المطلب الثالث: مصادر اختيارات الصيدلاني
المصادر التي نقلت منها اختيارات الصيدلاني هي:
١) نهاية المطلب في دراية المذهب للإمام أبي المعالي عبد الملك الجويني.
٢) فتح العزيز للإمام الرافعي.
٣) روضة الطالبين للإمام النووي.
٤) البيان للعمراني.
٥) الوسيط للغزالي.
وهناك مصادر أخرى ذكرت أقوال الصيدلاني واختياراته إلا أنها ناقلة لاختياراته من المراجع السابقة الذكر، ولم تأت بجديد من الاختيارات، وهي كتب متأخرة عن سابقاتها من المراجع، ولذا أكتفي أحيانًا بالعزو عن المصدر المنقول منه.
ومن الكتب الناقلة بالواسطة: المطلب العالي لابن الرفعة، ونهاية المحتاج للرملي، ومغني المحتاج للشربيني، وتحفة المحتاج لابن حجر الهيثمي، وأسنى المطالب لزكريا الأنصاري وغيرها، والله أعلم.
* * *
стр. 37
المطلب الرابع: الألفاظ ذات العلاقة بالاختيار
من الألفاظ الواردة في كتب الفقه، والتي تدل على الاختيار كثيرة، منها:
اختاره، وقطع به، والأصح عند الصيدلاني، وصححه، وأصح القولين، وقال الصيدلاني، ولفظ الصيدلاني، ويأتي بيانه في محله بإذن الله.
اختار: وقد وردت في مسائل عدة منها: هل يجب أو يشترط إذن السلطان في تولي الأب تزويج المجنونة البالغة الثيب؟ (١)، وفي حكم نكاح الأمة فيما لو لم يجد طَوْل حرة، ولكنه صادف حرة تسمح ببعض المهر، أو ترضى بمقدار من المهر؛ وثقلت عليه المِنّة (٢)، وحكم قتل السيد المحارب عبدَه، إذا كان العبد مع الرفقة المهجوم عليها (٣).
قطع به: من المسائل المختارة بهذا اللفظ: الطلاق المعلق بقدوم زيد، فلا تطلق إلا بقدوم زيد (٤)، وفيمن يلي الأم مباشرة في الحضانة فيما لو امتنعت عن الحضانة (٥)، ومَن أحقُّ بالولد في الحضانة، الخالة من الأم أم الخالة من الأب؟ (٦)، ولو جنى شخص على امرأةٍ حرةٍ حاملٍ ذمية تحت ذميٍّ بجناية أفضت إلى قتلها وموت الجنين، وكان الجنين محكومًا له بالكفر والحرية، هل تجب فيه الغرة؟ (٧)، وحكم منع الذمي من إطالة ارتفاع الدار إذا كان داره في طرف البلد لا تجاور أبنية المسلمين (٨)، وإذا رمى الصائد صيدًا، أو أرسل كلبه المعلَّم وأمكن ذبحه، فهل يلزمه أن يعدوَ ويسرع في سيره، أم يكفيه أن يمشي،
стр. 38
حتى تحل؟ (١)، وغيرها من المسائل.
الأصح عند الصيدلاني: وقد وردت في مسائل عدة منها: إن أعتق في مرض موته عبدًا لا مال له سواه، ومات العبد قبل موت السيد، فهل يموت كله رقيقًا، أم كله حرًا، أم ثلثه حرًا وباقيه رقيقًا؟ (٢)، وإذا جنى العبد المرهون على طرف من يرثه السيد كأبيه وابنه خطأ، ومات المجني عليه قبل الاستيفاء وورثه السيد (٣).
صححه: ومن المسائل: حكم مِلك صاحب الأرض الصيد فيما لو سقى الرجل أرضًا له، أو وقع الماء على أرضه من غير قصده، فتخطى فيها صيدٌ وتوحَّل، وصار مقدورًا عليه (٤).
قال الصيدلاني: ومن أمثلة ذلك: تزويج وليين مستويين في ولاية التزويج لرجلين، ولم يُعلم السابق منهما (٥)، والمرأة المولى منها إذا حل أجل الإيلاء فرضيت بالمقام معه بلا وطء، وأسقطت حقها من الفيئة سنة وانقضت المدة، ورضيت بالمقام تحت الزوج، ثم عادت إلى الطلب بالاستمتاع، هل نضرب مدةً أخرى أربعة أشهر؟ (٦)، وما المراد بالعود في الظهار إذا كان مؤقتًا، وجعلنا العود بمعنى الوطء والوقاع (٧)، ولو قهر الإمام طائفةً من المسلمين، وأخرجهم إلى الجهاد، هل يستحقون أجر المثل؟ (٨)، وعلى القول بتحريم الجلاّلة، هل جلدها نجس؟ (٩)، وغيرها من المسائل.
لفظ الصيدلاني: كمسألة طُرق التحيُّز الجائزة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
стр. 39
دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ (١).
ومسألة الحكم عند امتناع أهل الذمة عن إجراء أحكام الإسلام عليهم (٢).
* * *
المطلب الخامس: كيفية الترجيح بين هذه الألفاظ
اختيارات الصيدلاني وردت بألفاظ مختلفة كما سبق، وأقواها هو: ما قطع به، ثم ما اختاره، ثم ما صححه، وهذا أصح القولين، والأصح، وهذه الثلاثة بمرتبة واحدة، ثم ما قاله الصيدلاني في المسألة بأن يقول الناقل: قال الصيدلاني كذا، أو ولفظه كذا. والله تعالى أعلم (٣).
* * *
стр. 40
الفصل الأول:
النكاح
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: شروط عقد النكاح، وادعاء كلِّ زوج سبقه بالنكاح.
المبحث الثاني: ما يحرم من النكاح، ونكاح العبيد والإماء، والصداق والوليمة، والقَسْم.
المطلب الأول: شروط عقد النكاح
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: حكم اشتراط إذن السلطان في تولي الأب تزويج المجنونة البالغة الثيب.
المسألة الثانية: إذا كان ولي المرأة السلطان أو من ينوبه؛ فإذا دعت المرأة إلى تزويجها ممن لا يكافئها، فهل يزوجها السلطان؟
المسألة الثالثة: الوليَّان في نكاح المرأة إذا زوَّجاها باثنين، ولم يُعلم السابق منهما.
المسألة الرابعة: الوليَّان في نكاح المرأة إذا زوَّجاها باثنين، ولم يعلم السابق منهما، وقلنا بوجوب إنشاء الفسخ، هل يشترط أن يفسخ القاضي النكاح؟
стр. 43
المسألة الأولى: حكم اشتراط إذن السلطان في تولي الأب تزويج المجنونة البالغة الثيب .
اتفقت المذاهب الأربعة على جواز تولي الأب تزويج المجنونة البالغة الثيب، مع اختلافهم فيما لو كان يتخلل جنونها إفاقة (١).
واتفق أهل العلم على أن للسلطان ولايةَ تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم (٢).
والسلطان هاهنا هو الإمام، أو الحاكم، أو من فوَّضا إليه ذلك كالقاضي (٣).
والمسألة المراد بحثها: هل يجب أو يشترط إذن السلطان في تولي الأب تزويج المجنونة البالغة الثيب؟
اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: لا يشترط إذن السلطان، وهو مقتضى قول المذاهب الأربعة (٤).
القول الثاني: لا يستقل الأب بتزويج الكبيرة الثيب، بل يشترط إذن السلطان بدلًا
стр. 44
عن إذنها، وهو وجه عند الشافعية (١)، واختيار الصيدلاني (٢).
أدلة القول الأول:
عموم أدلة تقديم الأب على غيره (٣)، ومن ذلك:
١. أن البنت بعض أبيها، وهي منه بمثابة نفسه، فلا تفتقر ولايته عليها إلى إذن السلطان، قال ﷺ : «فاطمة بضعة مني» متفق عليه (٤).
٢. ولأن الولد موهوب لأبيه قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ (٥)، وقال زكريا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ (٦)، وقال: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٧)، وقال إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٨)، وقال ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (٩).
وجه الدلالة من الآيات والحديث:
стр. 45
أن الولد هبة للأب، ومن الولد البنت، فإثبات ولاية الموهوب له -وهو الأب- على الهبة-وهي البنت عاقلة أو مجنونة- أولى من غيره (١).
٣. ولأن الأب أكمل نظرًا وأشد شفقة وحبًا، وأعظمهم رفقًا وحنوًا، فوجب تقديمه في الولاية، ولذلك قال النبي ﷺ : «الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة» (٢).
٤. ولأن الأب يلي ولده في صغره وسفهه وجنونه في سائر الولايات، فهو أحق بولاية ابنته في النكاح من السلطان (٣).
دليل القول الثاني:
١ - قياس المجنونة الثيب الكبيرة على الثيب الصغيرة؛ حيث إن الأب لا يزوج الثيب الصغيرة -وإن كان يلي مالها- فكذلك لا يزوج الثيب الكبيرة دون إذن السلطان (٤).
ويجاب عنه:
أبعدم التسليم بأن الثيب الصغيرة لا يزوجها أبوها (٥).
ب بأن كون الثيّب الصغيرة لا تزوّج حتى تبلغ- على مذهب الشافعي ومن وافقه- ليس لأنّه لا ولاية له عليها، وإنّما لأنّها لا تزوّج إلَّا بإذنها، والإذن في الصِّغر غير معتبر، فلزم انتظاره إلى وقت اعتباره، وهو البلوغ عن عقل (٦).
ت أما المجنونة البالغة الثيب؛ فإنه عند التحقيق لا يتصوّر في حقها الإجبار؛ إذ لا رأي لفاقد العقل، والإجبار حقيقة إنّما يتصوّر في حقِّ من لها رأي في نفسها (٧).
стр. 46
٢ - قياس الأب على الأخ؛ فهو لا يزوج الثيب الكبيرة دون إذن السلطان (١).
وقالوا: وإنما يتميز الأب في التزويج عن الأخ في حق الأبكار فحسب (٢).
وأجيب:
١. عدم التسليم بافتقار ولاية الأخ لإذن السلطان (٣).
٢. وعلى التسليم نقول: بأننا إنما نُدير التزويج في حق المجنونة بين الأخ والسلطان، لقصور شفقة الأخ، وامتناع الطلب من المجنونة، بخلاف الأب فإن شفقته كاملة (٤).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- هو القول الأول بأنه لا يشترط إذن السلطان في تزويج الأب لابنته المجنونة الثيب البالغة، وذلك لما يلي:
١ - لقوة ما استدل به الجمهور.
٢ - أن هذا عقدٌ عقده الأب، وهو أحق الناس بالولاية، فالأصل في عقده الصحة، واشتراط السلطان شرط يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه.
٣ - قياسها على البكر الصغيرة، والجامع بينهما عدم العقل إن كانت دون التمييز، أو عدم إدراك الأصلح إن كانت فوق ذلك.
٤ - ولأن ولاية السلطان لا تكون إلا عند عدم وجود الولي قال ﷺ : «السلطان
стр. 47
وليُّ من لا وليَّ له» (١)، وهذه لها ولي (٢).
٥ - أما إذا كانت تفيق أحيانًا فينتظر حتى تفيق.
* * *
المسألة الثانية: إذا كان ولي المرأة السلطان أو من ينوبه؛ فإذا دعت المرأة إلى تزويجها ممن لا يكافئها، فهل يزوجها السلطان ؟
ليس للصيدلاني فيها اختيار ففي نهاية المطلب (٣):
"فالذي نقله الصيدلاني أن السلطان لا يُجيبها إلى ذلك".
* * *
стр. 48
المسألة الثالثة: الوليَّان في نكاح المرأة إذا زوَّجاها باثنين، ولم يعلم السابق منهما .
ستُبحث ضمن المسألة التالية لسبب سيُذكر-إن شاء الله-.
المسألة الرابعة: إذا قلنا بوجوب إنشاء الفسخ فيما إذا زوّج الوليَّان المرأة باثنين، ولم يعلم السابق منهما، فهل يشترط أن يفسخ القاضي النكاح ؟
إذا كان للمرأة المستأذَنة وليّان في درجة واحدة، ووكلتهما بتزويجها مَنْ شاءا، ولم يعلم أحدهما بصنيع الآخر، فاتفق أنهما زوَّجاها من زوجين، وأشكل أيهما المتقدم.
نظرًا لكون المسألة الرابعة نتيجةً للثالثة وبينهما تداخل، وكلام الفقهاء ﵏ فيهما مُدْمجًا؛ رأيت أن أجعلهما بحثًا واحدًا.
ولتحرير المسألة، أبيّن صورًا عند الشافعية (١):
إحداها: أن يسبق أحد النكاحين ونعلمه، فهو الصحيح والثاني باطل، سواء أدخل الثاني أم لا، وإنما يعلم السبق بالبينة أو التصادق.
الثانية: أن يقعا معًا، فباطلان.
الثالثة: إذا لم يعلم السبق والمعية وأمكن العلم بهما، فباطلان؛ لأن الأصل عدم الصحة، كذا أطلق الجمهور، ونقل الإمام (٢) وغيره وجهًا أنه لا بد من إنشاء فسخ لاحتمال السبق.
الرابعة: أن يسبق واحد معين، ثم يخفى، فيتوقف حتى يبين، ولا يجوز لواحد منهما الاستمتاع بها، ولا لثالث نكاحها إلا أن يطلقاها، أو يموتا، أو يطلق أحدهما ويموت الآخر وتنقضي عدتها بعد موت آخرهما.
الخامسة: إذا علم سبق أحدهما ولم يتعين، بأن أيس من تعيينه ولم ترج معرفته، فباطلان على المنصوص، وهو المذهب، كما لو احتمل السبق والمعية لتعذر الإمضاء لعدم تعيينه، والطريق الثاني: قولان، أحدهما هذا - أي باطلان - والثاني: مخرج من نظير المسألة
стр. 49
في الجمعتين أنه يوقف الأمر حتى يتعين، فإن رجي معرفته وجب التوقف (١).
والمسألة المراد بحثها هنا: تزويج وليين مستويين في ولاية التزويج لرجلين، ولم يُعلم السابق منهما.
في المسألة أربعة أقوال:
القول الأول: أن نكاحهما باطل، ولا يحتاج الفسخ إلى حكم الحاكم، وهو قول بعض الحنفية والمعتمد عند الشافعية، ورواية عن أحمد (٢) وهو قول ابن
المنذر (٣).
стр. 50
وممن قال بالبطلان من التابعين (عطاء (١)) (٢).
القول الثاني: إنْ زوَّج الوليان اثنين ولم يعلم السابق منهما فالنكاح ليس باطلًا في حد ذاته، ولا بد أن يفسخهما حاكم، وهو مذهب المالكية والمشهور عند الحنابلة (٣)، واختاره الصيدلاني (٤).
والمشهور عند المالكية أن يكون الفسخ بطلاق (٥)، وهو وجه عند الحنابلة (٦)
стр. 51
ونتيجة هذين القولين هي: إبطال هذا النكاح، واختيار المرأة في التزوج بأي منهما أو من غيرهما، غير أن لكل من القولين وجهة نظر في إبطاله (١).
القول الثالث: يقرع بينهما، فمن تقع له القرعة فهي له، وأمر صاحبه بالطلاق، ويجدد القارع عقده بإذنها، وهو رواية عن أحمد (٢).
القول الرَّابع: تُخيّر المرأة بينهما، فأيّهما اختارته فهو زوجها، وهذا القول يروى عن بعض التابعين كشريح (٣)، وعمر بن عبد العزيز، وحمّاد (٤)
بن أبي
سليمان (٥)، وهو اختيار الشوكاني (٦).
تعليل القول الأول:
١. قالوا: لا وجه لتصحيح النكاحين، لجهل الصحيح، وهو السابق من العقدين، وليس أحدهما بأولى من الآخر؛ فتعين جهة البطلان (٧).
стр. 52
٢. وبما أنه يتعذر إمضاء النكاحين، لتعذر الجمع بينهما، فلا يحتاج رفعه إلى حاكم (١).
٣. ولأن النكاح مفسوخ؛ لاحتمال أن يكونا قد عقدا النكاح معًا (٢).
ونوقش هذان الاستدلالان:
بأن هذا لا يصح؛ فإن العقد الصحيح لا يبطل بمجرد إشكاله (٣).
٤. أن محل الاحتياج لحكم الحاكم بالفسخ إذا حصل نزاع، فإن تراضيا على الفسخ لم يحتج لحكم، ويكفي قول الزوج طلقتها أو فسخت نكاحها (٤).
٥. القياس على مسألة العبدين اللذين اشترى كل واحد منهما صاحبه من سيده لا يدرى أيهما اشترى صاحبه قبل، فإذا لم يعلم فلا بيع بينهما (٥).
تعليل القول الثاني (قول المالكية والحنابلة):
١. لاحتمال كون أحدهما صحيحًا سابقًا، ولا طريق للعلم به، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، ولا يمكن العلم بارتفاع النكاح إلا بفسخ القاضي (٦).
٢. قالوا: إن عقد النكاح ليس باطلًا في حد ذاته؛ ولكن لما تعذَّر إمضاء العقد الصحيح منهما للجهالة بالأول منهما وجب إزالة الضرر بالفسخ والتفريق من قبل الحاكم (٧).
٣. القياس على مسألة اختلاف المتبايعين في قدر الثمن؛ فإن العقد لا يزول إلا
стр. 53
بفسخ، كذلك ههنا (١).
٤. أن هذه المسألة من المسائل الاجتهادية، وقد وقع فيها نزاع بين أهل العلم، فافتقرت إلى حكم الحاكم، بخلاف المسائل المجمع عليها؛ فإنها لا تفتقر إلى حكم الحاكم؛ كالمعتَقة؛ فإن لها الفسخ من غير حكم الحاكم (٢).
ويجاب عنه:
بأن هذا استدلال في متنازعٍ فيه؛ فبعض العلماء يرى أن محل الاحتياج لحكم الحاكم بالفسخ إذا حصل نزاع، فإن تراضيا على الفسخ لم يحتج لحكم (٣).
٥. هذه المسألة إشكال في مظنة لَبْس، وقد يُعلم السابق من العقدين بعد التحقيق والتدقيق، فتحتاج إلى مجتهد ناظر، ولأمثالها انتصب القضاة، فيفصل بين الخصومات، فيتعين حكم القاضي فيها (٤).
٦. وقال المالكية: يكون الفسخ بطلقة لاحتمال صدق أحد النكاحين (٥).
أدلة القول الثالث (القول بالقرعة):
١. أن القرعة تدخل لتمييز الحقوق عند التساوي، كسفر الرجل بإحدى نسائه، والبداية بالمبيت عند إحداهن (٦).
٢. ولأنه إن كانت زوجته لم يضره تجديد النكاح، وإن كانت زوجة الآخر بانت بالطلاق، وصارت زوجة هذا بعقده الثاني (٧).
стр. 54
أدلة القول الرابع (القول بتخيير المرأة) (١):
قالوا: لا وجه لبطلانهما، بل ينبغي أن يقال: إن الأمر مفوَّض إلى المرأة؛ فمن أجازت عقده كان صحيحًا وبطل الآخر، ويدل على هذا:
١. عن خنساء بنت خذام الأنصارية (٢): «أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك فأتت النبي ﷺ ، فرد نكاحها» (٣).
وجه الدلالة:
أن قول الراوي «فرد نكاحها» يدل على أن العقد الذي وقع يسمى نكاحًا، وأنها لو رضيت بأحدهما لم يحتج إلى تجديد، بل يكون العقد موقوفًا على الإجازة (٤).
ونوقش:
بأن النكاح باطل؛ لأن النبي ﷺ رد نكاح خنساء، ولم يقل: إلا أن تجيزي ما فعل أبوك (٥).
وأجيب:
بما رواه عبد الله بن بُرَيْدة (٦)،
عن عائشة ﵂ قالت: "جاءت فتاة إلى النبيّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبي- ونعم الأب هو- زوّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته.
стр. 55
قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: إنّي قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النِّساء أنْ ليس إلى الآباء من الأمر شيء" (١).
وأجيب عن الحديث:
بأنه منقطع؛ فإن عبدالله بن بريدة لم يسمع من عائشة ﵂، قاله النسائي، والدارقطني، والبيهقي (٢).
وأجيب:
بأن هذه علة غير قادحة (٣)؛ فقد قال ابن التركماني (٤): "ابن بريدة ولد سنة خمس
стр. 56
عشرة، وسمع جماعة من الصحابة، وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه أن المتفق عليه أن إمكان اللقاء والسماع يكفي للاتصال، ولا شك في إمكان سماع ابن بريدة من عائشة، فروايته عنها محمولة على الاتصال، على أن صاحب الكمال صرّح بسماعه منها" (١).
وأجيب:
بأن ما قاله مسلم في مقدمته (٢) خالفه جمهور المتقدمين، فقد قال العلائي ﵀ في القول باشتراط اللقي لاتصال السند المعنعن: "وهذا هو الذي عليه رأي الحذاق كابن المديني، والإمام البخاري، وأكثر الأئمة" (٣).
وقال الحافظ ابن رجب ﵀: "وأما جمهور المتقدمين فعلى ما قاله ابن المديني (٤) والبخاري؛ وهو القول الذي أنكره مسلم على من قاله ... ، وما قاله ابن المديني والبخاري هو مقتضى كلام أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم من أعيان الحفاظ، بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع، كما تقدم عن الشافعي ﵃ (٥)
أجمعين؛ فإنهم قالوا في
стр. 57
جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك: لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة ... ) (١).
١ - عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر
стр. 58
تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها» (١).
وجه الاستدلال:
أن صحة العقد هنا متوقفة على إذن المرأة.
ولا ينافي هذا كونها قد أذنت لوليين؛ لأن من المعلوم أن إذنها لا ينصرف إلى أن يزوجها برجلين، فإن ذلك معلوم البطلان (٢).
الترجيح:
بعد التأمل في الأقوال وأدلتها يترجح -والعلم عند الله- القول الثاني بأن العقد صحيح في نفسه، ولكن لا بد من فسخ الحاكم؛ فالعقد صحيح؛ لأن الأصل في العقود الصحة واللزوم (٣)، وعدم البطلان وعدم الاعتراض.
ولا بد من فسخ الحاكم؛ لأنه لا بد من ارتفاع أحد النكاحين، ولا يمكن الجزم بارتفاع أحدهما إلا بالحاكم، والقول بالفسخ دون حكم الحاكم قد يؤدي إلى تنازع وقطيعة الأولياء، والضغينة فيما بينهم.
وأما حديث عبد الله بن بريدة فلا أعلم أحدًا من المتقدمين صححه، وعلى القول بصحته فإن صورة المسألة الواردة فيه تختلف عن صورة مسألتنا؛ فالمسألة الواردة في الحديث هي عقد نكاح واحد من ولي واحد، وإجازة المرأة فيه له أصل في الشرع كالبيع الفضولي وغيره على الصحيح.
ومسألتنا في عقدين من وليين، ولا يمكن الجمع بين العقدين اتفاقًا؛ لأنَّ المحل لا يقبل الاشتراك.
والقول الرابع بالتخيير دون البطلان قول له وجهة، ونتيجته هو القول بفسخ أحد العقدين دون الآخر، إلا أن القول بفسخ النكاحين أولًا، أقرب لحسم مادة النزاع،
стр. 59
والاحتياط في عقود الأنكحة معتبر شرعًا. والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.
* * *
стр. 60
المطلب الثاني: اختلاف الزوجين
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: إذا تنازع زوجان، وادعى كل زوج سبقه، وأنها زوجته.
المسألة الثانية: حكم النكاح فيما إذا اعترف الزوج بعلمه بفسق شاهدي النكاح حالة العقد، وأنكرت المرأة.
стр. 61
المسألة الأولى: إذا تنازع زوجان، وادعى كل زوج سبقه، وأنها زوجته .
والفرق بين هذه المسألة وسابقتها أن هذه المسألة ذات وليّ واحد.
تحرير المسألة (١):
للمسألة صور:
الصورة الأولى: أن يدَّعي كل واحد من الزوجين علم المرأة بأنه سابق بعقد النكاح ولا بينة.
الصورة الثانية: أن يدَّعي كل واحد من الزوجين أنه سابق بعقد النكاح، ولا يدَّعي علم المرأة بذلك مع وجود البينة لكلا الزوجين.
الصورة الثالثة: أن يدَّعي كل واحد من الزوجين أنه سابق بعقد النكاح، ولا يدَّعي علم المرأة بذلك مع وجود البينة لأحدهما دون الآخر.
الصورة الرابعة: أن يدَّعي كل واحدٍ من الزوجين أنه سابق بعقد النكاح، ولا يدَّعي علم المرأة بذلك، مع عدم وجود البينة.
والمسألة المراد بحثها هي الأخيرة: أن يدَّعي كل واحدٍ من الزوجين أنه سابق بعقد النكاح، ولا يدَّعي علم المرأة بذلك، مع عدم وجود البينة.
في المسألة قولان:
القول الأول: لا عبرة بقولهما، ولا يلتفت إليهما، ولا يقبل، ولا تسمع دعواهما، وهو قول المذاهب الأربعة (٢).
القول الثاني: يُحَلَّفَان، وهو وجه عند الشافعية (٣)، واختيار
стр. 62
الصيدلاني (١).
دليل الجمهور:
١. قالوا: لأن المرأة لا تصلح ولا تقبل الاشتراك بينهما (٢).
٢. لأن الزوجة الحرة لا تدخل تحت اليد، وليس في يد واحدٍ منهما ما يدعيه الآخر (٣).
دليل القول الثاني:
١. لو لم يحلّفهما القاضي، لتعطل حقاهما (٤).
٢. لعله بالحلف يَظهر الحق" (٥).
وقد عقد الإمام ابن القيم ﵀ فصلًا في فوائد اليمين، وقال: "ولليمين فوائد:
منها: تخويف الْمُدَّعَى عليه سوء عاقبة الحلف الكاذب، فيحمله ذلك على الإقرار بالحق. ومنها: القضاء عليه بنكوله عنها، على ما تقدم.
ومنها: انقطاع الخصومة والمطالبة في الحال، وتخليص كلٍّ من الخصمين من ملازمة الآخر، ولكنها لا تسقط الحق، ولا تبرئ الذمة، باطنًا ولا ظاهرًا؛ فلو أقام المدعي بينة بعد حلف المدعى عليه: سُمِعَتْ وَقُضِيَ بها.
وكذا لو رُدَّتْ اليمين على المدعي، فنكل، ثم أقام المدعي بينة، سمعت وحكم به.
ومنها: إثبات الحق بها إذا ردت على المدعي، أو أقام شاهدًا واحدًا.
стр. 63
ومنها: تعجيل عقوبة الكاذب المنكر لما عليه من الحق، فإن اليمين الغموس (١) تدع الديار بلاقع (٢)، فيشتفي بذلك المظلوم عوض ما ظلمه بإضاعة حقه، والله أعلم" (٣).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الأصل في الفروج والأبْضاع التحريم (٤) وعدم استحقاقها حتى يُتيقن الحل، ولا تحلّ إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، والنكاح في مسألتنا مجرد دعوى بلا بينة ولا قرينة، فيبقى الأمر كأن لم يكن؛
стр. 64
"فالأصل بقاء ما كان على ما كان" (١)، وهو عدم عقد النكاح من المدَّعيين، فلا حاجة لليمين؛ لأن نكول أحدهما لا يُثبت حقًا للآخر؛ إذ إنه لا يملك ما يثبت استحقاقه، كما لو ادعى رجلان ملك عينٍ في بيت مال المسلمين ولا بينة، فيمين أحدهما مع نكول الآخر لا يجعل الحالف مستحقًا. والأصل حفظ اليمين، قال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٢) أي: لا تكثروا الحلف بالله، وأقِلّوا من الأيمان (٣).
* * *
стр. 65
المسألة الثانية: حكم النكاح فيما إذا اعترف الزوج بعلمه بفسق شاهدي النكاح حالة العقد، وأنكرت المرأة .
اتفق الفقهاء على قبول شهادة العدلين (١)، واختلفوا فيما إذا بان الشاهدان فاسقَين (٢)
حال العقد على قولين؛ فمذهب الجمهور أنه لا ينعقد النكاح
стр. 66
بشهادة الفاسقَين، خلافًا للحنفية القائلين بأنه ينعقد (١).
وقد تخفى على الناس حال الشاهدين عند العقد، ثم يتبيّن فسقهما أو فسق أحدهما بعد العقد.
ومسألتنا: إذا اختلف الزوجان بعد عقد النكاح، فقال الزوج بعلمه بفسق شاهدي النكاح حالة العقد، وأنكرت المرأة:
للعلماء ﵏ في هذه المسألة قولان:
القول الأول: بقاء العقد على الصحة، ولا اعتبار بقول الزوج، وهو مقتضى (قول الحنفية (٢)، ورواية عن أحمد (٣))؛ لأنهم يرون صحة وانعقاد النكاح بشهادة الفاسقين (٤).
القول الثاني: يُفرَّق بينهما بقوله ويرتفع النكاح، وهو قول الشافعية (٥)، ثم اختلفوا على وجهين:
الوجه الأول: لا يُقبل قوله عليها في المهر، فيجب نصف المهر المسمى إن كان قبل الدخول، وكل المهر إن كان بعده، وهو المذهب عند الشافعية (٦)، وفي سبيل هذا التفريق قولان:
стр. 67
الأول: فُرِّق بينهما فرقة فسخ لا فرقة طلاق، فلا ينقص عدده؛ فتعود إليه بثلاث طلقات إن نكحها، وهو الصحيح من مذهب الشافعية (١).
الثاني: هو طلقة بائنة، ينقص به عدد الطلاق؛ فلو نكحها يومًا، عادت بطلقتين، وهو وجه عند الشافعية (٢)، واختيار الصيدلاني (٣).
ملاحظة:
استشكل السبكي كُلًّا من الوجهين؛ بأن كلًّا من الفسخ والطلاق يقتضي وقوع عقد صحيح وهو ينكره؛ قال: "فالوجه تأويل قولهم الفسخ على الحكم بالبطلان، وتأويل الحكم بالطلاق على أنه في الظاهر دون الباطن" (٤).
الوجه الثاني: يُفرَّق بينهما بقوله ويرتفع النكاح، ويقبل قوله في المهر، فيسقط، ولا يلزمه. (وعلى هذا قالوا): إن كان اعترافه قبل الدخول فلا شيء عليه، وإن كان بعده فعليه أقل الأمرين من المسمى، ومهر المثل، وهو وجه عند الشافعية (٥).
الأدلة:
رأيت أن أشرع أولًا في أدلة القولين مجملًا، ثم الكلام في أدلة كل وجه من أوجه الشافعية.
أولًا: أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول القائلون ببقاء عقد النكاح على الصحة بأدلة قبول
стр. 68
شهادة الفاسق على النكاح من المنقول والمعقول (١):
من المنقول (٢):
عموم قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣)، وقوله ﷺ «لا نكاح إلا بشهود» (٤).
وجه الدلالة:
أنّ الفاسق شاهد؛ لقوله : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥) فقد قسَّم الشهود إلى مرضيين وغير مرضيين، فيدل على كون غير المرضي - وهو الفاسق - شاهدًا (٦).
ونوقش:
بأن الفاسق ليس بمرضي، وإنما المرضيُّ من كان عدلًا مستقيمًا في دينه وشهادته (٧).
من المعقول:
١. أن حضور الشهود في باب النكاح لدفع تهمة الزنا - لا للحاجة إلى شهادتهم عند الجحود والإنكار؛ لأن النكاح يشتهر بعد وقوعه - فيمكن دفع الجحود والإنكار
стр. 69
بالشهادة بالتسامع، والتهمة تندفع بحضرة الفاسق، فينعقد النكاح بحضرتهم (١).
٢. الأصل أن كل من يصلح أن يكون قابلًا للعقد بنفسه ينعقد النكاح بشهادته، وكل من يصلح أن يكون وليًا في نكاح يصلح أن يكون شاهدًا في ذلك النكاح، فالفاسق صالح للعقد بنفسه، وأن يكون وليًا في النكاح، فيصلح أن ينعقد النكاح بشهادته. وعلى هذا الأصل قلنا: ينعقد النكاح بشهادة الفاسقين (٢).
٣. أن عمومات النكاح مطلقة عن شرط، ثم اشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع عليها ثبتت بالدليل، فمن ادعى شرط العدالة فعليه البيان (٣).
٤. إن الفسق لا يخرج الفاسق من أن يكون أهلًا للإمامة والسلطنة، ومن ضرورة كونه أهلًا للإمامة كونه أهلًا للقضاء؛ لأن تقلد القضاء يكون من الإمام، ومن ضرورة كونه أهلًا لولاية القضاء أن يكون أهلًا للشهادة (٤).
٥. أن حضور الشاهدين حال العقد تحمُّل لا يشترط فيه العدالة، فصحَّت من الفاسقين قياسًا على سائر التحمُّلات في العقود.
وبيان ذلك:
أن الشهادة تحمُّل، وحضور الفاسقين للعقد إنما هو حال تحمل الشهادة فصحَّت من الفاسق؛ لأنّ عدالة الشهود إنما تشترط وقت الأداء لا وقت التحمُّل؛ لأن الفسق يؤثر في الشهادة للتهمة ولا تهمة في وقت التحمُّل، ألا ترى لو رأى الفاسق شيئًا، أو سمعه، ثم عدل، وشهد به، قبلت شهادته، بغير خلاف، وكذلك لو تحمل صبيٌّ شهادةً ثم بلغ أو عبدٌ ثم أعتق، أو كافرٌ ثم أسلم قُبلت شهادتهم اعتبارًا بحالهم وقت الأداء لا وقت التحمل، كذلك شهادة الفاسقين في النكاح (٥).
стр. 70
ونوقش:
أن قولكم: "إن حضور العقد حال تحمُّلٍ لا يراعى فيه العدالة" خطأ لا يسلَّم به؛ لأن الشهادة في عقد النكاح وإن كانت تحمُّلًا فهي تجري مجرى الأداء من وجهين:
أحدهما: وجوبها في العقد كوجوبها في الأداء.
والثاني: أن يراعى فيه حرية الشهود وإسلامهم وبلوغهم كما يراعى في الأداء وإن لم تراع في تحمل غيره من الشهادات، فكذلك الفسق (١).
٦. الصدق لا يقف على العدالة لا محالة، فإن من الفسقة من لا يبالي بارتكابه أنواعًا من الفسق، ويستنكف عن الكذب، والكلام في فاسق تحرى القاضي الصدق في شهادته فغلب على ظنه صدقه - ولو لم يكن كذلك - لا يجوز القضاء بشهادته عندنا (٢).
أدلة القول الثاني على أنه يُفرَّق بينهما بقول الزوج ويرتفع النكاح:
هي نفس أدلة الجمهور القائلين بعدم انعقاد النكاح بشهادة الفاسقين، من المنقول والمعقول:
من المنقول (٣):
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤).
وجه الدلالة:
لما اشتُرطت العدالة في الشهادة على الرجعة وهي أخفُّ حالا من عقد النكاح، كان اشتراطها في النكاح المغلَّظ أولى (٥).
٢ - قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٦).
стр. 71
واعتُرض عليه بما يلي:
١. بضعف الحديث، قال الإمام أحمد بن حنبل وابن المنذر وابن عبد البر (١)،
стр. 72
وغيرهم من أئمة الحديث ﵏: "لم يثبت عن النبي ﷺ في الإشهاد على النكاح شيء" (١).
فإذا جاز خلوّ النكاح من الإشهاد، فلا يُلتفت إلى العدالة التي هي وصفٌ للشهود.
٢. على التسليم بصحته:
أ- فإنَّ ذكر العدالة في موضع الإثبات يقتضي عدالة ما، وذلك من حيث الاعتقاد (٢)
فالمراد من الحديث عدالة الدين لا عدالة التعاطي لإجماعنا على أن فسق التعاطي لا يمنع انعقاد النكاح (٣).
ب- ليس في الحديث جعل العدالة صفة للشاهد؛ لأنه لو كان كذلك لقال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين)، بل هذا إضافة الشاهدين إلى العدل، وهو كلمة التوحيد فكأنه قال ﵊ لا نكاح إلا بولي وقابلي كلمة العدل، وهي كلمة الإسلام، والفاسق مسلم فينعقد النكاح بحضرته (٤).
стр. 73
ونوقش كلامهم بتضعيف الحديث:
على التسليم بضعفه، فإنه قد ثبت عن عمر وابن عباس ﵄ موقوفًا اشتراط الشاهدين في النكاح وعدالتهما (١).
وأجيب:
بأنه قد خالفهما عدد من الصحابة من الذين أجازوا النكاح بغير شهود، كابن
стр. 74
عمر، وابن الزبير، والحسن بن علي ﵃ (١).
ونوقش:
بأنه لم يثبت عنهم ذلك؛ قال الإمام الترمذي ﵀: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين وغيرهم قالوا: لا نكاح إلا بشهود، لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم إلا قومًا من المتأخرين من أهل العلم، وإنما اختلف أهل العلم في هذا إذا شهد واحد بعد واحد " (٢).
والإمام الترمذي ﵀ عالم باختلاف الصحابة ﵃.
وقال الحافظ ابن عبد البر ﵀: "وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد"، ولا مخالف له من الصحابة علمته" (٣).
والحافظ ابن عبد البر عالم بفقه الصحابة، وبأقوال الإمام ابن المنذر ونقولاته - رحمهما الله - (٤).
من المعقول:
أولًا: عموم أدلة عدم انعقاد النكاح بشهادة الفاسقين، وهي:
١. أن النكاح لا يثبت بشهادة الفاسقين، فلم ينعقد بحضورهما كالمجنونين أو كالعبدين (٥).
стр. 75
٢. ولأن كل موضع وجبت فيه الشهادة اعتبرت فيه العدالة كالحقوق (١).
٣. ولأن كل نقص يمنع من الشهادة في الأداء وجب أن يمنع انعقاد النكاح بها كالرق والكفر (٢).
٤. ولأن كل ما لم يثبت بشهادة العبدين لم يثبت بشهادة الفاسقين كالأداء (٣).
ثانيًا: أن الزوج أقرَّ على نفسه بأن الشاهدين فاسقان، والإقرار سيد الأدلة، فيفرق بينهما مؤاخذة له بقوله، ولاعترافه بما يتبين به بطلان نكاحه (٤).
أدلة أوجه الشافعية المتفرعة عن القول الثاني:
أولا: أدلة القول بأنه لا يُقبل قوله عليها في المهر، فيجب نصف المهر المسمى إن كان قبل الدخول، وكل المهر إن كان بعده، وفُرِّق بينهما فرقة فسخ لا فرقة طلاق فلا ينقص عدده؛ فتعود إليه بثلاث طلقات إن نكحها:
١. قالوا: إن المهر لا يسقط لسببين:
أ-لأن الفرقة جاءت بسببه.
ب-وتغليبًا لقول الزوجة لاستصحابها ظاهر العدالة (٥).
٢. أنها فرقة فسخ وليست بطلاق لأنه لم ينشئ طلاقًا، ولا في موجب إقراره ما يقتضي الطلاق؛ فلا ينقص عدد الطلاق؛ فتعود إليه بثلاث طلقات إن نكحها (٦).
٣. القياس على مسألة إقرار الزوج؛ بأن امرأة أرضعته وأرضعت زوجه؛ فكما أنه يُفسخ النكاح هنا، فكذلك في مسألتنا (٧).