← Указатели

Указатели · id 143162

تاريخ التراث العربي لسزكين - الشعر

فؤاد سزكين

Полный текст (1 343 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة أولا: تاريخ البحث ووضعه الراهن بدأ العالم يعقوب جوليوس (المتوفى ١٦٦٧ م) - من أهل مدينة ليدن- بين عامى ١٦٢٩ و ١٦٥٦ م فى تحقيق بعض مخطوطات تضم شعرا عربيا، كانت بين المخطوطات العربية المائتين والخمسين التى اقتناها أثناء فترات إقامته الطويلة فى المغرب العربى وآسيا الصغرى. نشر جوليوس «لامية العجم» للطغرائى والمقامة الأولى من «مقامات» الحريرى وقصيدة لأبى العلاء المعرى (١). وفى سنة ١٦٦١ م ظهر فى انجلترا تحقيق لامية العجم مع تعليقات لغوية عليها من عمل إدوارد بوكوك (٢)، ثم نشر ألبرت شولتنز (المتوفى ١٧٥٠ م) فى ليدن بعض مقامات الحريرى وبعض القصائد من حماسة أبى تمام (٣). ويعدّ يوهان يعقوب رايكه- بحق- أول متخصص ألمانى فى الدراسات العربية، وفى مجال الشعر نشر سنة ١٧٤٢ معلقة طرفة مع ترجمة لاتينية لها وشرحا اعتمد فيه على الموازنة مع قصائد كثيرة أخرى (٤) وفى سنة ١٧٥٦ ظهرت ترجمته الألمانية للامية الطغرائى، ثم ظهر له سنة ١٧٦٥ النص العربى مع الترجمة الألمانية «لنماذج من الشعر العربى فى الغزل والرثاء (من شعر المتنبى)» (٥). وترجم فريتاج ١٨١٤ إلى اللغة الألمانية قصيدة «تأبط شرا» المشهورة مع شرح لها (انظر ص ١٣٨ من كتابنا هذا)، ثم ألّف سنة ١٨٣٠ كتابا فى العروض العربى له قيمته

стр. 2

فى هذا الموضوع إلى أيامنا هذه (٦). وظهرت بعد ذلك المحاكاة الأدبية المشهورة التى صنعها فريدرش روكرت (المتوفى ١٨٦٦ م) وهى ترجمة «مقامات» الحريرى (١٨٢٦ - ١٨٢٧) وامرئ القيس (١٨٤٣) / كما ترجم روكرت «حماسة» أبى تمام (١٨٤٦) التى نشرها فريتاج. وظهرت فى النصف الأول من القرن التاسع عشر لقراء اللغة الفرنسية عدة مختارات من الشعر العربى منها مختارات هومبير (١٨١٩) (٧)، ومختارات لا جرانج (باريس ١٨٢٨) (٨) ومختارات ميشيل (باريس ١٨٣٠) (٩). ونهج دى برسيفال منذ سنة ١٨٤٧ - ١٨٤٨ ببحثه فى «تاريخ العرب قبل الإسلام» منهجا يعدّ «الشعر مصدرا مهمّا للدراسة التاريخية» (١٠). وفى منتصف القرن التاسع عشر بدأ التحقيق العلمى لدواوين الشعر العربى بتحقيق ديوان امرئ القيس بعناية دى سلان (باريس ١٨٣٧) (١١) وتحقيق كوزيجارتن لقصائد من شعر الهذليين (١٢)

стр. 3

وحاول فون هامر بورجشتل أن يعرض التراث العربى فى الأدب والفكر والعلوم من بدايته حتى القرن الثانى عشر الهجرى، وهى محاولة يبدو أنها جاءت- بالقياس إلى الإمكانات المتوافرة فى ذلك الوقت- قبل الأوان. لقد ألف فون هامر كتابه الكبير فى تاريخ التراث العربى فى سبع مجلدات (١٣)، وعلى الرغم مما وجّه إليه من نقد حاد بأنه لم تكن لديه مادة كافية ولم يكن على معرفة وثيقة باللغة العربية، إلّا أنه يرجع إليه بلا شك الفضل فى تأليف أول كتاب من نوعه فى هذا الموضوع. فقد أفاد من كتب وترجمات جزئية للمفضليات وللأصمعيات وللعقد الفريد ولحماسة البحترى وليتيمة الدهر للثعالبى، وفصّل بذلك القول فى الشعر العربى وشعرائه. ومع ظهور المجلد الأخير من كتاب فون هامر بورجشتل (١٨٥٦) صدر كتاب الورد «عن الشعر وفن الشعر عند العرب» (١٤) وهو أول عرض مكتوب بلغة أوربية عن نظرية الأدب (عند العرب). ونشر آلورد بعد ذلك نقدا حادّا لاذعا لكتاب فون هامر «تاريخ التراث العربى». (١٥). وحقق آلورد بعد ذلك خمريات أبى نواس (١٨٦١) ودواوين الشعراء الستة الجاهليين (لندن ١٨٧٠) (١٦)، / وكتب: «ملاحظات حول أصالة الشعر

стр. 4

العربى القديم مع اهتمام خاص بالشعراء الستة» (١٨٧٢) (١٧) هذا وتعد دراسات تيودور نولدكه عن الشعر العربى القديم (١٨٦٤) من أقدم الدراسات فى هذا الميدان (١٨). وقد نشر تيودور نولدكه أيضا شعر عروة بن الورد (١٨٦٣) (١٩)، فاكتملت بذلك تلك السلسلة المبكرة من الطبعات المحققة لدواوين الشعر العربى. وقد بدأ- فى نفس الوقت- الاهتمام بشعر الأقطار المختلفة. وكان فون شاك أحد رواد هذا الاتجاه، وذلك بكتابه عن «الشعر والفن العربيين فى الأندلس وصقلية» (١٨٦٥) (٢٠)، وقد طبع ثلاث مرات فى اثنى عشر عاما. أما الفريد فون كريمر فقد ظهر له بين عامى ١٨٧٥ - ١٨٧٧ كتاب فى مجلدين عن «تاريخ الحضارة فى الشرق فى عهد الخلفاء» (٢١)، لم يعالج فيه الشعر بإسهاب، ولكنه عرضه فى إجمال فنى حاذق. وفى سنة ١٨٩٠ أصدر آربوتنوت أول كتاب باللغة الإنجليزية عن الأدباء العرب (٢٢). وفى نهاية القرن التاسع عشر ظهر عملان كبيران حددا مسار الدراسات العربية إلى

стр. 5

يومنا هذا. أولهما فهرس المخطوطات العربية بالمكتبة الملكية فى برلين، من إعداد آلورد ١٨٨٧ - ١٨٩٩ (٢٣). والكتاب الثانى هو تاريخ الأدب العربى (•) من تأليف كارل بروكلمان (٢٤)، وقد ظهر الأصل ١٨٩٨ - ١٩٠٢. ولكى نكون منصفين فى تاريخ العلم ينبغى هنا أن نؤكد على حقيقة أغفلتها الكتب الكثيرة قبلنا، وهى أن فهرس آلورد- وهو فى عشر مجلدات- يضم أول عرض منهجى لتاريخ التراث العربى، وقد ظل معينا لا ينضب لمن أتى بعده من المؤلفين. كما أن قسما أساسيّا من هذا العمل الذى استغرق إنجازه خمسة وعشرين عاما مخصص للشعر (٢٥). وقد اعتمد كارل بروكلمان فى كتابه المذكور على كتاب آلورد اعتمادا كبيرا، فاستطاع أن يؤلف كتابه، وفيه عرض زمنى للمخطوطات العربية المعروفة فى عصره وللدراسات وللمصادر الخاصة بدراسة الشعر العربى أيضا. وكان هدفه «أن يعرض للتاريخ الببليوجرافي للتراث العربى» وقد أمكنه تحقيق هدفه وخاصة بمجلدات الملحق التى ظهرت بعد ذلك (يأتى ذكره)./ لقد كانت بحوث جولدتسيهر، وهو العالم المرموق المتخصص فى الدراسات العربية، فى كتابيه «الدراسات الإسلامية» (١٨٩٠) (٢٦)، و «بحوث فى علوم اللغة العربية» (١٨٩٦ - ١٨٩٩) (٢٧) ذات أثر منهجى حاسم فى أواخر القرن التاسع عشر، وكان قد نشر قبل ذلك ديوان الحطيئة (١٨٩٣) وكتب بحوثا عنه.

стр. 6

وقد تحول مركز الثقل إلى الأعمال الخاصة بالشعر فى الربع الأول من القرن العشرين إلى تحقيق الدواوين وكتب المختارات. ومن بين تلك الأعمال الكثيرة نخص بالذكر هنا النماذج الفريدة مثل: «مجموع أشعار العرب» الذى اعتنى بترتيبه وتصحيحه آلورد، ويضم تحقيقا للأصمعيات (١٩٠٢) ولدواوين شعراء الرجز (١٩٠٣) (٢٨)، ومن هذه الأعمال أيضا تحقيق دى خويه M.j.de Goeje لكتاب «الشعر والشعراء» لابن قتيبة (١٩٠٤)، وتحقيق كارلوس يعقوب لايل Ch.J.layall وترجمته الإنجليزية لشرح المفضليات (١٩١٨ - ١٩٢١) (٢٩). أما الدراسة التى ظهرت فى وقت مبكر (ليبتسج ١٨٩٣) من تأليف شقارتس عن «عمر بن أبى ربيعة» (٣٠) فينبغى أن تضاف إليها فى الربع الأول من القرن العشرين دراسات أخرىعن شعراء العربية، منها دراسة رودكناكس عن «الخنساء ومراثيها» (٣١)، ومقال فى تاريخ الأدب العربى كتبه كراتشكوفسكى عن الوأواء الشاعر العباسى (فى بتروجراد ١٩١٤). وفى تلك الأثناء ظهرت عروض موجزة لتاريخ الأدب العربى لم تضف (من الناحية العلمية) جديدا، ومثال ذلك كتاب، إيوار عن «الأدب العربى» (باريس ١٩٠٢) (٣٢) - باللغة الفرنسية، وكتاب بيتسى عن الأدب العربى باللغة الإيطالية (ميلانو ١٩٠٣) (٣٣)، وما كتبه دى خويه باللغة الألمانية عن الأدب العربى (برلين- ليبتزج ١٩٠٦) (٣٤)، وما كتبه كريمسكى باللغة الروسية (موسكو ١٩١١ - ١٩١٢) (٣٥) وكتاب نيكلسون فى التاريخ الأدبى للعرب (٣٦)

стр. 7

- باللغة الإنجليزية- وقد طبع هذا الكتاب عدة مرات منذ ١٩٠٧. وكان مؤلف الكتاب المذكور يستهدف تقديم عرض لتاريخ الفكر، ولذا فقد فصّل القول فى القضايا السياسية والحضارية. أما المحاضرات التى ألقاها نالينو باللغة العربية (بالجامعة الأهلية بالقاهرة سنة ١٩١٠ - ١٩١١) عن الشعر العربى حتى عصر بنى أمية فتضم مجموعة من الدراسات المفيدة والموثقة. ولم تطبع الترجمة الإيطالية المنقحة لهذه المحاضرات إلا سنة ١٩٤٨ بعناية (ابنته) (•) ماريا نالينو، وترجم الكتاب بعد ذلك إلى اللغة الفرنسية شارل بيلا (١٩٥٠). وعند ما ألف آدم متز (١٩٢٢) كتابه القيم عن عصر النهضة فى الإسلام (٣٧) قدّم عرضا موجزا ونافعا للشعر فى القرنين الثالث والرابع للهجرة، (••) وهو كتاب لا تزال له قيمته إلى اليوم. وقد أحدث كتاب ريشر «موجز تاريخ التراث العربى» (٣٨) (١٩٢٥ - ١٩٣٣) تقدما كبيرا. فالمجلد الأول كله وقسم من المجلد الثانى منه مخصصان لشعراء العربية من الجاهلية/ حتى القرن الثالث الهجرى، مع مختارات من الشعر العباسى. ولم يقتصر ريشر على الشعراء الذين وصلت إلينا دواوينهم- كما فعل بروكلمان- بل كان يعنى أيضا بالشعراء الذين وردت أخبارهم وأشعارهم فى كتاب الأغانى. وفضلا عن ذلك فقد قام ريشر خلال الأربعين عاما الأخيرة حتى. وفاته سنة ١٩٧٢ بإعداد ترجمات ممتازة لكثير من دواوين الشعر العربى إلى اللغة الألمانية. وقد تركز الاهتمام فى مجال الدراسات العربية فى الربع الثانى من القرن العشرين فى تحقيق الدواوين ودراسة الشعراء، وكان للشعر الأندلسى مكان خاص فى هذه الجهود. ومن

стр. 8

الطبعات الممتازة لدواوين الشعر العربى نخص بالذكر التحقيق القيم الذى أعدّه جاير R.Geyer لدواوين الشعراء الأعشين، ومنهم المسيّب بن علس (١٩٢٨). ومن الدراسات المفردة لآحاد الشعراء نذكر دراسة ماريا نالينو للنابغة الجعدى وشعره (١٩٣٤) (٣٩) ودراستى فرنشسكو جابريلى عن الوليد بن يزيد (١٩٣٥) وجميل (١٩٣٨)، وكذلك الدراسة المفصلة التى أعدها بلاشير Blachere عن المتنبى (١٩٣٦) (٤٠). وأما الشعر العربى فى الأندلس فقد أسهم فى دراسته العلمية كثيرون، منهم بيريس H.Peres ونيكل A.Nykl وجارسيا غوميس Garcia Gomez وشتيرن S.M.Stern وهو نرباخ W.Hoenerbach وحتى منتصف هذا القرن لم يخل الأمر من محاولات العرض العام للتاريخ الأدبى، وأهم كتاب فى هذا المجال هو دون شك الملحق الذى ألفه كارل بروكلمان إكمالا لكتابه فى تاريخ الأدب العربى، وقد ظهر الملحق ما بين سنة ١٩٣٧ - ١٩٤٢، لقد خطط بروكلمان لإقامة الأساسين الببليوجرافي والبيوجرافى للبحث فى كل أفرع التراث العربى ومنه الشعر، وقد حقق خطته فى مجلدات الملحق التى فاقت أصل الكتاب بكثير. وفى الربع الثانى من القرن العشرين استمرت مناقشة قضية عمر الشعر العربى القديم وأصالة هذا الشعر، وهما قضيتان بدأ بحثهما فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر. وشارك فى بحث هذه القضية كثيرون منهم مرجليوث، (•) D.Margoliouth وطه حسين، وبروينليش، E.Braunlich وكرنكو Fr.Krenkow. وبالإضافة إلى هذا فقد كان الاهتمام كبيرا بقضايا الأشكال الأدبية ونظرية الشعر، / وقد كتب فى النسيب والقصيدة

стр. 9

كل من ليشتنشتادر، I.Lichtenstadter وريشتر، G.Richter وبلوخ، A.Bloch وجروينباوم) G.V.Grunebaum انظر ص ١١) (•) وفى نهاية هذه الفترة ظهر عمل مهم فى مجال دراسة الشعر العربى وهو فهرس الشواهد من إعداد فيشر وبروينليش (٤١). ولم يجد هذا العمل بكل أسف التقدير اللائق به عند المتخصصين. (••) وبعد الحرب العالمية الثانية ثمة سمة واضحة تلاحظ فى الجهود التى تمت فى هذا المجال، وهى أن عددا كبيرا منها تم فى البلاد العربية. وفى رأيى أن أهم الجهود المنجزة هى تلك المحاولات الهادفة إلى إعادة تجميع الدواوين المفقودة، اعتمادا على القطع والمقتبسات التى وصلت إلينا منها فى الكتب المختلفة، وهى محاولات لم يقم بها أحد من قبل إلا نادرا جدا. وقد أدت هذه الجهود إلى أن أصبحت عشرات المجموعات الشعرية متاحة للباحثين. إن المناهج الحديثة فى الدراسات العربية، والتى أدخلها طه حسين بصفة خاصة، قد أعطت البحث فى مصر أساسا عريضا وفكرا جديدا. وهناك بحوث كثيرة جديرة بالتقدير منها كتاب «مصادر الشعر الجاهلى» لناصر الدين الأسد ١٩٥٦ وهو أفضل كتاب مفرد شامل تناول قضية قدم الشعر العربى وأصالته. وفى بداية النصف الثانى من القرن العشرين وضع بلاشير على عاتقه أن يكتب تاريخا للأدب العربى، من بدايته حتى القرن الخامس عشرالميلادى، على نحو يقوم على النظرة الشاملة وتعميق الجزئيات فى نفس الوقت، ويزود المتخصص فى الدراسات العربية والباحث فى الأدب المقارن على السواء بأداة لا غنى عنها، مع توافرها لآداب لغات أخرى. وقد أصدر بلاشير ثلاث مجلدات من كتابه فى تاريخ الأدب العربى (١٩٥٢ - ١٩٦٦)، ولم يؤلف سوى هذه المجلدات، وهى تضم تاريخ الأدب العربى حتى منتصف القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى. وقد عالج بلاشير فى القسم التمهيدى

стр. 10

أيضا قضية أصالة الشعر العربى فى الجاهلية وصدر الإسلام وروايته ومصادره. (•) وكان بلاشير فى بحثه لأصالة الشعر العربى أقرب إلى المتشككين منه إلى المؤيدين، وقد ذكر فى الفصول الأخرى عددا كبيرا من الشعراء لأول مرة فى إطار تاريخ الأدب العربى، وكان فى تقويمه لأخبار الشعراء يصدر عن تصور أن المادة الموثقة نادرة. لقد طالب مؤرخو الآداب فى القرن الماضى بأن تقتصر الدراسات فى تاريخ الشعر العربى- فى البداية- على الدراسات المفردة للشعر والشعراء/، وهم على حق فى ذلك، وهو مطلب له قيمته إلى يومنا هذا، وينبغى تلبيته بشكل قوى حتى يمكن انطلاقا منه عرض التطور الداخلى فى تاريخ الشعر العربى. وهناك نتائج طيبة فى هذا الاتجاه فقد طبعت دواوين كثيرة طبعات محققة، وهناك مقالات قيمة فى الطبعة الجديدة من دائرة المعارف الإسلامية، إلى هذا وذلك بعض الدراسات الممتازة عن قوالب الشعر وطبيعته ونظريته، وقد ظهرت هذه الدراسات فى السنوات العشر الماضية.

стр. 11

ثانيا: الشعر العربى القديم نشأته وأشكاله إن أصل الشعر العربى القديم قضية لم يتقدم بحثها تقدما جوهريّا منذ اهتم بها دى ساسى فى أوائل القرن الماضى (٤٢)، وهناك أخبار فى المصادر العربية تجعلنا نمضى فى تاريخ الشعر العربى حتى القرن الخامس الميلادى على أبعد تقدير (٤٣)، وهو عصر لا بد أن الشعر العربى كان قد تطور- قبله- تطورا بعيدا، وإن سنتى ميلاد أقدم شاعرين جاهليين نعرفهما وهما مهلهل بن ربيعة وعمرو بن قميئة، يبدو أنهما ليستا قبل ٤٥٠ م (٤٤)، وهناك شعر ينسب لحمير ولحاكمها تبع، كان متداولا، ولا يمكن- فى رأيى- إلّا أن يكون من تأليف شعراء عاشوا قبيل الإسلام، وعدوا أنفسهم ورثة فكر حمير وتبّع، وقد جمع هذا الشعر بعد ذلك بعدة أجيال، جمعه عبيد بن شريّة (ص ٣٨) وابن مفرّغ (ص ٣٢٥) دون أن يفصحا عن شك فى أصالته. وفى التراث غير العربى هناك تواريخ أقدم من تلك المذكورة فى التراث العربى. فقد ذكر سوزومينوس (Sozomenos) فى تاريخ الكنيسة (المؤلف بين عامى ٤٤٣ م- ٤٥٠ م)

стр. 12

أن للعرب شعرا/، ذكر ذلك عند انتصار الملكة معاوية (حوالى سنة ٣٥٠ م) على جيوش الروم (٤٥). وذكر القديس نيلوس) Nilus المتوفى حوالى سنة ٤٣٠ م) أن العرب كانوا قد اعتادوا التغنى بأشعارهم عند ورودهم الماء (٤٦). لقد بحث جولد تسيهر (٤٧) بنية أقدم ما وصل إلينا من الشعر العربى، وانطلق منه إلى وضع نظرية عن مراحل تطور أشكاله، وهى نظرية مقبولة إلى يومنا هذا فى جوهرها دون تعديل، وقد اعتمد جولد تسيهر فى هذا على جوانب بعينها فى الشعر، ويبدو أنه انطلق أيضا من المعرفة بأحوال شعوب أخرى (٤٨). ويتضح من أبيات وأخبار وصلت إلينا أن العرب كانوا يعتقدون فى الأثر السحرى للكلمة، وهى عقيدة موغلة فى القدم سابقة على بدايات الأدب العربى، حتى إنهم كانوا يعتقدون أن كلمة لأقل شاعر تستطيع أن تجلب البركة أو اللعنة على من تقع عليه، بل إن أقدم أشكال الهجاء كان سجعا، وقد نشأ ذلك السجع عن الإيقاع فى شكل بسيط غير متطور، ثم نشأ عنه فى مرحلة متقدمة وزن الرجز بقوافيه المشتركة بين شطريه، ولم يكن أصل الهجاء ذى السجع الموزون فى أقدم العصور مجرد قدح وسباب. فقوة السحر فى كلمات الشاعر كانت عندهم كفيلة بأن تجلب للعدو أضرارا ويمكن أن تدمره، وهنا تكون الأهمية الأساسية للهجاء بوصفه وسيلة من وسائل الحرب، وبتكون الرجز فقد السجع شيئا فشيئا مكانته بوصفه وسيلة للهجاء. ومن الناحية الأخرى فقد استخدم السجع فى الشعر القديم للنياحة على الموتى، وفى

стр. 13

مرحلة تالية من التطور يبدو أن المرثية قد حلت محل شعر النياحة الأقدم، ونظم ذلك بوزن الهزج وهو ضرب من الرجز (٤٩). وفى وقت لا نعرفه، ولكنه على أية حال قبل سنة ٥٠٠ م، تكون للشعر العربى أهم أشكاله الفنية وهو شكل القصيدة./ وليس ثمة يقين بين الباحثين قديما وحديثا حول اشتقاق هذه الكلمة. هناك بحوث كثيرة تناولت هذا الشكل الفنى، وأحدث هذه الدراسات ما كتبته ريناته ياكوبى (٥٠) (١٩٧١) وهى دراسة نقلت البحث فى القضايا المختلفة لا لموضوع القصيدة فحسب، بل وللقضايا الأخرى الكثيرة المرتبطة بقواعد الشعر العربى (٥١). إن القصيدة تتكون من عدة أجزاء، تبدأ بالنسيب وهو غزل وتشبيب، وفى آخرها ينتقل الشاعر إلى موضوعه ببيان الحافز إليه، ويربط ذلك- عموما- برحلة البادية ووصف راحلته، وبذلك تتكون القصيدة. وترى الباحثة ياكوبى أنه لا شك فى أن أنواعا شعرية نشأت مستقلة وارتبطت أول الأمر ارتباطا خفيفا ثم تطورت أثناء مرحلة طويلة لتكون شكلا أدبيا جديدا. وقد أوضحت مع هذا أن محاولة تفسير عوامل هذا التطور لا يمكن أن تتجاوز مجال التخمين. وقد ذكرت عبارة ابن قتيبة عن القصيدة شكلا ومفهوما (٥٢) وأشارت إلى أن تعريف ابن قتيبة للعناصر الثلاثة المكونة للقصيدة، والتى فيها ربط بين بكاء الأطلال فى النسيب وركوب الناقة والمديح، مر به الباحثون فى

стр. 14

الدراسات العربية دون تمحيص، ونادرا ما أشاروا إلى/ أن تراكيب أخرى ممكنة أيضا، وبذلك قد يتكون انطباع لدى المرء، وكأنه ثمة نموذج للقصيدة لا ينازع، ولا يمكن الخروج عنه إلّا خروجا طفيفا (٥٣). وعلى العكس من هذا فقد أكدت الباحثة ريناته ياكوبى حقيقة أن القصائد العربية القديمة متعددة الأشكال، وأنها تطابق هذا النمط العام فى أحوال نادرة، وأن نمط القصيدة الذى وصفه ابن قتيبة، والذى ينتهى بالمديح «يعد المرحلة النهائية من عملية الصقل والتركيب، وتوحيد القصيدة، وهى عملية انطلقت من نمط قديم مفترض» (٥٤). أما القطعة وهى كما يتضح من اسمها ومن نظرة العرب إليها قطعة من كيان متكامل مفقود (أقرب ما يكون إلى القصيدة) فقد أثبت بلوخ لأول مرة وجود منظومة قصيرة ذات موضوع واحد، ومن ثم عدها نوعا من الشعر مستقلا (٥٥) بذاته.

стр. 15

وقد افترض جولد تسيهر أن كلمة قافية كانت أول الأمر مصطلحا للهجاء، وأنها طبّقت فى مرحلة تطور متأخرة «واستخدمت فى النظم بصفة عامة بغض النظر عن المنحى أو الغرض أو المحتوى. أما المعنى الضيق لكلمة قافية فهو بالتالى ثمرة تطور متأخر» (٥٦). ويرى جولد تسيهر أيضا أن مصطلح (بيت) قد استخدم فى وقت مبكر جدا تسمية لبيت الشعر، وارتبط هذا بتصور أن نظم الشعر ضرب من ضروب البناء (٥٧). وهناك شاهد مهم على الاستخدام المبكر لهذا المفهوم، استخرجه فايل (٥٨) Weil من كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ (٥٩) ويتضح من هذا الشاهد أنه قبل الخليل بن أحمد الفراهيدى (ت ١٧٥ هـ/ ٧٩١ م) «لم يكن لدى العرب إلى جانب بعض المصطلحات الخاصة بالقافية، من بين المصطلحات العروضية، سوى مصطلح (بيت) ومصطلح (مصراع)»./ لقد أشار باحثون كثيرون إلى الطابع اللغوى والفنى والجمالى للشعر العربى القديم (٦٠) ويكاد ينعقد الرأى اليوم بين الباحثين على أن شعر الجاهلية، أى شعر المائة عام السابقة على ظهور الإسلام، قد وصل إلى مرحلة رفيعة من التطور. ويميل جرونباوم

стр. 16

إلى أن يرى فى قسم كبير من الشعراء الذين ولدوا فى الفترة من ٤٤٠ إلى ٥٣٠ م ممثلين لست مدارس، وهو مقتنع «بإمكان بيان الترابط المستمر لهؤلاء الشعراء، والتطور الداخلى لأعمالهم الفنية، على نحو سهل نسبيّا» (٦١). أما قضية كون الشعر العربى القديم تطورا داخليا مستقلا، أى دون تأثير من حضارة مجاورة، أو أن ثمة تأثيرا ما فى هذه المرحلة المبكرة، فهى قضية لا يمكن القول فيها حاليّا برأى قاطع، وليس من الخطأ التفكير فى تأثير الشعر البابلى المتأخر فى الشعر

стр. 17

العربى، وذلك فى إطار التطور الحضارى فى أواخر العصور القديمة، وما حدث فى المجالات الأخرى للعلوم الفكرية والطبيعية، وقد رجح فون جرونباوم من جانبه «إمكان وجود تأثير فارسى فى الصقل الفنى للشعر المبكر فى بلاد ما بين النهرين» (٦٢)، وقد نظر فى هذا إلى أن أوزان «الرّمل» و «المتقارب»، ربما أيضا «الخفيف» كانت مفضلة فى شعر بلاد النهرين. إن قضية العوامل التى يمكن أن تكون قد أثرت فى نشوء أوزان الشعر العربى كانت موضع تفسيرات مختلفة، وقد بحثها إيقالد فى كتابين له باللاتينية، أحدهما (١٨٢٥) عن العروض العربى (٦٣)، والثانى (١٨٣٣) عن النحو العربى (٦٤)، وقد طبق إيقالد/ مصطلحات العروض اليونانى على العروض العربى، وحاول أن يحدد إيقاع الشعر العربى اعتمادا على تعاليم النظرية الموسيقية فى تراث القدماء، وعلى العروض اليونانى. وفسر جويار (٦٥) الأشكال العروضية العربية بالإفادة من الموسيقى. ويظن يعقوب وهارتمان أن أوزان العرض العربى مأخوذة من ضروب مشية البعير، أو بالأحرى من إيقاع خطو قائد البعير (٦٦). أما تكاتش فقد افترض بعد ذلك أن العروض العربى التقليدى قد نهل من نبع الثقافة اليونانية السريانية (٦٧)، وقد رد فايل عليه ردا

стр. 18

حادّا (٦٨). ويرى قائل أن العروض الكمى عند العرب لا يقارن بأى نظام عروضى آخر. فقد تطور «عن نواة لا تنقسم، هى الإيقاع الصاعد ()» وهو «نبت نما فى الأرض العربية» (٦٩). يرى قائل أن العروض العربى من وضع الخليل بن أحمد على غير مثال سابق ودون تأثير أجنبى، وأن منطلق هذا النظام «ليس هو البيت المفرد فحسب، بل هو صادر أيضا عن طبيعة الكتابة العربية»، وأنه لا ينطبق إلا على البحور العربية، ولا يتفق فى شئ مع نظريات العروضيين اليونان ومع صياغاتهم (٧٠). أشار قائل إلى رأى فولرس (٧١) فى ربط البيرونى نظام العروض الخليلى بالعروض الهندى (٧٢) / وعقب عليه بأنه «لا شك فى أصالة نظرية الخليل فى الدوائر العروضية والنظام العروضى المرتبط بها، وأنه وضع خطوطها بعيدا عن أى تأثير يونانى أو هندى». إن البيرونى قد افترض إمكان سماع الخليل عن وجود العروض الهندى، وعن استخدام الهنود لذلك فى شعرهم، ولكنه قال فى وضوح: «إن الخليل موفق كل التوفيق فى البناء العروضى الذى ابتكره» (٧٣). وإذا نظرنا من الجانب الآخر فيما ابتكره الخليل فى العلوم العقلية- والعروض ليس إلا أحد هذه الابتكارات المتعددة- نظرة غير ضيقة، بل نظرة شاملة فى سياق التأثيرات المتنوعة لتراث متأخرى القدماء فى تطور الحضارة العربية، فلن نستبعد منذ البداية

стр. 19

احتمال وجود تأثيرات غير عربية، ومنها أيضا تأثير هندى غير مباشر، وسوف نعود إلى ذلك فى المجلد الخاص بعلوم اللغة، وقد يكون من المفيد هنا أن تبحث نظرية الدوائر العروضية وكيفية عرضها بالرسم، بحثا يربطها بقضايا نشوء الرياضيات عند العرب (المجلد الخامس ص ٧ وما بعدها). دراسات عن أشكال الشعر العربى، وموضوعاته، ولغته: درس جاير الشعر العربى القديم: R. Geyer, Altarabische Diiamben- Lei Pzig- New York ١٩٠٨ وكتب عن هذه الدراسة ريكندورف: H. Reckendrof, in: OLZ ١٢/ ١٩٠٩/ col. ٥٣٢ - ٥٣٤ كتب ليال عن الجوانب التصويرية من الشعر البدوى القديم: Ch. J. Lyall, The Pictorial Aspectsofancient Arabian Poetryin: JRAS ١٩١٢, ١٣٣ - ١٥٢. كتب ليال عن الشعر البدوى القديم بوصفه مصدرا للمعلومات التاريخية: Ch. J. Lyall, Ancient Arabian Poetryasa Sourceof Historical Informationin: JRAS ١٩١٤, ٦١ - ٧٣. كتب كاسكل عن القدر فى الشعر العربى القديم: W. Caskel, Das Schicksalinderal tarabischen Poesie, Leipzig ١٩٢٦) Morgenlandischet exteund Forschungen ١ Bd., Heft ٥. ( كتب بروينلش عرضا تصويريّا للخوف عند الشعراء العرب القدامى: E. Braunlich Einebildichedars tellungder Furchtbeialtrabi schen Dichternin: Islamica ٣/ ١٩٢٧/ ٣٢٥ - ٣٣٠. كتب باريت عن العنصر المأساوى فى الأدب العربى القديم: R. Paret, Das" Tragische" inderarabischen Literaturin: ZS ٦/ ١٩٢٨/ ٢٤٧ - ٢٥٢, ٧/ ١٩٢٩/ ١٧ - ٢٨. كتب بلاشير عن الموضوعات الأساسية فى شعر الغزل الصريح فى العصر الأموى: R. Blachere, lesprincipauxthe mesdelapoesieero tiqueausiecledes Umayyadesde Damas, in: ALEO ٥/ ١٩٣٩ - ٤١/ ٨٢ - ١٢٨.

стр. 20

- كتب جرونيباوم عن التطور المبكر للشعر الدينى الإسلامى: G. E. von Grunebaum, Theearlydevelopm entof Islamic Religious Poetry, in: JAOS ٦٠/ ١٩٤٠/ ٢٣ - ٢٩. كتب محمد محمد حسين، «الهجاء والهجاءون فى صدر الإسلام». القاهرة ١٩٤٨. كتب بلوخ عن الشعر واللغة فى العربية القديمة، دراسات عروضية ونحوية: A. Bloch, Versund Spracheim Altarabischen. Metrischeundsynt aktische Untersuchungen. Basel ١٩٤٦) Acta Tropica, Suppl. ٥ ( وانظر أيضا حول هذا الموضوع: ما كتبه شبيتالر A.Spitaler ,in: Oriens ٢ /١٩٤٩ /٣١٧ - ٣٢٢. كتب أحمد محمد الحوفى. «الغزل فى العصر الجاهلى». القاهرة، ١٩٥٠. كتب عبد الحليم خلدون الكنانى عن تطور الغزل فى الأدب العربى (فى الجاهلية وصدر الإسلام): A. Kh. Kinany, The Developmentof Gazalin Arabicliterature (pre- Islamicand Early Islamic periods) . Damas Kus ١٩٥١. وانظر أيضا ما كتبه ريتر عن هذه الدراسة: H. Ritter, in: Oriens ٥/ ١٩٥٢/ ١٨٢ - ١٨٤. كتب بربينيا عن البليخاد والشعر العربى: E. Perpina, laspleyadesylapo esiaarabe, in: Andalus ١٨/ ١٩٥٣/ ٤٣٩ - ٤٤٤. كتب بلوخ عن الحكمة فى الشعر العربى: A. Bloch, Zurarabischen Spruchdichtung, in: West- ostliche Abhandlungen, Festschrift R. Tschudi, Wiesbaden ١٩٥٤. كتب تيلو عن أسماء الأماكن فى الشعر العربى القديم: U. Thilo, die Ortsnameninderal tarabischenpoesi e, Wiesbaden ١٩٥٨ وكتب أولمان عن هذه الدراسة فى: M. Ullmann, in: ZDMG ١١٧/ ١٩٦٧/ ١٨٢ - ١٨٩.

стр. 21

- وكتب عنها ماسنو أيضا: P. Masnou, in: Arabica ٦/ ١٩٥٩/ ٣٢١ - ٣٢٢. كتب شكرى فيصل «تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام من امرئ القيس إلى ابن أبى ربيعة». دمشق، ١٩٥٩، ط ٢ سنة ١٩٦٤. وكتب عن هذا الكتاب عبد الكريم زهور، فى مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق ٣٥/ ١٩٦٠/ ٤٩٧ - ٤٩٨، كتب جابرييلى عن القبيلة والشعر العربى القديم: F. Gabrieli, Tribuestatonell' anticapoesiaarab a, in: Acc. Naz. Lincei, Attidelconvegnoi ntern. sultema Dellatribuallost ato) Rom ١٩٦١) , Rom ١٩٦٢, S. ١٦٣ - ١٧٤. وكتب جابرييلى- أيضا- عن القبيلة العربية والدولة الإسلامية فى الشعر فى العصر الأموى: ) Correspondanced' Orient No. ٥ (.F. Gabrieli, Tribuarabeet Etatmusulmandans lapoesiedel'epoq ueomayyade, in: colloquesurla sociologiedel'Is lam, ١٩٦١, S. ٢٨٣ - ٢٩٥ وكتب قاجنر عن شعر النقائض والفخر عند العرب، ومكانه فى التاريخ الأدبى العام: E. Wagner, Diearabische Rangstreitdichtu ngundihre Einordnungindiea llgemeine literaturgeschic hte. Wiesbaden ١٩٦٣.) Akad. der Wiss. undlit., Abh. dergeistes- undsozialwiss. Klasse ١٩٦٢, No. ٨ (. وكتب عنه شوتسينجر: H. Schutzinger, in: ZDMG ١١٤/ ١٩٦٤/ ٤٣٣ - ٤٣٥ كتب راينرت عن الحقوق فى الشعر العربى القديم، رسالة جامعية: W. Reinert, Das Rechtinderaltara bischenpoesie, diss. Koln ١٩٦٣. وكتب شبيس عن هذه الدراسة: O. Spies, in: weltdes Islams, NS ١٠/ ١٩٦٥/ ٨٠ - ٨٢ كتب فيشر عن تسميات الألوان والأشكال فى الشعر العربى القديم، دراسة فى دلالة الكلمة وبنيتها: W. Fischer, Farb- und Formbizeichnunge ninder Sprachederaltara bischen Dichtung. Untersuchungenzu r Wortbedeutungund zur Wortbildung, Wiesbaden ١٩٦٥.

стр. 22

وكتب فاجنر عن هذا الكتاب: E. Wagner, in: Islam ٤٣/ ١٩٦٧/ ٣١٦ - ٣١٩. كتب أولمان عن الرجز، دراسة فى علم اللغة العربية وعلم الأدب العربى: M. Ullmann, Untersuchungenzu r Ragazpoesie. Ein Beitragzurarabis chen Sprach- und literaturwissens chaft. Wiesbaden ١٩٦٦. وكتب بيلا عن هذا الكتاب: Ch. Pellat, in: Arabica ١٤/ ١٩٦٧/ ٩٢ - ٩٣. وكتب بتراشيك عنه: K. Petracek, in: Oriens ٢١ - ٢٢/ ١٩٦٨ - ٦٩/ ٣٩٧ - ٣٩٩. كتب سعيد الديوجى «أشعار الترقيص عند العرب» بغداد ١٩٦٧، كتب عزت حسن «شعر الوقوف على الأطلال من الجاهلية إلى نهاية القرن الثالث» دمشق ١٩٦٨، وانظر ما كتبه فى مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق ٤٣/ ١٩٦٨/ ٣٥١ - ٣٦٨، ٦٣٥ - ٦٤٢، ٨٤٩ - ٨٦٣، ٤٤/ ١٩٦٩/ ٥٠٥ - ٥١٤، ٨١٣ - ٨٢٣، ٤٥/ ١٩٧٠/ ١٥١ - ١٥٩، ٣٢٤ - ٣٣١، ٥٨٠ - ٥٩٤، ٤٦/ ١٩٧١/ ٨٩ - ٩٨. كتب جابرييلى عن العناصر الملحمية فى الشعر العربى القديم: F. Gabrieli, Elementiepicinel l'anticapoesiaar aba, in: lapoesiaepicaela suaformazione, ١٩٧٠. S. ٧٥١ - ٧٥٨ (s- Index Islamicus, Supp. ١٩٧١ - ٧٢, S. ٧٣) . كتب يوسف حسين بكار «اتجاهات الغزل فى القرن الثانى الهجرى». القاهرة ١٩٧١، كتب إيليا حاوى «فن الشعر الخمرى وتطوره عند العرب». بيروت (د. ت)، فن الهجاء وتطوره عند العرب. بيروت (د. ت)، كتب جونستون عن النسيب وأهازيج الحب: T. M. Johnstone, Nasibandthemanso ngurin: Journof Arab. lit ٣, ١٩٧٢/ ٩٠ - ٩٥.

стр. 23

كتب تيلوخ بحثا قدم فى الندوة الدولية الثانية عن القضايا النظرية للآداب الشرقية: W. Tyloch, IIMiedzynarodowe Sympozjumnatemat enzcyteroeT problemyliteratu r Wschodu (٢. Intern. symposiumuber Theoretischeprob lemeder Orientalischenli teraturen. ٧٦٣ - ٣٦٣, ٢٧٩١,) ٤٨ (٤. rO dalgezrP: ni) كتب شولر عن تقسيم الشعر (القصائد) عند العرب: G. Schoeler, Die Einteilungder Dichtungbeiden Arabern, in: ZDMG ١٢٣/ ١٩٧٣/ ٩ - ٥٥. كتب جابرييلى عن الشعر الدينى فى صدر الإسلام بحثا نشر فى كتاب عن الشعر العربى، نظريته وتطوره: F. Gabrieli, Religious Poetryin Early Islam. in: Arabic Poetry. Theoryand Development, Wiesbaden ١٩٧٣, S. ٥ - ١٧. كتب جيفينى عن شعر الغزل ونظرية الحب فى الشعر العربى فى العصور الوسطى: L. A. Giffen, Love Poetryand Love Theoryin Medieval Arabicliterature, eb. S. ١٠٧ - ١٢٤.

стр. 24

ثالثا: شعر الجاهلية وصدر الإسلام روايته، وأصالته يبدو أن تيودور نولدكه كان أول متخصص فى الدراسات العربية قام ببحث قضية أصالة الشعر العربى القديم بشئ من التفصيل (٧٤)، ولقد صدر نولدكه فى بحثه عن تصور أن تدوين الأدب العربى لم يبدأ قبل نهاية القرن الأول الهجرى (٧٥)، ويرى أن الشعر الذى وصل إلينا فى تدوينات مبكرة وبعضها تدوينات متأخرة، قد سمع «من عالم أو رواية محترف، أو من أحد البدو» ثم دوّن بعد سماعه (٧٦)، / وبرغم ما نتج عن ذلك من اختلافات فى النص الشعرى، فإنه من الممكن بتطبيق منهج مناسب «أن نصل فى حالات كثيرة إلى نتائج مؤكدة أو مرجّحة بالنسبة للشكل الأصلى لنصوص الشعر التى وصل إلينا»، وقد يكون قسم كبير من هذه النتائج مجرد نفى، وأن ننتهى إلى أقوال مثل: «هذا لا يمكن أن يكون شعرا أصيلا» أو «لا يمكن أن تكون عبارة الشاعر على هذا النحو» (٧٧). وبعد نولدكه بعدة سنوات شغل آلورد بنفس القضية وعلى نحو أعمق، (٧٨) وكان موقفه مرتبطا- ولو أنه أيضا يضع اعتبارات أخرى- برأيه القائل أن استخدام الكتابة

стр. 25

فى تدوين قصائد طوال فى تلك العصور (الجاهلية) لم يكن بالتأكيد قد حدث بعد، وبأن المدى الزمنى بين عصر الشعراء وعصر جمع أشعارهم وتدوينها قد يصل إلى ١٥٠ عاما أو أكثر، وأن رواية الشعر كانت على مدى الأجيال شفاها، فتعرض الشعر لخطأ غير مقصود، أو لتزييف متعمد» (٧٩). وقد أشار آلورد إلى دور الرواة أثناء شرحه لكيفية حفظ الشعر القديم خلال أربعة أو ستة أجيال، فالرواة هم «الحملة الأساسيون لعيون الشعر، شأنهم شأن القصاص المحترفين فى روايتهم للأخبار التاريخية، وكان الرواة يروون الشعر وما ارتبط به من ظروف، وينقلون ذلك عن طريق تلاميذهم إلى الأجيال التالية، ولولا روايتهم الشفوية لضاع الشعر المبكر غير المدون، باستثناء البقايا القليلة التى تدور على الألسنة» (٨٠). ولذا فقد ظهر «فى منتصف القرن الثانى الهجرى نشاط متزايد لإنقاذ هذه البقايا النفيسة من تراث الماضى، وجمعها وتدوينها» (٨١). وفى سياق تفصيلاته الأخرى عبّر آلورد عن رأيه فى صيغة سؤال واضح الإجابة بقوله: «إذا كانت إزاء هذا الضرب من رواية الأشعار تتنازع الحقيقة والكذب، الصحيح والزائف، أيهما يكون له الغلبة على الآخر؟ فلا بد أن يكون من الأحرى أن نتساءل كيف تكون الحال إذا كانت قصائد الشعر قد تناقلتها أفواه العامة، تلك التى- على كل حال- لا تراعى الاهتمام بالتفاصيل أو توخى الدقة، وذلك خلال أجيال متعددة؟ » (٨٢). يتضح مما قيل أن رأى كل من نولدكه وآلورد كان فى قضية أصالة شعر الجاهلية وصدر الإسلام متأثرا إلى حد كبير بفكرة أنه قد روى شفاها حتى القرن الثانى الهجرى. وبعد أن قام شبرنجر ببحوث كثيرة منذ سنة ١٨٥٦ معترضا على فكرة أن الحديث النبوى لم يتناقل إلا عن طريق الرواية الشفوية (٨٣)، فإن الباحث موير قد استطاع أن يجمع من المصادر العربية شواهد دالة على استخدام الكتابة فى مجال الشعر (٨٤).

стр. 26

وعرض فلهاوزن أيضا لقضية استخدام الكتابة فى حفظ الشعر الجاهلى (٨٥)، وذكر- مشيرا فيما يبدو إلى نولدكه وآلورد- رأيه أنه من الصعوبة بمكان افتراض أن الشعر العربى قد دون فى ذلك الزمن المتأخر «كما يقول أولئك النقاد المبالغون فى التشدد». وذكر فى ذلك بعض الشواهد من كتاب الأغانى، ومنها ما هو طريف مفيد (٨٦). وقد يكون نقد يعقوب ((٨٧) له سببا فى حذف تلك المواضع من الطبعة الثانية لكتابه سنة ١٨٩٧ وما تضمنته من أقوال، وما ساقه من شواهد (ص ٢٣٢ - ٢٣٣). إن الأخبار الواردة فى المصادر، وآراء المعاصرين لجولد تسيهر، قد أدت به فى تأليفه لأعماله الرئيسة فى العقود الأخيرة (٨٨) من القرن الماضى، إلى القول «من المرجح أن مجموعات الشعر الجاهلى قد بدأت تتخذ طابعها بتأثير أمراء البيت الأموى» (٨٩). واستنادا إلى بيت للشاعر الجاهلى تميم بن مقبل (انظر ص ٢٤٨) وصل جولد تسيهر إلى رأى مفاده أن «الهجاء، وربما أيضا بعض الأشعار الأخرى من ذلك الوقت كانت منتشرة فى شكل مدون» (٩٠) / وفى بحث له عن دواوين القبائل (انظر ص ٣٢) أتى بشواهد جديدة على ما تم فى عهد الخلفاء الأمويين الأوائل فى جمع الشعر. وقد صاغ جولد تسيهر رأيه النهائى فى هذا فى عرضه الموجز الذى ألفه باللغة المجرية فى تاريخ الأدب العربى، وظهر سنة ١٩٠٨ (٩١) قال جولد تسيهر: «لم يكن فى الأدب العربى كتاب قبل القرآن، فأغانى شعراء العرب الوثنيين لم تجمع فى عصرهم فى مختارات. صحيح أن فن الكتابة لم يكن مجهولا تماما فى جزيرة العرب، ومن المرجح أن كثيرا من القصائد القديمة قد دونت، إن لم يكن دائما بأقلام الشعراء أنفسهم، ففى أحوال كثيرة عن طريق الرواة الذين كانوا إلى جانبهم، وكان شغلهم إذاعة دواوين شعرائهم. إن القصائد لم تكن فى الغالب مدونة بالكتابة وإنما

стр. 27

كانت تحفظ بالرواية الشفوية، الأمر الذى يعلل قلة ما بقى من الشعر العربى قبل القرن السادس الميلادى وضياع أكثر شعر ذلك القرن، ولا يتصور أنه أمكن للقصائد الطويلة الفنية أن تحفظ على مدى زمنى طويل، اعتمادا على الرواية الشفوية وحدها، وأن تنقل إلى الأجيال اللاحقة» (٩٢). كان جولد تسيهر يعتبر التدوين المبكر للشعر، الذى كرره فى عدة مواضع، بالنظر إلى مجموع رواية الشعر أضعف الجوانب، ومطابقة رأيه هذا لنظريته فى رواية الحديث شئ ملفت للنظر. أما يعقوب، الذى أوضحنا موقفه من رأى فلها وزن فى تدوين الشعر، فيعتقد أن جمع الشعر من أجل ذاته قد بدأ فى عصر بنى أمية (ص ٢)، وهو يرى فى ذلك حقيقة واقعة. وفى أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل العشرين، بدأ الموقف فى قضية الرواية التحريرية، على نحو يبدو منه التحرر من الموقف المبالغ فى الشك لنولدكه وآلورد، والذهاب إلى أنه فى عصر بنى أمية بدأ تدوين الشعر، مع أن الرواية الشفوية المحضة/ كانت لا تزال هى السائدة. وقد عبر بروكلمان عن محصلة هذه الآراء سنة ١٨٩٨ على النحو الآتى: «ومع أن استخدام الكتابة- كما أثبتت الكشوف الحديثة- كان معروفا فى جزيرة العرب من عصور أقدم مما افترض الباحثون من قبل، إلا أنه يجوز لنا أن نقول فى ثقة إن تدوين ما وصل إلينا من النصوص لم يبدأ إلا بعد ظهور الإسلام، وبدل ذلك كانت الأشعار القديمة تتناقلها الألسنة وحسب، وتعرضت لذلك لعدة أخطار، فمهما كانت قوة الذاكرة عند شعب فطرى فإنه لا مناص من وقوع خسائر ملموسة» (٩٣).

стр. 28

وقد كتب مرجليوث عدة بحوث فى الفترة من ١٩٠٥ - ١٩٢٥، تتضمن أفكارا معقدة. فقد استنتج من الأخبار الخاصة بتدوين الشعر فى الجاهلية، أن تدوين الشعر العربى القديم وروايته مدونا كانا أمرين شائعين (٩٤). ومن الجانب الآخر فإنه ذكر أن القرآن أنكر فى وضوح وجود مدونات أدبية قديمة عن عصور سابقة (٩٥)، ولذا فإن الشعر الذى وصل إلينا، وينسب زعما إلى الجاهلية، سرت فيه روح القرآن، وقد نشأ فى واقع الأمر فى عصور متأخرة (٩٦) إن هجومه على أصالة الشعر العربى القديم قال به طه حسين فى كتابه «فى الشعر الجاهلى» (٩٧)، وبدأت بذلك فى مصر مناقشة حامية فى هذا الموضوع (٩٨)، ونتيجة لظهور كتب مضادة ناقدة لكتابه اضطر طه حسين أن يعدل من نظريته فى الطبعة الثانية تعديلا كبيرا (تحت عنوان: «فى الأدب الجاهلى» القاهرة ١٩٢٧). أما تشارلز لايل، وهو العارف الكبير بالشعر العربى القديم، فقد يكون أول من حاول، ببحث عميق للمادة الموجودة، أن يثبت أصالة الشعر العربى القديم، وتكوّن لديه فى هذا انطباع أن القسم الأكبر من الشعر الجاهلى الذى وصل إلينا من المرجح/ أنه دوّن فى النصف الأول من القرن الأول الهجرى (٩٩).

стр. 29

وقد حاول فريتز كرينكو، الذى كان على اقتناع مماثل بمدى أصالة شعر الجاهلية وصدر الإسلام، إثبات أن فن الكتابة أقدم زمنا وأكثر انتشارا فى مجال الشعر مما ظن الباحثون بصفة عامة، وأورد الأدلة على أن الخلافات الكثيرة التى وصلت إلينا فى روايات اللغويين وصنعتهم لدواوين الشعر القديم إنما ترجع فى قسم منها إلى تصحيف وتحريف، من جهة تنقيط الحروف فى المصادر المدونة، ولا ترجع إلى اختلافات سمعية للروايات الشفوية (١٠٠) وثمة مدافع آخر عن أصالة شعر الجاهلية، وهو بروينليش (١٠١). إن ثمرة هذه المناقشة فى أوائل العقد الثالث من القرن العشرين تنعكس أيضا على التصحيحات التى قام بها بروكلمان فى ملحق كتابه سنة ١٩٣٧، وعدل بها بعض ما جاء فى الكتاب الأصلى (١٠٢) لم يعد «تدوين الشعر فى جزيرة العرب فى عهد النبى» مثار عجبه، ولذا فقد «أخطأ مرجليوث وطه حسين فى إنكارهما الكامل لاستخدام الكتابة عند عرب الشمال فى العصر الجاهلى/، وفى استنتاجهما عدم أصالة جميع الأبيات المنسوبة إلى عرب الجاهلية».

стр. 30

ولكن من البديهى أن الكتابة لم تزح الرواية الشفوية كلية، فكل الشعراء المرموقين فى ذلك العصر المتقدم كان يرافقهم رواتهم يحملون شعرهم ويذيعونه، وهذه الروايات كانت فى الأغلب شفوية ولكنها اعتمدت فى حالات استثنائية على الكتابة، ولم يبدأ جمع منظم لكل الشعر قبل عصر الأمويين، ووصلت حركة الجمع أوجها عند علماء العباسيين. وأوضح من هذا ما كتبه بروكلمان فى مقاله الأخير فى تاريخ الأدب العربى، فذكر أن أصحاب الزعم بانتحال كل أبيات الشعر الجاهلى قد بالغوا فى زعمهم، فقال (متوجها بالكلام إليهم): «إن الالتزام بالنقد والحق فيه قد تجاوز الحد، وإن التضاد بين شعراء الجاهلية وشعراء صدر الإسلام لا يمكن فهمه لو لم تكن هناك رواية صحيحة له، ولما أمكن لنقاد العصر العباسى اعتبار هذا المنتحل المنظوم فى عهد غير بعيد مثلا أعلى يحتذى به» (١٠٣). أما ليفى ديلا فيدا فرأيه كذلك أن الشعر الجاهلى جدير بالتصديق فى مجموعه (١٠٤) وفى أوائل النصف الثانى من القرن العشرين بدأ بلاشير بحث الموضوع (١٠٥) من جديد، وحاول أن يعيد تصور الأجواء التى نشأ فيها الشعر العربى القديم (١٠٦)، وأن يجيب بذلك على القضايا المطروحة، دون إهمال لدراسة الرواية القديمة والمواد القديمة، وقد اعتقد أن مثل هذه الأجواء متاحة عند البدو إلى يومنا هذا (١٠٧). لقد ناقش بلاشير المشكلة من جوانب مختلفة، ومع هذا فيبدو أيضا أنه لم يسهم فى إيضاحها. ودون إيراد

стр. 31

التفاصيل يجوز لنا القول بأنه جعل «لسلسلة الرواة الطويلة» دورا هاما فى/ الرواية فى العصر الإسلامى (١٠٨) كما يتضح ذلك من كتابه عن القرآن (١٠٩). إن الطرق التى سلكها الباحثون حتى اليوم يراها بلاشير فى طرفى نقيض، فامتنع عن القول بالرأى فيهما (١١٠)، لقد عرف بلاشير بعض الأخبار المهمة عن التدوين المبكر للشعر، ولكنه يعدّ التدوين جزئيا دفعت إليه ظروف بعينها، وهو نتيجة ميول فردية ومتطلبات دينية أو اتجاهات سياسية (١١١). وفى نهاية القرن الأول الهجرى كان القسم الأكبر من شعر الجاهلية وما بقى منه عهد به إلى ذاكرة الرواة (١١٢). إن «نظريته الأساسية القائمة على افتراض أن القسم الأكبر من الشعر العربى القديم الذى وصل إلينا هو ثمرة تعديل، وإعادة نظم، ومحاكاة تمت فى عصر لاحق»، هى مجرد فرض، وهى «غير صالحة وعقيمة» (١١٣). وفى نفس الوقت الذى نشر فيه بلاشير كتابه قدم العالم الدمشقى يوسف العش كتابه القيم «نشأة تدوين الأدب العربى» (١١٤) وكان على معرفة بقدر من البحوث المنشورة باللغات الأوربية فى هذا الموضوع، وقدّم أفكارا جديدة تماما. وبعد ذلك بعامين ظهر بحث قيّم لهذه القضية هو كتاب «مصادر الشعر الجاهلى» (١١٥) تأليف: ناصر الدين الأسد، ويبدو أن الأسد لم يكن يعرف كتاب العش، وقد توصل إلى نفس النتيجة تقريبا، وكتاب الأسد دراسة متعددة الجوانب لهذه المشكلة، ويعطى مادة كبيرة ومهمة، ويناقش الآراء المؤيدة والمعارضة مناقشة نقدية جادة، ويصل بالقارئ إلى نتيجة مقنعة، وكلا

стр. 32

الكتابين قد صورا الأجواء المنشودة تصويرا حيّا، وهو ما طالب به بلاشير، ونتائج هذه البحوث بالنسبة للرواية فى العصر الإسلامى قد أيدها بحث آخر (١١٦)./ وهذه الدراسات تقدم تصورا يقول: إن استخدام الكتابة فى تدوين الشعر العربى القديم كان واسع الانتشار (١١٧)، وإن كثيرا من الشعراء كانوا يعرفون فن الكتابة، وإن بعضهم كتبوا بأنفسهم أشعارهم، وكانوا يصقلونها (١١٨) على مدى الزمن، وإن بعضهم كان يرسل شعره فى رسائله إلى الملوك (١١٩)، وإذا كان البدو لا يجدون الكتابة مكرمة (١٢٠) أو مفخرة، فإنهم مع ذلك كانوا يملون فى أحوال بعينها أشعارهم (١٢١)، كان لدى الشاعر راوية أو رواة (١٢٢)، وكان هؤلاء بدورهم شعراء (١٢٣)، وهناك مثال مشهور ذكره طه حسين عند ما ضم مجموعة من الرواةالشعراء فى مدرسة شعرية واحدة، تبدأ بأوس بن حجر، وتمضى إلى زهير بن أبى سلمى، ثم إلى كعب بن زهير والحطيئة، ثم إلى هدبة بن خشرم وجميل إلى كثيّر (١٢٤). وليست لدينا معلومات واضحة كثيرة عن كيفية الرواية فى الجاهلية، فالأخبار التى

стр. 33

تتعلق بالعصر الأموى توضح فى جلاء أن الرواة كانوا يدونون شعر شعرائهم (١٢٥)، ومن المؤكد أنه لا يجوز لنا أن نقول إن كل الرواة فى الجاهلية استطاعوا تدوين الشعر الذى كانوا يروونه. ومن الجانب الآخر يبدو أيضا أنه لا يجوز القول بأنه لولا «الرواية الشفوية لضاع الشعر المبكر من عصر ما قبل الكتابة» (١٢٦) وفيما يتعلق برواية الشعر العربى القديم فى العصر الإسلامى هناك عدد من الأخبار التى تقول: إن تدوين هذا الشعر كان مألوفا إلى حد بعيد. ولا بد أن الاهتمام بأخبار الجاهلية وشعرها ظل مستمرا دون انقطاع فى عصر النبوة والخلفاء الراشدين (١٢٧)، ويتضح هذا من شكوى عمر بن الخطاب من أن العرب تشاغلوا بالجهاد فى هذه الفترة، ولهوا عن الشعر وروايته (١٢٨). إن المحاولات الأولى لحفظ شعر الجاهلية ترجع إلى هذه الفترة، وقد كلف عمر بن الخطاب سعد بن أبى وقاص- كما يقول الخبر- بأن يتعرف على شعر من بقى على قيد الحياة من الجاهليين (١٢٩). وهناك أخبار غير مباشرة، نعرف منها أن مجموعات كاملة من شعر الجاهلية ظلت موضع الحفظ فى العصر الإسلامى، لقد كان الفرزدق يمتلك ديوان لبيد، على ما ذكر فى بيت له (١٣٠)، ويتضح من بيت آخر للفرزدق أن مجموعات أخرى أو مدونات للشعر العربى القديم كانت عنده (١٣١). وفى خبر آخر أن شعر الأنصار فى هجاء كفار قريش قد

стр. 34

جمع فى عهد عمر بن الخطاب (١٣٢)، وربما وقع قسم من هذا الشعر فى وقت تال فى يد حماد الراوية بعد سرقته (١٣٣). أما صحة الخبر القائل بأن النعمان بن المنذر قد أمر بتدوين الشعر العربى ودفنه فى قصره الأبيض، وأن المختار الثقفى (المتوفى ٦٧ هـ/ ٦٨٧ م) احتفره فأخرج تلك الأشعار (١٣٤)، فهى موضع خلاف (١٣٥)، ورواية الخبر المجردة عند ابن سلام تقول: «وقد كان/ عند النعمان بن المنذر منه (أى من شعر العرب فى الجاهلية) ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح هو وأهل بيته به، فصار ذلك إلى بنى مروان، أو صار منه» (١٣٦). وإذا نظرنا إلى التطور فى سياق أوسع، يتصل بتقييد الحوادث التاريخية والأنساب (انظر فى هذا الفصل ما يتعلق بالمصادر)، وبتسجيل حكم الجاهليين (١٣٧)، وبرغبة الصحابة فى تدوين حديث الرسول وأفعاله (١٣٨)، فإننا نستطيع أن نستنتج من هذه الأخبار كلها، أن تدوين الشعر كان مألوفا فى العصر الجاهلى إلى حدّ ما، وأن قدرا كبيرا من هذه المدونات قد وصل إلى العصر الإسلامى، وأن ظهور الإسلام لم يقلل من الاهتمام بالشعر وروايته، وأن الكتابة لم تلبث أن زاد انتشارها بعد ظهور الإسلام (١٣٩). ويمكن التعرف على ثلاث مراحل لتطور تدوين الشعر العربى القديم فى العصر الإسلامى:

стр. 35

المرحلة الأولى: استمرار التدوين المحدود، وتحرير النسخ على نحو ما كان معروفا فى الجاهلية. المرحلة الثانية: جمع الأشعار المدونة والمروية شفاها. المرحلة الثالث: صنعة الدواوين. وتشبه هذه المراحل الثلاث ما عرفناه فى علم الحديث، كان علماء الحديث قد أطلقوا على هذه المراحل: ١ - كتابة الحديث. ٢ - تدوين الحديث. ٣ - تصنيف الحديث (١٤٠). ومن المرجح أن تدوين الشعر العربى القديم قد بدأ فى العقود الأولى من حكم الأمويين، فقد بدأ فى عهد معاوية جمع الأخبار التاريخية وما يتصل بها من أشعار؛ ألف عبيد بن شريّة اليمنى (انظر ص ٣٨ من الأصل الألمانى) «كتاب فى أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها»، وألف زياد بن أبيه (المتوفى ٥٣ هـ/ ٦٧٣ م) «كتاب المثالب»، وألف بن مفرّغ الحميرى (المتوفى ٦٩ هـ/ ٦٨٨ م) «سيرة تبّع وأشعارها» (انظر ص ٣٢٥ من الأصل الألمانى)، وهذه الكتب يمكن أن تعدّ أقدم المؤلفات/ فى هذا الاتجاه. وقد بدأ العمل المركز والمنظم لجمع الشعر فى نهاية القرن الأول وبدايةالقرن الثانى الهجرى، ويبدو أن الوليد بن يزيد كان يهتم بهذا اهتماما خاصا (انظر ص ٣٨ من هذا الكتاب). وقد اعتمد صناع الدواوين بعد ذلك اعتمادا كبيرا على رواية شعر شعراء مشهورين فى العصر الأموى، ويقال: إن الفرزدق ورث الاهتمام بالشعر القديم وروايته من أبيه غالب بن صعصعة (١٤١)، أما رواية شعر امرئ القيس وأخباره فيبدو أنه أخذها عن جده،

стр. 36

ولا بد أن هذا الجد قد أدرك الجاهلية (١٤٢). أما غريمه جرير فيبدو أنه تلقى روايات الشعر عن جده حذيفة بن بدر (١٤٣)، وكان شاعرا وعارفا بأخبار العرب وأنسابها، أدرك الجاهلية أيضا (١٤٤)، وكان اللغويون وخلفاء بنى أمية يسألون جريرا عن شعر الجاهليين وأخبارهم (١٤٥). وكان ذو الرومة راوية للراعى (١٤٦)، وكان حجة فى هذا المجال، روى عنه النحوى يونس بين حبيب (المتوفى نحو سنة ١٨٢ هـ/ ٧٩٨ م) (١٤٧) وأقرّ له حماد الراوية بالتمييز بين شعر أهل الجاهلية وشعر أهل الإسلام (١٤٨). وكان الكميت عالما بالشعر القديم أيضا، ويقال إنه فاق حمادا الراوية فى المعرفة به (١٤٩). وكان صديقه الطّرمّاح راوية (١٥٠) مشهورا، وكان أبو عمر بن العلاء وغيره من اللغويين فى القرن الثانى الهجرى (الثامن للميلاد) يروون الشعر القديم عن طريق الراجز رؤبة (انظر ص ٣٦٩). ولا نستطيع أن نحدد فى كل حالة على حدة اسم من قام بجمع الشعر فى العصر الأموى، وقد كان لعدد كبير من المؤرخين والمفسرين فى القرن الأول وأوائل القرن الثانى الهجريين بلا شك، دور كبير ومهم فى هذا العمل، بوصفهم عارفين بالشعر العربى، ومن هؤلاء الشّعبى (المتوفى ١٠٣ هـ/ ٧٢١ م انظر: تاريخ التراث العربى، (I ,٢٧٧ وقتادة (المتوفى ١١٨ هـ/ ٧٣٦ م، انظر: تاريخ التراث العربى I ,٣١ والزّهرى (المتوفى ١٢٤ هـ/ ٧٤٢ م، انظر: تاريخ التراث العربى، (I ,٢٨٠ ومحمد بن السائب الكلبى (المتوفى ١٤٦ هـ/ ٧٦٣ م انظر تاريخ التراث العربى (I ,٣٤ وعوانة بن الحكم/ المتوفى ١٤٧ هـ/ ٧٦٤ م، انظر: تاريخ التراث العربى. (I ,٣٠٧ إن العلماء المشهورين المذكورين كثيرون، منهم أبو عمرو بن العلاء، وحماد الراوية،

стр. 37

وجنّاد الشرقى بن القطامى، وخلف الأحمر، والمفضّل الضبى، وأبو عمرو الشيبانى، ومن أشهر هؤلاء وأهمهم أبو عمرو بن العلاء وحماد الراوية، وتذكر المصادر أسماء كثيرة أخرى غير هؤلاء جميعا، لقد تلقى أبو عمرو بن العلاء شعرا كثيرا لعرب الجاهلية عن الشعراء الرواة، وروى أبو عمرو بن العلاء بشهادة تلميذه أبى عبيدة «عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية»، وكانت كتبه التى كتب عن العرب الفصحاء قد ملأت بيتاله إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرّأ (١٥١) فأحرقها كلها» (١٥٢). ويتضح من الأخبار التى نعرفها اليوم أن قسما كبيرا من الشعر العربى المبكر كان متاحا فى دواوين القبائل. وكان العمل الأساسى للغويين فى القرن الثانى الهجرى/ (الثامن الميلادى) يقوم من ناحية، على جمع دواوين الشعراء، وتكوين هذه المختارات، اعتمادا على تلك المجموعات، ومن ناحية أخرى على تهذيب دواوين القبائل، وإكمالها اعتمادا على ما تجمع لديهم من مواد جديدة. فإذا نظرنا إلى الشواهد التى لا يرقى إليها الشك لاستخدام الكتابة فى الجاهلية، واستمرار استخدامها فى العصر الإسلامى، تحتم علينا أن نتساءل عن مدى الاعتماد على الروايات الشفوية المحضة فى جمع الشعر الجاهلى فى القرن الأول الهجرى (السابع الميلادى). لقد سبق أن ذكرنا أن بعض الدراسات فى القرن التاسع عشر قد أشارت إلى استخدام الكتابة فى تدوين الشعر العربى القديم، ولكن هذه الدراسات لم تصل إلى تصور أن لغويى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) قد وصلت إليهم روايات مكتوبة، وشبيه بهذا ما كان فى علم الحديث، فقد كان ثمة اعتقاد بالتدوين المبكر لأقوال الرسول ﷺ ، وساد- بالرغم من هذا- رأى بأن مؤلفى كتب الحديث

стр. 38

الجامعة فى القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) لم يأخذوا مادتهم من نصوص مدونة، وأنهم أخذوها بالضرورة عن مصادر شفوية (١٥٣). ولا يجوز أن نتوقع إيضاح كل مراحل رواية الشعر مرحلة مرحلة، وذلك لأن المعرفة الدقيقة بطرق الرواية غير متاحة لدينا فى ميدان الشعر على نحو ما نعرف فى مجال الحديث، ومع هذا يمكن أن تعيننا طرق تحمل العلم فى مجال الحديث- إلى حد ما- على تحديد دور الراوى، وعلى حل المشكلات المتصلة بذلك، وعلى الاستفادة مما وصل إلينا من أخبار عن الشعر، قياسا على ما نعرفه فى علم الحديث. إن كتب علم أصول الحديث- تلخص «طرق تحمل العلم» وتذكرها فى أبواب خاصة بها (انظر: تاريخ التراث العربى I ,٥٨ وما بعدها)، وبغض النظر عن الجزئيات والتفاصيل، فإن دور الراوى وواجبه يتحددان على النحو الآتى: يروى الراوى نصوصا وصلت إليه مدونة أو دوّنها هو بنفسه، وذلك بغض النظر عن حفظه للنص أو عدم حفظه له، إن ذكر الرواة عند رواية النص مرة أخرى يكوّن سلسلة الرواة المعروفة بالإسناد، إن العمل المشكور الذى قام به يوسف هوروفتس قد أثبت أن الإسناد كان معروفا فى النصف الثانى من القرن الأول الهجرى/ (السابع الميلادى) (انظر: تاريخ التراث العربى. (I ,٧٧ ونستطيع اليوم أن نثبت بدقة أن الكتب الدينية الجامعة المؤلفة فى العصر الأموى قد اشتقت مادتها من مدونات سابقة، وفى هذه الكتب كانت أسماء الرواة تذكر بدلا من عناوين الكتب وأسماء مؤلفيها (انظر تاريخ التراث العربى. (I ,٨٢ إن دور رواة الأدب فى العصر الإسلامى وطريقتهم يضارعان دور الرواة وطريقتهم فى المجالات الدينية (١٥٤)» وهناك تصور خطأ ترتب عليه تصورات خطأ أخرى بأن رواية النصوص

стр. 39

الأدبية لم تكن إلا شفويّا، وقد أدّى مثل هذا التصور عند آلورد إلى حكم شاكّ فى أصالة الشعر العربى القديم (انظر: تاريخ التراث العربى I ,١٥ وما بعدها). ولا نستطيع اليوم أن نثبت مدى استخدام الرواة فى الجاهلية لنصوص مكتوبة لمروياتهم. ولكننا نستطيع دون شك أن ننطلق من حقيقة أن هؤلاء الشعراء كانوا يستطيعون الكتابة، وكانوا يتعهدون شعرهم بالصقل خلال فترة طويلة، وكانوا أيضا رواة لشعراء آخرين، إن وظيفة الرواةفى العصر الأموى تتضح من خلال بعض الأخبار القليلة المهمة، وفيها أنهم كانوا يقيدون الشعر بعد إملاء/ الشاعر له، وأنهم كانوا يصقلونه. إن حمادا الراوية المشهور قد نظر فى كتبه عند ما أرسل الوليد بن يزيد فى طلبه لينشده من شعر الجاهلية وأخبارها (١٥٥)، وكان حماد مصنفا لعدة كتب (انظر الأصل الألمانى (١٥٦) I ,٣٦٦ - ٣٦٨ وقد دوّن ملاحظة فى أحد كتبه الذى وصل إلينا قسم منه، إن الشاعر الجاهلى عدىّ بن زيد قرأ كتب العرب والفرس (١٥٧). وهناك روايتان عن نشوء المفضليات (انظر: تاريخ التراث العربى ٥٣) تعطيان مثالا آخر على أنه كان من الممكن فى صنعة مجموعات الشعر فى العصر الأموى وأوائل العصر العباسى الاعتماد على مجموعات أسبق. وإذا كان المحدثون يشيرون إلى علاقتهم بمصادرهم عن طريق ذكر الرواة، فإننا غالبا ما نفتقد هذه الإشارات عند أدباء العصر الأموى وأوائل العصر العباسى (١٥٨). وترجع الأسانيد فى القرون التالية أيضا، فى الغالب، إلى رواة القرنين الأول والثانى للهجرة فقط، ومع ذلك فهناك بعض النصوص التى ترجع سلسلة إسنادها إلى العصر الجاهلى دون انقطاع (١٥٩).

стр. 40

أما أسباب وجود الإسناد المنقطع فى القرن الأول الهجرى/ (السابع الميلادى) فمن المرجح أنها ترجع إلى كون الشعر يرجع إلى عصر أقدم من عصر الحديث الشريف، وأن رواة الشعر كانوا أقل، وأنه لم يكن هناك مانع دينى من رواية الشعر دون ذكر الرواة، ويرجع هذا أيضا إلى أن طرق الرواية التى كانت ملزمة فى علم الحديث لم تنتقل إلى مجال رواية الشعر إلا فى وقت متأخر نسبيا. وقد أشار ابن سلّام الجمحى إلى هذا القصور، بأن بعض الرواة اكتفوا بنسخ الشعر من كتاب إلى كتاب، دون أن يتثبتوا منه عند البدو، أو يقرءوه عند العلماء (١٦٠). ذكر ابن سلّام الجمحى أن حمّادا هو أول من جمع الشعر العربى القديم، وذكر الأخبار المتصلة به (١٦١). ومن هذا لا يجوز لنا أن نستنتج أن حمّادا الراوية/ كان فى الواقع أول جامع للشعر، أو أنه أول من جمع المأثور الشفوى، ففى مجال علم الحديث- مثلا- عدّ معاصره الذى يكبره بنحو ثلاثين عاما، وهو الزّهرى (المتوفى ١٢٤ هـ/ ٧٤٢ م) «أول من دوّن الحديث» (١٦٢) «وأول من أسند الأحاديث» (١٦٣). ولكنا نعلم علم اليقين أن المقصود ليس أن الزهرى جمع مادة شفوية أو أنه أول جامع لها على الإطلاق، وإنما تفسير هذه المعلومات أن كلا العالمين كانت له شهرة بوصفه «أول» الجامعين الكبار ذوى الشأن للشعر أو للحديث. إن تاريخ رواية الشعر العربى القديم يعرف مكانة خلف الأحمر بوصفه مؤسس «السماع» فى البصرة (١٦٤)، وفى هذا الضرب من ضروب الرواية ما كان مألوفا عند
следующие страницы →