← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 143158

النكاح العرفي في ميزان الإسلام

صلاح الدين عامر

Полный текст (214 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الثالث: أنواع النكاح وصوره وتحته أربعة مطالب: المطلب الأول: أنواع النكاح في الجاهلية لا شك أن غياب الدين عن واقع الإنسان يجعله يتخبط في ظلمات الشهوات, فهو يسعى لقضاء شهواته, سواءً كانت من حلال أو حرام, بل لا يعرف الحلالَ من الحرام، ولا الخيرَ من الشر, في مجتمعٍ الدينُ غائب عن واقعه, ففي الجاهلية كانت سائدة أنكحة بين الناس, نذكر منها ما يلي: أولاً: نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليتَه، أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. (١) وهو ما أقره الإسلامُ وأبقاه كما سنعرف. الثاني: نكاح الإستبضاع كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها, أرسلي إلى فلان, فاستبضعي منه ـ بمعنى اطلبي منه الجماع ـ ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً, حتى يتبينَ حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب, وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد.

стр. 37

الثالث: نكاح الرهط يجتمع الرهط ما دون العشرة, فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها, فإذا حملت ووضعت, ومرعليها ليالٍ بعد أن تضع حملها, أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع, حتى يجتمعون عندها؛ تقول لهم قد علمتم الذي كان من أمركم, وقد ولدت فهو ابنك يا فلان, تسمي من أحبت باسمه, فيلحق به ولدها, لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل. الرابع: نكاح البغايا يجتمع أُناس كثيرون فيدخلون على المرأة, لا تمتنع ممن جاءها, وهن البغايا, كن ينصبن على أبوابهنَّ رايات تكون علماً, فمن أراد دخل عليهن, فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا القافة, ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون, فالتاط به ودُعي ابنه, لا يمتنع من ذلك. الخامس: نكاح الشغار يقال شغرت المرأة رفعت رجلها للنكاح، وشغر الكلب رفع إحدى رجليه ليبول. (١) وسمي شغاراً لارتفاع المهر بينهما. (٢) قال ابن قتيبة: كان الشغار من نكاح الجاهلية, وهو أن يزوج الرجلُ ـ الرجلَ ـ ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق. (٣) قال النووي: وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات الأعمام، والإماء كالبنات في هذا. (٤) السادس: نكاح البدل نكاح البدل بمعنى المبادلة في الزوجات, وقد كان هذا حاصل في الجاهلية؛ فعن أبي هريرة ﵃ قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجلُ للرجلِ تنزل عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك؛ قال فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾.

стр. 38

(١) السابع: نكاح المقت قال ابن عرفة, كانت العرب إذا تزوج الرجل امرأة أبيه فأولدها؛ قيل للولد المقتي وأصل المقت البغض, من مقته يمقته مقتا فهو ممقوت ومقيت, فكانت العرب تقول للرجل من امرأة أبيه مقيت, فسمى تعالى هذا النكاح مقتا, إذ هو ذا مقت. (٢) وكان ذلك جائز قبل الإسلام, حكاه السهيلي عن ابن العربي. (٣) وقد ذكر في ترجمة منظور (٤) بن زبان بن سيار أنه كان ... ممن تزوج امرأت أبيه, وفرق بينهما عمر ابن الخطاب في خلافته. (٥) الثامن: نكاح المتعة ونكاح المتعة، أن يقول الرجل لامرأة: متعيني نفسك بهذه العشرة من الدراهم، مدةَ كذا فتقول له متعتك نفسي. (٦) ونكاح المتعة كان في الجاهلية، واستمر في بداية الإسلام, ثم حُرم. التاسع: نكاح الخدن الخدن والخدين, الصديق, والصاحب المحدث, والجمع أخدان وخدناء ... وكانوا في الجاهلية لا يمتنعون من خدن يحدث الجارية ... والمخادنة المصاحبة وفي التنزيل العزيز: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ يعني أن يتخذن أصدقاء. (٧) قال الداوودي:

стр. 39

كانوا يقولون ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم. (١) ونكاح الخدن هو نكاح الأصدقاء والأصحاب, وهو الزنا.

стр. 40

المطلب الثاني: ما أقره الإسلام منها وما أبطله جاء الإسلام والناس في تلك الشهوات, وعلى تلك الصور من الأنكحة, التي يؤدي بعضها إلى اختلاط الأنساب وهضم حقوق المرأة, ومفاسد عظيمة, فألغاها جميعاً إلا نكاحاً واحداً, ضمن فيه صفاء ونقاء النسب, وحقوق الجنسين, وهو النوع الأول من الأنكحة. النكاح الأول: نكاح الناس اليوم نكاح الناس اليوم هذا ما عبرت عنه عائشة أم المؤمنين في حديثها، كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء, فنكاح منها نكاح الناس اليوم, يخطب الرجلُ إلى الرجل وليته, أو ابنته فيصدقها, ثم ينكحها، وهذا هو النكاح الذي أقره الإسلام وأبقاه إلى يومنا هذا. النكاح الثاني: نكاح الإستبضاع أبطل الإسلام هذا النوع من النكاح, وجعله زناً محرماً، فقد قالت عائشة أم المؤمنين ﵂: "فلما بعث الله النبي ﷺ بالحق, هدم نكاح الجاهلية كله". النكاح الثالث: نكاح الرهط وهو الذي يجتمع فيه الرهط ما دون العشرة, فيدخلون على المرأة؛ قد أبطله الإسلام أيضاً, وهو داخل تحت عموم قول عائشة السابق. النكاح الرابع: نكاح البغايا وهو نكاح من كُن ينصبن على أبوابهن الرايات، كذلك هو من نكاح الجاهلية, الذي أبطله الإسلام, وهو يدخل تحت عموم قول عائشة السابق, وعموم أدلة تحريم الزنا. النكاح الخامس: نكاح الشغار فقد ورد النهي عنه في السنة النبوية, من حديث ابن عمر ﵃ عنه أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار. (١) النكاح السادس: نكاح البدل فقد ورد بذلك الخبر, عن أبي هريرة ﵃ عنه قال: كان البدل في الجاهلية, أن يقول الرجل للرجل, تنزل عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي, وأزيدك؛ قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا أَن

стр. 41

تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري، على رسول الله ﷺ وعنده عائشة، فدخل بغير إذن فقال له رسول الله ﷺ يا عيينة، فأين الاستئذان فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت قال: من هذه الحميراء التي إلى جنبك، قال رسول الله ﷺ : هذه عائشة أم المؤمنين قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق، فقال يا عيينة إن الله حرم ذلك قال: فلما أن خرج قالت: عائشة يا رسول الله من هذا قال: أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه. (١) وهو كذلك من نكاح الجاهلية, الداخل تحت عموم قول عائشة: فلما بعث الله النبي ﷺ هدم نكاح الجاهلية كله؛ وهو من الزنا المحرم, كما هو معلوم من نصوص الشريعة. النكاح السابع: نكاح المقت فقد أبطله الإسلام كذلك في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً﴾ (٢) وكذلك ما علم من تفريق عمر ابن الخطاب, ﵃ بين منظور بن زبان وامرأة أبيه. (٣) ويدخل كذلك في عموم حديث عائشة السابق. (٤) النكاح الثامن: نكاح المتعة فقد ورد النهي عنه كذلك في السنة النبوية, على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ وقد خالف بعض المبتدعة, من الشيعة, والروافض, فقالوا بعدم تحريمه؛ قال المازري: ثبت أن نكاح المتعة كان جائزاً في أول الإسلام, ثم ثبت بالأحاديث الصحيحة أنه نسخ, وانعقد الإجماع على تحريمه, ولم يخالف فيه إلا طائفة من المبتدعة, وتعلقوا بالأحاديث الواردة في ذلك, وقد ذكرنا أنها منسوخة, فلا دلالة لهم فيها. (٥) وحديث سبرة الجهني واضح في ذلك, إذ أنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة, فمن كان عنده منهن شيء، فليخل سبيله, ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً (٦) قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: وفي هذا الحديث التصريح

стр. 42

بالمنسوخ والناسخ, في حديث واحد من كلام رسول الله ﷺ (١) والكلام فيه يطول, وفيما ذكرنا من كلام رسول الله ﷺ , الغنى لمن أراد الحق. النكاح التاسع: نكاح الخدن وأما نكاح الخدن, فهو الزنا بعينه, وتحريمه ظاهر من نصوص الشريعة, الغراء، ويستوي في ذلك سره, وعلنه, ففي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) الغنى عما سواه.

стр. 43

المطلب الثالث: صفة النكاح المشروع بعد أن عرفنا أنواع النكاح في الجاهلية, وعرفنا ما أقره الإسلام منها, نريد أن نعرف الآن صورة هذا النكاح المشروع, أركانه, وشروطه, وما يصح به شرعاً، حتى يتجلى أمام القارئ الكريم بكل وضوح. ثم إن هذه الأركان والشروط منبثقة من نصوص الكتاب، والسنة, ولا يصح عقد النكاح إلا بها, كما أن فيها ضمان لحقوق الزوجين من الضياع. وقد جرى الخلاف الذي هو لازم عن الفطرة في عقول البشر، في اشتراط أمور من عدم اشتراطها كما سنبين. وقبل الشروع في ذكر الأركان والشروط نريد أن نبين تعريف الركن، والشرط، كلاً على حدة حتى تتضح المسألة وضوحاً كاملاً. تعريف الركن: ـ قال في المصباح المنير: رُكن الشيء جانبه، والجمع أركان، فأركان الشيء أجزاء ماهيته. (١) إذاً فالركن يكون في أصل الشيء وداخلاً فيه، بخلاف الشرط كما سيأتي، قال في الكليات: توقف الشيء على الشيء من جهة الوجود، إن كان داخلاً فيه يسمى ركناً، كالقيام بالنسبة إلى الصلاة. (٢) تعريف الشرط: ـ قال في لسان العرب: الشَّرْطُ إِلزامُ الشيء والتِزامُه في البيعِ ونحوه، والجمع شُروط ... وبالتحريك العلامة (٣). وقال صاحب أنيس الفقهاء: الشرط ما يتوقف عليه الشيء، وليس منه كالطهارة للصلاة. (٤) فالطهارة شرط لصحة الصلاة، مع أن الطهارة ليست داخلة في أفعال الصلاة. فالشرط إذاً

стр. 44

عبارة عن ما لا يوجد المشروط مع عدمه, لكن لا يلزم أن يوجد عند وجوده .. (١) وقيل: حقيقته ما كان عدمه يستلزم عدم الحكم. (٢) والتعريفان يحملان معنى واحداً, وهو أن الشرط يتوقف عليه الشيء لكنه ليس داخلاً في ماهيته. أولاً: أركان عقد النكاح يذكر الفقهاء أركان عقد النكاح، ويدخل بعضهم ضمنها بعض شروط العقد، (٣) ولكن إذا نظرنا إلى الأركان بحسب التعريف السابق، نجد أنها ما تكون أصلاً في ماهية الشيء؛ وعلى ذلك تكون الأركان ثلاثة, اثنان حسيان هما: الإيجاب، والقبول، والثالث معنوي وهو: ارتباط الإيجاب بالقبول. (٤) أولاً: الإيجاب وهو اللفظ الصادر من الولي، أو من يقوم مقامه. (٥) وله شروط أهمها، أن يكون بالعربية ممن ينطق بها، بلفظ أنكحتك، أو زوجتك؛ لأنهما اللفظان اللذان ورد بهما القرآن، (٦) وكذلك إصرار العاقد وبقاؤه بصيغة الكمال، حتى يوجد القبول. (٧) ثانياً: القبول وهو اللفظ الصادر من الزوج، أو من يقوم مقامه. (٨) وله شروط أهمها، أن يكون بلفظ قبلت هذا النكاح أو تزوجتها، أو قبلت، أو رضيت. (٩) أو ما يقوم مقام اللفظ. (١٠)

стр. 45

ثالثاً: ارتباط الإيجاب بالقبول يشترط بعض الفقهاء أن يكون ارتباط الإيجاب بالقبول منجزاً ـ أي حالاً ـ ولا يصح تعليقه، كأنكحتك إذا طلعت الشمس. (١) ويشترط كذلك أن يكون ارتباط الإيجاب بالقبول على سبيل الفورية، بأن لا يفصل بينهما فاصلٌ كبير يقتضي الإعراض. (٢) فهذه الأركان الثلاثة هي ماهية العقد، وما يمكن أن يقوم عليه الزواج الشرعي الصحيح، مع ما تبقى من الشروط في ذلك. ثانياً: شروط عقد النكاح أما شروط عقد النكاح التي تكون خارجة عن ماهية العقد، لكنها شروط صحة, بمعنى أنه لا يصح عقد النكاح إلا بها, فهي أربعة، الزوج, والزوجة, والولي, والشاهدان, وزاد بعضهم الصداق, وسنتكلم عن كل واحد منها: أولاً: الزوج وهو طالب عقد النكاح بنفسه، أو بالوكالة ويشترط فيه أن يكون معيناً معروفاً، لا مبهماً في العقد، بأن يذكر اسمه، أو صفته، أو يشار إليه، أو يذكر ما يميزه عن غيره. (٣) ويشترط كذلك رضاه إذا لم يكن صغيراً، أو معتوهاً. (٤) ثانياً: الزوجة وهي المعقود عليها، ويشترط فيها أن تكون خالية من الموانع الشرعية، كالعدة. (٥) وكذلك تعيينها بما يميزها عن غيرها، كذكر اسمها، أو صفتها، أو غيره. (٦) ويشترط رضاها بكراً كانت أم ثيباً, إلا أن المالكية، والشافعية، والحنابلة (٧)، يجيزون للأب إجبار البكر، صغيرة

стр. 46

كانت أم كبيرة على النكاح لحرصهم عليها، وللأمن من جهتهم عن الإضرار بها. (١) خلافاً للأحناف فإنهم لا يجيزون الإجبار للبكر البالغة مطلقاً؛ لانقطاع الولاية عندهم بالبلوغ لكنهم قالوا للولي أن يزوج الصغيرة، بكراً كانت، أم ثيباً فإذا بلغت كان لها الخيار. (٢) فعند المالكية، والشافعية، والحنابلة الإجبار منوط بالبكارة, وعند الأحناف منوط بالصغر. ثالثاً: الولي وهو من يكون عصبة بالنسبة للمرأة، ويشترط لصحة عقد النكاح أن يتولى العقد من جهة المرأة وليها, ولا يصح عقد المرأة لنفسها, ولا أن تتولى العقد لغيرها, عند المالكية (٣) والشافعية، (٤) والحنابلة (٥) وأولى الولاة هم كالتالي: الأب، ثم الجد أبو الأب, ثم الأخ لأب وأم, ثم الأخ لأب, ثم ابن الأخ لأب وأم, ثم ابن الأخ لأب, ثم العم, ثم ابن العم, على هذا ... الترتيب. (٦) حسب العصوبات في الميراث, عند الشافعية، والحنابلة، إلا أن الحنابلة زادوا بعد الأب, الابن وابنه. (٧) ثم إن عدموا أو عضلوا فالسلطان ولي من لا ولي له. (٨) أما عند المالكية فالترتيب كالتالي: الأبناء, ثم بنوهم, ثم الأب, ثم الأخوة الأشقاء, ثم الإخوة لأب, ثم بنوهم لأب وأم, ثم بنوهم للأب, ثم الأجداد للأب وإن علو, ثم العمومة على ترتيب الإخوة, ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة وإن سفلوا, ثم الموالي, ثم السلطان. (٩) أما الحنفية فإنهم يجيزون للمرأة أن تنكح نفسها، بأن تتولى العقد, بغير إذن وليها، بكراً كانت أم ثيباً, زوجت نفسها بكفء، أو غير كفء, فيعتبر النكاح صحيحاً عندهم في ظاهر الرواية

стр. 47

عن أبي حنيفة، (١) إلا أن الزوج إذا لم يكن كفئ، كان للأولياء حق الاعتراض, وفي رواية الحسن إن كان الزوج كفءً لها، جاز النكاح, وإن لم يكن كفءً، لم يجز. (٢) وقول الجماهير في اشتراط الولي هوالراجح، وذلك لما يفهم من الآيات, وللأحاديث الصحيحة المصرحة في اشتراط الولي, واعتبار النكاح باطلاً إذا كان بغير ولي. أما الآيات: ـ فقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣) نزلت في معقل بن يسار حين حلف أن لا يزوج أخته من مطلقها. (٤) فلو كان للمرأة أن تعقد لما نهى عن عضلها، قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: هذه أبين آية في كتاب الله تعالى، تدل على أن ليس للمرأة أن تتزوج بغير ولي. (٥) وأما الأحاديث: ـ حديث أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" (٦) أي لا نكاحَ صحيح شرعاً، إلا بالولي, فالنفي يتوجه إلى الصحة؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، ويؤكد ذلك ما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: " قال رسول الله ﷺ أيما امرأة

стр. 48

نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فإن أصابها فلها مهرها بما أصابها وإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له" (١) فهذا يدل دلالة صريحة أن الولي وعلمه بنكاح موليته، من شروط الصحة التي يكون النكاح بدونها باطلاً ولاغياً, والبطلان في العقد الذي يكون بلا ولي، بمعنى أن وجوده كعدمه تماماً؛ يؤيد ذلك ما جاء عن أبي هريرة ﵃ عنه قال: " قال رسول الله ﷺ : لا تزوج المرأةُ المرأةَ ولا تزوج المرأةُ نفسها، إن البغية التي تزوج نفسها" (٢) وقد روي اشتراط الولي عن عمر, وعلي, وابن مسعود, وابن عباس, وأبي هريرة وعائشة, وإليه ذهب سعيد ابن المسيب, وعمر ابن عبد العزيز, وجابر بن زيد والثوري, وابن أبي ليلى, وابن شبرمه, وابن المبارك, والشافعي، وإسحاق, وغيرهم. (٣) وسيأتي مزيد من المناقشة فيما بعد. (٤)؛ وحيث ثبت اشتراط الولي فإنه يشترط فيه ثمانية شروط (٥): ـ ١ ـ الحرية، فلا ولاية للعبد. ٢ ـ العقل، فلا يزوج الطفل ولا المجنون. ٣ ـ الذكورية، فلا ولاية للمرأة. لأن هؤلاء لا يملكون تزويج أنفسهم, فلا يملكون تزويج غيرهم بطريق الأولى. ٤ ـ اتفاق الدين، فلا يلي كافر مسلمة بحال. ٥ ـ العدالة، فلا يلي الفاسق إلا عند أبي حنيفة. (٦)

стр. 49

٦ ـ البلوغ، فلا يلي الصبي. ٧ ـ التعصيب، أو ما يقوم مقامه فلا تثبت الولاية لغيرهم. ٨ ـ عدم وجود مَنْ هو أولى منه، فلا تثبت الولاية للأب الأبعد، مع حضور الأقرب الذي اكتملت فيه الشروط. (١) رابعاً: الشاهدان من شروط صحة عقد النكاح كذلك أن يشهد عليه رجلان، أثناء انعقاده، عند الأحناف، والشافعية، والحنابلة (٢) إلا أن الأحناف يجيزون أن يشهد رجل وامرأتان، خلافاً للجماهير, وأن يكون الشاهدان فاسقين (٣) أما المالكية فإنهم لم يشترطوا حضور الشاهدين، أثناء العقد, ويصححون العقد بغير الشهود, لكنهم يشترطون إعلان النكاح, وأن لا يكون سراً، وإلا كان النكاح باطلاً؛ قالوا ويشهد عليه في المستقبل, حتى أنهم قالوا إذا أشهدا على نكاحهما، ولم يعلناه, وأمرا الشهود بالكتمان، كان النكاح باطلاً. (٤) والخلاصة أن الإشهاد على النكاح, وإعلام الناس بالنكاح, من شروط صحة عقد النكاح, وعلى ذلك لا يصح نكاح السر الذي يتواصى بكتمانه عند الجميع والله أعلم. ودليل اشتراط الشهود مايلي: حديث عائشة ﵂ قالت: "قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٥) وهذا النفي يحمل على أقرب المجازين للحقيقة، وهو نفي الصحة؛ وما روي عن

стр. 50

عائشة ﵂ أيضاً أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا بد في النكاح من أربعة الولي والزوج والشاهدان" (١) فكما أنه لا نكاح بلا زوج فكذلك لا نكاح بلا شاهدين. ويشترط في الشاهدين سبع (٢) صفات: ١ ـ العقل، لأن المجنون والطفل ليسا من أهل الشهادة. ٢ ـ السمع، لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به. ٣ ـ النطق، لأن الأخرس لا يتمكن من أداء الشهادة. ٤ ـ البلوغ، لأن الصبي لا شهادة له. ٥ ـ الإسلام ٦ ـ العدالة، إلا عند الأحناف (٣)، ولا يشترط معرفة العدالة بل يكفي أن يكون مستور الحال. ٧ ـ الذكورة إلا عند الأحناف كما سبق؛ زاد الأحناف والشافعية شرطاً، وهو الحرية (٤) والمعنى في اشتراط تلك الشروط هو الاحتياط للأبضاع, وصيانة النكاح عن الجحود, ولحفظ الأنساب, فينبغي أن يتنبه لمثل ذلك, ويتحرى مريد النكاح شهودا عدولاً. (٥) خامساً: الصداق يذكر فقهاء المالكية لعقد النكاح شرطاً خامساً, ويقول به بقية الفقهاء، إلا أنهم لا يعدونه من ضمن شروط عقد النكاح (٦) والصداق بفتح الصاد وكسرها، هو اسم للمال الواجب للمرأة على الرجل، بالنكاح أو الوطء. (٧) وله أسماء كثيرة, جمعها بعضهم بقوله: مهر صداق نحلة وفريضة: طول حباء عقر أجر علائق (٨)

стр. 51

وقد فرضه الله تعالى فقال ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١) أي عطية من الله مبتدأه, والمخاطب بذلك الأزواج عند الأكثرين, وقيل الأولياء (٢) والصداق مأخوذ من الصدق، وهو الشديد الصلب؛ لأنه أشد الأعواض ثبوتاً، فإنه لا يسقط بالتراضي (٣) فالصداق لابد منه، ولكن لا يشترط ذكره في العقد، فإذا جرى العقد ولم يُذكر فيه الصداق، صح العقد، وللمرأة مهرُ المثل؛ فإذا اشترطوا في عقد النكاح، عدم الصداق، كان العقد باطلاً. (٤) فعلى هذا يكون الصداق شرط صحة، لكن لا يلزم وجوده، أو ذكره أثناء العقد. والله أعلم.

стр. 52

المطلب الرابع: أركان وشروط عقد النكاح في القانون اليمني بعد أن تكلمنا عن أركان وشروط عقد النكاح في الشرع, نتكلم الآن عن هذه الأركان والشروط في القانون اليمني. ونشرع أولاً في ذكر الأركان؛ قال في قانون الأحوال الشخصية: أركان العقد التي لا تتم ماهيته بدونها أربعة: زوج, وزوجة, وهما محل العقد, وإيجاب, وقبول. (١) ثم شرع يتكلم عن كيفية العقد وصيغته, وبما يتم فقال: ويتم باللفظ، والكتابة, والرسالة من الغائب في مجلس بلوغ الخبر. (٢) ثم قال في الأخرس: ويصح العقد من المصمت, والأخرس, بالإشارة المفهمة. (٣) ونحن نرى في القانون, أنه ذكر أركان عقد النكاح، بمعنى أن الركن هو الذي لا تتم ماهية الشيء إلا به, وليس ما يكون جزءً من ماهية الشيء, فلذلك ذكر الزوج والزوجة من الأركان. ثم أخذ يشرع في ذكر شروط العقد فقال: ويشترط لصحة العقد ما يلي: ـ ١ ـ أن يكون في مجلس واحد، ويعني بذلك الإيجاب والقبول. ٢ ـ إيجاب بما يفيد التزويج عرفاً، من ولي للمعقود بها. (٤) الإيجاب كما سبق هو اللفظ الصادر من ولي الزوجة، أو من ينوب عنه، ونحن نرى هنا في القانون أنه ذكر أن الإيجاب يكون من ولي الزوجة, مما يدل على عدم اعتبار الإيجاب من الزوجة؛ ثم شرط في الولي شروطاً فقال: مكلفاً, ذكراً, غير مُحرِم. (٥)

стр. 53

ثم شرع في ذكر بعض صفات الإيجاب والقبول، جاعلاً لها ضمن الشروط فقال: ١ ـ أن يكون الإيجاب والقبول منجزين, متطابقين, وغير دالَين على التوقيت بمدة. (١) ٢ ـ تعريف الزوجين حالَ العقد، باسم، أو لقب أو نحو ذلك مما يميزهما عن غيرهما. (٢) ٣ ـ قبولُ التزويج قبل الإعراض، من زوج مكلف، غير مُحْرم أو ممن يقوم مقامه شرعاً أو بإجازته. (٣) ٤ ـ خلو الزوجين حال العقد من موانع الزواج المذكورة في الفصل الثالث (٤) من هذا الباب. (٥) فهذه الشروط الستة، ذكر أنه لا يصح العقد إلا بها، ثم نص في المادة التاسعة على ضرورة حضور الشاهدين فقال: يتم العقد بحضور شاهدين عدلين مسلمين أو رجل وامرأتين. (٦) وشرط في الشهود، السلامة من الصمم على سبيل الإشارة فقال: يسمعان لفظ الإيجاب والقبول من المتعاقدين بالمجلس. (٧) ثم قال عند عدم السماع: أو بالكتابة أو الرسالة أو الإشارة من الأخرس والمصمت. (٨) بمعنى أنه لابد للشهود من سماع اللفظ (الإيجاب والقبول) أو النظر إلى الكتابة لذلك اللفظ, أو الإشارة لمن لا يستطيع الكلام؛ ثم ذكر في المادة العاشرة الإكراه فقال: كل عقد يبنى على إكراه الزوج أو الزوجة لا اعتبار له.

стр. 54

وصرح باشتراط رضا المرأة في المادة ٢٣ فقال: يشترط رضا المرأة، ورضا البكر سكوتها, ورضا الثيب نطقها. كما نص القانون بخصوص المهر بقوله: يلزم المهر للمعقود بها، بعقد صحيح, وهو ما حصل عليه التراضي، معيناً، مالاً يصح لهما تملكه، أو منفعة غير محرمة, فإذا لم يسم أو سُمي تسمية غير صحيحة أو نسى ما سمى بحيث لم يُعرف وجب مهر المثل. (١) وبعد كل ذلك عقد فصلاً للولاية في الزواج, فقال: (الفصل الثاني في الولاية في الزواج) بيَّن فيه أن عقد الفضولي الذي لا ولاية له باطل، إذا حصل منه, ويدخل في ذلك المرأةُ لأنها ليست صاحبة ولاية، ولم يذكرها ضمن الأولياء, فقال: من أجرى عقد زواج دون ولاية أو وكالة فهو فضولي وعقد الزواج من الفضولي يعتبر كلا عقد. (٢) وبعد ذكره لتلك الأركان والشروط، وما يجب في العقد, عقد باباً في أحكام الزواج فقال في الفصل الأول منه: كل زواج استوفى أركانه وشرائطه المبينة في الباب السابق، فهو صحيح ولو لم يعقبه دخول. (٣) ثم بين في حالة اختلال ركن أو شرط فقال: الزواج الذي لم يستوف أركانه، وشرائطه المبينة في الباب السابق، باطل ولا تترتب عليه قبل الدخول أية آثار, ويجب التفريق بين الطرفين قضاء؛ إن لم يكن قد تم برضاهما، ما لم يكن الشرط المفقود في العقد جائزاً، في مذهبيهما، أو دخلا فيه جاهلين، ولم يخرق الإجماع المعتبر في الحالين. (٤) بمعنى أن التفريق يجب قضاءً في حال تخلف شرط، أو ركن مجمعاً عليه, وفي حال تخلف شرط أو ركن مختلفاً فيه، فكذلك يجب التفريق إلا في حالتين: الأولى: أن يكون الشرط المفقود، جائزاً في مذهبيهما, وقد تراضيا عليه. الثانية: دخلا في هذا العقد وهما جاهلان.

стр. 55

ثم بقي ما عُرف اليوم بتوثيق العقد, والذي به تحفظ الحقوق من الضياع, خاصةً في هذا الزمن, الذي كثر فيه التلاعبُ بالحقوق, والتملص من التبعات. فقال في المادة (١٤) ما نصه: ـ على من يتولى صيغة العقد، وعلى الزوج، وعلى ولي الزوجة أن يقيدوا وثيقة عقد الزواج لدى الجهة المختصة، في السجل المعد لذلك خلال شهر, وإذا قام أحد ممن تقدم ذكرهم بقيد الوثيقة كفى عن الآخرين, على أن تتضمن وثيقة عقد الزواج المعلومات اللازمة، مثل سن الزوجين وأرقام بطاقات الهوية إن وجدت، ومقدار المهر المعجل منه والمؤجل. فبالتوثيق تستطيع المرأة مطالبة الرجل بحقوقها قضاءً, إذا ما تنصل يوما ما عما فُرض عليه شرعاً, وبدون هذا التوثيق قد تتعرض الحقوق للضياع, ناهيك عما تكون النتيجةُ, إذا ما كان هناك أولادٌ فأنكر الزوج صلته بزوجته, فيضيع النسب, ويظل الأولاد بلا أب يرعاهم؛ ففي التوثيق مصلحة ظاهرة, كما فيه دفع لمفاسد متوقعة الحدوث, والإسلام جاء لجلب المصلحة, ودفع المفسدة.

стр. 56

بقي أن أذكر في نهاية هذا الفصل, ملخصاً جامعاً، لآثار الزواج الشرعي التام الصحيح, لأرسم في الأذهان الصورة الكلية, الجامعة لأحكام الزواج الشرعي الصحيح, المعروف لدى الفقهاء بالزواج الشرعي, الصحيح اللازم، وهو الزواج الذي استوفى أركانه وشروطه التالية: أولاً: أركانه ١ ـ الإيجاب, بشروطه السابقة ٢ ـ القبول, بشروطه السابقة ٣ ـ ارتباط الإيجاب بالقبول, بالشروط السابقة ثانياً: الشروط ١ ـ الزوج, بالشروط السابقة. ٢ ـ الزوجة, بالشروط السابقة. ٣ ـ الولي, بالشروط السابقة. ٤ ـ الشاهدان, بالشروط السابقة. ٥ ـ الصداق. فإذا توفرت في عقد الزواج، تلك الأركان والشروط؛ ترتبت عليه الآثار الآتية: ـ أولاً: للزوجة على الزوج: ـ ١ ـ وجوب المهر. ٢ ـ النفقة المقدرة شرعاً. ٣ ـ العدل بين الزوجات. ٤ ـ عدم الإيذاء بالقول أو الفعل. ثانياً: للزوج على الزوجة: ـ ١ ـ الطاعة بالمعروف. ٢ ـ القرار في بيت الزوج. ٣ ـ ولاية تأديبها بالمعروف شرعاً.

стр. 57

ثالثاً: آثار مشتركة بينهما: ـ ١ ـ حل الاستمتاع بين الزوجين، كل بالآخر على الوجه المشروع. ٢ ـ حسن المعاشرة بينهما. ٣ ـ حرمة المصاهرة، بينهما. ٤ ـ التوارث بينهما, ما لم يمنع مانع شرعي من ذلك. ٥ ـ ثبوت النسب للأولاد بينهما. أما في حالة اختلال ركن من الأركان الثلاثة السابقة, فإن العقد يكون باطلاً, ولا تترتب عليه أية آثار من آثار العقد الصحيح؛ لأن ماهية العقد لم توجد أصلاً, كمن يزعم الزواج بدون إيجاب أو قبول. وفي حالة اختلال شرط من الشروط سواء كان الولي, أو الشهود, فإن العقد يكون باطلاً فاسداً لا تترتب عليه أية آثار, لكن إن كان قد دخل بها ترتب عليه ما يلي: ١) وجوب المهر, لقوله ﷺ : "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فنكاحها باطل, فإن أصابها فلها مهرها بما أصابها فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " (١) ٢) حرمة المصاهرة فيما بينهما؛ لأنه نكاح شبهة, قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الرجل إذا وطء امرأة بنكاح فاسد، أنها تحرم على ابنه، وأبيه، وعلى أجداده، وولد ولده. (٢) ٣) ثبوت نسب الأولاد بينهما، حفاظاً على حقوق الأولاد من الضياع، ويمكن الاستدلال بقوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (٣) وفي هذا الزواج شبهة فراش والله أعلم.

стр. 58

٤) وجوب العدة على المرأة, سواء كانت حاملاً، أو غير حامل, فالحامل بوضع الحمل, وغير الحامل مثل عدة المطلقة، وتبدأ من وقت التفريق, لأن في هذا النكاح شغل للرحم, ولحوق للنسب, فأشبه النكاح الصحيح في هذا. (١) ٥) انتفاء الحد عنهما، سواء كانا ممن يعتقدا تحريمه، أم لا؛ لشبهة الخلاف في صحته (٢) , والحدود تدرأ بالشبهات, كما في حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" (٣) والله أعلم. أما إن فقد العقد, الولي والشهود معاً (نكاح السر) , فإن النكاحَ يكون نكاحاً باطلاً، عند كافة العلماء, وهو من جنس نكاح الخدن (الزنا) الذي حرمه الإسلام, كما هو معروف في ديننا, لا يجهله أحد. فإن وطء فيه وجب الحد عليه جزماً؛ لانتفاء الشبهة (٤). فإن الولي شرطُ صحة عند المالكية, والشافعية, والحنابلة كما سبق بيانه, والإشهاد شرط عند الأحناف, والشافعية, والحنابلة؛ والنكاح بلا ولي ولا شهود, غير صحيح عندهم جميعاً, ولا قائل به. والله أعلم، ، ،

стр. 59

الفصل الثاني

стр. 60

النكاح العرفي

стр. 61

تمهيد لقد سمعنا في الآونة الأخيرة أنواعا من عقود الأنكحة، والتي انتشرت بشكل واسع أوساط المجتمع، وخاصة الشباب، مما يجعل النظر فيها أمرا حتمياً, والنكاح العرفي أحد هذه العقود, والذي كان له صدىً واسع في كثير من البلدان العربية, وقد اختلفت فتاوى العلماء في صحته حسب تصور كل مفتى لهذه العقود, وتحقيقها للمصالح والمقاصد الشرعية, مما يجعل الأمر مرتبكاً على بعض الناس, فكان لابد من دراسة مفردة لهذا الموضوع الذي كثر حوله الجدل؛ وتمييز أنواعه بعضها من بعض، ومن ثم الحكم على كل نوع. وسنحاول في دراستنا هذه الخروج برؤية واضحة لهذا الموضوع, ومن ثم الحكم عليه حسب ما تسوقنا إليه الأدلة, وما يتوافق مع مقاصد الشريعة, والله من وراء القصد.

стр. 62

المبحث الأول: التعريف والأنواع وتحته ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف لفظة العرفي لغةً العرفي نسبة إلى العرف, والعرف يأتي بمعنى العلم, كما تذكر لنا قواميس اللغة. قال في لسان العرب: عرَف العرفان العلم, وعرفه الأمر أعلمه إياه, وعرفه بيته أعلمه بمكانه وعرفه به, وقوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (١) , قال الفراء يعرفون منازلهم إذا دخلوها حتى يكونَ أحدهم أعرف بمنزله إذا رجع من الجمعة إلى أهله ... وقد تعارف القوم، أي عرف بعضهم بعضاً ... ويقال للحازي (٢) عرَّاف وللقناقن (٣) عرَّاف، وللطبيب عرَّاف؛ لمعرفة كل منهم بعلمه، والمعروف الوجه لأن الإنسان يعرف به, والمعروف ضد المنكر, والعرف ضد النكر, وقيل سمي عرفة، لأن الناس يتعارفون به. (٤) ويزيد صاحب المصباح المنير بقوله: عرفته عِرفه بالكسر، وعِرفاناً علمته بحاسة من الحواس الخمس، والمعرفة اسم منه. (٥) وهكذا نجد قواميس اللغة تتكلم عن مادة عرف، وتذكر أنها بمعنى العلم والمعرفة.

стр. 63

المطلب الثاني: سبب تسمية هذا النكاح بالعرفي سبق أن عرفنا أن العرف بمعنى العلم والمعرفة, والمعروف ضد المنكر, والعرف ضد النكر. وعقد الزواج الذي يتم بأركانه وشروطه كلها, عقدٌ معروف بصحته بين المسلمين، وغير منكر, من عهد النبي ﷺ وحتى الآن, ولم يكن يوماً ما يفتقر إلى ما يسمى بتوثيق العقد, لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، فيحتاجون إلى كتابته وتوثيقه، (١) فلهذا كان العقد بهذه الصورة عرفاً تعارف عليه المسلمون, ثم نسب هذا العقد إلى العرف، فسمي عرفياً, فكان هذا العقد متعارف عليه بين كافة المسلمين بالصحة، ثم جاء مَن بعد الصحابة، وأصبحوا يتزوجون على مؤخر، فجاءت الحاجة إلى كتابةٍ، تُثبت فيها الحقوق؛ ثم بمرور الزمن وخراب الذمم، وتنصل بعض الأزواج من زوجاتهم، كانت الحاجة إلى توثيق هذا العقد أشد، والضرورة ألح، فشرَّعت القوانين، ونصَّت الدساتير، على ضرورة توثيق العقود، ولما كان ذلك، أُطلق على العقد الذي لم يوثق بأنه عقد عرفي، بمعنى أنه أُجري على الطريقة الأولى، المتعارف عليها بين المسلمين، والتي هي بدون توثيق، ولكنّ هذه التسمية أُطلقت اليوم، على أنواع أخرى, من العقود، تعارف عليها بعض الناس فقط, وأرادوا تسميتها بأنها عقودٌ عرفية؛ ليُبرروا شرعيتها، كالنكاح بغير ولي, والنكاح السري؛ بحجة أنها تُجرى بدون توثيق أيضاً، وفي ذلك تجاوز كبير؛ لأن المسلمين لم يتعارفوا يوماً ما، على إجراء عقود الأنكحة بغير ولي للمرأة, أو يكون العقد سرياً بغير شهود. وعليه فإن تسمية هذين النوعين من العقود بأنها عرفية فيه تجاوز, لأن العُرف يكون عاماً، إلا إذا نظرنا إليها من جهة كونها غير موثقة رسمياً, فهي داخلة في التسمية من هذه النقطة, بغض النظر عن صحتها، أو بطلانها، وهذا هو وجه الشبه بينها وبين العقد المكتمل في أركانه وشروطه، ولكنَّ الناس اليوم يطلقون لفظة العرفي, على كل تلك الأنواع، دون تفريق بينها, وأصبح ذلك شائعاً معروفاً بينهم, فكان لابد أن نتكلم عنها تحت هذه التسمية, ونفردها بشيء من التفصيل، نظراً للمصلحة المرجوة.

стр. 64

المطلب الثالث: أنواع النكاح العرفي علمنا مما سبق أن لفظة العرفي، نسبة إلى العرف, وأن العرف ما تعارف عليه الناس، وساروا عليه في حياتهم بدون نكير, وأنها تطلق اليوم على أنواع من العقود, ونحن سنتكلم عنها على النحو الآتي: ـ الأول: نكاح متعارف عليه بين كافة المسلمين بلا نكير, وهو النكاح المكتمل الأركان والشروط, لكنه غير موثق بوثيقة رسمية من المأذون، أو الجهة المختصة، فهو عرفي، بمعنى أنه ليس موثق رسمياً. الثاني: نكاح مكتمل الأركان والشروط في الظاهر، لكنه بنية الطلاق, وعدم استمرار هذا العقد من طرف واحد, هو الزوج, وهو كذلك غير موثق رسمياً, وهو النكاح السياحي أو الصيفي. الثالث: نكاح تعارف عليه بعض الناس, أو مجموعة من الناس, دون عامة المسلمين, وهو كذلك غير موثق رسمياً, وهو النكاح بغير علم الولي. الرابع: نكاح لا يعرفه غير الزوج والزوجة, دون بقية المسلمين, وهو كذلك غير موثق رسمياً, وهو النكاح السري. وقد آثرنا هذا التقسيم، نظراً لنوع الدراسة التي تقتضي أن نتكلم عن كل نوع، ونفرده بشيء من التفصيل، فنقول وبالله التوفيق: ـ

стр. 65

المبحث الثاني: النكاح المكتمل الأركان غير الموثق تمهيد إذا اكتملت الأركان والشروط الشرعية، في العقد كان صحيحاً, ولم يحتج العقد إلى شيء آخر, لكنَّ قوانين الأحول الشخصية اليوم، تقررأنه لابد من توثيق هذا العقد, لدى الجهة المختصة نظراً للمصلحة العامة, وفي مقدمتها مصلحة الزوجين, والزوجة على وجه الخصوص, لما في ذلك من ضمان حقوقها المادية والمعنوية, في حال نكران الزوج ارتباطه بها, وعندها لابد من مقاضاة هذا الزوج, ولكن الدليل الذي تعتبره المحاكم في هذا العصر على صحة عقد الزوجية هو وثيقة العقد الموثقة رسمياً, أو المصادق عليها من الجهة المختصة, وفي حال عدم وجودها, أو عدم توثيقها ومصادقتها, فإن قوانين بعض الدول لا تقبل الترافع في القضية تماماً, فتضيع بذلك حقوق المرأة. كما أن في هذا التوثيق مصلحة في منع المتلاعبين بهذه الرابطة العظيمة, لمجرد المتعة وقضاء الوطر. وسنقسم هذا المبحث خمسة مطالب بحسب ما اقتضته منهجية البحث: ـ

стр. 66

المطلب الأول: تعريفه نستطيع تعريف النكاح غير الموثق، والذي اكتملت جميع أركانه وشروطه, بأنه نفس تعريف النكاح الصحيح السابق, في كونه عقدٌ يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح، أو تزويج، أو ترجمة؛ أو عقدٌ يفيد ملك المتعة قصداً. (١) إذ لا فرق بينهما سوى عنصر التوثيق الذي سنته قوانين الأحوال الشخصية. والتوثيق لا أثر له في قلب عين العقد, بل هو أمر طارئ في حياة الناس, تراعى فيه المصلحة. المطلب الثاني: لمحة تاريخية في توثيق العقود بالكتابة لم يكن المسلمون يوثقون عقود الأنكحة بالكتابة في السابق, بل كانوا يكتفون بالإشهاد عليها فحسب, لعدم الحاجة لذلك, ومع مرور الأيام وخراب الذمم, وما يستجده الناس في حياتهم من تأخير جزء من المهر, جاءت الحاجة للكتابة والتوثيق, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لم يكن الصحابة يكتبون صداقات لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر, بل يعجلون المهر, وإن أخروه فهو معروف, فلما صار الناس يتزوجون على مؤخر, والمدة تطول ويُنسى صاروا يكتبون المؤخر, وصار ذلك حجة في إثبات الصداق, وفي أنها زوجةً له" (٢) واليوم صار هذا التوثيق لابد من المصادقة عليه لدى الجهة المختصة, حتى يكون معترفاً به رسمياً؛ نظراً لما جدَّ في واقع الناس من أمور، تجعل من التوثيق أمراً مهماً بالنسبة للزوج والزوجة على حد سواء، سواءً لإثبات الزوجية، في مواطن الحاجة (كالسفر أو عند الإنكار) أو لتحديد المهر المؤجل، والذي يُنسى بمرور الزمن؛ ولأي كان فإن التوثيق أصبح اليوم من الأمور التي لاغنى عنها.

стр. 67

المطلب الثالث: نظرة في القانون اليمني هذا التوثيق أصبح اليوم أمراً تلزم به قوانين الأحوال الشخصية، في كثير من البلدان، ومنها قانون الأحوال الشخصية اليمني، حيث نصَّت المادة الرابعة عشر من الفصل الأول في الباب الثاني على ما يلي: على من يتولى صيغة العقد, وعلى الزوج وعلى ولي الزوجة، أن يقيدوا وثيقة عقد الزواج لدى الجهة المختصة، في السجل المعد لذلك, خلال شهر, وإذا قام أحدٌ ممن تقدم ذكرهم بقيد الوثيقة كفى عن الآخرين, على أن تتضمن وثيقة عقد الزواج المعلومات اللازمة, مثل سن الزوجين, وأرقام بطاقات الهوية إن وجدت, ومقدار المهر المعجل منه والمؤجل. (١) فالواضح أن القانون يلزم بتوثيق عقد النكاح، لدى الجهة المختصة, والذي يتولى ذلك هو الزوج, أو ولي الزوجة, أو من يتولى العقد لهما, كما نص كذلك أنه إذا قام أحدهم بالتوثيق، كفى عن الباقي؛ لأن الغاية قد حصلت. ولم يتعرض القانون اليمني لعقوبة مخالفة هذه المادة, كما نجده في قوانين بعض الدول العربية, حيث تُرتب على مخالفة تلك المادة أثر قانوني. (٢) المطلب الرابع: شرعيته النكاح المكتمل في أركانه وشروطه, نكاح صحيح, لا غبار عليه, إذ أن أنكحة المسلمين كانت كذلك عبر الأزمان, ولم يقل أحدٌ أنها باطلة.

стр. 68

والتوثيق ليس ركناً ولا شرطاً في العقد, وإنما هو أمر مصلحي من ولي أمر الأمة يراعى فيه انتظام الحقوق وضمانها. ولكن التوثيق اليوم أصبح حاجة في المجتمعات، وله أهميته البالغة, والتي تتمثل عند إرادة السفر، أو إثبات الجزء المؤخر من المهر، أو في حال التجاحد، فتحفظ به الحقوق من الضياع, وخاصة حقوق الزوجة, حين يتنصل عنها الزوج, وينكر ارتباطه بها, وما قد يترتب عليه من التلاعب بهذه الرابطة العظيمة, وانتشار الفساد؛ والواقع مليء بالأحداث لكثير من فتيات المسلمين اللواتي تزوجن زواجاً غير موثق, ثم تنصل عنهن أزواجهن منكرين ارتباطهم بهن, تاركين وراءهم آثاراً ومفاسد كبيرةً على المرأة وأولادها خاصة, وعلى المجتمع عامة. المطلب الخامس: الآثار الشرعية المترتبة عليه د سبق أن عرفنا أن هذا النكاح صحيح, وعليه فإنه تترتب عليه جميع الأحكام التي تترتب على النكاح الصحيح, المبينة في الفصل الأول من هذا البحث, من حلية الاستمتاع, وثبوت النسب, وثبوت التوارث, وحرمة المصاهرة, بين الزوجين، وغيرها. (١) كما أننا لا نجد في القانون اليمني ما يبطل هذا العقد, أو يعتبره فاسداً, إذا ما اكتملت فيه الأركان والشروط.

стр. 69

المبحث الثالث: النكاح بنية الطلاق (السياحي) تمهيد شرع الإسلام الزواج لأهداف سامية, وحافظ عليه, وحرص على بقائه حرصاً بليغاً, وجعل شرط التوقيت شرطاً يفسد به عقد النكاح؛ لذلك حرم نكاح المتعة القائم على التوقيت, وقد شاعت في أيامنا هذه عقود يضمر فيها الزوج طلاق من سيتزوجها بعد حين, لكنه لا يفصح بما يضمره أثناء العقد, فيتزوج المرأة زواجاً مستوفياُ لأركان العقد وشروطه, فإذا انقضت تلك المدة التي أضمرها طلق زوجته وفارقها. وقد دار جدل واسع في المجتمع حول شرعية هذا النكاح من عدمها, حيث أنه يتكرر بتكرار مجيء الصيف, وقدوم السائحين من البلدان المختلفة لقضاء فترة الصيف في هذه البلاد, وبالتالي تتكرر مثل هذه الزيجات, بحكم أن هؤلاء السائحين بعيدون عن أهاليهم وذويهم. ونحن في هذه الدراسة سنتعرض لأهم ما يمكن أن يقال، من مفردات وأحكام، تخص هذا النوع من الزواج، حتى يتجلى لنا بوضوح, لنتمكن من الخروج برؤية واضحة حول حكمه الشرعي, ولأن مدينة إب هي أكثر المدن اليمنية تعرضاً لمثل هذا النوع من الأنكحة, سنجعلها نموذجاً في دراستنا لهذه الظاهرة. وسنقسم هذا المبحث إلى سبعة مطالب بحسب ما اقتضته منهجية البحث: ـ

стр. 70

المطلب الأول: تعريف النكاح بنية الطلاق (السياحي) أولاً: تعريفه في اللغة لفظة السياحي نسبة إلى كلمة ساح, وساح تأتي في اللغة بمعنى الجريان والذهاب. قال في اللسان: أساح فلان نهرا إذا أجراه؛ (وفي البئر) ساحت أي جرى ماؤها وفاضت ... والسياحة الذهاب في الأرض للعبادة والترَهُّب ... وساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسيحا وسيحانا أي ذهب، وأصله من سيح الماء الجاري، ومنه المسيح ابن مريم ﵉ في بعض الأقاويل، كان يذهب في الأرض فأينما أدركه الليل صف قدميه وصلى، حتى الصباح فإذا كان كذلك فهو مفعول بمعنى فاعل (١). ثانياً: تعريفه في الاصطلاح لا يختلف تعريف النكاح بنية الطلاق (السياحي) في الظاهر كثيراً، عن تعريف النكاح الصحيح؛ لاكتمال جميع الأركان والشروط فيه، لكن الأدق أن ننظر في التعريف إلى الماهية, وبناءً على ذلك يمكن القول: إنه عقد زواج مستوف لأركان العقد وشروطه، في نية الخاطب توقيته بمدة, تغريراً منه على المرأة وأوليائها.

стр. 71

المطلب الثاني: علاقة النكاح بنية الطلاق (السياحي) بالنكاح المؤقت النكاح المؤقت والذي يفتقر إلى التأبيد, لا يمكن أن يحقق أهداف النكاح السامية بحال, وهذا النكاح له صور: منها: نكاح المتعة والذي يقوم على شرط التوقيت بمدة معينة أثناء العقد, يتفق عليها كل من الرجل والمرأة, بأجر معلوم لها, هذا النكاح حرمه الشارع الحكيم وقد كان جائزاً في بداية الإسلام, ثم حُرم، لما يجر وراءه من ويلات ومفاسد على المجتمع. (١) ومنها: نكاح التحليل الذي يقوم على أساس التوقيت أيضاً, حيث يتزوج الرجل المرأة مدةً أقصاها إصابته إياها, ثم يطلقها لتحل لمطلقها الأول. وهذا النوع يجري على مسلكين: الأول: أن تشترط المرأة, أو يتفق الطرفان صراحة على الفرقة بعد الإصابة, عند العقد. الثاني: أن يتواطأ الطرفان على التوقيت, دون تصريح منهما, أو ينوي الزوج الثاني تحليل المرأة لمطلقها الأول, دون أن يظهر ذلك. ومما لا شك فيه أن الإسلام حرم نكاح المحلل, ولعن النبي ﷺ فاعله, بل وصفه بالتيس المستعار, فقد جاء من حديث عقبة ابن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا بلى يا رسول الله قال هو المحلل لعن الله المحلل والمحللة له" (٢) وكل نكاح قام على التوقيت سُمي نكاح متعة, التفاتاً إلى باعثه وهدفه, طالت مدة توقيته أم قصرت. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وجماع المتعة المنهي عنه كل نكاح كان إلى أجل من الآجال، قرب أو بعد، وذلك أن يقول الرجل للمرأة: نكحتك يوما، أو عشراً، أو شهراً، أو نكحتك حتى أخرج من هذا البلد أو نكحتك حتى أصيبك فتحلين لزوج فارقك ثلاثا، أو ما أشبه هذا مما لا يكون فيه النكاح مطلقا لازما على الأبد أو يحدث لها فرقة، ونكاح المحلل الذي يروى أن

стр. 72

الرسول الله ﷺ لعنه عندنا - والله تعالى أعلم - ضرب من نكاح المتعة لأنه غير مطلق إذا شرط أن ينكحها حتى تكون الإصابة. (١) لذلك شرط الفقهاء لصحة العقد ونفاذه أن لا يكون مؤقتاً بمدة, طالت أم قصرت, وإلا كان نكاح متعة محرم. (٢) فالتوقيت يفقد عقد النكاح شرعيته, وهو كذلك يفقده حكمته وغايته, وفيه من المفاسد ما الله به عليم, من ضياع الأولاد, وجعل المرأة كأنها سلعة، تتناولها الأيدي, ثم ترمى بعد أن تبور, لا قيمة لها, فتضيع الحقوق, ويفسد المجتمع. والفاحص يجد أن النكاح السياحي الصيفي, يتفق إلى حدٍ كبير مع النكاح المؤقت, من حيث الباعث والهدف, ومن حيث الخاتمة والنهاية, وصولاً إلى النتائج والآثار, وفيما يلي بيان ذلك: ـ أولاً: من حيث الباعث والهدف الباعث في النكاح المؤقت, حصول اللذة والمتعة, وإشباع الغريزة, أو تحليلها لزوجها الأول فقط؛ بعيداً عن أهداف النكاح السامية التي شُرع من أجلها. وكذلك النكاح بنية الطلاق (السياحي الصيفي) , باعثه وهدفه حصول اللذة والمتعة, وإشباع الغريزة فحسب. وكلاهما لا يحقق أهداف النكاح السامية, من إنشاء الأسرة, وبناء المجتمع, وحصول المودة والرحمة, والاستقرار النفسي. ثانياً: من حيث الخاتمة والنهاية النهاية في النكاح المؤقت هي الفرقة، وعدم الديمومة؛ ففي نكاح المتعة تكون معروفة ومعلومة, من أول لحظة تم فيها إبرام العقد, عند انتهاء تلك المدة المحددة, فتكون المرأة بذلك كالسلعة المستأجرة فحسب, وكذلك الحال في نكاح التحليل، فإن الفرقة تكون بعد

стр. 73

الإصابة، والنكاح بنية الطلاق أيضاً نهايته معلومة ومعروفة, ولكن من قِبل طرف واحدٍ فقط, هو الزوج, حيث أنه أضمر في نيته توقيت العقد, وفراق زوجته عند انتهاء المدة التي أضمرها أثناء العقد, فمصير الجميع إذاً الفرقة، والإضرار بالمرأة؛ بل إن النكاح السياحي قد يكون ضرره أشد من النوعين السابقين, لاشتماله على الغش, والتدليس, والتغرير, على المرأة الضعيفة, والتي تضن أن هذا النكاح دائمٌ, وهو في الحقيقة نكاح مؤقت, هدفه اللذة وإشباع الغريزة فحسب, ولو علمت بذلك المرأة ابتداءً لما رضيت, ولكنه الخداع والتغرير. ثالثاً: من حيث النتائج والآثار نتائج وآثار النكاح المؤقت معلومة الضرر, ولذلك حرمه الإسلام, والناظر اللبيب يجد أيضاً أن النكاح بنية الطلاق يشاركه في كثير من تلك الأضرار, والتي سنبينها في هذا المبحث. أوجه الوفاق هذه بين النكاحين, تتعارض مع أهداف ومقاصد النكاح الشرعي الصحيح, بل إن مجرد وجودها, أو بعضها في العقد يعرضه للاختلال, ولذلك حرم الله النكاح المؤقت وأبطله.

стр. 74

المطلب الثالث: أسباب انتشار النكاح بنية الطلاق (السياحي) (مدينة إب نموذجاً) إن كل ظاهرة في المجتمع ناتجة عن أسباب أدت إلى ظهورها، فالزواج السياحي أو الزواج الصيفي ظاهرة وناقوس خطر دق أبواب مجتمعنا اليوم، وأخذ يتزايد في الانتشار عاماً بعد عام وموسماً بعد موسم، مما خلَّف وراءه آثاراً ونتائج سلبية، ذاق مرارتها العديد من أفراد المجتمع، ونحن إذا نتعرض في سرد أسباب انتشاره إلى عوامل مختلفة أدت إليه, أود أن أنوه أني سأرتكز في ذكر هذه الأسباب، على مدينة كان لها الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر من هذه الظاهرة، تلك هي مدينة إب المعروفة بجمال خلقتها، واعتدال مناخها، وبساطة أهلها، وما قامت به جامعة إب من دراسة وبحث في هذا الموضوع والله ولي التوفيق. نستطيع تقسيم الأسباب إلى أسباب تتعلق بالزوج، ثم أسباب تتعلق بالفتاة وأسرتها، ثم أسباب تتعلق بالمجتمع كله. أولاً: أسباب متعلقة بالزوج المُقدم على هذا النوع من الزواج: ـ ١) ضعف الإيمان، وقلة الوازع الديني، مما يجعل الشخص يقدم على هذا النوع من الزواج غير آبه بآثاره، ونتائجه على المرأة خاصة، وعلى المجتمع عامةً. ٢) الجمود والتدني الثقافي والاجتماعي والأخلاق (١). ٣) ارتفاع الدخل الاقتصادي والمالي، وارتفاع العملة الأجنبية، بمقابل انخفاض العملة المحلية. ٤) انتشار أنواع من عقود الانكحة، والتي تفتقر إلى تحقيق المقاصد السامية للزواج مثل (المتعة ـ العرفي ـ السري) والتي لا همَّ من ورائها إلا نيل اللذائذ وإشباع الغرائز، وتساهل المجتمعات تجاهها مما سهل انتشار هذا النوع من الزواج كونه مستوفياً لأركان العقد وشروطه. ٥) الرغبة عند البعض في تعدد الزوجات، بجنسيات مختلفة، والتخلص من تبعات الزواج الدائم لاعتبارات عديدة.

стр. 75

ثانياً: أسباب متعلقة بالفتاة وأسرتها: ١) جهل الفتاة وأسرتها بمقصد الزوج, إذ يعتقدون أن عملية الزواج هذه عملية حقيقية، ودائمة وبحسن ظن منهم، دون أن يدركون مآرب الزوج وفلسفته وثقافته في هذا الزواج، وبتقصيرهم في البحث والتعرف على أخلاقيات هذا الزوج ودينه (١). ٢) الحاجة والفاقة الاقتصادية، والتي تعصف بالكثير من الأفراد والفتيات والأسر نحو المجازفة بحياة بناتهم ومستقبلهن، واستسلام الكثير منهم للإغراءات المادية، الكبيرة والمتعددة، مقارنة بأوضاع الزواج من اليمنيين (٢). وفي نهاية هذا البحث جدول يبين أحوال الأسر اللاتي وقعن في هذا الزواج اقتصادياً. ٣) البطالة والوضع الاقتصادي، عند الآباء وأولياء الأمور، وشعورهم بأن مثل هذا الزواج فرصة للحصول على العمل، لأحد أفراد الأسرة في بلد الزائر أو السائح. وفي نهاية هذا البحث جدول يبين النسب المئوية في ذلك. ٤) تدني المستوى الثقافي، والتعليمي، والاجتماعي عند بعض الفتيات وأسرهن. وفي نهاية هذا البحث جدول يبين ذلك. ٥) استمرار المغالاة في المهور، وارتفاع كلفة الزواج، ومظاهره الباهظة مما جعل الشباب من أبناء المجتمع يعزف عن الزواج، أو يؤجله، الأمر الذي زاد من أعداد العانسات فضلاً عن الأرامل والمطلقات اللواتي يزداد أعدادهن عاماً بعد عاما؛ بسبب المشكلات الاقتصادية والأسرية والاجتماعية, كما دلت عليه بعض الإحصاءات والأبحاث العلمية (٣). ٦) جهل الأسرة بما فيها الفتاة، بمقاصد الزواج الشرعية السامية. ٧) الإغراءات المادية التي يعرضها الخاطب على الفتاة، وأسرتها من مال، وسكن وغيرها. ٨) تفكك الأسرة عبر الطلاق، أو حالات الوفاة، والتي تمثل عاملاً مهماً في سهولة تيسير القبول بأي زوج قادم، فكيف إذا كان ذا مال ورفاهية. ٩) الهروب من بعض الأزمات النفسية، والمشاكل الأسرية، والخلافات الاجتماعية.
следующие страницы →