عشر" أي: "الفصل التاسع عشر في ذكر دعاء قوم يونس ﵇".
стр. 2273
أقول: يريد التي كشف الله بها عنهم العذاب، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (١) [٤٩ ب].
وحديث أبي هريرة نسبه المصنف إلى إخراج رزين على قاعدته، وبيض له ابن الأثير (٢)، ولم أجده في "الدر المنثور" (٣)، إنما فيه: أخرج أحمد في الزهد (٤)، وابن جرير (٥)، وابن المنذر (٦)، وابن أبي حاتم (٧)، عن أبي الجلد، قال: لما غشي قوم يونس العذاب، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم [٣٠١/ أ] فقالوا له: ما ترى؟ قال: قولوا: يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت. فقالوا: فكشف عنهم العذاب.
الفصل العشرون: في الدعاء عند رؤية المبتلى
١ - عن عمر وأبي هريرة ﵄ قالا: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلاَءٍ فَقَالَ: الحَمْدُ لله الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كثير مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلاً؛ عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ البَلاَءِ كَائِنًا مَا كَانَ مَا عَاشَ". أخرجه الترمذي (٨) من روايتهما، وهذا لفظ رواية عمر. [حسن]
وقال في رواية أبي هريرة (٩): "لم يصبه ذلك البلاء" دون باقي الحديث. [صحيح]
стр. 2274
قوله: "العشرون" أي: "الفصل العشرون في الدعاء المشروع لمن رأى المبتلى".
بأي بلية.
قوله: "عن عمر وأبي هريرة".
أقول: هكذا في "الجامع" (١)، والذي رأيته في الترمذي (٢) عن عمر وساقه، ثم قال (٣): "هذا حديث غريب"، ثم قال: وفي الباب عن أبي هريرة (٤). وأخرجه بعد أن قال في حديث عمر، ثم قال (٥): وعمرو بن دينار قهرمان آل الزبير، شيخ بصري، وليس هو بالقوي في الحديث وقد تفرد عن سالم بن سالم بن عبد الله بن عمر. انتهى.
وعمرو بن دينار: هو الذي ساق عنه رواية عمر، ثم قال الترمذي (٦): وقد روي بن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: "إذا رؤي صاحب بلاء يتعوذ، يقول ذلك في نفسه ولا يسمع صاحب البلاء" ثم ساق حديث أبي هريرة بلفظ حديث عمر، إلا قوله عوفي في الأول، فإنه في الثاني [٥٠ ب] لم يصبه كما ذكره المصنف وقال (٧): "إنه حديث حسن غريب من هذا الوجه".
القسم الثاني من الباب الثاني: في أدعية غير مؤقتة ولا مضافة
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "اللهمَّ أَصْلِحْ لِي دِينيَ الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي،
стр. 2275
وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ". أخرجه مسلم (١). [صحيح].
قوله: "القسم الثاني".
تقدم له أن الباب الثاني في أقسام الدعاء وفيه قسمان. وعدَّ في القسم الأول عشرين فصلاً واستوفاها.
قوله: "ولا مضافة" أي: إلى سبب.
قوله: "في حديث أبي هريرة الذي فيه عصمة أمري".
العصمة (٢): المنعة. أي: منعة أمري عن شرور الدنيا والآخرة، والإصلاح: ضد الإفساد، وهذا حديث جليل اشتمل على خمس جمل كلها شاملة لصلاح كل حال.
٢ - وعن أنس ﵁ قال: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللهمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". أخرجه الشيخان (٣) وأبو داود (٤). [صحيح]
قوله: "في حديث أنس: آتنا في الدنيا حسنة" أخرج عبد الرزاق (٥) عن قتادة في قوله: "آتنا في الدنيا حسنة" قال: عافية. "وفي الآخرة حسنة" قال: عافية.
стр. 2276
وأخرج ابن أبي شيبة (١)، وعبد بن حميد (٢)، ابن جرير (٣)، والمرهبي (٤) في فضل العلم، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥) عن الحسن في قوله: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة" قال: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة.
وأخرج ابن جرير (٦) عن السدي قال: حسنة الدنيا؛ المال، وحسنة الآخرة؛ الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم (٧) عن الحسن [٥١ ب]: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" قال: الرزق الطيب، والعلم النافع.
وأخرج ابن أبي حاتم (٨)، عن محمد بن كعب قال: المرأة الصالحة من الحسنات.
وأخرج ابن المنذر (٩) عن سالم بن عبد الله: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة" قال: الثناء.
فهذا تفسير السلف.
قوله فيه: "أخرجه الشيخان وأبو داود" زاد في "الدر" (١٠): وابن أبي شيبة، والنسائي، وأبو يعلى.
стр. 2277
٣ - وعنه ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ سَأَلَ الله الجَنَّةَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ الجَنَّةُ: اللهمَّ أَدْخِلْهُ الجَنَّةَ. وَمَنِ استَجَارَ بِالله ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنَ النَّارِ، قَالَتِ النَّارُ: اللهمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ". أخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢). [صحيح]
وعن علي ﵁: أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي. فَقَالَ: أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رسول الله ﷺ ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ الله عَنْكَ، قَالَ: "قُلِ: اللهمَّ اكْفِني بِحَلاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِني بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ". أخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤). [حسن]
"صِير" بصاد مهملة مكسورة، ثم مثناة من تحت ساكنة ثم راء: جبل لطيء، وجبل على الساحل أيضاً بين عمان وسيراف، فأما جبل صبير: بباء موحدة بين الصاد، والمثناة، فإنما جاء في حديث معاذ (٥).
стр. 2278
الباب الثالث: فيما يجري في مجرى الدعاء
وفيه: ثلاث فصول
الفصل الأول: في الاستعاذة
١ - عن أنس ﵁ قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ، وَالكَسلِ، وَالجُبْنِ، وَالهَرَمِ، وَالبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ". أخرجه الخمسة (١). [صحيح]
٢ - وعنه ﵁ قال: كَانَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُذَامِ، وَالَبرَصِ، وَالجُنُونِ، وَمِنْ سَيِّء الأَسْقَامِ". أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣). [صحيح]
(الباب الثالث فيما يجري مجرى الدعاء)
وفيه ثلاثة فصول.
قوله: "الاستعاذة: الاستعاذة بالله" (٤) هي: الاعتصام به والالتجاء إليه.
قوله: "من العجز" العجز: ضد الاقتدار، والكسل ضد النشاط، والجبن ضد الشجاعة. وفي البخل (٥) أربع لغات: ضم الموحدة وفتحها والخاء كذلك، وإسكان الخاء مع الضم والفتح في الموحدة.
وتقدم تفسير فتنة المحيا والممات.
стр. 2279
٣ - وعن ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: كَانَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: "اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لاَ يَخْشَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لاَ يُسْمَعُ، وَمنْ نَفْسٍ لاَ تَشْبَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لاَ يَنْفَعُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاَءِ الأَرْبَعِ". أخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢). [صحيح]
قوله: "في حديث ابن عمرو بن العاص: ومن دعاء لا يسمع" في "النهاية" (٣) أي: لا يستجاب ولا يُعتدُّ به، فكأنه غير مسموع.
قوله: "من نفس لا تشبع" أي: لا تشبع [٥٢ ب] من الدنيا، وقد بين ذلك حديث: "ليس الغنى عن كثرة العرض؛ ولكن الغنى غنى النفس" (٤).
قوله: "ومن علم لا ينفع" العلم إنما المراد العمل وهو نفعه وإذا لم يعمل به عالمه؛ فإنه لا فائدة له، بل هو ضر على حامله، فإن الله يقول فيمن علم وما عمل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ (٥)، فمثل العالم غير العامل بأخس الحيوانات وهو الحمار، ومثله أيضاً بالكلب في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا
стр. 2280
فَانسَلَخَ مِنهَا﴾ (١) إلى قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ (٢) فهذان مثلان ضربهما الله سبحانه للعالم غير العالم وهو الذي لم ينفعه علمه.
قلت: استعاذ ﷺ من ذلك تعليماً للعباد، وإلا فإنه قد أعاذه الله بالعصمة من علم لا ينفع، وقد نفع علمه الأولين والآخرين [٥٣ ب] من أمته.
قوله: "أخرجه الترمذي".
قلت: وقال (٣): "حسن صحيح".
٤ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسَولَ الله ﷺ قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِالله مِنْ جَهْدِ البَلاَءِ، وَدرَكِ الشَّقَاءِ, وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ". أخرجه الشيخان (٤) والنسائي (٥). [صحيح]
قوله: "في حديث أبى هريرة من جهد (٦) البلاء".
أقول: بفتح الجيم وضمها: كل ما أصاب الإنسان من شدة, ومشقة [٣٠٢/ أ]، وما لا طاقة له بحمله، ولا قدرة له على دفعه.
وسئل عمر ﵁ عن جهد البلاء؟ فقال: كثرة العيال وقلة المال.
وقوله: "درك الشقاء" (٧) بفتح الدال والراء المهملتين: الإدراك، اللحاق، والشقاء، يمد ويقصر، الهلاك في الدنيا والآخرة.