← Фикх малики

Фикх малики · id 14310

مسائل أبي الوليد ابن رشد

ابن رشد الجد

Полный текст (1 216 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الله ، يقول: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيد بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٣٩]- حول الآية: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . وكتب إليه، ﵁، يسأل عن معنى قول الله، : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وما ذكر مكي في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له: إن هذه الآية محكمة، إلا ما خصصته السنة من الحج عن الميت، فهل يجوز لأحد أن يعتمر عن أحد، أو يقرأ قراءة، ويتصدق بفضلها على حي أو ميت، أو لا يجوز شيء من ذلك، إلا الحج عن الميت خاصة؟ فجاوب، وفقه الله على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه. وقد قيل في قوله الله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، إنها آية محكمة غير منسوخة، إلا ما خصص منها بالسنة، كما قال مكي، ﵀، وقيل: إنها منسوخة بقول الله : (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمانهم ألحقنا بهم ذرياتهم) وليس ذلك يبين؛ لأن

стр. 1157

النسخ إنما يكون فيما تعارض من القول، ولا يمكن الجمع بينه بتأويل، وليس في قول الله : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] نص على أنه لا يكتب له ما لم يعمل، ولا على أنه لا يكتب له ما لم يعمل، ولا على أنه لا يكتب له عمل غيره، ولم يعمله لنفسه؛ ألا ترى أنه لو قال تعالى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] أو سعاه له غيره لا لنفسه، أو نوى عمله ولم يعمله، لم يكن كلاما متنافيا. والآية إنما هي إعلام بما في صحف موسى وإبراهيم ﵉؛ فإن كانت على عمومها في جميع الأحوال فليس هذا حكم أمة النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى قد تفضل عليها بأن كتب لها كثيرا مما لم تعمل، على ما نطق به القرآن، وتظاهرت به الآثار. من ذلك قول الله : ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥]. فدل على أنه يستوي القاعدون من أولي الضرر مع المجاهدين. وقال ﷺ في بعض غزواته: " إن بالمدينة أقواما، ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا وهم معكم، حبسهم العذر ". وقال ﷺ : " ما من امريء تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته ر، وكان نومه عليه صدقة ". وقال ﷺ : " ما من داع يدعو إلى هُدى إلا كان له مثل أجر من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ".

стр. 1158

وقال ﷺ للرجل الذي قال له: إن أمي قد افتلتت نفسها وأراها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ ، نعم. وخرج سعد بن عبادة مع رسول الله ﷺ ، في بعض مغازيه، فحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيما أوصي؟ إنما المال مال سعد؛ فتوفيت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم سعد بن عبادة قيل ذلك له، فقال سعد، يا رسول الله، هل ينفعها أن أنصدق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم. فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها. لحائط سماه. فاتفق أهل العلم على أنه يجوز أن يتصدق الرجل عن الرجال، ويعتق عنه، وعلى أنه لا يجوز أن يصلي أحد عن أحد؛ واختلفوا في الصيام والحج، والمشي، فمالك لا يرى أن يحج أحد عن أحد، إلا أن يوصي بذلك، فتنفذ وصيته، لما جاء في ذلك عن النبي ﷺ ومراعاة للاختلاف فيه. وأما من مات وعليه صيام، أو نذر مشي، فلا يصام عنه، ولا يمشي عنه، ولا تنفذ وصيته في ذلك، وإن أوصى به. ويهدي عنه في المشي، قيل: هديان، وقيل: يهدي عنه من الهدايا بقدر الكراء، والنفقة، ويطعم عنه في الصيام: مد عن كل يوم لكل مسكين. وسحنون يرى أن تنفذ وصيته بالمشي، كما تنفذ وصيته بالحج، وابن كنانة لا يرى أن تنفذ وصيته لا في الحج، ولا في المشي، واستحبَّ مالك لمن وعد أباه أن يمشي عنه أن يفي له بما وعده به من ذلك.

стр. 1159

وإن قرأ الرجل القرآن، ووهب ثواب قراءته لميت، جاز ذلك، وحصل للميت أجره، ووصل إليه نفعه، إن شاء الله. وبالله التوفيق، لا شريك له. [٣٤٠]- شرح القاعدة: " كل فذ بان، وكل مأمومٍ قاض ". وسئل، ﵁، فيما ذكره أبو محمد ابن أبي زيد، في مختصره في كتاب الصلاة، من قوله: " كل فذ بان، وكل مأموم قاض "، كيف وجه ذلك؟. ولأي وجه كان ذلك؟. فقال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه. وما ذكر ابن أبي زيد في مختصره صحيح على مذهب مالك، وعامة أصحابه، وذلك أن المأموم يقضي ما فاته من صلاة الإمام، إذا سلم الإمام على حسب ما فاته: إن فاتته الركعة الأولى من صلاة الصبح، أو المغرب، أو العشاء الآخرة، قضاها بالحمد وسورة، وجهر فيها بالقراءة، وإن فاتته الركعة الأولى من صلاة الظهر، أو العصر، قضاها إذا سلم الإمام، بالحمد وسورة سرا، كما فاتته. والفذ إذا ذكر في آخر الصلاة أنه قد بطلت عليه الركعة الأولى، بنسيان سجدة منها، أو ما أشبه ذلك، بنى على الثلاث ركعات، التي معه، ركعة رابعة، عوض الركعة الأولى التي بطلت عليه، فقرأ فيها بالحمد وحدها، سرا، من أي الصلوات كانت، ما عدا الصبح، وسجد قبل السلام؛ لأنه تجتمع عليه في صلاته زيادة ونقصان.

стр. 1160

فهذا هو الفرق بين البناء للفذ، والقضاء لمأموم؛ وإنما افترق حكم المأموم في هذا من حكم الفذ من أجل أن الصلاة للمأموم مرتبطة بصلاة إمامه. فإذا فاتته الركعة الأولى، فقد صلى معه الثانية والثالثة، والرابعة، فلا يصح أن يجعل الثانية، التي صلى معه، أولى، والثالثة ثانية، والرابعة ثالثة، ثم يتم رابعة بعد سلام الإمام، فيكون قد خالفه في أن صلى الصلاة معه على خلاف ما صلاها هو عليه من تغيير الركعات. هذا من جهة المعنى، وهو، أيضا، بَيِّنٌ من جهة اتباع ظاهر السنة الواردة في ذلك عن النبي ﷺ ، من قوله: " إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا "؛ لأنه أَمَرَ ﷺ ، من فاته شيء من صلاة الإمام أن يتم، على ما صلى معه، ما فاته، والذي فاته: الركعة الأولى، فوجب أن يصليها على الصفة التي فاتته، والمنفرد لا يصح له أن يجعل الركعة الأولى، التي بطلت عليه، آخر صلاته، فيكون إذا فعل، قد غير رتبة الصلاة، بأن جعل الركعة الأولى آخر صلاته، وخالف أيضا، ظاهر قول النبي ﷺ : " إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يرد أن كان صلى ثلاثا، أو أربعا، فليصل ركعة، ثم سيجد سجدتين، وهو جالس، قبل التسليم "؛ لأن الظاهر من قوله أنه أمره أن يبني

стр. 1161

على اليقين، وهو أن معه ثلاث ركعات، فيصلي الرابعة بالحمد وحدها، يكون فيها بانيا، لا قاضيا. وحكم الإمام إذا ذكر، في آخر الصلاة، أنه سقط سجدة من الركعة الأولى حكم الفذ، إن كان أسقطها هو ومن معه، أو هو وبعض من معه، يكون فيها بانيا، وحكم المأموم إن كان أسقطها هو وحده يقضيها وحده بالحمد وسورة، والقَوْم جُلُوس، حتى يفرغ فيسلم بهم. ومذهب أشهب من أصحاب مالك: أن المأموم يبني كما يبني الفذ، ولا يقضي، وهو مذهب الشافعي، على أصله، في أن صلاة المأموم غير مرتبط بصلاة إمامه. وبالله تعالى التوفيق. [٣٤١]- ادعاء دين بسبب الإيصاء والتوكيل على القبض وخاطبه، ﵁، قاضي المرية، سائلا عن رجل أقر أنه وكل وكيلا على قبض مال الرجل، زعم أَنَّه كان وصيا عليه، ثم أنكر بعد ذلك. ونص السؤال: اعتراف بالإيصاء والتوكيل، وإنكار القَبْض بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - جواب الفقيه الإمام أبي الوليد، ﵁، في رجلين قال أحدهما للآخر: استقرت لي بيدك مائة دينار، وكلت عليها من قبضها، وصارت إليك فيما ذكر لي؛ فقيل للطالب: بأي

стр. 1162

وجه تدعي أنه وكَّل على قبضها؟ فقال: إنه كان يزعم أنه كان وصيا. فأنكر المدعى عليه قبض ذلك، واعتراف بالإيصاء، وأنه وكل على قبض المال وكيلا، ووجهه في طلب المال، وقال: إن الوكيل لم يصل إليه بعد، ولا رآه، وأنه غَرِقَ في البحر قبل وصوله إليه. عقد استرعاء على إنكار الإيصاء والتوكيل واستظهر الطالب على المطلوب بعقد، نسخته بعد سطر الافتتاح: " يشهد من تسمى بعقب تاريخ هذا العقد من الشهداء أنهم يعرفون أبا بكر وعمر ابني محمد بن أبي زمان، بأعيانهما وأسمائهما، معرفة صحيحة ثابتة، وأنهم حضروا مجلسا، اجتمع فيه أبو بكر وعمر المذكورين ليقرر كل واحد منهما أخاه على ما يطلبه به، وأحضرا من يأتي اسمه في هذا الكتاب لاجتماعهما المذكور، ومطالبة بعضهما لبعض، ليشهدا عليهما بما يقران به، أو ينكرانه، فوقعت بينهما في المجلس المذكور مطالبات. ثم إن أبا بكر المذكور قال لأخيه عمر: الست تزعم أنك كنت وصيا علي؟ فأنكر عمر المذكور أنه كان وصيا على أخيه، أبي بكر المذكور. ثم قال، أيضا، أبو بكر المذكور لأخيه عمر: أليس لي عندك مائة دينار واحدة ذهبا، وهي التي تصدق بها عليَّ عمي أبو الحسن علي بن عمر بن أبي زمان، ﵀، وهي لي قبلك؟ فقال له عمر المذكور مجاوبا: ما قبضت لك شيئاً، ولا لك عندي شيء. فقال له أبو بكر: ولا

стр. 1163

وكلت وكيلا يقبض المائة دينار المذكورة، فقبضها، وصارت إليك من عنده، وهي لي قبلك باقية عندك؟ فقال عند ذلك عمر المذكور، مجاوبا لأخيه أبي بكر: ما وكلت ولا قبضت، ولا أعلم شيئاً مما تقول، ولا أعرف شيئاً من ذلك كله. فعند ذلك أشهد أبو بكر المذكور من يأتي اسمه في هذا الكتاب على إنكار أخيه عمر المذكور، بجميع ما وصف، وقرر في هذا الكتاب. شهد بذلك كله من عرفهما كما ذكر، وسمعه منهما، حسبما وصف وتحقق، وعرفه، كما اجْتُلِبَ في هذا الكتاب، وأوقع شهادته على معرفة ذلك كله، إذ سئلت منه، فأداها، وقام بها، في العشر الوسط من المحرم سنة تسع عشرة وخمس مائة. من تسمَّى، وهم: ... ". وثبت لهذا الطالب قبض الوكيل للمال، فقال للمطلوب: قد أنكرت في هذا العقد الإيصاء والتوكيل، ثم اعترفت بعد ذلك بالإيصاء والتوكيل، وثبت لي قبض وكيلك للمال، فادفع إلي ما لي. فقيل للطالب، لما استظهر بهذا العقد: ألم تسمع إلى قول خصمك: إن الوكيل غرق في البحر؟ فقال الطالب، مجيبا: غرق في البحر بعد مدة. فقيل له: قبل وصوله أو بعد وصوله؟ فقال: لا أعرف. بين لنا - أعزك الله - الواجب على المطلوب، إذا ثبت جميع ما نص في هذا الرسم من قولهما، وإقرار المطلوب بالإيصاء والتوكيل، بعد إنكاره لهما، وثبوت قبض الوكيل لِلْمَالِ، وقول الطالب: " لا أعرف متى غرق الوكيل " قبل وصوله إلى موكله، أو بعده، وتأمل

стр. 1164

عقد الاسترعاء، وتفضل بالمراجعة على ذلك، مأجورا إن شاء الله تعالى. فجاوب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. ولا يصدق بالمطلوب فيما ادعاه من الإيصاء، لاسيما بعد أن أنكر ذلك، على ما تضمنه العقد؛ ويلزمه، بما أقر به من توكيله على قبض المال، إن لم يثبت ما ادعاه من الإيصاء، ضمانه، بقبض الوكيل إياه، بتوكيله له على قبضه إذ قبضه، وادعى تلفه، بعد يمين الطالب: إنه لم يكن له وصيا، وأنه تعدى في توكيله على قبض المال، دون أن يكون ذلك إليه. ويصدق بالوكيل فيما ادعاه من تلف المال، إذا ادعى ذلك بوجه يشبه، ولم يكن منه في ذلك تضييع ولا تفريط، مع يمينه على ذلك. وإن كان ثبت قبض الوكيل للمال ببينة على معاينة الدفع إليه، بريء الدافع بذلك من المال، وأما إذا لم يثبت ذلك إلا بتشاهدهما عليه، دون معاينة الدفع، أو بإقرار الوكيل بالقبض، فلا يبرأ الدافع بذلك من المال، ويكون للطالب أن يرجع به عليه. وإن رجع على المطلوب، بعد يمينه، على ما تقدم، رجع المطلوب على الدافع، إذا لم تكن يبنة على معاينة الدفع إلا أن يصدقه على ذلك. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.

стр. 1165

[٣٤٢]- بيع براءات الطعام قبل قبضه . وسئل، ﵁، في البراءات، التي يخرج السلطان للجند بالطعام إلى الحصون، هل يصح لهم بيعها قبل قبضها، وهل هي كصكوك الجار التي ذكر في المدونة، أم بينهما فرق؟ وهل تفترق عنهما عطايا المرابطين، التي هي أثبت من عطايا جند أهل الأندلس، أم هل الأمر سواء؟. فقال: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. ولا يجوز للجند من المرابطين وغيرهم بيع الطعام المرتب لهم على خدمتهم، وعملهم، إذا خرجت لهم به البراءات، إلا بعد أن يقبضوه، ويستوفوه، لنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام، قبل أن يستوفي، بِخلاف صكوك الجار، التي إنما كانت أعطية أقطعها أهل المدينة من مال الله، الذي كان يحمل من مصر في السفن إلى الجار على غير عمل يعملونه فيتبايعها الناس قبل أن يستوفوها، فجاز فيها بيع الذين أقطعوا إياها، ولم يجز بيع المشترى لها، لنهي النبي ﷺ عن ذلك. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.

стр. 1166

[٣٤٣]- معارضة الورثة فيما زاد من الوصية على الثلث وسئل، ﵁، في رجل عهد في مرضه بأشياء كثيرة، ذكرها في كتاب عهده، ثم توفي، فأبى الورثة أن يجيزوا منها غير ما حمله الثلث، لإحاطتها بجميع المال. ونص السؤال: جوابك، رضي الله عنك، في رجل توفي عن ابنتين وزوجة، وأخ، وكان قد عهد في مرضه، الذي توفي منه: أن يجمع خراج دارين له، وما يشف من غلتهما، وتصالحا به، وينفق ما فضل بعد إصلاحهما على مسجد سماه، مدة عشرة أعوام، وأن تجري على أخيه نفقته، طول حياته، من غلة رحى تخلفها، وألا تؤخذ ديون كانت له في أقوام سماهم منه، وعهد بعد ذلك أن يفرق عنه طعام وكتان، وثياب، وزيت، وسمى عدد ذلك، وأن يعتق مملوكة له سماها، وفرق الطعام، والزيت، والكتان، والثياب، وأنفذ عتق المملوكة. وعهد، أيضا، لحفدته: بني ابنته بجميع ما يتخلفه من الأملاك: العقار كلها، على اختلاف صنوفها، حيث كانت، وبجميع ما يتخلفه من الحيوان: البقر والغنم وغيرهما. فأبى الورثة أن ينفذوا من جميع ما عهد به المتوفى المذكور إلا ما حمله ثلثه، إذ كان عهده قد استغرق جميع ماله.

стр. 1167

بين لنا - وفقك الله - ما ينفذ من هذه الوصايا كلها، أو هل تنفذ كلها؟ وهل وصيته لأخيه بالإنفاق المذكور نافذ له، مع سائر الوصايا، أم لا تنفذ؟ وأن تحاص أصحاب الوصايا في الثلث كيف يكون تحاصهم؟ وكيف تكون المحاصة بما عهد به للمسجد؟ وهل ينفذ ما عهد به من إصلاح الدارين المذكورتين؟ وكيف يكون تقويم خراجهما، المدة المذكورة، وتقويم الديون؟، ومتى يقوم الحيوان المذكور أيوْمَ التحاص، أم يوم وفاة الميت، إن كانت الحيوانات المذكورة، حين توفي الرجل المذكور، قد هلكت ولم يبق منها إلا شيء يسير؟. فجاوب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت - رحمنا الله وإياك سؤالك هذا، ووقفت عليه. ومن حق الورثة ما ذهبوا إليه من أن لا ينفذوا مما عهد به المتوفى إلا ما حمله ثلثه؛ فيقوم جميع ما تخلفه المتوفى يوم النظر في ذلك، ويعرف مبلغ الثلث من ذلك، فيبدأ فيه عتق بالمملوكة الموصى بعتقها، فما فضل من الثلث بعد عتق المملوكة تحاص فيه جميع أهل الوصايا، بمبلغ وصاياهم، يضرب فيه للمسجد بقيمة كراء الدارين، مدة عشرة أعوام، بعد أن يسقط من ذلك ما يحتاج إلى نفقته، من إصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه فيهما، ويضرب فيه للأخ بقيمة نفقته إلى منتهى الحد الذي يعمر إليه، وذلك ثمانون عاما، على الذي نختاره مما قيل في حد التعمير، ويضرب فيه للموصى لهم بالديون، التي عليهم بعددها، إن كانوا مياسير، وبقيمتها إن كانوا معدمين، ويضرب فيه بقيمة الطعام، والكتان، والزيت، والثياب، التي أوصى بها، ويضرب فيه حفدة الموصي

стр. 1168

بقيمة ما أوصى لهم به من الأملاك والحيوان: فما ناب المسجد في المحاصة، وقف لما يحتاج إليه المسجد، وما ناب الأخ في المحاصة كان للورثة، إلا أن يجيزوه له، وما ناب الموصى لهم بالديون، التي عليهم، في المحاصة سقط مما عليهم منها، وما ناب الحفدة الموصى لهم بالأملاك والحيوان جعل فيما أوصى لهم به من ذلك، يبلغ به ما بلغ، ويضمن الذي عجل، فنفذ الطعام، والزيت والثياب، والكتان، قبل أن يعرف ما يجب لذلك في المحاصة ما زاد على ما ينوبهم في المحاصة. وبالله التوفيق، لا شريك له. [٣٤٤]- وسيط دفعت إليه سلعة ليبيعها نقدا، فباعها إلى أجل وسئل، ﵁، في رجل دفع إلى رجل ثيابا، ليبيعها له بالنقد، فباعها إلى أجل. ونص السؤال: الجواب، رضي الله عنك، في رجل دفع إلى رجل ثيابا، ليبيعها له بالنقد، وخرج صاحب الثياب إلى بلد آخر، فباعها المأمور إلى أجل؛ إذ لم يجد من يشتريها منه بالنقد، وكتب إلى صاحبها يعلمه بذلك، ثم مات المأمور، فادعى وارثه على صاحب الثياب أنه أمره أن يبيعها إلى أجل إن لم يجد من يشتريها منه بالنقد، وكيف إن وكل الوارث من يقبض أثمان الثياب، فقبضها، وادعى أنها تلفت بيده، ما الواجب في ذلك؟. فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه.

стр. 1169

وإن علم أن صاحب الثياب أمر المأمور أن يبيعها بالنقد، فباعها بالدين، إذ لم يجد من يشتريها منه بالنقد، فهو لقيمتها ضامن، إلا أن يكون إذ كتب إليه معلما بذلك، رضي بذلك من فعله، وأجازه. فإن كان المأمور قد مات كما ذكرت، وادعى عليه وارثه الرضا بفعله ذلك، أو أنه أمره أن يبيع بالدين، إن لم يجد من يبيع منه بالنقد، حلف على ما ادعى عليه به من ذلك، وكان له في مال المأمور المتوفى قيمة الثياب. وإن أجاز فعله، أو نكل عن اليمين، وحلف الوارث، كانت له أثمان ثيابه على المبتاعين لها، بقبضها، أو يوكل على قبضها من شاء. وإن كان وكل وارث المأمور على قبضها، فقبضها وكيله، وهو لا يعلم بتعديه، ويظن أنها له، وادَّعى تلفها، على صفة لا يجب بها عليه ضمان، سقط عنه الضمان مع يمينه على ذلك، وبريء الدافع بالدفع إليه، إن لم يعلم بتعدي الوارث في ذلك، وظن أن المال له، وكانت له على معاينة الدفع، ولزم الوارث الغرم. وإن علم الوكيل بتعدي الوارث الذي وكله، لزمه الضمان، ولم يصدق في التلف، ورجع صاحب الثياب على من شاء منهما: فإن رجع على الوارث كان للوارث أن يرجع على الوكيل، وإن رجع على الوكيل لم يكن له أن يرجع على أحد. وإن كان الدافع قد علم أن المال ليس للوارث، أم لم يعلم ولا كانت له بينة على معاينة الدفع لكان لصاحب الثياب أن يرجع عليه، فإن رجع عليه رجع هو على الوكيل، الذي قبض عنه، وادعى التلف. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له.

стр. 1170

[٣٤٥]- هل ينفذ طلاق من أخذت بشرط المغيب في بلد ليس به قاض ؟ وسئل، ﵁، في رجل تزوج امرأة بكرا، وغاب قبل البناء بها، غيبة متصلة، تجاوز فيها الأجل الذي شرطه لها، بحيث لا يعلم، فذهب إلى الأخذ بشرطها. ونص السؤال من أوله إلى آخره: الجواب، رضي الله عنك، في رجل تزوج امرأة بكرا، زوجها أبوها، وانعقد على الزوج، في كتاب صداقها معه، شرط المغيب، حسبما ينعقد في صداقات الناس اليوم، فغاب الزوج قبل البناء بزوجته، بحيث لا يعلم غيبته، جاوز فيها أمد المغيب بكثير، فذهبت المرأة إلى الأخذ بشرطها، وحلفت بمحضر جماعة من جيرانها يعرفون مغيب الزوج المذكور، وطلقت نفسها، ولم يكن بالمكان، الذي فيه الزوجان، حَكَم يثبت عنده المغيب والصداق، غير أن الأمر مشهور، معلوم، هل ينفذ ما فعلته المرأة من اليمين والطلاق، على شرطها، وتستحق نصف صداقها، ويحل لها التزويج على هذه الصفة، ولا يكون لأحد في فعلها كلام ولا اعتراض، إذ الأمر مشهور لا يجهله أحد من أهل قريتنا، أم لا؟ بين لنا بيانا شافيا، يأجرك الله تعالى، وهل إن كان الوصول إلى الحَكَم يتعذر لبعده عن موضع الزوجين، يوهن فعلها، أم لا؟ بين لنا جميع ذلك بيانا شافيا يعظم الله أجرك.

стр. 1171

فأجاب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. وإذا كان الأمر على ما وصفته فيه فمن حقها أن ينفق عليها من ماله، إذا طلبت ذلك، وأن تطلق عليه بعدم الإنفاق، إذا سألت ذلك، ولم يكن لها مال، وأن تأخذ بشرطها الذي شرطه لها في المغيب. فإن لم يكن في البلد حَكَم ترفع إليه ذلك، فأخذت بشرطها، وطلقت نفسها بعد يمينها، على ما شرطه الزوج، بحضرة شهود عدول، يعرفون المغيب والشرط، نفذ ذلك على الزوج، إن جاء، ولم يكن له مدفع في الشرط، ولا في المغيب. وإن أرادت أن تتزوج قبل قدومه، فينبغي أن ترفع ذلك إلى الحَكَم، فتثبت عنده الأمر كله، على وجهه، ويتلوم للغائب، فإن لم يأت حكم بإنفاذ ذلك عليه وإرجاء الحجة له، وأباح لها النكاح. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٤٦]- هل يقام حد الزندقة بالقرائن ؟ وكتب إليه، ﵁، موسى بن حماد، قاضي حضرة مراكش، منها، سائلا، عن رجل إسلامي، شاع عليه أنه يدين بدين النصارى، حتى أدى ذلك إلى النظر في أمره. ونص السؤال: جوابك، رضي الله عنك، في رجل كان على دين النصرانية، فأسلم، وأظهر الإسلام، ثم سمع عنه أنه باق على دين

стр. 1172

النصرانية، مع ما هو عليه من إظهار الإسلام، وكثر سماع ذلك منه، ورفع إلى السلطان من أمره ما أوجب الكشف عن حاله، ففتشت داره، فألقي فيها بيت يشبه الكنيسة، فيه حنية إلى جهة الشرق، وهي أضيق من سعة البيت، وليس في الحنية دكان سرير، وفيها قنديل معلق، وآثار كثيرة، ألصقت فيها شموع، وألقي في مسكنه كتب بخطوط النصارى، وشموع كثيرة، ولوح على أربع قوائم على شبه المحمل، وعصا على رأسها عود مصلب، والعود فيه قدر الشبر أو أكثر من ذلك، وأقراص صغار من العجين قد جففت، وفي كل واحدة منها طابع. وشهد شاهد ممن يعرف أحوال النصارى، وأمور شرعهم، بأن الشموع المذكورة مما يتقرب بها النصارى، ويهدونها إلى قُسُسِهِمْ، ليوقدوها في متعبدهم، وأن اللوح، الذي على أربع قوائم، مما يضع عليه قسيس النصارى والإنجيل، حين قراءته إياه، وأن العصا، التي على رأسها عود مصلب مما يتوكأ عليها وقت قيامه لقراءة الإنجيل، وأن الأقراص المذكورة قربان النصارى الذين يتقربون به عند تمام صومهم، وأنها لا تكون إلا عند أئمتهم. فهل ترى - أدام الله توفيقك - أن تكون هذه الأشياء المذكورة التي ألقيت في مسكن هذا الرجل، مع ما سمع عنه من إظهار الإسلام، وإخفاء دين النصرانية، دلائل يقضى بها على زندقته، إذ كان يظهر الإسلام، حتى عثر منه على ما تقدم ذكره، ويحكم عليه بما يحكم به على الزنديق، أم لا؟

стр. 1173

بين لنا ذلك، مأجورا إن شاء الله تعالى. فأجاب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك، ووقفت عليه. وإذا لم يثبت على هذا النصراني الذي أسلم، وأظهر الإسلام طائعا: أنه يُسِرُّ النصرانية، ويدين بها، ببينة عدلة، لا مدفع له فيها، فلا يحكم عليه بالقتل، دون استتابة، كالزنديق، بما وجد في داره، مما يتشرع به النصارى في دينهم، وإن غلب على الظن أن تلك الأشياء الموجودة في داره، وهو يتشرع بها على دين النصرانية، لا من سواه ممن يساكنه من النصارى، أو ينتابه منهم، لاسيما بما ذكرت من أنه سمع عنه أظنه باق على النصرانية، مع ما هو عليه من إظهار الإسلام، وكثر سماع ذلك عنه، إذ لا تقام الحدود من القتل وغيره بالسماع، ولا غلبة الظنون، وإنما تقام بالبينة العدلة من المسلمين. ألا تعرى أنه لو استفاض على رجل من المسلمين أنه شارب للخمر، فوجدت الخمر في داره، وبين يديه، وعلى مائدته مرة بعد أخرى، لما وجب عليه حد شرب الخمر، وإن غلب على الظن شربه بها. ولو استفاض على رجل أنه يزاني امرأة فاجرة، معلومة بالفجور، فوجدت معه في داره، قد أغلق عليها بابه، وانفرد بها مدة من الزمان، لم يجب عليه حد الزنا، وإن غلب على الظن بخلوته معها المدة الطويلة من الزمان، زناه بها، وإنما يجب عليه بذلك العقوبة الوجيعة.

стр. 1174

فكذلك يجب على هذا الذي سألت عنه، العقوبة الموجعة لظهور الريبة عليه بما وجد في داره من تلك الأسباب التي وصفت. وبالله تعالى التوفيق لا شريك له. [٣٤٧]- الأسبقية بين الشركاء في حق الشفعة وكتب إليه، ﵁؛ من بعض بلاد الأندلس، يسأل عن مسألة من الشفعة. ونصها: الجواب، رضي الله عنك، في أملاك بين قوم في إشاعة، باع أحدهم حظه منها، من بعض شركائه فيها، مع حظه من أملاك غيرها، هي بينه وبين المشتري منه، وبين بعض أشراكه في الأملاك المذكورة أولا. فأراد بعض الأشراك في الأملاك المذكورة، أولا، الشفعة على المشتري، والتساوي معه فيما اشتراه، على قدر فرائضهما. فقال له: غيرك أولى بالشفعة منك فليس لك شفعة علي، حتى يوقف ذلك الأول. فهل له - أعزك الله - أن يمنعه من الدخول معه فيما اشتراه حتى يوقف الأول، أم لا؟ وما مقدار توقيفه، إن وجب توقيف، أيوقفه، فأما أخذ، وإما ترك، أم يؤخره إلى آخر أمد الشفعة، يرى رأيه، أم ماذا يكون؟ وهل إن أوقفه، فقال: إني أشفع، هل له أن يؤجله ثلاثة أيام، فأما شفع، وإلا شفع هذا الآخر، الذي هو أبعد منه،

стр. 1175

أم ماذا يكون؟ وكيف إن غفل هذا الأبعد عن طالب الشفعة إلى آخر أمدها، وغفل عنها الأول، أيضا، إلى ذلك الحين، أتنقطع شفعتهما جميعا، أم يكون لهذا الأبعد حجة؛ لأنه يقول: كان أمامي من كان أولى بالشفعة مني، فلذلك سكت، فلما رأيت الأمد قد تم له، حينئذ طلبتها أنا، فهل ينفعه هذا أم لا؟ وهل يكون - أعزك الله - إن وجبت الشفقة للشريك في الأملاك المذكورة، أو لا على المشتري جميعا، بأي وجه وجبت له، تقدير الأملاك كلها على الطالب للشفعة وعلى المشتري جميعا، أم على أحدهما دون الآخر؟. فبين - رضي الله عنك - وجه الحكم في هذا، وفي جميع ما سألتك عنه، مأجورا إن شاء الله تعالى. فأجاب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت - رحمنا الله وإياك - سؤالك هذا، ووقفت عليه. وإذا باع بعض الشركاء حظه في الأملاك من بعض أشراكه فيها مع حظه من أملاك أخرى، مشتركة بينه وبين المشتري منه وبين بعض أشراكه في الأملاك الأولى، في صفقة واحدة كما ذكرت، فوجه الحكم في ذلك: أن يفَضَّ الثمن على حصته من الأملاك الأول والأُخر، فيكون ما ناب كل حصة من الثمن، كأن البيع وقع فيه على انفراده. فإن كان بعض الشفعاء في الأملاك الأُول، أو الأُخر، أحق بالشفعة من سائرهم كما ذكرت، مثل أن يكونوا أهل سهم واحد، أو

стр. 1176

أهل ورثة دون سائرهم، فليس للأبعد أن يأخذ بالشفعة حتى يوقف الأقرب على الأخذ أو الترك، فإن ترك كان للأبعد أن يأخذ بها، وإن قال: إذا وقف: أنا آخذ، ولم يحضر نقده، تلوم له في ذلك اليوم، واليومين، والثلاثة، فإن لم يأت بالمال، لم تكن له شفعة، ووجبت لمن بعده من الشفعاء. واختلف إن طلب، إذا وقف على الأخذ أو الترك، أن يؤخر ليرتئي في ذلك، اليوم واليومين والثلاثة، هل يكون ذلك له، أم لا، على قولين، ولا اختلاف في أنه لا يؤخر في ذلك إلى حد انقطاع الشفعة. وإذا لم يقد واحد من الشفعاء يطلب الشفعة حتى مضى أمد انقطاعها، على اختلاف في حد ذلك بطلت شفعتهم جميعا، القريب منهم والبعيد، ولا حجة للبعيد فيما احتج به من أن القريب كان أحق منه بالشفعة، ولذلك لم يقم بطلبها، لأن سكوته عن أن يقوم بشفعته فيأخذ بها، إن كان الأقرب غائبا، أو يوقفه على الأخذ أو الترك إن كان حاضرا، مسقطا لحقه فيها. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٤٨]- مسألتان من القاضتي أبي الفضل ابن عياض وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة أبو الفضل ابن عياض، يسأله في مسألتين، مما نزل بين يديه في مجلس أحكام القضاء.

стр. 1177

[١]- وسيط تجاري توفي خارج بلدته، ولم يترك إقرارا بما عليه فأما الأولى فهي في رجل معروف بتبضيع التجارة له، سافر إلى بعض بلاد المغرب، فتوفي هناك، وترك دنانير، ولم يوص بشيء، فقام جماعة يطلبونه ببضائع وجهوها معه، وأثبت بعضهم أنه يعلم شريكا له، ولا يعلم انفصاله عنه، ولم يحد الشركة، ولا عرف صورتها، وأثبت بعضهم إقرار الميت بأنه وجد معه في تلك السفرة متاعا، ولبعضهم أنه باع له متاعا يسيرا، وثبت لبعضهم دين قبله، وله عقار بالحضرة. بين لنا ما يجب في هذا كله، وكيف يكون الحكم فيما شهد لهؤلاء به، ومن شهد له بالشركة، ومن شهد له بإقراره، أو توجيهه معه الماع؟ وهل يدخل أصحاب الدين مع أصحاب البضائع في المال، الذي كان بيده؟ أو هل يدخل أصحاب البضائع في أثمان عقاره، وأصوله، لا سيما أنه لم يوص بأموالهم، ولا عرف عند من تركها؟ بين لنا ذلك لنعتمد على رأيك السديد فيه، مأجورا مشكورا، إن شاء الله تعالى. الجواب عليها: تصفحت السؤال - أدام الله توفيق القاضي الأجل، وأجمل تخلصه - الواقع فوق هذا، ووقفت عليه. والذي أراه في هذا: أن يصدق الذي ثبت إقرار الميت له بأنه وجه معه في تلك السفرة متاعا، في صفة المتاع، مع يمينه على ذلك، في مقطع

стр. 1178

الحق، إن ادعي من ذلك ما يشبه فتكون له في ماله قيمته: وكذلك الذي أثبت أنه باع له متاعا يسيرا، يصدق في مقدار اليسير الذي أقر له به مع يمينه على ذلك، ويحلف الذي ثبتت لهم الديون، بما يجب الحق به على من أثبت دينا على ميت، ويدخلون مع أصحاب البضائع فيما بيده من المال، وفيما له من العقار. وأما الشهود الذين شهدوا للرجل أنهم يعلمون شريكا للمتوفى، ولم يحدوا الشركة ولا عرفوا صورتها، فلا شهادة لهم، إذا لم يحققوا شيئاً يثبتون به الشهادة، ويحلف من كان من الورثة كبيرا، مالكا أمر نفسه: أنه ما يعلم له شريكا معه في شيء مما بيده. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٢]- الطعن في الشهادة وأما الثانية فهي من شهود شهدوا على رجل بإدخاله طريقا من طرق المسلمين منذ نحو من عشرين عاما، وتملكها، فأنكر ذلك، وطعن في شهادتهم، بحضورهم، وترك القيام بها، فاحتجوا بجهالتهم بما يلزمهم من ذلك، وأن الرجل المشهود عليه من أهل الشهود ومن كان له حكم، واتسام بعلم. فاحتج بعقود فيها شهادات الشهود المذكورين من أشرية وبياعات لبعض يتلك المواضع، الذي شهدوا فيها بأن الطريق تشقها، فاحتجوا

стр. 1179

بأنا إنما شهدنا في البيع والشراء بين المتبايعين، ونحن نعلم أن الطريق فيها لم تدخل في البيع، ولا شرطت فيه، ولا ذكر، أيضا، إخراجها من البيع. هل ترى ذلك قدحا في شهادتهم، لسكوتهم عن بيان ذلك عند الأشرية، لاسيما على رأي من يرى الحوز على الشهود بطول المدة؟ بين لنا ذلك مأجورا. الجواب عليها: تصفحت السؤال فوقفت عليه. ولا تبطل شهادة الشهود بما طعن به المشهود عليه في شهادتهم، لأن لهم عذرا في ترك القيام بشهادتهم، إذ لم يدعوا إليها. هذا الذي أقول به مما قيل في ذلك. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٤٩]- تحديد الالتزام المحتمل بواسطة " البساط " وسئل، ﵁، في رجل سب رجلا آخر، في مجلس حاكم من الحكام. ونص السؤال: في رجلين تنازعا بين حاكم، في دين لأحدهما على الآخر، فبلغ بينهما الكلام بحيث سب الرجل المديان صاحب الدين، ورماه برق. فطلب حقه في ذلك، وأراد أخذ شهادة من حضرهما، فرغب إليه بعض الحاضرين في العفو عنه، وذكره ودادا كان بينهما؛ فقال

стр. 1180

المسبوب للراغبين له في العفو: أعْقِدُ عقدا، وتشهدون فيه بما عندكم، ولكم عندي كل ما تريدون، ففعل ذلك، وشهدوا ثم اقتضوا ما وعدهم به من العفو، فأنكر ذلك، وقال: إنما أردت بقولي: لكم عندي كل ما تريدونه من وجه الصلح في الدين، الذي وقع فيه الطلب، لا في إسقاط ما وجب لي عليه من سَبيِّ. فبين لي، رضي الله عنك، ماذا يلزم هذا السَّابَّ، وهل يسقط حق المسبوب ما قاله للراغبين في العفو؟ متفضلا إن شاء الله. فأجاب، وفقه الله، على ذلك بأن قال: يلزمه العفو إن سألوه، بعد أن شهدوا له، لأنه هو الذي سألوه أولا، فهو الذي أوجبه لهم على نفسه بقوله لهم: لكم عندي كل ما تريدونه إن شهدتم لي في ظاهر أمره، فلا يصدق فِيمَا ادعاه من أنه أراد بذلك ما سواه. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٥٠]- هل يلزم التركة نفقة زوجة العبد التي تطوع بها السيد ؟ وكتب إليه، ﵁، من حضرة المرية، يسأل في رجل زوج عبده، والتزم، بعد ما عقد النكاح، طائعا، متبرعا: أن عليه نفقة الزوجة ما استمرت العصمة بينهما، ثم توفي. هل يكون ذلك في ماله، وتوقف تركته من أجل ذلك؟ وكيف إن

стр. 1181

كان ذلك شرطا في أصل العقد، أو اختلفا في ذلك؟ فأجاب، وفقه الله، على ذلك بما هذا نصه: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه. وإذا توفي السيد فلا شيء للزوجة في ماله مما تطوع به، بعد عقد النكاح، من أن ينفق عليها، طول أمد الزوجة بينهما، لأنها هبة لم تقبض، تبطل بالموت. ولو كان ذلك شرطا في أصل عقد النكاح لفسد به، ووجب أن يفسخ قبل الدخول. ويثبت بعده، ويبطل الشرط، وترجع النفقة على العبد، ويكون للزوجة صداق مثلها. وقد قيل إنه لا يفسخ، قبل الدخول إن رضيت الزوجة أن تسقط الشرط، وتكون نفقتها على الزوج. ووجه الفساد في ذلك ما يوجبه من الغرر، إذ قد يموت السيد قبل انقضاء العصمة، فلا تكون لها نفقة. ولو وقع الشرط على أنه لو مات قبل انقضاء العصمة بينهما، رجعت النفقة على العبد، لكان ذلك جائزا. وإن اختلفا فيما التزم السيد من نفقتها هل كل ذلك شرطا في أصل العقد، أو تطوعا بعده، فالقول قول من ادعى منهما: أنه كان شرطا في أصل العقد لشهادة العرف له.

стр. 1182

هذا الذي أقول به فيما سألت عنه، على منهاج قول مالك، ومذهبه؛ الذي نعتقد صحته. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٥١]- هل يجرَّح المبرَّز بزواجه من امرأة حلف بطلاقها ثلاثا ؟ وكتب إليه، ﵁، القاضي بحضرة مراكش موسى بن حماد، وفقه الله، يسأله عن رجل شهد عليه أنه قال: متى تزوج فلانة فهي طالق ثلاثا، ثم تزوجها، ومكثت في عصمته نحو الأربعة عشر عاما. ونص السؤال: جوابك، رضي الله عنك، في رجل تزوج امرأة في بلدة، وبنى بها فيها، ومكث معها مدة من ثلاثة أعوام، أو نحوها، في تلك البلدة، ثم انتقل عنها بالزوجة المذكورة إلى بلدة أخرى، وأقام فيها مدة عشرة أعوام، وشهد جماعة من شهود هذه البلدة من حاله ما أوجب قبول شهادته، وكان يحكم بها في جميع الحقوق ويشهده على أحكامه واستمرت حال الرجل المذكور على ما ثبت منها، حسبما تقدم ذكره، مدة من خمسة أعوام، أو نحوها، ولم يظهر منه خلاف ما ثبت من حاله الأولى. ولم يزل القاضي المذكور يتتبع أموره، ويستكشف أحواله مدة الأعوام المذكورة، فما ظهر منه نقص في دين، ولا عثر له على زلة. ثم قيم، عند القاضي المذكور، على هذا الرجل بعقد تضمن إشهاده

стр. 1183

فيه على نفسه: أنه متى تزوج فلانة بنت فلان، فهي طالق ثلاثاً، لا تحل له بوجه من الوجوه، إذ قد حرمها على نفسه، وفلانة هذه (هي) التي كان تزوجها، ومكث معها نحو الأربعة عشر عاماً، فوقفه القاضي على ما شهد به في العقد المذكور، فأنكره، وثبت (عنده) إنكاره له. فشهد شهود بأن خط العقد المذكور (كخط) يده، وأعذر إليه القاضي فيمن شهد عليه بذلك، فادعى أن عنده من المنافع ما يسقط به عن نفسه شهادتهم، فأجله الحاكم، فيما ادعاه من ذلك، أجلا. فما الحكم -وفقك الله- في شهادة هذا الرجل، إن عجز عن إثبات ما ادعاه من المنافع، وحكم عليه بإمضاء الطلاق المذكور، هل يجرح بذلك، وترد شهادته، ويفسخ ما انعقد من المناكح، التي لم يشهد فيها سواه مع شاهد (ثان)، أم لا يجرح، لما في المسألة من الخلاف؟ وما الحكم، أيضاً، في شهادته، إذا أتى القائم بها خلال الأجل الذي ضرب له، وسأل القائم بشهادته، أيضاً، الحكم بها، والمخاطبة بثبوتها، هل ذلك من حقه أم لا؟ بين لنا ذلك مأجوراً موفقاً إن شاء الله تعالى. فأجاب، وفقه الله، على ذلك، بما هذا نصه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. وإن كان العقد الذي قيم به على الرجل المذكور ثبت بشهادة الشهود، الذين أشهدهم على نفسه بما تضمنه، وعجز عن المدفع في

стр. 1184

ذلك، فالذي أراه في هذا وأتقلده مما قيل فيه: أن يفرق بينهما، فهو الصحيح عندي من الأقوال المشهورة في المذهب. وألا يكون ذلك جرحة فيه، تسقط شهادته، إلا أن يقر على نفسه أنه تزوجها بعد أن حلف بطلاقها البتة: ألا يتزوجها، وهو يعتقد أن ذلك لا يحل له، جرأة على الله إذ لو أقر بما تضمنه العقد ابتداء، وقال: إنه إنما تزوجها بعد أن حلف بطلاقها البتة: ألا يتزوجها، لأنه اعتقد أن ذلك يسوغ له، لاختلاف أهل العلم في ذلك، لعذر فيما فعله، ولم يكن ذلك جرحة فيه، تسقط بها شهادته، لاسيما إن كان ممن نظر في العلم، وسمع الأحاديث. وإذ احتمل أن يكون تزوجها بعد أن حلف بطلاقها البتة، ألا يتزوجها، على هذا الوجه، وإنما أنكر اليمين مخافة، إن أقر على نفسه بها، أن يفرق بينهما، على المشهور في المذهب، لم يصح أن يجرح بأمر محتمل، لاسيما إذا كانت حالته على ما وصفت من الشهرة في الخير، والتبريز في العدالة. وأما إن لم يثبت العقد، الذي قيم به عليه، إلا بالشهادة على أنه خطه، فلا يحكم به عليه إن أنكره، ولا يفرق بينهما، وإن عجز عن المدفع في شهادة من شهد عليه أنه خط يده، لأن الشهادة على الخط لا تجوز في طلاق، ولا عتاق، ولا نكاح، ولا حد من الحدود، على ما نص عليه ابن حبيب في الواضحة وغيره. ولو أقر أنه كتبه بخط يده، وزعم أنه لم يكتبه، عازما على إثبات ذلك على نفسه، وأنه إنما كتبه على أن يستشير، وينظر؛ فإن رأى

стр. 1185

أن ينفذه على نفسه أنفذه، وأنه لم ينفذه، ولا أشهد به على نفسه، لصدق في ذلك، على ما قاله في المدونة وغيرها. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٥٢]- هبة الشفيع حق الشفعة للمشترى . وكتب إليه، ﵁، من كورة شلب، يسأل في مسألة من الشفعة. ونصها. الجواب، رضي الله عنك، في مال مشاع بين أشراك اشترى رجل من اثنين منهم ثلاثة أرباعه، وبقي الربع لشريكهما الثالث، مع أختين له: فوهب هذا الشريك الثالث ما وجب له من الشفعة للمبتاع، على مال أخذه. ثم إن إحدى الأختين قامت طالبة للشفعة. فبين لنا هل يكون ما وهب من الشفعة بالمال المأخوذ فيها، للمبتاع، دون من يريد القيام بالشفعة، أم لا؟. مأجورا مشكورا إن شاء الله تعالى. فجاوب وفقه الله، على ذلك بأن قال: تصفحت سؤالك هذا، ووقفت عليه. وقد اختلف في جواز هبة الشفيع للمبتاع شفعته الواجبة له عليه بعد البيع، أو بيعه إياها منه: فعلى القول بجواز ذلك، وهو مذهب أصبغ، لا يكون للأختين في مسألتك، التي سألت عنها، إلا ما وجب

стр. 1186

لها من الشفعة، وعلى القول بأن ذلك لا يجوز، وهو معنى ما في المدونة، والأظهر من القولين، الذي أقول به، يرد الآخذ على المبتاع المال الذي أخذه منه، على هبة الشفعة له، لأن ذلك بيع من البيوع، ويكون أحق بشفعته، إن شاء أخذ بها، وإن شاء سلمها، فإن سلمها كان للأختين أخذ الجميع بالشفعة. ولا اختلاف في أن الشفيع لا يجوز له أن يبيع شفعته، قبل الاستشفاع، من غير المبتاع، ولا أن يهبها له. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣٥٣]- ست مسائل من القاضي أبي الفضل ابن عياض وكتب إليه، ﵁، القاضي بسبتة، أبو الفضل ابن عياض، وفقه الله، بستة أسئلة، وصلت إليه في ذي القعدة سنة تسع عشرة وخمس مائة، يسأله الجواب عليها. [١]- هل للوارث المحتمل أن يطلب كشفا عما بيد الوصي من أموال المحجور ؟ فأما السؤال الأول فهو في رجل له ولي محجور، له مال، وتصدق عليه بصدقات ونحل نحلا، فطلب هذا الرجل من وصيه، أو من الحاكم، نسخ تلك العقود، وقام في الكشف لوصيه عما بيده من مال هذا المحجور، إذ زعم أنه وارثه، وأن المال، إن توفي هذا المحجور، صائر إليه.

стр. 1187

هل له في هذا حجة لما ذكره من المال، أم لا تكلم له في ذلك (الآن) بحال؟ بينه مأجورا، إن شاء الله. الجواب عليه: تصفحت - أعزك الله بطاعته، وأمدك بمعونته - سؤالك هذا، ووقفت عليه. وليس لوارث اليتيم أن يستكشف وصيه عما له بيده من المال، ويخاصمه في ذلك، ولا أن يأخذ منه نسخ عقوده، وعلى الوصي أن يشهد ليتيمه بما له بيده من المال، فإن أبى من ذلك أخذه الحاكم به، مخافة أن يموت فيغير مال اليتيم عنده. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٢]- هل يجوز للمالك تغيير مجرى الماء إذا كان التغيير يلحق ضررا بالغير ؟ وأما السؤال الثاني، فهو في رجل له أرض، فيها ساقية ماء، مبنية قديمة، يجري ماؤها لسقي جنات تحتها، وطحن أرحاء، فأراد نقلها من موضعها، ورفعها إلى أعلى أرضه، وإخراجها بعد ذلك إلى أرض له، تجاورها، لينصب عليها رحى، ثم ترجع بعد ذلك إلى مخرجها من أرضه الأولى. فنازعه أصحاب الأرحاء في ذلك، وقالوا له: ليس لك نقل مائنا عن مجراه، وقد علمت - دام عزك - ما في هذه المسألة ونظائرها من

стр. 1188

الخلاف لأئمتنا، فأوردت استطلاع رأيك العالي فيما يترجح عندك منها، وما تفتي به في ذلك، إن شاء الله تعالى، ولا يعلم هل بناء الساقية لقدمها من بناء صاحب الجنان أو مَنْ تحته لِلَّهِ وهل - أعزك الله - ما أشار إليه أبو الحسن اللخمي في كتابه من (تسويته) نقل صاحب الأرض لما يمر عليه من الماء، أو نقل صاحب الماء له في الأرض يجري عليه لغيره، واستقرائه الخلاف في المسألتين مع النظائر التي ذكرها لها، توجد نصوصا صحيحة في كل مسألة، أم لا؟ الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. وليس لصاحب الأرض أن يحوّل الساقية المبنية في أرضه إلى موضع آخر من أرضه، وإن كانت قديمة البنيان، لا يعلم مَنْ بناها، إلا بإذن الذين تمر إليهم الساقية لسقيهم، وطحن أرحائهم، وإن لم يكن عليهم في ذلك ضرر. هذا نص قول ابن الماجشون في الواضحة، وقول عيسى في العتبية، ولا أعلم في ذلك نص خلاف. وإنما يختلف إذا كانت الساقية التي أجرى عليها الماء فيها، من غير عمل، فأراد صاحب الأرض أن يجريها إلى موضع آخر من أرضه، ولا ضرر في ذلك على الذين يمر إليهم الماء، فقال ابن الماجشون، وعيسى: ذلك له، وقال مطرف وأصبغ: ليس ذلك له. وكذلك يختلف أيضا، إذا أراد الذي يمر إليه الماء على أرض

стр. 1189

الرجل: أن يحوله من أرض ذلك الرجل إلى موضع آخر هو أقرب إليه، لأن عمر بن الخطاب، ﵁، قضى بذلك لعبد الرحمن بن عوف على الذي يمر ماؤه في أرضه، ولم ير مالك العمل على ذلك وخالفه في ذلك ابن نافع، وعيسى بن دينار، فرأيا العمل على ذلك. فالخلاف منصوص عليه في المسألتين جميعا، ومنصوص عليه، أيضا، في مسألة الذي يريد أن يمر بمائه في أرض رجل إلى أرضه، لأن عمر بن الخطاب، ﵁، قضى بذلك للضحاك بن خليفة على محمد بن مسلمة، وقد حكي الخلاف في ذلك عن مالك، والمشهور عنه، المعلوم من مذهبه ومذهب أصحابه: أن العمل ليس على قضاء عمر بهذا: فالثلاث المسائل المذكورة أبعدها من أن يقضي فيها بالمرفق. مسألة الذي يريد أن يجري ماءه على أرض غيره إلى أرضه؛ لأنه يريد الدخول في أرض جاره بإجراء مائه عليه بغير رضاه، وقد قال رسول الله، ﷺ : " لا يحل ما امريء مسلم إلا عن طيب نفس منه ". وتليها مسألة الذي يريد أن يحول ماءه، الذي في أرض رجل، إلى موضع آخر منه، هو أقرب إليه، لأنه يريد أن يتحكم عليه في أرضه، فينقل ساقيته من موضع إلى موضع بعيد بغير إذنه. وتليها مسألة الذي يريد أن ينقل الماء الذي يمر على أرضه لغيره إلى موضع آخر من أرضه، لرفق يريده لنفسه، من غير ضرر يدخل بذلك على الذي يمر إليه الماء، لأن هذه الأرض أرضه.

стр. 1190

والأظهر: ألا يمنع من نقل مجرى الماء الذي يمر عليه إلى موضع آخر منه، لمنفعة تكون له في ذلك، دون ضرر يدخل بذلك على الذي يمر إليه، فمن لم يقض بالمرفق في هذه المسألة فأحرى ألا يقضي به في المسألة الأولى والثانية، ومن قضى بالمرفق في المسألة الأولى فأحرى أن يقضي به في المسألة الثانية والثالثة. ويتحصل، على هذا في ثلاث مسائل أربعة أقوال: أحدها: أنه يقضي بالمرفق فيها كلها. والثاني: أنه لا يقضي بالمرفق في واحدة منها. والثالث: أنه لا يقضي بالمرفق إلا في الثالثة، وهو أظهر الأقوال، وأولاها بالصواب. والرابع: أنه لا يقضي بالمرفق في الأولى، ويقضي به في الثانية والثالثة، وهو قول ابن نافع، وعيسى بن دينار. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٣]- هل يتأثر النكاح باشتراط الأخدام ؟ وأما السؤال الثالث فهو فيما وقع للمتأخرين في فسخ النكاح قبل البناء (باشتراط الخدمة) في العقد، هل يوجد للمتقدمين؟ فلم أقف لهم فيه على شيء إلا نظائرها في اشتراط النفقة، فأفسدوا النكاح به، قيل: إذا شرط نفقة مثلها، ولا فرق بين الموضعين، إذ نفقة المثل والخدمة إنما يجبان ويحكم بهما مع اليسر لا مع العسر، بخلاف

стр. 1191

اشتراط النفقة، لوجوبها على كل حال، فلم يضر اشتراطها. حسبما وقع، في علمك، في المسألة في كتاب محمد، والعتبية؛ وإن كان ابن حبيب قد أجاز اشتراط الوجهين في مسألة النفقة، وحكاه عن شيوخنا، ولا فرق بين الخدمة ونفقة المثل. ورأيت ابن الهندي أجاز التزام الخدمة، ولم يذكر في ذلك الطوع. وقال ابن العطار فيها: وكونها على الطوع أصبح، يشير إلى الخلاف. فهل هذا كله للمتقدمين، أو هو مستقرأ، ومقيس على مسألة النفقة؟ لشيخي الفضل في شرح هذه المسألة بما عنده في ذلك إن شاء الله تعالى. الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. والتنظير الذي نظرت به بين المسألتين صحيح عندي، على ما ذكرته، وقد اختلف، على علمك. في الأخدام، فقيل: إن الحكم يجب به على الزوج لزوجته كالنفقة. تطلق عليه بالعجز عنه، وهو قول ابن الماجشون وقيل: إنه يجب عليه النفقة، إلا أنه لا تطلق عليه بالعجز عنه، وهو مذهب ابن القاسم، وذهب ابن حبيب إلى أن الأخدام لا يجب على الزوج لزوجه إلا أن يكون موسرا، وتكون هي من ذوات الأقدار، فإن لم يكن موسرا، لم يكن عليه أخدامها، وإن كانت من ذوات الأقدار، فإن لم تكن من ذوات الأقدار فلم يكن عليه أخدامها وإن كان موسرا، إلا أن يكون من ذوي الأقدار، الذين لا يمتهنون نساءهم في الأخدام. فعلى القول بإيجاب الأخدام لا تأثير لاشتراطه في صحة عقد

стр. 1192

النكاح، وعلى القول بأنه لا يجب في موضع ما، لا يصح اشتراطه في الموضع الذي لا يجب فيه، فإن وقع كان له تأثير في صحة العقد، يجب به فسخه قبل الدخول. فإن طاع به الزوج بعد العقد جاز باتفاق. ولم يكن فيه كلام. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٤]- هل تجب اليمين على قريبة اتهمت بإخفاء مجوهرات من التركة ؟ وأما السؤال الرابع فهو في متوفاة لها ابنة، وزوج، وأخت، محجورة منقطعة عنها، والمتوفاة معروفة بمال، وحلي، لم يوجد منه شيء بعد وفاتها. فقام وصي الأخت يطلبه، وكشف الزوج، وابنة له أخرى، من غير المتوفاة، عن التركة، وزعم أنهما غابا عليها، فقالت الأخت: وأنا بأي وجه، ولست وارثة معكم، ولا ساكنة في داركم؟ فقال الوصي: إن أختك الوارثة الصغرى رفعت عنك هذه الأسباب، لتختفي من التركة حتى تخلص لها وحدها، وتواطأت معها، ومع أبيكما على هذا، لتقطع حق الأخت مع ما يشملكم من الجهل بما يلزمكم في هذا، ولست أقول: إنك سرقتها، ولا غصبتها. هل يلزم هذه البنت المدعى عليها يمين، أم لا؟ وكيف إن لم تكن ممن يتهم بسرقة؟ وكيف إن ظهر، بعد هذا، من تلك الأسباب، عند

стр. 1193

شدة الحاكم، شيء مدفون دفن ريبة، وكثرة القالة والشياع على هذه البنت بما ذكر، أو بأشنع منه، إن شاء الله تعالى؟ الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. واليمين لها لازمة على كل حال. وبالله تعالى التوفيق، لا شريك له. [٥]- هل تجوز اللنُّهْبَى فيما ينشر على التلاميذ في الحُذَّاق ؟ وأما السؤال الخامس فهو فيما ينثر على الصبيان في الحُذَّاق، وشبهها، فإن في سماع ابن القاسم، فيه ما في علمك من الكراهة، ورأيت في كتاب القاضي أبي عبد الله التستري المالكي إباحة ذلك، وأنه إنما نهى عن النهبة في الحرب، وأرى صاحب كتاب الاستيعاب حكى ذلك عنه أيضا، وما علة المنع فإن علته في الحرب معلومة إلا أن يكون عموم النهي، فالله أعلم؟ الجواب عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. وفيما ينثر عن الصبيان في الحُذّاق، وشبهه، تفصيل؛ أما ما ينثر عليهم ليوكل على وجه ما يوكل، دون أن ينتهب، فانتها به حرام، لا يحل ولا يجوز، للنهي الوارد في ذلك عن النبي ﷺ .

стр. 1194

وعلى المنع منها بينة، وهي استئثار بعضهم بها بحق بعض، وأخذه عن غير طيب نفس منه، وذلك ما لا يحل، ولا يجوز؛ لأن مخرجه إنما أراد أن يتساووا في أكله على وجه ما يوكل؛ فمن أخذ منه أكثر مما كان يأكل منه مع أصحابه، على وجه الأكل فقد أخذ حراما، وأكل سحتا، لا مزية فيه، ودخل تحت الوعيد في النهي. وأما ما ينثر عليهم لينتهبوه فهذا كرهه مالك، وأباحه غيره، كما ذكرت، والمباح والمكروه سواء في أنه لا حرج ولا إثم في فعل واحد منهما، وإنما يفترقان في الترك، فرأى مالك، ﵀، ترك ذلك أفضل، اتباعا لظواهر الآثار في النهي عن النهبة، ولم يحرمه لأن النهي عنده إنما هو في انتهاب ما لم يؤذن في انتهابه، بدليل ما جاء من أن صاحب هدي رسول الله، ﷺ قال يا رسول الله، كيف أصنع فيما عطب من الهدي؟ فقال له رسول الله، ﷺ : " انحرها، ثم الق قلائدها في دمها. ثم خلّ بين الناس وبينها ياكلونها ". وفي حديث آخر، أنه قال، في بدنات له، حين وجبت جنوبها: " من شاء فليقتطع " فأباح في هذين الحديثين للناس، الذين يحل لهم الهدي أن يأخذوا منها ما شاؤوا من غير مقدار، ولا قسم معلوم. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 1195

[٦]- بين نية الصدقة وتبتيلها وأما السؤال السادس فهو في رجل أخرج مالا يصدقه، فعزل منه شيئاً سماه بلسانه، وميَّزه لمسكين بعينه، ثم بعد ذلك بدا له، فصرفه لمسكين آخر. هل يباح له ذلك، لتمييزه إياه للمسكين بقوله، بخلاف مسألة من أخرج لِمَسْكِين كسرة، فلم يجده، فإن ذلك لم يعطها للمسكين، بقول ولا فعل، وفي مسألتنا قد أعطاها بالقول، ووجب طلبها للمساكين، وتميزت له عنده، فلا يجوز له صرفها إلى غيره؟ وهل صار قوله: " هذا لفلان "، وقد أخرج المال مخرج الصدقة، كقوله: " تصدقت بهذا على فلان؟ " وهل يستوي في هذا ما أخرج الإنسان، على هذا الوجه، من ماله، أو ما ميزه لمعين مما يجري من صدقة غيره على يديه، إذ ظهر لي بين الوجهين فرق، كما ظهر لي بين المسألتين الأوليين فرق، للعلة التي أشرت إليها، من معنى العطية والصدقة، وهي مخصوصة بما يملك؟ الجواب: عليه: تصفحت السؤال، ووقفت عليه. وإن كان هذا الرجل، الذي عزل من المال، الذي أخرجه للصدقة، شيئاً منه، لمسكين بعينه، سماه له، نوى أن يعطيه له، ولم يبتله له، بقول، ولا نية، فيكره له أن يصرفه إلى غيره، وإن كان بتلة له بقول أو نية، فلا يجوز له أن يصرفه، وهو ضامن له إن فعل.
следующие страницы →