← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكتاب: القرآن ونقض مطاعن الرهبان المؤلف: د. صلاح عبد الفتاح الخالدي دار النشر: دار القلم - دمشق الطبعة الأولى: ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) . (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) .

стр. 3

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونتوبُ إِليه ونستغفرُه، ونَعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أَعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأَشهدُ أَنْ لا إِله إِلّا الله، وحْدَه لا شريكَ له، وأَشهدُ أَنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، وعلى آلِه وصحبه أَجمعين. أَما بعد: فهذا الكتابُ هو الثاني عشر من السلسلةِ القرآنية التي أَعانَنا اللهُ على إِصدارها " من كنوز القرآن "، وللهِ الحمدُ والشكر. وقد خَصَّصْنا هذا الكتابَ " القرآن ونقض مطاعن الرهبان " للانتصار للقرآن، والدفاعِ عنه أَمامَ هجماتِ أَعدائِه، الذين انْتَقَصوهُ وخَطَّؤُوه، وأَثاروا حولَه الشبهات، ووجَّهوا له الاتهامات، وتَعامَلوا معه بعَداوَةٍ وتَحامُل. أَدَرْنا هذا الكتابَ لتفنيدِ اتهاماتٍ وجَّهها له أَحَدُ رجالِ الدين النصارى - أَو مجموعةٌ من رجالِ الدين النصارى - وزَعَمَ أَنَّ القرآنَ ليس معصوماً من الأَخطاءِ، ففيه مجموعةٌ من الأَخْطاءِ، تُعَدُّ بالعَشَرات، في مختلفِ المجالات، وشَتّى الموضوعات. الكتابُ الذي خَصَّصْنا كتابَنا للرَّدِّ عليه وتَفنيدِ شُبهاتِه واتهاماتِه هو: " هل القرآنُ معصوم؟ " ونُسِب إِلى رجلِ دينٍ نصرانيّ، هو " عبد الله الفادي ". ويَبدو أَنَّ هذا الاسْمَ مستعار. وصَدَرَ الكتابُ عن مؤسسةٍ تنصيرية في النمسا، اسْمُها " ضوءُ الحياة "، وظهرتْ طبعَتُه الأُولى عام (١٩٩٤م) ، وتوزِّعُه هيئاتُ ومراكزُ التبشيرِ النصرانية، ودَعَتْ مؤسسةُ " ضوءِ الحياة " إِلى مراسلتِها، لإرسالِ الكتابِ لمن يَطلبونَه، كما أَنها أَنْزَلَتْه على " الإنترنت ".

стр. 4

والظاهرُ أَنَّ هذا الكتابَ ثمرةُ جهودٍ مشتركةٍ لمجموعةٍ من رجالِ الدينِ النصارى، تَفَرَّغوا للنظر في القرآن، بهدفِ انتقادِه، وبيانِ أَخْطائِه وتناقُضاتِه - حسبَ مزاعِمهم - ويَبدو أَنهم رَدَّدوا ما قالَه اليهودُ والنصارى من قبلِهم، وظَنّوا أَنهم بذلك سيقضونَ على القرآن، ويوقفونَ انتشارَه، ولكنْ خابَ ظَنُّهم، فالقرآنُ غالبٌ منصور، ونورُه منتشرٌ مشرق، يفتحُ اللهُ له القلوبَ والعقول، في الغرب والشرق. وبما أَنَّ الكتاب " هل القرآن معصوم؟ " في الظاهر من إِعدادِ مؤلِّفٍ واحد، هو " عبد الله الفادي " فسننظرُ إِليه وننقدُه على هذا الأَساس، ونستعينُ عليه بالله. أَخبرَ " عبدُ الله الفادي " في مقدمةِ كتابه أَنه " رجلُ دينٍ نصراني " حريصٌ على القيام " بخدمةٍ منتجةٍ دائمةِ الأَثرِ للجنس البشري "، وأَنْ يُقَدِّمَ للناس عملاً عظيماً، يَخدمُهم ويُقدمُ فيه الخيرَ لهم. فماذا سيقدِّمُ لهم، وبماذا سيخدمُهم؟. رأى أَنَّ أَفضلَ ما يخدمُهم به هو أنْ يُحَذِّرَهم من خطرٍ كبير، ويُنَبِّهَهم إِلى افتراءٍ عظيم، حتى لا يُخْدعوا به، إِنَّ هذا الافتراءَ هو القرآنُ، الذي ادَّعى محمدٌ ﷺ أَنه وَحيٌ أَوْحى اللهُ به إِليه، مع أَنَّ الفادي يوقنُ أَنَّه لا وَحْيَ بعدَ الإِنجيل، ولا رسولَ بعدَ المسيح!! فما أَتَى به محمدٌ ﷺ كَذِبٌ وإفكٌ مفترى. قال في مقدمتِه: " ... ولكنني كرجلِ دين، رأيتُ أَنْ أَدرسَ القرآنَ.. وبما أَنَّ اللهَ واحدٌ، ودينَه واحد، وكتابَه المقدَّسَ واحد، الذي ختمهُ بظهورِ المسيح كلمتِه المتجسِّد، وقال: إِنَّ مَنْ يَزيدُ على هذا الكتاب يَزيدُ اللهُ عليه الضرباتِ المكتوبة فيه، وبما أَنَّ القرآن يقول: إِنه وحي، أَخذتُ على عاتِقي دراستَه ودراسة تفاسيرِه، فدرسْتُه مِراراً عديدة، ووقَفْتُ على ما جاءَ به، ووضعْتُ تعليقاتي في قالبِ مئتين وثلاثة وأَربعين سؤالاً، خدمةً للحق، وتَبصرة لأُولي الألباب.. "!!. ادَّعى عبدُ الله الفادي أَنه وجدَ في القرآن مئتين وثلاثةً وأَربعين خطأً،

стр. 5

وهذا معناهُ أَنَّ القرآنَ ليس معصوماً من الخطأ، ومعناهُ أَنه ليسَ وَحْياً من الله، وليس كلامَ الله، إِذْ لو كانَ كلامَ الله لما وُجدَ فيه خطأ واحد!! وإذا لم يكن القرآنُ كلامَ الله، لم يكنْ محمدٌ رسولاً من عندِ الله، وإِنما هو مُفْتَرٍ مُدَّعٍ، ومعنى هذا أَنَّ الإِسلامَ ليس ديناً من عندِ الله، وأَنَّ مَنْ يَعتنقُ الإسلام فهو كافرٌ وعلى دينٍ باطل! والدينُ الوحيدُ المقبولُ عند الله هو الدينُ اليهودي والدين النصراني، واليهودُ والنصارى هم وحدهم المؤمنون الموَحِّدون!!. قَسَّمَ الفادي أَسئلتَه عن القرآن، التي عَرَضَ فيها أَخطاءَ القرآنِ، إِلى عشرةِ أقسام " هي: أَسئلةٌ جغرافية، وأَسئلةٌ تاريخية، وأَسئلةٌ أَخلاقية، وأَسئلةٌ لاهوتية، وأَسئلةٌ لغوية، وأَسئلةٌ تشريعية، وأَسئلة اجتماعية، وأَسئلةٌ علمية، وأَسلةٌ فنية، وأَسلةٌ خاصةٌ بحياةِ رسولِ الله ﷺ . وجاءَ الكتابُ في مئتين وتسعٍ وخمسين صفحة. وتُوَزّعُ الكتابَ هيئاتٌ وجمعياتٌ تنصيرية، بطريقةٍ خاصة، وتوجّهه إِلى المسلمين، بهدفِ تشكيكِهم، في القرآن، الذي يؤمنون به، وتَدْعوهم هذه الهيئاتُ إِلى التعجبِ من وجودِ مئاتِ الأَخطاءِ في كتابهم!!. ومن بابِ الكيدِ واللؤمِ والخبث، وضعت الجهةُ التنصيريةُ المشرفة على تأليفِ الكتابِ وطَبْعِه ونَشْرِه وتوزيعِه بين المسلمين في آخرِ الكتاب مسابقةً مكوَّنةً من عشرةِ أَسئلة، لتتأَكَّدَ اللجنةُ من أَنَّ القارئَ قرأَ الكتاب، واستوعَبَ ما فيه، وطالَبَتْهُ بالإِجابةِ على الأسئلة، وإرسالِ الإجاباتِ إِليها، لتُقَدّمَ له الجوائز. قالت اللجنةُ في بدايةِ المسابقة: " أَيها القارئُ العزيز: إِنْ تعمقْتَ في قراءةِ هذا الكتاب، تستطيعُ أَنْ تُجاوبَ على الأَسئلةِ بسهولة. ونحنُ مستعدّون أَنْ نُرسلَ لك أَحَدَ كتبِنا الروحية، جائزةً على اجتهادِك.. لا تنسَ أَنْ تكتب اسْمَك وعنوانَك كاملاً، عند إرسال إِجابتِك إِلينا.. ". وَوَضَعَتْ عنوانَها في النمسا لمراسلتِها..

стр. 6

ونَزلَت اللجنةُ المذكورةُ الكتابَ على الشبكةِ العنكبوتية " الإنترنت ". المشكلةُ في القِسّيس عبدِ الله الفادي أَنه دَخَل عالمَ القرآنِ بمقررٍ فكريٍّ مُسْبَق، هو أَنَ القرآنَ تأليفٌ بشريٌّ وليس كلامَ الله، وتعامَلَ معه على هذا الأَساس، وزَعَمَ وُجودَ هذه الأَخطاءِ فيه. ومن جَهْلِ الفادي بقواعدِ البحثِ العلميِّ الموضوعيّ المحايد أنه أَخذ كلامَ المفسرين، وما فيه من أَخطاء، وحَمَّلَ القرآنَ مسؤوليتَه، كما أَنه أَلصقَ بالقرآنِ ما أَخذَه من خرافاتٍ وأَساطير. لا يتحمَّلُ القرآنُ إِلا مسؤوليةَ ما فيه من كلام، أَمّا أَفهامُ المفسِّرين لكلامِه فلا يتحملُ مسؤوليتَها، لأَنها فهمُ البشرِ لكلامِ الله. وقد رأَيْنا من المناسبِ أَنْ نَرُدَّ على كتابِ الفادي " هل القرآن معصوم؟ " وأَنْ نُبَيّنَ تَهافُتَ أَسئلتِه، وتَفاهَةَ انتقاداتِه.. والذي دَفَعَنا إِلى الرَّدّ عليه أَنه يمثلُ خُلاصةَ جُهودِ النصارى في فَحْصِ القرآن، وإِثارةِ الأَسئلةِ والشبهاتِ حوله، فهناك كتبٌ كثيرةٌ لنصارى عديدين، تنتقدُ القرآنَ، وتُثيرُ حولَه الاعتراضات، وتزعمُ الوقوفَ على أَخطاء، ولقد قرأنا بعضَ تلك الكتب، ولدى مقارنتها بهذا الكتاب، وجدناه خلاصةً لها، فالرّدُّ عليه رَدّ عليها، لأَنه لَخَّصَ ما في تلك الكتب من أَسئلةٍ وتشكيكات. إِنَّ من اليقينِ عند كل مسلمٍ أَنَّ القرآنَ كتابُ الله، وأَن اللهَ قد تكَفَّلَ بحفْظهِ حتى قيامِ الساعة، وأَنه لا خَطَأَ في القرآن، في أَيّ جانبٍ من جوانبه، وأَنه أَعظمُ معجزةٍ لرسول الله ﷺ . وقد تحدّى القرآنُ الكفارَ أَنْ يَجدوا ائيه أَيَّ خَطَأ أَو اختلافٍ أَو تناقُضٍ أَو تَعارُضٍ أَو ضَعْف، قالى تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) . الدعوةُ إِلى تَدَبُّرِ القرآنِ موجَّهَةٌ لجميعِ الناس، المؤمنين والكافرين، يتدبَّرُ المؤمنونَ القرآنَ ليزدادوا يَقيناً أَنه مُنَزَّهٌ عن الأَخطاء، وأَنه كلامُ الله..

стр. 7

ويتدبَّرُ الكفارُ القرآن، ويَنظرونَ فيه، لعلَّهم يَجدونَ فيه خطأً أَو اختلافاً، فإِنْ فَعَلوا ذلك فلن يجدوا فيه ما يَبحثونَ عنه!!. والقرآنُ لا يُوَجّهُ الدعوةَ للكفارِ لتدبرِه واكتشافِ الخَطَأ والاختلافِ فيه، إِلّا وهو واثقٌ من عَدَمِ وجودِ ذلك فيه، فلو كان فيه خَطَأٌ أَو اختلافٌ لما دخلَ معركةَ التحدي!!. ونظرَ الكفارُ في القرآن، وبَحَثوا عن أَخطاء فيه، واستمرتْ نظراتُهم فيه أكثرَ من خمسةَ عَشَرَ قَرْناً، وما زالوا يبحثون، وما زالَ القرآنُ يَتَحَدَّاهم، ويقولُ لهم: هاتوا ما وَجَدتُم عندي من خَطَأ أَو اختلاف!. وقَدَّمَ الكفارُ ما زَعَموا أَنهم وَجَدوه في القرآن، ونَظَرَ فيه العلماء، فوجدوهُ تافِهاً مُتَهافتاً، لا وَزْنَ ولا قيمةَ له، ولا يَقفُ أَمامَ النقدِ والتمحيصِ والرد!!. ولقد قَدَّمَ القسيسُ عبد الله الفادي ما ذَكَرَه إِخوانُه الكفارُ ممَّا ظَنّوه أَخطاءَ في القرآن، وجَمَعها في كتابِه، وهو يظنُّ أَنه بذلك يوجِّهُ الضربةَ القاضيةَ للقرآن، ولنْ يَستطيعَ حَمَلَةُ القرآنِ وجنودُه الرَّدَّ عليها!! وتباهى القسيسُ فيما قَدَّم في كتابه، وافتخرَ إِخوانُه بما سَجَّلَه، وعملوا على توزيعِ الكتابِ على أَوسعِ مدى!!. ونشهدُ أَنَّ كَلامَ الفادي المفترِي في كتابه تافِهٌ مُتَهافت، والرَّدُّ عليه وإِظهارُ تهافتِه سهلٌ ميسور، والرَّدُّ على الأسئلةِ المثارةِ مقدورٌ عليه، ولم يَأخُذْ منَّا جُهداً كبيراً ولله الحمد. ونُقَدِّمُ هذا الكتابَ " القرآن ونقض مطاعن الرهبان " إِلى المسلمين، ليَزْدادوا يَقيناً بأَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنه مُنَزَّهٌ عن الأَخطاءِ والمطاعن، ولِيَقفوا على تهافُتِ وتَفاهةِ أَسئلةِ واعتراضاتِ الكفارِ عليه، وليعرفوا كيفيةَ الرَّدِّ عليها.. فقد يَلتقي أَحَدُهم مع أَحَدِ المنَصِّرينَ المُشكَكينَ في القرآن، فيقدِّمُ له أَسئلةً مثلَ ما في هذا الكتاب، وعندما يقرأُ الردودَ التي في هذا الكتاب تسهلُ عليه الإجابةُ على تلك الأَسئلة.

стр. 8

لقد صَعَّد أَعداءُ القرآنِ المعاصرون من شبهاتِهم ضدَّ القرآن، وحَرصوا على نَشْرِها بين المسلمين، وكثيرٌ من المسلمين سمعوا كثيراً من الأَسئلةِ المُشَكِّكة الموجودةِ في هذا الكتاب، ونَدْعوهم إِلى الوقوفِ على نَقْضِها ورَدّها في هذا الكتاب. ونقدمُ هذا الكتابَ ليكون خُطوةً نحوَ الأَمامِ في الانتصارِ للقرآن، ومواجهةِ أَعدائِه، ونقضِ مطاعنهم، وإطْلاع القرّاء على نماذجَ من مكائدِ الأَعداء، وتمكينِهم من دَحْضِها. ونسألُ اللهَ حُسْنَ القبول، وجزيل الأجر والثواب. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الخميس ٢٨/ ١٠ / ١٤٢٦/ هـ ١ / ١٢ / ٢٠٠٥ الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي

стр. 9

تعريف بكتاب " هل القرآن معصوم ؟ " " هل القرآن معصوم؟ ". عنوانٌ مثير، لكتابٍ حول القرآن، ظهرتْ طبعَتُه الأُولى عام (١٩٩٤ م) ، وقد صَدَرَ بثلاثِ لغات: الأَلمانيةِ والإِنجليزيةِ والعربية. وجاءَ في صفحةِ العنوانِ أَنَّ مؤلِّفَه هو " عبدُ الله الفادي "، وهو اسْمٌ مُسْتَعار، ويَبدو أَنه لم يُؤَلِّفْهُ رجلٌ واحد، وإِنما أَعَدَّه مجموعةٌ من القساوسةِ والرهبان. وقد طُبعَ فى النمسا، وصَدَرَ عن مؤسسةٍ تنصيرية، اسْمها: Light of Life ومعناه: " نور الحياة "!!. وعنوانُ الكتابِ مقصود، والاستفهامُ للإثارة، فمَعْنَى سؤالِهم: " هل القرآنُ معصوم؟ " تقرير أَنَّ القرآنَ ليس مُنَزَّهاً عن الخَطَأ، وإِنما فيه عَشَراتُ الأَخطاءِ المختلفة، وهذا معْناهُ أَنه ليسَ من عندِ الله، فلو كانَ من عندِ الله لما وُجِدَ فيه خَطَأٌ واحد!. وقد قَسَّمَ مؤلِّفو الكتابِ كِتابَهم إِلى عشْرَةِ أَجزاء، ادَّعَوْا أَنهم وَجَدوا في كُلِّ جزءٍ منها مجموعةً من الأَخطاءِ في القرآن. الجزءُ الأَول: أَسئلةٌ جغرافيةٌ. زَعَموا فيه وجودَ اثْنَي عَشَرَ خَطَأً جغرافيّاً في القرآن. الجزءُ الثاني: أَسئلةٌ تاريخية. زَعَموا فيه وجودَ خمسةٍ وخَمسينَ خَطَأً تاريخيّاً في القرآن. الجزء الثالث: أَسئلةٌ أَخلاقية. زَعَموا فيه وُجودَ تسعةِ أَخطاءٍ أَخْلاقية في القرآن.

стр. 10

الجزءُ الرابع: أَسئلةٌ لاهوتية. زَعَموا فيه وُجودَ تسعةٍ وعشرين خطأً لاهوتيّاً في القرآن. الجزءُ الخامس: أَسئلةٌ لغوية. زَعموا فيه وجودَ خمسةٍ وعشرين خَطَأً لغويّاً في القرآن. الجزءُ السادس: أَسئلةٌ تشريعية. زَعَموا فيه وُجودَ ستةٍ وعشرين خطأً تشريعيّاً في القرآن. الجزءُ السابع: أَسئلةٌ اجتماعية. زَعَموا فيه وُجودَ واحدٍ وعشرين خطأً اجتماعيّاً في القرآن. الجزءُ الثامن: أَسئلةٌ علمية. زَعَموا فيه وُجودَ اثْنَيْن وعشرين خطأً علميّاً في القرآن. الجزءُ التاسع: اسئلةٌ فنيَّة. زَعَموا فيه وُجودَ أَحَدَ عَشَرَ خَطأً فنيّاً في القرآن. الجزءُ العاشر: أَسئلةٌ خاصَّةٌ عن محمدٍ ﷺ . زَعَموا فيه وجودَ ثلاثةٍ وثلاثين خطأً يتعلقُ بحياةِ الرسولِ ﷺ في القرآن. أَيْ أَنَّ الذينَ أَلَّفوا الكتابَ وَجَدوا في القرآنِ مئتين وثلاثةً وأَربعين خَطَأً، في مختلفِ موضوعاتِه، وهذا رقمٌ كَبير، لو صَحَّ لكانَ القرآنُ باطِلاً مَليئاً بالأَخطاء!!. وقد وَضَعَ مُؤلِّفو الكتابِ في آخرِهِ قائمةً بالمراجعِ التي رَجَعوا إِليها، واستَخْرَجوا منها أَخطاءَ القرآن، وكانت اثنين وعشرين كتاباً، معظمُها لمؤَلّفين من النَّصارى، خَصَّصوها لانْتقادِ القرآنِ وإِثارةِ الشبهاتِ حولَه. ومن بابِ المبالغةِ في الكيدِ أَرادَ مُؤلفو الكتاب أَنْ ترسخَ شُبهاتُهم في ذهنِ القارئ، فَوَضَعوا في آخِرِ الكتابِ مسابقة، طَلَبوا فيها من القارئ الإِجابةَ على أسئلةٍ اختاروها من الكتاب، وإِرسالَ الإِجاباتِ إِليهم في النمسا، ليُرسلوا له جائزةً قيمةً بسببِ اجتهادِه! وقالوا في مقدمةِ المسابقة: " أَيُّها القارئُ العزيز:

стр. 11

إِنْ تَعَمَّقْتَ في قراءةِ هذا الكتاب تَستطيعُ أَنْ تُجاوِبَ على الأسئلةِ بسُهولَة.. ونحنُ مُسْتعدّونَ أَنْ نرسلَ لك أًحَدَ كتُبِنا الروحية جائزةً على اجتهادِك.. ولا تَنْسَ أَنْ تَكتبَ اسْمَك وعنوانَك كامِلاً عند إِرسال إِجابتِك إِلينا.. ". ومن الأَسئلةِ التي طَلَبوا من القارئِ الإِجابةَ عليها: السؤالُ الأَول: في القرآنِ عشرةُ أَنواعٍ من الأَخطاء. ما هي؟. السؤالُ الثاني: اذكُرْ خمسةً من الأَخطاءِ الجغرافية، التي وَرَدَتْ في هذا الكتاب!. السؤالُ الثالث: ذَكَرَ المؤَلِّفُ خَمساً وخمسينَ غلطةً تاريخيّة في القرآن، اكْتُبْ عَشْرَ غَلْطاتٍ منها، واشْرَحْ ثلاثاً من هذه العَشْر. السؤالُ الرابع: يُحَلِّلُ القرآنُ تسعَ خَطايا. ما هي؟ اذْكُرْ أَكْثَرَ ما ساءَكَ منها. السؤالُ الخامس: أَثارَ المؤلِّفُ تسعةً وعشرين سؤالاً لاهوتياً حَوْل القرآن. اشرحْ خمسةً منها. السؤالُ السادس: وَجَدَ المؤلِّفُ ستّاً وعشرينَ غَلْطَةً لغويةً في القرآن. اذْكُرْ خمساً منها. السؤالُ السابع: وَجَدَ المؤَلِّفُ ستةً وعشرينَ خطأً تشريعيّاً في القرآن اذْكُرْ خمسة منها. السؤالُ الثامنْ وَجَدَ المؤَلِّفُ إِحْدى وعشرين غَلطةً اجتماعيةً في القرآن. اذْكُرْ خمساً منها. السؤالُ التاسع: تَساءَلَ المؤَلِّفُ عن اثْنَيْن وعشرينَ أَمْراً عِلْمِيّاً خاطِئاً في القرآن. اذكُرْ خمسةً منها. السؤالُ العاشر: وَجَدَ المؤلِّفُ في حياةِ نبيِّ الإِسلام ثلاثاً وثلاثين أَمْراً مَعيباً. اذكُرْ ما تعتبرُ أَنه أَسوَؤُها، واشرَحْه.. ثم اذكُرْ ما تعتبرُه أَنه ليس مَعيباً، ودافِعْ عن وجهةِ نظرِك. ويَلبسُ المفْتَرونَ ثوبَ الموضوعيهِ والإِنصافِ و "الديمقراطية" عندما

стр. 12

يَسمحونَ للإِنسانِ أَنْ يُخالِفَهم، ويَأذَنونَ له أَنْ يُدافِعَ عن وجهةِ نَظَرِه، كما جاءَ في السؤالِ العاشر!!. وهذا الكتابُ حلقةٌ عنيفةٌ حادَّةٌ صاخبةٌ من مسلسلِ " الهجومِ على القرآن "، الذي يَشُنُّهُ عليه أَعداؤُه، من اليهودِ والنصارى، وسائرِ الأَعداء، الذين لا يَعترفونَ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، ولا يُؤمنونَ أَنَّ محمداً هو رسولُ الله ﷺ ، وإِنما يعلنونَ أَنَّ محمداً ﷺ مُفْتَرٍ كَذّاب، ادَّعى أَنه نبيّ، وزَعَمَ أَنَّ القرآنَ وَحْيٌ من اللهِ إِليه، مع أَنه هو الذي أَلَّفَه، وأَعانَه عليه قومٌ آخَرون!!. هذا وإِنَّ الحملةَ على القرآنِ طويلةٌ مستمرة، مضى عليها خمسةَ عَشَرَ قَرْناً، وباءَتْ بالفشلِ ولله الحمد، وبقيَ القرآنُ ثابِتاً قويّاً، وغالِباً مَنْصوراً ظافراً، ولن يكونَ هذا الكتابُ الكِتابَ الأَوَّلَ في الهجومِ على القرآن، فقد سبَقَهُ آلافُ الكتبِ الحاقدةِ المسمومة، طواها الزمَنُ في مَلَفّات التاريخِ المنسية، فَنَسِيَها الناسُ ونسوا أصحابَها، وبقيَ القرآنُ حَيّاً مُؤَثّراً، مَحْفوظاً مَتْلُوّاً، مَعْروفاً مُفَسَّراً!! كما أَنَ هذا الكتابَ لن يكونَ الأَخيرَ في هذا المسلسلِ الحاقدِ الخَبيث، إِذْ سَتَتْلوهُ وتتبعُه كُتُبٌ أُخرى، يُؤَلِّفُها أَعداءٌ حاقِدونَ في القرونِ القادمة، وسَيَبْقى القُرآنُ مُحارَباً مُهاجَماً من قِبَلِ أَعدائِه حتى قيامِ الساعة، ولكنّه سيبقى غالِباً بإِذْنِ اللهِ حتى قيامِ الساعة، فنحنُ لا نَخافُ على القرآنِ الهزيمة، لأَننا موقنونَ من انتصارِهِ بإِذْنِ الله. وقبلَ البَدْءِ بتفْنِيدِ كلامِ هؤلاءِ الحاقدين في شُبهاتِهم التي اعْتَبَروها أَخطاءً، نُقَرِّرُ أَنه لا يوجَدُ أَيّ خَطَأ في القرآن، في أَيِّ موضوعٍ من موضوعاتِه، لا في اللغة، ولا في العقيدة، ولا في الفقه، ولا في التاريخ، ولا في الجغرافيا، ولا في الاجتماع، ولا في الأَخلاق، ولا في العلم، ولا في السياسة، ولا في السيرة! وما اعْتَبَرَه هؤلاءِ المفترونَ أَخطاءً في القرآن، إِنما هو وفقَ ما صَوَّرَتْه عُقولُهم القاصرة، وأَفهامُهم السقيمة، ونَظَراتُهم العاجزة، ويَصْدُقُ على كلامِهم قولُ الشاعر: وَكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلاً صَحيحاً ... وآفَتُه هي الفَهْمُ السَّقيمُ

стр. 13

نقد مقدمة الكتاب سبقَ أَن قلنا: إِنَّ كتابَ " هل القرآن معصوم؟ " صادرٌ عن لجنةٍ من المنَصّرين، جَمعوا ما ظَنّوه خَطَأً في القرآن، من مختلفِ المراجعِ والمصادر، ولكنَ الكتابَ منسوبٌ إِلى اسمٍ مستعار، هو " عبدُ اللهِ الفادي "، الذي زَعَمَ أَنه هو الذي أَلَّفَه! وسَتَكُونُ ردودُنا على عبد الله الفادي الذي نُسِبَ الكتابُ إليه!!. مما قالَه المفترِي الفادي في مقدمةِ الكتاب: " رَغِبْتُ منذُ حَدَاثَتي أَنْ أَقومَ بخدمةٍ مُنتجةٍ دائمةِ الأَثَرِ للجنسِ البشري، وليس في مَقْدوري أَنْ أَكتشفَ قارة، مِثْلَ ما فَعَلَ " كولُمْبُس "، ولا أَنْ أَخترعَ مِذْياعاً، كما فعلَ " ماركوني "، ولا أَنْ أُسَخِّرَ الكهرباء، مثلَ ما فَعَلَ " أَديسون "، ولا أَنْ أُحَلّلَ الذَّرَّة، كما فعلَ " أَيْنِشْتايْن "، فليسَ شيءٌ من هذا يَدخلُ في دائرةِ اخْتِصاصي.. ولكنَّني كرجلِ دين، رأيتُ أَنْ أَدْرُس القرآنَ.. ". المؤَلّفُ " عبدُ الله الفادي " قِسّيس، وَرَجُلُ دينٍ نصراني، وبما أَنه مُتَخَصصٌ في الدين، فهو يُريدُ أَنْ يَقومَ بدراسةٍ دينيّة، يَخدِمُ بها الجنسَ البشريَّ خدمةً دائمة. وأَيُّ دينٍ سيَدْرُسُه دراسةً فاحصة؟ هل هو الدينُ اليهوديّ أَم الدينُ النصرانيُّ أَم الدينُ الإِسلامي؟. العهدُ القديمُ أَساسُ الدينِ اليهودي، وهو جزءٌ من الدينِ النصراني، لأَنَّ العهدَ القديمَ والعهدَ الجديد يُكَوِّنان " الكتابَ المقَدَّس " الذي يُؤْمِنُ به النَّصارى أَنهُ من عندِ الله. لم يَبْقَ أَمَامَه إِلّا إِلاسلامُ ليَدْرُسَه، وبما أَنَّ القرآنَ هو أَساسُ الإِسلام، فلْيُوَجِّه القِسّيسُ " الفادي " نَظَراتِه الكنسيَّةَ النصرانيةَ إِليه، ليَدْرُسَه دراسةً مفصَّلَةً، يقدمُ بها خدمةً للبشرية!.

стр. 14

ولا مانعَ من أَنْ يدرسَ أَيُّ إِنسانٍ القرآن، والقرآنُ لا يَخْشى من أَنْ يَدرسَهُ أَيُّ إِنسان، سواء كانَ مُسْلِماً أَو يَهودياً أَو نصرانيّاً، قِسّيساً أَو باحِثاً أَو عالِماً، لكنَّه يَشترطُ على الذي سَيدرُسُه شَرْطاً واحداً، هو: أَنْ لا يُقْبِلَ على القرآن بمقَرَّر فكري أَو عقيديٍّ مُسْبَق، وأَنْ لا يَحملَ فكرةً يُريدُ إِثْباتَها في القرآن! إِنَّه إِنْ فَعَلَ ذلك تكونُ دراستُه مُنحازةً مُتحاملة، ومن ثَمَّ سيخرجُ من هذه الدراسةِ بنتائجَ خاطئة، تَقومُ على التحامُلِ والهوى والمزاجية. يَطلبُ القرآنُ من كُلِّ إِنسانٍ أَنْ يَضَعَ فكرتَه المسبقةَ عن القُرآنِ جانباً، وأَنْ يَدْخُلَ عالمَ القرآنِ وهو خالي الدهْن، وأَنْ يكونَ هدفُه من ذلك البحثَ عن الحقيقة، والرغبةَ في المعرفة، ومُتابعةَ الحَقّ، وبذلكَ تكونُ دراستُه موضوعيةً عادلةً مُنصفَة، وسيخرجُ منها بنتائج صحيحة. ولقد قامَ بدراسةِ القرآن كثيرون من مُفَكِّري الغربِ النَّصارى، وكانتْ دراستُهم مَوضوعيةً مُحايدةً مُنْصفة، غيرَ قائمةٍ على المقَرَّرِ الذهنيِّ المسْبَق، والانحيازِ الدينيِّ المسبقِ ضدَّه. وقد قادَتْهم تلك الدراسةُ إِلى اليقينِ بأَنَّ القرآنَ حَقّ لا خطأَ فيه، وأَنه من عندِ الله، وفي مقدمةِ هؤلاء البروفسورُ الفرنسي " موريس بوكاي "، والقِسّيسُ الكندي " جاري ميللر "، والقسّيسُ السوداني " أَشوك يانق "!. أَمّا إِذا وَضَعَ الدارسُ في ذهْنِه مُقَرَّراً مُسْبَقاً عن القرآن، وأَقبلَ عليه يدرسُه لتحقيقِ وتأكيدِ ذلك المقَرَّر، فسوفَ تكونُ دراستُه مُتَحاملةً مُنحازةً ضدَّه، وسيكونُ نظرُهُ في القرآن نَظَراً خاطِئاً. كأَنْ يوقِنَ القِسّيسُ أَنَّ القرآنَ ليس وَحْياً من الله، وإِنما هو من تأليفِ البشر، وأَنَّ محمداً ﷺ ليسَ رسولاً، وإنما هو مُدَّعٍ مُفْتَرٍ، وأَنَّ في القرآنِ أَخطاءً عديدة، ثم يَدرسُ القرآنَ ليأخذَ منه الأَدلَّةَ والأَمثلةَ على ما يُؤْمِنُ به! عند ذلك سَيَخرجُ بنتائجَ خاطئة، ويَزعمُ أَنه وَجَدَ الأَدلةَ على ما يُريد!. وهذا ما فعلَه القِسّيسُ " عبد الله الفادي " في دراستِه " هل القرآنُ معصوم؟ "

стр. 15

وقد صَرَّحَ هو بدراستِه المتحاملةِ المنحازَة، ومُقَرَّرِه المسْبَقِ الذي أَقبلَ به على القرآن، وذلك بقولِه في المقدِّمَة: " وبما أَنَّ اللهَ واحد، ودينَه واحد، وكتابَه المقَدَّسَ واحد، الذي خَتَمَهُ بظهورِ المسيحِ كلمتِه المتَجَسِّد، وقال: إِنَّ مَنْ يَزيدُ على هذا الكتاب، يَزيدُ اللهُ عليه الضرباتِ المكتوبةَ فيه، وبما أَنَّ القرآنَ يَقول: إِنه وَحْي، أَخَذْتُ على عاتِقي دراستَه! ". هكذا إِذَن، يُؤْمِنُ القِسّيسُ أَنَّ كتابَ اللهِ المقَدَّسَ واحد، وهو العهدُ القديمُ والعهدُ الجديد، وأَن اللهَ أَنرْل العهدَ الجديدَ على عيسى ﷺ ، وهَدَّدَ أَيَّ إِنسانٍ يَزيدُ شيئاً على هذا الكتاب. أَيْ: يُؤمنُ القِسّيسُ " الفادي " أَنه لا وَحْيَ بعدَ الإِنجيل، ولا نبيَّ بعدَ عيسى ﵇! وهذا مَعناه أَنه يُؤمنُ أَنَّ القرآنَ ليس وَحْياً من عندِ الله، وأَنَّ محمداً ليسَ رسول الله، فالقرآنُ صناعةٌ بشرية، فهو غيرُ معصوم، وإِنما هو مليءٌ بالأَخْطاء. آمَنَ القِسّيسُ بهذه الفكرة، وتَسَلَّحَ بهذا السِّلاح، ووضعَ هذا المنظارَ على عينيه، وأَقبلَ على القرآنِ يَدرسُه ويَنظرُ فيه، ويُقَدِّمُ بذلك خدمةً للجنسِ البشريّ!. فماذا سيجدُ فيه؟ سيجدُ فيه مجموعةً من الأَخطاء، في مختلفِ المجالات والموضوعات، تُقاربُ مئتين وخمسين خطأً!!. ونقول: أَينَ الباحثونَ الغربيّونَ النَّصارى، الذين دَرَسوا القرآنَ دراسةً موضوعيةً، من هذه الأَخطاء، التي اكتشفَها " الفادي "؟ لماذا لم يَرَها موريس بوكاي، ولا جاري ميللر وغيرهما؟!. ثم ما الذي دَرَسَه القِسّيس " الفادي "؟ دَرَسَ القرآنَ دراسةً متحاملةً منحازة، ودرسَ التفاسيرَ القرآنية، قال في المقدمة: ".. وبما أَنَّ القرآنَ يَقول: إِنه وَحْيٌ، أَخَذْتُ على عاتِقي دراستَه، ودراسةَ تَفاسيره، فدرَسْتُه مِراراً عديدة، ووقَفْتُ على ما جاءَ به.. ".

стр. 16

والتفسيرُ الوحيدُ الذي أَثبتَه الفادي في قائمةِ المراجعِ هو تفسيرُ البيضاوي، ولا أَدري لماذا تَفسيرُ البيضاوي دونَ غيرِه؟ فهناكَ تَفاسيرُ مأثورة أَفضلُ منه، كتفسيرِ الطبري وتفسيرِ ابن كثير. ثم ما دَخْلُ التفاسيرِ في الدراسةِ الموضوعية للنَّصِّ القرآني؟ إِنَّ التفاسيرَ هي الفهمُ البشريّ لمعاني القرآن، كما سَجَّلَه السادةُ المفَسِّرون لها، وهذا الفهمُ البشريُّ يَنطبقُ عليه ما ينطبقُ على كُلِّ الأَعمالِ البشريةِ القاصرة، ومهما بَلَغَ أَصحابُها من العلمِ والدقةِ والإِتقان، فإِنها ليستْ معصومةً من الخطأ، ولا مُنَزَّهَةً عن الضعفِ والنقص. ولذلك وُجِدَتْ في التفاسيرِ المختلفةِ أَخطاءٌ عديدة، باعتبارِها جُهْداً بشريّاً، ولا يوجَدُ تفسيرٌ خالٍ من الخطأ، سواء كانَ قَديماً أَو معاصراً. وهدْا معناهُ أَنَّ النَّصَّ القرآني لا يَتَحَمَّلُ الخَطَأَ الموجودَ في تلك التفاسير، ولا يَجوزُ أَنْ نَنسبَ الخَطَأَ إِلى القرآنِ، لأَنَّ هذا الخَطَأَ وُجِدَ عند الطبريِّ أَو الرازيّ أَو البيضاويِّ أَو القرطبيِّ أو غيرهم. فالفهمُ البشريُّ للقرآن ليسَ حُجَّةً على القرآن، إِلّا عندَ أَصحابِ النظراتِ الحاقدةِ على القرآنِ!. وقالَ الفادي في مقدمتِه: " وَوَضَعْتُ تعليقاتي على قالَبِ مئتين وثلاثةٍ وأَربعين سؤالاً، خِدمةً للحق، وتبصرةً لأُولي الأَلباب.. ". وسوفَ نُتابعُ الفادي في أَسئلتِه وشبهاتِه واعتراضاتِه، التي ادّعى أَنه اكْتَشَفَها في القرآن، وسننظرُ فيها بمنظارِ القرآن، لنعرفَ تهافُتَها وتَفاهَتَها، وصَدَقَ اللهُ القائل: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) .

стр. 17

الفصل الأول نقض المطاعن الجغرافية

стр. 18

هل تَغيبُ الشمسُ في بئرِ ماء ؟ زَعَمَ " الفادي " أَنَّ القرآنَ أَخطأَ في حديثِهِ عن مَغيبِ الشمس، حيثُ أَخبرَ أَنَّ الشمسَ تَغيبُ في بئْرِ ماء!. وذلك في قولهِ تعالى عن رحلةِ ذي القرنَيْنِ الأُولى نحوَ مغربِ الشمس: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ... ) . نَسَبَ الفادي إِلى " البيضاويِّ " أَنه قالَ في تفسيرِه عن ذي القرنين: " إِنَّ اليهودَ سأَلوا محمداً عن إِسكندر الأَكبر؟ فقال: إِنَّ اللهَ مَكَّنَ له في الأَرض، فسارَ إِلى المكانِ الذي تَغربُ فيه الشمس، فَوَجَدَها تغربُ في بئرٍ حَمِئَة، وحولَ البئْرِ قومٌ يَعْبُدونَ الأَوثان! ". هل كان الفادي أَميناً في النقلِ عن البيضاوي؟ هل هذا الكلامُ موجودٌ في تفسيرِ البيضاوي؟ لِننظرْ!. قال البيضاوي: " ... واخْتُلِفَ في نبوةِ ذي القَرْنَين، مع الاتفاقِ على إِيمانِه وصَلاحِه.. والسائلونَ هم اليهود، سأَلوهُ امتحاناً، أَو مشركو مكة ... ". لم يكن الفادي أَميناً في النقل، وإِنما كان مُحَرِّفاً، ونَسَبَ إِلى البيضاويِّ ما لم يَقُلْه، وكَذَبَ على رسولِ اللهِ ﷺ . ذَكَرَ البيضاويُّ قولَيْن في الذينَ سأَلوا رسولَ الله ﷺ عن ذي القرنين،

стр. 19

هل هم اليهودُ أَو المشركون؟ والراجحُ أَنَّ الذينَ أَوْصَوْا أَنْ يُسْأَلَ عن ذي القرنين والذين صاغوا السؤالَ هم اليهود، وأَنَّ الذينَ وَجَّهوا له السؤالَ هم مشركو مكة، فلا تعارضَ بين القولَيْن اللذين ذَكرهما البيضاوي، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ نَعتبر السائلين مشركي مكة، لأنهم هم الذين وَجَّهوا له السؤالَ مباشرة!. ولما سُئِلَ عن ذي القرنين انتظرَ حتى يأْتيَه الجوابُ من الله، لأَنه لم يكنْ يعلمُ عنه شيئاً، وآتاهُ اللهُ الجوابَ في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) . وقد تلاعَبَ الفادي في كلام البيضاوي وحَرَّفَه، لحاجةٍ في نفسِه، فَزَعَمَ أَنَّ اليهودَ سألوا رسولَ الله ﷺ عن الإِسكندر الأكبر، مع أَنهم سأَلوهُ عن ذي القرنين، وليس عن الإِسكندرِ الأَكبر، والراجحُ عند علماءِ المسلمين أَنَّ ذا القرنَيْن ليس هو الإِسكندرَ الأَكبر!. وافترى الفادي على رسولِ الله ﷺ ، عندما نَسَبَ له حَديثاً موضوعاً، لم يَقُلْه، وهو: " إِنَّ اللهَ مَكَّنَ له في الأَرض، فسارَ إِلى المكانِ الذي تَغربُ فيه الشمس، فوجَدَها تَغربُ في بئرٍ حَمِئَة، وحولَ البئرِ قومٌ يَعبدونَ الأَصنام ". ونَشهدُ أَن رسولَ الله ﷺ لم يَقُلْ هذا الكلامَ الذي نَسَبَهُ له الفادي المفترِي، فهو ليسَ حَديثاً صَحيحاً ولا حَسَناً ولا ضَعيفاً، وإِنما هو مكذوبٌ موضوع. وبعدما كَذَبَ الفادي المفترِي على رسولِ الله ﷺ ، افترى على البيضاويِّ فَنَسَبَهُ له، مع أَنه لا يوجَدُ في تفسيرِه إ!. وتابَعَ المفترِي افتراءَه على رسولِ إلله ﷺ وعلى البيضاوي، عندما قال: " ... وَسارَ إِلى المكانِ الذي تَطلعُ منه الشمس، فاكتشفَ أَنها تطلعُ على قومٍ لا يَسترُهم من الشمسِ بُيوتٌ أَو ثياب! وسارَ في طريقٍ معترضٍ بين مطلع الشمسِ ومغربها إلى الشمال، فوجَدَه يَنْتَهي إِلى جَبَلَيْن، فصَبَّ بينَهما رَدْماً من

стр. 20

الحدِيد، وكَوَّنَ بذلك سَدّاً مَنيعاً، لا يُدرِكُه إِلّا الله يومَ قيامِ الساعة.. "!! وهذا كلامٌ مفترىً، لم يَقُلْه رسولُ الله ﷺ ، ولم يَذْكُرْه البيضاوي.. ونَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاوي قولاً آخر، وذلك في قولِه: " وقال البيضاوي: إِنَّ ابنَ عباس سمعَ معاويةَ يَقرأُ " حامِيَة "، فقالَ: (حمَئَةٍ) فبعثَ معاويةُ إِلى كعبِ الأَحبار: كيفَ تجدُ الشمسَ تَغرُب؟ قال: في ماءٍ وطين.. ". وكانَ الفادي مُفْتَرِياً على البيضاوي في هذا النقلِ أَيْضاً، فالذي في تفسيرِ البيضاوي هو: " في عينٍ حَمِئَة: ذاتِ حَمَأ.. من: حَمِئَت البئرُ " إِذا صارَتْ ذاتَ حَمْأَة.. وقرأَ ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيّ وأَبو بكر: " حامِيَة ". أَيْ: حارَّة.. ولا تَنافي بينَهما، لجَوازِ أَنْ تكونَ العينُ جامعةً للوصْفَين ... ولعلَّه بلغَ ساحلَ المحيطِ فرآها كذلك.. وقيلَ: إِنَّ ابْنَ عباسٍ سمعَ معاويةَ يقرأُ " حامِيَة "، فقال: (حمَئَةٍ) .. فبعثَ معاويةُ إِلى كعبِ الأَحبار: كيفَ تجدُ الشمسَ تَغْرُبُ؟ قال: في ماءٍ وطين، كذلك نجدُه في التَّوراة! " (١) . وأَدْعو إِلى المقاربةِ بينَ كلامِ البيضاوي، والكلامِ الذي نَسَبَهُ له الفادي، لمعرفةِ افترائِه وتَحريفِه وتَلاعُبه. الإِمامُ البيضاويُّ يُريدُ أَنْ يُفَسِّرَ كلمةَ (فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) . فقال: إِنَها عينٌ ذاتُ حَمَأ. وذَكَرَ مِثالاً على هذا المعنى للتَّوضيح. فقال: " يقال: حَمِئَت البئر؟ إِذا صارَتْ ذاتَ حمأة ". والحَمَأُ هو: الطينُ الأَسودُ المنتنُ المتغَير. ويُقال: حَمِئَ الماءُ حَمَأً: إِذا كَثُرَ فيه الحَمَأُ، وهو الطِّين، فَتَكَدَّرَ وتَغَيَّرَتْ رائحتُه. ويقال: حَمَأَت البئرُ: أَيْ: أَخْرَجَتْ حَمْأَتَها. والعينُ الحَمِئَةُ هي: التي فيها الحَمَأُ. وهو الطّين. وقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنه خَلَقَ الإِنسانَ من حَمَأ، فقال تعالى:

стр. 21

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) . والحَمَأُ المسْنونُ هو الطينُ الأَسودُ المتغَيِّرُ. فالعينُ الحمئةُ هي العينُ ذاتُ الحَمَأ، أَي التي اخْتَلَطَ فيها الماءُ بالطين. وذَكَرَ الإِمامُ البيضاويُّ البِئْرَ لتَوضيحِ معنى الحمأ، فقال: مِن حَمِئَتِ البِئْر، إِذا صارَتْ ذاتَ حمأ. أَي: اخْتَلَطَ ماءُ البئرِ بالطينِ، فصارت البئْرُ حَمِئَة، اخْتَلَطَ ماؤُها بالطين!. وذَكَرَ البيضاويُّ أَنَّ في " حَمِئَة " قراءَتَيْن: الأُولى: قراءةُ نافع وابنِ كثير وأَبي عمرو ويعقوب ورواية حفص عن عاصم: (حِمَةٍ) بالهمز، ومَعْنى: (فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) : عينٍ اخْتَلَطَ ماؤُها بالحَمَأِ والطين. الثانية: قراءةُ ابنِ عامر وحمزة والكسائي وخلف وأَبي جعفر ورواية أَبي بكر عن عاصم: " حامِيَة ". ومعنى: " في عينٍ حامِيَة ": عينٍ حارَّةٍ. وذكرَ البيضاويُّ: أَنَّ ابنَ عباسٍ كان يقرأُ: (فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) بالهمزة، بينما كانَ معاويةُ بنُ أَبي سفيان ﵄ يقرأُ: " في عينٍ حامِيَة ". وروى البيضاويُّ: أَنَّ معاويةَ ﵁ بعثَ إِلى كعبِ الأَحبارِ يسأَلُه: كيفَ تجدُ الشمسَ تغرب؟ قال: " تغربُ في ماءٍ وطين، كذلك نجدُه في التوراة ". وبدأَ البيضاويُّ الروايةَ بصيغةِ " قيل "، وهي صيغةٌ دالَّةٌ على التمريضِ والتضعيف! ومعناها أَنَّ الروايةَ لم تَثْبُتْ!!. ولما نَقَلَ الفادي المفترِي الروايةَ حَذَفَ من كلامِ كعبِ الأَحبار الجملةَ الأَخيرة: " كذلك نجدُهُ في التوراة "، لئلا يُثبتَ هذا الكلامَ في التوراة!! مع أَنَّ الروايةَ لم تَثبت كما قلنا!!. وبهذا نعرفُ أَنَّ الفادي كاذبٌ مُفْتَرٍ، عندما نَسَبَ للبيضاوي قولَه: إِنَّ الشمسَ تغربُ في ماءٍ وطين، وهذا معناهُ أَنها تَغيبُ في بئرٍ حمئة! مع أَنَّ البيضاويَّ لم يَقُلْ ذلك أَبَداً.

стр. 22

وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ: إِنَّ الشمسَ كانتْ تَغيبُ في بئْرٍ حَمِئَة، والرسولُ ﷺ لم يَقُلْ: إِنها كانتْ تَغيبُ في بئْرٍ حمئة!. وبهذا نعرفُ أَنَّ الفادي خبيثٌ مُغْرِض، عندما طَرَحَ سؤالَه المشَكِّكَ قائلاً: " ونحنُ نسأل: إِذا كانت الشمسُ أَكبرَ من الأَرضِ مليوناً وثلاثمئة أَلْف مَرَّة، فكيفَ تَغْرُبُ في بئرٍ رآها ذو القَرنين، ورأى ماءَها وطينَها، ورأى النّاسَ الذينَ عندها؟ ! ". إِنَّ هذه الأُكذوبةَ الخُرافيةَ لم تَرِدْ في القرآن، ولم يَقُلْها أَحَدٌ من المسلمين، وإِنما اخْتَلَقَها الفادي المفترِي، وجَعَلَها خطأً جغرافياً في القرآن!. بَقِيَ أَنْ نُبينَ معنى قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) . عندما توجَّهَ ذو القرنين نحوَ الغربِ تابَعَ سيرَه حَتّى وَصَلَ إِلى مكانٍ تَلْتَقي فيه اليابسةُ مع الماء، ولعلَّ هذا كان عندَ شاطئ أَحَدِ البِحار، ولا دَليلَ على تحديد ذلك المكان، فهو من مبهماتِ القرآن!. ولعلَّ المكانَ الذي وَقَفَ فيه ذو القرنين كان عندَ مَصَبِّ أَحَدِ الأَنهارِ في ذلك البَحر، ويبدو أَنَّ ماءَ النهر في ذلك اليوم كان مختَلِطاً بالتراب، فكانَ " حَمِئاً ". ولما وقفَ ذو القرنَين في ذلك المكان، نَظَرَ أَمامَه إِلى الشمسِ وهي تَغربُ وَتَغيب، فرآها (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) . أَيْ أَنَّ قُرْصَ الشمسِ سَقَطَ أمامَه في الماءِ المختلطِ بالتراب، الذي يَقذفُه النهرُ في البَحر، وبذلك رآها تغربُ في عينٍ حَمِئَة!. وهذا أَمْرٌ لا يَدعو للعجب أَو الغرابةِ أَو الإِنكار. وقد عَلَّقَ الإِمامُ البيضاويُّ على ذلك بقوله: " ولعلًّه بَلَغَ ساحلَ المحيط، فرآها كذلك، إِذْ لم يكنْ في مَطمحِ بَصَرِه غيرُ الماء، ولذلك قال: (وَجَدَهَا تَغرُبُ) ولم يَقُل: كانتْ تَغْرُب..".

стр. 23

وبهذا نعرفُ كَذِبَ وافتراءَ الفادي، عندما اتَّهَمَ القرآنَ والرسول ﷺ بالقول بأَنَّ الشمس " تغرب في بئر حمئة ". ثم طرحَ سؤالَه التشكيكي الخَبيث، والقرآنُ مُنَزَّهٌ عن ادِّعاءِ وافتراءِ الفادي، حتى البيضاوي لم يقلْ ما نسبَه له ادعاءً وافتراءً. *** هل الأرض ثابتة لا تتحرك ؟ زَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ أَخطأَ في حديثِه عن خَلْقِ الأَرْض، عندما قال: إِنَّ الأَرضَ ثابتةٌ لا تَتَحرك! وهذا خطأٌ جغرافيٌّ فَلَكي، لأَنَّ دورانَ الأَرضِ بدهيةٌ مُسَلَّمة!. وأَوردَ الفادي آياتٍ من سور: الرعد وَالنحل والحجر والأنبياء ولقمان، كلُّها تُقرِّرُ ثَباتَ الأَرضِ وعدمَ حركتِها أَو دورانِها!. قال: " جاءَ في سورةِ لقمان: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) . وجاءَ في سورةِ الرعد: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) . وجاءَ في سورةِ الحجر: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) . وجاءَ في سورةِ النحل: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) . وجاءَ في سورةِ الأَنبياء: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) . اختارَ الفادي خمسَ آياتٍ من خمسِ سُوَر، تتحدثُ عن الجبال الرواسي، التي ثَبَّتَ اللهُ بها الأَرض، لئلا تَميدَ وتضطربَ بأَهْلِها. ورجعَ إِلى تفسيرِ البيضاوِيّ ليأخذَ منه تفسيرَ الآيات. قال: " وقال البيضاويّ تفسيراً لآيةِ الأَنبياء: (أَن تَمِيدَ بِكم) " كراهةَ أَنْ تَميدَ بهم ". وقال تفسيراً لآيةِ الرعد: (وَهُوَ اَلَذِى مَدَّ اَلارضَ) : " بَسَطَها طولاً وعَرْضاً،

стр. 24

لتَثبتَ عليها الأَقدام، ويتفلَّبُ عليها الحيوان ". وأَجملَ البيضاويّ تفسيرَ هذه الآياتِ بما فَسَّرَ به آية سورة النحل، فقال: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) : أَي: كراهةَ أَنْ تَميلَ بكم وتضطرب. لأَنَّ الأَرضَ قبلَ أَنْ تُخْلَقَ فيها الجبالُ كانت كُرَةً خفيفةً، بَسيطةَ الطبع، وكانَ من حَقِّها أَنْ تتحركَ بالاستدارةِ كالأفلاك، أَو أَنْ تتحركَ بأَدنى سببٍ للتحريك.. فلما خُلقت الجبالُ على وجهِها تَفاوتَتْ جوانبُها، وتوجهَت الجبالُ نحو المركز، فصارَتْ كالأَوتادِ التي تمنَعُها عن الحركة ... وقيل: لما خَلَقَ اللهُ الأَرضَ جَعَلَتْ تَمور، فقالَت الملائكة: ما هي بِمَقَرّ أَحَدٍ على ظهرِها، فأَصبحتْ وقد أُرسيتْ بالجبالِ ... الآياتُ الخمسُ التي أَوردَها الفادي صريحةٌ في أَنَّ اللهَ جَعَلَ الجبالَ رواسيَ مُثَبِّتَةً للأَرض، لئلّا تَميدَ الأَرضُ وتضطربَ وتتحركَ بأَهلها، ولولا هذه الجبالُ لاضطربَت الأَرضُ بأَهْلِها. فهي رَواسٍ تستقرُّ بها الأَرض، وهي أَوتادٌ تُثَبّت الأَرض. قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) . ونتحفَّظُ على كلامِ الإِمامِ البيضاويّ، الذي ذَكَرَ فيه أَنَّ الأَرضَ كانت تَمورُ وتتحرك، لأَنه لا دليلَ له على ذلك، لا من القرآن ولا من السنّة، كما نتحفظُ على كلامِه الذي نَسَبَ فيه للملائكةِ قولَهم: إِنَّ الأَرضَ لا تصلحُ أَنْ تكونَ مَقَرًّاً لأَحَدٍ على ظهرِها! لأَنه لا دليلَ له على هذا الكلام الذي نَسَبَه لهم، لا من القرآنِ، ولا من السنّةِ الصحيحة! ومعلومٌ أَنَّ أَنباءَ الماضي لا تُؤْخَذُ إِلّا من آيةٍ صريحة، أَو حديثٍ صحيحٍ مرفوعٍ للنبي ﷺ . وقد صَدَّرَ البيضاويُّ كلامَه بصيغةِ " قِيلَ "، الدالة على التشكيكِ والتَّوْهين!. وبعدَ ذلك سَجَّلَ الفادي تَساؤُلَه الخَبيث، فقال: " ونحنُ نسأل: إِذا كان واضحاً أَنَّ الأَرضَ تَدورُ حولَ نفسِها مرةً كُلَّ أَربعٍ وعشرينَ ساعة، وينشأُ عن تلك الحركةِ الليلُ والنهار، وتَدورُ حولَ الشمسِ مع كل سنة وينشأُ عن ذلك

стр. 25

الدورانِ الفصولُ الأربعة، فكيفَ تكونُ الأَرضُ ممدودةً مبسوطةً ثابتةً لا تتحرك، وأَنَّ الجبالَ تَمنَعُها عن أَنْ تَميد؟! ... وهَدَفُ الفادي من طرحِ سُؤالِه تَخْطِئَةُ القرآنِ، في حديثِهِ عن الجبالِ المثَبِّتَةِ للأَرض، التي تَمْنَعُها عن الحركة، لأَنَّ الأَرضَ تتحركُ حولَ نفسها، وتَدورُ حولَ الشمس!!. والفادي جاهلٌ باللغةِ وبالعلمِ وبالفلك، عندما اعتبرَ القرآنَ مُخطئاً، في حديثهِ عن الجبالِ الرواسي، التي ثَبَّتَ اللهُ بها الأَرض، لئلّا تَميدَ وتضطربَ بأَهْلِها. لقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ الجبالَ مثبتةٌ للأَرض، حيثُ جعلَها الله رواسيَ وأَوتاداً لئلّا تَميدَ الأَرضُ، كما نَصَّتْ على ذلك الآيات ُ السابقة. وهذا هو الصوابُ بعينِه، فالجبالُ عاملُ تَوازنٍ في الأَرض، ولولاها لمادَت الأَرضُ واضطربَتْ، ولذلك سَمّاها اللهُ رواسيَ وأَوتاداً. وسُمِّيتْ " رواسيَ " لأَنها أَشبهُ ما تكونُ برواسي السَّفينة، التي تحفظُ تَوازُنَها. وسُميتْ " أَوتاداً " لأَنها أَشبهُ ما تكونُ بِأَوتادِ الخيمة، التي تُرْبَطُ بها حِبالُها، فتحفظُ تَوازُنَها ولا تَسقط. فالجبالُ تحفظُ تَوازُنَ الأَرض، فلا تَميدُ ولا تَضطرب، ولا تَميلُ ولا تتأرجح.. وليس معنى هذا أَنَّ القرآنَ يُخبرُ أَنَّ الأَرضَ ثابتةٌ، لا تَتحركُ ولا تَجري ولا تَسير، كما فَهمَ ذلك الفادي الجاهل، واعتَبَرَه خَطَأً جغرافيّاً فلكيّاً في القرآن، واعْتَبَره متعارضاً مع دورانِ الأَرضِ حولَ نفسِها وحولَ الشمس، الذي هو " بدهية فلكية " في العصرِ الحديث. لقد صَرَّح القرآنُ بأَنَّ الجبالَ تَحفظُ تَوازنَ الأَرض، فلا تَميدُ بأَهْلِها. ولذلك خاطبَ الناسَ بذلك: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) . فَمنْعُ المَيْدِ والاضطرابِ خاصّ بالبَشَر، ولكنَّ هذا لا يمنَعُ دورانَ الأَرضِ حولَ نفسِها وحولَ الشمس، وكونُ الجبالِ رواسيَ وأَوتاداً لا يَعني

стр. 26

أَنها لا تَدورُ دورانَها المعْروف، إِنَّنا نوقنُ أَنَّ الأَرضَ تدورُ حولَ نفسِها مرةً كُلَّ أَربعٍ وعشرين ساعة، فينتجُ عن ذلك الليلُ والنهار، كما أَنَّنا نوقنُ أَنَّها تَدورُ حولَ الشمسِ مرةً كُل سنة، فينتجُ عن ذلك الفصولُ الأَربعة. ولكنَّ الأَرضَ ثابتةٌ أَثناءَ دورانِها وحركتِها، وهي " متوازنةٌ " أَثناءَ هذا الدوران اليوميّ والسَّنَوي، والذي جعلَها ثابتةً متوازنة في دورانِها هو الجبالُ الرواسي الأَوتاد. فدورانُها لا يمنعُ توازُنَها، وتَوازُنُها لا يُلغي دورانَها، فهي ثابتةٌ متوازنةٌ، متحركةٌ جارية، وليستْ ثابتةً ساكنةً، واقفةً جامدة!!. *** كيفَ تُرْجَمُ الشياطينُ بالنجوم ؟ خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآن، لأَنه صَرَّحَ بأَنَّ اللهَ جعلَ النجومَ رُجوماً للشياطين. وقد نَصَّ القرآنُ على ذلك. قال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) . وقال تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) . وقال تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) . تَذْكُرُ هذه الآياتُ وظيفتَيْن من وظائفِ النجومِ والكواكب: الأُولى: تَزيِينُ السماءِ الدُّنيا وتَجميلُها، فهي في الليلةِ الصافيةِ تكونُ مضيئةً متلَأْلِئَة، تُرْسِلُ أَضواءَها الجميلة، فتبدو السماء في أَفضلِ أَحوالِها، وأَجملِ صُوَرِها: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) . (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) .

стр. 27

الثانية: حِفْظُ السماءِ من صُعودِ الشياطينِ إِليها، فالشياطينُ يُريدونَ الصعودَ إِلى السماءِ الدنيا، لِيَتَسَمَّعوا إِلى الملأ الأَعْلى الذينَ فيها من الملائكة، لعلَّهم يَسمعونَ منهم كلمةً مما أَمرهم اللهُ بإِنفاذِه في عالَمِ البشر، فَيهبطون فَوراً إِلى الأَرض، ويُقَدمونَ ما سَمِعوه إِلى أَعوانِهم من الكهنةِ والسحرةِ والدَّجّالين، فيُخبرونَ الناسَ بذلك، ويوهمونَهم بأَنهم يعلمونَ الغيب. وحتى لا ينجحَ الشياطينُ في استراقِ السمع، فإِنَّ اللهَ جَعَلَ على السماءِ حُرّاساً من الملائكة، يَحْفَظونها من الشياطين، وإِذا حاولَ أَحَدُ الشياطين الاقترابَ من السماءِ قَذَفوهُ بشهابٍ ثاقب من تلك النجومِ والكواكب، بأَنْ يَأخُذوا قطعةً من النجمِ المُشْتَعِل، فيضربوا بها الشيطان، فيَحترقَ ويَموت!!. فمعنى قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) أَنَّ اللهَ يأمرُ الملائكةَ الحُرَّاسَ على السماءِ الدنيا أَنْ يَأخُذوا رُجوماً وحجارةً وشُهُباً مشتعلةً من النجوم، ويَرْجُموا ويَرْموا بها الشياطين. ومعنى قوله تعالى: (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) : أَنَّ اللهَ حفظَ السماءَ بالنجومِ من كلِّ شيطانٍ مارد، وبذلك امتنعَ الشياطينُ من التَّسمُّعِ لكلامِ الملائكةِ في الملأ الأَعلى، فإِذَا حاوَلوا التسمُّعَ فإِنَّ الملائكةَ الحُرّاسَ يَقْذِفونهم بالشُّهُبِ الثاقبةِ من كُلِّ جانب، وإِذا هَرَبَ شيطانٌ بكلمةٍ خَطَفَها فإِنَّ الحُرّاسَ يَتْبَعونَه ويَرْمونَه بشهابٍ ثاقبٍ من تلك النجومِ فيحترق. فالآياتُ صريحةٌ في أَنَّ حُرّاسَ السماءِ الدنيا من الملائكة يَرْجُمونَ الشياطينَ بشُهُبِ ثاقبةٍ مشتعلة من النجوم. وهذا بَعْدَ نبوةِ محمد ﷺ ، أَمّا قبلَ نُبُوَّتِه فلم يكنْ ذَلك، وقد وَرَدَ هذا صريحاً في القرآن، عندما أَخْبَرَنا عن كلَامِ الجِنِّ المؤمنين. قال تعالى: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) .

стр. 28

يُخبرُ الجنُّ أَنَّهم كانوا يَقْتَرِبون من السماء، ويَتَسَمَّعونَ كلَامَ الملأ الأَعلى فيها، ويُبَلِّغونَ ما يَسمعونَ إِلى الكهنةِ والسحرة، فلما بَعَثَ اللهُ محمداً نبياً ﷺ حاوَلوا الاقترابَ من السماءِ للتَّسَمُّعِ، فَمُنِعوا من ذلك، وَوَجَدوها مليئةً بالحَرَسِ الأَشدّاءِ من الملائكة، وبالشُّهُبِ المشتعلةِ من النجوم، يَضربونَ بها مَنْ يُحاولُ الاقترابَ من السماء. وبهذا المعنى فَسَّرَ ابنُ عباس ﵄ الآيات. روى الترمذيُّ والنَّسائيُّ وأَحمد عن ابنِ عباس قال: " كان الجِنُ يَصْعَدونَ إِلى السماء، يَسْمَعونَ الوحي، فإِذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تِسْعاً، فأَمَّا الكلمةُ فتكونُ حَقّاً، وأَمّا ما زادَ فيكونُ باطلاً، فلما بُعثَ رسولُ اللهِ ﷺ مُنِعوا مَقاعِدَهم، فذَكَروا ذلك لإِبليس، ولم تكن النُّجومُ يُرْمى بها قبلَ ذلك، فقالَ لهم إِبليسُ: ما هذا إِلّا من أَمْرٍ قد حَدَثَ في الأَرض، فَبَعَثَ جُنودَه، فوَجدوا رسولَ الله ﷺ قائِماً يُصَلِّي بينَ جبلَيْنِ بمكة، فأَتوهُ فأَخْبَروه، فقال: هذا الذي حَدَثَ في الأَرض ... وهذه الحقيقةُ القرآنيةُ لم تُعجب القِسّيسَ الفادي، واعْتَبَرَها لجهلِه خَطأً جغرافياً وَقَعَ فيه القرآن، لأَنه يَتعارضُ مع عِلْمِ الفَلَك، وبعدَ أَنْ أَوردَ كلاماً للبيضاويِّ في تفسيرِ الآياتِ السابقةِ طَرَحَ سؤاله التشكيكيَّ، فقال: " ونَحنُ نَسألُ: إِذا كانَ كُلُّ كوكبٍ هو عالم ضخم، والكواكبُ هي ملايينُ العوالمِ الضخمة، تَسْبَحُ على أَبْعادٍ شاسعةٍ في فَضاءٍ لا نَهائِيّ، فكيفَ نتصوَّرُ الكواكبَ كالحجارة، يُمسكُ بها مَلاكٌ في حَجْمِ الإِنسان، ليضربَ بها الشيطان، مَنْعاً له من استماعِ أَصواتِ سُكانِ السماء؟ هل كلّ هذه الأَجرامِ السماويةِ خُلِقَتْ لتكونَ ذَخيرةً أَو عَتاداً حربيّاً كالحجارةِ لرجْمِ الشيطان، حتى اشْتَهَرَ اسْمُه بالشَّيْطانِ الرجيم؟ ! وكيفَ يَطْرَحُ الملائكةُ الكواكبَ؟ وكيفَ يُحْفَظُ توازُنُ الكونِ إِذا سارَتْ في غير فَلَكِها؟! ".

стр. 29

وقد طَرَحَ الفادي أَسئلتَه الاعتراضيةَ التشكيكيةَ بأُسلوبٍ تَهَكُّميٍّ، ولهجةٍ ساخرة، تدلُّ على تهكُّمِه بالقرآن، وعَدَمِ احترامِه له، وعَدَمِ أَدَبِه معه، وهذا أُسلوبٌ لا يَليقُ به، باعتبارِه قِسّيساً ورجلَ دينٍ نصرانياً!. واعتراضُه على كَلامِ القرآنِ يَدُلُّ على جَهْلِه، حيثُ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ النجومِ والكواكبِ في الفضاءِ حجارةٌ وعَتادٌ حربي، لضَرْبِ الشياطين التي تُحاولُ الصعودَ إِلى السماء، وظَنَّ أَنّ الملَكَ الحارسَ بحجْمِ الإِنسان، أَيْ أَنَّ حَجْمه لا يَكادُ يَزيدُ على مئةِ كيلوغرام، فكيفَ يَحملُ بين يَدَيْه نَجْماً، يَزِنْ مَلايين الكيلوغرامات؟!. إِنَّ هذا الظَّنَّ السخيفَ يدلُّ على غَباءِ الفادي وسخافةِ تفكيره.. لقد ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ الملائكةَ الحُرّاسَ يَقْذِفونَ على الشياطينِ الصاعدةِ شُهُباً ثاقِبَة، ولم يَقُلْ: إِنَ أَحَدهم يَحملُ كوكباً يَزِنُ ملايينَ الأَطْنان!. (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) . فمعَ المَلَكِ شِهابٌ مُشْتَعِلٌ، وهذا الشِّهابُ يكونُ مأخوذاً من النجمِ المشتعل. وهناك نجومٌ مشتعلةٌ ملتهبةٌ مثْلُ الشمس، وهناك نُجومٌ باردةٌ مظلمةٌ مثْلُ القَمَر ... فلم يَقُل القرآنُ: إِنَّ كُلَّ النجومِ والكواكبِ التي تُعَدُّ بالمليارات حجارةٌ لضَرْبِ الشياطين، إنما أَخْبَرَ أَنَّ معَ الملائكةِ الحُرّاسِ شُهُباً مُبينَةً مُشْتَعِلَة، مأْخوذةً من النجوم النارية.. والشِّهابُ صَغيرُ الحجمِ يَقْدِرُ الطفلُ على حَمْلِه، فما بالك بالمَلَكِ الضخمِ القويِّ؟!. ومَن الذي قالَ للفادي: إِنَّ حَجْمَ المَلَكِ بحَجْمِ الإِنسان؟ إِنَّ المَلَكَ ضخمٌ كَبيرٌ عظيم، كما قل تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) . وبما أَنَّ اللهَ أَخْبَرَنا في القرآنِ أَنه جعلَ النجومَ رُجوماً للشياطين، وأَنَّ الملائكةَ الحُرّاس يأخُذونَ منها الشُّهُبَ الثاقبة يَرْمونَ بها الشياطين، فهو الكلامُ الصحيحُ الصائب، ولا نَجِدُ فيه خَطَأً فَلَكياً أَو جغرافياً، ولا يَتَعارَضُ مع العقل (١) .

стр. 30

وبهذا نَعرِفُ أَنَّ اعتراضَ الفادي في غيرِ مكانِه، وأَنَّ تَهَكُّمَه على القرآنِ لعيبٍ فيه، وأَنَّهُ خَطَّأَ الصّوابَ!!. *** هل السموات سبع والأراضي سبع ؟ اعترضَ الفادي على كونِ السمواتِ سَبْعاً، وأَنَّ كلَّ سماءٍ منها سقفٌ أَملسُ على وشَكِ السُّقوط، كما اعترضَ على كونِ الأَراضي سَبْعاً، واعتبرَ هذا خطأً في القرآن. أَوردَ آياتٍ صريحةً في أَنَّ اللهَ خَلَقَ السمواتِ سَبْعاً؟ منها قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) . ومنها قولُه تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ... ومنها قولُه تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) . واعترضَ لجهلِه على كونِ السمواتِ سَبْعاً، فقال: " واضحٌ من هذه الآيات، معَ تفسيرِ البيضاويِّ لها، أَنَّ اللهَ خَلَقَ السماءَ التي فوقَنا، وهي سقْفٌ أَمْلَسُ واسع، وفوقَهُ ستّ سموات، كالسُّقوف، بعضُها فوق بعض.. فكيفَ يكونُ الفضاءُ اللّامتناهي سَقْفٌ أَمْلس، وأَنه يوجَدُ فوقه سبعةُ سُقوفٍ من هذا النوع؟! " (١) . واعتراضُه على هذه الحقيقة دال على جهلِه، واعتبارُه هذا خطأً فلكياً في القرآن بسببِ تحامُلِه وحقدِه على القرآن. وقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اللهَ خَلَقَ سبعَ سموات، وجاءَ هذا التصريحُ القرآنيُّ في سبعِ آياتٍ صريحة، وهذا " التَّوافُقُ العدديّ " مقصودٌ في القرآن!.

стр. 31

ولا يَعرفُ العلمُ البشريُّ القاصرُ إلّا شيئاً قليلاً عن السماءِ الدنيا، وهو لا يَعرفُ شيئاً عن السمواتِ السِّتِّ الأُخرى التي فوقَها، لأَنه غَيْرُ مُؤَهَّل للبحث فيها، ويجبُ عليه أَنْ يعترفَ بعَجْزِه وقُصوره، وأَنْ يَكِلَ العلمَ بتلك السمواتِ السِّتِّ إِلى اللهِ العليم الخبير، وأَنْ يأخذ ما ذكرَه اللهُ عنها في القرآن بالقَبولِ والتسليم، وأَنْ لا يُكَذِّبَ بما لا علْمَ له به!. فالسمواتُ سبْعٌ طِباق، كلُّ سماء سقفٌ لما تحتَها، وأَساسٌ لما فوقَها. قالَ تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) . وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) . وقالَ تعالى: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) . ولم يَخترق السمواتِ السبعَ إِلّا رسولُنا ﷺ ، عندما أَسرى اللهُ به من المسجدِ الحرامِ إِلى المسجدِ الأَقصى، ثم عَرَجَ به إِلى السماء، وَوَصَلَ به إِلى سدرةِ المنتهى.. وَوَصفَ لنا رسولُ الله ﷺ السمواتِ السَّبْعَ في أَحاديثَ صحيحة! وعلينا أَنْ نأخذَ المعلوماتِ الغيبيةَ المذكورةَ في القرآن، وأَنْ نَتَلَقّاها بالقَبولِ والتسليم، وأَنْ نعترفَ بقُصورِ علْمِنا، بدلَ أَنْ " نَتَعَالَمَ " على القرآن، ونُخَطّئ ما فيه من صواب، كما فَعَلَ هذا الفادي!. وكما خَطَّأَ الفادي القرآن في كلامِهِ عن السبعِ سموات خَطَّأَهُ في إِشارتِه إِلى أَنَّ الأَرْضَ سبعُ أَرَضينَ أَيضاً. ولم تَرِدْ هذه الإِشارةُ إِلّا مَرَّةً واحدةً في القرآن، ودْلك في قولهِ تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) . واعترض على الآيةِ بقولِه: " وخَلَقَ اللهُ الأَرضَ، التي نحنُ عليها، ولسِتَّ أَراضٍ مِثْلَها.. فجملةُ السمواتِ والأَراضي أَربع عَشرة ... فكيفَ يقولُ القرآنُ: إِنَّ أَرضنا - وهي واحدةٌ من ملايينِ الكواكب والسياراتِ والأَقمارِ والشُموس - يوجَدُ سبعةٌ مثْلُها؟ "،

стр. 32

لقد فهمَ الجاهلُ من قولِه تعالى: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) أَنَّ القرآنَ يقولُ بوجودِ سَبْع أَرضين، كلُّ واحدةٍ كوكبٌ مثلُ كوكَبنا، وأَرضٌ مثْلُ أَرْضنا، وكلُّ واحدةٍ مستقلَّةٌ عن الأُخْرَياتِ مثلُ أَرضِنا، وكلُّ واحدةٍ صالحةٌ للحياةِ مثلُ أَرضِنا، وكلّ واحدةٍ عليها أَحياءٌ مِثْلُنا!! وهذا ما لم يَقُلْهُ القرآن!. كلُّ ما قالَه القرآنُ أَنَّ اللهَ خَلَقَ سبعَ سموات، وأَنه خَلَقَ من الأَرْضِ مِثْلَهن: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) . ونرى أَنَّ هذه الجملةَ ليستْ نَصاً قرآنيّاً صريحاً في أَنَّ اللهَ خَلَقَ الأَرضَ سَبْعَ أَرَضين، كما خَلَقَ السماءَ سَبْعَ سمواتٍ طباقاً، ولهذا اختلفَ المفسرون في فهم هذه الجملةِ القرآنية!!. وفي المرادِ بالمثليةِ في قولِه تعالى: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) قولان: الأَول: هي مثليةٌ في الخَلْق. فاللهُ خَلَقَ سَبْعَ سموات، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَهن: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) . وعلى هذا القولِ يكونُ حرفُ الجَرِّ " مِنْ " للبَيان. وتكونُ (الْأَرْضِ) مجرورةً لفظاً، منصوبةً مَحَلّاً، لأَنها معطوفةً على (سَبعَ) المنصوبةِ قبلَها، لأَنها مفعولٌ به. و (مِثْلَهنَّ) : حالٌ منصوب. وصاحِبُ الحالِ هو " الأَرض ". والتقدير: اللهُ الذي خَلَقَ سبعَ سموات، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَهن. ووجْهُ الشبهِ بينَ السمواتِ السبعِ والأَرضِ هو الخلق، والمثليَّةُ هنا هي المثليةُ في الخَلْق. فالسمواتُ السبعُ مخلوقة، والأَرضُ مثلهن مخلوقة!. الثاني: هي مثليةٌ في العَدَدِ، بالإِضافةِ إِلى المثليةِ في الخَلْقِ. فاللهُ خَلَقَ السماءَ سَبْعَ سمواتٍ طِباقاً، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَ السماء، وجعلَها سبعَ أَرَضِين!. ومع أَن الجملةَ تحتملُ القولَيْن، ولكنَّنا نرى أَنَّ القولَ الأَولَ هو الراجح، أَما القولُ الثاني فإِنه مرجوح. فالراجحُ أَنَّ الأَرضَ كلَّها كتلةٌ واحدة، وأَرضٌ واحدة، وأَنها - مخلوقة مثل السمواتِ السبع، وأَنَّ الله هو الذي خَلَقَ السمواتِ وخَلَقَ الأَرض. وقد وردَ حديثٌ عن رسولِ الله ﷺ " يُشيرُ إِلى أَنَّ الأَرَضينَ سَبْعٌ.

стр. 33

فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ عنه ﷺ أَنه قال: " مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبرٍ من الأَرض، طُوقَهُ من سَبْعِ أَرَضين ".. وفي روايةٍ أُخرى: " خُسِفَ به إِلى سبعِ أَرَضين ". وقد يُفْهَمُ الحديثُ على أَنه من بابِ الترهيبِ من الظلم وتهديدِ الظالمِ بالعذاب، وقد يُؤْخَذُ الحديثُ على ظاهرِه، ويُعْتَبَرُ دَليلاً على أَنَّ الأَرضَ هي سبعُ أَرضين. وإِذا قُلْنا بأَنَّ الأَرضَ سبعُ أَرَضين، فهي سَبْعُ أَرَضينَ متصلةٌ ببعضِها، ليس بينها فَراغ، أَمّا السمواتُ فهي سبعُ طبقاتٍ منفصلَة، بين كُل سماءٍ وسماءٍ مسافةٌ بعيدة لا يَعلمُها إِلا الله. وبهذا نَعرفُ خطأَ وجهلَ القسيس الفادي، عندما اتَّهَمَ القرآنَ بالقولِ إِنَّ الأَرَضين السبعَ هي سبعُ كُراتٍ أَرضيةٍ مستقلة، مثلُ كرتنا الأَرضيةِ التي نحنُ عليها!. واعترضَ الجاهلُ أيضاً على القرآنِ في إِخبارِه أَنَّ اللهَ هو الذي يمسكُ السماءَ لئلَّا تقعَ على الأَرض، وذلك في قوله تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) . وسَجَّلَ اعتراضَه في قوله: " ونحنُ نتساءَل: كيفَ يَقولُ عن الفَضاءِ المتسامي سُمُوّاً لا مُتَناهي فَوقَنا: إِنه سَقْفٌ أَمْلَس قابلٌ للسقوط؟ ..!. واعتراضُه على القرآنِ دَليلُ جهْلهِ، ولم يُخطئ القرآنُ في إِخبارِه عن هذه الحقيقة، وهَدَفُ الآيةِ تقريرُ حقيقةِ أَنَ كُلَّ شيءٍ في الكونِ إِنما يتمُّ بأَمْرِ الله، وأَنَّ اللهَ هو الذي يُدَبِّرُ أَمْرَ الكونِ وما فيه، فهو سبحانه الذي خَلَقَ الأَرضَ والسماء، وهو الذي جَعَلَ السماءَ فوقَ الأَرض، وهو الذي جعلَ الكواكبَ والنجومَ في الفضاء، وحَدَّدَ لكل منها سَيْرَه ومدارَه ومكانَه. وهذا واضح في الآية: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) .

стр. 34

وأكد القرآن على هذه الحقيقة في آياتٍ عديدة؟ منها قولُه تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) . وليسَ معنى قولِه تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أنَّ السماءَ على وَشَكِ الوقوعِ على الأَرض، وأَنها قابلةٌ للسقوط، كما فهمَ الجاهل، وإِنما مَعْناها أَنَّ اللهَ هو الذي يُمسِكُ السماءَ القويةَ المتينةَ المحْكَمَة، ولولاهُ سبحانَه لوقَعَتْ على الأَرض، ولولاهُ لزالت السماءُ والأَرض، ولولاهُ لَدُمِّرَت النجومُ والكواكبُ في الفضاء.. ولا يوجَدُ مخلوقٌ في الوجودِ يَقْدِرُ على الإِمساكِ بالنظامِ الكونيِّ المتوازن، الذي يُنَظّمُ السماءَ والأَرض والكواكبَ في الفضاء. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) . - تُشيرُ الآيةُ إِلى القوةِ المتوازنةِ التي جعلَها اللهُ في الكون، والتي تمسكُ ما فيه من نجومٍ وكواكب، وهي قوةُ " الجاذبيةِ " العجيبة. وعندما يَحينُ وَقْتُ إِنهاءِ هذا الكون وما فيه، يُزيلُ اللهُ قوةَ الجاذبية، فتتناثَرُ النجومُ والكواكب، ويكونُ الانفطارُ والانشقاقُ والتكويرُ والانكدارُ والتسييرُ والتسجيرُ والتفجير! وهذه مصطلحاتٌ قرآنيةٌ تتحدَّثُ عن يومِ القيامة!. *** ما هو النسيء ؟ اعتبرَ الفادي حديثَ القرآنِ عن النَّسيءِ خَطَأً جُغرافيّاً فَلكيّاً وَقَعَ فيه القرآن، واعترضَ على آيتَيْنِ تَتَحدثان عن عِدةِ شهورِ السنة وعن النسيء؟ وهما قولُ اللهِ : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) .

стр. 35

ولم يَفْهَم الجاهلُ معنى النسيء، ولذلك طَرَحَ سؤالاً دالّاً على جَهْلِه وغَبائِه، فقالَ: " ونحنُ نسأَلُ: يُؤَزخُ جَميعُ العلماءِ بالسَّنَةِ الشمسية، التي تَفْرُقُ عن السنةِ القمريةِ شَهْرَ النَسيء؟ فهل في هذا كُفْرٌ؟ وكيفَ نَعتبرُ الحسابَ الفلكيَّ الطبيعيَّ كُفْراً؟. كان الفادِي كاذِباً مَفْتَرِياً عندما زَعَمَ أَنَّ جميعَ العلماءِ يُؤَرِّخونَ بالسنةِ الشمسية، فمن المعلومِ أَنَّ هناكَ تقويمَيْن للتاريخ: التقويمَ الشمسيَّ، وهو الذي يَتبعهُ العالمُ الغربيُّ، والذي أَخَذَه عن الرومان.. والتقويمَ القمريَّ، وهو الذي أَرَّخَ به المسلمون، منذُ هجرةِ رسولِ الله ﷺ إِلى المدينة.. وإذا كان الغربيّون قد دَخَلوا في القرنِ الحادي والعشرين الميلاديّ الشمسي، فإِنَّ المسلمينَ قد دَخَلوا في الربع الثاني من القرنِ الخامس عشر الهجريِّ القمري. وكانَ الفادي جاهلاً عندما جَعَلَ الفرقَ بينَ السنةِ الشمسيةِ والسنةِ القمريةِ شَهْراً، أَيْ أَنَّ السنةَ الشمسيةَ تَزيدُ على السنةِ القمرية شهراً كاملاً!! وهذا ما لم يَقُلْه أَحَدٌ إ!. إِن السنةَ الشمسيةَ تَزيدُ على السنةِ القمريةِ ما بينَ عشرةِ أَيامٍ إِلى أَحَدَ عَشَرَ يوماً. قالَ المؤرخُ الإِسلامِيُّ المعاصر أحمد عادل كمال في الفرقِ بينَ التقويم الشمسيِّ والتقويم القمري: " يزيدُ اليومُ الشمسيُّ عن اليومِ القمريّ ثَلاثَ دقائق، وخَمْساً وخمسين ثانية، وتسعةً في العشرةِ من الثانية! (٩، ٣: ٥٥) !

стр. 36

واليومُ عندَ العرب يبدأُ من غروبِ الشمس، ويمتدُّ إِلى غُروبِها في اليوم التالي!.. والشهرُ القمريُّ: (٥٨٨ ٥٣٠، ٢٩) يوماً! والسنةُ القمريةُ (٣٥٤) يوماً، وثماني ساعات، و (٤٨) دقيقة، و (٣٦) ثانية! أَما السنةُ الشمسيةُ فإِنَّها (٣٦٥) يوماً، وستُّ ساعات، وتسعُ دقائق، و (٥.٩) ثانية!! فالفرقُ بين السنةِ الشمسيةِ والسنةِ القمريةِ حوالي أَحَدَ عَشَرَ يوماً! ". فكيفَ يقولُ القسيس بعد هذا الضبطِ الدقيقِ لجزءٍ من الثانية إِنَّ الفرقَ بينَ التقويمَيْن شهرٌ كامل، وليس أَحَدَ عشر يوماً؟ وكيفَ يقعُ في هذا الخطأ الحِسابيّ الفلكيِّ الشنيع؟ وكيفَ يدخُلُ في ما لا يَعرفُهُ؟ ويَتَعالَمُ بعد ذلك على القرآن!. وانتقلَ الجاهلُ الذي يُريدُ أَنْ يُخَطِّئَ القرآنَ من خطئِه في الحساب إِلى خَطَأ أَقبَح، حيثُ لم يَفْهَمْ معنى " النسيء " في الآية، فاعتبرَ النسيءَ هو " التأريخ بالسنةِ الشمسية "، ولذلك تَساءَلَ بغَباء: كيف نَعتبرُ الحسابَ الفلكي الطبيعيَّ كُفراً؟. ولا يَقولُ عاقل: إِنَّ النسيءَ هو التاريخُ الشمسي، وإِنَّه كفر! فضلاً عَنْ أَنْ يقولَ القرآنُ بذلك!! " النسيءُ " في قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) اسْم، بمعنى التأخير، مُشْتَقٌّ من " نَسَأَ " بمعنى: أَخَّرَ. ونَسْءُ الشيءِ تَأخيرُه. وهو في الآيةِ تأخيرٌ خاص، إِنَّه " نَسيء" في حرمةِ الأَشهرِ الحُرُم، كانَ يمارسُه الكفارُ في الجاهلية. لقد جَعَلَ اللهُ أَربعةَ أَشْهُبر حُرُماً، من شهورِ السنةِ الاثْنَي عَشَر: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ... ) .

стр. 37

وهي أَربعةُ أَشهر، لأَنَّ اللهَ حَرَّمَ فيها القتال، وجعلَها أَشْهُرَ أَمْنٍ وأَمان، وَسْطَ باقي الشهور، القائمةِ على القتل والسَّلْبِ والنهبِ والعُدوان. والأَشهرُ الحُرُمُ هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. ويُلاحَظُ أَنَّ الأَشهرَ الثلاثةَ مُتَتابعة، أَمّا الشهرُ الرابعُ رجب فهو مُتَأَخّرٌ عنها. وكان الكفارُ في الجاهليةِ يَتَعاملونَ مع الأَشهرِ الحُرُمِ بالهوى والمزاجية، ويَتَلاعَبونَ فيها، فإِنْ دَخَلَ عليهم شَهْرٌ من الأَشهرِ الحُرُم، وَوَجَدوا لهم مصلحةً في انتهاكِ حرمتِهِ وقتال الآخَرين فيه، " نَسَؤُوه ": أَيْ: نَقَلوا حرمَتَهُ إِلى شهرٍ آخَرَ بعْدَه، واسْتَباحوا القتال فِيهِ. شَهْرُ " مُحَرَّم " مَثَلاً من الأَشهرِ الحُرُم، فإِنْ دَخَلَ عليهم شهرُ مُحَرَّم حَرُمَ عليهم قِتال الآخرين فيه، فإِن وَجَدوا لهم مصلحةً في القتال فيه قالوا: نَنْقُلُ حرمَتَهُ إِلى شهرِ " صفر " بعدَه، ونُقاتلُ أَعداءَنا فيه، فهو " نَسيءٌ "، بهذا الاعتبار!!. الذين وهذا تلاعُبٌ منهم بأَحكامِ الله، يقودُ إِلى زيادةٍ في كُفرِهم وجرائِمهم وضلالِهم، فهو ليس مجردَ كُفْر، وإِنما هو زيادةٌ في الكفر! وعلى هذا قولُه تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) . وقد فَسَّرت الآيةُ معنى النَّسيء، وذلك في جملةِ (يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) أَيْ أَنهم كانوا يُحِلُّونَ القتال في أَحَدِ الأَشهرِ الحُرُمِ عاماً، ويُحَرِّمونَ القتال في نفسِ ذلك الشهرِ الحرامِ عاماً اَخر!. ومعنى قوله: (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) : أَنهم كانوا يقولون: نحنُ نلتزمُ بعدَدِ الأَشهرِ التي حَرَّمَها الله، فالمهمُّ أَنْ نُحَرّمَ في السنةِ أَربعةَ أَشهر، ولا يُهِمُّ عندنا أَسماؤُها أَيَّ أَشهرٍ تَكون. كانوا يُريدونَ أَنْ " يُواطِئوا " ويُوافِقوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَربعةُ أَشهرٍ بأربعةِ أَشهر، ومع هذه المواطأةِ والموافقةِ كانوا

стр. 38

يُحِلّونَ ما حَرَّمَ الله، فكانوا يُحِلّونَ القتالَ في شهر ذي القعدة أَحياناً، ويُحِلّونَه في شهر ذي الحجةِ أَحياناً أُخرى. وبهذا نَعرفُ معنى " النسيءِ " الذي كان يفعلُه المشركونَ في الجاهلية، وأَنه قائم على معنى التأْخيرِ والنقلِ والتلاعبِ والتغييرِ والتبديل! وليس بمعنى تركِ التاريخِ بالحسابِ القمري، والتاريخِ بالحسابِ الشمسي، وأَنَّ استعمالَ الحسابِ الشمسيِّ في التقويمِ والتاريخِ حرامٌ وكفر! كما فهم ذلك الجاهلُ المتعالم! وصَدَقَ فيه قولُ الشاعر: وكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلاً صحيحاً ... وآفَتُهُ هي الفهمُ السقيم *** بماذا تروى مصر ؟ اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن رِيّ أَرضِ مصر! وذلك في قولِه تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) . وقد فَهِمَ الفادي لجهلهِ الآيةَ فَهْماً خاطئاً، واعْتَبَرَها خطأً جغرافياً، وقالَ في تخطئتها: " الإِشارةُ هنا إِلى القحطِ الذي أَصابَ مصرَ سبْعَ سنينَ متواليةً، أَيامَ يوسف، فيُبشّرُهم بالخَصْبِ بعدَ الجَدْب، ويقولُ: إِنه في عام الخَصْبِ يُمْطَرون، فكأَنَّ خَصْبَ مصر مُسَبَّبٌ عن الغيثِ أَو المطر. وهذا خِلافُ الواقعِ، فالمطرُ قَلَّما يَنزلُ في مِصر، ولا دَخْلَ له في خَصْبِها الناتجِ عن فيضانِ النِّيل، فكيفَ يُنْسَبُ خَصْبُ مِصرَ للغيثِ والمطرِ؟ " (١) . إِنَّ الآيةَ التاسعةَ والأَربعينَ من سورةِ يوسفَ مرتبطةٌ مع الآياتِ التي قَبْلَها، والتي أَخبرتْ عن رؤيا رآها ملكُ مصر في زمنِ يوسفَ ﷺ ، وطَلَبَ من الملأ حولَه أَنْ يعبروها له، ولما عَجَزوا عن تعبيرها، تَوَجَّهوا إلى

стр. 39

يوسفَ ﷺ ليعبرها، ففعل. وقد رأى الملكُ سَبْعَ بقراتٍ سمانٍ يأكُلُهن سبعٌ عِجافٌ وسبْعَ سنبلاتٍ خضر وأُخَرَ يابسات. قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) . لما عَبَّرَ يوسفُ ﵇ رؤيا الملكِ أَخبرَ أَنَّ مصْرَ ستمرُّ بدورتَيْن، كُلُّ دورةٍ منها سبعُ سنوات.. السبعُ سنوات الأُولى سنواتُ خَصْب، يستغلّونَها في الزراعةِ والإِنتاجِ: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) .. والسبعُ سنوات الثانية سنواتُ جَدْبٍ وقَحْطٍ ومَحْل: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) . والسنةُ الخامسة عشرة ستكونُ عاماً للغيثِ والرّيّ: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) . ولا يلزمُ من قولِه: (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ) أَنْ يكونَ الغيثُ ناتِجاً عن أَمطارٍ غزيرة، تهطُلُ عليهم من السماء، حتى يعترضَ الفادي على ذلك، ويعتبرَهُ خَطَأً، لأَنَّ المَطَرَ قَلَّما يَهطُل على مصر. إِننا نعلمُ أَنَّ رِيَّ مصرَ يكونُ من مياهِ نهرِ النيل، الذي يكونُ فَيَضانُه سَبَباً في زيادةِ كمياتِ الأَراضي المروية، وفي زيادةِ الإِنتاجِ الزراعي، ونعلمُ أَنَّ الأَمطارَ قَلَّما تنزل على مصر.

стр. 40

إِنَّ غيثَ مصرَ من مياهِ نهرِ النيل، وستكونُ مياهُ النيلِ في العامِ الذي أَخبرَ عنه يوسفُ ﷺ غَزيرة، وسيكونُ فيضانُ النيلِ فيه غَوْثاً لمصْر. وقد يكونُ الغيثُ بمياهِ الأَمطارِ النازلةِ من السماء، وهذا هو الأَكْثَرُ والأَغلب، وقد يكونُ بمياهِ الأَنهار، وهذا قليل في البلدان، كما هو غيثُ مصرَ بمياهِ النيل. فاعتراضُ الفادي على الآيةِ في غيرِ مكانِه، وهو لجهلِه خَطَّأَ الصوابَ الذي في الآية!!. *** هل الرعد ملك من الملائكة؟ وكيف يسبح الله ؟ اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن الرَّعْد. والذي وردَ في قولِه تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) . كيفَ يُسبحُ الرعْدُ بحمدِ الله؟ وهل هو مخلوقٌ حَيّ يَتحركُ ويَتكلمُ ويُسبحُ اللهَ بلسانِه؟. رَجَعَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، ونَقَلَ عنه كَلاماً عَجيباً! قال: قالَ البيضاوي: " عن ابنِ عباس: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الرَّعْد، فقال: " هو مَلَك مُوَكَّلٌ بالسَّحاب، معه مخاريقُ من نار، يَسوقُ بها السحابِ ".. (وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) : من خوفِ اللهِ وإِجلاله.. وقيل: الضميرُ للرعد.. وأَخرجَ الترمذيُّ عن ابنِ عباس: " أَقبلت اليهودُ إِلى محمد، فقالوا: أَخْبِرْنا عن الرَّعد، ما هو؟ قال: هو مَلَكٌ من الملائكة، مُوَكَّلٌ بالسَّحاب، معه مَخاريقُ من نار، يَسوقُه بها حيثُ يَشاءُ الله. قالوا: فما هذا الصوتُ الذي يُسْمَعُ؟ قال: زَجْرُه السَّحاب، حتى تَنْتَهي حيث أُمِرَتْ. قالوا: صَدَقْتَ ". ونحنُ نَسأل: إِذا كانَ الرَّعْدُ هو الكهرباءَ الناشئةَ عن تَصادمِ السحاب،
следующие страницы →