مقدمة المترجم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
أما بعد:
فهذا كتاب وضعه مؤلفه فؤاد سزكين باللغة الألمانية، ونقلناه إلى العربية خدمة للقارئ العربي سواء أكان باحثا أم طالب علم. وهو يعرض بين دفتيه تاريخ الكيمياء عامة وتاريخ الكيمياء العربية خاصة. كما يبحث في جزء منه تاريخ النبات. ويرى القارئ الكريم أن الحديث عن (جابر بن حيان) يحظى بأكثر صفحات الكتاب، وأن المؤلف لم يدخر وسعا في دحض الافتراءات التي ألصقت باسم (جابر) هادفة من وراء ذلك إلى الطعن في منزلة الكيمياء الإسلامية، والنيل من علوم المسلمين، وذلك من خلال إنكار صحة نسبة عدد ضخم من الكتب الكيميائية إلى جابر. فجابر- في رأي المنكرين له- شخصية وهمية لم يكن لها وجود، وما الكتب المنسوبة إليه إلا مؤلفات طائفة من المشتغلين بالصنعة، دونوها ونسبوها إليه على مدار مائة عام امتدت من عام ٢٥٠ هـ- ٣٥٠ هـ. على أن المؤلف سزكين وبعض الباحثين المنصفين يرون- من وجهة نظر الحق والصدق- أن جابرا كان شخصية فذة عاشت في القرن الثاني للهجرة وأنه كان المؤسس الأول لهذا العلم ورائد كل من عمل بعده في هذا الحقل، بل هو بمنزلة بويل وبريستلي ولافوازية في ميدان الكيمياء الحديثة.
ويلاحظ أن برتلو Berthelot كان أول من أثار الشكوك حول بعض كتب جابر في العصر الحديث، فقد حاول أن ينفي علاقة كتب- جبر المزعوم-، والمدونة باللغة
стр. 2
اللاتينية، بمؤلفات جابر بن حيان، كما حاول أن يبين أن مؤلفات جابر العربية بعيدة أشد البعد عن كتب- جبر هذا .. فلا تنقص المؤلف العربي كل معرفة بالحقائق الجديدة الأصيلة المتوافرة في الكتب اللاتينية فحسب، بل يستحيل على المرء أن يجد في الكتب اللاتينية صفحة واحدة أو مقطعا يمكن عده ترجمة عن المؤلفات العربية. (برتلو في La Chimieau Moyen Age: المجلد الثالث ص ٢٣).
وبالرغم من أن هولميارد تناول هذه المسألة بالدراسة والمناقشة، وبالرغم من أنه توصل عام ١٩٢٢ م إلى أن الكتب اللاتينية باسم جبر المزعوم-، ما هي إلا ترجمة لكتب جابر بن حيان المتوافرة باللغة العربية، وأن جابرا عاش في القرن الثامن الميلادي، وهو- كما يراه هولميارد- مؤسس الكيمياء الحديثة، بالرغم من هذا كله فقد أصر روسكا على أن تلك الكتب اللاتينية والجزء الأعظم من الكتب التي ذكرها ابن النديم باسم جابر ما هي إلا كتب مزيفة ومدسوسة على جابر بن حيان.
أما باول كراوس، وهو أكثر من اشتغل بمسألة جابر، وكانت لدراساته الجامعة الشاملة الأهمية العظمى حتى وقت قريب، فقد نشر عام ١٩٤٢/ ١٩٤٣ م كتابا فى مجلدين، سلّم في وقتها بآرائه التي جاءت فيه والتي تتعلق بحياة جابر وبمؤلفاته، أنكر في المجلد الأول صحة نسبة كتب جابر إليه، وزعم أنها مؤلفات مزيفة صنعتها طائفة من الكيميائيين الشيعة ما بين النصف الثاني من القرن التاسع والنصف الأول من القرن العاشر الميلاديين، وذكر في المجلد الثاني أن النظريات الكيميائية المنسوبة إلى جابر المزعوم- لا تمت إلى السيمياء القديمة بصلة، وذلك لأن كلمة (النشادر) وردت في الكتب المنسوبة إليه مع أن النشادر مادة لم تعرف إلا في زمن متأخر كانت الصنعة قد تطورت فيه، كما أن في هذه الكتب رفضا لاستعمال الألغاز التي اشتهرت بها السيمياء القديمة.
وقد تصدى المؤلف في كتابه الذي بين أيدينا لهذه الآراء والنظريات وراح يفندها رأيا رأيا، منطلقا من أن المقالات والكتب التي نشرت فيما مضى لم تعط صورة واضحة
стр. 3
بينة عن المشكلة. فلقد كانت الوثائق والمعلومات قليلة آنئذ، وهي لقلتها قاصرة عن تقديم صورة تامة عن الحضارة الاسلامية.
وحينما كان سزكين يعد ملحقا لكتاب بروكلمان «تاريخ الآداب العربية» اكتشف مخطوطات ومصادر ذات أهمية بالغة، وبخاصة فيما يتعلق بتاريخ الكيمياء الإسلامية، تفضل في قيمتها العلمية كل ما عرف من شواهد ومخطوطات سابقة على الاطلاق.
هذا وقد بين المؤلف حين عرض الوثائق والشواهد والأدلة، التي اهتدى إليها أثناء تحرياته، أن جابرا كان- بلا أدنى شك- حيّا في القرن الثاني للهجرة. ولم يكن جابر رجلا عاديّا وإنما كان عالما يتمثل فيه مركز الثقل في موضوع الكيمياء الإسلامية برمتها.
ومن هنا كان لا بد- في رأيه- من تحديد حياة جابر وبوضوح تام قبل مواصلة البحث بالنسبة لتاريخ الكيمياء الإسلامية والكيميائيين الاسلاميين الأوائل. وبالفعل سيلمس القارئ العربي الجهد العظيم الذى بذله المؤلف سزكين في هذا المجال. ولا غرو فهو من العلماء المسلمين القلائل الذين وقفوا حياتهم على دراسة تاريخ التراث الإسلامي العربي ونالوا شهرة عالمية فيه. وما هذا الكتاب الذي بين أيدينا إلا المجلد الرابع من بين المجلدات التسعة للسفر الضخم، (في تاريخ التراث العربي). وكما يعرف الكثير من المهتمين بهذا الموضوع فقد نال المؤلف- الذي يعمل أستاذا لتاريخ التراث الإسلامي ومنذ عشرين عاما في جامعة فرانكفورت- جائزة الملك فيصل العالمية تقديرا لجهوده القيمة التي بذلها في تصنيف المجلدات الستة الأولى من كتابه الضخم هذا.
إنه لمن حسن حظ القاريء العربى، الذي لا يعرف اللغة الألمانية أن تقوم جامعة الملك سعود (الرياض سابقا) وجامعة الإمام محمد بن سعود بترجمة هذه المجلدات؛ تعهدت جامعة الملك سعود بترجمة المجلدات التي تتناول العلوم الطبيعية والرياضية منها وهي: المجلد الثالث (الطب والبيطرة) والمجلد الرابع (الكيمياء والنبات) والمجلد الخامس (الرياضيات) والمجلد السادس (علم الفلك) والمجلد السابع (الأنواء والأجواء).
стр. 4
وقبل ثلاث سنوات ونيف (١) كلفتني جامعة الملك سعود (الرياض سابقا)، وكان على رأسها الاستاذ الدكتور عبد العزيز الفدا، بترجمة المجلد الرابع والقيام بتنسيق أعمال لجنة الترجمة التي شكلت آنئذ، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أترجم، وقد أعدت العمل مرات وقابلت بعضه على بعض حتى انتهيت إلى الصيغة التي بين أيدينا، وأنا مع هذا لا أدعي كمال العمل، فالخطأ والتقصير هما من طبيعة البشر. وليس هناك كتاب، غير كتاب الله ، خال من النقص أو العيوب وإنني لأرجو أن يعذرني القارئ الكريم، إذا وجد شيئا منهما في ترجمتي هذه مع أني عملت بكل جد ونشاط وبأمانة وإخلاص. وحين عرضت ترجمتي على المؤلف، أثناء زيارتي لألمانيا في شباط من عام ١٩٨١ م رأى أن أثبت عناوين الكتب والمجلات والمقالات وأصحابها باللغة التي جاءت فيها وأن أبقى الشواهد والنصوص التى وردت بغير اللغة الألمانية على اللغة التي جاءت فيها كذلك، وقد فعلت هذا رغم أن الأمر استهلك مني أكثر من ثلاثة أشهر.
وأخيرا فلقد علمنا رسول الله ﷺ ، وهو المعلم الكامل الذي لا ينطق عن الهوى أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله. وما علي إلا أن أشكر كل من ساعدني خلال عملي هذا، وأخص بالذكر والشكر الاستاذ الفاضل الشيخ ناجي الطنطاوي الذي قرأ مدخل الكتاب والجزء المتعلق بالكيميائيين العرب وصحح، لغة، ما اقتضى تصحيحه، كما أثني على الأستاذ الكريم الشيخ عبد الرحمن الباني، الذي كان لي نعم الناصح والمشجع. وأسجل هنا كذلك شكري مع الدعاء إلى الله ، أن يجزي زوجتي أميرة بنت محمد دياب عني خير الجزاء، فلقد كانت لي ولا تزال خير عون في الصبر على إنجاز هذه الترجمة وغيرها من أعمال. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الرياض: جامعة الملك سعود: مطلع شعبان سنة ١٤٠١ هـ الموافق لمطلع آذار ١٩٨١ م الدكتور عبد الله حجازى
стр. 5
ملاحظات تمهيدية
تقتضى أبواب هذا الكتاب التى تتناول السيمياء- والكيمياء والنبات- والفلاحة أن يتقدمها بعض التنويهات الموجهة إلى القارئ والباحث.
هذا وإني أكرر هنا الشكر، الذي أعربت عنه في مقدمة المجلد الثالث (١) (بأبوابه في: الطب- والصيدلة، وعالم الحيوان- والبيطرة) لكل من قدم لي الدعم والتشجيع، كما أكرر القول بأنه ينبغي أن تراعى تلك الملاحظات التي وردت هناك وتتعلق بالمنهج وبتأريخ المؤلفات المختلف فيها.
لقد كان من المخطط له أصلا أن يظهر المجلدان (الثالث والرابع) مجلدا واحدا، وما فصلا إلا إبّان الطبع.
أما فهرس الكشوف المستخدمة وفهرس الموجود من المخطوطات الذي يقع في المجلد الأول (ص ٧٠٦ - ٧٧٢) من الأصل الألماني، فقد استكمل في المجلد الثالث (ص ٣٩١ - ٤١٠) ولذا كان لزاما على القارئ أن يرجع إلى فهرس المجلد الأول (ص ٦٧٧ - ٧٠٥) والمجلد الثالث (ص ٣٨١ - ٣٩٠) فضلا عن رجوعه إلى فهرس المؤلفات من هذا المجلد ص ٣٤٧ - ٣٧٣.
стр. 6
الباب الأول السيمياء والكيمياء
стр. 7
١ - المدخل
إن الإنسان في عصرنا الحالي الذي «تعني الكيمياء الحديثة في نظره معرفة العناصر المكونة للمواد المتوافرة في الطبيعة عن طريق التحليل النوعي وتقدير نسبها فيها بالتحليل الكمي» لا يكاد يستطيع أن يتخلص من التصور بأن الكيمياء القديمة كانت تهدف قبل كل شئ إلى صنع الأحجار الكريمة والمعادن أو تقليد وتزييف للذهب والفضة.
بيد أن مؤرخ الكيمياء يلاقي العنت إذا ما حاول، تبعا لهذا التصور، وضع فاصل زمني تاريخي بين الكيمياء القديمة والحديثة وهناك توجد صعوبة أخرى بعد لم يتغلب عليها، تتجلى في تفسير كلمة «كيمياء «Chemie أو «الكيمياء. «Alchimie إلا أنه من المؤكد أن كلمة كيمياء وكلمة «Alchimie» تعنيان الكلمة العربية «الكيمياء»، وإن كان اللغويون المحدثون ومؤرخو الكيمياء لم يتفقوا على أصل الكلمة الأخيرة.
ومن المؤكد أيضا أن كلمة «الكيمياء» ليست سوى تلك الكلمة المستعملة لدى اليونانيين منذ زمن بعيد بصورتها المألوفة xuueia .. وقد طرأت عليها تصحيفات مختلفة مثل xnueia و .. xnuia الخ.
ولقد وضع O.Lagercrantz نظرية عجيبة في أصل هذه الكلمة، مفادها أنها تصحيف لكلمة) uoljeia خيانة زوجية) (١)، وأن الذي حمله على ذلك هو الرأي
стр. 8
القائل أن طرق الكيميائيين القدامى كانت منصبة على التزييف والخداع (١). على أن محاولة الوصول إلى تحديد مفهوم الكلمة لدى العلماء العرب والمسلمين وفروع العلم التي تهمنا هنا أجدى في نظرنا وأهم من الخوض فى مسألة أصل واشتقاق الكلمة.
وليست هناك إلى الآن دراسة مستفيضة، تعتمد على ما وصل إلينا من مواد، حول المفهوم الدقيق لكيمياء
Chemie
والكيمياء. Alchimie ترجع الدراسات التى خصصت لهذا الموضوع فيما سبق إلى عهد، كانت الفكرة السائدة فيه حول الكيمياء العربية ومنزلتها الرفيعة، غامضة مبهمة، من هذه الدراسات نعدّ حتى مقالات (فيدمان Wiedemann (الذي ندين له في اكتشافاته القيمة وفي الحلول الكثيرة التى قدمها في مجال تاريخ العلوم الطبيعية العربية.
وفى المناقشات التي دارت حتى الآن حول ما يمكن به تعريف الكيمياء العربية القديمة وحول موقف علماء البلدان العربية الإسلامية إزاء هذا الفرع من العلوم، اعتبر المرء- وذلك خطأ في نظري- أن الكلمة العربية المرادفة لكلمة Alchimie هي فقط كلمة الكيمياء أو علم الكيمياء. ولم يلق بالا إطلاقا إلى أن الكيميائيين الأوائل من العرب لم يسموا هذا الفرع أبدا بأحد هذين المصطلحين، وإنما أطلقوا عليه «علم الصنعة» أو «الصنعة»، كما أنهم لم يسموا أحدا سبقهم في هذا العلم «الكيميائي» وإنما «صاحب الصنعة» وأحيانا «صاحب الحكمة» أو «الحكماء».
ومن الجدير بالذكر أن أقدم كتب الكيمياء التي وصلت إلينا سميت (رسالة) أو (كتاب في الصنعة) إذا لم تكن تحمل عنوانا خاصا أما «جابر» في كتابه «كتاب الحدود» والمؤلّف قبل عام ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م في تعريف العلوم وتصنيفها (انظر بعده ص ٣٤٩) فقد صنف الكيمياء «علم الصنعة» مع علوم الدنيا ووصفها بأنها «علم شريف» مميّزا
стр. 9
لها بذلك عن بقية علوم الدنيا «الوضعية» التي نفهم منها العلوم الثانوية التقنية «علم الصنائع» (١). وأن «جابرا» في كتاب الحدود لم يذكر «الكيمياء»، ولعله عدّ هذا الفرع من العلم «وضعيّا» أي من «علم الصنائع» إذ يعرف «علم الصنعة» بأنه العلم الذي لا علاقة له بسد الفاقة والحاجة (٢). وقد ذكر جابر «الكيمياء» في كتاب آخر هو كتاب الأصول (الصناعة الموسومة بالكيمياء)، حيث كان همه في ذلك أن ينبه إلى الخطر الكامن فيها (٣).
يبدو أن كلمة «كيمياء» بمعنى صناعة الذهب والفضة عرفها العرب منذ القرن الأول/ السابع وأن هذا المفهوم قد أدى بهم إلى الاشتغال بالكتب الكيميائية في وقت مبكر، لهذا فليس من الصعب أن يفهم لماذا كان لا بد لأول ترجمة لكتاب دنيوي من لغة أجنبية أن تكون بالذات ترجمة كتاب كيميائي (انظر بعده ص ١٠٥)، أضف إلى ذلك أن الأخبار الصريحة التي وصلت إلينا تفيد أن الكيميائي العربي الأول، الأمير الأموي خالد بن يزيد أدت به الكيمياء المؤملة بالثروة العظيمة إلى الصنعة والصنعويين (٤)، بل إن أقدم ما وصل إلينا من معلومات حول ذلك يرجع إلى عهد خالدنفسه، ذكرها المؤرخ المدائني (ت ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م)، انظر المجلد الأول من، GAS ص ٣١٤) معتمدا بذلك على رواة قدامى، جاء في روايته أن محمد بن عمرو بن العاص قدم على عمّته زوجة خالد بن يزيد، وهي في دمشق، قال خالد له: «ما يقدم علينا أحد من أهل المدينة إلا اختار المقام عندنا على المدينة، فظن محمد بن عمرو أنه يعرض به فقال غاضبا: وما يمنعهم من ذلك وقد قدم قوم من المدينة على النواضح فنكحوا أمك وسلبوك ملكك وفرغوك لطلب الحديث وقراءة الكتب وعمل الكيمياء الذي لا تقدر
стр. 10
عليه» (١). ويستفاد مما ذكره جابر أن كلمة «الكيمياء» ربما كان يعرفها العرب بمعنى تحويل المعادن منذ زمن بعيد، عرفها مثلا الخليفة علي «كرم الله وجهه» - (انظر بعده ص ٢٤).
صحيح أن ابن النديم استعمل على ما يبدو «صناعة الكيمياء» و «علم صناعة الكيمياء» (٢) مرادفين ل «علم الصنعة»، إلا أنه ليس هناك كتاب واحد من مئات كتب الكيميائيين الذين ذكرهم يحمل عنوان «الكيمياء» (٣). لذا، فإنه لمن الخطأ الفادح أن تترجم كلمات ابن النديم (٤): («أخبار الكيميائيين والصنعويين» ب «أخبار الكيميائيين والفنيين أو المهنيين»).
«(٥)
die Nachrichtenuberd ie Chemikerunddie Technikeroderpra ktiker
» إذ أن محتويات هذه الكتب بكاملها وكذلك تعريفات الكيميائيين أنفسهم، لا تدع مجالا للشك (انظر قبله ص) في أن علم الصنعة شغل منزلة أعلى بكثير من الكيمياء، وأن الكيميائيين الذين ذكرهم ابن النديم لا بدّ وأن يكونوا الفنيين والمهنيين.
ويبدو لنا أن روسكا أهمل هذا المعنى المتميز للصنعة وأنه ترجمها عموما (٦) بالكلمات «فن، صنع، عمل»، وبذلك اعتبر النقد الموجه «للكيمياء» موجها للصنعة العربية فدافع عن الأخيرة (٧). ورأى (روسكا) نفسه مضطرّا للدفاع عن الصنعة
стр. 11
«الكيمياء» العربية، إزاء هجوم المسعودي (ت عام ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ م، المجلد الأول من Gas ص ٣٣٢) الذي تكلم (١) عن خدع أصحاب «صنعة الكيمياء»، وقد فهم روسكا من ذلك أنه يعني الكيميائيين «السيميائيين» أيضا (٢).
وبهذه المناسبة فإنه كثيرا ما يشار في الدراسات الحديثة إلى تلك المناظرة التي جرت بين الفيلسوف الكندي وبين الطبيب والكيميائي الرّازي، فإن الأول في كتابه «الأطعمة» تحت عنوان: «كيمياء الطبيخ» أو «كيمياء الأطعمة» ذكر موضوع محاكاة أو غش الأطعمة (٣). وخص غش العقاقير النفيسة في كتابه المتوافر بين أيدينا مطبوعا بعنوان: «كتاب كيمياء العطر والتصعيدات» خصها بمكان مكننا من تكوين فكرة مهمة حول عملالغشاشين في ذلك الزمان (٤). وأما عن مدى علاقة استعمال الكندي لكلمة الكيمياء، بموقفه المعادي- كما يزعم- للكيمياء، وفيما إذا كان رد الرازي عليه لهذا السبب أم لأسباب موضوعية صرفة في كتابه «الرد على الكندي في رده على الصناعة» (ابن النديم ص ٣٥٨)، فلربما تكشف عنها دراسة مقبلة لهذا الكتاب فيما بعد. هذا وقد يفيد مثل هذه الدراسة بالدرجة الأولى «كتاب شرف الصناعة» للرازي نفسه (انظر بعده ص ٧) وكذلك كتب الكندي المتعلقة بذلك والمتوافرة جيدا إلى حد ما (المجلد الثالث من GAS ص ٢٤٦) (٥). كذلك ينبغي الانتباه بشكل خاص إلى استعمال المصطلحات «صنعة» و «صناعة» و «الكيمياء» في كتب الكيميائيين الأوائل من أمثال جابر والرازي، إذ لم يعط هذا الموضوع في الدراسات الماضية والمتعلقة بموقف العلماء العرب من الكيمياء، ما يستحقه من العناية حتى الآن.
стр. 12
على أنه لا يمكن تجاهل اللبس الذي حصل بين محاولة الكيميائيين الجادة أو بين المفهوم- بعبارة جابر- الذي يرى أن «أصول الصنعة تتجلى في تفاعل طبائع المادة وأنه يمكن الوصول إلى معرفتها بمعرفة الميزان» (انظر بعده ص ٣١) وبين الغش وصناعة الذهب، كما لا يمكن تجاهل الموقف الرافض أو المعادي للكيمياء الذي كان منتشرا في أوساط إسلامية. وإذا ما درس المرء نقد واعتراضات مناوئي الكيمياء يتولد الانطباع بأنه قد اختلط أمر أولئك الذين كان التحويل هدفهم الرئيسي بأمر أولئك الذين كان موضوع تحويل المعادن جزءا من منهجهم الكيميائي ولم يكن التحويل لديهم لطلب منفعة دنيوية بل كان لغرض النظرية «العلم» ليس إلا. «لقد كان جابر مقتنعا أن مثل هذا التحويل لا يمكن أن يحصل بالطريق التجريبي، إذ أنه يرى نظاما ما، في عالم المادة، يمكن بناء عليه إيضاح التحويل الكيفي للمادة على أسس كمية (١)». كما يرى جابر حسب نظامه: أنه يمكن (من الناحية النظرية) توليد الكائنات الموجودة في العالم الأرضي، من ذلك على سبيل المثال، توليد المعادن بالتدابير بما فيها الذهب.
ومما له دلالته الكبيرة بهذه المناسبة موقف ابن سينا، فلقد صنف «الكيمياء» فى رسالته «إشارات إلى علم فساد أحكام النجوم» في قائمة العلوم المزيفة: «أما غرضها فالجشع والميل إلى المعيشة المريحة، وأما فحواها فتوليد إكسير يزعم أنه يحول كل معدن خسيس إلى ذهب أو فضة دون عناء. ولقد كثرت الكتب في ذلك، وأما ما يحتمل أن يكون قد صنفه جابر والرازي وغيرهما فمجرد هراء، فلا يمكن توليد ما خلقه الله بالطبيعة، كما لا تشترك أعمال الإنسان في أعمال الطبيعة (٢) ولابن سينا نظرة أخرى إلى أصحاب الكيمياء ذكرها في الباب الخامس من كتابه «الشفاء» (٣)، و «ابن سينا يؤمن في هذا الكتاب بنظرية الزئبق- الكبريت في المعدن ويرفض رفضا قاطعا أفكار
стр. 13
أصحاب الكيمياء، فهو يرى أنه من الممكن عمل معادن صلبة، حتى لكأنها ترى كما يرى الذهب والفضة، ولكن الأمر لا يعدو أنه زيف .. ويذكر ابن سينا قوله: «أنا لا أمنع أن يبلغ الزيف في التدقيق مبلغا يخفى الأمر فيه على الفرهة (١)، وأما أن يكون الفصل (٢) فلم يتبين لي إمكانه، بل بعيد عندي جوازه، إذ لا سبيل إلى حل المزاج (٣) إلى المزاج الآخر، فإن هذه الأحوال المحسوسة يشبه أن لا تكون هي الفصول (٤) التي بها تصير هذه الأجساد (٥) أنواعا، بل هي عوارض ولوازم (٦) وفصولها مجهولة، وبعبارة أخرى، فإن ابن سينا يعترف بأن الأجساد لها طبيعة مركبة، لكنها ثابتة التركيب ولا يمكن أن تتأثر بالصهر أو بتدابير كيميائية أخرى فهو يقول: «ويشبه أن تكون النسبة التي بين العناصر في تركيب كل جوهر من هذه المعدودة، غيرها في التركيب الآخر، وإذا كان كذلك، فلم يعد إليه، إلا أن يفك التركيب إعادة إياه إلى تركيب ما يراد إحالته إليه، وليس ذلك مما يمكن (بالصهر) بأدائه حفظ الاتصال، وإنما يختلط به شئ غريب أو قوة غريبة (٧)».
ولقد شغل موضوع موقف ابن سينا من الكيمياء، مؤرخي الكيمياء منذ القرن التاسع عشر (٨). إذ كان الباعث على دراسة هذا الموضوع في وقت مبكر أن ابن سينا كان في بعض الرسائل الكيميائية التي عرفت باسمه، قد اتخذ موقفا واضحا مناصرا للتحويل (تحويل المعادن)، وقد أجمع تقريبا على أن ثلاثا من هذه الرسائل تزييف لاتيني. وأما بخصوص الرسالة الرابعة فقد اختلفت الآراء في مدى صحتها حيث عثر على أصلها العربي.
стр. 14
وأما روسكا فقد أراد أن يبين أن هذه الرسالة زيف أيضا، وأنها تمثل ترجمة رسالة صنفها أحد الأسبان باللغة العربية (١). أما عنوان الرسالة بالعربية فهو: «رسالة في مستور علم الصنعة»، ولقد ذكر ابن سينا في المدخل أنه أراد أن يختبر فيها آراء المناوئين وآراء أصحاب الكيمياء فما وجد فى كتب أصحاب الكيمياء تطبيقا للقياس الذي هو في الواقع أساس العلوم، وكتبهم فضلا عن ذلك، مليئة بالهراء، لكنّ كتب المناوئين كذلك هزيلة وحججهم ضعيفة، ولم يطبقوا القياس تطبيقا سليما. وهكذا لم يقدر H.E.R.F.Azo و Stapleton وم. ح. حسين و، G.L.Lewis الذين ترجموا تلك الرسالة إلى الإنجليزية، لم يقدروا، نظرا لرأي روسكا ذاك، أن يبتّوا فى صحتها، ولو أنهم لم يشاطروا روسكا الرأي أيضا (٢). ثم ما لبثت أن تداعت حجج روسكا بعد أن اكتشفت مخطوطات أخرى جديدة وقوّم محتواها (٣). كذلك فقد أوضح G.Anawati في مقال له هو الآن تحت الطبع (•)، أوضح بجلاء أن ابن سينا لم يغير رأيه بالنسبة للتحويل الجوهري للمعادن، في هذه الرسالة أيضا (٤)، وقد يكون اتخذ مع الزمن موقفا أقل رفضا تجاه الكيميائيين العظام، دون أن يكون قد غيّر رأيه في تحويل المعادن. هذا ويبدو أن الموقف المعادي للكيميائيين ازداد خلال الأجيال المتأخرة، فلقد اعتبرت- ظلما- صناعة الذهب على أنها المهمة الرئيسية للكيميائيين ونجد مثالا مهمّا على ذلك في رأي عبد اللطيف البغدادي (ت ٦٢٩/ ١٢٣١) الذي وصلت إلينا عنه رسالتان بهذا الخصوص (٥) ذكر في إحداهما وهي بعنوان: «رسالة في مجادلة الحكيمين، الكيميائي والنظري» مجادلة حصلت بين الكيميائي والنظري، ختمها بفوز النظري، أما في
стр. 15
الرسالة الأخرى وهي بعنوان: «رسالة فى المعادن وإبطال الكيمياء» فيفنّد البغدادي نفسه آراء الكيميائي.
وعلى أية حال فلقد بينت نتائج الدراسات السابقة بوضوح كاف أن الكيمياء العربية تمثل «علما» معترفا به: بأسسه الفلسفية والتجريبية (١). وقد بدأ الاعتراف بالروح العلمية في الكيمياء العربية منذ أن اكتشف هولميارد أن كيمياء جابر: «تمثل علما تجريبيّا منهجيّا» وأنه بالإمكان وضع جابر في مصاف: «بويل وبريستلي ولافوازية (٢)».
ولقد استطاع كراوس من خلال دراسته الواسعة الشاملة لمجموع جابر، وبعد هولميارد بنحو عشرين عاما، أن يدعم هولميارد فيما توصل إليه، وذلك بالرغم من أن كراوس لم يسلّم بأن جملة ذاك التأليف ترجع إلى عمل رجل واحد عاش في القرن الثاني/ الثامن، بل افترض أن المجموع كان من تأليف أصحاب «مدرسة»، زعم أنها كانت نشيطة من منتصف القرن الثالث/ التاسع وحتى منتصف القرن الرابع/ العاشر (انظر بعده ص ٢٥٢ وما يليها). ويهمنا من نتائج كراوس هذه المتعلقة بموضوعنا أن التفاصيل العلمية- الطبيعية قد انتظمت في كيمياء جابر ضمن إطار كبير استمدت معناها وصحتها منه فقط. «وما هي إلا استدلالات فلسفية تشكل في كل ناحية منطلق المؤلف الحقيقي وتمثل قوته، فهو لا يفتأ يؤكد أن ممارسة التقنية والناحية التطبيقية للعلم (عمل) لا يؤديان إلى شئ ما لم تأخذ النظرية (علم، قياس، برهان) مكانها كما ينبغي (٣)» وقد انتقد جابر سقراط (٤)، لأن سقراط لم يراع في نظامه الكيميائي إلا الناحية العملية ولأنه أهمل النظرية (انظر بعده ص ٢٢٨). ولقد تحقق لدارسي الكيمياء العربية كذلك أن الرازي الطبيب المشهور (ت: ٣١٣/ ٩٢٥) كان على
стр. 16
مستوى رفيع في الكيمياء أو كيمياء، ومنذ أن قبلت نظرية كراوس التي ترى أن كتب جابر متأخرة النشأة وأصبح جابر بالتالي قريب العهد من حياة الرازي فقد ازدادت أهمية دور الرازي في تاريخ الكيمياء. ولقد كان روسكا أكثر المدافعين عن منزلة الرازي حماسا، من ذلك أنه أوضح في جملة ما أوضح: «طالما كان المرء متمسكا بأن كتب جابر الكيميائية هي من وضع القرن الثامن، كان لا بدّ من افتراض أن كيمياء الرازي التيتميّزت بالسمات البارزة وباستخدام النشادر في كل موضع والدور المهم للمواد الحيوانية أن هذه الكيمياء مشتقة عن عالم أفكار جابر، إلا أنه لما كان قد استنتج أن جملة كتب جابر بكاملها ما هي إلا ثمرة الإسماعيلية، أو قل قريبا من حياة الرازي، لذلك لم يعد حل قضية التبعية أمرا بسيطا ..... أما الفرق بين العرض المتعدد الوجوه الذي لا نهاية له في كتب جابر وبين الشكل الموضوعي الواقعي في مؤلفات الرازي، فهو فرق كبير، يصعب العثور على علاقات أخرى بينهما غير علاقة الأساس المشترك. ولكنه يبقى للرازي، على أية حال، فضل تقديم الكيمياء ولأول مرة في قالب علمي متين، فلم تكن نظريات الإسماعيلية العسيرة على بلاد الغرب والمستبعدة لأي تطور أوسع، لم تكن لتجذب كيميائييّ الغرب، وإنما الذي جذبهم هي كتب الرازي المحددة القريبة الهدف (١)».
ولا يعوّل في إيراد هذا الكلام على مدى موافقتنا لتفاصيله، بقدر ما يعوّل على إثبات الطابع الذي ساد الكيمياء العربية، ذلك الطابع الذي يتجلى فى مبدأ العمل المشترك بين النظرية والتجربة. وهكذا، وبعد أن اتضحت هذه السمة المتميزة للكيمياء العربية- استعمال المواد العضوية وغير العضوية بما فيها النشادر ذي الأصل العضوي وغير العضوي- وبعد أن عرفت أسسها الكمية، برز السؤال التالي: من أين جاءت مثل هذه الكيمياء؟ سؤال لطالما طرحه روسكا خلال دراساته وبصيغ مختلفة حتى انتهى به الرأي إلى أنه لا بد أن قد سبق مؤلفات العرب تطور ما مستقل للكيمياء في المشرق، يختلف عن تطور الكيمياء اليونانية (٢). فهو يرى أنه من غير المحتمل أن
стр. 17
تكون هذه الكيمياء قد وصلت جابرا عن طريق السريان من مصر أو عن طريق الإمام جعفر، وإنما كانت ثمرة بحوث ترادفت عبر تطور طويل وكانت في نواح جوهرية نتاجا للعقل الإيراني الملقح بالفلسفة الهلّينية «١».
إن التعلق بالنظرية التي تفترض تأثير كيمياء شرقية في نشأة الكيمياء العربية، دفع روسكا إلى تبني نظرية أخرى غربية بعض الشئ تقول بوجود مدرسة غربية وأخرى شرقية من الكيميائيين العرب، وتبعا لهذه النظرية كانت مصر مركز المدرسة الغربية، حيث لم تكن الكيمياء فيها تقف على أرض التجربة حتى في العهد الإسلامي وإلى القرن الثالث عشر الميلادي «٢».
والحق، إن هذه الفكرة كانت نتيجة طبيعية لفكرة أخرى مفادها أن الكتب التي وصلت إلينا باللغة العربية، والمنسوبة إلى فلاسفة وكيميائيين قدامى، قد ألفت من قبل العرب أنفسهم. والظاهر أن روسكا لم يستطع أن يفسر حقيقة أن هذه الكتب المزيفة ذات مستوى أكثر بدائية بكثير من الكتب العربية إلّا بافتراضه وجود مدرستين مختلفتين، بل ومفصولتين جغرافيّا. ويبدو أنه لم يسأل نفسه عما إذا كان ممكنا وجود
стр. 18
مدرستين معزولتين هكذا في العالم الإسلامي خلال القرن الثالث/ التاسع وحتى القرن السابع/ الثالث عشر، أو بعبارة أخرى كيف يمكن أن ينسجم هذا الافتراض مع واقع التاريخ؟
هذا ولا يمكن هنا سرد آراء روسكا جميعها المتعلقة بنشأة ومصادر الكيمياء العربية، التي لا تؤدي إلى أي وضوح. وإنّ آراءه وآراء مؤرخي الكيمياء العربية المشابهة- المتعلقة بموضوع المصادر والنشأة- قد فقدت أهميتها إلى حد كبير بعد ما ظهرت دراسات باول كراوس ونشرت عام ١٩٤٢ - ١٩٤٣ م. ولقد بقيت دراسات كراوس، على الرغم من بعض الانتقادات الموجهة لها محتفظة بالموقع الرئيسي الحاسم في هذا المجال حتى يومنا هذا. صحيح أن دراسات كراوس تتناول مؤلفات تحمل اسم كيميائي واحد لا غير، هو جابر بن حيان، إلا أنها تكاد تكون تاريخا أساسيّا للكيمياء العربية، ذلك أن هذا الكيميائي قد طبع هذا الفرع من العلوم بطابعه الخاص إلى حد بعيد من جهة، وأنه من الممكن، بلا شك، اعتبار دراسات كراوس أجدى وأغنى وأشمل دراسة في هذا المجال. ولقد حشد المؤلف مواد وفيرة في شرح الموضوع المتعلق بمصادر ونشأة الكيمياء العربية، بيد أنه لم يقترب- فى اعتقادي- من حل هاتين المسألتين، وذلك مذ بدأ يشكّك في دراسته الأولى، عام ١٩٣٠ م، في صحة المجموع «مجموع كتب جابر» ومذ شرع كذلك في النظر إلى الموضوع على أنه نتاج إسماعيليّ أو نتاج مدرسة زمن متأخر يمتد من عام ٢٥٠ هـ إلى عام ٣٥٠ هـ. وحصل هذا في وقت كان التفكير فيه قد بدأ لتوه يتغير- اعتمادا على الاقتناع بصحة المجموع- في مجال تقويم المصادر والاستنتاجات الخاصة ببدايات الكيمياء العربية، وعلاوة على ذلك حتى في مجال تحديد بدايات الفروع الأخرى للعلوم العربية أيضا وترجمة الكتب الأجنبية إلى العربية (انظر ص ٢٤٧ وما يليها).
ولقد تحددت دراسة كراوس لجابر من خلال ثلاث وجهات نظر:
١ - لا ينبغي البحث عن بدايات العلوم في البلدان العربية الإسلامية قبل زمن حدّد بحوالي عام ١٥٠ هـ.
стр. 19
٢ - بدأت ترجمة الكتب اليونانية (إلى العربية) في عهد المأمون أي نحو عام ٢٠٠ هـ، وهذا العهد هو عهد نشأة الاصطلاح العربي (التقني).
٣ - الكتب المزيفة العربية ألّفها العرب أنفسهم ونسبت إلى العلماء الأقدمين.
وهذه الكتب هي في نظرنا ترجمات ومن أكثر المصادر أهمية في مجالات عدة وبخاصة في مجال الكيمياء. وعلى ضوء هذه الأفكار اكتسب رأي شيدر h.h.-schae -der القائل: بأن كتاب جابر «البيان» كان كتابا للإسماعيلية (انظر بعده ص ٢٥٢) - أهمية أكبر بكثير مما ينبغي، لدى دراسة مجموع جابر. أما إلى أي مدى يمكن إثبات آراء جابر الإسماعيلية القرمطية في كتابه هذا وكتبه الأخرى، فتلك مسألة أخرى.
ومهما يكن من أمر فلا يمكن لهذا الجانب أن يكون حجة في تفنيد مجموع جابر، ذلك لأنه لم يكن هناك اختلاف وحتى في حياة كراوس نفسه، في أن مذهب القرامطة والإسماعيليين الأوائل قد نشأ قبل نهاية القرن الثاني الهجرى (انظر بعده ص ٢٦١) الأمر الذي تؤيده أحدث الدراسات بقرائن أخرى عن مصادر قديمة.
وبهذا الرأي القائل بعدم أصالة مجموع جابر، كان لا بدّ من إسقاط أحد العلماء من تاريخ الكيمياء، من الممكن إبرازه- إذا طرحنا هذا الرأي جانبا- كواحد من أعظم الكيميائيين. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن كل الأخبار الأخرى حول نشاط أدبي في هذا المجال تأخذ- إذا ما سلمنا بهذا الرأي- طابعا أسطوريّا، وبخاصة ما ألفه أشخاص يفترض وجود رابطة بينهم وبين جابر. وقد يبدو هذا الأمر في نظر بعض مؤرخي التراث والحضارة الإسلامية صحيحا وطبيعيّا، لكننا نرى أننا- وبسبب ظواهر كثيرة في تاريخ العلوم الطبيعية العربية وما اكتشف حديثا من مواد في المخطوطات تتفق مع المعلومات الواردة في المصادر- مضطرون إلى تمحيص النظريات والتصورات حول الكيمياء العربية خلال القرنين الأولين بعد الهجرة والتي يتميز معظمها بموقف رافض.
وبهذا يصبح أمر قبول أو تفنيد صحة مجموع جابر معضلة من أهم معضلات تاريخ
стр. 20
العلوم الطبيعية العربية، سيكون لحلّها أثره على بقية مجالات العلوم عند العرب. فلو سلم بصحة المجموع وبتاريخه المروي وهو القرن الثاني/ الثامن، لاقتضى ذلك أن تحظى معلوماته كلها المتعلقة بالمصادر والمؤلفات والنشاط العلمي في زمنه والزمن الذي سبقه، بالأهمية التي تستحقها.
ولهذه الأسباب نمحّص في هذا الباب ما جمعه كراوس من مواد وكذلك حججه وأفكاره المتعلقة بقضية جابر (انظر بعده ص ٢٥٠ وما يليها).فنصل كما سبق وألمحنا إليه، إلى نتيجة مغايرة، فنحن مضطرون- ليس بسبب عدم صمود حجج ونظريات كراوس أمام التمحيص فحسب، بل بناء على نتائج أخرى لدراساتنا الخاصة على مجموع جابر- إلى افتراض أن هذه الأعمال قد ألفت في القرن الثاني/ الثامن وأنها لا يمكن أن تكون قد ألّفت سوى في القرن الثاني/ الثامن وليس بعده.
كذلك فإن أهمية الكتب المنسوبة إلى العلماء القدامى والمحفوظ معظمها باللغة العربية، تتوقف على زمن نشأة مجموع جابر أيضا، وسنتحدث عن دورها في تاريخ العلم العربي وزمن نشأته بشكل عام، في موضعين (المجلد الخامس من gas وص ٣٣ من كتابنا هذا حيث الكلام عن الكتب الهرمسية العربية)، ويناقش دورها في الكيمياء بوجه خاص في بحث مصادر جابر (ص ٢٢١، وما يليها) ونورد في هذا الكتاب أسماء الكتب المزيفة التي وصلت إلينا باللغة العربية. ولقد رتبت ترتيبا ذاتيّا إلى درجة ما، ولم ترتب وفقا لقدم الاسم المستعار، بل حسب زمن نشأتها المظنون.
ويبدو حسب الانطباع الذي تولد لدينا إلى الآن أن قسما من الكتب الكيميائية المزيفة المحفوظة باللغة العربية- وبعضها معروف في الرواية اليونانية- قد نشأ قبل زوسيموس) zosimos القرن الرابع الميلادي). لكن من المرجح أن تلك الكتب المزيفة التي ترجع في نشأتها إلى القرنين الأخيرين قبل ظهور الإسلام والتي يمكننا اعتبارها من أهم مصادر الكيمياء العربية قد كان لها تأثير أكبر من ذلك. وتنسب أهم تلك الكتب إلى بليناس (أبولونيوس التياني) وأرسطوطاليس وأفلاطون وسقراط وفرفريوس. والظاهر أن النظريات المميزة لكيمياء جابر- كنظرية الميزان ونظرية التوليد وتدبير الإكسير من مواد
стр. 21
عضوية ونظرية استعمال النشادر ذي الأصل العضوي وغير العضوي لا يمكن التحقق من وجودها في كتب بليناس، وعلى هذا، فإن مهمة تاريخ الكيمياء في المستقبل أن تقوّم المواد المتوافرة في هذه الكتب ضمن تاريخ الكيمياء العربية. ولطالما نبّه كراوس إلى أهمية الكتب المزيفة هذه في المصادر التي استعملها جابر، غير أنه لم يعلق- على ما يبدو- أهمية خاصة على المقارنة بين هذه الكتب التي عرفها وبين استشهادات جابر لأنّه اعتبر تلك الكتب من نتاج العهد الإسلامي بوجه عام. والكتاب الوحيد من هذا النوع الذي أخذ كراوس دوره في نظام جابر الكيميائي بعين الاعتبار هو كتاب «سر الخليقة» لبليناس ومع أنه أشار إلى أصل الكتاب السرياني، لكنه يرى في الصورة التي وصلت إلينا، تحريرا عربيّا تم في عهد المأمون. ولقد اعتقد كراوس أنه وجد لدى المقارنة التي أجراها بينهما- وهي في الواقع ليست دقيقة عميقة الجذور- أن جابرا نحل بليناس أفكارا غير موجودة في كتاب «سر الخليقة» أصلا، ويذكر منها: تطبيق نظرية الميزان في التوليد، وهي فكرة غير معروفة في نظام بليناس الكيميائي ونظامه الكوسمولوجي في التوليد إطلاقا. ولقد اعتبر كراوس أن هذه المواضع تمثّل تتمات ومبتكرات جديدة نسبت إلى بليناس في العالم الإسلامي وقبل وجود جابر، ثم يورد كراوس خبرا ذكره جابر وفهم منه خطأ أن جابرا يقول فيه على لسان بليناس إن اللغة العربية هي أفضل اللغات في ملاءمتها لتطبيق نظرية الميزان (انظر بعده ص ٢٣٢).
فضلا عن ذلك فلقد عرف كراوس كتابا آخر في الكيمياء لبليناس (كتاب الأصنام) أشير فيه إلى كتاب «سر الخليقة» من جهة وإلى المكتوبات الكيميائية الهرمسية وهي أصول كتاب «سر الخليقة» من جهة أخرى (اللوح الزمردي)، ويرد فيه أنه قد ترجم إلى اللغة العربية في عهد خالد بن يزيد. ومن المؤسف، أن كراوس اعتبر هذا ..
محض اختلاق (f ictionlitteraire) على الرغم من رأيه بأن القيام بدراسة شاملة لهذا الكتاب هو أمر محبذ سيؤدي إلى إيضاح فصل مهم من تاريخ الهرمسية العربية (١).
ويرجع الفضل الكبير في الإشارة إلى أهمية الكتب المزيفة كمصادر من قبل الإسلام للكيمياء العربية إلى، (٢) stapleton وقد توصل إلى هذه النتيجة عن طريق دراسته
стр. 22
لبعض الكتب الكيميائية المزيفة التي عرفها والى استشهادات «مقتبسات» الكيميائيين العرب، ومن أهم هذه المقتبسات العربية، تلك التي وجدها في كتاب «الطوبا» لمؤلفه المدعو «الأزديّ» والذي يصف نفسه بصاحب خالد بن يزيد. والأزدي هذا اقتصر اقتباسه على كيميائيين يونانيين وفرس ومصريين ويهود وبيزنطيين، ومن هنا، ظن stapleton أن هذا الكتاب وما شابهه من رسائل هو الذي حفز جابرا على كثرة الاستشهاد بسقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس وبعلماء يونان آخرين (١) ومن هنا، أيضا، كان stapleton هو أول من عارض رأي كراوس القائل بأن تلك الكتب ما هي إلا من نتاج العهد الإسلامي (٢). كما أنه توصل عند وضع تاريخ للكتب المزيفة إلى زمن سابق للزمن الذي نراه في هذا الكتاب، ويعتبر من الممكن أيضا أنّ demokrit , على سبيل المثال، كان تلميذا للكيميائي الفارسي أسطانس «ostanes» في القرن الخامس قبل الميلاد، وأنه صنف كتبا كيميائية فعلا (٣). وبالنسبة لأصل الكتب
стр. 23
المزيفة، فلقد ذكر
stapleton
دور الكيميائيين الحرّانيين العظيم الذي كان لهم في عهد السلوقيين «seleukidenzeit» (١) وعلق أهمية أكبر مما ينبغي عند تحديد هذا المكان، على استشهاد الرازي ب «سالم الحراني». وهذا الأخير نعرفه من خلال بعض المخطوطات المكتشفة، وعليه يمكننا التحقق من أنه لا يمكن أن يدخل في الاعتبار إلا ككيميائي عربي. وصحيح أنه يمكن إثبات دور الحرانيين الرائع قبل الإسلام وفي صدر الإسلام في مجالات عدة من مجالات العلوم، إلّا أننا لا نستطيع أن نوافق ستابلتون stapleton دون تحفظ على تقديره الكبير ذاك لهم. ويبدو أن المراكز الرئيسية للنشاط الكيميائي كانت مصر وسوريا وبلاد ما بين النهرين. والكتب النبطية التي ترجمها ابن وحشية نشأت فعلا في بلاد ما بين النهرين، ولكن ليس في ذلك الوقت المبكر الذي تصوره خولسون chwoison وإنما قبيل الإسلام مباشرة (انظر بعده ص ٤٨٠ وما يليها).
ومما له دلالات قيمة في تاريخ الكيمياء أن ستابلتون stapleton استطاع، بناء على ما في الكتب المزيفة المحفوظة باللغة العربية، أن يتتبع معرفة النشادر حتى إلى وقت مبكر جدّا، ففي عام ١٩١٠ م، اكتشف معرفة النشادر (٢) في رسالة لخالد بن يزيد. وقد تأكد ذكر النشادر في رسائل خالدبطرق أخرى، كذلك (٣). وبناء على المقتبسات عند الكيميائيين العرب من ناحية وما حفظ لنا من الكتب المزيفة من ناحية أخرى، اعتقد ستابلتون stapleton أنه وجد أقدم الوثائق التي يرد فيها استعمال النشادر خارج بلاد ما بين النهرين. والظاهر أنه يرى في إشارات الكيميائيين العرب إلى
стр. 24
demokrit
و، ostanes وقد جاء ذكر النشادر عندهما مقتبسا عن كتب أصلية، فاستنتج أن المدرسة الفارسية كانت منافسة للحرانية في استعمال النشادر، وهكذا يعتقد stapleton أن campbellthompson كان في الغالب على حق في حديثه عن معرفة الآشوريين للنشادر (١). ورأي ستابلتون stapleton الخاص بعمر النشادر قد وجد التأييد من خلال كل الكتب المزيفة التي لم يكن يعرفها آنذاك، ومنها الكتب الكيميائية المنسوبة إلى هرمس. وعلى العكس من ذلك، فإن نظرية روسكا التي تنفي احتمال استعمال النشادر قبل الإسلام لا يمكن لها الآن الصمود إطلاقا (٢). ولقد اعتقد روسكا، انطلاقا من هذا التحديد لعمر النشادر، أنه يستطيع حتى أن يقدم دليلا على زيف إحدى رسائل خالد ابن يزيد لأن النشادر مذكور فيها (٣).
وإذا ما استبعد رأي ستابلتون stapleton المتعلق بمؤلفات demokrit و) ostanes انظر قبله ص ١٨) فالأرجح أن زوسيموس، الممثل الرئيسي للمدرسة المصرية (٤)، هو صاحب الكتب الكيميائية اليونانية القديمة الأصيلة التي كانت من المصادر الرئيسية للعرب. ومن المهم جدّا بالنسبة لتاريخ العلوم العربية أن أول كتاب نقل إلى اللغة العربية كان كتابا في السيمياء ل زوسيموس أصلا (مخطوطة قديمة تتألف من عدد من
стр. 25
الرسائل)، أما بيانات المخطوطة فتفيد أن الترجمة قد تم إنجازها عام ٣٨ هـ/ ٦٥٩ م وذلك إبان حكم (ولاية) معاوية «﵁». ولقد نبه ستابلتون stapleton الذي اكتشف هذه المخطوطة في رامبور عام ١٩١٠ م، نبّه في حينها إلى الصعوبات والعواقب التي تنجم عن واقع ترجمة مبكرة إلى هذا الحد، إلا أنه ذكر بأن اصطفن staphanos الاسكندراني قد صنف في هذا الوقت نفسه بالضبط، رسالة كيميائية (قدمها) إلى القيصر هرقل. herakleios (١) ولا بد أن شكوك ستابلتون stapleton إزاء الترجمات القديمة هذه قد تلاشت فيما بعد، إذ أنه خالف ما زعمه كراوس من أن ترجمة كتاب الأصنام لبليناس في عهد خالد بن يزيد، ما هي إلا اختلاق أدبي، وذكّر في الوقت نفسه بالترجمات المبكرة في عهد معاوية (٢). ولا ريب أنه سوف يمكن تحديد دور زوسيموس، الذي لم يصل من كتبه في الأصول اليونانية إلا النزر القليل، في تاريخ الكيمياء بصورة أفضل، إذا ما درست أولا كتبه العديدة التي وصلت الينا باللغة العربية. ومع هذا فسوف يبقى مشكوكا فيه، إذا كانت كل الكتب المعروفة باسمه هي له فعلا أم أن اسمه استعير في فترة ما قبل الإسلام. فلقد أشير مثلا في الترجمة القديمة المذكورة، والتي ترجع إلى زمن معاوية، أشير إلى من يسمى «أبولون» وإلى «سره
стр. 26
النفيس»، فإذا ما صحت (١) هذه الإشارة ومطابقة هذا الاسم ل أبلونيوس
apollonius
كما رأى (ستابلتون، stapleton (فإن ذلك يقتضي أن يكون مؤلف «مخطوطة رامپور القديمة» قد استعمل كتاب «سر الخليقة». ولما كانت القرائن المعروفة حتى الآن تفيد أن زمن نشأة كتاب «سر الخليقة» لا يمكن أن يرجع إلى وقت أقدم من القرن الخامس الميلادي، فلا مناص من الاستنتاج أن ما بين أيدينا هو كتاب- زوسيموس- مزيف. وبالمناسبة فإن أبولونيوس لم يرد في هذا الكتاب على أنه «بليناس» وإنما على أنه «أبولون». وهذا دليل على الأرجح على الترجمة من اليونانية مباشرة، بينما بليناس تصحيف نتج كما يبدو، من الترجمة السريانية (انظر بعده ص ١١٨). ومما يؤسف له أن مختارات ستابلتون stapleton من كتاب زوسيموس (أو كتاب زوسيموس المزيف) قليلة للغاية بحيث لا يمكن تكوين فكرة عن الاصطلاحات كما لا يمكن معرفة شيء ملموس عن المحتوى. إن إحدى هذه المختارات تفيد معلوماتها الغامضة أنها اقتبست عن الرسالتين الرابعة والخامسة في الميزان (٢) (نظرية الميزان)، وربما كان مجديا لدراسة مقبلة أن يقارن «كتاب الميزان» لصاحبه زوسيموس والذي استعمله جابر (انظر بعده ص ٢٣٤)، بهاتين الرسالتين، إذا صح الظن أنهما خصصتا لل «الميزان».
ومع أن teplotaonwv قد تؤكّد عند زوسيموس (٣)، لكنه لم يتضح بعد فيما إذا كان هو ميزان هيدروستاتي (ميزان الماء) أم أنه «علم- الميزان»، شبيها بعلم ميزان جابر (٤).
стр. 27
هذا وينبغي التنبيه إلى عنصر مميز آخر يتعلق بتأثير زوسيموس في تاريخ الكيمياء، ألا وهو فكرة التقدم في المعرفة العلمية التي طالما ذكرها جابر خاصة (١).
فالأمر عند زوسيموس لا يعدو تقدما يمتد من الماضي وحتى عصره ولم يراع زوسيموس، خلافا لجابر ومصادره الأخرى، أمر التقدم في المستقبل (انظر بعده ص ١٠٥).
وهكذا، فليس هناك مجال للشك إطلاقا في أن منزلة زوسيموس بالنسبة لكيمياء ما قبل الإسلام كانت منزلة السيادة، وأنه يمكن الكشف عنده عن نمط كيميائي قائم على أساس فلسفي. ومع هذا، فمن الخطأ التام- فضلا عن معارضته لحقائق التاريخ أن يعتبر الزمن الذي تلاه حتى نشوء الكيمياء العربية، أن يعتبر حقبة المقلدين (٢).
بل حتى ولو لم يكن بين أيدينا نصوص يونانية وفيرة، فهناك قرائن كثيرة بعد، تمكّن من ملاحظة التطور المستمر في الكيمياء، حيث استعملت فيها العناصر الفلسفية باطراد. وسيكون لنا، بمناسبة الكلام عن مصادر علم جابر، كلام مسهب حول هذا التطور الذي بدأ عند متأخري الأفلاطونيين المحدثين، وبدأ في مدارس أخرى كانت في الشرق الأدنى (انظر بعده ص ٢٢٢ وما يليها).
ولا بد هنا من الإشارة إلى حقيقة بالنسبة لتاريخ الكيمياء، هي أن الكتب اليونانية الهرمسية التي وصلت إلينا ترجع بشكل رئيسي إلى زمن ما قبل زوسيموس، وأن هذا التحديد الزمني مسلّم به بوجه عام (انظر بعده ص ٤٢). لكن الكتب المزيفة التي كانت أكثر الكتب إبداعا وأغناها أثرا على التطور الذي استمر مطردا وهي ترجع في الغالب إلى القرون الأخيرة قبل الإسلام، بقيت- حسبما أرى- بالنسبة لمؤرخي الكيمياء مجهولة بشكل عام. ولربما أمكن إدراك أهميتها خاصة إذا ما استعملت لدراسة
стр. 28
نشأة الكيمياء العربية. هذا، ويبدو أن الكيمياء بدأت عند العرب بالترجمات التي يرجع أقدمها- والتي نعرف منها شيئا ما- إلى عام ٣٨ هـ/ ٦٣٩ م كما سبق ذكره. ولا نعلم حتى الآن فيما إذا كان للعرب في العهد الوثني ثمة فكرة حول محاولة تحويل المعادن. فلو أنّا، أو بالأحرى طالما أننا وثقنا بالبيانات المتعلقة بأطبائهم وعلاقات هؤلاء بمدرسة جنديشابور، فإنا نستطيع التسليم كذلك بأن أولئك الأطباء قد تلقوا معارفهم عن العقاقير في تلك المدرسة؛ ولقد كان من بين تلك العقاقير البوراق والنطرون والنشادر والترياق.
ومن المحتمل أن تقدم القصائد العربية القديمة قرائن تفيد في دراسة مقبلة. أما ما ثبت الى الآن فهو فقط أن الشاعر الأموي الأخطل (ت ٩٠ هـ/ ٧٠٨ م) قد ذكر الإكسير في إحدى قصائده (١). ونظرا لاشتغال الأمير الأموي خالد بالكيمياء وطلبه أن تترجم الكتب الكيميائية، فباستطاعتنا- على الأرجح- أن نفترض أنه كان هناك قبل ذلك تصور ما عن تحويل المعادن، ربما عرف بمصطلح «الكيمياء».
وربما ساهمت دراسة ترجمات رسائل زوسيموس التي أنجزت عام ٣٨ هـ/ ٦٥٩ م في إيضاح خطبة البيان المنسوبة إلى «أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁» (ت ٤٠ هـ/ ٦٦١ م)، مؤدى هذه الخطبة أن عليّا (كرم الله وجهه) سئل هل للكيمياء وجود، فأجاب بنعم، وتظهر إجاباته على الأسئلة الأخرى فهما أوليّا لموضوع تحويل المعادن. وهذه المعرفة بدورها ليست واسعة إلى درجة توجب استبعادها لدى أحد الخلفاء، سيّما وأن عليّا (كرم الله وجهه) كان من أكثر من حوله معرفة واطلاعا. والأمر المشكل هو- كما يبدو- استعمال كلمة الكيمياء. وهنا ينبغي أن نعيد إلى الأذهان تلك المحادثة التي دارت بين محمد بن عمرو بن العاص وبين خالد بن يزيد وقد ورد لفظ «الكيمياء» فيها أيضا (انظر قبله ص ٥). وعند السؤال عن الزمن الذي ثبتت لنا
стр. 29
فيه خطبة البيان علي ﵁ ينبغي ألا ننسى أبدا أن جابرا (القرن الثاني/ الثامن) يتحدث عنها في «كتابه الحجر» (١). فإن لم يكن الخبر من جابر نفسه، فهو على كل حال يرجع إلى وقت مبكر. وأقدم الشواهد الأكيدة لاستعمال كلمة الكيمياء هو قول الفقيه أبي يوسف (ولد ١١٣ هـ/ ٧٣١ م، ت ١٨٢ هـ/ ٧٩٨ م، انظر المجلد الأول من gas ص ٤١٩) الذي حذر من طلب الثروة بالكيمياء (٢).
هذا وتفيد مصادرنا أن أول عمل مكثف بترجمة الكتب الكيميائية والطبية والفلكية- التنجيمية بدأ بخالد بن يزيد، وهذا الخبر الذي أورده ابن النديم (٣) أكّده الجاحظ (٤) أيضا الذي عاش بعد خالد بزمن غير طويل، بل إن ابن النديم ذكر اسم الرجل الذي كلف بالترجمة «اصطفن». أما روسكا (٥) وبعض العلماء الآخرين فيعتبرون نشاط الترجمة هذا واشتغال خالد بالكيمياء كذلك من الأمور التي لا يمكن تصديقها. ويشير روزنتال fr.rosenthal إلى الدافع وراء تفضيل اعتبار نشاط ترجمة الكتب الكيميائية نتاجا من عالم الأساطير. ويتمثل هذا الدافع في رأيه في كون التزييف في هذا الفرع من العلوم أمرا عاديا للغاية (٦). ولا يجوز التقليل من أهمية نصيب هذا الدافع في أمر التشكك المألوف بعملية نشأة العلوم العربية عموما. فلقد كان الحال يقع
стр. 30
من الأصل تحت تأثير التزييف الكيميائي والآداب الهرمسية، اللذين كانا منتشرين منذ القرن الثاني وحتى القرنين الأخيرين قبل الإسلام على الأقل، وهكذا كان لهذه الفكرة أيضا دورها في اعتبار الكتب المزيفة المترجمة من تزييف العرب، (انظر الملحق ص ٥١٥).
وبالمقابل فإن العلماء المدافعين عن اشتغال خالد بالكيمياء وعن دوره في تاريخ الترجمة، يزداد عددهم يوما بعد يوم، ففي عام ١٩٣٦ م انتقدستابلتون stapleton رأي روسكا الذي ينكر فيه أهمية خالد بن يزيد بشكل سافر (١)، كما حاولت العالمتان روث ماكنسن ونابيا أبوت ruths.mackensen و nabiaabbott أن تبيّنا، من وجهة تاريخية حضارية، اشتغال العرب بالكيمياء واهتمامهم بترجمة الكتب الأجنبية إلى اللغة العربية (٢). كذلك قدّم م. ي. هاشمي بعض الحجج الأخرى دفاعا عن هذا الرأي (٣). ويتراءى لي أن ما توصل إليه جرينياتشى، m.grignaschi بعد دراساته لرسائل أرسطاطاليس المزعومة إلى الإسكندر، مهم بالنسبة لتاريخ الكيمياء العربية بوجه خاص والترجمات بوجه عام، فهو يؤكد على ضرورة إعادة النظر فيما سبق من أفكار تتعلق ببداية الآداب والعلوم العربية (٤)، وينبه إلى أهمية تلك الرسائل بالنسبة لتاريخ الكيمياء، ذلك لأنها توثق- بقناعته- الخبر الذي يقول إن خالد بن يزيد قد صنّف رسائل كيميائية، وهي، فضلا عن ذلك، تدعم فرضية «أن العرب اهتموا في العهد الأموي بهذه العلوم- المزيفة، وأن لغتهم حظيت بالقدرة على استيعاب جميع مفاهيم العلم ومفاهيم الفلسفة اليونانية (٥)».
стр. 31
فإذا ما سلم باشتغال العرب المبكر بالكيمياء، وبنشاطهم إبّان العهد الأموي بالترجمة كان للسؤال عن الكتب الكيميائية التي ترجمت إلى اللغة العربية قبل العهد العباسي أهمية خاصة. أما ابن النديم فلم يعر هذا السؤال، على ما يبدو، انتباها خاصّا، أو أنه لم يكن بإمكانه أن يخبرنا بأكثر مما فعل، إذ كل ما يؤخذ من أقواله أن خالد بن يزيد استدعى الكثير من العلماء اليونانيين من مصر ودعاهم إلى ترجمة الكتب (١)، فهو يذكر في موضع آخر فهرسا ضخما بالكتب المترجمة (٢). وتفيد النصوص ذاتها أن الكتب الكيميائية التالية هي من الكتب التي أنجزت ترجماتها في العهد الأموي: رسائل زوسيموس الست (ولعله زوسيموس المزعوم)، «كتاب الأصنام» لصاحبه بليناس (انظر بعده ص ١٢٦) و «كتاب قراطيس الحكيم» (انظر بعده ص ٧٧)، و «كتاب مهراريس الحكيم»، ورسائل أرسطاطاليس المزعومة إلى الإسكندر التي تتضمن جزءا ذا محتوى كيميائي. ومن الرسالات الكيميائية الصرة المحفوظة في مكتبة آصفية، رسالة يزعم أنها ترجمت أصلا عن اللغة اليونانية إلى السريانية، من قبل يزدين النصراني وزير كسرى (خسرو؟ بارفتس ٥٩٠ - ٦٢٧ ب. م) عام ٩٣٠ حسب التقويم الإسكندراني (٦٠٧ ب. م) ثم ترجمت، في خلافة المنصور، من السريانية إلى اللغة العربية (٣).
وعلينا أن نحاول من جديد، بناء على الدلائل اللفظية واعتمادا على أقدم المقتبسات، تحديد توقيت أولي؛ ولعل كتب خالد بن يزيد العديدة التي وصلت إلينا مناسبة لمثل هذه المحاولة. وبهذا الصدد، فممّا ينبغي ذكره على سبيل المثال أن إحدى رسالات خالد تشير إلى: هرمس وأغاذيمون وزوسيموس ومريانوس (٤). كذلك ففي
стр. 32
كتب جابر التي صنفها، حسب ما ذكره (١) قبل وفاة جعفر الصادق (ت ١٤٨/ ٧٦٥)، فيها قرائن أخرى تؤمّل بكثير من الاستنتاجات، وإن كتاب بليناس المشهور «سر الخليقة» - على الأقل- هو، كما نظن، من كتب هذه الحقبة القديمة، فما اقتبسه جابر عن هذا الكتاب وإشارته إلى آراء «أصحاب بليناس الإسلاميين» يدلان على أن ترجمة الكتاب هذه كانت ترجمة قديمة. إن شهرة بليناس القديمة هذه والمقتبسات التي نجدها عند جابر لا يكاد يمكن إرجاعها إلى «كتاب الأصنام» للمؤلف نفسه وإنما ينبغي أن ترجع إلى «كتاب سر الخليقة». أضف إلى ذلك، أن تحديد زمن ترجمة «كتاب الفلاحة» (الذي يزعم أنه لبليناس كذلك) في عام ١٧٩ هـ، إن هذا التحديد يعد قرينة أيضا على أن بليناس حظي، وفي وقت مبكر جدّا، باحترام عظيم عند العلماء العرب.
ولا نشك في أن الكتب التي وصلت إلينا عن مؤلفين عاشوا في زمن يقع ما بين خالد بن يزيد وبين جابر سوف تسهم في تعيين تلك الكتب الكيميائية التي تمت ترجمتها في العهد الأموي. هذا ومن المهم جدّا، على سبيل المثال، ما لاحظه ستابلتون) stapleton انظر قبله ص ١٧) من أن الأزدي، صاحب أو تلميذ خالد، لم يذكر في «كتابه الطوبا» إلا كيميائيين يونانيين وفرس ومصريين ويهود وبيزنطيين (٢). وإن أهمية هذا الاكتشاف كانت ستتجلّى بوضوح أكبر لو أن ستابلتون stapleton ذكر لنا هذه المقتبسات الواردة في هذا الكتاب العسير المنال بالتفصيل. صحيح أن الاستشهادات في كثير من الأحوال، لا تعني أن المصادر استعملت مباشرة، لكن تحديد الترجمات القديمة يتوقف على دراسة الاستشهادات ومقارنتها بالمؤلفات الأخرى التي وصلت إلينا على أنها مؤلفات المؤلفين المستشهد بهم. ويبدو أن تأثير الآداب الهرمسية- الغنوسطية على المذهب الغنوسطي الشيعي في نشأة وتطور الكيمياء العربية القديمة كان تأثيرا جوهريّا، ويذهب ماسينون إلى أن غلاة الشيعة الأوائل، ومنهم المغيرة بن
стр. 33
سعيد (ت ١١٩/ ٧٣١) (١)، عرفوا النصوص الهرمسية وتأثروا بها (٢) وهكذا، لا يجوز أن يستبعد أن الكيمياء القديمة حظيت باهتمام الشيعة الأوائل وأن جعفر الصادق ظهر على أنه مؤلف كتب الكيمياء وكتاب الجفر. ونشير خاصة إلى بداية أولية لنظرية الميزان في تخمينات الحروف عند أولئك الغنوسطيين الشيعة وفي كتاب جعفر الصادق (٣)، كتاب الجفر. ومن الممكن تأكيد هذا التخمين إذا ما عرف أن في الكتاب الغنوسطي اليهودي «سفر يصيرا» الذي يرجع إلى القرن الثامن الميلادي على الغالب، أن فيه تخمينا شبيها بالذي عند جابر فيما يتعلق بتبديل الحروف وأن فيه صلة واضحة باللغويين العرب. وتغدوا هذه الصلة القائمة بين الغنوسطية ونظرية الحروف التي تمثل العنصر الأساسي في كيمياء جابر أكثر وضوحا إذا ما فكر أن سعديا الفيومي (نحو ٩٣١ ب. م) كان على صلة في شرحه لسفر يصيرا بنظرية جابر، فنظريته في التركيب الكيميائي للجسم، وهي تقوم على القياس بين الحروف والعناصر، تشبه (٤) تماما تأملات جابر الكمية.
هذا ولا يمكن الجزم في موضوع المساهمة الموضوعية للكتب قبل جابر في تاريخ الكيمياء، ما دامت هذه الكتب لم تدرس بعد، فلقد أهملت إلى حد بعيد لما ساد من اقتناع في أنها تزييف من جهة، ولأن بعضها كان مجهولا بعد، من جهة أخرى. وكان ل روسكا تأثير حاسم في الحكم على هذه الكتب بأنها كتب مزيفة، وقد وصل هذا التأثير إلى حد أن كراوس لم يتطرق لدى إيضاح مسألة شخصية جابر التاريخية إلى دراسة أي كتاب من هذه الكتب، ونحن نرى، على عكس ذلك، أن العلوم وبخاصة الكيمياء- التي تمثلتها ثم طورتها الشعوب المتأثرة بالهلّينية خلال القرنين الأخيرين قبيل الإسلام، وجدت ملاذا لها في هذه الكتب التي كانت قبل جابر.
стр. 34
وفي موجز لجابر موجود في «مجموع السبعين كتابا» الذي صنف في حياة جعفر الصادق (ت: ١٤٨ هـ/ ٧٦٥ م)، فيه ما يعطينا، بشكل ملائم ومناسب، صورة واضحة عن علوم الكيميائيين العرب وتصورهم لتطوير الكيمياء، فلقد جاء عند جابر في هذا الموجز (١).
«اعلم أن المتعاقبين من الفلاسفة أعطوا من العلم سلّما طويلا وقوة عظيمة، فبلغوا بذلك إلى ما أرادوا، وأول من دبّر هذه الصنعة فيمن سمعنا خبره ولم ينقطع عنا، وإنه لبعيد العهد آريوس. لأن فوثاغورس، أقدم الفلاسفة (المعروفين)، يقول: قاله أبي آريوس كما نقول نحن أبونا آدم ﵇، والفلاسفة من بعد إذا بعدوا عهدا قالوا: قال أبونا فوثاغورس سمّته أباها لقدمه. فهذا (آريوس)، أول من دبر الحجر بالتدبير الأول (وأول من ذكر كلاما مرموزا في هذه الصناعة) ثم «ذكر أول عن أول وهذا يتناهى إلى الأول كله» (•) ويفيد كلامه أن الفلاسفة دبرت بعده بالتدبير الأول (على الحجر) من عهد آريوس إلى سقراط. ثم جاء بعد سقراط قوم بسطوا (••) التدبير الأول فقلبوه توهما أنه يبلغ ذلك المبلغ بالتكرير لا غير (وهذا سر تبسيطه) وفي تبسيطه «وفي كسره» عن مرتبته (التدبير الأول) فضائل عديدة منها:
١ - قرب مدته وسهولة عمله وترويج منفعته (زيادتها؟ ) فاعرفه! ثم إن قوما جاءوا بعد ذلك من الفلاسفة (فنظروا في التدبير الثاني) استطالوا التدبير لما رأوا أنه أمكنهم اختصاره بالحيل اللطيفة فعملوا شيئا سمّي التدبير الثالث ومنزلته من الثاني (•••) كمنزلة الثاني من الأول، فصار (هذا الثالث (••••) أحسن الجميع.
стр. 35
٢ - اعلم أنه في موضوع عمل الإكسير لم يعثر حتى اليوم، إلا على ثلاثة تدابير تؤدي من القوة والإمكانية إلى التحقيق. وسأشرحها هنا ليتضح لك بقدر الإمكان كل ما قدمناه لك من ملاحظات. أما التدبير الأول الذي بلغ الهدف الأقصى، فقد مارسه، كما تفيد الروايات التي جمعناها في ذلك، آريوس القديم وأخوه أستخانيوس (؟ ) جنبا إلى جنب مع آخرين من معاصريهما. هذا وقد استعمله فيما بعد هرقل وأغاذيمون ومن ثم سقراط، أعظم معلمي الكيمياء الذي لم يفقه أحد ممن جاء بعده. وأما التدبير الثاني فهو ما عمل به منذ أغاذيمون وحتى زماننا. فلقد قرب عمل التدبير الأول وما منع أن بلغ التدبير الثاني النتيجة ذاتها، ذلك لأنه عدل فيه ما أغفل، فما كان دون التدبير الأول؛ ومنزلة التدبير الثالث من الثاني كمنزلة الثاني من الأول.
٣ - « ... ثم لما امتزجت الأصول (الطبائع الأربع) واختلطت، وعلق كل عرض من هذه الأعراض بالجسم، ظهر الظاهر فأخبر أن في مقدور الإنسان أن يعمل عمل الطبيعة، ثم إنه ضرب مثالا ذلك بأن رد الأشياء إلى كيانها، فعمل المذابات ثم إنه ألزمها الطبخ دائما كدوام طبخ الطبيعة الذي لا يغير، فعمل المذابة أولا وهي شكل مدور على شكل الكرة وجعل ذلك في نهر على عمل الدولاب، وجعل دورانه دائما، ثم أوقد عليه وقودا دائما في الحفر الذي تحت المذابة، وجعل في المذابة الرصاص الأسرب أولا ولم يزل الطبخ يأخذه دائما حتى أخرجه فضة بيضاء، ثم أخذه الطبخ أيضا حتى أخرجه ذهبا، ثم كذلك دبر القلعي والحديد والنحاس حتى عملها كلها، وفعل مثل ذلك بالفضة فكان أول الصنعة هذا. ثم إنه غاب (المعلم الأول) فظهر ظاهر آخر فيه قوة عجيبة فعمل الإكسير الأعظم (كأول واحد) في المدة البعيدة أولا. ثم لم يزل الناس يعملون به إلى زمن أفلاطون العظيم، ثم إنهم أحبوا أن يلخصوه فقربوا مدته فصار على العشر مما عمل أولا. ثم لم يزل ينقص حتى بلغ إلى عشر العشر، ثم إن التراكيب والأعمال ظهرت وكان مما هي حق ثم إنهم عملوا ما ليس بشئ مثل المزيف والبهرج وغيره من جميع المحصولات (الظاهرية) فأفسدوا ما عملته الفلاسفةأولا. ثم ان الأصل (أصل الكيمياء) أيضا كان من (تفاعل) الطبائع لا من غيرها، فالوصول إلى معرفتها «معرفة الطبائع» ميزانها، فمن عرف ميزانها عرف كل ما فيها وكيف تركبت».
стр. 36
يستنتج من هذا الإيجاز أن جابرا كان يرى فى الكيمياء أنها نتيجة تطور عبر قرون، ولو أنه لم يعلم أن الجزء الأعظم من المؤلفات التي وصلته كان مزيفا وأن من امتدحهم من الثقات لم يكن لهم في الحقيقة دور مباشر، بل لم يكن لبعضهم أي دور في الكيمياء على الإطلاق. وهكذا، فإن مجموع جابر يعني خاتمة التطور السابق كما يعني التقنين والتصنيف الأخيرين في الكيمياء، فإلى جانب الشكل النظري المتكامل الموثق بالمنطق العلّي، فإن كيمياء جابر- تمشيا مع ما ذكره هولميارد (انظر بعده ص ٢٠١) - تعد بما نالها من «تغيير، علما تجريبيّا منتظما»، وهي بذلك تستحق، بلا شك، اسم «كيمياء».
لا يمكن، اعتمادا على الدراسات السابقة، وبحكم تعلقها بالتأريخ الرائج بالنسبة لبعض المؤلفات والعلماء، لا يمكن التعرف بسهولة على المسار الذي اتخذه هذا العلم في أوساط العلماء المسلمين- العرب. ومما يلفت النظر أن العرض المتعدد الوجوه لموضوع ما في كتب جابر، لا يلاحظ عند الرازي، وأن كيمياء الرازي تخدم الأغراض العملية فحسب. ففي هذه الناحية، يبدو أن الكيمياء في مؤلفات الرازي وابن سينا وأبي الحكيم الكاثي (نحو ٤٢٦ هـ/ ١٠٣٤ م)، قد تقدمت بعض الشئ.
إلا أن ظاهرة مهمة في تاريخ الكيمياء العربية- الإسلامية لا ينبغي تجاهلها وهي أن التطور لم يكن تطورا مستمرا وأن الأجيال المتأخرة لم تع أهمية العلم الذي أسسه جابر وعيا شاملا. يكفي أن يستشهد هنا بأن الفارابي الذي جاء بعد أكثر من مائة سنة لم يفهم من هذا العلم إلا أنه تحويل المعادن (انظر بعده ص ٤٢٦) وأن معاصره ابن أميل اتبع كيمياء القدامى المرموزة وانتقد هيكل أفكار جابر (انظر بعده ص ٤٢١).
***
стр. 37
٢ - المصادر
هرمس
يرى العرب أن هرمس (أو هرميس أو هرميس) هو إدريس وأخنوخ الذي عاش في مصر قبل الطوفان، كما يرون أن هناك هرمسا مصريّا وآخر بابليّا، كانا بعد الطوفان، ٢٩٧ - ٧٨٧، ssabier I) خولسون (chwolson ويسمى أحيانا هرمس الأول، كما يدعى هرمس المثلث]» he rmestrismegistos «(١) شتاين شنايدر. a.ubers: ص»، r.reitzenstein. (١٧٩) ١٨٧ رايتسن شتاين poimandres: «ص ١٧٤]. هذا وقد كان هناك اتفاق، على ما يظهر، في الخمسين سنة الأخيرة، على زمان نشأة الكتب اليونانية المنسوبة إلى هرمس، الأمر الذي يعد من الوجهة التاريخية العلمية أهم من معرفة شخصية heroseponymos. يرجع الفضل الأكبر في هذا إلى festugiere الذي قدم في دراسته العميقة الأصيلة بحثا ربما كان أكثر ما قدّم إقناعا. فهو يصنّف المصادر الكيميائية اليونانية والإغريقية وفقا ل xvolzaxaluvotlxa لصاحبه ديمقريطس المزعوم، «demokrit» أي اعتبارا من القرن الثاني أو القرن الأول قبل الميلاد، يصنفها على ثلاث مراحل. يشكل زوسيموس الذي عاش نحو ٤٠٠ ب. م نقطة التحول بين
стр. 38
المرحلتين الأوليين، وهو- كما يرى - festugiere يمثل بمفرده المرحلة الثانية. ولقد نحل أصحاب المدارس المختلفة في المرحلة الأولى، هرمس وأغاذيمون وأزيز وكليوباترة وأسطانس وماريا وتيوفلس «theophilos» ونحلوا غيرهم كتبا عديدة. أما مرحلة الشّراح فتبدأ اعتبارا من عام ٤٠٠ ب. م وتمتد حتى نهاية القرن السابع ب. م. (ر la revelationd'h ermestrismegiste I ص ٢٣٨ - ٢٤٠). وعليه فلا بدّ- وفقا لهذه الدراسة- أن تكون مرحلة التزييف اليوناني في مجال السيمياء، قد تمّت قبل القرن الميلادي الرابع.
أما مسألة الكتب الهرمسية «hermetismus» في ثوبها العربي، فقد نوقشت في ملحق موجز محاضرة ماسينيون l.massignon. (١) ولم يعالجماسينيون موضوع أصل الكتب الهرمسية المحفوظة باللغة العربية بشكل مباشر. ورأيه القائل بأن التنجيم الهرمسي كان قد نفذ (٢) حتى إبّان العهد الأموي إلى علم نشأة الكون الشيعي (si'i tischekosmogonie) وأن الشيعة الأوائل عرفوا (٣) نصوصا هرمسية في الكوفة، لم يتوصل إليها اعتمادا على ما توافر هنا وهناك من أخبار في المصادر أو ما يستفاد من بعض الكتب الهرمسية المحفوظة ذاتها، وإنما بناء على آثار بعض الأفكار المتناثرة في الطوائف الإسلامية. ويرى ماسينيون كذلك أن الرواية الإغريقية استطاعت أن تجد لها موطنا في الإسلام عن طريق نظرية نبوة إدريس- هرمس، بالرغم من أن علميّ القياس وما وراء
стр. 39
الطبيعة لأرسطوطاليس لم يكونا قد نقلا بعد (١)، صحيح أن بلسنر m.plessner كان محقّا في إشارته، فيما بعد، إلى أنه لا يجوز اعتبار رأي ماسينيون حكما نهائيا، وأن عرضه الببليوغرافي للآداب الهرمسية، عرض ناقص (٢). ومع هذا، فيبقى لماسينيون الفضل في أنه أكد معرفة المسلمين المبكرة للكتب الهرمسية، ناهيك عن رأي ماسينيون الذي وجد، فيما بعد، توثيقا وتصديقا عن طريق جرينياتشى (٣) m.grignaschi إن أهم سؤال يتعلق بالكتب الهرمسية الموجودة باللغة العربية في الوقت الحاضر هو فيما إذا كان يجب اعتبارها فعلا ترجمات عربية في تلك الحالات التي تصف نفسها بذلك أم أنها كلها أو الجزء الأعظم منها زيوف عربية. ولقد اعتقد يوليوس روسكا- وفقا لما تصوره عن النشأة المتأخرة للعلوم العربية- أن الجزء الأكبر منها لا يقوم على نماذج يونانية أو قبطية، «وإنما نشأ حوالي القرن العاشر أو الحادي عشر» وبالذات «بعد أن غدت الكيمياء موضة، فتمخضت عن آداب عربية أصيلة» (اللوح الزمردى ص ٦٧)، وما برح رأى روسكا هذا الذي صرح به في معظم دراساته وبأسلوب متشابه، ما برح أن فقد مع الزمن، قوة الإقناع.
ونحن ندين للعلماء الثلاثة لويس وتيلور وستابلتون g.l.lewis و f.sherwoodtaylor و stapleton بمحاولة من أهم محاولات اكتشاف مقتطفات عربية هرمسية في المصادر اليونانية، فلقد وجدوا في دراستهم الجماعية (٤) المنشورة عام ١٩٤٩ م
стр. 40
للقطعات الهرمسية الثلاثين الموجودة في كتاب «الماء الورقي» لابن أميل (مطلع القرن الرابع/ العاشر) وجدوا أن إحداها نسبت، فى النصوص اليونانية، إلى هرمس مباشرة، وأنه يمكن اكتشاف بعض المقتطفات الأخرى بصورة غير مباشرة (١). هذا ولقد قرّب ستابلتون، stapleton في دراسة ثانية، السؤال خطوة كبيرة من الإجابة، إذ استخدم (٢) بعض ما عرف من الكتب الكيميائية العربية والمنسوبة إلى علماء قدامى.
كما انتقد فى دراسته الأخيرة الآراء السائدة فيما يتعلق بنشأة الكيمياء العربية، وحاول أن يبيّن أن ما عرف من كتب منسوبة إلى القدامى، ما هو فى الواقع إلا ترجمات حقّا، ولربما بالغ في نظرته هذه حينما اعتبر بعض هذه الكتب أصلية من الأساس وأرجعها إلى عهد ما قبل الميلاد (انظر قبله ص ١٨).
ومن جهة أخرى فلقد عالج بلسنر m.plessner عام ١٩٥٤ م موضوع أصل الكتب الهرمسية (٣)، وناقش قبل كل شئ صلة هذه الدراسات بآراء ماسينيون المذكورة أعلاه، ثم طرح السؤال على النحو التالى: هل يمكن لنا أن نعتبر ما ورد في كتب هرمس العربية مجرد استمرار للأسلوب الأدبي التقليدي؟ أم إلى أى مدى ثبت أن محتويات هذه الكتابات كانت خير خلف لخير سلف؟ .