← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 143158

النكاح العرفي في ميزان الإسلام

صلاح الدين عامر

Полный текст (214 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المطلب الثاني: علاقة النكاح بنية الطلاق (السياحي) بالنكاح المؤقت النكاح المؤقت والذي يفتقر إلى التأبيد, لا يمكن أن يحقق أهداف النكاح السامية بحال, وهذا النكاح له صور: منها: نكاح المتعة والذي يقوم على شرط التوقيت بمدة معينة أثناء العقد, يتفق عليها كل من الرجل والمرأة, بأجر معلوم لها, هذا النكاح حرمه الشارع الحكيم وقد كان جائزاً في بداية الإسلام, ثم حُرم، لما يجر وراءه من ويلات ومفاسد على المجتمع. (١) ومنها: نكاح التحليل الذي يقوم على أساس التوقيت أيضاً, حيث يتزوج الرجل المرأة مدةً أقصاها إصابته إياها, ثم يطلقها لتحل لمطلقها الأول. وهذا النوع يجري على مسلكين: الأول: أن تشترط المرأة, أو يتفق الطرفان صراحة على الفرقة بعد الإصابة, عند العقد. الثاني: أن يتواطأ الطرفان على التوقيت, دون تصريح منهما, أو ينوي الزوج الثاني تحليل المرأة لمطلقها الأول, دون أن يظهر ذلك. ومما لا شك فيه أن الإسلام حرم نكاح المحلل, ولعن النبي ﷺ فاعله, بل وصفه بالتيس المستعار, فقد جاء من حديث عقبة ابن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "ألا أخبركم بالتيس المستعار قالوا بلى يا رسول الله قال هو المحلل لعن الله المحلل والمحللة له" (٢) وكل نكاح قام على التوقيت سُمي نكاح متعة, التفاتاً إلى باعثه وهدفه, طالت مدة توقيته أم قصرت. قال الشافعي رحمه الله تعالى: وجماع المتعة المنهي عنه كل نكاح كان إلى أجل من الآجال، قرب أو بعد، وذلك أن يقول الرجل للمرأة: نكحتك يوما، أو عشراً، أو شهراً، أو نكحتك حتى أخرج من هذا البلد أو نكحتك حتى أصيبك فتحلين لزوج فارقك ثلاثا، أو ما أشبه هذا مما لا يكون فيه النكاح مطلقا لازما على الأبد أو يحدث لها فرقة، ونكاح المحلل الذي يروى أن

стр. 72

الرسول الله ﷺ لعنه عندنا - والله تعالى أعلم - ضرب من نكاح المتعة لأنه غير مطلق إذا شرط أن ينكحها حتى تكون الإصابة. (١) لذلك شرط الفقهاء لصحة العقد ونفاذه أن لا يكون مؤقتاً بمدة, طالت أم قصرت, وإلا كان نكاح متعة محرم. (٢) فالتوقيت يفقد عقد النكاح شرعيته, وهو كذلك يفقده حكمته وغايته, وفيه من المفاسد ما الله به عليم, من ضياع الأولاد, وجعل المرأة كأنها سلعة، تتناولها الأيدي, ثم ترمى بعد أن تبور, لا قيمة لها, فتضيع الحقوق, ويفسد المجتمع. والفاحص يجد أن النكاح السياحي الصيفي, يتفق إلى حدٍ كبير مع النكاح المؤقت, من حيث الباعث والهدف, ومن حيث الخاتمة والنهاية, وصولاً إلى النتائج والآثار, وفيما يلي بيان ذلك: ـ أولاً: من حيث الباعث والهدف الباعث في النكاح المؤقت, حصول اللذة والمتعة, وإشباع الغريزة, أو تحليلها لزوجها الأول فقط؛ بعيداً عن أهداف النكاح السامية التي شُرع من أجلها. وكذلك النكاح بنية الطلاق (السياحي الصيفي) , باعثه وهدفه حصول اللذة والمتعة, وإشباع الغريزة فحسب. وكلاهما لا يحقق أهداف النكاح السامية, من إنشاء الأسرة, وبناء المجتمع, وحصول المودة والرحمة, والاستقرار النفسي. ثانياً: من حيث الخاتمة والنهاية النهاية في النكاح المؤقت هي الفرقة، وعدم الديمومة؛ ففي نكاح المتعة تكون معروفة ومعلومة, من أول لحظة تم فيها إبرام العقد, عند انتهاء تلك المدة المحددة, فتكون المرأة بذلك كالسلعة المستأجرة فحسب, وكذلك الحال في نكاح التحليل، فإن الفرقة تكون بعد

стр. 73

الإصابة، والنكاح بنية الطلاق أيضاً نهايته معلومة ومعروفة, ولكن من قِبل طرف واحدٍ فقط, هو الزوج, حيث أنه أضمر في نيته توقيت العقد, وفراق زوجته عند انتهاء المدة التي أضمرها أثناء العقد, فمصير الجميع إذاً الفرقة، والإضرار بالمرأة؛ بل إن النكاح السياحي قد يكون ضرره أشد من النوعين السابقين, لاشتماله على الغش, والتدليس, والتغرير, على المرأة الضعيفة, والتي تضن أن هذا النكاح دائمٌ, وهو في الحقيقة نكاح مؤقت, هدفه اللذة وإشباع الغريزة فحسب, ولو علمت بذلك المرأة ابتداءً لما رضيت, ولكنه الخداع والتغرير. ثالثاً: من حيث النتائج والآثار نتائج وآثار النكاح المؤقت معلومة الضرر, ولذلك حرمه الإسلام, والناظر اللبيب يجد أيضاً أن النكاح بنية الطلاق يشاركه في كثير من تلك الأضرار, والتي سنبينها في هذا المبحث. أوجه الوفاق هذه بين النكاحين, تتعارض مع أهداف ومقاصد النكاح الشرعي الصحيح, بل إن مجرد وجودها, أو بعضها في العقد يعرضه للاختلال, ولذلك حرم الله النكاح المؤقت وأبطله.

стр. 74

المطلب الثالث: أسباب انتشار النكاح بنية الطلاق (السياحي) (مدينة إب نموذجاً) إن كل ظاهرة في المجتمع ناتجة عن أسباب أدت إلى ظهورها، فالزواج السياحي أو الزواج الصيفي ظاهرة وناقوس خطر دق أبواب مجتمعنا اليوم، وأخذ يتزايد في الانتشار عاماً بعد عام وموسماً بعد موسم، مما خلَّف وراءه آثاراً ونتائج سلبية، ذاق مرارتها العديد من أفراد المجتمع، ونحن إذا نتعرض في سرد أسباب انتشاره إلى عوامل مختلفة أدت إليه, أود أن أنوه أني سأرتكز في ذكر هذه الأسباب، على مدينة كان لها الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر من هذه الظاهرة، تلك هي مدينة إب المعروفة بجمال خلقتها، واعتدال مناخها، وبساطة أهلها، وما قامت به جامعة إب من دراسة وبحث في هذا الموضوع والله ولي التوفيق. نستطيع تقسيم الأسباب إلى أسباب تتعلق بالزوج، ثم أسباب تتعلق بالفتاة وأسرتها، ثم أسباب تتعلق بالمجتمع كله. أولاً: أسباب متعلقة بالزوج المُقدم على هذا النوع من الزواج: ـ ١) ضعف الإيمان، وقلة الوازع الديني، مما يجعل الشخص يقدم على هذا النوع من الزواج غير آبه بآثاره، ونتائجه على المرأة خاصة، وعلى المجتمع عامةً. ٢) الجمود والتدني الثقافي والاجتماعي والأخلاق (١). ٣) ارتفاع الدخل الاقتصادي والمالي، وارتفاع العملة الأجنبية، بمقابل انخفاض العملة المحلية. ٤) انتشار أنواع من عقود الانكحة، والتي تفتقر إلى تحقيق المقاصد السامية للزواج مثل (المتعة ـ العرفي ـ السري) والتي لا همَّ من ورائها إلا نيل اللذائذ وإشباع الغرائز، وتساهل المجتمعات تجاهها مما سهل انتشار هذا النوع من الزواج كونه مستوفياً لأركان العقد وشروطه. ٥) الرغبة عند البعض في تعدد الزوجات، بجنسيات مختلفة، والتخلص من تبعات الزواج الدائم لاعتبارات عديدة.

стр. 75

ثانياً: أسباب متعلقة بالفتاة وأسرتها: ١) جهل الفتاة وأسرتها بمقصد الزوج, إذ يعتقدون أن عملية الزواج هذه عملية حقيقية، ودائمة وبحسن ظن منهم، دون أن يدركون مآرب الزوج وفلسفته وثقافته في هذا الزواج، وبتقصيرهم في البحث والتعرف على أخلاقيات هذا الزوج ودينه (١). ٢) الحاجة والفاقة الاقتصادية، والتي تعصف بالكثير من الأفراد والفتيات والأسر نحو المجازفة بحياة بناتهم ومستقبلهن، واستسلام الكثير منهم للإغراءات المادية، الكبيرة والمتعددة، مقارنة بأوضاع الزواج من اليمنيين (٢). وفي نهاية هذا البحث جدول يبين أحوال الأسر اللاتي وقعن في هذا الزواج اقتصادياً. ٣) البطالة والوضع الاقتصادي، عند الآباء وأولياء الأمور، وشعورهم بأن مثل هذا الزواج فرصة للحصول على العمل، لأحد أفراد الأسرة في بلد الزائر أو السائح. وفي نهاية هذا البحث جدول يبين النسب المئوية في ذلك. ٤) تدني المستوى الثقافي، والتعليمي، والاجتماعي عند بعض الفتيات وأسرهن. وفي نهاية هذا البحث جدول يبين ذلك. ٥) استمرار المغالاة في المهور، وارتفاع كلفة الزواج، ومظاهره الباهظة مما جعل الشباب من أبناء المجتمع يعزف عن الزواج، أو يؤجله، الأمر الذي زاد من أعداد العانسات فضلاً عن الأرامل والمطلقات اللواتي يزداد أعدادهن عاماً بعد عاما؛ بسبب المشكلات الاقتصادية والأسرية والاجتماعية, كما دلت عليه بعض الإحصاءات والأبحاث العلمية (٣). ٦) جهل الأسرة بما فيها الفتاة، بمقاصد الزواج الشرعية السامية. ٧) الإغراءات المادية التي يعرضها الخاطب على الفتاة، وأسرتها من مال، وسكن وغيرها. ٨) تفكك الأسرة عبر الطلاق، أو حالات الوفاة، والتي تمثل عاملاً مهماً في سهولة تيسير القبول بأي زوج قادم، فكيف إذا كان ذا مال ورفاهية. ٩) الهروب من بعض الأزمات النفسية، والمشاكل الأسرية، والخلافات الاجتماعية.

стр. 76

١٠) عدم التحري الدقيق من قبل أوليا الأمور في اختيار الزوج المناسب المتقدم لابنتهم والذي تنطبق عليه الشروط التي سنها ديننا الإسلامي الحنيف (١).

стр. 77

ثالثاً: أسباب عامة ١) انخفاض معدل الدخل لدى الفرد، مما يؤدي إلى تدني المستوى المعيشي، وقبول الإغراءات المادية، دون روية أو نظر إلى العواقب المستقبلية. ٢) انخفاض أو تدني مستوى الصرف للريال اليمني، عند مقارنته بالعملات الخارجية، ويعتبر هذا من أهم العوامل في انتشار هذه الظاهرة. (١) ٣) زيادة معدل النمو السكاني خاصة في الإناث، مما يؤدي إلى تراكم كبير للفتيات في البيت الواحد، مما يشكل عبئاً كبيراً على رب الأسرة محدود الدخل، وبالتالي يجعله لا يتحرى في اختيار الزوج المناسب. (٢) ٤) عدم تفعيل أجهزة الضبط القضائي، لدورها بالشكل المطلوب وذلك بالعمل على محاسبة ومعاقبة من يروجون لمثل هذه الظاهرة الخطيرة، مستغلين الظروف الاقتصادية لدى بعض الأسر. (٣) ٥) وصول مجاميع كبيرة من السياح، القادمين من دول الخليج خلال الصيف، وخاصة بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ م وما أفرزته من صعوبات، أمام السياح العرب الذين كانوا يذهبون للسياحة في الدول الغربية، ودلو جنوب شرق أسيا، وعلى سبيل المثال فقد ارتفع عدد السياح السعوديين الواصلين إلى محافظة إب من ٢٠٠ سائح إلى ٤٠٠٠ ألف سائح في السنة بعد أحداث سبتمبر. (٤) ٦) غياب المرجعية القانونية، التي تحدد ضمانات معينة قبل الموافقة على زواج اليمنية بسائح غير يمني، وبما يكفل الحفاظ على حقوق المرأة اليمنية. (٥) ٧) نظام الإعلام المفتوح، وما تنقله وسائل الإعلام المرئية، والمقروءة، والمسموعة من تقاليد بعض الشعوب في هذا الزواج، ولا يظهرون مخاطره السلبية (٦). ٨) غياب التوعية بالمفاهيم الدينية، والتربوية، والإنسانية للزواج داخل المجتمعات.

стр. 78

٩) سهولة ترتيب الزواج، والحصول على فتاوى شرعية جاهزة، بعيداً عن قوانين السلطة القضائية، وسلطات الدولة وأجهزتها المختلفة. (١) ١٠) جهل المجتمع بالضوابط القانونية التي تضمن لهم حقوق بناتهم وتحفظها من الضياع. وبعد ... فإن هذه الأسباب مجتمعة، لعبت دوراً مهماً في ظهور هذا النوع من الزواج، والتي كانت آثاره سلبية، وضارة على مستوى الفتاة وأسرتها، أو على مستوى المجتمع ككل، وفي الملاحق بيان جدول يبين ويوضح أسباب الزواج بنية الطلق (السياحي الصيفي) المباشرة، من وجهة نظر من تم استطلاعهن ممن وقعن في شباكه، والبالغ عددهن أربعين حالة، مرتباً ترتيباً أولوياً بحسب ما قامت به جامعة إب في ذلك.

стр. 79

المطلب الرابع: الآثار الناتجة عن النكاح بنية الطلاق (السياحي) شرع الله الزواج لتحقيق حِكم أرادها، ومصالح قصدها، بينا بعضها فيما سبق، ولكن هذه المصالح لا يمكن تحقيقها إلا بسلوك الطريق الذي رسمه لنا الخالق, فإذا ما سلكنا ذلك الطريق تحققت لنا المصالح, أما إذا خالفنا الطريق وتنكبنا عنه فإن المصالح حينئذ ستتخلف ولا تتحقق، وطريق تحقيق المصالح في الزواج هو أن يكون القصد فيه موافقاً لقصد الشارع، ومستوفياً لأركان العقد وشروطه التي بينها الفقهاء رحمهم الله تعالى. أما إذا حصل اختلال في القصد أو في الأركان والشروط، فان المصالح تتخلف بل تحل مكانها أضرار في الفرد والمجتمع على حدٍ سواء. وفي النكاح بنية الطلاق (السياحي) بعض هذه الاختلالات؛ لذلك نرى له آثاراً في المجتمع تنتشر فيه بجلاء, وفيما يلي بيان أهم تلك الآثار، والتي تمثل في المرأة وولي أمرها، والأطفال، والمجتمع كله، مرتكزاً فيما أذكر من دراسات ميدانية، أو أرقام إحصائية على ما قامت به جامعة إب في هذا الموضوع من بحث ودارسة. أولاً: ـ آثار النكاح بنية الطلاق (السياحي) على الفتاة المتزوجة. ١) شعور الفتاة بالإحباط، واليأس، واعتبارها أن الزواج مشروع فاشل في الحياة، خاصة عند اكتشافها أنها كانت مجرد سلعة، بيعت بثمن بخس، وفي نهاية هذا البحث جدول يبين الأثر النفسي، والاجتماعي لدى الفتيات جراء هذا الزواج. ٢) ضياع حقوق الزوجة، التي فرضها وأوجبها الخالق ، على الزوج وتتمثل بالمهر إن كان مؤخراً، أو حق السكن والنفقة عليها، وعلى أولادها إن كان هناك أولاد وذلك عند هروب هذا الزوج السياحي، أو طلاقه لها عن بعد. ٣) عجز الزوجة عن مواجهة المتطلبات اليومية المصرفية، وبالتالي لا تستطيع تدبير أي متطلب من متطلباتها المالية اليومية، مما يضطرها للعمل بأي عمل شاق، أو مهين قد تتقبله من أجل تأمين لقمة العيش لها ولمن تعول. (١)

стр. 80

٤) انتقال بعض الأمراض الخطيرة، وخاصة الإيدز، والذي أصبح يهدد بفناء كثير من الشعوب ويقدر عدد المصابين به حوالي أربعين مليون شخص, ولا يخفي بأن هؤلاء السياح الذين يتزوجون بهدف الاستمتاع (إلا ما رحم ربك) يكون قد سبق لهم السفر إلى كثير من الدول؛ بغرض السياحة الجنسية، والتي بدأ مرض الإيدز بالانتشار فيها بشكل متسارع بسبب انتشار الدعارة، والانحلال الأخلاقي (١). ٥) تقليل فرص الزواج، نحو هذه الفئة من الفتيات وذلك لاعتبارات، وأعراف في المجتمع منها كونهن أصبحن مطلقات. ٦) تعرض الفتاة المتزوجة عبر هذا النوع من الزواج للأعمال المشينة، أخلاقياً أثناء غياب الزوج عنها لفترات طويلة، وقطع التواصل معها إلا عبر سماعة الهاتف؛ أضف إلى ذلك ما قد تتعرض له من حالات نفسية جراء الوحدة، وقد أظهرت الدراسات والاستطلاعات لكثير ممن خضن غمار هذا الزواج الآتي: ـ أ) ظهور حالات من المرض النفسي، والقلق لدى العديد منهن. ب) ظهور حالات مرضية جسمية قد لا تنتهي إلا بموتها. ج) ظهور حالات من الانحراف الأخلاقي، والانتشار لظاهرة البغاء، في أوساط العديد منهن، أو أسرهن في حالة الطلاق ـ لا سمح الله ـ كما يمكن أن تظهر مثل هذه الحالات بسبب الغياب الطويل للزوج، إن كان ما يزال متزوجاً ومتواصلا معها بالمال فقط. (٢) ٧) تأنيب الأسرة والمجتمع لها، نتيجة الفشل في هذا الزواج، على اعتبارها أحد أركان هذا الزواج (٣). ٨) تحمّل الزوجة مسئولية طفل بكامل احتياجاته، الحالية والمستقبلية (٤) فيما إذا هرب الزوج. ٩) نظرة المجتمع إلى ضحية الزواج السياحي، بصورة سلبية مقترنة بالمادية والجشع (٥). ١٠) أن الكثير من هؤلاء الفتيات اللواتي يتزوجن بسائحين، هن في الحقيقة مشروع طلاق مستقبلي، ومن ثم زيادة عدد المطلقات داخل الأسرة، والمجتمع المحلي؛ فمن جملة عدد من

стр. 81

تم استطلاعهن والبالغ نحو ٤٠ حالة كان عدد اللواتي لم يطلقن بعد لا يتجاوز ثمان حالات و ٣٢ حالة كان مصيرهن الطلاق، أو ينتظرنه، أو لا يزال مجهولاً بعد تعذر التواصل مع الأزواج وهجرانهن بفعل تغيير عدد منهم لاسمه وعنوانه, أو التزوج باسم مستعار ومن ثم لجوئهن للفسخ، أو الخلع حال عدم عودة من تزوجهن، وهذا يعني أن نسبة النجاح في هذا الزواج حوالي ٢٠% فقط، بمقابل ٨٠ % حالات فشل (١). وفي نهاية هذا البحث جدول يبين حالات الفشل في هذا الزواج. ١١) دخول الفتيات مع أولادهن سوق البطالة، وحرمانهم فرص الدراسة، وعدم حصولهن على مصدر كسب، أو رزق لاستمرار الإعالة لأنفسهن، أو لأطفالهن، خصوصاً أن معضمهن إن لم يكن كلهن، لم يأخذن من المبالغ الكبيرة أي شئ؛ بل بعضهن سُلبن حتى حليهن، إما من قِبل الأسرة، أو من قبل الزوج نفسه، بأساليب وحجج متنوعة، وكما دللت عليه الاستطلاعات أن ٣٥% من الفتيات سلبن حليهن من أزواجهن بحجج متنوعة، وما نسبته ٦٥% لم يحتفظن إلا بالقليل من الذهب، أو الأثاث الذي تركه الزوج الهارب. (٢)

стр. 82

ثانياً: ـ آثار النكاح بنية الطلاق (السياحي) على ولي أمر الفتاة وأسرتها: ـ ١) شعور الأسرة بالذنب، والتقصير مع ابنتهم، وأنهم كانوا السبب في هذا المشروع الفاشل الذي كان هدفه مجرد المتعة، والتسلية ويتمثل في عدم التحري الدقيق عن هذا الزوج ودينة وأخلاقه، وهدفه من وراء هذا الزواج. ٢) تحملهم تبعات نفسية، ومادية باهضة، جراء فشل هذا الزواج، وتتمثل في نفقات علاج ما قد يحصل لابنتهم من صدمات نفسية في الحياة، واكتئاب، وعزلة، وانطواء جراء نظرة المجتمع لهم ولها علي السواء، كما أظهرت الدراسات الميدانية؛ وكذلك تحمل نفقات الإعالة لها ولأطفالها جراء فشل هذا الزواج، وقد أظهرت الدراسات الميدانية أن ٨٠% ممن تزوجن هذا الزواج أنجبن أطفالاً، أو في طريقهن إلى الإنجاب، وأن ٢٠% هن ممن نجون من الإنجاب عن طريق تناول وسائل منع الحمل. (١) ٣) تؤدي النهاية السريعة للزواج السياحي، إلى نوع من التفسخ، في العلاقات، والترابط الأسري، بين الفتاة وأفراد عائلتها، خاصة إذا كان ولي أمرها قد أجبرها، أو شجعها على الموافقة؛ طمعاً في المال، أو لا مبالاة منه بمستقبلها ومصيرها، وبخاصة إذا كانت الأسرة تعاني من الفقر, كما يؤدي إلى فقدان الثقة بين أفراد الأسرة. (٢) ٤) نبذ ولي أمر الفتاة، والنظرة السلبية له من قبل أقرانه في المجتمع؛ لشعورهم بأنه خالف الأعراف اليمنية ولم يحافظ على أسرته كما ينبغي. (٣) ٥) شعور ولي أمر الفتاة بالعجز عن مواجهة هذه المشكلة في حياته، خاصة أن فقره نقطة ضعفه, أو لتعذر الوصول إلى الزوج الهارب. (٤) ٦) الإحباط النفسي، الذي يلازم ولي أمر الفتاة، نتيجة عدم تحقق كل ما خطط له، والإيقاع بفلذة كبده كضحية للتسرع، وعدم التدقيق في اختيار الزوج المناسب.

стр. 83

ثالثاً: ـ آثار النكاح بنية الطلاق (السياحي) على الأطفال: ـ ضياع الأطفال ويتمثل بالآتي: ـ ١) ضياع نسبهم، خاصة إذا كان والدهم قد أعطى اسماً وهمياً، تزوج به ثم فر هارباً إلى المجهول؛ وهذا لعمري من أعظم المخاطر أن ينتشر في المجتمع أولاد لا يُعرف لهم نسب، ولا هوية، وقد أفادت الاستطلاعات (١) على بعض أمهات الأطفال، أن أطفالهن بدون هوية، ولا جنسية وكل ذلك باسم الزواج الشرعي الصحيح، فلك أن تتصور كيف يكون مستقل هؤلاء الأطفال. ٢) ضياع حقهم في الميراث من أبيهم الهارب. ٣) غياب الشخصية المثلى (المتمثلة بالأب) أمام الطفل، والتي يمكنها التأثير على الطفل في تربيته، وتنشئته وبشكل مباشر، وكما أفادت الدراسات بأن الأطفال يتأثرون بغياب آبائهم ويصبحون أكثر انطوائية. (٢) ٤) وزيادة على ذلك حرمانهم عاطفة الأبوة، وما قد يعامل به هؤلاء الأطفال الأبرياء من معاملة فضة، وغليظة من قِبل أفراد المجتمع عامة، ومن قبل أفراد أسرة المرأة خاصةً، كونهم أبناء رجل غرر عليهم، وخدع ابنتهم، وأخذ حقوقها، وما ينعكس على شخصيتهم في مرحلة النمو. ٥) كما أن هؤلاء الأطفال في حالة عدم حصولهم على الرعاية الصحيحة، هم مشروع أحداث منحرفين، وأطفال شوارع، ومشروع شباب مجرم في المستقبل، ويضافون عبئاً على الدولة والمجتمع، من إصلاح وتربية، وإدماج وهلم جرا، نظراً لصعوبة مطالبة آبائهم بتحمل مسؤولياتهم، في ظل صعوبة التواصل معهم، ومحاسبتهم قانونياً، وقضائياً، ورسمياً ومن ثم صعوبة حصول هؤلاء الأطفال على الجنسية من البلدين (٣).

стр. 84

رابعاً: ـ آثار النكاح بنية الطلاق (السياحي) على المجتمع: ـ تتعدى هذه الأضرار إلى المجتمع كله، ليكتوي بنارها؛ لأنها إفرازات من داخله، فيكون له فيها نصيب ولا بد، فمنها: ـ ١) زيادة جرائم الأدب والشرف، والتي أثبتت الدراسات أنها ترتبط تصاعدياً مع عدد المطلقات، وما يرتبط بهذه الجرائم من مخاطر تهدد الناحية الأمنية، والسكينة العامة للمجتمع, كما أن عدم الاستقرار النفسي والعاطفي للمرأة المطلقة، يجعل منها فريسة للوقوع في محاذير أخرى كالإدمان مثلاً، ولهذا كان الزواج سكناً للنفس، وأغض للبصر، وأحصن للفرج. (١) ٢) استغلال بعض الدول لظاهرة الزواج السياحي، في توفير المأوى والإقامة المشروعة لعملائها باليمن، وكغطاء للقيام بمهام غير مشروعة (٢). ٣) استغلال البعض لقضايا المطلقات، وضحايا التفكك الأسري، والسجينات في إقامة العلاقات التي تضر بالناحية الأمنية، والثقافة العامة للمجتمع. (٣) ٤) النهاية المأساوية للزواج السياحي، تولد الحقد، والبغضاء نحو السياح، ولا تساعد في تعزيز الشراكة والاحترام المتبادلة بين الشعوب. (٤) ٥) تتأثر العلاقة الاجتماعية سلباً بين أسرة الفتاة المطلقة، والوسطاء، والسماسرة والعقال والأمناء الذين كان لهم يد في مدح الزوج، وإثبات كفاءته وأهليته، مقابل حصولهم على المال. ٦) تحمل الدولة المزيد من الإعتمادات المالية التي ترهق الخزينة العامة للدولة، ممثلة بصندوق التكافل الاجتماعي، وذلك نتيجة لتضاعف الحالات الاجتماعية المطالبة بصرف إعانة شهرية لها، ومن ضمنها مثل هذه الحالات، التي قد تضطر ببعض الفتيات المطلقات للسعي وراء ذلك بفرض تأمين جزء يسير من نفقاتهن اليومية. (٥)

стр. 85

٧) احتمال انتقال وانتشار بعض الأمراض المعدية، والخبيثة مثل الإيدز، عبر هذه الزيجات في النساء، وأطفالهن مع عدم ضمان خلو بعض هؤلاء الأزواج من مثل هذه الأمراض، وعدم الكشف الدقيق عليهم حين دخولهم اليمن. (١) ٨) دخول الفتيات عالم المزايدات، والمناقصات، في ظل استمرار هذه الظاهرة، مما يعني ارتفاع المهور وكلفة الزواج، أمام الشباب اليمني غير القادر على الإيفاء بها، الأمر الذي يزيد من العزوف نحو الزواج من اليمنيات، وتكديس الفتيات في البيوت انتظاراً إلى من يقدم المبالغ المساوية لما يدفعه هؤلاء السياح، أو العنوسة، ومن ثم تبدأ فكرة الانحراف بالانتشار بين الشباب، من كلا الجنسين؛ بحثاً عن إشباع وتحقيق المتعة، بعيداً عن سلطات الأسرة. (٢) وبعد ... فإن هذه الآثار مجتمعة، تشكل ناقوس خطر يدق أبواب مجتمعاتنا اليوم، وكل ذلك ناتج عما يبحث عنه البعض من حصول المتعة، وقضاء الوطر، بطريق ملتف وسبيل معوج.

стр. 86

المطلب الخامس: حكم النكاح بنية الطلاق (السياحي) سبق وأن ذكرنا أنه دار جدل واسع في المجتمع، حول شرعية هذا النكاح, وخاصة وأنه يتكرر بتكرار مجيء الصيف, وقدوم السياح, أوعند ارتحال أبناء المسلمين إلى بلاد أخرى للدراسة فيها, وما يعانون هناك من الفتن, مما يجعل دراسة هذا الموضوع أمراً مهماً, ونحن إذ نتكلم عن حكمه الشرعي, سنقسم هذا المطلب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: نذكر فيه القائلين بالجواز, وأهم ما يمكن أن يستدلوا به. القسم الثاني: نذكر فيه القائلين بالمنع, وأهم ما يمكن أن يستدلوا به. القسم الثالث: نذكر فيه مناقشة الأدلة, والترجيح بين الأقوال. فنقول وبالله التوفيق: ـ

стр. 87

القسم الأول: القائلون بالجواز لم أطلع على قول للإمام أبي حنفية في هذه المسألة, إلا ما ذكره ابن تيمية (١) في الفتاوى من نسبة الترخيص لأبي حنيفة في هذا النكاح, حيث قال: وأما إذا نوى الزوج الأجل, ولم يظهره للمرأة, فهذا فيه نزاع يرخص فيه أبو حنيفة, والشافي, ويكرهه مالك, وأحمد. (٢) وممن أجازه كذلك, الإمام زفر رحمه الله تعالى، (٣) حيث قال: أما لو تزوج وفي نيته أن يطلقها بعد مدة نواها صح (٤). وممن قال بجوازه أيضاً, الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى, حيث جاء في المنتقى شرح الموطأ ما نصه " ومن تزوج امرأة لا يريد إمساكها ألا أنه يريد أن يستمتع بها مدة، ثم يفارقها, فقد روى محمد عن مالك أن ذلك جائز، وليس من الجميل، ولا من أخلاق الناس) " (٥) إلا أنه يفهم من قوله وليس من الجميل، ولا من أخلاق الناس، كراهته لذلك, وهذا ما صرح به ابن تيمية في نقله عنه، ونسبة الكراهة له كما سبق.

стр. 88

لكن ابن العربي (١) رحمه الله تعالى, نقل عن الإمام مالك، عدم الجواز إذا كان يؤقته بالنية، ثم علق قائلاً: " وأجازه سائر العلماء " ثم قال: "وعندي أن النية لا تؤثر في ذلك". (٢) فيكون هذا النقل عن الإمام مالك يناقض النقل الأول, لكن الأغلب في النقول تدلنا على أنه كان يجوز هذا النوع من النكاح, فقد روى اللخمي (٣) عن مالك أيضاً, قوله: "فمن نكح لغربة أو لهوى, ليقضي أربه ويفارق فلا بأس " (٤) وقد قال ابن القاسم: وهو مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم، مما علمنا، أو سمعنا قال: وهو عندنا نكاح ثابت، الذي يتزوج يريد أن يبر في يمينه، وهو بمنزلة من يتزوج المرأة للذة يريد أن يصيب منها، لا يريد حبسها، ولا ينوي ذلك، على ذلك نيته، وإضماره في تزويجها، فأمرهم واحد فان شاءا أن يقيما أقاما، لأن أصل النكاح حلال؛ وفي الكافي الذي يقدم البلدة فيتزوج المرأة، ومن نيته أن يطلقها بعد السفر أن قول الجمهور جوازه. (٥) بل قد بالغ القاضي عياض (٦) ـ رحمه الله تعالى ـ فقال: " وأجمعوا على أن من نكح نكاحاً مطلقاً، ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة نواها, فنكاحه صحيح, حلال وليس نكاح متعة, وإنما نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور". (٧) ولا شك أن في نقل الإجماع نظر, بل إن الخلاف وارد على مدار واسع، بين الفقهاء, من أصحاب المذاهب وغيرهم, كما سنعرف.

стр. 89

وقد ذهب إلى جوازه أيضاً الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ ففي الأم مانصه: "وإن تقدم رجل وأحب أن ينكح امرأة، ونيته ونيتها أن لا يمسكها إلا مقامه بالبلد، أو يوما، أو اثنين، أو ثلاثة كانت على هذا نيته، دون نيتها، أو نيتها دون نيته، أو نيتهما معا، ونية الولي غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقا، لا شرط فيه فالنكاح ثابت، ولا تفسد النية من النكاح شيئا؛ لأن النية حديث نفس، وقد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم؛ وقد ينوي الشيء ولا يفعله وينويه ويفعله فيكون الفعل حادثا غير النية، وكذلك لو نكحها ونيته ونيتها، أو نية أحدهما دون الآخر أن لا يمسكها إلا قدر ما يصيبها، فيحللها لزوجها، ثبت النكاح، وسواء نوى ذلك الولي معهما أو نوى غيره، أو لم ينوه ولا غيره؛ والولي في هذا لا معنى له يفسد شيئا، ما لم يقع النكاح بشرط يفسده." (١) وممن ذهب إلى جوازه من الشافية أيضاً، صاحب الحاوي، (٢) والمنهاج (٣) , وغيرهم. وعموماً, فالشافعية يصححون النكاح بنية الطلاق (السياحي) وكذا بنية التحليل، لكنهم يصنفون هذه الأنكحة في قسم المكروه. (٤) أما من ذهب إلى جوازه من الحنابلة, فهو ابن قدامة المقدسي، (٥) حيث قال: فصل: وإن تزوجها بغير شرط، إلا أن في نيته أن يطلقها بعد شهر, أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد، فالنكاح صحيح في قول عامة أهل العلم ... ثم قال: والصحيح أنه لا بأس به ولا تضر نيته، وليس على الرجل أن ينوي حبس امرأته. (٦)

стр. 90

أما ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد ترددت النقولات عنه، بين الجواز، والكراهة، نرى ذلك من خلال الفتاوى؛ ففي الفتاوى ما نصه: "وسئل ﵀ عن رجل ركاض يسير في البلاد، في كل مدينة شهراً، أو شهرين، ويعزل عنها، ويخاف أن يقع في المعصية، فهل له أن يتزوج في مدة إقامته في تلك البلدة؟ وإذا سافر طلقها، وأعطاها حقها، أو لا؟ وهل يصح النكاح أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى: له أن يتزوج، لكن ينكح نكاحاً مطلقاً، لا يشترط فيه توقيتاً، بحيث يكون إن شاء أمسكها، وإن شاء طلقها، وإن نوى الطلاق حتماً عند انقضاء سفره، كره في مثل ذلك، وفي صحة النكاح نزاع" (١)؛ فنحن نرى في هذا النص تصريح بالكراهة، لكنه تكلم بعد هذا الموطن بما يفيد الجواز مع عدم الكراهة، قائلاً: "وأما نكاح المتعة إذا قصد أن يستمتع بها مدة، ثم يفارقها، مثل المسافر إلى بلد يقيم به مدة، فيتزوج وفي نيته إذا عاد إلى وطنه أن يطلقها، ولكن النكاح عقده عقداً مطلقاً، فهذا فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد، قيل هو نكاح جائز، وهو اختيار أبي محمد المقدسي، وهو قول الجمهور، وقيل هو نكاح تحليل لا يجوز، وروي عن الأوزاعي، وهو الذي نصره القاضي وأصحابه في الخلاف، وقيل هو مكروه وليس بمحرم، والصحيح أن هذا ليس بنكاح متعة ولا يحرم." (٢) فبهذا يكون ابن تيمية رحمه الله تعالى له في المسألة قولان: الأول: قول بالكراهة الثاني: قول بالجواز مع عدم الكراهة، والله أعلم.

стр. 91

أدلة المجيزين يمكن أن نبرز أهم ما يعتمد عليه أصحاب هذا القول، من خلال النقاط التالية: ـ أولاً: أن عقد النكاح السياحي (بنية الطلاق) اكتملت أركانه وشروطه، وخلا من التوقيت الذي يفسده، فيكون بذلك نكاحاً صحيحاً، لا سبيل لإبطاله؛ كما أن النية لا أثر لها في إبطال عقد النكاح، حيث أن الأسباب الشرعية قد توفرت، فالمعاني لا اعتبار لها في إبطال الأحكام إذا وجدت أسبابها، وإلا لبطلت فائدة نصب الأسباب (١). ثانياً: اختلاف النكاح السياحي عن نكاح المتعة المؤقت من عدة أوجه: ١) نكاح المتعة يكون بلفظ التمتع، بخلاف السياحي يكون بلفظ التزويج. ٢) نكاح المتعة يحدد فيه المدة والأجل لانتهاء العقد، ولا سبيل لبقائه بعد انتهاء تلك المدة إلا بعقد جديد؛ بخلاف النكاح السياحي، فإنه لا يصرح فيه بتحديد الأجل، ويستطيع الزوج إبقاء زوجته، حتى بعد انقضاء المدة التي أضمرها بنفس العقد الأول، بل قد تتغير نيته المؤقتة، فيبقيها معه، ويرضاها زوجة دائمة له. ٣) نكاح المتعة ينتهي بانقضاء الأجل المحدد، ولا يحتاج إلى طلاق؛ بينما السياحي لا يمكن حل رباطه إلا بالطلاق، أو الخلع، أو الفسخ، فدل على أنه عقد صحيح، كسائر العقود. ٤) نكاح المتعة لا يشترط فيه الولي، أو الشهود، كشرطي صحة بخلاف النكاح السياحي، فإن هذه تعتبر من شروط الصحة فيه، بل يكون مستوفياً لجميع أركان وشروط النكاح الشرعي الصحيح. إذا تبين هذا، كيف نقول أن النكاح السياحي شبيه بنكاح المتعة، مع ما بينهما من الفوارق والاختلاف؟ . ثالثاً: غاية قصد الرجل في النكاح السياحي، هو الطلاق، وهذا القصد ليس بمحرم، بل يكون الرجل قد قصد أمراً جائزاً، فكيف نبطل عقد النكاح المستوفي لجميع الأركان والشروط، بأمر جائز. (٢)

стр. 92

رابعاً: إن الحسن بن علي ﵁ كان كثير الطلاق، فلعل غالب من تزوجهن كان في نيته أن يطلقهن بعد مدة، ولم يقل أحد أن ذلك متعةٌ. (١) خامساً: إن العزم على الطلاق بعد عقد النكاح لا يبطله، ولا يكره مقام الرجل مع المرأة، ... وإن نوى طلاقها، من غير نزاع بين العلماء (٢)، فكما أن العزم لا يؤثر بعد العقد على صحة النكاح، فمثله العزم قبل العقد، أو أثنائه.

стр. 93

القسم الثاني: القائلون بالمنع أما القائلون بالمنع، فهم: الإمام الأوزاعي (١) ـ رحمه الله تعالى ـ حيث قال: لو تزوجها بغير شرط، ولكنه ينوي أن لا يحبسها إلا شهراً، أو نحوه، ويطلقها فهو متعة ولا خير فيه. (٢) وممن أيد الإمام الأوزاعي الحنابلة، وعلى رأسهم إمام المذهب، أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، عدا الموفق ابن قدامة المقدسي ـ رحمه الله تعالى ـ؛ فقد نُقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية أبي داوود (٣) أنه قال: إذا تزوجها على أن يحملها إلى خراسان، ومن رأيه إذا حملها خلى سبيلها، قال لا، الشبه المتعة، حتى يتزوجها ما حييت. (٤) قال الزركشي معلقاً على ذلك: وفي هذا النص إشعار بتعليل آخر، وهو أن وضع النكاح على الدوام، وهذا الشرط ينافيه، وأن النية كافية في المنع. (٥) وقال أيضاً في رواية عبد الله (٦): إذا تزوجها ومن نيته أن يطلقها، أكرهه، هذه متعة. (٧)

стр. 94

قال الزركشي (١): وعلى هذا جمهور الأصحاب. (٢) وهو كما قال رحمه الله تعالى فجمهور الحنابلة على منع هذا النوع من الأنكحة، وأن النية تؤثر في صحة عقد النكاح، فقد قال في الروض المربع شرح زاد المستقنع: أو قال وليٌ زوجتك، وإذا جاء غداً، أو وقت كذا فطلقها، أو وقته بمدة، بأن قال زوجتكها شهراً، أو سنةً، أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج، بطل الكل، وهذا النوع هو نكاح المتعة. (٣) بل جعل الحنابلة النية المضمرة في القلب، بمنزلة الشرط المتلفظ به في العقد، في فساد النكاح وعدم صحته. فقد قال في الإنصاف: فائدةٌ: لو نوى بقلبه (أي الطلاق) فهو كما لو شرطه على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه الأصحاب. (٤) وعلى ذلك فإنه يستوي عندهم التصريح بتوقيت النكاح؛ والإضمار في ذلك فالكل متعة، لاشتمالهما جميعاً على التوقيت؛ قال في التوضيح: ومنه (أي من الأنكحة الفاسدة) نكاح المتعة، يتزوجها إلى مدة، أو يشترط طلاقها في وقت، أو ينويه بقلبه نصاً، وخالف الموفق وغيره فيها فباطل. (٥) ولعله يقصد بقوله ـ وغيره ـ ابن تيمية، حيث أنني لم أجد من خالف من الحنابلة إلا ابن قدامة، وابن تيمية رحمهما الله تعالى، وقد قال المرداوي (٦) في الإنصاف: " قال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى لم أر أحداً من الأصحاب قال لا بأس به". (٧)

стр. 95

أما ابن حزم (١) الظاهري رحمه الله تعالى، فقد بدى في كتابه المحلى متعجباً، ممن أجاز النكاح بنية الطلاق، قائلاً: والعجب أن المخالفين لنا يقولون فيمن تزوج امرأة وفي نيته ألا يمسكها إلا شهراً، ثم يطلقها، إلا أنه لم يذكر ذلك في عقد النكاح، فإنه نكاح صحيح لا دخلة فيه، وهو مخير، إن شاء طلقها، وإن شاء أمسكها؛ وأنه لو ذكر ذلك في نفس العقد، لكان عقداً فاسداً، مفسوخاً، فأي فرق بين ما أجازوه، وبين ما منعوا منه. (٢) وكأنه ﵀ يومئ إلى أن النية المضمرة، كالشرط المتلفظ به في العقد، سواءً بسواء، كمذهب الحنابلة. وأما من منعه من المتأخرين، فمنهم الشيخ محمد رشيد رضا (٣) ـ رحمه الله تعالى ـ فقد تكلم كلاماً رصيناً فقال: إن تشديد علماء السلف والخلف، في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق، وإن كان بعض الفقهاء يقولون أن عقد النكاح يكون صحيحاُ، إذا نوى الزوج التوقيت، ولم يشترطه في صيغة العقد؛ ولكن كتمانه إياه خداعٌ وغش، وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت، الذي يكون بالتراضي بين الزوج، والمرأة، ووليها، ولا يكون فيه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة، التي هي أعظم الروابط البشرية، وإيثار التنقل في مرتع الشهوات، بين الذواقين والذواقات، وما يترتب على ذلك من المنكرات؛ وما لا يشترط فيه ذلك، يكون في اشتماله على ذلك غشاً وخداعاً، تترتب عليه

стр. 96

مفاسد أخرى من العداوة، والبغضاء وذهاب الثقة حتى بالصادقين، الذين يريدون بالزواج حقيقته، وهو إحصان كل من الزوجين للآخر، وإخلاصه له، وتعاونهما على تأسيس بيت صالح، من بيوت الأمة. (١) فقد لحظ رحمه الله تعالى تلك المفاسد بعين الفاحص اللبيب، كما أدركها غيره من العلماء قديماً وحديثاً؛ فقرروا بطلان هذا النوع من الأنكحة. نرى منهم أيضاً لجنة الإفتاء في المملكة العربية السعودية، فقد أجابت على سؤال قدمه المستفتي (جهاد أحمد أمين) قائلاً: نخن هنا في غربة وفي بلد تنتشر فيه أللأخلاقيات بشكل كبير، وقد سأل أحد الشباب شيخ قدم إلينا عن حكم الزواج المؤقت، فأباحه بشرط عدم بيان ذلك للفتاة، والحقيقة أنني عندي شك كبير في صحة هذه الفتوى، وقد تبينت فتنته في صفوف الشباب، فأرجوا توضيح المسألة، وماذا يفعل من خشي على نفسه الفتنة؟ فأجابت اللجنة بما بلي: إن الزواج المؤقت، زواج باطل؛ لأنه متعة، والمتعة محرمة بالإجماع، والزواج الصحيح أن يتزوج بنية بقاء الزوجية والاستمرار فيها، فإن صلحت له الزوجة وناسبت وإلا طلقها، قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾ (٢). وقد صادق على هذه الفتوى، فضيلة الشيخ, عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، رئيس لجنة الإفتاء آن ذاك. (٣)

стр. 97

أدلة المانعين سبق وأن سقنا أدلة الفريق الأول، في صحة النكاح بنية الطلاق، وها نحن الآن نسوق أدلة المانعين، في خلال النقاط الآتية: أولاً: إن الزواج السياحي (بنية الطلاق) يخالف مقاصد الشرع الحنيف، ويتعارض مع قواعده العامة، والتي بينها فقهاء الإسلام، عبر استقراءهم لنصوص الشريعة، نذكر منها على سبيل الإيجاز ما يلي: (١) الأمور بمقاصدها والأصل في هذه القاعدة قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (١) " وقد قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: وتدخل (أي النية) في النكاح إذا نوى ما لو صرح به بطل (٢)، فهذا النكاح لا يقصد الرجل فيه إلا مجرد المتعة، ولكنه ألبس نكاحه هذا ثوب الشرعية، بإضفاء الأركان والشروط عليه، وتوصل بهذا العقد الصوري إلى مقصده وغرضه الدنيء، عبر هذه الوسيلة الشرعية في الظاهر، وعليه فإن الفقهاء قد قرروا أن الوسائل لها حكم المقاصد، ولمَّا كان قصد هذا الناكح هي المتعة المؤقتة المحرمة شرعاً، كانت الوسيلة إليها محرمة أيضاً؛ لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني (٣)، وما المباني إلا إشارات معرفة على المعاني، ألا ترى أن الهبة بشرط العوض بيعاً، والإعارة بشرط العوض إجارة (٤)؛ فالعبرة إذاً، للمعاني، ولكن لمَّا كانت المعاني والنيات لا سبيل إلى معرفتها، أقيمت الألفاظ والمباني مقامها، فإذا ظهرت المعاني، أو تعارضت مع المباني، كان الاعتبار لها دون المباني (٥)، ورحم الله ابن القيم إذ يقول: ومما يوضح ما ذكرناه من أن القصود في العقود معتبرة دون الألفاظ المجردة التي لم تقصد بها معانيها وحقائقها أو قصد غيرها أن صيغ العقود كبعت واشتريت وتزوجت وأجرت إما إخبارات، وإما إنشاءات وإما

стр. 98

أنها متضمنة للأمرين، فهي إخبارات عما في النفس من المعاني التي تدل على العقود وإنشاءات لحصول العقود في الخارج، فلفظها موجب لمعناها في الخارج وهي أخبار عما في النفس من تلك المعاني، ولا بد في صحتها من مطابقة خبرها لمخبرها، فإذا لم تكن تلك المعاني في النفس كانت خبراً كاذبا، وكانت بمنزلة قول المنافق أشهد أن محمداً رسول الله وبمنزلة قوله آمنت بالله وباليوم الآخر؛ وكذلك المحلل إذا قال تزوجت وهو لا يقصد التزوج المعني الذي جعله الله في الشرع، كان إخباراً كاذباً وإنشاء باطلاً فإنا نعلم أن هذه اللفظة لم توضع في الشرع، ولا في العرف، ولا في اللغة لمن قصد رد المطلقة إلى زوجها وليس له قصد في النكاح الذي وضعه الله بين عباده، وجعله سببا للمودة والرحمة بين الزوجين، وليس له قصد في توابعه حقيقة، ولا حكماً، فمن ليس له قصد في الصحبة، ولا في العشرة ولا في المصاهرة، ولا في الولد، ولا المواصلة، ولا المعاشرة ولا الإيواء؛ بل قصده أن يفارق لتعود إلى غيره؛ فالله جعل النكاح سببا للمواصلة والمصاحبة، والمحلل جعله سببا للمفارقة فإنه تزوج ليطلق، فهو مناقض لشرع الله ودينه وحكمته، فهو كاذب في قوله تزوجت بإظهاره خلاف ما في قلبه. (١) والنكاح السياحي (بنية الطلاق) نية الناكح فيه هي توقيت النكاح بمدة معلومة، أو مجهولة، فيكون الاعتبار لهذه النية، في تصحيح العقد، أو إبطاله إن علمنا بها، لا إلى صيغة العقد الشكلية. (٢) الأصل في الأبضاع التحريم الأبضاع هي الفروج، أي أن الأصل في وطئ الفروج الحرمة، وأن لا تباح إلا بعقد النكاح الصحيح، أو ملك اليمين، وقد قيل أن الأصل في النكاح، الحضر، وأبيح للضرورة، فإذا تقابل في المرأة الحل والحرمة، غلبت الحرمة (٢)؛ وعليه فإنه لا يجوز التحري في الفروج، لأنه يجوز في كل ما جاز للضرورة، والفروج لا تحل للضرورة (٣)، وهذا النكاح نكاح مختلف في صحته، والخلاف فيه شديد، وهذه القاعدة تقوي جانب المانعين، لأن الأصل معهم، وعلى مدعي خلافه إقامة الدليل الصحيح الناقل عن هذا الأصل.

стр. 99

(٣) درء المفاسد أولى من جلب المصالح إذا تعارضت مفسدة ومصلحة، قُدم دفع المفسدة غالباً، لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذلك جاء في الحديث" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" (١) وفي النكاح السياحي مفاسد عظيمة، على مستوى الفتاة وأسرتها، وعلى مستوى المجتمع كله، كما أظهرتها الدراسات الميدانية (٢)، كما أنه خلا من المصالح المعتبرة شرعاً، إلا ما يذكره البعض من تخفيف معاناة العزوبة، في الغربة عن الأهل والوطن، وما قد يحقق من تحصين مؤقت للغريب في بلاد الشهوات؛ وفي ذلك القول بعض الوجاهة، أما إن كان هذا الناكح في بلده، أو في بلاد تقل فيها الإغراءات والمفسِدات، أو تكون فترة مكوثه يسيرةً في ذلك البلد، كما هي عادة السياح، إذا كان الأمر كذلك فلا أرى في ذلك القول أي وجاهة؛ وعلى الأول نقول: إن دفع المفاسد الناتجة عن هذا النكاح، التي يدفع ثمنها المجتمع، وأولهم الفتاة، المغرر عليها، مقدَّم على جلب مصلحة الناكح، ويُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. (٤) تحريم الغش والتدليس وأنواع الغرر إن المصلحة المشتركة واحترام الآخر، وسد أبواب العداوة والبغضاء، ركيزة هامة، أولاها الإسلام عناية خاصة، وحرم لذلك كثيراً من البيوع التي كانت في الجاهلية، والتي تكون عاقبتها، الخديعة والغبن، فمنها مثلاً بيع حَبَل الحَبَلة، وبيع ما لم يخلق، وبيع الثمار حتى تزهو، وبيع الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، وكذا نهى عن المعاومة (٣)؛ وقرر قاعدة عظيمة، وقانوناً عاماً، حيث قال ﷺ : " من غشنا فليس منا" (٤)، ومعلوم ما ينتج عن الغش،

стр. 100

والخديعة، من حقد وبغضاء في المجتمع، مما يؤدي إلى تناحر وتفكك أبناء المجتمع الواحد، ولذلك كانت المعاملات، والعقود التي تقوم على الغرر، والتدليس، منهياً عنها في ديننا الحنيف، بل جعلها بيوعاً فاسدة، سداً لأبواب التنازع والتناحر بين أفراد المجتمع، كما أنه حرص في بناء المجتمع المسلم على الحب، والإخاء، وسلامة الصدر. ولنا أن نتصور هذا النكاح (السياحي) وما يحمل من غش وتدليس، بإيهام المرأة الضعيفة، بأن هذا النكاح نكاحٌ دائم، فيُسلب منها أعز ما تملك، وأغلى ما في حياتها، ثم بعد قضاء الوطر، ترمى في مجتمع لا رغبة له فيها، بعد أن سلبت بكارتها؛ وما ينعكس من عداوة وبغضاء بين أفراد المجتمع الواحد، والشعوب بشكل عام، ولو أظهر الرجل ما أبطن، وأعلن ما كتم، قبل العقد، لقلب له أولياء المرأة ظهر المجن، وأبوا أن يزوجوه، ولكنه أبى إلا الغش والتدليس، والإيهام والتلبيس، ليتم له مقصوده، ويقضى له أربه، فالله المستعان. إذاً فالنية المبيتة بالطلاق نوع من أنواع الغش والتدليس، وهو أشد من الغش والتدليس في الأموال، لأن الأبضاع مبناها على التكريم، وتقوية رابطة المودة والرحمة، كما أن الزواج رباط مقدس، سماه الله ميثاقاً غليظاً فقال: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ (١) كما أنه يصعب في هذه الرابطة تدارك الغبن، أو التعويض فيه، إذا ما وقع، فالغش والتلبيس فيه أعظم ضرراً من الغش والتلبيس في الأموال بكثير، والإثم على قدر الضرر. (٥) لا ضرر ولا ضرار أصل هذه القاعدة قول النبي ﷺ " لا ضرر ولا ضرار" (٢)، وهذا الحديث يشتمل على حكمين: الأول: لا ضرر أي لا يجوز لأحد الأضرار بغيره ابتداءً، لا في نفسه، ولا في عرضه، ولا في ماله، لأن إلحاق الضرر بالغير ظلم، والظلم حرام في الإسلام.

стр. 101

الثاني: لا ضرار أي لا يجوز مقابلة الضرر بالضرر، وإنما على المتضرر، أن يراجع جهة القضاء (١)، ومما لا شك فيه أن الناكح بنية الطلاق، يلحق الضرر بالمرأة، وأوليائها، برهان ذلك الواقع، والدراسات، التي أجريت (٢)، ثم أي ضرر للمرأة أعظم، من خديعتها وغشها في نفسها؟ إن توقيت عقد النكاح، يلحق الضرر بالمرأة، ويجعلها بمثابة السلعة المستأجرة، فكيف إذا اشتمل هذا التوقيت، وانطوى على غش، وتدليس، كما في النكاح السياحي (بنية الطلاق). ثانياً: إن هذا النكاح يدخل في باب الحيل، وأعني بالحيل، تلك التي يتوصل بها إلى أمر ممنوع شرعاً، قال ابن القيم (٣) رحمه الله تعالى، وقد قسم الحيل إلى خمسة أقسام: "القسم الخامس: أن يقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه، بأن يأتي بسبب نصبه الشارع سبباً إلى أمر مباح، مقصود، فيجعله المحتال المخادع، سبباً إلى أمر محرم مقصود اجتنابه، فهذه هي الحيلة المحرمة، التي ذمها السلف، وحرموا فعلها، وتعليمها". (٤) فإن هذا الناكح أتى إلى عقد النكاح، الذي نصبه الشارع لأمر مباح، مقصود، (هو النكاح) فجعله سبباً إلى أمر محرم، (هو المتعة المؤقتة) والتي هي مقصودة الاجتناب، فيكون بذلك قد قصد حل ما حرمه الشارع، وقال أيضاً: وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله، كان له ما نواه، فإنه قصدٌ المحرم، وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له، وبين الفعل الموضوع لغيره، إذا جعل ذريعة له لا في عقل ولا في شرع، ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله، عد متناولاً لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه

стр. 102

ولهذا عاقب أصحاب الجنة بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين، ولهذا لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله، ولم يعصمهم التوصل إلى ذلك بصورة البيع، وأيضا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم، وتنتقل إلى اسم الودك، فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. (١) والحيلة محرمة شرعاَ، في الكتاب والسنة، فكل حكم عمل بالحيلة، في طلاق أو خلع، أو بيع، أو شراء، فهو مردود مذموم، عند العلماء الربانيين، والفقهاء الديانيين (٢). فإن هذا الناكح الذي يضمر نية الطلاق، غرضه وقصده، المتعة، وقضاء الوطر، ولما كان الشرع لا يوافقه على ذلك، كما أن الناس، لا يرضونه لبناتهم، (إذا ما أعلن ما كتم، وأظهر ما أسر) احتال فكتم الطلاق، وأظهر خلاف ما أبطن، ليلبس عقد زواجه ثوب الشرعية، ويرضى به الأولياء زوجاً لمولياتهم، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقد ذم الله المستهزئين بآياته، والمتكلم بالأقوال التي جعل الشارع لها حقائق، ومقاصد، مثل كلمة الإيمان، وكلمة الله تعالى التي يستحل بها الفروج، ومثل العهود والمواثيق التي بين المتعاقدين، وهو لا يريد بها حقائقها، المقومة لها، ولا مقاصدها، التي جعلت هذه الألفاظ محصلة لها ... ومقصوده به ما حرمه الله تعالى ورسوله، فهو ممن اتخذ آيات الله هزواً". (٣) فالنكاح السياحي (بنية الطلاق) نوع من أنواع الحيل، التي يتوصل بها إلى ما حرمه الله تعالى، بطريق ظاهره الشرعية، ورحم الله ابن القيم حيث يقول أيضاً: والمقصود أن أهل المكر والحيل المحرمة، يخرجون الباطل، في القوالب الشرعية، ويأتون بصور العقود، دون حقائقها، ومقاصدها. (٤) فالله المستعان، ، ،

стр. 103

ثالثاً: إن النكاح بنية الطلاق (السياحي) لا يحقق مقاصد، وأهداف النكاح السامية، من تحقيق السكن، وحصول المودة والرحمة، وإنشاء الأسرة, وتحصين الفروج، وغيرها من المقاصد التي بيناها فيما سبق (١)، لكون هذا الناكح ما تزوج ابتداءً لتحقيق تلك المقاصد، التي شُرع الزواج لأجلها، فلا تتواءم النفوس، ولا تحصل المودة، ناهيك عن إنشاء الأسرة، وإنجاب الأطفال، بل الحاصل عكس ذلك تماماً؛ من نفرة النفوس، ونشوء الغلظة، وسوء الخلق، ومنع الإنجاب، من قِبل الزوج خاصة، مما يؤثر سلباً على الزوجة، بجعلها تتعامل بالمثل مع زوجها، وقد أثبتت الدراسات الميدانية سوء المعاملة لكثير ممن تزوجن هذا الزواج، من قِبل أزواجهن، وفقدانهن أدنى المودة والرحمة في عش الزوجية، حتى أن بعضاً ممن كان هذا حاله، ترك زوجته في فندق في حدود دولة مجاورة، وفر هارباً إلى بلده التي جاء منها (٢)، لتظل المسكينة تنتظره طوال عمرها، فلا هو طلقها، ولا هو أنفق عليها، وأعطاها حقوقها الباقية عنده، أو حتى ما أخذ من حليها الذي أعطاها، فلنا أن نتصور هذا الزواج أين هو من المودة والرحمة خاصةً، وأهداف النكاح عامة، التي تنشأ عن الزواج الشرعي الصحيح. ... فالله المستعان، ، ،

стр. 104

القسم الثالث: ـ المناقشة والترجيح بعد هذا العرض الموجز لأدلة الفريقين، وأهم ما يمكن أن يتكئ عليه القولان من أدلة، يمكننا أن نلحظ ما يلي: أولاً: أن المسألة لا نص فيها، وأنها خاضعة للإجتهاد بحسب ما يراه الفقيه المجتهد، من تحقيق المصالح، أو دفع المفاسد، التي جاءت لأجلها الشريعة. ثانياُ: إن الفقهاء قد اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال، فمن قائل بالجواز وهم الجمهور، ومن قائل بالجواز مع الكراهة وهم الشافعية، وابن تيمية في رأي له، ومن قائل بالتحريم، وهم الإمام الأوزاعي، والحنابلة, وعلى رأسهم إمام المذهب أحمد بن حنبل، وابن حزم الظاهري، ومن المتأخرين محمد رشيد رضا، ولجنة الإفتاء في السعودية. ثالثاً: إننا إذا أردنا الخروج برؤية واضحة حول شرعية هذا النكاح من عدمها، فإنه لابد من معرفة واقعنا اليوم، وأحوال مَن يعيشون فيه، وما يتوافق مع قصد الشارع، من تحقيق المصالح، ودفع المفاسد للمكلفين، وخاصة أن المسألة خاضعة للاجتهاد. رابعاً: يمكن ترجيح قول المانعين، وذلك لقوة أدلتهم، وللاعتبارات التالية: (١) أن النكاح بنية الطلاق اكتملت أركانه وشروطه، وهي ما يعبر عنها بالأسباب الشرعية، ولكن العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني كما بينا، وإنما نصب الشارع هذه الأسباب، لتكون دليلاً على المعاني والنيات التي لا يُستطاع الكشف عنها، وجعلها معرفة لها، وأناط الحكم بها، ولكن في حالة ظهور هذه المعاني والمقاصد، فأن الاعتبار يكون لها، دون الأسباب، برهان ذلك، أن صور الأسباب لا تتناسب مع الأحكام، وإنما المناسب ما تتضمنه تلك الأسباب، وحيث اعتبرنا الأسباب دون مضمونها، فذلك لتعذر الوقوف والاطلاع على مضمونها، وإلا فمتى أمكن الاطلاع على مضمون السبب، فهو المعتبر، لا صورة السبب. (١) قال ابن القيم: وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له لا تسلم على صاحب بدعة فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال لم تقل ايتني بها، وكمن قال

стр. 105

لوكيله بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع، ويلزم به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض، حيث ألقاها في غير موضع. (١) والنكاح بنية الطلاق (السياحي) تكون نية الرجل فيه هي التوقيت لعقد النكاح، فيكون الاعتبار لها دون الأسباب والصور الشكلية. (٢) صحيح أن ثمة فروقاً بين نكاح المتعة المؤقت، والنكاح بنية الطلاق (السياحي) ومن أبرز هذه الفروق، وأقواها، التصريح بتحديد الأجل لانتهاء عقد النكاح بين الزوجين، ولكن الناظر يرى أيضاً أوجه وفاق بينهما لا يمكن تجاهلها، منها على سبيل المثال، اتحاد مقصود الناكحَين فيهما، المتمثل بالمتعة وقضاء الوطر، وخلو النكاحين عن تحقيق المقاصد التي شُرع من أجلها، ومنها كذلك حصول الفرقة بين الزوجين، فنكاح المتعة بانتهاء المدة المتفق عليها، والسياحي بانتهاء المدة المضمرة في قلب الزوج، والنكاح لم يُشرع من أجل الفرقة والطلاق، بل شُرع للديمومة والبقاء، وجُعل الطلاق حلاً اضطرارياً عند عدم حصول الوفاق، بعد الوعظ, والهجر، والضرب، والتحكيم، كما هو معلوم من الشريعة، كما أنهما يشتركان في كثير من النتائج والأضرار على الفرد والمجتمع، والتي تتمثل في ضياع الأولاد، وامتهان المرأة، وجعلها كالسلعة المستأجرة، لقضاء الوطر، وإفراغ الشهوة فحسب، أضف إلى ذلك زيادة نسبة المطلقات في المجتمع، وما ينتج عنها من آثار سلبية، هذا كله مع ما في ذلك من الاستهانة بهذه الرابطة العظيمة، والتلاعب بها، وإيثار التنقل في مراتع الشهوات، بين الذواقين والذواقات على مقاصد وحِكم النكاح السامية. ثم إن وجه الشبه بينه وبين نكاح المحلل، المضمر لنية التحليل، كبير جداً، إذ لا مراء أن نكاح المحلل، غايته إصابة المرأة بعقد صورته الشرعية، لتحل لزوجها الأول، ثم يطلقها بعد ذلك، وهذا النوع من التحليل، حرام كما هو معلوم، لدخوله تحت حديث عقبة ابن عامر السابق الذي لعن رسول الله ﷺ فيه المحلل، والمحللة له، وشبهه بالتيس المستعار (٢)، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى، بعد ذكره لتحريم هذا النوع من الأنكحة: وهو مذهب أهل المدينة، وأهل الحديث، وغيرهم. (٣)

стр. 106

قال إسماعيل بن سعد (١) عن الرجل يتزوج المرأة، وفي نفسه أن يحلها لزوجها الأول، ولم يُعلِم المرأة بذلك، قال: هو محلل، إن أراد بذلك الإحلال، فهو ملعون، وهذا ظاهر قول الصحابة. (٢) وقد أخرج الحاكم، من طريق نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر ﵁ فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه هل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله ﷺ . (٣) إذا تبين هذا، فما هو المعنى، الذي من أجله لقب بالتيس المستعار؟ ووردت الأحاديث بذمه ولعنه؟ لا شك أن توقيت هذا النكاح بزمن، وعزم الزوج على تطليق المرأة عند انتهاء المدة، هو الذي أفقده الشرعية، واستحق اللعن والذم، لأنه ليس نكاح رغبة، ولأنه عار عن المقاصد الشرعية، التي من أجلها شُرع النكاح. (٤) فنية هذا الناكح المؤقتة، في هذا النكاح، (التحليل) والتي تعتبر سبباً لبطلان العقد، هي عين النية في النكاح الزواج بنية الطلاق (السياحي) لأن عنصر التوقيت حاصل في النكاحين، في القصد والعزم، وإن لم يُتلفظ به أثناء العقد، بل إن النكاح السياحي أسوء حالاً من حيث أن نكاح التحليل قد يكون في بعض صوره، تواطؤ الأطراف الثلاثة، الزوج الأول، والثاني، والزوجة، فتكون المرأة على علم بما هي صائرة إليه، فخلا عن الغش والتدليس، ولكنه لما كان مؤقتاً استحق فاعله الذم واللعن، ووسم عقده بالبطلان، فما بالك بالزواج بنية الطلاق! فإنه بالإضافة إلى توقيته بزمن، فيه غش وخداع للمرأة، وتغرير عليها، ومفاسد أخرى، فلا غرو أن نقول أن هذا النكاح (السياحي) أسوأ حالاً من شقيقيه نكاح المتعة، ونكاح المحلل. (٥) ورحم الله ابن القيم إذ يقول: فأي فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع، والتوسل إليه بطريق المجاهرة التي يوافق فيها السر الإعلان، والظاهر الباطن، والقصد اللفظ بل سالك هذه الطريقة قد تكون عاقبته أسلم، وخطره أقل من سالك تلك من وجوه كثيرة كما أن سالك طريق الخداع والمكر عند الناس أمقت، وفي قلوبهم أوضع، وهم عنه أشد نفرة ممن أتى الأمر على وجهه، ودخله من بابه،

стр. 107

ولهذا قال أيوب السختياني وهو من كبار التابعين وساداتهم وأئمتهم في هؤلاء: يخادعون الله كما يخادعون الصبيان لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل عليهم. (١) كل أوجه الوفاق هذه بين النكاح بنية الطلاق (السياحي) والنكاح المؤقت بأنواعه، لا تجعل المنصف يرى فرقاً كبيراً بينهما، وما ذكره الفريق الأول من فروق، جُلها يرجع إلى مسائل لفظية وصور شكلية في صيغة العقد. (٣) لا يصح الاعتراض لتجويز هذا النكاح، بأن الطلاق أمر جائز، للرجل أن يوقعه متى شاء، وإذا كان كذلك فإنه يجوز له إضماره متى شاء؛ لأنا نقول: الطلاق أمر جائزٌ، ولكن بعد عقد صحيح شرعاً، لفك رباطه، وحل وثاقه، لا قبل إبرام العقد والذي سيكون لا محل له، وإضماره في الحياة الزوجية لا يضر، بخلاف إضماره قبل العقد أو أثنائه، فإن فيه معارضةً لقصد الشارع من جهة، ويشتمل على الغش والتدليس من جهة أخرى، ثم هل يسلم أن الطلاق يجوز إذا ترتب عليه إضرار بالمرأة، دون ما سبب يدعو إليه، إلا مجرد المتعة، والتنقل في مراتع الشهوات، وطلب اللذات عبر الزواج بنساءٍ عديدات؟ إن الإسلام قد جعل طلاق المرأة في حيضها، أو في طهر أُصيبت فيه، طلاقاً بدعياً، لما يترتب عليه من إضرار بالمرأة، والذي يتمثل بإطالة عدتها، فكيف إذا ترتب على هذا الطلاق أضراراً أكبر وأعظم؟ كما في النكاح السياحي، بل كيف إذا كان هذا النكاح قائمٌ أساساً على الإضرار بالمرأة، بالغش والتدليس عليها ابتداءً ورميها والتخلي عنها دون ما سبب انتهاءً؟ ليس هذا من محاسن الإسلام، ولا من أخلاق الناس في شيء، فإن الإسلام قد أعز المرأة وكرمها أيما تكريم، ثم إنه كذلك لا يصح الاستدلال بفعل أحد غير المعصوم ﷺ . (٤) كما لا يصح الإعترض كذلك؛ بأن العزم على الطلاق لا تأثير له في حل رباط الزوجية، فإذا كان كذلك، فإنه لا تأثير له أيضاً في إبطاله أثناء انعقاده؛ لما علمنا من حرص الشارع الحكيم على بقاء هذه الرابطة، وحفاظه على قدسية النكاح، وعدم انفراط عقده، وفكاك رباطه بعد أن تم، بل رغب في بالصبر وعدم التسرع، وجعل بعض القيود التي تجعل الرجل، يتروى ولا يتسرع، فأرشد أولاً إلى الوعظ، ثم الهجر، ثم الضرب غير المبرح، ثم

стр. 108

التحكيم، وبعد كل ذلك جعل التسريح بإحسان، هو الحل الأخير؛ لهذا كله لم يؤثر ذلك العزم على ديمومة وبقاء النكاح، أما إن كان هذا العزم قبل إبرام العقد، أو أثناءه، فالمتجه شرعاً ألا يصح النكاح ابتداءً، حفاظاً على قدسية النكاح وحرمته، والحرص على عدم انفراط عقده، بعد أن تم واكتمل؛ والناظر في نصوص الشرع الحنيف، يرى مدى حرصه على ديمومة وبقاء النكاح، لهذا كان العزم الأول غير مؤثر في ديمومة النكاح وبقائه، بخلاف العزم الثاني فإنه مؤثر. (٥) ثم إن هذا الناكح في الحقيقة، لا يريد بنكاحه هذا تحقيق أهداف ومقاصد النكاح التي شُرع من أجلها، بل يريد المتعة، وحصول اللذة فحسب، قال ابن القيم: فمن ليس له قصد في الصحبة، ولا في العشرة، ولا في المصاهرة ولا في الولد ولا المواصلة ولا المعاشرة ولا الإيواء؛ بل قصده أن يفارق لتعود إلى غيره؛ فالله جعل النكاح سببا للمواصلة، والمصاحبة والمحلل جعله سببا للمفارقة، فإنه تزوج ليطلق، فهو مناقض لشرع الله ودينه وحكمته فهو كاذب في قوله تزوجت، بإظهاره خلاف ما في قلبه، وبمنزلة من قال لغيره وكلتك أو شاركتك، أو ضاربتك أو ساقيتك، وهو يقصد رفع هذه العقود وفسخها، وقد تقدم أن صيغ العقود إخبارات عما في النفس من المعاني، التي هي أصل العقود، ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلاما معتبراً، فإنها لا تصير كلاماً معتبراً إلا إذا قرنت بمعانيها، فتصير إنشاء للعقود والتصرفات من حيث إنها هي التي أثبتت الحكم، وبها وجد، وإخبارات من حيث دلالتها على المعاني التي في النفس، فهى تشبه في اللفظ أحببت، أو أبغضت وكرهت، وتشبه في المعنى قم واقعد، وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها حقيقة أو حكماً ما جعلت له، وإذا لم يقصد بها ما يناقض معناها .. (١) وليت الأمر يقف هنا، بل يتعدى إلى الإضرار بالمرأة، وأوليائها، والمجتمع كله، وكل ذلك باسم النكاح المشروع، بل وصل بالبعض منهم، أن تزوج في صيف واحد، بأربع فتيات، يقضي مع الواحدة منهن شهراً واحداً، أو أقل أو أكثر بقليل، بحثاً عن لذته وقضاء وطره (٢)، أين هذا من أهداف النكاح ومقاصده؟ لكنه التلاعب بهذه الرابطة المقدسة، تحت ستار حلية الزواج السياحي وشرعيته.

стр. 109

(٦) إن لنا أن ندرك أحوال مجتمعاتنا اليوم، وما وصلت إليه من ضعف وانعدام للمصداقية والضمير، وتهافت على المادة ـ إلا ما رحم ربي ـ جراء ما وصلت إليه شعوبنا من أحوال اقتصادية رديئة، كل ذلك وغيره يجعل استيعاب أمثال هذه النساء المطلقات من مثل هذا الزواج وكذا أولادهن، أمراً صعباً وشاقاً للغاية، فما ذنب المرأة ومن تعول أن يرميها زوجها، دون ما ذنب لها في مجتمعٍ لا يرحم؟ لتظل مرهونة بعوامل الضعف من الفقر، والقهر، والتعرض للانحلال والفساد والإفساد، وقد رأينا العديد من هذه الضحايا في المجتمع؛ إن وضع المرأة اليوم قد تغير، وما عادت مجتمعات اليوم تستوعب مثل هذه الإفرازات، لقد أصبح الطلاق بالنسبة للمرأة عبارة عن إعدام لحياتها الزوجية، ونادراً ما يتقدم إنسان لخطبتها مرة أخرى، وعليها بعد ذلك أن تتحمل أعباء الحياة وقساوتها، بكل ما تحمل من تخوف على كرامتها وعفتها، والتي حفظتها لها الشريعة عبر الأزمان. وعليه فإن القول بجواز هذا النوع من النكاح، لا يتواءم مع مقاصد الشرع الحنيف، وما عُلم من تكريمه للمرأة، وقد قال ﷺ "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (١) ناهيك عن ما ينتج من مفاسد محققة من وراء هذا النكاح، كما أظهرت الدراسات الميدانية، وما فيه من مقاصد وغايات، تتناقض مع مقاصد الشارع الحكيم في هذه الرابطة الإنسانية العظيمة، من إنشاء الأسفار بغرض السياحة الجنسية والاستمتاع، وتعطيل للإنجاب، ومنع التناسل، وما يجر وراءه من عداءات بين أفراد المجتمع الواحد خاصة، وبين الشعوب والمجتمعات عامة، وبخاصة عندما يصبح هذا النكاح ظاهرة مستفحلة في المجتمع، يجني من ورائها تلك المفاسد.

стр. 110

وإن كنت قد خالفت في ذلك قول الجمهور، إلا أن تلك الأقوال كانت ضمن نظام اجتماعي لا أظنها اليوم، تتوافق مع هذا النظام الذي نعيشه، لتحقق مقاصد الشرع الحنيف، بل أستطيع القول، أنهم لو كانوا في واقعنا هذا، وشاهدوا تلك المفاسد، والأضرار، والتي تفتح باب الطعن، والتشويه (١) لهذا الدين، لما كان منهم إلا أن يمنعوا أمثال هذه الأنكحة، لأن جلب المصلحة، ودفع المفسدة، هي روح هذا الدين، كما هي رائدهم ومبتغاهم جميعاً، وحسبي أني اجتهدت في دراسة هذه الظاهرة من خلال الواقع، وأثرها على المجتمع، وربطها بأحكام ومقاصد الشرع الحنيف. والله أعلم، ، ،
следующие страницы →