Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1191–1216 · переход к 1196.
стр. 1191
اشتراط النفقة، لوجوبها على كل حال، فلم يضر اشتراطها. حسبما وقع، في علمك، في المسألة في كتاب محمد، والعتبية؛ وإن كان ابن حبيب قد أجاز اشتراط الوجهين في مسألة النفقة، وحكاه عن شيوخنا، ولا فرق بين الخدمة ونفقة المثل.
ورأيت ابن الهندي أجاز التزام الخدمة، ولم يذكر في ذلك الطوع. وقال ابن العطار فيها: وكونها على الطوع أصبح، يشير إلى الخلاف.
فهل هذا كله للمتقدمين، أو هو مستقرأ، ومقيس على مسألة النفقة؟
لشيخي الفضل في شرح هذه المسألة بما عنده في ذلك إن شاء الله تعالى.
الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
والتنظير الذي نظرت به بين المسألتين صحيح عندي، على ما ذكرته، وقد اختلف، على علمك. في الأخدام، فقيل: إن الحكم يجب به على الزوج لزوجته كالنفقة. تطلق عليه بالعجز عنه، وهو قول ابن الماجشون وقيل: إنه يجب عليه النفقة، إلا أنه لا تطلق عليه بالعجز عنه، وهو مذهب ابن القاسم، وذهب ابن حبيب إلى أن الأخدام لا يجب على الزوج لزوجه إلا أن يكون موسرا، وتكون هي من ذوات الأقدار، فإن لم يكن موسرا، لم يكن عليه أخدامها، وإن كانت من ذوات الأقدار، فإن لم تكن من ذوات الأقدار فلم يكن عليه أخدامها وإن كان موسرا، إلا أن يكون من ذوي الأقدار، الذين لا يمتهنون نساءهم في الأخدام.
فعلى القول بإيجاب الأخدام لا تأثير لاشتراطه في صحة عقد
стр. 1192
النكاح، وعلى القول بأنه لا يجب في موضع ما، لا يصح اشتراطه في الموضع الذي لا يجب فيه، فإن وقع كان له تأثير في صحة العقد، يجب به فسخه قبل الدخول. فإن طاع به الزوج بعد العقد جاز باتفاق. ولم يكن فيه كلام.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٤]- هل تجب اليمين على قريبة اتهمت بإخفاء مجوهرات من التركة ؟
وأما السؤال الرابع فهو في متوفاة لها ابنة، وزوج، وأخت، محجورة منقطعة عنها، والمتوفاة معروفة بمال، وحلي، لم يوجد منه شيء بعد وفاتها.
فقام وصي الأخت يطلبه، وكشف الزوج، وابنة له أخرى، من غير المتوفاة، عن التركة، وزعم أنهما غابا عليها، فقالت الأخت: وأنا بأي وجه، ولست وارثة معكم، ولا ساكنة في داركم؟ فقال الوصي: إن أختك الوارثة الصغرى رفعت عنك هذه الأسباب، لتختفي من التركة حتى تخلص لها وحدها، وتواطأت معها، ومع أبيكما على هذا، لتقطع حق الأخت مع ما يشملكم من الجهل بما يلزمكم في هذا، ولست أقول: إنك سرقتها، ولا غصبتها.
هل يلزم هذه البنت المدعى عليها يمين، أم لا؟ وكيف إن لم تكن ممن يتهم بسرقة؟ وكيف إن ظهر، بعد هذا، من تلك الأسباب، عند
стр. 1193
شدة الحاكم، شيء مدفون دفن ريبة، وكثرة القالة والشياع على هذه البنت بما ذكر، أو بأشنع منه، إن شاء الله تعالى؟
الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
واليمين لها لازمة على كل حال.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٥]- هل تجوز اللنُّهْبَى فيما ينشر على التلاميذ في الحُذَّاق ؟
وأما السؤال الخامس فهو فيما ينثر على الصبيان في الحُذَّاق، وشبهها، فإن في سماع ابن القاسم، فيه ما في علمك من الكراهة، ورأيت في كتاب القاضي أبي عبد الله التستري المالكي إباحة ذلك، وأنه إنما نهى عن النهبة في الحرب، وأرى صاحب كتاب الاستيعاب حكى ذلك عنه أيضا، وما علة المنع فإن علته في الحرب معلومة إلا أن يكون عموم النهي، فالله أعلم؟
الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وفيما ينثر عن الصبيان في الحُذّاق، وشبهه، تفصيل؛ أما ما ينثر عليهم ليوكل على وجه ما يوكل، دون أن ينتهب، فانتها به حرام، لا يحل ولا يجوز، للنهي الوارد في ذلك عن النبي ﷺ .
стр. 1194
وعلى المنع منها بينة، وهي استئثار بعضهم بها بحق بعض، وأخذه عن غير طيب نفس منه، وذلك ما لا يحل، ولا يجوز؛ لأن مخرجه إنما أراد أن يتساووا في أكله على وجه ما يوكل؛ فمن أخذ منه أكثر مما كان يأكل منه مع أصحابه، على وجه الأكل فقد أخذ حراما، وأكل سحتا، لا مزية فيه، ودخل تحت الوعيد في النهي.
وأما ما ينثر عليهم لينتهبوه فهذا كرهه مالك، وأباحه غيره، كما ذكرت، والمباح والمكروه سواء في أنه لا حرج ولا إثم في فعل واحد منهما، وإنما يفترقان في الترك، فرأى مالك، ﵀، ترك ذلك أفضل، اتباعا لظواهر الآثار في النهي عن النهبة، ولم يحرمه لأن النهي عنده إنما هو في انتهاب ما لم يؤذن في انتهابه، بدليل ما جاء من أن صاحب هدي رسول الله، ﷺ قال يا رسول الله، كيف أصنع فيما عطب من الهدي؟ فقال له رسول الله، ﷺ : " انحرها، ثم الق قلائدها في دمها. ثم خلّ بين الناس وبينها ياكلونها ".
وفي حديث آخر، أنه قال، في بدنات له، حين وجبت جنوبها: " من شاء فليقتطع " فأباح في هذين الحديثين للناس، الذين يحل لهم الهدي أن يأخذوا منها ما شاؤوا من غير مقدار، ولا قسم معلوم.
وبالله تعالى التوفيق.
стр. 1195
[٦]- بين نية الصدقة وتبتيلها
وأما السؤال السادس فهو في رجل أخرج مالا يصدقه، فعزل منه شيئاً سماه بلسانه، وميَّزه لمسكين بعينه، ثم بعد ذلك بدا له، فصرفه لمسكين آخر.
هل يباح له ذلك، لتمييزه إياه للمسكين بقوله، بخلاف مسألة من أخرج لِمَسْكِين كسرة، فلم يجده، فإن ذلك لم يعطها للمسكين، بقول ولا فعل، وفي مسألتنا قد أعطاها بالقول، ووجب طلبها للمساكين، وتميزت له عنده، فلا يجوز له صرفها إلى غيره؟
وهل صار قوله: " هذا لفلان "، وقد أخرج المال مخرج الصدقة، كقوله: " تصدقت بهذا على فلان؟ " وهل يستوي في هذا ما أخرج الإنسان، على هذا الوجه، من ماله، أو ما ميزه لمعين مما يجري من صدقة غيره على يديه، إذ ظهر لي بين الوجهين فرق، كما ظهر لي بين المسألتين الأوليين فرق، للعلة التي أشرت إليها، من معنى العطية والصدقة، وهي مخصوصة بما يملك؟
الجواب: عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وإن كان هذا الرجل، الذي عزل من المال، الذي أخرجه للصدقة، شيئاً منه، لمسكين بعينه، سماه له، نوى أن يعطيه له، ولم يبتله له، بقول، ولا نية، فيكره له أن يصرفه إلى غيره، وإن كان بتلة له بقول أو نية، فلا يجوز له أن يصرفه، وهو ضامن له إن فعل.
стр. 1196
وكذلك ما جعل إليه تنفيذه مما أخرجه غيره للصدقة سواء.
ومثله في المعنى الذي يأمر للسائل بشيء، أو يخرج إليه به، فلا يجده، يكره له أن يصرفه إلى ماله، ولا يحرم ذلك عليه، إن كان إنما نوى أن يعطيه إياه، ولم يبتله بقول ولا نية.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٥٤]- من طنجة: حول الفتوى، والاجتهاد
وكتب إليه، ﵁، بعض نبهاء طلبة العلم من طنجة، كلأها الله يسأله عن شأن الفتوى، والمفتي، والقاضي الملتزم لمذهب مالك، في ذي القعدة سنة تسع عشرة وخمس مائة.
ونص السؤال. من أوله إلى آخر حرف فيه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وصلى الله على محمد، وعلى آله، وسلم يسليما.
أيها الإمام الأجل، والقدوة التي يقتدى بها، مَنْ إليه العقد والحل، وصل الله لك ما منحك، من التأييد، بالتأييد، وأكد ما وهبك، من التسديد، بالتجويد، وجمل ما ألحفك من أرديته، بالبعد عن مؤذية صديق الإنصاف ومرديته.
واجب على من أهمته في يقينه مهمة، وألمت به في دينه ملمة، أن يتوخى أقرب الخلق في اعتقاده إلى الحق، فيسأله سؤال تمجيد
стр. 1197
وتوقير، بغاية ما عنده من بحث وتنقير، ليبرأ فيما عليه من عهدة التكليف، ويقوم، في، الحنيفية، بالمقام الشريف.
وقد عرضت لنا مسائل مشكلة، مثكلة، لم نجد إلا مصباحك لاندفاع ظلم إشكالها، ولم نعتقد إلا رياحك لانقشاع ضرم إثكالها، ورغبنا إليك - أحسن الله ذكراك - أن تتصفح ما رسمنا منها، وتسمع بالجواب عليها، أنت إلى الذخر الكريم، والأجر العميم، أهدى، ورغبتك في الثواب أنفع لديك من رغبتنا إليك، وأجدى، ولا زلت موفقا، معانا، بقدرة الله ومنته تعالى.
رسالة، مع السؤال، من المقريء بطنجة أحمد المري
قال الفقيه أبو الحسن في السؤال: ورد من عند الأديب الأستاذ النبيه، المقريء بطنجة، أحمد بن محمد المري، ﵀، وكتب معه رسالة، نقلتها من خط يده هذه نسختها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، صلى الله على محمد وآله، وسلم تسليما:
الفقيه الإمام، الأجل، المشاور الأفضل، أبو الوليد، حرس الله للإسلام بحراسته، ملتزم إعظامه، أحمد بن محمد، وسند الله بالإمام الأجل الأثير المحل، معاهد الإسلام، وأيد بعزائمه الميمونة، وصرائمه المأمونة، معاقد الأحكام، وأعلى كلمة ذكره في السادة الأعلام، وأبقى له لسان الصدق بقاء الليالي والأيام، من اقتبس من بعيد - أدام الله توفيقك - علما ضعف اقتباسه، وإن تقطعت، حرصا عليه، أنفاسه.
فإن ما صدر على الصدر، فاستأذن على الإذن، بلا واسطة، تعاونت
стр. 1198
على إدراجه، وتنوير سراجه، العبارة والإشارة، والقوارير المستنارة، فأما الحروف المرسومة، والظروف الموسومة، وهي السفير بيني وبين الإمام الأجل، أعان الله على بره، فما تنطلق رمزا، وتمسك عن التفسير عجزا، فإن استعنت بفهمي عليها، فقد استعنت بقصير لا يدرك، وفقير لا يملك.
من به أجد في قطري جليلا يشفي غليلا، أسأل الله، جل اسمه: أن يمد للمسلمين في حياته، وسلامة ذاته، حتى أراني لقيت المعارف بين يديه مجيلا، وممن يطوف بكعبته بكرة وأصيلا، مجول الله تعالى وقدرته.
كتبته عن إعظام لذكره اتخذته خدينا، واعتقدته دينا، واهتمام بالسوال عن أحواله الغالية، لازمته ملازمة الكيان للشخص، والبيان للنص، وطويته على مسائل من المهمة، الواضح أثرها في الدين والهمة، ورغبتي إليه ألا تهون رغبتي هذه عليه، وأن يراجع، فيما سألت عنه، بما يشبه المعهود منه فعله، مأجورا مشكورا، إن شاء الله .
وسلام الله سبحانه على حضرة الإمام، الأجل، مزكوا، ورحمة الله وبركته.
أنواع المفتين: المفتي النظار، المفتي المقلد، المقلد المحروم الكفاءة.
المسألة الأولى من المسائل المذكورة: تذاكر جماعة ممن تنسب إلى العلوم، وتتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم، شأن الفتوى والمفتي، وكلهم يشير إلى نَفْسِهِ بالاستحقاق، وإلى أبناء جنسه بالإخفاق، وأكثروا الخوض في الاجتهاد والتقليد، والفرق بين الذكي والبليد، وفيمن التفت عليه أطراف تلك الساعة، من لا يسلم لواحد من تلك الجماعة، فقال: الفتوى على الإطلاق، محظورة، وغير محظورة، والتي هي غير
стр. 1199
محظورة إظهار الأحكام الشرعية، بالانتزاع من الكتاب والسنة، والإجماع والقياس.
والفائز بهذه الرتبة هو الفقيه النظار، وليست الفتوى بالفقه المشهور، ولكنها ثمرة معرفة الفقه. فأما الحافظ الذاكر لما في أمهات مسائل مذهبه من الأحكام الشرعية، فهو الفقيه المقلد، وقد اختلف العلماء في جواز فتواه، وذلك بشرط أن يكون له من الذكاء، والفطنة، وسلامة القريحة، ما يميز به، فيما هو موجود في أمهات مسائل مذهبه، بين ما هو من المذهب، وما ليس من المذهب، ويميز به، في المذهب بين ما هو مجمل، وما هو مفسر، ويميز، في الروايات، بين ما هو خلاف قول، وما هو خلاف حال، وما هو خلاف لفظ، وبين ما ينبني من الروايات، وما لا ينبني. بالجملة: فالمقصود أن يحصل عنده أصل المذهب منقولا بوجه صحيح، وأن يحصل له، في كل ما له أن يفتي به من المذهب، يقين أو ظن غالب.
فإذا نزلت نازلة، وأفتى من هذه صفته، بما وجد في كتب مذهبه، من مذهبه، بالفتوى التي هو عالم بأنها هي المشتملة على حكم النازلة، بعلم قاطع، أو ظن غالب، لم ينتزع ذلك من الكتاب ولا في السنة، ولا من الإجماع، ولا من الاعتبار، فتلك الفتوى هي فتوى التقليد، وذلك المفتي هو الفقيه المقلد، والذي في حفظي على مذهب مالك، ﵀: أنه تجوز فتواه على الإطلاق، وبه قال جمهور العلماء، خلافا لأحمد بن حنبل، ومن أخذ بقوله.
ولابد للرجلين - نعني: النظار، والمقلد - من الورع في فتواه،
стр. 1200
حتى لا يفتي واحدا منهما في حق جميع الخلق إلا بما هو الحكم عنده.
فأما الفقيه المقلد، إذا لم يكن له من الذكاء، والفطنة، وكمال القريحة، والفطرة، ما يميز به ما ذكرناه من الوجوه، فليس للفتوى إليه طريق، ولا له في أربابها فريق، فإذا تعرض للفتوى فقد تعرض لما لا ينبغي، ولعله من الجهال المشار إليهم بقول النبي، ﷺ : " إن الله لا يقبض العلم من الناس انتزاعا، ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ".
هذا معنى ما وقع في المجلس المذكور، وفيه زيادة تكميل وبيان.
ما هي الأخطار لو منع المقلد، والمقلد غير الكفء، من الإفتاء؟
فلما سمعته الجماعة المذكورة، أنكرته إنكارا، واعتقد صاحبه حمارا، وزعم بعضهم أن هذا المذهب محال؛ لأن الأحكام ضرورية الوجود، في كل مَدَرَة، والإمام النظار لا يوجد البتة، أو يوجد قليلا جدا، لا يمكن أن يعم بفتواه جميع الأقطار للمذهب الواحد.
قال: وقد زعمت أن فتوى التقليد لا تجوز في مذهب مالك، وأن فتوى الثالث لا تجوز في مذهب أحد فالحاصل عن ذلك: أن أقطار مذهب مالك، ﵀، قد عمها ما لا ينبغي، واستولى عليها الباطل، لعلمنا أنه ليس فيها إمام نظار.
قال صاحب هذا الكلام الأول: هذه مغالطة بعد ظهور الحق؛ أن الله سبحانه لا يدع الخلق عبثا، ولا يجعل الحق خبثا، وما
стр. 1201
دامت الشريعة لازمة الخطاب للأمة، فلا بد لها من إمام، وفي عصرنا جماعة، منهم الفقيه الأجل، أبو الوليد ابن رشد، أدام الله توفيقه، في أقطارنا هذه، فهو إمام الوقت، والحجة على المستفتين، وتفرق المجلس.
فالرغبة إليه - أعلى الله كلمته الحق بلسانه، وميز رجحانها في ميزانه - أن يبين لنا ما في المجلس المذكور من الغلط إن كان، وهل هو جار على أصول مذهب مالك، ﵀، أو لا؟
وتمام ذلك: أن تذكر لنا صفة المفتي، الذي ينبغي أن يكون عليها في عصرنا هذا، وعلى طريقة أصول المذهب.
وبالجملة، بين لنا ما هو اللازم في مذهب مالك لمن أراد، وقتنا، أن يكون مفتيا بمذهب مالك، وكيف الحكم في القاضي، إذا كان ملتزما للمذهب المالكي، وليس في قطره من نال درجة الفتوى، ولا هو في نفسه أهل للفتوى، هل تمضي أحكامه، وفتاويهم على الإطلاق، أو ترد على الإطلاق، أو يختلف الجواب وينقسم؟ وكيف الحكم إن رفع أمره إلى الوالي الأعلى، في قطر من الأقطار الصغار، التي لا تشتمل على مُبَرَّر في الفتوى أن من فيه من الحاكم والفقهاء بالصفة المذكور، هل يقبل قوله، وينظر في كشف ما قاله، أو يرد قوله، ولا يلتفت إليه؟
بين لنا، بطولك، ذلك مأجورا مشكورا، إن شاء الله تعالى.
فأجاب - أمتع الله المسلمين ببقائه، وزاد في رفعته وعلائه - بما هذا نصه: تصفحت أرشدنا الله وإياك إلى الصواب، برحمته - جميع ما سألت عنه، ووقفت على ما استفتحت به السؤال من أن جماعة ممن ينتسب إلى العلوم، ويتميز عن جملة العوام بالمحفوظ والمفهوم، تذاكروا شأن الفتوى والمفتي، فاختلفوا في معنى الفتوى، وفي صفة المفتي.
стр. 1202
طوائف الفقهاء المعاصرين له
والذي أقول به في هذا: أن الجماعة، التي ذكرت أنها تنتسب إلى العلوم وتتميز من جملة العموم المحفوظ والمفهوم، تنقسم على ثلاث طوائف:
[١]- طائفة منهم اعتقدت صحة مذهب مالك تقليدا، بغير دليل، فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله، وأقوال أصحابع، في مسائل الفقه، دون أن تتفقه في معانيها، فتميز الصحيح منها من السقيم.
[٢]- وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها من صحة أصوله، التي بناه عليها، فأخذت أنفسها، أيضا، بتحفظ مجرد أقواله وأقوال أصحابه، في مسائل الفقه، وتفقهت في معانيها، فعلمت الصحيح منها، الجاري على أصوله، من السقيم الخارج عنها، إلا أنها لم تبلغ درجة التحقق بمعرفة قياس الفروع على الأصول.
[٣]- وطائفة اعتقدت صحة مذهبه بما بان لها، أيضا، من صحة أصوله، فأخذت أنفسها بحفظ مجرد أقواله، وأقوال أصحابه، في مسائل الفقه، ثم تفهمت في معانيها، فعلمت الصحيح منها، الجاري على أصوله، من السقيم الخارج عنها، وبلغت درجة التحقق، بمعرفة قياس الفروع على الأصول، لكونها عالمة بأحكام القرآن، وعارفة بالناسخ منها من المنسوخ، والمفصل من المجمل، والخاص من العام، عالمين بالسنن الواردة في الأحكام، مميزة بين صحيحها من معلومها، عالمة بأقوال العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من فقهاء الأمصار وما اتفقوا عليه، أو اختلفوا وعالمة من علم اللسان ما تفهم به معاني الكلام، بصيرة
стр. 1203
بوجه القياس، عارفة بوضع الأدلة (فيها) مواضعها.
[١]
فأما الطائفة الأولى، فلا يصح لها الفتوى بما علمته، وحفظته، من قول مالك، أو قول أحد من أصحابه؛ إذ لا علم عندها بصحة شيء من ذلك، وإذ لا تصح الفتوى بمجرد التقليد من غير علم، ويصح لها في خاصتها، إن لم تجد من يصح لها أن تستفتيه، أن تقلد مالكاً، أو غيره من أصحابه، فيما حفظته من أقوالهم.
وإن لم تعلم من نزلت به نازلة بما حفظته فيها من قول مالك، أو قول غيره من أصحابه، فيجوز، للذي نزلت به النازلة، أن يقلده فيما، حكاه له من قول مالك في نازلته، ويقلد مالكاً في الأخذ بقوله فيها، وذلك، أيضاً، إذا لم يجد في عصره من يستفتيه في نازلته فيقلده فيها.
وإن (كانت) النازلة قد علم فيها اختلاف من قول مالك وغيره، فأعلمه بذلك، كان حكمه في ذلك بحكم العامي إذا استفتى العلماء في نازلته، فاختلفوا عليه فيها وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يأخذ بما شاء من ذلك.
والثاني: أنه يجتهد في ذلك، فيأخذ (بقول) أعلمهم.
والثالث: أنه يأخذ بأغلظ الأقوال.
[٢]
وأما الطائفة الثانية فيصح لها، إذا استفتيت، أن يفتي بما علمته من قول مالك، أو قول غيره من أصحابه، إذا كانت قد بانت لها صحته، كما يجوز لها في خاصتها الأخذ بقوله إذا بانت لها صحته ولا
стр. 1204
يصح لها أن تفتي بالاجتهاد، فيما لا تعلم فيه نصا، من قول مالك، أو قول غيره من أصحابه، وقد بانت لها صحته، إذ ليست ممن كمل لها آلات الاجتهاد، التي يصح لها بها قياس الفروع على الأصول.
[٣]
وأما الثالثة فهي التي تصح لها الفتوى عموما بالاجتهاد والقياس على الأصول، التي هي الكتاب وا السنة، وإجماع الأمة بالمعنى الجامع بينها وبين النازلة، أو على ما قيس عليها إن عدم القياس عليها، أو على ما قيس على ما قيس عليها، إن عدم القياس عليها. وعلى ما قيس عليها.
ومن القياس جلي وخفي، لأن المعنى، الذي يجمع بين الفرع والأصل، قد يعلم قطعا بدليل قاطع، لا يحتمل التأويل، وهو على وجوه، وقد يعلم بالاستدلال، فلا يوجب إلا غلبة الظن وهو أيضا على وجوه، ولا يرجع إلى القياس الخفي إلا بعد عدم الجلي، وهذا كله يتفاوت العلماء في التحقيق بالمعرفة به، تفاوتا بعيدا، وتفترق أحوالهم، أيضا، في جودة الفهم لذلك، وحدة الذهن فيه، افتراقا بعيدا؛ إذ ليس العلم، الذي هو الفقه في الدين، بكثرة الرواية، والحفظ، وإنما هو نور يضعه الله حيث يشاء، فمن اعتقد في نفسه أنه ممن تصح له الفتوى، بما آتاه الله من ذلك النور المركب على المحفوظ المعلوم، جاز له، إن استفتي، أن يفتي، وإذا اعتقد الناس ذلك فيه، جاز أن يستفتى، فمن الحظ للرجل ألا يفتي حتى يرى نفسه أهلا لذلك،
стр. 1205
ويراه الناس أهلا، على ما حكى مالك من أن ابن هرمز أشار بذلك على ما استشاره السلطان: فاستشاره في ذلك.
وقد أتى ما ذكرناه على ما سألت عنه من بيان ما جرى في المجلس من غلط إن كان، ومن بيان صفات المفتي، التي ينبغي أن يكون عليها، في هذا العصر، إذ لا تختلف صفات المفتي، التي يلزم أن يكون عليها، باختلاف الأعصر.
شروط المفتي على مذهب مالك
وأما السؤال عن بيان ما هو اللازم، في مذهب مالك، لمن أراد، في هذا الوقت، أن يكون مفتيا على مذهب مالك، فإنه سؤال فاسد، إذ ليس أحد بالخيار في أن يفتي على مذهب مالك، ولا على مذهب غيره من العلماء، بل يلزمه ذلك، إذا قام عنده الدليل على صحته، ولا يصح له، إن لم يقم عنده الدليل على صحته.
القاضي المالكي عندما لا يكون ببلده مفتٍ
والسؤال عن الحُكْم في القاضي إذا كان ملتزما للمذهب المالكي، وليس في قطره من نال درجة الفتوى، ولا هو في نفسه أهل للفتوى، قد مضى القول عليه فيما وصفناه من حال الطائفة التي عرفت صحة مذهب مالك بما بان لها من صحة أصوله، وتفهمت فيما حفظته من أقواله، فعرفت الصحيح منها من السقيم، ولم يبلغ درجة التحقق بمعرفة قياس الفروع على الأصول، لأنه لا يكون ملتزما للمذهب المالكي إلا
стр. 1206
بما بان له من صحة أصوله، التي بناه عليها، ولأنه إذا لم يكن في نفسه أهلا للفتوى، فإنما ذلك من أجل أنه لم يبلغ درجة التحقق بقياس الفروع على الأصول.
فسبيل هذا القاضي، فيما يمر به من نوازل الأحكام، التي لا نص عنده، من قول مالك، أو قول بعض أصحابه، قد بانت له صحته: ألا يقضي فيها إلا بفتوى من يسوغ له الاجتهاد، ويعرف وجه القياس، إن وجده في بلده، وإلا طلبه في غير بلده، فإن قضى فيها برأيه ولا رأي له، أو برأي من لا رأي له، كان حكمه موقفا على النظر.
ويأمر الإمام القاضي، إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا كان في بلده من يسوغ له الاجتهاد: ألا يقضي، فيما سبيله الاجتهاد، إلا بعد مشورة من يسوغ له الاجتهاد.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٥٥]- دفع المال عوضا للخلع لا يسقط حق الشفعة بواسطته
وكتب إليه، ﵁، من بعض بلاد الأندلس بسؤال يسأل فيه عن مسألة من الشفعة.
ونصه من أوله إلى آخره: الجواب، رضي الله عنك، في امرأة لها ابن وابنه. وكان للولد ابنة، فتزوجها رجل، وللمرأة المذكورة مال، فباعت الربع من المال، من صهر ابنها المذكور، الذي تزوج حفيدتها،
стр. 1207
على أن يسوقه كله إليها سياقة ينعقد عليها النكاح، ونحلت المرأة المذكورة حفيدتها بالربع الثاني من المال، وكان البيع والنحلة في وقت واحد، فحصل بيدها النصف، وبيد المرأة النصف، فماتت المذكورة لنحو من عام، وقبل أن يدخل الزوج بالحفيدة؛ فوقع بين ولدها وصهره منازعة، انحل بسببها النكاح المذكور، على أن يبقى بيد الزوج الربع، الذي ابتاعه منها، وسائره للحفيدة المذكورة.
أيكون للحفيدة المذكورة، ولمن ورث المرأة المذكورة في هذا الربع شيء أم لا؟.
بين لنا ذكر مأجورا مشكورا إن شاء الله تعالى.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه.
وإذا وقعتْ المفارقة بينهما قبل الدُّخول، على أن يكون له جميع الربع الذي ساقه لزوجه من الأملاك، فلا تجب الشفعة عليه إلا في نصف ذلك الربع، لأنه هو الذي وجب لها بالعقد، وصح لها بالطلاق، قبل الدخول، فرده إليه الأب بالخلع.
وأما النصف الثاني منه فلا شفعة عليه فيه، لبقائه له على ملكه الأول، إذ لا يجب للمرأة بالعقد من الصداق إلا نصفه، والمصيبة منهما، ما لم يدخل بها.
وتكون الشفعة على نصف الربع المذكور بالقيمة للحفيدة المذكورة،
стр. 1208
ولمن ورث المرأة، ويدخل هو معهم في الشفعة، بنصف الربع الباقي له على الملك الأول.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
[٣٥٦]- ما هو مدى ضرر البناء الممنوع بين الجيران ؟
وكتب إليه، ﵁، من كورة جيان، بنسخة عقد ثبت في شأن بنيان بناه رجل في داره، فأضر ذلك بدار جاره، وتحت نسخة العقد سؤال في القضية.
ونص ذلك كله من أوله إلى آخر حرف فيه:
عقد بإثبات ضرر الحيلولة دون الهواء والشمس، وأضرار ماء المطر.
" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. نهض، على أمر الفقيه صاحب الأحكام بجيان وأعمالها، أبي فلان، وفقه الله، المسمون أسفل هذا العقد، من الشهداء العارفين بأمور البنيان، وعيوب الديار، وعقود الجدرات، إلى دار عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع الغافقي، ودخلوها، ونظروا إلى الجدار الشرقي من ساحتها الحاجز بين دار عبد الملك بن محمد بن معارك العقيلي، وبينها، وكلتا الدارين برحبة ابن يوسف من مدينة جيان.
فدلهم النظر إليه، والعيان له: أن الجدار المذكورة مشتركة بينهما، بنصفين، ورأوا أن عبد الملك المذكور قد رفع على حظه من الجدار
стр. 1209
- غرفة ارتفاعها أربعة ألواح من ألواح البنيان، بحرف كذانة، وأنها ثالثة لطبقتين تحتها، وكل ذلك على دار عيسى المذكور ومواجهها، ومقابل لبيوتها: سفلها وعلوها، فوقفوا على ذلك كله، وأمعنوا النظر إليه، والتثبت فيه، وتحققوا أن ما أحدثه عبد الملك المذكور من البنيان على دار عيسى المذكور، ضرر بين، لعلل يأتي ذكرها:
فمن ذلك أن عواصف الرياح، مع الأمطار الدائمة، تضرب جدار الغرفة، وتأخذه، وتتمكن منه فينعكس ماء المطر، ويرجع إلى دار عيسى، ويقع فيها، وينفرش عليها، لارتفاع جدار الغرفة، وما تحتها، وأنه يتوقع هدمها على دار عيسى المذكور، وفساد ما تحتها بطول المدة.
وأنه أظلم عليها ساحتها، وبيوتها سفلها وعلوها، لامتناع الشمس والضوء من دخولها: إذ الغرفة المحدثة المذكورة، في الجهة الشرقية منها. وأن الريح لا تنزل إليها.
ورأوا أن هذا البنيان المحدث أضر بدار عيسى المذكور ضررا ينقض من ثمنها السدس، أو نحوه بما ذكر، وأنه لا يؤمن سقوطها عند هبوب الرياح وتواليها، وهز الزلازل وعواديها.
تحقق عندهم جميع ما ذكر تحققا لا يشكون فيها، ولا يرتابون.
شهد بذلك كله من نظر إليه بأمره، وفقه الله، وطاف عليه من ذلك، وتحققه وفحص عليه، وذلك في شهور كذا، من سنة كذا ".
السؤال.
стр. 1210
تصفح - رضي الله عنك - العقد الواقع أعلى هذا السؤال، وجميع فصوله، على حسب ما تضمنه، من بنيان الغرفة، المضرة بدار عيسى المذكور فيه الضرر المفسر فيه، هل ذلك مما يوجب على عبد الملك هدم ما بناه، وإذا كان بنيان عبد الملك لما بناه لسبب مغيب عيسى المذكور عن جيان، وبغير أمره، وبغير مقاسمة له منه في الجدار المذكور؟ وهل البناء في الطائفة الشرقية مما يخالف البنيان في سائر بنيان الطوائف، لامتناع المنافع من الجهة الشرقية، أم ذلك سواء؟
فتأمل ذلك وفقك الله، وبين لنا الواجب في ذلك يعظم الله أجرك.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت السؤال، وما انتسخ فوقه، ووقفت على ذلك كله.
وليس هذا من الضرر الذي يجب الحكم بقطعه، على المشهور في المذهب، وقد قيل: إن ذلك يجب، فالذي أراه في هذا: أن يركب قاضي البلد، وفقهاؤه، وعدوله، إلى هذه الدار، فيقفوا على هذا الضرر، لأن قدره لا يتبين إلا بالوقوف عليه، فإن تبين لجميعهم تبينا لا يشكون فيه: أن الضرر الداخل على صاحب الدار ببقاء البناء، للمعاني التي ذكرت، أكثر من الضرر الداخل على صاحب البناء بهدم بنائه، ومنعه من الارتفاق به، هدم عليه، وإلا لم يهدم؛ لأن الأصل في هذا قول النبي ﷺ : " إذا اجتمع ضرران نفي الأصغر للأكبر ".
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
стр. 1211
[٣٥٧]- ثلاث مسائل في الشهادات
وكتب إليه، ﵁، من شرق الأندلس، حماه الله، بثلاث مسائل من الشهادات يسأل الجواب عليها.
ونصها: الجواب، رضي الله عنك، في:
[١]- هل تبطل الشهادة بتأخير أدائها
رجل شهد لرجل بشهادة، فقال المشهود عليه للمشهود له: ما بال هذا الشاهد لم يؤد لك هذه الشهادة، منذ كذا وكذا؟ فقال له المشهود له: أنه لتحريه، وتوسوسه، توقف فيها، وتثبت، حتى جاء بنص كلامك له، مخافة أن يزيد عليك فيه شيئاً، لم تفعله له.
فزعم هذا المشهود عليه: أن أقول هذا المشهود له، المنصوص فوق هذا، مسقط لشهادة الشاهد، لما فيه من ذكر الوسوسة، والمشهود له يقول: لم أرد بذلك الوسوسة، التي هي فقد العقل في حين من الأحيان، وإنما أردت أنه سمع منك، أيها المشهود عليه، أكثر مما شهد به عليك، لكنك شك في بعض ذلك، فتحرى، وتورع، وأسقط من شهادته ما دخله فيه بعض شك، وإن كان الغالب على ظنه أنه سمعه منك، واحتج على أن هذا اللفظ قد يستعمل في غير فقد العقل، لقوله : ﴿ولقد خلقنا الإنسان، ونعلم ما توسوس به نفسه﴾، وأن الشك الطارئ عليه لا يقدح في شهادته، لقوله سبحانه: ﴿إن الذين اتقوا، إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾.
فهل ترى، رضي الله عنك، ما احتج به هذا المشهود له، من ذلك
стр. 1212
كله، صحيحا، وتصح شهادة الشاهد، أم تسقط بما تقدم من قوله، ويحمل لفظ التوسوس على فقد العقل أو نقصه، ولا يراعى ما اقترن به من التحري والتثبت؟.
بين لنا ذلك بيانا شافيا، قد اختلف في هذه النازلة بقطرنا، وبقي ارتقاب ما يرد من قبلك؛ لينتهي إليه، ويعتمد عليه، إن شاء الله تعالى.
[٢]- هل شهادة شاهدين على شاهد، بعدم معرفة المشهود عليه، تعتبر جرحة، مسقطة لشهادته ؟.
- المسألة الثانية. رجل شهد على امرأة متوفاة أنها أوصت في مرضها، الذي توفيت فيه، لأختها لأمها بثلثها، وأدى الشهادة على ذلك، وقطع بمعرفتها.
فشهد عليه شاهدان أنه أقر عندهما، بعد أداء الشهادة؛ أن هذه المرأة المسماة لم يكن يعرفها قبل ذلك الإشهاد، ولا رآها قط، وإنما عينتها له، في حين ذلك الإشهاد، امرأة وثق بها.
فهل ترى ما شهد به الشاهدان عليه مسقطا لشهادته في هذه النازلة خاصة، ويكون كالرجوع عن الشهادة، أم تراه إقرارا منه على نفسه بتعمد الكذب، فيكون جرحة فيه، وتسقط شهادته في ذلك، وفي غيره أم لا؟
стр. 1213
[٣]- هل يعتبر تغيير النسب جرحة مسقطة للشهادة ؟
وأما المسألة الثالثة فرجل يعرف جده ينتسب الأموي، ويوجد خطه بذلك كثيرا، ويثبت الآن، إشهاده على نفسه بذلك، وكان أبوه لا يذكر لنفسه نسبا، وإنما يكتب، فلان بن فلان، ويقف. ثم هذا الرجل بعدهما كذلك.
وشهد الآن عليه عدلان أنهما شهدا منه مجلسا، ذكر فيه عن نسبه، فقال أنه معافري.
فهل ترى، رضي الله عنك، انتسابه الآن معافريا، بعد انتساب جده أمويا، قدحا لعدالته، مسقطا لشهادته، أم لا؟.
فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت - رحمنا الله وإياك - أسئلتك هذه ووقفت عليها كلها.
[١]
ولا تبطل شهادة بما ذكرته من أن المشهود له قاله، إذا قال له المشهود عليه؛ لم لم يؤد شاهدك شهادته منذ كذا وكذا، لأن ما وصفت به شاهده من التحري في الشهادة، والتثبت فيها، يقضي على ما ذكره عنه من التوسوس فيها، ويبين أنه إنما أراد بذلك وصفه بالمبالغة في التحري في الشهادة والتثبت فيها، وأنه إنما وقف عن تعجيل أدائها لذلك، وهو الذي يلزم الشاهد أن يفعله، حتى لا يشهد إلا بما يعلمه يقينا، ويذكره ذكرا صحيحا، ولا يقدح في شهادته توقفه عن
стр. 1214
تعجيل أدائها، ليذكر ما لم يذكر منها، إذا ذكره، فقد قال الله : ﴿أن تضل إحداهما، فتذكر إحداهما الأخرى﴾.
[٢]
وأما الذي شهد على المرأة بعد موتها بما أوصت به، وقال: لم يعرف عينها حين أشهدته، إلا بقول امرأة وثق بها، فشهادته عاملة، إذا كان هو الذي ابتدأ سؤالها؛ لأن ذلك من ناحية قبول خبر الواحد.
وأما إذا لم يبدأ هو سؤالها، وإنما قالت ذلك له ابتداء، على سبيل الشهادة عنده بذلك، مثل أن تكون المرأة، التي أشهدته على نفسها بما أوصت بها، قد أتته بامرأة يعرفها بالثقة، فقالت له: هذه فلانة، تعرف أني فلانة بنت فلان، وتعرفك بذلك فلا يجوز أن يشهد عليها، بتعيين المرأة له إياها، على هذا الوجه، وإن كانت عنده ثقة، فإن جهل وشهد سقطت شهادته عليها، ولم يكن ذلك جرحة فيه، تسقط بها شهادته فيما سوى ذلك.
[٣]
وأما الذي شهد عليه أنه قال: أنا معافري، وقد كان جده ينتسب فيقول: الأموي، وكان والده لا ينتسب، وإنما كان يكتب: فلان بن فلان، ولا يقول: الفلاني، ثم هو بعده كذلك، إلى أن شهد عليه أنه قال: أنا معافري، فلا يكون ذلك جرحة فيه، تسقط بها شهادته، وعدالته؛ لأنه يقول: تحققت الآن من نسي، بالبحث عنه، ما لم أعلم به قبل، وما جهله جدي؛ وإنما كان ينتسب، فيقول: الأموي جهلا منه،
стр. 1215
لجهله بنسبه، لأن العوام تقول: الأموي نسب واسع، فمن جهل نسبه لم يخطئ في كتابة الأموي.
وبالله تعالى التوفيق.
[٣٥٨]- من التزم بعتق أية جارية يملكها، ما دامت زوجته فلانة حية .
وسئل، ﵁، في رجل، أشهد على نفسه أنه متى ابتاع جارية، من جواري الرقيق، ودخلت في ملكه بأي وجه كان، من صدقة، أو هبة، أو اقتضاء من دين أو غير ذلك من الوجوه، طول حياة زوجه فلانة، فإنها حرة، لوجه الله العظيم، بأول ما يصح ملكه عليها، طائعا بذلك متبرعا به، بعد معرفته بقدر ذلك ومبلغه، في صحة منه وجواز.
فهل ترى - رضي الله عنك - أن يلزمه ما أشهد به على نفسه من ذلك، كانت الزوجة في عصمته أو لم تكن، بسبب ما قال طول حياة زوجه، ولم يذكر العصمة، أو لا يلزمه ذلك إلا طول العصمة أم لا؟.
الجواب عليها: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.
وإذا كان المشهد على نفسه أراد بقوله " طول حياة زوجه فلانة "، ما كانت باقية في عصمته، فله نيته ولا شيء عليه، فيما ملك من الإماء بعد فراقه إياها، بمباراة يملكها بها أمر نفسها.
وكذلك إن لم تكن له نية، وكان سبب يمينه معاتبتها إياه على اتخاذه الجواري عليها وما خشيته من ذلك.
هذا فيما بينه وبين الله تعالى.
стр. 1216
وأما إن فارقها ثم ملك أمة، فقامت عليه بما أشهد به على نفسه، فتلزمه اليمين فيما يدعي من النية، أو السبب، أو البساط، الذي خرجت عليه يمينه.
وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.
* جمع هذه المسائل:
قلت: إلى هنا انتهى ما جمعته من المسائل، التي سئل عنها، وأجاب عليها الفقيه، الإمام، القاضي أبو الوليد ابن رشد، شيخنا، ﵁، مما عنيت بجمعه، وقرأت عليه الكثير منها، على مرور الأيام، وتعاقب الأعوام، وسمعت من لفظه بعضها، وبعضها يقرأ عليه، ومنها ما هو إجازة، غير أن ذلك كله منقول من أصوله بحمد الله، إلى أن وقع في المرض، الذي قضى عليه، ﵀.