واليومُ عندَ العرب يبدأُ من غروبِ الشمس، ويمتدُّ إِلى غُروبِها في اليوم
التالي!..
والشهرُ القمريُّ: (٥٨٨ ٥٣٠، ٢٩) يوماً! والسنةُ القمريةُ (٣٥٤)
يوماً، وثماني ساعات، و (٤٨) دقيقة، و (٣٦) ثانية! أَما السنةُ الشمسيةُ فإِنَّها (٣٦٥) يوماً، وستُّ ساعات، وتسعُ دقائق، و (٥.٩) ثانية!!
فالفرقُ بين السنةِ الشمسيةِ والسنةِ القمريةِ حوالي أَحَدَ عَشَرَ يوماً! ".
فكيفَ يقولُ القسيس بعد هذا الضبطِ الدقيقِ لجزءٍ من الثانية إِنَّ الفرقَ
بينَ التقويمَيْن شهرٌ كامل، وليس أَحَدَ عشر يوماً؟
وكيفَ يقعُ في هذا الخطأ
الحِسابيّ الفلكيِّ الشنيع؟
وكيفَ يدخُلُ في ما لا يَعرفُهُ؟
ويَتَعالَمُ بعد ذلك على القرآن!.
وانتقلَ الجاهلُ الذي يُريدُ أَنْ يُخَطِّئَ القرآنَ من خطئِه في الحساب إِلى
خَطَأ أَقبَح، حيثُ لم يَفْهَمْ معنى " النسيء " في الآية، فاعتبرَ النسيءَ هو
" التأريخ بالسنةِ الشمسية "، ولذلك تَساءَلَ بغَباء: كيف نَعتبرُ الحسابَ الفلكي الطبيعيَّ كُفراً؟.
ولا يَقولُ عاقل: إِنَّ النسيءَ هو التاريخُ الشمسي، وإِنَّه كفر! فضلاً عَنْ
أَنْ يقولَ القرآنُ بذلك!!
" النسيءُ " في قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) اسْم، بمعنى
التأخير، مُشْتَقٌّ من " نَسَأَ " بمعنى: أَخَّرَ.
ونَسْءُ الشيءِ تَأخيرُه.
وهو في الآيةِ تأخيرٌ خاص، إِنَّه " نَسيء" في حرمةِ الأَشهرِ الحُرُم، كانَ يمارسُه الكفارُ في الجاهلية.
لقد جَعَلَ اللهُ أَربعةَ أَشْهُبر حُرُماً، من شهورِ السنةِ الاثْنَي عَشَر: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ... ) .
стр. 37
وهي أَربعةُ أَشهر، لأَنَّ اللهَ حَرَّمَ فيها القتال، وجعلَها أَشْهُرَ أَمْنٍ وأَمان،
وَسْطَ باقي الشهور، القائمةِ على القتل والسَّلْبِ والنهبِ والعُدوان.
والأَشهرُ الحُرُمُ هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب.
ويُلاحَظُ أَنَّ الأَشهرَ الثلاثةَ مُتَتابعة، أَمّا الشهرُ الرابعُ رجب فهو مُتَأَخّرٌ عنها.
وكان الكفارُ في الجاهليةِ يَتَعاملونَ مع الأَشهرِ الحُرُمِ بالهوى والمزاجية،
ويَتَلاعَبونَ فيها، فإِنْ دَخَلَ عليهم شَهْرٌ من الأَشهرِ الحُرُم، وَوَجَدوا لهم مصلحةً في انتهاكِ حرمتِهِ وقتال الآخَرين فيه، " نَسَؤُوه ": أَيْ: نَقَلوا حرمَتَهُ إِلى شهرٍ آخَرَ بعْدَه، واسْتَباحوا القتال فِيهِ.
شَهْرُ " مُحَرَّم " مَثَلاً من الأَشهرِ الحُرُم، فإِنْ دَخَلَ عليهم شهرُ مُحَرَّم حَرُمَ
عليهم قِتال الآخرين فيه، فإِن وَجَدوا لهم مصلحةً في القتال فيه قالوا: نَنْقُلُ
حرمَتَهُ إِلى شهرِ " صفر " بعدَه، ونُقاتلُ أَعداءَنا فيه، فهو " نَسيءٌ "، بهذا
الاعتبار!!.
الذين وهذا تلاعُبٌ منهم بأَحكامِ الله، يقودُ إِلى زيادةٍ في كُفرِهم وجرائِمهم
وضلالِهم، فهو ليس مجردَ كُفْر، وإِنما هو زيادةٌ في الكفر! وعلى هذا قولُه
تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) .
وقد فَسَّرت الآيةُ معنى النَّسيء، وذلك في جملةِ (يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) أَيْ أَنهم كانوا يُحِلُّونَ القتال في أَحَدِ الأَشهرِ الحُرُمِ عاماً، ويُحَرِّمونَ
القتال في نفسِ ذلك الشهرِ الحرامِ عاماً اَخر!.
ومعنى قوله: (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ) : أَنهم كانوا يقولون: نحنُ
نلتزمُ بعدَدِ الأَشهرِ التي حَرَّمَها الله، فالمهمُّ أَنْ نُحَرّمَ في السنةِ أَربعةَ أَشهر،
ولا يُهِمُّ عندنا أَسماؤُها أَيَّ أَشهرٍ تَكون.
كانوا يُريدونَ أَنْ " يُواطِئوا " ويُوافِقوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَربعةُ أَشهرٍ بأربعةِ أَشهر، ومع هذه المواطأةِ والموافقةِ كانوا
стр. 38
يُحِلّونَ ما حَرَّمَ الله، فكانوا يُحِلّونَ القتالَ في شهر ذي القعدة أَحياناً، ويُحِلّونَه في شهر ذي الحجةِ أَحياناً أُخرى.
وبهذا نَعرفُ معنى " النسيءِ " الذي كان يفعلُه المشركونَ في الجاهلية،
وأَنه قائم على معنى التأْخيرِ والنقلِ والتلاعبِ والتغييرِ والتبديل! وليس بمعنى
تركِ التاريخِ بالحسابِ القمري، والتاريخِ بالحسابِ الشمسي، وأَنَّ استعمالَ
الحسابِ الشمسيِّ في التقويمِ والتاريخِ حرامٌ وكفر! كما فهم ذلك الجاهلُ
المتعالم! وصَدَقَ فيه قولُ الشاعر:
وكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلاً صحيحاً ... وآفَتُهُ هي الفهمُ السقيم
***
بماذا تروى مصر ؟
اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن رِيّ أَرضِ مصر! وذلك في قولِه
تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) .
وقد فَهِمَ الفادي لجهلهِ الآيةَ فَهْماً خاطئاً، واعْتَبَرَها خطأً جغرافياً، وقالَ
في تخطئتها: " الإِشارةُ هنا إِلى القحطِ الذي أَصابَ مصرَ سبْعَ سنينَ متواليةً،
أَيامَ يوسف، فيُبشّرُهم بالخَصْبِ بعدَ الجَدْب، ويقولُ: إِنه في عام الخَصْبِ
يُمْطَرون، فكأَنَّ خَصْبَ مصر مُسَبَّبٌ عن الغيثِ أَو المطر.
وهذا خِلافُ الواقعِ، فالمطرُ قَلَّما يَنزلُ في مِصر، ولا دَخْلَ له في خَصْبِها الناتجِ عن فيضانِ النِّيل، فكيفَ يُنْسَبُ خَصْبُ مِصرَ للغيثِ والمطرِ؟ " (١) .
إِنَّ الآيةَ التاسعةَ والأَربعينَ من سورةِ يوسفَ مرتبطةٌ مع الآياتِ التي
قَبْلَها، والتي أَخبرتْ عن رؤيا رآها ملكُ مصر في زمنِ يوسفَ ﷺ ، وطَلَبَ من الملأ حولَه أَنْ يعبروها له، ولما عَجَزوا عن تعبيرها، تَوَجَّهوا إلى
стр. 39
يوسفَ ﷺ ليعبرها، ففعل.
وقد رأى الملكُ سَبْعَ بقراتٍ سمانٍ يأكُلُهن سبعٌ
عِجافٌ وسبْعَ سنبلاتٍ خضر وأُخَرَ يابسات.
قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) .
لما عَبَّرَ يوسفُ ﵇ رؤيا الملكِ أَخبرَ أَنَّ مصْرَ ستمرُّ بدورتَيْن، كُلُّ دورةٍ
منها سبعُ سنوات..
السبعُ سنوات الأُولى سنواتُ خَصْب، يستغلّونَها في الزراعةِ والإِنتاجِ: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ..
والسبعُ سنوات الثانية سنواتُ جَدْبٍ وقَحْطٍ ومَحْل: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) .
والسنةُ الخامسة عشرة ستكونُ عاماً للغيثِ والرّيّ: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) .
ولا يلزمُ من قولِه: (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ) أَنْ يكونَ الغيثُ ناتِجاً عن أَمطارٍ
غزيرة، تهطُلُ عليهم من السماء، حتى يعترضَ الفادي على ذلك، ويعتبرَهُ
خَطَأً، لأَنَّ المَطَرَ قَلَّما يَهطُل على مصر.
إِننا نعلمُ أَنَّ رِيَّ مصرَ يكونُ من مياهِ نهرِ النيل، الذي يكونُ فَيَضانُه سَبَباً
في زيادةِ كمياتِ الأَراضي المروية، وفي زيادةِ الإِنتاجِ الزراعي، ونعلمُ أَنَّ
الأَمطارَ قَلَّما تنزل على مصر.
стр. 40
إِنَّ غيثَ مصرَ من مياهِ نهرِ النيل، وستكونُ مياهُ النيلِ في العامِ الذي
أَخبرَ عنه يوسفُ ﷺ غَزيرة، وسيكونُ فيضانُ النيلِ فيه غَوْثاً لمصْر.
وقد يكونُ الغيثُ بمياهِ الأَمطارِ النازلةِ من السماء، وهذا هو الأَكْثَرُ
والأَغلب، وقد يكونُ بمياهِ الأَنهار، وهذا قليل في البلدان، كما هو غيثُ
مصرَ بمياهِ النيل.
فاعتراضُ الفادي على الآيةِ في غيرِ مكانِه، وهو لجهلِه خَطَّأَ الصوابَ
الذي في الآية!!.
***
هل الرعد ملك من الملائكة؟
وكيف يسبح الله ؟
اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن الرَّعْد.
والذي وردَ في قولِه تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) .
كيفَ يُسبحُ الرعْدُ بحمدِ الله؟ وهل هو مخلوقٌ حَيّ يَتحركُ ويَتكلمُ
ويُسبحُ اللهَ بلسانِه؟.
رَجَعَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، ونَقَلَ عنه كَلاماً عَجيباً! قال:
قالَ البيضاوي: " عن ابنِ عباس: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الرَّعْد، فقال: " هو مَلَك مُوَكَّلٌ بالسَّحاب، معه مخاريقُ من نار، يَسوقُ بها السحابِ "..
(وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) : من خوفِ اللهِ وإِجلاله..
وقيل: الضميرُ للرعد..
وأَخرجَ الترمذيُّ عن ابنِ عباس: " أَقبلت اليهودُ إِلى محمد، فقالوا: أَخْبِرْنا عن الرَّعد، ما هو؟
قال: هو مَلَكٌ من الملائكة، مُوَكَّلٌ بالسَّحاب، معه مَخاريقُ من نار، يَسوقُه
بها حيثُ يَشاءُ الله.
قالوا: فما هذا الصوتُ الذي يُسْمَعُ؟
قال: زَجْرُه السَّحاب، حتى تَنْتَهي حيث أُمِرَتْ.
قالوا: صَدَقْتَ ".
ونحنُ نَسأل: إِذا كانَ الرَّعْدُ هو الكهرباءَ الناشئةَ عن تَصادمِ السحاب،
стр. 41
فلماذا يقول: إِنَّ الرعدَ هو أَحَدُ الملائكة؟ ! " (١) .
لم يكن الفادي أَميناً في النقلِ عن البيضاوي.
حيث أسقط من كلامِه قِسْماً مُهِمّاً، وأَبْقى قِسْماً يوافقُ هدفَه في تخطئةِ القرآنِ.
قالَ البيضاويُّ: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ) : أَيْ: يُسَبحُ سامعوه.
(بِحَمْدِهِ) : ملْتَبِسين به، فيضجّونَ بسبحانَ اللهِ والحمد لله أو يدلُّ الرعدُ بنفسِه على وحدانيةِ الله وكمالِ قدرتِه، ملْتَبِساً بالدلالةِ على فضْلِه ونزولِ رحمتِه ...
هذا هو رأيُ البيضاويِّ في معنى تسبيحِ الرعدِ بحمدِ الله، فإِمّا أَنْ يكونَ
المعنى أَن الناسَ الذين يَسمعونَ الرعدَ يُسَبّحونَ الله، ويكونُ تسبيحُهم ملْتَبِساً ومقروناً بحمدِ الله، فيقولون: سبحانَ الله والحمدُ الله، وإِمّا أَنْ يكونَ صوتُ الرعدِ دالّاً على وحدانيةِ اللهِ وكمالِ قُدرتِه، ملْتَبِساً بالدلالةِ على فَضلِ اللهِ ونزولِ رحمتِه.
وهذا هو التفسيرُ الصوابُ لتسبيحِ الرعدِ بحمدِ اللهِ، وهو الذي يَقولُ به
البيضا وي.
وبعدما قَرَّرَ البيضاويُّ التفسيرَ الصوابَ أَرادَ أَنْ يذكُرَ قولاً آخَرَ هو عنده
مرجوح، فأَوردَ روايةً عن ابنِ عباس رفعَها للنبيِّ ﷺ ، ذَكَرَ فيها أَنَّ الرعدَ أَحَدُ الملائكةِ، يسوقُ السحابَ وهو يَذْكُرُ اللهَ ويسبِّحُه.
ونَسَبَ الفادي إِلى البيضاويِّ روايةً لم يوردْها في تفسيرِه، وهي التي
أَخرجَها الترمذيُّ في سننهِ، والتي فيها جوابُ الرسولِ ﷺ لسؤالِ اليهودِ عن أَنَّ الرعْدَ أَحَدُ الملائكة، وصوتُ الرعدِ هو صوتُ الملَكِ يَزجُرُ به السحاب.
هذه الروايةُ لم تُذْكَرْ في تفسيرِ البيضاوي، وكان الفادي مفترياً عندما
زَعَمَ وُجودَها في تفسيره.
لم يذكر القرآنُ أَنَّ الرعْدَ مَلَكٌ يُسَبِّحُ اللهَ بلسانِه، - وأَنه يسوقُ السحاب،
ويَصْرُخُ فيه ويَزْجُرُه، وهذا الزجْرُ والصراخُ هو الصوتُ الذي نسمعُه منه!.
стр. 42
وإنما وردَ هذا في روايةٍ منسوبةٍ لابنِ عباس، رَفَعها بدورِه لرسولِ اللهِ ﷺ ،
وهذه الروايةُ تَحتاجُ إِلى تخريج، المهمُّ أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ ذلك!.
وأَسْنَدَ القرآنُ إِلى الرعْدِ التسبيح، على طريقةِ القرآنِ المعجزةِ في التعبير،
وهي " التصوير "، يَعرضُ فيها الأَفكارَ والمعاني بطريقةٍ مُصَوَّرَة، كأَنَّ القارئَ
يرى أَمامَه صُوَراً حيةً متحركة، وليسَ مجردَ كلماتٍ وعبارات.
الرعْدُ صوتٌ مسموعٌ من السحاب، وهو ظاهرةٌ جويةٌ معروفة، ناشئةٌ عن
تصادُمِ السحبِ في الجَوّ، وارتطامِها بعضها ببعض، وهو غيرُ ملموسٍ ولا
مُجَسَّم، لكنَّ الآيةَ عرضَتْه بصورةٍ مجسَّمةٍ شاخصةٍ متخيَّلَة، حيثُ حَوَّلَتْه إِلى
جسمٍ مادي، وشخصٍ حيّ، يتحركُ ويَتكلم، وله لسانٌ يُسَبِّحُ به ربَّه ويَحمدُه!
وليس مجردَ صوتٍ قاصف، ناتجٍ عن ارتطامِ السُّحُب!!.
وعندما يَسمعُ المسلمُ الآية، يَتَخَيَّلُ في خيالِه الرعد، رَجُلاً جالِساً وسْطَ
السحاب، يَذْكُرُ اللهَ ويُسَبِّحُه ويَحمدُه، بصوتٍ عالٍ مرتفع!.
فالقرآنُ لم يُخطئْ عندما تكلَّمَ عن الرعد بهذه الطريقةِ المعجزة، وعَرَضَهُ
في هذه الصورةِ الحيةِ المتحركة.
لكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ طريقةَ القرآنِ في التعبير، ولا يستمتعُ بما فيه من روائعِ التصوير!! (١) .
أَما حديثُ الترمذيِّ عن ابنِ عباس فقد اختلفَ فيه العلماء، فمنهم مَنْ ضَعَّفَه، ومنهم مَنْ صَحَّحَه، وهذا أَمْرٌ حديثيّ لا يَعنينا هنا، لأَنَّ موضوعَنا هو القرآن!!.
***
بين وادي طوى وجبل حوريب
اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن المكانِ الذي سمعَ فيه موسى ﷺ كلامَ الله، لأَنَّه يتعارضُ مع ما وردَ في الكتابِ المقَدّس!.
قال الله : (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) .
وقال وَجمسَّ: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) .
стр. 43
تُصرحُ هذه الآياتُ بأَنَّ اسْمَ الوادي الذي نادى اللهُ فيه موسى ﷺ هو " طُوى ".
وكانَ اسْمُه " طُوى " في زمنِ موسى ﷺ .
وهذا معناهُ أَنه اسْمُ علمٍ أَعجمي، وليس عربيّاً مشتقّاً، فلا نبحثُ له عن معنى في العربية.
ووادي " طوى " المقدسُ بجانبِ جبلِ الطّور، وهو في جانبهِ الأَيمنِ.
قال تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) .
وقال تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) .
ولكنَّ الفادي يرفضُ كلامَ القرآن، ويَعتبرُه خَطَأً جغرافيّاً، يَتَعارضُ مع ما
وردَ في العهدِ القديم، الذي هو جزءٌ من دينِ القِسّيسِ الفادي.
وقد اعترضَ على كلامِ القرآنِ قائِلاً: " قالَ المفسرونَ المسلمون: إِنّ " طُوى " اسْمُ الوادي.
ولكنَّ الكتابَ المُقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنه لما كانَ موسى يَرعى غَنَمَ يَثْرونَ حَمِيه كاهنِ
مِدْيان، سادقَ الغَنَمَ إِلى ما وراء البريّة، وجاءَ إِلى جبلِ اللهِ حوريب، وظَهَرَ
ملَاكُ الرَّبِّ بلهيب نارٍ من وَسَطِ عُلّيقَةَ، ونظر، وإِذا بالعُلّيقة تتوقَّدُ بالنَّارِ دونَ أَنْ تحترق..
فَناداهُ الرَّب، وقال له: " لا تَقتربْ إِلى هاهُنا، اخْلَعْ حِذاءَك من
رِجْلَيْك، لأَنَّ الموضعَ الذي أَنتَ واقفٌ عليه أَرضٌ مُقَدَّسَة "خروج ٣: ١ -
٥ ".
إِذَنْ موسى كانَ في جبلِ اللهِ حوريب، فمن أَيْنَ جاءَ القرآنُ باسْم طوى،
مع أَنَّ حوريبَ اسْمُ جبلٍ مشهورٍ في شبهِ جزيرةِ سيناء؟ ! ".
ذَكَرَ العهدُ القديمُ أَنَّ اسْمَ الجبل " حوريب "، وذكرَ القرآنُ أَنَّ اسْمَه
" الطور "، والقِسيسُ الفادي يرفضُ اسْمَ القرآن، ويَعتمدُ اسْمَ العهدِ القديم ...
أما نحنُ المسلمين فإننا نؤمنُ بالقرآن، ونعتمدُ الاسْمَ المذكورَ فيه، ونرفضُ أَيَّ اسْم آخَرَ يَختلفُ معه، لأَنَّ القرآنَ هو الذي تَكَفَّلَ اللهُ بِحِفْظِهِ، فكلُّ ما فيه حَقّ وصَواب، أَما الكُتُبُ الأُخرى فقد عَدَتْ عليها يَدُ التحريفِ فلا يوثَقُ بها.
стр. 44
اسْمُ الجبلِ الذي وَقَعَتْ بجانبهِ الحادثةُ هو جبلُ الطور، كما صَرَّحَ
القرآن، ولا أَدري من أَيْنَ أَتى اليهودُ والنَصارى باسم " جَبَلِ حوريب ".
واسْمُ الوادي الواقعِ بجانبِ جبلِ الطورِ هو وادي " طوى "، ولا يَجوزُ تركُ ما وَرَدَ في القرآنِ صريحاً!.
والواجبُ اعتمادُ ما وَرَدَ في القرآن، وَرَدّ كُلِّ ما يتعارضُ معه! (١) .
***
هل في طور سيناء زيتون؟
اعترضَ الفادي على القرآن، في حديثِه عن شجرةِ الزيتون، التي تَخرجُ
من طورِ سَيْناء، واعتبرَ هذا خطأً جغرافياً في القرآن.
والآيةُ التي أَخبرتْ عن ذلك هي قولُ اللهِ: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) .
تتحدثُ الآيَتانِ عن بعضِ النّعَمِ التي تَنشأُ عن إِنزالِ الماءِ من السَّماء،
ويتنَعَّمُ بها النّاسُ على وجْهِ الأَرض، منها الفواكهُ الكثيرةُ التي يأكلونَ منها،
ومنها جَنّاتُ النخيل وجَنّاتُ الأَعناب.
ومن تلك النعمِ شجرةُ الزيتون المباركة، التي تَخرجُ من طورِ سَيْناء،
والتي يُؤْخَذُ منها الزَّيْت، الذي يَصلُحُ أَنْ يكونَ دُهْناً للشَّعَر والجِسْم، ويَصلحُ أَنْ يَكونَ صِبْغاً للآكلين، يَصبغُ به الآكِلونَ طعامَهم، ويَأكلونَه مع الزعتر أَو غَيْرِه.
وخَطّأَ الفادي هذا الكلام، فقال: " ونحنُ نَسأل: لَمْ تشتهرْ صَحراءُ سيناء
الجرداءُ بِشَجَرِ الزيتون.
أَلم يكن الأَجْدَرُ أَنْ تُذْكَر فلسطينُ بزيتونِها،
стр. 45
لا سيناءُ التي من قَحْطِها أَرسلَ اللهُ لبني إِسرائيل فيها المَنَّ من السماء؟ (١) .
نقول بداية: المرادُ بطورِ سَيْناءَ في الآية شبهُ جزيرةِ سيناءَ المعروفة،
وفيها جبلُ الطورِ المعروف، الذي ناجى موسى ﷺ ربَّه عليه.
وذُكرتْ " سَيْناءُ " مَرَّتَيْن في القرآن: المرةُ الأُولى في سورةِ المؤمنون،
والمرةُ الثانيةُ في سورة التين، في قول الله : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) .
و" سَيْناءُ " الآنَ صحراءٌ في معظمِها، وفيها مناطقُ زراعيةٌ خَصْبَة، وفي
هذه المناطقِ الزراعيةِ أَشجارُ زيتونٍ جيدة، فزراعةُ الزيتونِ ناجحةٌ فيها.
واعتراضُ الفادي على الآية مردود، لوجودِ أَشجارِ زيتونٍ حتى الآنَ في
الأَراضي الزراعيةِ في سيناء، ووجودُ هذه الأَشجارِ حتى الآنَ يدل على أَنَّ
منطقةَ سَيْناءَ كانتْ منطقةَ زَيْتونٍ في الماضي البعيد، يوم كانَتْ أَراضيها خصبة، قبلَ أَنْ تتحوَّل إِلى صحراء!.
والدليلُ على هذا كلماتُ الآيةِ نفسِها، حيثُ قال تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) ..
إِنَّ كلمةَ " شجرةً " منصوبة، لأَنها معطوفة على " جَناتٍ "
قبلَها، التي هي مفعول به لفعْلِ " أَنشانا ".
في قوله: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ) والتقديرُ: أَنشانا لكم بالماءِ جناتٍ من نخيل، وأَنشأنا لكم به شجرةً
خارجةً من طورِ سَيْناء!.
وإِنشاءُ الشيءِ إِيجادُه من العَدَمِ أَوَّل مَرَّة.
واختيارُ فعْلِ " أَنشأَ " في الآيةِ مقصود، لأَنه يشيرُ إِلى أَول مَرَّةٍ في التاريخ، ظهرتْ فيها جناتُ النّخيل والأَعناب وأَشجارِ الزيتون، ولعلَّ إِنشاءَ أَشجارِ الزيتون على الأَرضِ كانَ قبلَ خَلْقِ آدمَ ﷺ بفترةٍ طويلة.
ولا يَعلمُ إِلّا اللهُ كيفَ كانَتْ " سيناء " عندما أُهبطَ
آدمُ إِلى الأَرض!!.
فالآيةُ تتحدثُ عن إِنشاءِ شجرةِ الزيتونِ لأَوَّل مَرَّة، وليس عن المناطقِ
والأَراضي التي تَنبتُ فيها شجرةُ الزيتونِ في هذا الزمان.
ثم إِنَ حرفَ الجَرِّ " مِنْ " في الآيةِ يُقَرِّرُ هذا المعنى، فهو هنا للابتداء،
стр. 46
والمرادُ به الابتداءُ الزماني.
والمعنى: كان ابتداءُ إِنشاءِ وإِخراجِ شجرةِ الزيتون
في منطقة سيناء: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) .
وهذا الابتداءُ كانَ قبلَ آدمَ ﷺ .
فاعتراضُ الفادي على الآيةِ دليلُ جهلِه وغبائِه، لأَنه " أَسيرُ " هذا الزمان،
الذي رأيْنا فيه سيناءَ صحراءَ جرداء.
حتى الكتابُ المقَدَّسُ الذي يؤمنُ به القِسّيسُ الفادي يُخبرُ أَنَّ الزيتونَ
كان منتشراً مَعْروفاً من قديمِ الزمان، وذَكَرَ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوينِ من العهدِ القديم أَنَّ الزيتونَ كان مَعْروفاً قبل الطوفان، وزَعَموا أَنه بينما كان نوحٌ ﷺ في السفينة، والطوفانُ قد غَطّى كُلَّ شيء حتى قمم الجبال، أَرادَ أَنْ يَعرفَ ماذا جرى خارجَ السفينة، فأَطلقَ الحمامةَ من السفينة، فعادَتْ لأَنها لم تجدْ مكاناً تقفُ عليه، وبعد فترةٍ أَطلقَ الحمامةَ مرةً ثانية، فعادَتْ وفي فمِها " غُصْنُ زيتون "، ومن يومِها سُمِّيت الحمامةُ حمامةَ السلام، وصارَ شعارُ السلامِ الحمامةَ وغصنَ الزيتون!! فعودةُ الحمامةِ زمنَ نوحٍ ﷺ ومعها غصنُ زيتونٍ
دليل على أَنَّ الزيتونَ كان معروفاً زمنَ نوحٍ ﷺ .
إِنَّ قولَه تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) يُشيرُ إِلى ابتداءِ إِنشاءِ
الزيتونِ في التاريخِ البعيد، وأَنَّ بدايةَ هذه الشجرة كانَتْ عندَ طورِ سيناء، ثم انتشرَتْ من هناكَ إِلى باقي بلدانِ حوضِ البحرِ الأَبيضِ المتوسط، في شمالِه
وجنوبِه وشرقِه! وهذا يُشيرُ إِلى أَنَّ " سَيْناء " كانتْ أَراضِيَ زراعيةً خصبة، ثم
صارتْ صحراءَ جرداءَ بعد ذلك! ولعلَّ تَحَولَها إِلى صحراءَ كان في زمنِ
تدميرِ قومِ لوطٍ ﵇، الذي نشأَ عنه جيولوجياً حفرةُ " الانهدام " الكبير، الذي يبدأُ من شمالِ سورية، مروراً بسهْلِ الغاب، ونُزولاً إِلى الغور، ثم البحرِ الميت، ثم وادي عربة، فالبحر الأحمر، حتى مضيقِ بابِ المندب والقرنِ الإفريقي!!.
وهناك صلةٌ وثيقةٌ بين كونِ شجرةِ الزيتون المباركة، تَنشأُ وتَخرجُ لأَوَّلِ
стр. 47
مرةٍ من أَرضِ سيناءَ، وجبلِ الطور المقدَّسِ فيها، وبجانبِه وادي طُوى
المقَدَّس!!.
***
هل الشمس ثابتة ؟
وقفَ الفادي وقفةً غبيةً أمامَ حديثِ القرآنِ عن جريانِ الشمس، الذي
وَرَدَ صريحاً في قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) .
نَقَلَ من تفسيرِ البيضاوي خمسةَ أَقوالٍ في معنى اللّامِ في جملةِ:
(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) ، وفي بيانِ معنى هذه الجملةِ القرآنية:
١ - الشمسُ تَجْرِي لحدٍّ معينٍ يَنْتهي إِليه دَوْرُها.
٢ - أَو: الشمسُ تَجري لكبدِ السماء، فإِنَّ حركَتَها هناكَ أَبطأُ، بحيثُ يُظَنُّ
أَنَّ لها وقْفَة.
٣ - أَو: الشمسُ تجري لاستقرارٍ لها على نَهْجٍ مخصوص.
٤ - أَو: الشمسُ تَجري لمنتهى مقدَّرٍ لكلِّ يومٍ من المشارقِ والمغارب.
٥ - أَو: الشمسُ تجري لمنقطعِ جَرْيِها عند خرابِ العالَم!.
والأَقوالُ الخمسةُ متقاربةٌ في المعنى.
و" مُسْتَقَرٌّ ": اسْمُ مكان، وهو مكانُ استقرارِ الشمس.
والشمسُ لا تستقرُّ إِلّا عندما تتوقَّفُ عن الجريانِ والسَّيْر، وهذا يكونُ عند قيامِ الساعة!.
والراجحُ أَنَّ اللامَ في: (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) بمعنى " إِلى "، وحرفُ " إِلى "
يدلُّ على الغايةِ والنهاية، فمعنى الآية: آيةٌ للناسِ في الشمس وجريانِها، فهي
стр. 48
تجري بسرعةٍ محدَّدَة، منذُ أَنْ خَلَقها الله، وستَبْقى تَجْري بنفسِ السرعةِ التي
حَدَّدَها لها الله، إِلى أَنْ تَبلغَ مُسْتَقَرَّها، وتَصلَ إِلى مكانِ استقرارِها، وهو ما
سيكونُ عند قيامِ الساعة!.
وهذا ما قصدَه الإمامُ البيضاويُّ بقولهِ: " (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) : " لحَد مُعَيَّنٍ يَنتهي إِليه دورُها، شُبِّهَ بمستقَرِّ المسافرِ إِذا قَطَعَ مَسيرَه..
وقولِه: " أَو لمنقطعِ جَرْيها عندَ خَرابِ العالم ".
إِنَّ الآيةَ تصرحُ بأَنَّ الشَّمْسَ تَجْري وتَتَحركُ وتَسير، وتَسيَحُ في الفضاء،
وهي في حالةِ جَرَيانٍ دائم، بدونِ تَوَقُّف، إِلى أَنْ تَصِلَ مُسْتَقَرَّها، وتبلغَ
نهايتَها، وهذا عندَ قيامِ الساعة.
وهذا كلامٌ لا يُوافقُ عليه القِسّيسُ الفادي، ويَعتبرُه خَطَأً في القرآن، لأَنَّه
يرى أَنَّ الشمسَ ثابتة لا تَجْري ولا تَتحرك.
ولذلك اعترضَ عليه قائلاً: " ونحنُ نَسْأَل: الشمسُ ثابتة، تَدورُ حولَ
نفسِها، ولا تَنتقلُ من مكانها، والأَرضُ هي التي تَدورُ حولَها، فكيفَ يَقولُ
القرآنُ: إِنَّ الشمسَ تَجْري، وإِنَّ لها مُسْتَقَرَّاً تَسيرُ إِليه؟ ! ".
وما يقولُه الفادي يُخالفُ مقرراتِ الفَلَكِ المعاصِرِ، فقد كانَ علماءُ
الفَلَكِ السابقونَ يَظُنّونَ أَنَّ الشمسَ ثابتة في مكانِها، لا تَجري ولا تَتحرك..
ولكنْ ثَبَتَ في الفَلَكِ حَديثاً أَنَّ الأَرضَ تَجري، وأَنَّ الشمسَ تَجري، وأَنَّ
الكواكبَ تَجري، وأَنَّه لا أَحَدَ ثابتٌ واقفٌ في مكانِه، وكلّ في فَلَكٍ يَسْبَحون، وسَيَبْقى جَرَيانُ هذه الكواكبِ إِلى أَنْ تَبْلُغَ مستقرَّها، فتتوقَّفَ عن الجَرَيان، وهذا عندَ قيامِ الساعة!.
إِنَّ الفادي هو الذي أَخْطَأَ خَطَأً جُغْرافياً فَلَكيّاً عندما زعمَ أَنَّ الشمسَ
ثابتة، لا تنتقلُ من مكانِها، وأَنَّ القرآنَ أَخْطَأَ عندما أَخبرَ أَنها تَجري لمستقَرٍّ
لها ...
فما قالَه القرآن فهو الصواب، المتفقُ مع آخرِ مُقَرَّراتِ علْمِ الفَلَكِ
стр. 49
الحديث، وما قالَه الفادي فهو الخطأُ، المتعارضُ مع تلك المقَرَّرات!!.
واتفاقُ القرآنِ مع اَخرِ مُقَرَّراتِ عِلْمِ الفَلَكِ الحديث يدل على أَنَّ القرآنَ
من عندِ الله.
ووقعَ الفادي في مُغالطةٍ مفضوحة، عندما نَقَلَ عن تفسيرِ البيضاوي قولاً
بوجودِ قراءةٍ أُخرى في قولِه تعالى: (تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) .
قالَ البيضاوي: " وقُرِئ ": " لا مُسْتَقَرَّ لها ".
أَيْ: لا سُكونَ لها، فإِنها متحركةٌ دائماً، ولا مستقرَّ لها، على أَنَّ " لا " بمعنى: " ليس ".
وعَلَّقَ الفادي على ذلك بقوله: " وأَمّا القولُ بوجودِ قراءةٍ في القرآن: أَنَّ
الشمسَ تَجْري ولا مستقرَّ لها، فيدلُّ على اختلافِ قراءاتِ القرآن اختلافاً يُغَيِّرُ المعنى، مما يَطعنُ في سَلامةِ القرآنِ وصحَّتِه.. ".
الفادي جاهل، لا علْمَ له بالقراءات، ومع ذلك يَتَعالَمُ على القرآنِ
وقراءاتِه.
إِن من البدهيّاتِ المقَرَّرةِ أَنَ القراءاتِ الصحيحةَ " توقيفيةٌ " من عندِ الله،
واللهُ هو الذي أَنزلَها على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، وأَذِنَ أَنْ تُقْرَأَ بما تُقْرَأُ به!!.
ولا تُقْبَلُ أيةُ قراءةٍ قرآنية إِلّا إِذا اجتمعَتْ فيها شروطٌ ثلاثة:
١ - أَنْ تكونَ القراءةُ صحيحةَ السَّنَد، منقولةً عن رسولِ الله ﷺ .
٢ - أَنْ تكونَ القراءةُ موافقةً لرسْمِ المصحفِ العثماني.
٣ - أَنْ تكونَ القراءةُ موافقةً لقواعِدِ اللغةِ العربية.
فإِذا اخْتَلَّ شرطٌ من هذه الشروطِ كانت القراءةُ شاذَّةً مردودة، وليستْ
قرآناً.
وقد سَجّلَ العلماءُ القراءاتِ الصحيحةَ المقبولة، التي توفرتْ فيها
الشروطُ الثلاثة.
والقراءاتُ الصحيحةُ عَشْرُ قراءات، منسوبةٌ لأَئمتها القُرّاء، وهي: قراءةُ
стр. 50
نافع، وقراءةُ عاصم، وقراءةُ الكسائي، وقراءةُ حمزة، وقراءةُ ابن كثير، وقراءةُ ابن عامر، وقراءةُ أبي عمرو، وقراءةُ أبي جعفر، وقراءةُ يعقوب، وقراءةُ خلف.
وأَشهرُ القراءاتِ الشاذة أربعة، وهي: قراءةُ الحسن البصري، وقراءةُ
الأَعمش، وقراءةُ ابن محيصن، وقراءةُ اليزيدي.
وقد أَجمعَ القراءُ العشرةُ على قراءةِ قولِه تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) بكسرِ اللّامِ والتنوين في " لِمُسْتَقَرٍّ "، فليس فيها قراءةٌ صحيحةٌ
أُخرى..
وما ذَكَرَه البيضاويُّ من القِراءةِ بحرفِ: " لا ": " لا مُسْتَقَرَّ لها "،
ليستْ قراءةً صحيحة، ولا من القراءاتِ الأَربعِ الشاذَّة، وإِنما هي موضوعةٌ
باطلة، وليستْ قرآناً!.
ولقد كان الفادي جاهِلاً عندما اعتمدَ هذه القراءةَ الموضوعةَ الباطلة،
واعتبرها قرآناً! وكان مُتَحاملاً مُغْرِضاً عندما بنى على هذا الكلام الباطل نتيجةً باطلة، وذلك في قوله: " وأما القولُ بوجودِ قراءةٍ في القرآن أَنَّ الشمسَ تَجري ولا مستقرَّ لها، فيدلُّ على اختلافِ قراءات القرآنِ اختلافاً يُغَيِّرُ المعنى، مما يَطعنُ في سلامةِ القرآنِ وصحَّته ".
إِنَ الفادي المفترِي يَزعُمُ أَنَّ اختلافَ القراءاتِ في القرآن يُغَيِّرُ المعْنى،
وهذا زَعْمٌ مردود، وكلُّ مسلم له علمٌ بالقراءاتِ يَعلمُ بُطْلانَ هذا الزعم،
ويوقنُ أَنَّ الاختلافَ بين القراءاتِ العشرِ الصحيحةِ اختلافٌ يَسير، لا يُغيرُ
المعْنى، ولا يُؤَدّي إِلى التعارض والتناقضِ والاضطراب، وإِنما تَلْتَقي كُلُّ
القراءاتِ على تقريرِ المعنى.
وهذا علمٌ نفيس، من أنفسِ علومِ القرآن، يُسَمّى " علْم توجيهِ القراءات "!.
ويريدُ الفادي المفترِي الوصولَ إِلى هدفِه الخبيث، وهو الطعْنُ في سلامةِ
القرآنِ وصحتِه، ورفْضِ كونِه من عندِ الله، فالاختلافُ في المعنى يطعنُ في
سلامةِ القرآنِ وحفْظِه! ووجودُ الأَخطاءِ في القرآن يَنفي كونَه وَحْياً من عندِ الله!
стр. 51
إِن القرآنَ كلامُ الله، وقد حَفِظَه الله، ونَزَّهَه عن التغييرِ والتبديلِ، والزيادةِ
والنقص، فلا خَطَأَ في القرآن، ولا تَعارُضَ بين قراءاتِه، ولا تَناقُضَ في معانيه.
***
القمر كالعرجون القديم
ذَكَرَ الفادي آيتيْنِ من سورةِ يس تتحدَّثان عن القمر، وهما قولُ اللهِ : (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) .
اكتفى الفادي بذكْرِ تَفسير البيضاويِّ لهاتَيْنِ الآيَتيْن، وذَكَرَ منازِلَ القمر
الثمانيةَ والعشرين، التي ينزلُ فيها خلالَ الشهر، وبيان معنى العرجونِ القديم، وكلُّ كوكبِ من الكواكبِ في فَلَكٍ يَسبحُ فيه في الفضاء.
ولمَ يُسجل اعتراضَه على الآيَتيْن، ولم يذكُرْ ما رآهُ خَطَأً جغرافياً فلكيّاً
فيها، فبقيَ الاعتراضُ في بطنِه! ولا نعرفُ ما الذي لا يُعجبُه من الآيات،
حتى نردَّ عليه ونبينَ سوءَ فهمه.
والعُرجونُ جَريدُ النخل " الشِّمْراخ " الدقيقُ الرفيعُ القديمُ العتيقُ اليابس،
ومنازلُ القمر هي التي ينزل فيها على مدارِ الشهرِ القمري!.
***
أسطورة جبل قاف
اعترضَ الفادي على القرآنِ لورودِ كلمةِ " قاف " فيه.
وهي المذكورةُ في أَولِ سورة " قَ "، في قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) .
واعتبرَ القرآنَ كتابَ أَساطيرٍ وخرافات، لوجودِ هذه الكلمةِ " قاف " فيه.
стр. 52
ونَقَلَ عن كتاب " عرائسِ المجالس " للثَّعْلَبِيّ أَنَّ اللهَ خلقَ جبلَ " قاف "،
من زبرجدةٍ خضراء، وجعلَه جَبَلاً عظيماً، مُحيطاً بالأَرضِ كُلِّها!!.
ونقلَ عن كتابِ " قصص الأَنبياء " - هو نفسهُ " عرائسُ المجالسِ " للثَّعْلَبِيّ -
أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ سلام ﵁ سأَلَ رسولَ الله ﷺ عن أعلى جبلٍ في الأَرض؟
فأَخبره أَنه جبلُ " قاف "، وأَنَ ارتفاعَه مسيرةُ خمسمِئة سنة، وأَنَّ طولَه مسيرةُ أَلفي سنة، وأَنه مخلوقٌ من زمردٍ أَخضر.
وعَلَّقَ الفادي على هذا بأَنَّ أَوَّلَ مَنْ تكلمَ عن جبلِ قافِ المحيطِ
بالأَرضِ هو الكتابُ الدينى اليهودي " حَكيكاه "، عندما فَسَّرَ كلمةَ: " توهو بوهو " المذكورةَ في أَولِ جملةٍ في سِفْرِ التكوين، الذي هو أَولُ أَسفارِ العهدِ القديم.
ونقلَ عن " حَكيكاه " أَنَّ معنى كلمةِ " توهو " العبرية هو: الفضاءُ والفراغ.
وأَنَّ المرادَ بها الخطُّ الأَخضرُ المحيطُ بجميعِ العالَم..
ولما أَرادَ العربُ تَعريبَ كلمةِ " توهو " العبريةِ سَمّوها " قاف ".
وبَعدما ذَكَرَ هذه الخرافةَ الأُسطورية، نَسَبَها إِلى القرآن، وقال: " فالكلمةُ
العبريةُ المترجمةُ " الخَط " هي " تاء "، ولما سَمِعَها الصحابةُ لم يَعْرِفوا معناها أَنَّهُ
الخَطّ، وتوهموا أَنّها سلسلةُ جبالٍ عظيمةٍ اسْمُها " قاف "!!.
فكيفَ يَعتبرُ القرآنُ ما نُسَمّيه " الأُفُق " أوهو خَطّ وَهْمِيٌّ، جَبَلاً
حقيقياً؟ " (١) .
إِنَّ كتابَ الثعلبيّ " عرائس المجالس في قصص الأنبياء " مرفوضٌ عند
العلماء، ولا يَصلحُ أَنْ يكونَ مرجعاً في كتبِ التفسير وقَصصِ الأَنبياء، ومعظمُ الحكاياتِ والأَخبارِ والرواياتِ التي فيه موضوعة ومردودة، وهي خُرافاتٌ وأَساطير، مأخوذةٌ عن الإِسرائيلياتِ المردودةِ الباطلة.
стр. 53
وما أَخَذَه الفادي منه باطلٌ ومردود، لأَنه ضمنَ الخرافاتِ والأَساطير
التي مَلَأَتْ كتابَه! ولا يتحملُ القرآنُ ما في " عرائسِ المجالس " من أَخطاءٍ
وخرافاتٍ وأباطيل!.
وما أَوردَه الثعلي من حوارٍ بينَ عبدِ الله بن سلام ﵁ وبينَ رسولِ الله ﷺ مردود، لأَنه روايةٌ موضوعةٌ باطلة.
وحكايةُ جبلِ " قاف " الأَخضرِ المحيطِ بالأَرضِ كلها، خُرافةٌ وأُسطورة،
باطلةٌ مردودة، لم يَقُلْ بها أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين المحَقِّقين!!.
ونحنُ مع الإِمامِ الحافظِ المفسِّر ابنِ كثير ﵀ في رَدّ هذه الخرافة.
قال: " وَقَدْ رُوِيَ عن بعضِ السلف أَنهم قالوا: قاف: جبلٌ محيطٌ بجميعِ
الأَرض، يُقالُ له: " جَبَلُ قاف ".
وكأَنَّ هذا - واللهُ أَعلم - من خُرافاتِ بني إِسرائيل، التي أَخَذَها عنهم بعضُ الناس، لِمَا رأوا من جوازِ الروايةِ عنهم مما لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّب ...
وعندي أَنَّ هذا وأَمثالَه وأَشباهَه من اختلاقِ بعضِ زَنادقتِهم، يُلَبِّسونَ به على الناسِ أَمْرَ دينهِم، كما افْتُرِيَ في هذه الأُمةِ مع جلالةِ قدرِ علمائِها وحُفّاظِها وأَئمتِها أحاديثُ عن النبي ﷺ ، وما بالعهدِ من
قِدم، فكيفَ بأُمَّةِ بني إِسرائيل، مع طولِ المدى، وقلةِ الحُفّاظِ النّقّادِ فيهم،
وشُرْبِهم الخمور، وتحريفِ علمائِهم الكلمَ عن مواضعِه، وتبديلِ كتبِ اللهِ
وآياتِه..
وإِنما أَباحَ الشارعُ الروايةَ عنهم في قوله: " وحَدّثوا عن بني إِسرائيلَ
ولا حَرَجَ " فيما قد يُجَوِّزُهُ العقل، فأما فيما تُحيلُه العقول، ويُحْكَمُ فيه
بالبطلان، ويَغلبُ على الظنونِ كذبُه، فليس من هذا القبيل..
واللهُ أَعلم.. ".
إِنَّ ابنَ كثير يرفضُ أُسطورةَ " جبلِ قاف " المحيطِ بالأَرض، ويَعتبرُها من
رواياتِ بني إِسرائيل، ويجعلُها خُرافةً تَتناقضُ مع العقل!.
وبما أَنها مرفوضةٌ مردودة، فإِنَّ القرآنَ لا يَحْملُ وِزْرَها، ولا يُسْتَشْهَدُ بها
стр. 54
على وجودِ الخَطأ في القُرآن، كما فَعلَ المفترِي المتحامل!!.
و" ق " الذي بَنى عليه الفادي أُسطورتَه وخُرافتَه ليس اسْماً لجَبَل، وإِنما
هو أَحَدُ حروفِ الهجاء، سَمَّى اللهُ به هذه السورة، وافتتحها به، ثم أَقسمَ بعد ذلك بالقرآن على صدْق نبوةِ محمدٍ ﷺ : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) .
ومن المعلومِ أَنَّ اللهَ افتتحَ بعضَ سورِ القرآنِ ببعضِ حُروفِ الهجاء، مثل
سور: ن، و: ق، و: ص، و: يَس، و: طه ...
стр. 55
الفصل الثاني نقض المطاعن التاريخية
стр. 56
هل كان هامان وزيراً لفرعون ؟ "
فرعونُ ": لَقَبٌ يُطْلَقُ على مَنْ حكمَ مصرَ زمنَ موسى ﷺ .
وقد أَخبرَ القرآنُ أَنَّ وزيرَ فرعونَ الأَولَ اسْمُه " هامان ".
قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) .
وقال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) .
وقال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) .
ويَعترضُ الفادي على هذا، ويعتبرُه خَطَأً تاريخيّاً فى القرآن، لأَنَّ هامانَ
كان وَزيراً للملكِ الفارسي.
قالَ: " يَقولُ القرآنُ: إِنَّ هامانَ كانَ وزيرَ فرعون بينما يُثْبِتُ التاريخُ أَنَّ
هامانَ كانَ وزيراً لأَحْشَويرش، وأَنَّ بينَ فرعونَ وهامان زهاءَ أَلْفِ سَنة! ثم إِنَّ
فرعونَ كان ملكَ مصر، وكان هامانُ وزيراً في بابل! وما أَبْعَدَ الزمانَ والمكانَ
بينَ فرعونَ وهامان، فكيفَ يكونُ هذا وَزيراً لذاك؟!
ويَقولُ سِفْرُ أَستير في التوراة: إِنَّ هامانَ كان وزيراً وخليلاً لأَحْشويرش ملكِ الفرس، الذي يَدْعوهُ اليونانُ زَرْكيس! " (١) .
стр. 57
يَرى الفادي أَنَّ هامانَ لا يُمكنُ أَنْ يكونَ وزيراً لفرعون، للفرقِ بينهما
في الزمانِ والمكان، ففرعونُ كانَ زَمَنَ موسى ﷺ ، وهامانُ كان وزيراً للملكِ " أَحشويرش "، وذلك بعدَ حوالي أَلْفِ سنة من وفاةِ فرعون!!.
وأَخَذَ الفادي معلوماتِه من سِفْرِ أَستيرَ في العهدِ القديم، وهو السّفْرُ الذي
كَتَبَه أَحبارُ اليهود، وسَجَّلوا فيه التفاصيلَ المثيرةَ لاستيلاءِ اليهودِ على الحكمِ
في بلادِ فارس، وإِبادةِ خصومِهِم من الفرسِ الوطنيّين.
وخلاصَةُ سِفْرِ أَستيرَ أَنَّ " هامانَ " كانَ وزيراً عند الملكِ الفارسيِّ
أَحشويرش، وكان اليهوديُّ " مردخاي " يَعملُ عند الملِك، وحصلَ نزاعٌ بينَ هامانَ الفارسيِّ ومردخاي اليهودي، وتمكنَ مردخايُ من توصيلِ ابنةِ أَخيه الفاتنةِ " أَسْتير " إِلى الملك، حيثُ تزوجَها، وتمكَّنَ هامانُ من إِقناعِ الملكِ بإِصدارِ أَمْرِه بقتْلِ اليهودِ في الدولةِ الفارسية، لما يقومون به من إِفسادٍ
وتخريب..
لكنَّ الملكةَ أَستير وعَمَّها مردخاي تمكَّنا من إِلغاءِ الأَمْرِ الملكيّ
السابق، وإِصدارِ أَمْرٍ مَلَكي آخر، بإِبادةِ مَنْ كانوا مع هامان، وقَتَلَ الملكُ
وزيرَه هامان، وقَضى على رجالِه، وانتصرَ اليهودُ في صراعِهم مع الفرسِ
الوطنيين، وتحكَّموا في الدولةِ الفارسيةِ إِلى حين، وخَلَّدَ الأَحبارُ اليهودُ مؤامرةَ أَستير، بأَنْ جَعَلوها أَحَدَ أَسفارِ التوراة.
ونحن نتوقَّفُ في قَبولِ أَخبارِ سِفْرِ أَستير، فلا نُصدقُها ولا نُكَذّبُها، وهذا
موقفُنا من أَخبارِ وأَحداثِ العهدِ القديم ورواياتِ الإِسرائيليات، الذي أَرشدَنا إِليه رسولُ اللهِ ﷺ ، حيثُ قال: " إِذا حَدثَكم بنو إِسرائيل، فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم، فإِنكم إما أَنْ تُصَدِّقوا بباطِل، وإِمّا أَنْ تُكَذِّبوا بحَقّ "!..
ومعلومٌ أَنَّ أَحبارَ اليهودِ هم الذين أَلَّفوا وصاغُوا وكَتَبوا أَسفارَ العهدِ القديم، وأَنَّهم مَلَؤُوها بالافتراءِ والكذبِ والادعاء، ونَسَبوها إِلى اللهِ زوراً وبُهتاناً، فهم ليسوا
стр. 58
أُمناءَ على التاريخ، وليسوا صادقين فيما يوردونَه من أَخبارٍ وأَحداث! ولذلك نتوقَّفُ في قَبولِ كَلامِهم، فلا نُصَدِّقُه ولا نُكَذّبُه!.
وَهَبْ أَنَّ ما وردَ في سِفْرِ أَستيرَ صَحيح، وأَنَّ وَزيرَ أَحشويرش اسْمُه
هامان، فلا يَلزمُ من ذلك أَنْ يكونَ هامانُ وزيرُ مَلِك فارس هو هامان وزيرَ
فرعونَ ملكِ مصر! إِنَّ هذا مستحيل، لوجودِ فترةٍ زمنية طويلة بينهما قد تَزيدُ على أَلْفِ سنة!.
إِنهما وزيران، كلٌّ منهما اسْمُه هامان:
هامانُ الأَول: وهو الذي أَخْبَرَ عنه القرآن، وكانَ الوزيرَ عند فرعون،
الذي يحكمُ مصرَ باسْمِه، ويُنَفِّذُ أَوامِرَه.
وهامان الثاني: وهو الذي وَرَدَ الكلامُ عنه في سِفْرِ أَستير، وكانَ وزيراً
عند ملك الفرس.
وبينَ الوزيرين بُعْدٌ في المكان، وبُعْدٌ في الزمان.
وبهذا يَسقطُ اعتراضُ الفادي، الناشئُ عن جهلِه وغبائِه، فوجودُ هامانَ
الثاني عند ملكِ الفرس لا يُلغي وُجودَ هامانَ الأَولِ عند فرعون.
ومعلومٌ أَن تِكرارَ الأَسماءِ أَمْرٌ موجودٌ في حياةِ الناس، لا ينكرهُ عاقل!!.
***
حول تعاون هامان وقارون مع فرعون
أَخْبَرَ القرآنُ أَنَّ هامانَ وقارونَ كانا كافرَيْن، متعاونَيْن مع فرعون، وقَرَنَ
القرآنُ بين الطغاةِ الثلاثة.
قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) .
وقال تعالى: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) .
стр. 59
وقد سَبَقَ أَن اعترضَ القِسّيسُ الفادي على كونِ هامانَ وَزيراً عنْدَ
فرعون، وَرَدَدْنا عليه فىِ الاعتراضِ السابق!.
وأَعادَ اعتراضَه على هامانَ في سياقِ اعتراضِه على قارون، واعتبرَ
هذا خطأً تاريخيّاً في القرآن! قال: " يَتبادَرُ للذهنِ من هذه الآيات ِ أَنَّ قارونَ
وهامانَ مصريّان من قومِ فرعون، وأَنّهما مع فرعونَ قاوَموا موسى في
مصر..
ولكن هذا خَطَأ، لأَنَ قارونَ إِسرائيليّ لا مصري، ومن قومِ موسى
لا من قومِ فرعون، كما جاءَ في سورةِ القَصص: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) " (١) .
ذِكْرُ قارونَ وهامانَ بجانبِ فرعونَ خطأٌ تاريخيّ في القرآن! هذا ما قَرَّرَهُ
الفادي الغَبي!!.
مع أَنَّه لا خَطَأَ في هذا الموضوع، وقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ هامانَ كان
الوزيرَ الأَوَّلَ عند فرعون، يُنفذُ أَوامِرَه، ويُشرفُ على حكْم مصرَ باسْمِه، وهو مصريّ فرعونيّ.
أمّا قارونُ فقد كانَ طاغيةً مع فرعون، كما صَرحَ القرآن: "وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) ..
ولا يلزمُ من هذا أَنْ يكونَ قارونُ فرعونيّاً مصريّاً، كما فَهم الفادي،
فقارونُ إِسرائيليّ من قومِ موسى، كما صَرَّحَ القرآن: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) .
ولكنَّهُ لم يؤمنْ بموسى ﷺ ، وإِنما كَفَرَ به وكَذَّبَه،
وانْحازَ إِلى عَدُوِّه فرعون، وأَيَّدَهُ ودَعَمَه وتَعاوَنَ معه في مقاومةِ موسى وحَرْبِه
والوقوفِ أَمامَه، فهو إِسرائيليّ كافِر، مُؤَيِّدٌ لفرعونَ المصري!.
وبهذا نَعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يُخطئْ عندما جَمَعَ بين الطغاةِ الثلاثة: هامانَ
المصري، وقارونَ الإِسرائيلي، وفرعونَ المتأله! واعتراضُ الفادي على ذلك
دليلُ جهْلِهِ وغبائِه!!.
هذه الآياتِ من سورةِ طه.
ولا نَعرفُ نحنُ شيئاً عن بدايةِ أَمْرِه، ولا عن علْمِه ومهارتِه، ولا عن نهايتِه، كلُّ ما أَشارَ إليه القرآنُ أَنَّ موسى ﷺ عاقَبَه بقوله:
(فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ) .
ونفهمُ من هذه الإِشارةِ أَنَّ موسى ﷺ عاقَبَ السامريَّ على جريمتِه بطرْدِه، وإخراجِه من بينِ بني إِسرائيل، ونَبْذِه، فذهبَ مَنْبوذاً مَطْروداً ...
ولا نعرفُ كَيفَ كَانتْ وفاتُه ونهايتُه!.
وقد اعترضَ الفادي على هذا، وخَطَّأَ القرآنَ في حديثهِ عنه.
وذلك في قولهْ " ونحنُ نسأل: السامرةُ مدينةٌ في فلسطين، لم يكن لها وجودٌ لَمّا خرجَ بنو إِسرائيل من مصر، وسافَروا في سيناء، فعملَ لهم هارونُ العجلَ الذهبيَّ كطلبِهم، فكيفَ نَتَخيَّلُ سامريّاً يصنعُ لهم العجلَ قبلَ أَنْ يكونَ للسّامريّين وجود؟ ! " (١) .
يَربطُ الجاهلُ بين السّامريِّ والسامريّين والسّامرة.
وأَرضُ السامرةِ هي منطقةُ نابلس المعروفةُ حاليّاً، ويَدَّعي الفادي أَنها لم تُسَمَّ السامرةَ إِلّا بعدَ أَنْ أَقامَ فيها السّامريّون، وهم طائفةٌ معروفةٌ من بني إِسرائيل، وسُمُّوا السّامريّين بعدَ وفاةِ موسى ﷺ بقُرون.
وبما أَنَّ السّامريَّ ابْنُهم - حسبَ فهم الفادي القاصِر - فكيفَ يكونُ موجوداً مع موسى ﷺ في سيناء؟
وكيف يولَدُ الابنُ قبلَ أَبيه وجَدِّه؟
إِذَنْ أَخطَأَ القرآنُ عندما اتَّهَمَ السامريَّ بصنْعِ العجل، وذهبَ
القرآنُ إِلى أَنَّ السامريَّ الابنَ خُلِقَ وعاشَ قبلَ مولدِ أَبيهِ وجَدِّه!!.
لقد كان السامريُّ مع بني إِسرائيلَ عندما كانوا في سيناء، ويبدو أَنه
إِسرائيليّ خرجَ معهم من مصر، لكنه كان إِسرائيليّاً كافراً، مثلَ قارونَ الذي
تحدَّثْنا عنه قبلَ قليل، ولذلكَ صنعَ لهم العجل ودَعاهم إِلى عبادته.
وبما أَنَّ " السامريَّ " إِسرائيليّ، كانَ معهم في مصر، فاسْمُه إِسرائيلي،
والكلمةُ إِسرائيلية، ولها معنى في اللغةِ العبريّة، ولهذا الاسمِ وجودٌ عند
الإِسرائيليّين، سواء كان اسْمَ شخصٍ أَو اسمَ قبيلة!!.
стр. 62
وهذا معناهُ أَنَّ " السّامريّين " مجموعةٌ من الإِسرائيليّين، قد يكونونَ فَرْعاً من
قبيلةٍ إِسرائيلية، ولعلَّهم سُمّوا بهذا الاسم نسبةً لاسْمِ " السامريّ "، ولعلهم كانوا من ذريةِ ذلك السَّامريِّ الذي عاقَبَه موسى ﷺ بسببِ صنعِه العجل، والذي لا نعرفُ كَيفَ كانَتْ نِهَايَتُه، فإذا كان أولادٌ وإخوةٌ وأقارب، فمن الممكنِ أَنْ يُسَمّوا " السّامريّين "، وأَنْ يَكونوا مَعْروفينَ بهذا الاسمِ من أيامِ موسى ﷺ !!.
ولما دَخَلَ بنو إِسرائيلَ أَرضَ فلسطينَ المقَدَّسَة، كانتْ منطقةُ نابلس تُسَمّى
أَرضَ شكيم الكنعانية، وسُمِّيَتْ أَرضَ السّامرة بعدَ ذلك، وهو اسْم إِسرائيليّ عِبريّ، ولعلَّ لعشيرةِ السّامريّين، المتولدةِ عن السّامريِّ صانعِ العجلِ دَوْراً في تسميةِ المنطقةِ بالسّامرة، ولعلَّهم أَقاموا في المنطقة، فسُمِّيَتْ باسمِهم!!.
فلا معنى لاعتراضِ الفادي على السّامريِّ في القرآن، واعتبارِهِ خَطَأً
تاريخيّاً في القرآن، فالسّامريُّ أَصْل للسّامريّين والسامرة، وُجِدَ قبْلَهم في الزَّمان.
ومعنى " السّامرة " في اللغةِ العبرية: " مركزُ المراقبةِ والحِراسَة ".
جاءَ في كتابِ " قاموس الكتاب المقدس ": " السّامرة: اسْم عبرانيٌّ معناه:
مركزُ الحارس.
وهي عاصمةُ الأَسباطِ العشرة، أَثناءَ أَطولِ مُدَّةٍ في تاريخِهم..
والمدينةُ واقعة على تَلّ، وسُمِّيَتْ " مكانَ المراقبة " ...
وتقعُ مدينةُ السامرة - أو سبسطية - على تَلٍّ على مسافةِ خمسةِ أَميالٍ ونصف شمالَ غربِ شكيم ...
والسّامرةُ أَيضاً اسْمُ الإِقليمِ الذي عاصِمَتُه مدينةُ السامرة، وهو الذي احتلَّه
الأَسباطُ العشرةُ، والسامرةُ اسْمُ المملكةِ الشمالية..
والسّامريّون هم السكانُ المتَّصلونَ بالمملكةِ الشمالية.. ".
إِنَ ما قالَه القرآنُ عن السّامريّ هو الحَقُّ والصواب، ولا خطأَ فيه، ولا
اعتراضَ عليه، فهو قَبْلَ السّامريّين في التاريخ، وهم من نسْلِه وذريته، ولذلك حَمَلوا اسْمه، ولما أَقاموا في تلكَ المنطقةِ سُمِّيَتْ باسمِهم، فالصلةُ بين
السّامريّ والسّامرةِ والسّامريّين وثيقة!!.
стр. 63
من هو أبو إبراهيم ﵇ -؟
أَخبرَ القرآنُ أَنَّ اسْمَ والدِ إِبراهيم ﵇ " آزرُ ".
قال الله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) .
وجعلَ الفادي هذا خَطَأً تاريخيّاً في القرآن، لأَنه يَتعارضُ مع الكتابِ
المقَدَّس.
قال: " والصوابُ في التاريخ، كما يَشهدُ الكتابُ المقَدَّس أَنَّ والدَ
إِبراهيمَ اسْمُه تارح، كما جاءَ في سِفْرِ التكوين " (١) .
اسْمُ والدِ إِبراهيمَ الواردُ في سِفْرِ التكوينِ " تارح "، ويَزعمُ اليهودُ
والنّصارى أَنَّ العهدَ القديمَ كلامُ الله، أَنزلَه على موسى وأَنبياءِ بني
إِسرائيلَ ﵈، مع أَنَّ اللهَ أَخبرَنا أَنَّ الأَحبارَ هم الذين أَلَّفوا العهدَ القَديم، وكَتَبوه بأَيْديهم، ونَسبوهُ إِلى اللهِ زوراً وبُهتاناً..
قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .
وهذا معناهُ أَنَّه ليسَ كلُّ ما في العهدِ القديمِ من عندِ الله، وإِنَّما كَثيرٌ منه
من عندِ الأَحبار، وهذا ليسَ صحيحاً بالضرورة، فمنه الصحيحُ ومنه الخَطَأ..
ومعنى هذا أَنْ نتوقَّفَ في قَبولِ كلّ ما وردَ في أَسفارِ العهدِ القديم، ولا نقبلُ
منه إِلا ما وردَ في القرآنِ أَو السنةِ مُصَدّقاً له.
وما سكتَ عنه القرآنُ والسنةُ نتوقَّفُ فيه ونَسكتُ عنه، فلا نصدِّقُه ولا نُكَذِّبُه.
أَما إِذا وردَ خَبَرٌ في القرآنِ يختلفُ عن ما وردَ في أَسفارِ العهدِ القديمِ،
فإِنَّ المعتمدَ هو ما وردَ في القرآن، لأَنَّ ما في القرآنِ كلامُ الله قطعاً، لا شَكَّ
стр. 64
ولا ريبَ فيه، وما خالَفَه فهو خطأ، وهو مما صاغَه وكَتَبَه الأَحْبار، ونَسَبوهُ
إِلى اللهِ زوراً..
هذه قاعدةٌ منهجيةٌ موضوعيةٌ في الصلةِ بينَ القرآنِ والعهدِ القديم.
ولا يَجوزُ أَنْ نُحاكمَ القرآنَ الثابتَ الصحيحَ المحفوظَ إِلى رواياتِ العهدِ
القديمِ المشكوكِ فيها، كما فَعَلَ الفادي.
بالنسبةِ لوالدِ إِبراهيمَ ﵇، ذَكَرَ الأَحبارُ أَنَّ اسْمَه " تارح "، وصَرَّحَ القرآنُ أَنَّ اسْمَه " آزر ".
والأَصْلُ أَنْ نعتمدَ ما صَرَّحَ به القرآن، لأَنه كلامُ اللهِ الثابتُ
والمحفوظ، فنقول: إِنَّ اسْمَه آزر.
ولا نَدْري من أَيْنَ جاءَ الأَحبارُ في العهدِ القديمِ باسمِ " تارح "! فإِمّا أَنْ
يكون له اسمان: آزرُ وتارح، فذكَرَ القرآنُ أَحَدَهما وذَكَرَ الأَحبارُ اسْمَه الثاني، وإِمّا أَنْ يكونَ ما قالَه الأَحبارُ خَطَأ، وأَن اسْمَه هو آزرُ فقط، لأَنه هو المصرَّحُ به في القرآن.
فالذي أَخَطَأَ في اسم والدِ إِبراهيمَ ﷺ ليس القرآن، لأَنَّ القرآنَ حَقّ لا خطأَ - فيه، وإِنما الذينَ أَخطؤُوا هم الأَحبارُ عندَ تأليفِهم أَسفارَ العهدِ القديم، فأَتَوْا باسمٍ يُخالفُ الذي في القرآن، وهذا مردودٌ عليهم!!.
***
حول أبي مريم وأخيها
ذَكَرَ القرآنُ اسْمَ والدِ مريم ﵍ أَنه عمران.
قال تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢) .
وذَكَرَ اسمَ أَخيها أَنَّه هارون.
قال تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) .
стр. 65
ومن المعلومِ أَنَ اسْمَ والدِ موسى ﵇ عمرانُ، وأَنَّ اسْمَ أَخيه
هارونُ ﵇.
فكيفَ يكونُ عمرانُ والداً لموسى ولمريم، وبينَهما مئاتُ السنين؟
وكيفَ يكونُ هارونُ أَخاً لموسى ولمريم، وبينهما مئاتُ السنين؟.
اعتبرَ الفادي هذا خَطَأً تاريخيّاً في القرآن.
قال: " ونحنُ نسأَل: يَقول الإِنجيلُ: إِنَّ مريمَ العذراءَ هي بنتُ هالي ألوقا: ٣ / ٢٢،، فكيفَ يقول القرآنُ: إِنها بنتُ عمران أَبي موسى النبي، وإِنها أُخْتُ هارون؟ مع أَنَّ بينَها وبينَ هارون وموسى وعمران أَلفاً وستمئة سنة! ".
قال القرآن: اسْمُ والدِ مريم هو عمران..
وقال إِنجيلُ لوقا: إِنَّ اسْمَه هو هالي! فما الذي نأخُذُه ونقول به؟.
سبقَ أَنْ ناقَشْنا هذا الأَمْرَ في الموضوعِ السابق، حول والدِ إِبراهيمَ ﷺ ، ونَدعو إِلى أَنْ نَستحضرَه هنا، فما قُلناهُ هناك عن التوراة، يَصلحُ أَنْ يُقال هنا عن الإِنجيل.
إِنَّ المعتمدَ هو ما قالَه القرآن، لأَنه هو المحفوظُ الصواب، فاسْمُ والدِ
مريمَ هو " عمرانُ "، واسمُ " هالي " في إِنجيلِ لوقا مردود، لتعارُضِه مع الاسمِ الواردِ في القرآن.
كيفَ عمرانُ والدُ موسى ووالدُ مريم؟
وكيفَ هارونُ أَخو موسى وأَخو مريم؟
وبينَ موسى ومريمَ أَلْفٌ وستمئة سنة؟
هذا خطأٌ تاريخى في القرآنِ في نظرِ الفادي! وهذا بسببِ جهلِ الفادي وغبائِه.
إِذا كانَ اسْمُ والدِ مريمَ عمرانَ، فلا يلزمُ أَنْ يكونَ هو عمرانَ والدَ
موسى ﷺ ، فهما رَجلانِ كل منهما اسْمُه عمران.
الأَوَّل: عمرانُ والدُ موسى ﷺ ، والثاني: عمرانُ والدُ مريم.
وَهناك رَجلانِ آخَران، كلّ منهما اسْمُه هارون.
الأَوَّل: هارونُ
стр. 66
النبيُّ ﷺ ، أَخو موسى ﷺ ..
والثاني: هارونُ أَخو مريمَ ﵇.
ومن المعلومِ أَنَّ النَّاس الصّالحينَ يُسَمّون أَبناءَهم بأَسماءِ الأَنبياءِ
والصالحينَ السابقين، تَفاؤُلاً وتَيَمُّناً وبَرَكَة، فكمْ من المسلمينَ مَنْ يُسَمّي ابْنَه
باسمِ محمدٍ، على اسمِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ ، وكم منهم مَنْ يُسَمّي ابنَه على اسمِ عمرَ أَو عثمانَ أَو على أَو خالدٍ رضي الله عن أَصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أجمعين.
فلم يقع القرآنُ في خطأ تاريخيٍّ، عندما أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَ والدِ مريمَ على
اسْمِ والدِ موسى، واسْمَ أَخيها على اسْمِ أَخي موسى.
فعمرانُ والدُ مريمَ غيرُ عمران والد موسى، وهارونُ أَخو مريمَ غيرُ هارونَ أَخي موسى ﷺ ، لأَنَّ بين العِمْرانَيْنِ والهارونَيْن حوالي أَلفٍ وستمئة سنة!!.
وقَديماً أَثارَ الرهبانُ هذا الاعتراضَ على القرآن، زمنَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وحَلَّ الرسولُ ﷺ هذا الاعتراض.
روى مسلم برقم: ٢١٣٥،، والترمذيُّ برقم: ٣١٥٥،، عن المغيرةِ بنِ
شعبةَ ﵁ قال: بَعَثَني رسولُ الله ﷺ إِلى نجران.
فقالوا: أَلَسْتُم تَقْرَؤون: (يا أخُتَ هَارُونَ) ؟.
قلتُ: بَلى!.
قالوا: وموسى قبلَ عيسى بكَذا وكذا؟ !.
فرجَعْتُ إِلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأَخْبَرْتُه.
فقالَ: " أَلا أَخْبَرْتَهم أَنهم كانوا يُسَمّونَ بالأَنبياءِ والصالحينَ قبلَهم؟! ".
عندما أَثارَ أَحَدُ رهبانِ نصارى نجران الإِشكالَ أَمامَ المغيرةِ بنِ شعبة ﵁، لم يَعرفْ بماذا يُجيبُه، لأَنَّ ذلك الراهبَ رفضَ أَنْ يكونَ هارونُ
أَخاً لمريم، لأَنه أَخٌ لموسى، وبَيْنَ موسى وعيسى ما بينَهما من مئاتِ السنين.
فلما سأَلَ المغيرةُ رسولَ الله ﷺ عن ذلك أَجابَه بأَنَّ الصالحينَ من بني إِسرائيل كانوا يسمون أبناءَهم بأسماءِ الأَنبياءِ والصالحين من قبلهم..
أَيْ: هُما رَجُلان: هارونُ أَخو موسى، ثم هارونُ أَخو مريم (١)(٢) .
стр. 67
هل هَمَّ يوسفُ ﵇ بالزنى ؟
أَساءَ الفادي فَهْمَ إِخبارِ القرآنِ عن ما جَرى بين يوسفَ ﷺ ، وبين امرأةِ العزيز.
وذلك في قولِه تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) .
وذَهَبَ إِلى أَنَّ القرآنَ اتهمَ يوسفَ ﷺ بالهَمِّ بالزنى بامرأةِ العزيز، وقال: " أَيْ: قَصدَتْ مخالَطتَه وقَصدَ مخالَطَتَها، والهَمُّ بالشيءِ قَصدُه والعَزْمُ عليه، ومنه " الهَمّامُ "، وهو الذي إِذا قَصَدَ شيئاً أَمْضاه.
وهذا القول يُناقضُ التاريخَ المقَدَّسَ الذي يقول: إِنَّها لما طَلَبَتْ منه الشَّرَّ
استنكرَ طَلَبها، وقال: كيفَ أَصنعُ هذا الشَّرَّ العظيم، وأُخطئُ إِلى الله؟! ".
ولما أَمسكَتْ بثوبِه تَرَكَهُ معها وهَرَب " (١) .
لم يفهم الفادي حديثَ القرآنِ عن مراودةِ امرأةِ العزيز ليوسفَ ﷺ ، وَرَدِّه على إِغرائِها ودعوتِها الجريئةِ له لارتكابِ الفاحشة، ولم يَفْهَمْ معنى الهَمِّ المذكورِ في الآية، واعتبرَ حديثَ القرآنِ الخاطئَ متعارِضاً مع حديثِ العهدِ القديمِ الصائبِ في نظره، وأَخَذَ جملةً من آياتٍ عديدةٍ تتحدَّثُ عن المراودة، وفَصلَها عن ما قبلَها واعْتَبَرها خطأً تاريخيّاً في القرآن.
ولا بُدَّ أَنْ ننظرَ في الآيات ِ التي أَخبرتْ عن المراودة، لنعرفَ الهَمَّ
المنسوبَ ليوسفَ ﷺ .
قال الله (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)
стр. 68
أَخبرَ القرآنُ أَنَّ امرأةَ العزيز راودَتْ فَتاها يوسفَ مراتٍ عديدة، وأَنه كانَ
يُقابلُ مراودتَها وإِغراءَها وفتنتَها بالتعفُّفِ والتَّرَفُّع، وهذا ما اعترفَتْ هي به
لنساءِ المدينة: قال تعالى: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) .
وازدادت المرأةُ عِشْقاً له، وكلَّما أَمعنَ يوسفُ في تعفُّفِه ورفْضِه المراودةَ
أَمْعَنَتْ هي في عشقِها وإِغرائِها وتهالكِها!!.
واضطرت المرأَة أَخيراً إِلى دعوتِه لمعاشرتِها دعوةً جريئةً صريحةً
مكشوفة، بعدما غَلَّقَت الأَبواب، لكنَّه تَرَفَّعَ بصراحَة: (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) .
وسيطرتْ عليها شهوتُها، وزادَ سُعارُها الشَّهوانيّ، وأَرادَتْ أَنْ يُعاشِرَها
بالقُوَّة، فَهَمَّتْ به، وعَزَمَتْ على مخالطتِه، وهَجَمَتْ عليه، والأَبوابُ مُغَلَّقَة: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) .
ولما رأى يوسفُ نفسَه في هذا الموقفِ المثير، أَرادَ أَنْ يتعفَّفَ ويُحَصنَ
نَفْسَه، فأَمامَه سيدتُه المتهالكةُ المثيرةُ المغرية، وهو الشابُّ القويُّ الممتلئُ،
فما الذي يعصِمُه منها، ويَحميه من فتنتِها وإِغرائِها؟
وما الذي يمْنَعُه من مقابلةِ هَمِّها بِهَمٍّ منه؟
إِنه قوةُ إِيمانِه ومراقبتِه لله!! لقد استحضَرَ هذا المعنى الإِيماني،
وهو في ذلك الموقفِ والجَوّ، وقَوّى بُرهانَ ربِّه في قلبِه وكيانِه، فمنَعَه هذا من
الهَمّ بها، أَو الرغبةِ في معاشرتِها، أَو التوجُّهِ إِليها، والعزمِ على ارتكابِ
الفاحشةِ معها!!.
стр. 69
وقد ذَكَرَ القرآنُ هذا في قوله: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) .
إِنَّ هذه الآيةَ تَنفي عن يوسفَ الهَمَّ بارتكابِ الفاحشة، بعد أَنْ أَثبتَتْ
لامرأةِ العزيزِ الهَمَّ والعزمَ والتصميمَ على ارتكابِ تلك الفاحشة!!.
وتتكوَّنُ الآيةُ من جملتَيْن: الأُولى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) .
الثانية: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) .
الواوُ في (وَهَمَّ بِهَا) : حرفُ استئناف، وليستْ حرفَ عطف.
ولو كانَتْ حرفَ عطفٍ لَعَطَفَتْ جملةَ " هَمَّ بها " على " هَمَّتْ به "، ويكونُ هَمّ كُلٍّ منهما مِثْلَ هَمِّ الآخر، أَيْ: هَمَّتْ هي بمعاشرتِه، وهَمَّ هو بمعاشرتِها! وهذا اتهامٌ ليوسفَ بالعَزْمِ على الزنى بها!.
وعندما تكونُ الواوُ حرفَ استئناف، يكونُ ما بعدَها جملةً استئنافيةً
جديدة، وهي جملةٌ شرطية: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) .
لولا: حرفُ شرط، يدلُّ على الامتناعِ لوجود.
وفعلُ الشرطِ جملةُ (أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وجوابُ الشرطِ مَحْذوف، دَلَّ عليه ما قَبْلَه.
والتقدير: لَهَمَّ بها.
فتكونُ الجملةُ هكذا: لولا أَنْ رأى بُرهانَ رَبِّه لَهَمَّ بها.
وبما أَنَّ " لولا " حرفُ امتناعٍ لوجود، فإِنَّها تُقَرِّرُ امتناعَ حصولِ جوابِ
الشرطِ لوجودِ فعلِ الشَّرط.
أَي: الذي مَنَعَ يوسفَ من الهَمِّ بها وجودُ بُرهانِ رَبِّه.
والمرادُ ببرهانِ ربِّه هنا قوةُ الإِيمانِ في قلْبه، واستحضارُه رقابةَ اللهِ ومَعِيَّتَه، فكيفَ يعصيه ويرتكبُ فاحشةَ الزنى، واللهُ يَراهُ ويُراقبُه،
ولذلك رَدَّ على مراودةِ المرأةِ قائلاً: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُو) .
إِنَّ قولَه تعالى: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) يدلُّ على أَنَّ
يوسفَ ﷺ لم يهمَّ بامرأةِ العزيزِ مطلقاً، ولم يُفَكَرْ بمعاشرتِها، ولم يَلْتَفِتْ لها، في الوقتِ الذي هَمَّتْ هي به، وعَزَمَتْ على معاشرتِه.
وبهذا نَعرفُ جهلَ وغَباءَ الفادي عندما اتَّهَمَ يوسفَ بالهَمِّ بامرأةِ العزيز،
стр. 70
والعزمِ على مخالطتِها ومعاشرتِها، وذلك في قوله: " قَصدَتْ مُخالَطَتَه، وقَصَدَ مُخالَطَتَها ".
أَما ما نَقَلَه الفادي المفترِي عن سِفْرِ التكوينِ: " أَنَّ امرأةَ العزيز لَما
أَمْسَكَتْ بثوبِه تَرَكَ الثوبَ معها وهَرَبَ " فهذا ليسَ صحيحاً، وهو يَتعارَضُ مَع ما ذَكَرَه القرآن.
قالَ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين عن المراودة: " كان يوسفُ حَسَنَ الهيئة،
جميلَ المنظر..
وحَدَثَ أَنَّ امرأةَ سيدِه رَفَعَتْ عينَيْها إِلى يوسف، وقالَتْ له:
اضطجعْ معي! فأَبى وقالَ لها: سَيِّدي لا يعرفُ شيئاً في البيت، وكلُّ ما يملكُه
ائتمنَنِي عليه، وسَيِّدي لم يمنعْ عَنّي شيئاً غَيْرَك، لأَنك امرأَتُه، فكيفَ أَصنعُ
هذه السيئةَ العظيمة، وأُخطئُ إِلى الله؟ !.
وكَلَّمَتْه يوماً بعدَ يوم، أَنْ يضطجعَ بجانبِها وينامَ معها، فلم يسمعْ لها!.
واتفقَ في أَحَدِ الأَيّام أَنه دخلَ البيتَ ليقومَ بعملِه، ولم يكنْ في البيتِ
أَحَدٌ من أَهلِه، فأَمسكَتْ بثوبِه، وقالَتْ له: ضاجِعْني!..
فتركَ ثوبَه بيدِها، وفَرَّ هارباً إِلى الخارج.
فصاحَتْ بأَهْلِ بيتِها، وقالَتْ لهم: انْظُروا كيفَ جاءَنا برجلٍ عِبْرانِيٍّ،
ليُداعِبَنا ويَتلاعَبَ بنا..
دَخَلَ عَلَيَّ لِيُضَاجِعَني، فصرَخْتُ بأَعلى صوتي..
ولما سَمِعَني أَصرخُ تركَ ثوبَه بجانبي، وَفَرَّ هارباً إِلى الخارج!.
وَوَضَعت المرأةُ ثوبَ يوسفَ بجانِبها، حتى جاءَ زوجُها إِلى بيتِه، فحكَتْ
له الحكايةَ ذاتها.
قالَتْ: هذا العبدُ العِبْرانيُّ الذي جئتَنَا به، دَخَلَ ليُداعِبَني،
وعندما رَفَعْتُ صَوْتي وصَرَخْت، تركَ ثوبَه بجانبي وهَرَب ...
فلما سمعَ ذلك غضبَ على يوسف غَضَباً شديداً، وجَعَلَه في
السجن ".
стр. 71
وما أَخبرَ عنه القرآنُ يَختلفُ عن ما قالَه الأَحْبار.
فلما استعصَمَ يوسفُ أَمامَ إِغرائِها، ولم يَهِمَّ بها هَرَبَ من الغرفة، التي كانت المرأةُ قد أَغْلَقَتْ بابَها، ولحقَتْ هي به لتُعيدَه، واستَبَقا الباب، وما أَنْ فَتَحَ البابَ حتى وَجَدَ زَوْجَها عِندَ الباب، فَسارعت المرأةُ إِلى اتِّهامِ يوسفَ، ودافعَ هو عن نفسِه..
وأَخبرَ الزوجُ أَحَدَ أَهْلِها بما جرى، ودعا الشاهدُ الحَكَمُ إِلى
ملاحظةِ قَمِيصِ يوسف، فإِنْ كان قُدَّ من الأَمامِ فصدقَتْ هي في كلامِها،
لأَنه يكونُ هو الذي اعْتَدَى عليها، وهي تُدافعُ عن نفسِها، وإِنْ كان قُدَّ من
الخلفِ يكونُ هو الصادقَ وهي الكاذبة، لأَنه يكونُ هارباً منها، وهي تلحَقُه
لتُدركه، فلما رأى القميصَ قُدَّ من الخلفِ عَرَفَ براءةَ يوسفَ وجريمةَ
امرأتِه!..
قال تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) .
***
كيف دعا نوح على قومِه بالضلال ؟
أَخبرَ القرآنُ عن نوحٍ ﵇ أَنه دَعا على قومِه بالضلال، قال تعالى: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) .
واعتبرَ الفادي هذا خَطَأً في القرآن، لا يتفقُ مع نبوةِ نوحٍ ﷺ وبِرِّه.
ولذلك اعترضَ على القرآنِ قائلاً: " كيفَ يَدْعو نوحٌ ربَّه أَنْ يَزيدَ الناسَ
ضَلالاً؟
كما أَنَّ اللهَ ليس مصدرَ الضَّلال، ونوحٌ نفسُه لا يُحِبُّ الضَّلال؟
стр. 72
والتاريخُ المُقَدَّسُ يَشْهَدُ له: " كانَ نوحٌ رَجُلاً بارّاً في أَجيالِه " (تكوين: ٦/٩) " (١) .
فَهِمَ الفادي الغبيُّ من الآيةِ أَنَ نوحاً يُحِبُّ ضَلالَ الناس، ولذلك دَعا اللهَ
أَنْ يَزِيدَهم ضَلالاً، ونَسَبَ الضلالَ إِلى الله، على أَنَّ اللهَ هو مصدرُ الضَّلال!
واعتبرَ هذا خَطَأً مُنْكَراً مَرْدوداً، ولذلك نَزَّهَ نوحاً عنه!.
إِنَّ نوحاً نبيّ رسولٌ، ﵊، وهو حَريصٌ على دعوةِ
الناس، ومحبٌّ لهدايتِهم، وهو لا يُحِبُّ ضَلالَهم وانحرافَهم، وقد بقيَ يدعو
قومَه أَلْفَ سنةٍ إِلّا خمسينَ عاماً، ولم يُؤْمِنْ معه إِلّا عَدَدٌ قليل.
متى دعا نوحٌ ﷺ على قومِه بالضلال؟.
بعد أَنْ أَخبرَه اللهُ أَنه لنْ يؤمنَ منهم إِلّا مَنْ قد آمَن، وأَمَرَهُ أَن يَصنعَ
السفينة.
قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) .
وهذا مَعْناهُ أَنه مهما دَعاهم فلَنْ يُؤْمنوا به، لاختيارِهم الكُفْرَ والضَّلال،
مهما دَعاهم ورَغَّبَهم وحرصَ عليهم؟
فماذا يفعلُ بعدَ ذلك؟
ليس أَمامَه إِلّاْ الدعاءُ عليهم بالهَلاكِ والفناء.
قال تعالى: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨) .
стр. 73
لم يكنْ نوحٌ ﷺ مخطِئاً في الدعوةِ على قومِه، لأَنه ما دَعا عليهم إِلّا بعدَ أَن اختاروا الكفْرَ والضَّلال، وأَصَرُّوا عليه..
لقد كفروا وضَلُّوا، وأَضَلُّوا
كثيراً، وكانوا دُعاةَ ضلالٍ وإِفسادٍ للآخَرين.
لقد دعا على الضالّينَ أَنْ يَزيدَهم اللهُ ضَلالاً، لأَنهم هم الذين أَرادوا
الضَّلالَ وطَلَبوهُ واخْتاروه، ودَعا على الكافرين أَنْ يُهلكَهم اللهُ ولا يُبقي منهم دَيّاراً، لأَنَّهم إِنْ بَقَوا فسوفَ يُضِلّونَ الآخَرين!.
وبذلك نَعرفُ أَنَّ نوحاً ﷺ كانَ على صوابِ في دعائِه على القومِ الكافرينَ بالهلاك، وعلى القومِ الضّالّين بالزيادةِ من الضًّلال!.
***
هل نجا فرعون من الغرق ؟
اعتبرَ الفادي القرآنَ مُتَناقضاً في حديثهِ عن نهايةِ فرعون، وهذا التناقضُ
خَطَأٌ، يَطعنُ في صحةِ القرآنِ!! (١) .
أَخبرَ القرآن أَنَّ اللهَ أَغرقَ فرعونَ في الماءِ.
قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) .
وأَخبرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ أَنجى فرعونَ من الغرق؛ كما فهمَ القِسيسُ الفادي.
وذلك في قوله تعالىْ (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) .
стр. 74
فهل أَخطأَ القرآنُ في حديثِه عن نهايةِ فرعون؟
وهل تناقَضَ في إِخبارِه عن غرقهِ؟.
لقد كانَ كلامُ القرآنِ عن غرقِ فرعونَ وجنودِه واضِحاً صَريحاً مُحَدَّداً.
فلما لحقَ فرعونُ وجنودُه موسى ﷺ وأَتْباعَه، أَمَرَ الله موسى أَنْ يَضرِبَ البَحْرَ بعَصاه، وشَقَّ لهم طَرِيقاً في البَحْرِ يَبَساً، ولما لَحِقَهم فرعونُ وجنودُه أَطْبَقَ اللهُ عليهم البحر، فأَغْرَقَهم جميعاً.
قالَ اللهُ : (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) .
إن الضمير " هم " في قوله: (فَغَشِيَهُمْ) يعود على فرعون وجنوده.
وهذا تصريح بأن فرعون وجنوده أغرقوا جميعاً.
وقال : (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) .
وقال تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) .
ومن بابِ التأكيدِ على وفاةِ فرعونَ غَرَقاً نَصَّ القرآنُ على ذلك.
قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) .
لقد أُتِيَ القِسّيسُ الفادي من قِبَلِ جَهْلِه وغَفْلَتِه وغبائِه، فَفَهِمَ الآيَةَ فَهْماً
خاطِئاً، وخَرَجَ مِنها بغيْرِ ما سيقَتْ له! فَهِمَ من جملة: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أَنَّ اللهَ أَنجى فرعونَ من الغرَق، وخَرَجَ من البحرِ
стр. 75
حَيّاً، وعادَ إِلى مملكتِه ليُواصِلَ حُكْمَها!! وهذا فَهْمٌ خاطئٌ للآية.
تُقَرّرُ الآيةُ غَرَق فرعونَ وموتَه، وتَصِفُ اللحظاتِ الأَخيرةَ من عمرِ
فرعون، قبلَ خُروجِ روحِه تحتَ الماء.
ومعنى (فلما أدركه الغرق) : لما أَحاطَ به الغَرَق من كلِّ جانب، وأَتاهُ
من كُلِّ مكان، من تحتِه وفوقِه، وعن يَمينِه وشِمالِه، ورأى الموتَ بعينَيْه،
وأَيْقَنَ بالهلاك..
عند ذلك أَعلنَ إِسلامه وإِيمانَه بالله، وصَرَّحَ قائلاً: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) .
ومن المعلومِ أَنَّ الإِيمانَ عند " الغرغرة " قُبيلَ خُروجِ الروحِ غيرُ مقبول،
ولذلك رَدَّ عليه مَلَكُ الموتِ المكلَّفُ بقبضِ روحِه قائلاً: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) ؟
وهذا معناهُ أَنَ إِيمانَ فرعونَ لم يَقْبَلْه الله.
وقُبيلَ قبض روحِ فرعون وهو تحتَ الماءِ قالَ له المَلَك: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) .
وليس معنى جملة: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) : اليومَ ننقذكَ من الغَرَق،
ونخرجُك حيّاً من تحتِ الماء.
إِنَّ مَعْناها: عندما تَخرجُ روحُك، ويُصبحُ جسمُك جُثَّةً هامدة، لن نتركَ
بَدَنَكَ يَسقطُ في الماءِ إِلى قاع البحر، ولَنْ نَجعلَ بَدَنَك طَعاماً لحيتانِ البحرِ
وأَسْماكِه - وبالذاتِ سمكُ القرشِ المفترسِ الذي يملأُ البحرَ الأَحمر - وإِنما
سَنُنَجّي بَدَنَك الهامِدَ الذي خرجَتْ منه الروح، وسنأمُرُ الحيتانَ أَن لا تَأكُلَه،
وسنَأْمُرُ الماءَ أَنْ يحملَك، وسنأمُرُ الموجَ أَنْ يُلْقِيَكَ على الشاطئ، وسيكونُ
بَدَنُك ناجياً هامداً، وسيكونُ مُلْقى على الشاطئ، وسيكونُ آيةً لِمَنْ خَلْفَك، وهم الأَحياءُ من جنودِك وقومِك، فعندما يُشاهدونَ بَدَنَكَ جثةً هامدة سيَعرفونَ أَنكَ لَسْتَ إِلهاً كما زَعَمْتَ، وإِنما أَنْتَ بَشَرٌ مخلوفٌ ضعيف، والأَصْلُ أَنْ يَعْتَبِروا ويَتَّعِظوا بذلك!.