Полный текст (102 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
باب أقسام الكلام
فأول ما نذكر من ذلك إجماع النحويين على أن الكلام اسم وفعل وحرف وحقق القول بذلك وسطره في كتاب سيبويه, والناس بعده غير منكرين عليه ذلك.
نبدأ بما يسأل عنه أصحاب سيبويه وما يحتج به له. يقال لأصحابه وستئر من اعتقد هذا المذهب: من أين لكم أن كلام العرب كله اسم وفعل وحرف؟ وكيف حكمتم بذلك وشهدتم بصحته من غير دليل ولا برهان وإنما ذكره سيبويه في أول كتابه حين قال: "الكلام اسم وفعل وحرفجاء لمعنى" فقال قائلون: إنما قصد/ الكلام العربي دون غيره. وقال آخرون بل أراد الكلم العربي كله والعجمي. وفي ذلك احتجاج ونظر لم نقصد له في هذا الكتاب لأنا قد شرحناه في كتاب شرح الرسالة بجميع ما فيه, ولسنا نخاطبكم إلا على أنه قصد الكلم العربي دون سائر اللغات, لأن الجواب عن ذلك أسهل عليكم وأقرب. ثم مثل سيبويه كل صنف من ذلك ولم يقرنه بدليل قاطع ولا حجة فيدل على أن الكلام ثلاثة أقسام كما ذكروا, وأنه لا رابع لهذه الأقسام ولا خامس ولا أكثر من ذلك. فإن كنتم قبلتم ذلك عنه تقليداً من غير برهان ولا حجة, فأنتم في عمياء وشبهة فما دعاكم إلى قبول ذلك منه وقد علمتم أن النحو علم قياسي ومسيار لأكثر العلوم لا يقبل إلا ببراهين وحجج. ما خلا ما لزم قبوله من علوم الشريعة بعد وضوح الدلائل وإقامة البراهين والدلائل العقلية الحقيقية على لزوم الحجة, وأنتم
стр. 2
جعلتم أول قبولكم من صباحكم ما أدعاه من غير برهان ولا بيان وما نؤمنكم من أن يعارضه معارض يقول لكم: كلام العرب: أكثر من هذه الأقسام. فبأي شيء تصلون إلى بطلان دعواه وتصحيح دعوى صاحبكم؟
الجواب أن يقال له: إن من الأشياء أشياء تعرف ببديهة العقل بغير برهان ولا دليل بها يُستدل على المشكل الملبس والغامض الخفي؟ كما أنا نعلم بديهة بغير دليل أن وجود جسمٍ في حال واحدة ساكناً متحركاً محال ... إلا في حال خلق الله كما علم ذلك استدلالاً؛ وكما أنا نعلم أن وجود جسم واحد في مكانين في حال واحدة ووقت واحد محال؛ كما أن وجوده لا في مكان محال؛ ومن الأشياء ما يُعرف بالدلائل الواضحة القريبة المنفق عليها التي لا تشكل على أحد حتى تقوم مقام ما يعرف بديهة بغير استدلال.
ونحن نعلم أن الله إنما جعل الكلام ليعبر به العباد عما هجس في نفوسهم, وخاطب به بعضهم بعضاً بما في ضمائرهم مما لا يوقف عليه/ بإشارة ولا إيماء ولا رمز بحاجب ولا حيلة من الحيل, فإذا كان هذا معقولاً ظاهراً غير مدفوع فيبين أن المخَاطب والمخاطِب والمخبَّر عنه والمخبر (به) أجسام وأعراض تنوب في العبارة عنها أسماؤها, أو ما يعتوره معنى يدخله تحت هذا القسم من أمر أو نهي أو نداء أو نعت أو ما أشبه ذلك مما تختص به الأسماء, لأن الأمر والنهى إنما يقعان على الاسم النائب عن المسمى, فالخبر إذاً هو غير المخبر والمخبر عنه وهما داخلان تحت قسم الاسم, والخبر هو الفعل وما اشتق منه أو تضمن معناه وهو الحديث للذي ذكرناه ولابد من رباط بينهما وهو الحرف, ولن يوجد إلى معنى رابع سبيل فيكون للكلام قسم رابع, وهذا معنى قول سيبويه الكلم اسم وفعل وحرف, وقد رُوي لنا أن أول من قال ذلك أمير المؤمنين علي بن
стр. 3
أبي طالب صلوات الله عليه؛ أعني قوله الكلام اسم وفعل وحرف؛ ثم قال له: قد دللنا على صحة مذهب صاحبنا وأريناك أن اعتقادنا ليس تقليداً بل ببحث ونظر. والمدعى أن للكلام قسماً رابعاً أو أكثر منه مُخمن أو شاك؛ فإن كان متيقناً فليوجد لنا في جميع كلام العرب قسماً خارجاً عن أحد هذه الأقسام ليكون ذلك ناقضاً لقول سيبويه؛ ولن يجد إليه سبيلاً؛ وليس يجب علينا ترك ما قد تيقناه وعرفناه حقيقة وصح في العقول لشك من شك بغير دليل ولا برهان؛ لأن الشكوك لا تدفع الحقائق وبالله التوفيق؛
سؤال آخر على أصحاب سيبويه. يقال لهم: لم سمي سيبويه وغيره هذه الأشياء أسماء وأفعالاً وحروفاً؛ أعني قولهم رجل وزيد؛ وقام يقوم؛ ومن وإلى وما أشبه ذلك، وقد علمتم أنها كلها أفعال المتكلم لأنها كلام ونطق، والكلام يفعله المتكلم ويوجده بعد أن لم يكن، فهو فعل من أفعاله، ولستم ممن يقول إن الاسم هو المسمى لفساد ذلك عندكم/ فزيد إذاً غير من هو دال عليه. وقام في قولك قام زيد، ليست هذه اللفظة بفعل زيد إنما هي فعل المتكلم، وفعل زيد حركته وهذه عبارة عنها، وكذلك سائر هذه الأشياء إنما هي أفعال المتكلمين فلم رتبها النحويون هذه المراتب وسموها بغير استحقاقها؟
الجواب أن يقال: إن هذه الأشياء وإن كانت كما ذكرتم أفعالاً للمتكلمين الناطقين بها، فهي مختلفة المعاني متباينة المجاري في طريق الإعراب. وكل واحد منها له نحو في كلامهم ليس للآخر، ووجه ينفرد به، فلما كان ذلك كذلك وجب الفرق بينهما وأن يوسم كل جنس منها بأشكل الأشياء به، فجمع بذلك
стр. 4
أشياء، منها الفرق بين يعضها وبعض أنها وإن كانت قد جمعها أنها أفعال فهي أنواع. كما أن من أفعال العباد القيام والقعود والحركة والسكون وما أشبه ذلك ولكل نوع منها سمة ينفرد بها، وهي كلها أفعال. ومنها أن نعرف مجاريها في الإعراب، ومنها أن يسهل على متعلم العربية التوصل إليها إذا قسمت هذه الأشياء وفصلت وحصل لكل نوع منا ما ينفرد به وما يشركه فيه غيره، فلما لم يكن من ذلك بدٌ كان أولى الأشياء باللفظة الموضوعة على المسمى الدالة عليه، أن يقال لها اسم وإن كانت فعلاً لغيره، وهي دالة على المسمى بها وسمة له، فكان أولى الأشياء من هذه الأقسام الثلاثة المسمى فعلاً، ما كان عبارة عن فعل زيد وهي فعل للمتكلم فاعتورتها الفعلية من جهتين، فسميت لذلك فعلاً دون الاسم والحرف.
وسمي القسم الثالث حرفاً لأنه حد ما بين هذين القسمين ورباط لهما، والحرف حد الشيء، فكأنه لوصله بين هذين كالحروف التي تلي ما هو متصل بها، وهذا بيّن واضح. وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرد يقول "أجيز أن أسميها كلها أسماء" يذهب في ذلك/ إلى أن قولنا "زيد" كلمة دالة على مسمى، وقولنا "قام" كلمة دالة على حدث في زمان، وقولنا "إن ومن ولم" وما أشبه ذلك كلمة دالة على معنى، وكل واحد منها اسم لما دل عليه. وقال: "ويجوز أن اسميها كلها حروفاً. وكأنها قطع الكلام متفرقة. ويجوز أن اسميها أفعالاً" على غير طريقة أوضاع النحو بل على الحقيقة التي قدمنا ذكرها.
وأما الاحتجاج للأولين الذين زعموا أن الكلام كله اسم وفعل وحرف.
стр. 5
فجعلوا العربي وغيره في ذلك سواء، فهو بعينه الاحتجاج الذي تقدم ذكره لمذهب سيبويه، لأن الكلام إذا كان مقصوداً به الإبانة عن الضمائر ومحتاجاً إليه للخطاب والمحاورات فكل فريق يخاطب بلغته كخطاب من تأتيه في لغته. وإن كان تقدم في ذلك للعرب حسن بيان، وفضل نظم وحكمة، لما حباها الله بذلك تخصيصاً منه وتكرمة، فإذا كان كذلك، كان مرجع ذلك كله إلى أصل واحد، وهذا غير مشكل، وقد اعتبرنا ذلك في عدة لغات عرفناها سوى العربية فوجدناه كذلك، لا ينفك كلامهم كله من اسم وفعل وحرف، ولا يكاد يوجد فيه معنى رابع ولا أكثر منه؛ وإن كان ليس له ترتيب العربي ونظمه وحسن تأليفه؛ فأما القول فيما قاله سيبويه في كتابه هذا باب علم ما الكلم من العربية، وما في ذلك من الألفاظ والوجوه؛ فقد ذكرته أجمع في كتاب أفردته لتفسير رسالة كتاب سيبويه، فكرهت تطويل هذا الكتاب.
стр. 6
باب القول في اختلاف النحويين في تحديد الاسم والفعل والحرف
فإن قال قائل: لم اختلف النحويون في تحديد الاسم والفعل والحرف؟ وهل يجوز أن يختلف الحد إذا كان قولاً وجيزاً يدل على طبيعة الشيء الموضوع له عند الفلاسفة؟
وعندنا الحد هو الدال على حقيقة الشيء؛ فكيف يجوز اختلاف هذا وهل يجوز أن يُحد الإنسان/ لمن سأل عن حده إلا بأن يقال له: الحي الناطق المائت؛ لأن هذا هو حده على الحقيقة وينعكس عليه بمعناه؛ كقولنا: المائت الناطق الحي هو الإنسان؛ ولا يجوز أن يحد الإنسان بغير هذا الحد؛ فإن حده بغيره إنسان كان مخطئاً؛ إلا أن يعدل عن حده إلى بعض صفاته ورسومه الدالة عليه كقولنا: الإنسان حيوان ذو رجلين منتصب القامة ضحاك؛ وما أشبه ذلك.
الجواب أن يقال: إن الحد لا يجوز أن يختلف اختلاف تضاد وتنافر؛ لأن ذلك يدعو إلى فساد المحدود وخطأ من يحده؛ ولكن ربما اختلفت ألفاظه على حسب اختلاف ما يوجد منه؛ ولا يدعو ذلك إلى تضاد المحدود؛ كما يوجد الحد تارة من الأجناس والفصول؛ وتارة من المواد والصور لأن المادة تشاكل الجنس؛ والصورة تشاكل الفصل؛ ألا ترى أن الفلاسفة الذين هم معدن هذا العلم - أعني معرفة الحدود والفصول والخواص وما أشبه ذلك - قد اختلفوا في تحديد الفلسفة
стр. 7
نفسها اختلافاً، فقال بعضهم: الفلسفة إتيان الحكمة. وقال بعضهم: الفلسفة معرفة طبيعية لجميع الأشياء الموجودة. وقال آخرون: الفلسفة معرفة الأشياء الموجودة الإلهية، ويعنون المدركة عقلاً، ومعرفة الأشياء الإنسية، يعنون الأشياء المدركة بالحواس. وقال بعضهم: الفلسفة معاناة الموت، أي تعاطي الموت، يعني إماتة الشهوات، وهذا زعموا حد أفلاطن. وقال آخرون: الفلسفة الاقتداء بالباري حسب طاقة المخلوق. وقال ارسطاطاليس: الفلسفة صناعة الصناعات وعلامة العلوم. أفلا تراهم كيف قد اختلفوا هذا الاختلاف، وليس فيه تناقض لأن كل واحد منهم قصد إلى طريقٍ ما فحدها منه، وإنما ذكرنا هذه الألفاظ في تحديد/ الفلسفة ها هنا وليس من أوضاع النحو لأن هذه المسألة تجيب عنها من يتعاطى المنطق وينظر فيه. فلم نجد بداً من مخاطبتهم من حيث يعقلون، وتفهيمم من حيث يفهمون. فكذلك يقول النحويون لهم أيضاً في تحديد الاسم والفعل والحرف، كأن لكل فريق منهم غرضاً في تحديده وقصده. فمنهم من أراد التقريب على المبتدئ، فحدها من جهة تقرب عليه. ومنهم من أراد حصر أكثرها، فأتى به. ومنهم من طلب الغاية القصوى والحد على الحقيقة، فحدها على الحقيقة على ما ذكرنا. وليس في شيء مما أتوا به ما يخرج عما ذكرناه. وذلك بين في كلامهم لمن تدبره. وهو نظير ما تقدم ذكره من تحديد الفلسفة.
стр. 8
باب معرفة حد الاسم والفعل والحرف
قد حد النحويون هذه الأشياء على ضروب. وذكر كلها يطول ويطيل الكتاب، وقد شرطنا الاختصار والإيجاز، فنذكر أجود ما قيل في ذلك، والمختار منه، وما يلزم من خالف، وما اخترناه، وبالله التوفيق.
حد الاسم
الاسم في كلام العرب ما كان فاعلاً أو مفعولاً أو واقعاً في حيز الفاعل والمفعول به. هذا الحد داخل في مقاييس النحو وأوضاعه، وليس يخرج عنه اسم البته. ولا يدخل فيه ما ليس باسم، وإنما قلنا في كلام العرب، لأنا له نقصد، وعليه نتكلم، ولأن المنطقيين وبعض النحويين قد حدوه حداً خارجاً عن أوضاع النحو، فقالوا: الاسم صوت موضوع دال باتفاق على معنى غير مقرون بزمان. وليس هذا من ألفاظ النحويين ولا أوضاعهم، وإنما هو من كلام المنطقيين وإن كان قد تعلق به جماعة من النحويين. وهو صحيح على أوضاع المنطقيين ومذهبهم لأن غرضهم غير غرضنا، ومغزاهم غير مغزانا، وهو عندنا على أوضاع النحو غير صحيح، لأنه يلزم منه أنه يكون كثير من الحروف أسماء، لأن من الحروف ما يدل على معنى دلالة غير مقرونة بزمان، نحو إن ولكن وما أشبه ذلك.
فإن قال المحتج منهم: هذا غير لازم لأنا إذا قلنا "زيد" فقد دل على مسمى تحته دلالة غير مقرونة بزمان، وإذا قلنا "أن ولكن" لم يدل على شيء؛ ولم
стр. 9
يكن كلاماً حتى يقرن بجملة. قيل له: الاسم يدل على مسماه كما ذكرت، ولا تحصل منه فائدة مفرداً حتى نقرنه باسم مثله، أو فعل، أو جملة، وإلا كان ذكرك له لغواً وهذراً غير مفيد. وكذلك الحرف إذا ذكرته دل على المعنى الموضوع له، ثم لم تكمل الفائدة بذكرك إياه حتى تقرنه بما تكمل به فائدته، فهو والاسم في هذا سواء لا فرق بينهما.
وقال آخرون: الاسم صوت موضوع دال باتفاق على معنى بلا زمان، ولا يدل جزؤه على شيء من معناه. وهذا أيضاً من كلام القوم، وإن كانت فيه هذه الزيادة اليسيرة، وقد مضى القول فيه.
وأما سيبويه فلم يحد الاسم حداً يفصله من غيره، ولكن مثله فقال "والاسم رجل وفرس". فقال أصحابه ترك تحديده ظناً منه أنه غير مشكل، وحد الفعل لأنه عنده أصعب من الاسم. ونحن نذكر ما حده به في موضعه.
وقال الأخفش سعيد بن مسعدة: الاسم ما جاز فيه نفعني وضرني. يعني ما جاز أن يخبر عنه، وإنما أراد التقريب على المبتدئ كما ذكرت لك فيما مضى ولم يرد التحقيق. وفساد هذا الحد بين، لأن من الأسماء ما لا يجوز الإخبار عنه نحو كيف وأين ومتى وأنى وأيان، لا يجوز الإخبار عن شيء منها، وهي داخلة في حدنا الذي قدمنا ذكره لأنها في حيز المفعول به لأن "كيف" سؤال عن الحال، والحال مفعول بها عند البصريين، وعند الكسائي هي مضارعة للوقت
стр. 10
والوقت مفعول فيه. وهي عند الفراء بمعنى الجزاء الممكن وغير الممكن. وله في ذلك شرح طويل، إلا أنه لا يتبع الفعل بعد الفاعل إلا مفعول، أو ما كان في حيزه. و "أين" وأخواتها ظروف، والظروف كلها مفعول فيها، وقال آخرون: الاسم ما دل على مسمى. وهذا وصف له لا حد.
وقال أبو بكر بن السراج: الاسم ما دل على معنى، وذلك المعنى يكون شخصاً وغير شخص. وهذا أيضاً حد غير صحيح، لأن قوله الاسم ما دل على معنى يلزمه منه أن يكون ما دل من حروف المعاني على معنى واحد اسماً نحو أن ولم وما أشبه ذلك. وليس قوله وذلك المعنى يكون شخصاً وغير شخص، بمخرج له عما ذكرنا، بل يؤكد عليه الإلزام، لأنه إن جعل أحد قسمي المعنى الذي دل على الاسم واقعاً على غير شخص، فحروف المعاني داخلة معه، وهذا لازم له.
وكان مما اختاره أبو الحسن بن كيسان عند تحصيله وتحقيقه أن قال حاكياً عن بعض النحويين: الأسماء ما أبانت عن الأشخاص، وتضمنت معانيها نحو رجل وفرس، ثم قال: وهذا قول جامع. وعوار هذا الحد أظهر من أن نكثر الكلام فيه، لأن من الأسماء ما لا يقع على الأشخاص وهي المصادر كلها. ولابن كيسان في كتبه حدود للاسم غير هذا هي من جنس حدود النحويين. وحده في الكتاب المختار بمثل الحد الذي ذكرناه من كلام المنطقيين.
стр. 11
فأما حد أبي العباس المبرد للاسم فهو الذي ذكره في أول المقتضب، حين قال الاسم ما كان واقعاً على معنى، نحو رجل وفرس وزيد وعمرو وما أشبه ذلك، ويعتبر الاسم بواحده كل ما دخل عليه حرفٌ من حروف الخفض فهو اسم، فإن امتنع من ذلك فليس باسم. وليس غرض أبي العباس ها هنا تحديد الاسم على الحقيقة، وإنما قصد التقريب على المبتدئ، فذكر أكثر ما يعم الأسماء المتمكنة. وقوله ما دل على معنى هو الذي أخذه ابن السراج وقسمه قسمين حين قال: وذلك المعنى يكون شخصاً وغير شخص. وقد ذكرنا ما يلزمه.
وقد أخذ على المبرد أيضاً في هذا الحد قوله: ما دخل عليه حرف خفض فهو اسم، وما امتنع منه فليس باسم. وقيل: إن من الأسماء ما لا تدخل عليه حروف الخفض، نحو: كيف، وصه، ومه، وما أشبه ذلك. وللمناضل عن أبي العباس في هذا جوابان: أحدهما ما قدمنا ذكره، وهو أنه قصد الإبانة عن الأسماء المتمكنة الجارية بالإعراب، أو المستحقة له، وهي لا تنفك مما ذكرته، ولم يرد الإحاطة بالأسماء كلها.
والجواب الآخر هو ما احتججت به أنا عنه، واستخرجته له، ولم أر أحداً من أصحابنا ذكره. أقول: إن حد أبي العباس هذا في قوله تعتبر الأسماء بدخول حروف الخفض عليها، غير فاسد، لأن الشيء قد يكون له أصل مجتمع عليه، ثم يخرج منه بعضه لعلة تدخل عليه، فلا يكون ذلك ناقضاً للباب، بل يخرج منه ما خرج بعلته، ويبقى الثاني على حاله. ألا ترى أن إجماع النحويين كلهم على أن أصل الإعراب للأسماء، وأصل البناء للحروف والأفعال، غير طائفة زعموا
стр. 12
أن الأفعال أيضاً مستحقة في الأصل للإعراب، إلا أنهم مجمعون على أن الأسماء كلها مستحقة في الأصل للإعراب، ثم نرى كثيراً منها غير مُعرب لعلل فيها، ولا يكون ذلك مخرجاً لها عن الاسمية. وكذلك الأفعال عند البصريين خاصة، كلها مستحقة للبناء لعللٍ نذكرها في موضعها من هذا الباب، ثم قد رأينا جنساً منها مُعرباً لسبب أوجب له ذلك، وليس ذلك بمُخرجِ له من الفعلية. ولهذا نظائر كثيرة. وكذلك الأسماء مستحقة لدخول حروف الخفض عليها في الأصول، ثم إن عرض لبعضها علة تمنعه من ذلك، فليس ذلك يناقض لحدها واستحقاقها. وهذا بين لمن تدبره.
سؤال على أصحاب المبرد وغيره. إن قال قائل: فما العلة التي منعت هذه الأسماء من دخول حروف الخفض عليها، وقد ذكرت أن الأسماء كلها مستحقة لدخول حروف الخفض عليها وأنه لا يمتنع من ذلك إلا ما دخلته علة؟
الجواب أن يقال: أما "كيف" فإنما امتنعت من ذلك لأنها سؤال عن حال، والحال لا يسوغ دخول حروف الخفض عليها في قولك هذا عبد الله صحيحاً وذاك عبد الله منطلقاً، وأقبل زيد راكباً، فكان ما وُضع موضع الحال ممتنعاً مما امتنعت منه. أما "صه ومه" فإنهما واقعان موقع فعل الأمر. فمعنى صه اسكت ومعنى مه اكفف، ودخول حروف الخفض على الفعل محال، لعلل تذكر في موضعها من هذا الكتاب، فلذلك لا تدخل على ما وقع موقعه. وقد حُدت الأسماء بحدود كثيرة غير هذا، كرهنا الإطالة بذكرها، لأن فيما ذكرنا دليلاً عليها.
حد الفعل
الفعل على أوضاع النحويين، ما دل على حدث، وزمان ماض أو مستقبل
стр. 13
نحو قام يقوم: وقعد يقعد، وما أشبه ذلك. والحدث المصدر. فكل شيء دل على ما ذكرناه معاً فهو فعل. فإن دل على حدث وحده فهو مصدر؛ نحو الضرب والحمد والقتل. وإن دل على زمان فقط فهو ظرف من زمان. وهذا معنى قول سيبويه "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبُنيت لما مضى ولما يكون ولما هو كائن لم ينقطع". وقد أشبعت المعنى في تفسير كلام سيبويه هذا، في تفسير رسالته فكرهت الإطالة بإعادته ها هنا، لأنه ليس موضعه.
وحد بعض النحويين الفعل بأن قال: هو ما كان صفة غير موصوف؛ نحو قولك: هذا رجل يقوم. فيقول صفة لرجل؛ ولا يجوز أن تصف يقوم بشيء. قيل له فإن الظروف قد تكون صفات للأسماء، ولا توصف هي. فقال: الظروف واقعة مواقع الأفعال، فالأفعال على الحقيقة هي التي يوصف بها. وليس ما قاله بشيء، لأنا قد نرى الظروف توصف في قولنا: مكاناً طيباً، ومكاناً حسناً وجلسنا مجلساً واسعاً، وما أشبه ذلك.
وقد ذكرنا أن الأفعال عبارة عن حركات الفاعلين، وليست في الحقيقة أفعالاً للفاعلين، إنما هي عبارة عن أفعالهم، وأفعال المعبرين عن تلك الأفعال. وإن كان ذلك كما ذكرنا، والحركة لا تبقى وقتين، بطل من ذلك أن يكون فعل دائم. فمحال قول من قال من الكوفيين فعل دائم. ونحن نذكر حقيقة القول في فعل الحال في موضعه إن شاء الله.
стр. 14
وأما القول في الفعل والمصدر، وأيهما مأخوذ من صاحبه، فإنا نذكره بعقب هذا الباب إن شاء الله.
حد الحرف
الحروف على ثلاثة أضرب، حروف المعجم التي هي أصل مدار الألسن عربيها وعجميها، وحروف الأسماء والأفعال. والحروف التي هي أبعاضها نحو العين من جعفر والضاد من ضرب وما أشبه ذلك، ونحو النون من أن واللام من لم وما أشبه ذلك. وحروف المعاني التي تجئ مع الأسماء والأفعال لمعان.
فأما حروف المعجم فهي أصوات غير متوافقة، ولا مقترنة، ولا دالة على معنى من معاني الأسماء والأفعال والحروف، إلا أنها أصل تركيبها.
وأما الحروف التي هي أبعاض الكلم، فالبعض حد منسوب إلى ما هو أكثر منه، كما أن الكل منسوب إلى ما هو أصغر منه.
وأما حد حروف المعاني وهو الذي يلتمسه النحويون، فهو أن يقال: الحرف ما دل على معنى في غيره، نحو من وإلى وثم وما أشبه ذلك. وشرحه أن "من" تدخل في الكلام للتبعيض، فهي تدل على تبعيض غيرها، لا على تبعيضها نفسها، وكذلك إذا كانت لابتداء الغاية، كانت غاية غيرها. وكذلك سائر وجوهها. وكذلك "إلى" تدل على المنتهى، فهي تدل على منتهى غيرها، لا على منتهاها نفسها، وكذلك سائر حروف المعاني.
стр. 15
وقال بعض النحويين: الحرف ما خلا من دليل الاسم والفعل. وقال آخرون: الحرف ما لا يستغنى عن جملة يقوم بها نحو: لن يقوم زيد، وما خرج بكر، وإن أخاك شاخص، وإن محمداً في الدار. لابد أن يكون بعده إسمان، أو اسم وفعل، أو اسم وظرف. وهذا وصف للحرف صحيح ليس بحد له. وقال بعضهم: الحرف ما خلا من دليلي الاسم والفعل، فلم يسغ فيه شيء مما ساغ فيهما. وهذا وصف للحرف وليس بحد له، وحده ما ذكرته لك.
стр. 16
باب القول في الفعل والمصدر. أيهما مأخوذ من صاحبه
قال سيبويه وجميع البصريين: الفعل مأخوذ من المصدر سابق له فهو اسم الفعل. وهذا معنى قول سيبويه "وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء" وأحداث الأسماء المصادر. وفي الكلام اختصار وحذف تقديره من لفظ أحداث أصحاب الأسماء. ويجوز أن يكون أقام الأسماء مقام المسميات بها في الإخبار عنها، إذ كان لا يُتوصل إليها إلا بهما كما ذكرنا، فيقول قام زيد قياماً، قام مأخوذ من القيام. وكان يجب أن يقال فعل زيد القيام. واستدل بحروف قام على الحدث، وببنائه على الزمان، وبحركاته على تسمية الفاعل بعده.
قال الفراء وجميع الكوفيين: المصدر مأخوذ من الفعل، والفعل سابق له وهو ثانٍ بعده.
نبدأ بذكر احتجاج البصريين لمذهبهم لأنه عندنا الصحيح. ونذكر بعده احتجاج الكوفيين لمذهبهم وإلزامهم البصريين ما ألزموه، وانفصال البصريين منه إن شاء الله.
دليل البصريين على أن المصدر قبل الفعل. قالوا: من الدليل على أن الفعل مأخوذ من المصدر أن المصدر اسم الفعل. وقد اتفقا جميعاً على أن الاسم سابق الفعل، فوجب أن تكون المصادر سابقة للأفعال. ألا ترى أنا نفعل الضرب
стр. 17
والخروج والأكل وما أشبه ذلك قبل فعل زيدٍ له، ثم يفعله زيد فيخبر عنه بذلك، ولولا أنا نفعله ونعرفه لم نفهم الإخبار عنه. والمصدر الحدث، لأنه الحدث الذي أحدثه زيد، ثم حُدث عنه، والفعل حديث عنه، والحدث سابق للحديث عنه
اعتراض على من احتج منهم. قيل له: ليس الأمر كما ذهبت إليه، ولسنا نقول: إن الأسماء قبل الأفعال مطلقاً، بل نقول إن الاسم قبل فعله الذي يفعله، وقد اصطلحنا على أن نريد بالاسم المسمى في هذا الفصل لأنه ينوب عنه في الإخبار فنقول زيد سابق لفعله الذي يفعله، وليس يجب من هذا أن يكون سابقاً لفعل غيره، وإذا كان هذا كما ذكرنا فليس يجب أن يكون المصدر، إذا كان اسماً لفعل، أن يكون سابقاً له، لأنا لا نطلق أيضاً أن يكون الاسم سابقاً للمسمى، ولا موجوداً بعده، بل اسمه لازم له موجود معه حين وجوده، وإنما نريد بالاسم معنى استحقاقه التسمية، ألا ترى شخصاً ما حين وجوده يجوز أن تسميه زيداً، ثم تنقله عنه فتسميه بكراً، ثم تنقله عنه فتسميه عمراً، واستحقاقه للاسمية لم ينتقل عنه وهو موجود بوجوده، ألا ترى أنه يقع عليه شيء ولا يفارقه، فهو شيء على كل الأحوال. ولذلك غلط قوم فتوهموا أن الاسم هو المسمى. وقد يسمي بعضهم المعدوم شيئاً. وأباه آخرون. واحتج الأولون بقول الله (كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) فقالوا قد سمى المعدوم شيئاً. وقال مخالفوهم ليس كذلك لأن السراب ليس بمعدوم على الحقيقة لأنه لمعان الشمس على الحصا في اشتداد الحر عند الهاجرة. ولمعان الشمس هو شيء ما، ليس بمعدوم فلما نظر إليه العطشان من بُعد، لم يكن في قوة بصره إدراكه على الحقيقة، فظن لمعان الشمس ضوء الماء فلما قرب منه وتبينه لم يجده كما توهمه. فقوله "لم يجده شيئاً" [يعني شيئاً] توهمه أو شيئاً ينفعه. والله أعلم.
стр. 18
وليس يجوز أن تعود هذه الكنايات كلها على غير شيء في الحقيقة. ومثل هذا رجل رأى شخصاً من بعيد، فشبهه بإنسان يعرفه فقال هذا فلان، فلما قرب منه تبينه، فهذا مثله وإن كان ذلك أخفى، فإذا قد ثبت أن الاسم لا يسبق المسمى، فقد بطل احتجاجكم بسبق المصدر الفعل لأنه اسمه، وأنه واجب من ذلك أن يكون قبله سابقاً له.
الجواب. يقال لمن احتج بهذا وعارض به: وليس أيضاً ما قلتموه مسلماً لكم من أن الاسم لا يسبق المسمى ولا يتأخر عنه. فقد علمتم أنكم مخالفون في ذلك. وليس غرضنا إثبات حقيقة تقدم الاسم والمسمى، وإنما نحن في مجاري الخطاب وكلام العرب، ولا خلاف بيننا أن في كلام العرب وأوضاع النحويين الاسم قبل الفعل حسب ما تقدم اتفاقنا عليه، فنحن ندع ما فيه الخلاف من ذلك ونرجع إلى المتفق عليه في مجاري الإعراب وأوضاع النحو لأنه غرضنا الذي نتكلم عليه ونجادل عنه. فقد صح أن الاسم قبل الفعل، والمصدر اسم فقد صح أنه قبل الفعل وبالله التوفيق.
دليل آخر للبصريين. قالوا: من الدليل أيضاً على أن المصدر قبل الفعل وأن الفعل منه، أن المصدر في اللغة هو المكان الذي يصدر عنه، كقولنا هذا مصدر الإبل للمكان الذي تصدر عنه، فعلى ما توجبه حقيقة اللغة هو الشيء الذي يصدر عنه الفعل. ولو كان هو صدر عن الفعل سُمي صادراً لا مصدراً وهذا بين واضح.
دليل آخر للبصريين، كان شيخنا أبو إسحق الزجاج ﵀، يستدل به، قال: لو كان المصدر بعد الفعل، وكان مأخوذاً من الفعل، لوجب أن يكون لكل مصدر فعل قد أخذ منه، لا محيص عن ذلك ولا مهرب منه. فلما رأينا في كلام العرب مصادر كثيرة لا أفعال لها البتة مثل العبودية والرجولية والبنوة والأمومة
стр. 19
والأموة وما أشبه ذلك مما يطول تعداده من المصادر التي لم تؤخذ من الأفعال. ورأينا في كلامها أيضاً مصادر جارية على غير ألفاظ أفعالها، نحو الكرامة والعطاء وما أشبه ذلك، علمنا أنه ليست الأفعال أصولاً للمصادر إذ كانت المصادر توجد بغير أفعال، وعلمنا أن المصادر هي الأصول فمنها ما أخذ منه فعل، ومنها ما لم يؤخذ منه فعل. وهذا بين واضح.
دليل آخر للبصريين. كان أبو بكر بن السراج يستدل به. قال: لو كانت المصادر مأخوذة من الأفعال جارية عليها، لوجب ألا تختلف كما لا تختلف أسماء الفاعلين والمفعولين الجارية على أفعال، نحو ضارب ومضروب وشاتم ومشتوم ومُكرِم ومُكرَم وما أشبه ذلك مما لا ينكسر. ورأينا المصادر مختلفها أكثر مما جاء منها على الفعل، كقولنا شرب شُرباً وشَربا ومشربا وشرابا وعدل عن الحق عدلا وعُدولا وما أشبه ذلك، علمنا أنها غير جارية على الأفعال وأن الأفعال ليست بأصولها
دليل آخر للبصريين. قال بعض أهل النظر منهم، الدليل على أن المصدر أصل الفعل، أنه يوجد لفظه وحروفه في جميع أنواع الفعل كيف صرف، كقولنا خرج يخرج وأخرج واستخرج ويخارج. وقتل يقتل وقاتل وتقتل واستقتل، فلفظ المصدر الذي هو أصله موجود فيه في جميع فنونه فعلمنا أنه أصله ومادته. ألا ترى أن الفضة أصل لجميع ما يصاغ منها، فهي موجودة المعنى فيه، فإن صغت كوزاً أو إبريقا أو خاتما وقُلبا وخلخالا وغير ذلك فمعناها موجود في جميع ما يصاغ منها، وليس معاني ما يصاغ منها موجوداً فيها مُفردة، فكذلك معنى المصدر موجود في جميع الأفعال المشتقة منه وليس معنى فعل واحد منها موجوداً في المصدر
стр. 20
نفسه، ألا ترى أنه ليس في الضرب معنى فعل ماض ولا مستقبل موجوداً فهذا أحسن ما قيل في هذا وأدقه وألطفه.
دليل الكوفيين على أن المصدر مأخوذ من الفعل. قالوا: الدليل على أن المصدر مأخوذ من الفعل، وأن الفعل أصل للمصدر أن المصدر يعتل إذا اعتل الفعل، ويصح إذا صح، فتقول: قام زيد قياما، فتعل القيام لاعتلال قام. وكذلك تقول: وعد يعد عدة فتعل عدة لاعتلال يعد. وتقول عور الرجل يعور عوراً وحول حولا، ورصيد البعير صيداً، فيصح المصدر لصحة فعله، فعلنا بذلك أن المصادر بعد الأفعال، تابعة لها، وأن الأفعال هي الأصول التي أخذت منها فلذلك تبعتها في التصحيح والاعتلال.
إفساده والجواب عنه. قال لهم البصريون ومن يحتج عنهم ويقول بمذهبم لو كان اعتلال الفعل يوجب اعتلال مصدره، لوجب ألا يوجد فعل معتل إلا ومصدره معتل، ولا يوجد لفعل معتل مصدر صحيح. فلما رأينا الأفعال تعتل وتصح مصادرها كقولنا وعد وعداً، ووزن وزناً، وقام قومه، وكال يكيل كيلاً، ومال يميل ميلاً، وما أشبه ذلك مما يطول تعداده من الأفعال المعتلة التي صحت مصادرها، علمنا أنه ليس اعتلال الأفعال علة موجبة لاعتلال المصادر، وإنما يعتل من المصادر ما لزمه من الثقل ما لزم الفعل، وما لم يلزمه ذلك صح معناه فلم يجب من ذلك أن تكون المصادر مشتقة من الأفعال كما زعمتم لمفارقتها لها في الاعتلال الذي جعلتموه دليلكم.
دليل آخر للكوفيين: قال أبو بكر بن الأنباري يذكر أنه هو استخرجه
стр. 21
ويحتج به ويعتمد عليه ويردد ذكره في كتبه، قال: الدليل على أن المصادر بعد الأفعال، وأنها مأخوذة منها أن المصادر تكون توكيداً للأفعال كقولك ضرب زيد ضربا، وخرج خروجاً، وقعد قعوداً وما أشبه ذلك، فلا خلاف في أن المصادر ها هنا توكيد للأفعال. والتوكيد تابع للمؤكد ثانٍ بعده، والمؤكد سابق له، فدل ذلك على أن المصدر تابع للفعل، مأخوذ منه، وأن الفعل هو الأصل الذي أخذ منه.
القول في إفساد هذا الحجاج والرد عليه. قلت أنا للمحتج من الكوفيين بهذا الاحتجاج: ليس الأمر كما ذهب إليه، وذلك أن المصدر إنما سمي هنا توكيداً للفعل من قولنا ضرب زيد ضربا؛ لأنه لا فائدة فيه أكثر مما في الفعل؛ وكذلك قام زيد قياماً وما أشبه ذلك، فليس فيه فائدة أكثر مما في قام، وإنما قام النحويون تقدير أن يكون أراد أن يقول قام قام، وضرب ضرب، فيكون للفعل تشديداً وتوكيداً فاستقبحوا ذلك، فبدلوا أحد اللفظين مصدراً ليكون أحسن. وليس هو بتوكيد يتبع المؤكد على الحقيقة كتواكيد الأسماء التي تتبع المؤكد نحو قولك نفسه وعينه وأجمع واكتع. والدليل على صحة ما قلناه إجماع الكوفيين والبصريين على إجازتهم قياماً قمت، وضرباً ضربت زيدا، فيقدمون المصدر على الفعل، ولو كان توكيدا له على الحقيقة، تابعا كتواكيد الأسماء، لما جاز تقديمه عليه كما لا يجيزون نفسه ضربت زيدا. وهذا بين واضح. ومع ذلك فليس في كلام العرب توكيد مشتق من لفظ المؤكد، مأخوذ منه، فيكون المصدر ملحقا به في أن يكون مشتقاً من الفعل توكيدا له. وهذا واضح.
مسألة جرت بيني وبين أبي بكر بن الأنباري في المصدر. قلت: له مرة:
стр. 22
ما المصدر في كلام العرب من طريق اللغة؟ فقال: المصدر المكان الذي يصدر عنه، كقولنا مصدر الإبل وما أشبهه. ثم نقول مصدر الأمر والرأي تشبيها والمصدر أيضاً هو الذي يسميه النحويون مصدراً، كقولنا ضرب زيد ضربا ومضربا وقام قياما ومقاما وما أشبهه، والمفعل يكون مكانا ومصدرا. قلت له: فإذا كان كذلك فلم زعم الفراء أن المصدر مصدر الفعل؟ وبأي قياس جعله بمعنى الفاعل، وقد صح عندك أنه يكون مفعولاً به بمعنى مصدر أو مكان كما ذكرت؟ وهل يُعرف في كلام العرب مفعل بمعنى الفاعل، فيكون المصدر ملحقا به؟ فقال: ليس هو كذلك عند الفراء، إنما هو عنده بمعنى مفعول، كأنه أصدر عن الفعل، لا إنه هو صدر عنه، فهو بمعنى مفعول، كما قيل هذا مركب فاره، ومعناه مركوب فاره، ومشرب عذب، ومعناه مشروب عذب. قال الشاعر:
(وقد عاد عذب الماء بحراً فزادني ... على ظمئي أن أبحر المشرب العذب).
أراد المشروب العذب. يقال أبحر الماء واستبحر إذا صار ملحاً غليظاً. قلت له: ليس يجب أن يجعل دليله على صحة دعواه ما ينازع فيه، ولا يسلم له، ولا يجده في كلام العرب.
قال: فأين وجه المنازعة ها هنا؟ قلت له: اجتماع النحويين كلهم على أن المفعل (يكون بمعنى المصدر والمكان. فالمأكل) يكون بمعنى الأكل والمكان والمشرب بمعنى الشرب والمكان، ومنه قيل رجل مقنع أي مقنوع به، وليس في كلام العرب مفعل للمفعول به ليس فيه مَكرم بمعنى مُكرم، ولا معطى
стр. 23
بمعنى مُعطى، ولا مفعل بمعنى مُفعل، إنما يجيء المفعل بمعنى المفعول، فهل تعرف أنت في كلامهم، أو تذكر له شاهداً من شعر أو غيره أو رواية أو قياساً يُعمل عليه؟ قال: إن أصحابنا يقولون المصدر جاء بمعنى مفعل شاذاً ولا يقاس عليه إنما هو اختصاص غير مقيس عليه، والشواذ في كلامهم غير مدفوعة. قلت له: أما إذا صاروا إلى باب السهول والدعاوي بغير برهان، فالكلام/ بيننا ساقط. فأما من الشهوات والدعاوي بغير برهان، فأما الشواذ فإنما نقبل ما نقلته الرواة وسمع منها في شعر أو شاهد كلام لا ما يدعيه المدعون قياساً. قال؛ فقد قال بعض أصحابنا إن المصدر بمعنى الانصدار، كأنه ذو الانصدار منه، كما قيل المسلم المؤمن، ومعناه السلامة. قلت له: فقد رجع القول بنا إلى أنه في معنى فاعل وقد مضى القول فيه.
فذكرت ما جرى لأبي بكر بن الخياط فقال: هذه أشياء يولدها من عنده على مذاهب القوم، ليست محكية عن الفراء، ولا موجودة في كتبه، ولكنها مما يرى أنها تؤيد المذهب وتنصره. ثم رأيته بعد ذلك بمدة بعيدة قد ذكر هذه الاحتياجات أو قريباً منها في بعض كتبه ولم يرجع عنها.
стр. 24
باب القول في علل النحو
أقول أولاً إن علل النحو ليست موجبة، وإنما هي مستنبطة أوضاعاً ومقاييس، وليست كالعلل الموجبة للأشياء المعلولة بها، ليس هذا من تلك الطريق.
وعلل النحو بعد هذا على ثلاثة أضرب: علل تعليمية، وعلل قياسية، وعلل جدلية نظرية.
فأما التعليمية فهي التي يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب، لأنا لم نسمع نحن ولا غيرنا كل كلامها منها لفظاً، وإنما سمعنا بعضاً فقسنا عليه نظيره، مثال ذلك أنا لما سمعنا قام زيد فهو قائم، وركب فهو راكب، عرفنا اسم الفاعل فقلنا ذهب فهو ذاهب، وأكل فهو آكل وما شبه ذلك، وهذا كثير جداً وفي الإيماء إليه كفاية لمن نظر في هذا العلم. فمن هذا النوع من العلل قولنا إن زيداً قائم، إن قيل: بم نصبتم زيداً؟ قلنا: بإن: لأنها تنصب الاسم وترفع الخبر لأنا كذلك علمناه ونعلمه. وكذلك قام زيد. إن قيل: لم رفعتم زيداً؟ قلنا: لأنه فاعل اشتغل فعله به فرفعه. فهذا وما أشبهه من نوع التعليم، وبه ضبط كلام العرب.
فأما العلة القياسية فأن يقال لمن قال نصبت زيداً بإن، في قوله إن زيداً قائم: ولم وجب أن تنصب "إن" الاسم؟ فالجواب في ذلك أن يقول: لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلى مفعول، فحُملت عليه فأعملت إعماله لما ضارعته، فالمنصوب بها مشبه بالمفعول لفظاً، والمرفوع بها مشبه بالفاعل لفظاً، فهي تشبه من الأفعال ما قُدم مفعوله على فاعله، نحو ضرب أخاك محمدٌ وما أشبه ذلك.
стр. 25
وأما العلة الجدلية النظرية فكل ما يُعتل به في باب "إن" بعد هذا. مثل أن يقال: فمن أي جهة شابهت هذه الحروف الأفعال؟ وبأي الأفعال شبهتموها؟ أبالماضية، أم المستقبلة، أم الحادثة في الحال، أم المتراخية، أم المنقضية بلا مهلة؟ (وحين) شبهتموها بالأفعال لأي شيء عدلتم بها إلى ما قُدم مفعوله على فاعله نحو ضرب زيداً عمرو، وهلا شبهتموها بما قُدم فاعله على مفعوله لأنه هو الأصل وذاك فرع ثان؟ فأي علة دعتكم إلى إلحاقها بالفروع دون الأصول، وأي قياس أطرد لكم في ذلك؟ وحين شبهتموها بما قدم مفعوله على فاعله، هلا أجزتم تقديم فاعليها على مفعوليها كما أجزتم ذلك في المشبه به في قولكم ضرب أخاك محمد وضرب محمد أخاك؟ وهلا حين امتنعت من ذلك لعلةٍ لزمتموه ولم ترجعوا عنه فتجيزوه في بعض المواضع في قولكم إن خلفك زيداً وإن أمامك بكراً وما أشبه ذلك؟ وهلا حين مثلتم عملها بعمل الفعل المتعدي إلى مفعول واحد نحو ضرب زيداً عمرو، امتنعتم من إجازة وقوع الجمل في موضع فاعلها في قولكم أن زيداً أبوه قائم، وإن زيداً ماله كثير، والفاعل لا يكون جملة؟ ولم أجزتم وقوع الفعل موقع فاعلها في قولكم إن زيداً يركب، وإن عبد الله ركب أرأيتم فعلاً وقع موقع الفاعل بدلاً منه نائباً عنه؟ ما أرى كلامكم إلا ينقض بعضه بعضاً.
وكل شيء اعتل به المسئول جواباً عن هذه المسائل، فهو داخل في الجدل والنظر. وفي باب "إن" سؤلات كثيرة عن هذا سنذكرها مع الجواب عن هذه المسائل في باب ذكر علل "إن" إن شاء الله.
وذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد ﵀، سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال:
стр. 26
"إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها. وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله، وإن لم يُنقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست. وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء؛ عجيبة النظم والأقسام؛ وقد صحت عنده حكمة بانيها، بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا. سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعاول فليأت بها". وهذا كلام مستقيم، وإنصاف من الخليل رحمة الله عليه.
وعلى هذه الأوجه الثلاثة مدار علل النحو، فاعرف ذلك إن شاء الله.
стр. 27
باب القول في الإعراب والكلام. أيهما أسبق
فإن قال: فأخبروني عن الإعراب والكلام أيهما أسبق؟ قيل له: إن الأشياء مراتب في التقديم والتأخير، إما بالتفاضل أو بالاستحقاق أو بالطبع أو على حسب ما يوجبه المعقول. فنقول إن الكلام سبيله أن يكون سابقاً للإعراب، لأنا قد نرى الكلام في حال غير معرب، ولا يختل معناه. ونرى الإعراب يدخل عليه ويخرج، ومعناه في ذاته غير معدوم. مثال ذلك أن الاسم نحو زيد ومحمد وجعفر وما أشبه ذلك، معرباً كان أو غير معرب، لا يزول عنه معنى الأسمية. وكذلك الفعل المضارع نحو يقوم ويذهب ويركب، معرباً كان أو غير معرب، لا يسقط منه معنى الفعلية. وإنما يدخل الإعراب لمعان تعتور هذه الأشياء. ومع هذا فقد رأينا الشيء من الكلام الذي ليس بمعرب قريباً من معربه كثرة، وذلك أن الأفعال الماضية مبنية كلها على الفتح. وفعل الأمر للمواجه إذا كان بغير اللام مبني على الوقف، نحو يا زيد اذهب واركب وما أشبه ذلك. وحروف المعاني مبنية كلها. وكثير من الأسماء بعد هذا مبني ولم تسقط دلالتها على الأسمية (ولا) معانيها عما وضعت له، فعلمنا بذلك أن الإعراب عرض داخل في الكلام لمعنى يوجده ويدل عليه، والكلام إذاً سابقه في المرتبة، والإعراب تابع من توابعه.
فإن قال: فأخبروني عن الكلام المنطوق به الذي نعرفه الآن بيننا، أتقولون إن العرب كانت نطقت به زماناً غير مُعرب ثم ادخلت عليه الإعراب، أم هكذا نطقت به في أول تبلبل ألسنتها؟ قيل له: هكذا نطقت به في أول وهلة، ولم تنطق
стр. 28
به زماناً غير معرب ثم أعربته. فإن قال: فمن أين حكمتم على ما سبق بعضه بعضاً وجعلتم الإعراب الذي لا تُعقل أكثر المعاني إلا به ثانياً، وقد زعمتم أنها تكلمت هكذا جملة؟ قيل له: قد عرفناك أن الأشياء تستحق المرتبة والتقديم والتأخير على ضروب، فنحكم لكل واحد منها بما يستحقه، وإن كانت لم توجد إلا مجتمعة. ألا ترى أنا نقول إن السواد عرض في الأسود، والجسم أقدم من العرض بالطبع والاستحقاق، وأن العرض قد يجوز أن يُتوهم (منفصلاً) عن الجسم والجسم باق، فنقول إن الجسم الأسود قبل السواد، ونحن لم نر الجسم الأسود خالياً من السواد الذي هو فيه، ولا رأينا السواد قط عارياً من الجسم، بل لا تجوز رؤيته، لأن المرئيات إنما هي الأجسام الملونة، ولا تدرك الألوان خالية من الأجسام ولا الأجسام غير ملونة. ولم نرد بالأسود ها هنا جسماً سُود بحضرتنا، بل ما شوهد كذلك من الأجسام. وكذلك القول في الأبيض والأحمر وما أشبه ذلك.
ومنها أنا نعلم أن الذكر في المرتبة مقدم على الأنثى، ونحن لم نشاهد العالم خالياً من أحدهما ثم حدث بعده الآخر إلا ما وقفنا عليه بالخبر الصادق من سبق خلق الذكر الأنثى في خلق آدم وحواء ﵉، وأما في غيرهما فكذلك إن علم بخبرٍ صادق الإخبار بقدم كل واحد منهما صاحبه، فكذلك قوله في الكلام والإعراب، يقول إن الإعراب في الاستحقاق داخل على الكلام لما توجبه مرتبة كل واحد منهما في المعقول، وإن كانا لم يوجدا مفترقين.
ونظير ذلك أنا نقول: إن الأسماء قبل الأفعال، لأن الأفعال أحداث للأسماء، ولم توجد الأسماء زماناً ينطق بها ثم نطق بالأفعال بعدها، بل نطق بهما معاً، ولكل حقه ومرتبته. وقد أجاز بعض الناس أن تكون العرب نطقت أولاً
стр. 29
بالكلام غير معرب، ثم رأت اشتباه المعاني فأعربته، ثم نقل معرباً فأعربته فتتكلم به.
باب القول في الإعراب، لم دخل في الكلام
فإن قال: فقد ذكرت أن الإعراب داخل في الكلام، فما الذي دعا إليه واحتج إليه من أجله؟
الجواب أن يقال: إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني، فتكون فاعلة ومفعولة، ومضافة، ومضافاً إليها، ولم تكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني بل كانت مشتركة، جُعلت حركات الإعراب فيها تنبئ عن هذه المعاني، فقالوا ضرب زيد عمراً، فدلوا برفع زيد على أن الفعل له، وبنصب عمرو على أن الفعل واقع به. وقالوا ضُرب زيد، فدلوا بتغيير أول الفعل ورفع زيد على أن الفعل ما لم يسم فاعله وأن المفعول قد ناب منابه. وقالوا هذا غلام زيد، فدلوا بخفض زيد على إضافة الغلام إليه، وكذلك سائر المعاني جعلوا هذه الحركات دلائل عليها
стр. 30
ليتسعوا في كلامهم، ويقدموا الفاعل إن أرادوا ذلك أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه، وتكون الحركات دالة على المعاني.
هذا قول جميع النحويين إلا قطربا فإنه عاب عليهم هذا الاعتلال، وقال لم يُعرب الكلام للدلالة على المعاني، والفرق بين بعضها وبعض، لأنا نجد في كلامهم أسماء متفقة في الإعراب مختلفة المعاني، وأسماء مختلفة الإعراب متفقة المعاني، فما اتفق إعرابه واختلف معناه قولك إن زيداً أخوك. ولعل زيداً، أخوك. وكأن زيداً أخوك. اتفق إعرابه واختلف معناه. ومما اختلف إعرابه واتفق معناه قولك ما زيد قائماً، وما زيد قائم، اختلف إعرابه واتفق معناه. ومثله: ما رأيته منذ يومين، ومنذ يومان، ولا مال عندك؛ ولا مالٌ عندك، وما في الدار أحداً إلا زيد، وما في الدار أحد إلا زيداً. ومثله؛ أن القوم كلهم ذاهبون وأن القوم كلهم ذاهبون، ومثله (إن الأمر كلَّه لله) و (إن الأمر كلُّه لله) قرئ بالوجهين جميعاً. ومثله ليس زيد بجبان ولا بخيلٍ ولا بخيلاً. ومثل هذا كثير جداً مما اتفق إعرابه واختلف معناه، ومما اختلف إعرابه واتفق معناه.
قال: فلو كان الإعراب إنما دخل الكلام للفرق بين المعاني، لوجب أن يكون لكل معنى إعراب يدل عليه لا يزول إلا بزواله. قال قطرب: وإنما أعربت العرب كلامها لأن الاسم في حال الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون أيضاً لكان يلزمه الإسكان في الوقف والوصل، وكانوا يبطئون عند الإدراج فلما وصلوا وأمكنهم التحريك، جعلوا التحريك مُعاقباً للإسكان، ليعتدل
стр. 31
الكلام. ألا تراهم بنوا كلامهم على متحرك ساك، ومتحركين وساكن، ولم يجمعوا بين ساكنين في حشر الكلمة ولا في حشو بيت، ولا بين أربعة أحرف متحركة، لأنهم في اجتماع الساكنين يبطئون، وفي كثرة الحروف المتحركة يستعجلون وتذهب المهلة في كلامهم، فجعلوا الحركة عقب الإسكان.
قيل له: فهلا لزموا حركة واحد لأنها مجزئة لهم إذ كان الغرض إنما هو حركة تعتقب سكونا؟ فقال: لو فعلوا ذلك لضيقوا على أنفسهم فأرادوا الاتساع في الحركات وألا يحظروا على المتكلم الكلام إلا بحركة واحدة.
هذا مذهب قطرب واحتجاجه. وقال المخالفوم له ردا عليه: لو كان كما زعم لجاز خفض الفاعل مرة، ورفعه أخرى ونصبه، وجاز نصب المضاف إليه، لأن القصد في هذا إنما هو الحركة تعاقب سكونا يعتدل به الكلام. وأي حركة أنى بها المتكلم أجزأته فهو مخير في ذلك. وفي هذا فساد للكلام، وخروج عن أوضاع العرب وحكمة نظام كلامهم. واحتجوا لما ذكره قطرب من اتفاق الإعراب واختلاف المعاني، واختلاف الإعراب واتفاق المعاني في الأسماء التي تقدم ذكرها بأن قالوا إنما كان أصل دخول الإعراب في الأسماء التي تذكر بعد الأفعال، لأنه يذكر بعدها اسمان أحدهما فاعل والآخر مفعول، فمعناهما مختلف فوجب الفرق بينهما، ثم جعل سائر الكلام على ذلك. وأما الحروف التي ذكرها فمحمولة على الأفعال، ولكل شيء مما ذكره علة تمر بك في بابه إن شاء الله تعالى.
стр. 32
باب القول في الاعراب، أحركة هو أم حرف
قد قلنا إن الإعراب دال على المعاني، وإنه حركة داخلة على الكلام بعد كمال بنائه. فهو عندنا حركة. نحو الضمة في قولك هذا جعفر، والفتحة من قولك رأيت جعفرا، والكسرة من قولك مررت بجعفر. هذا أصله ومن المجتمع عليه أن الإعراب يدخل على آخر حرف في الاسم المتمكن والفعل المضارع، وذلك الحرف هو حرف الإعراب. فلو كان الإعراب حرفا ما دخل على حرف. هذا مذهب البصريين. وعند الكوفيين أن الإعراب يكون حركة وحرفا، فإذا كان حرفا قام بنفسه، وإذا كان حركة لم يوجد إلا في حرف. ثم قد يكون الإعراب سكونا وحذفا، وكذلك الجزم في الأفعال المضارعة، وحرفا.
وهذا مما ذكرت لك أن الشيء قد يكون له أصل لم يسمع. وكل هذا يذكر في موضعه إن شاء الله.
فإن قال قائل: فأين يكون الإعراب سكونا وحذفا وحرفا؟ قيل له: يكون سكونا في الأفعال المضارعة السالمة اللامات، نحو لم يضرب ولم يذهب. وحذفا في هذه الأفعال إذا كانت معتلة اللامات، نحو لم يقض ولم يغز ولم يخش، ولكل شيء من هذا علة تذكر في موضعها إن شاء الله.
فإن قال قائل: فهل يكون الإعراب حرفا عند سيبويه وأصحابه في شيء من الكلام؟ قلنا له: هذا الذي ذكرناه هو الأصل وعليه أكثر مدار كلام العرب. وقد ذكرنا أن الشيء يكون له أصل يلزمه، ونحو يطرد فيه، ثم يعترض لبعضه علة تخرجه عن جمهور بابه، فلا يكون ذلك ناقصا للباب كما مثلنا فيما تقدم. وذلك
стр. 33
موجود في سائر العلوم، حتى في علوم الديانات كما يقال بالاطلاق الصلاة واجبة على البالغين من الرجال والنساء، ثم نجد منهم من تلحقه علة تسقط عنه فرضها. وكما يقال من سرق من حرز قطع، وقد نجد القطع ساقطا عن بعضهم، ولهذا نظائر كثيرة فكذلك حكم الإعراب وحقيقته ما ذكرناه. ثم إنه عرض في بعض الكلام ضرورة دعت إلى جعل الإعراب حروفا وذلك في تثنية الأفعال المضارعة، وجمعها وفعل المؤنث المخاطب في المستقبل / وذلك في خمسة أمثلة من الفعل وهي يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين با هذه. علامة الرفع في هذه الأفعال الخمسة ثبات النون، وحذفها علامة الجزم والنصب.
فإن قيل: ما الذي أوجب تصبير الإعراب في هذه الأفعال حرفا وهو النون؟ قيل له ما قال سيبويه وهو أنه قال: الإعراب يدخل على آخر حرف في الكلمة، وذلك الحرف يسمى حرف الإعراب، وآخر حرف في هذه الأفعال النون. فلو جعلت النون حرف الإعراب لوجب ضمها في حال الرفع، وفتحها في حال النصب، وكان يلزم من ذلك أن تسكن في حال الجزم. ولو أسكنت وجب سقوط الألف التي قبلها والواو والياء لالتقاء الساكنين وكان يذهب ضمير الاثنين والجمع والمؤنث في حال تأخير الأفعال بعد الأسماء، ويسقط علم ذلك في تقديم الأفعال على الأسماء في لغة من يثنى ويجمع الفعل مقدما، فكان يصير الفعل كأنه للواحد ويبطل المعنى فلما امتنع ذلك جعلت النون نفسها علم الرفع، فلما صارت علم الرفع وجب حذفها في الجزم، لأن الجازم يحذف ما يثبت في الرفع، فإن كان في حال الرفع حال ساكن حذفه الجازم، نحو لم يقض ولم يغز ولم يخش، فجعلت النون محذوفة في الجزم لسكونها كما حذفت الواو والياء والألف لسكونها. وجعل النصب مضموما إلى الجزم، فحذفت النون فيه أيضا فقيل لم يفعلا ولم يفعلوا ولن يفعلوا، كما ضم النصب في تثنية الأسماء وجمعها إلى الخفض، لأن الجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء.
стр. 34
فإن قال قائل: فإن النون في يفعلان وتفعلان وسائر هذه الأفعال متحركة وقد حكمت عليها بالسكون، وزعمت أن الجازم إذا دخل على حرف ساكن حذفه، فلم حذفت النون وهي متحركة؟ ولم زعمت أنها ساكنة؟
فالجواب في ذلك أنه يقال له: إن النون في هذه الأفعال مضارعة للسكون كما ذكرنا لأنها ليست بحرف إعراب، فلما سكنت وقبلها ساكن تحركت لالتقاء الساكنين. وليست الحركة فيها بلازمة استحقاقا فحكمها حكم الساكن، فلذلك حذفها الجازم.
فإن قال قائل: فهلا جعلت الحروف التي قبل هذه النون في الأفعال حروف الإعراب؟
فالجواب في ذلك أن الألف التي قبل هذه النون في يفعلان وتفعلان، والواو في يفعلون، والياء في تفعلين، ليست من بناء الفعل ولا تمامه، إنما هي ضمير الفاعلين علامة كما ذكرت لك، فلم يجز أن تكون حروف إعراب الفعل لذلك.
стр. 35
فإن قال قائل: فلم جاز أن يجيء إعراب الفعل المستقبل بعد الفاعل في قولك الزبدان يقومان، والزيدون يقومون وما أشبه ذلك؟ فقد جاءت علامة رفع الفعل على الفاعل وهي ثبات النون، وكذلك النصب والجزم، لأنهما بحذف النون وهي بعد الفاعل، أفيجوز أن يكون إعراب شيء موجودا في غيره وكون ذلك الشيء معربا؟ قيل له: إن الفعل لما كان لا يخلو من الفاعل ولا يستغنى عن ضرورة، ثم اتصل به مضمر صار كبعض حروفه. وصارت الجملة كلمة واحدة. فجاز لذلك وقوع الإعراب بعد ضمير الفاعل لما صارت الكلمة كلمة واحدة. والدليل على ذلك إسكان لام الفعل في قولك: فعلت، اسكنت اللام لئلا نتوالى في كلمة واحدة أربع متحركات، ولهذا موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى.
стр. 36
باب القول في الإعراب، لم وقع في آخر الاسم دون أوله ووسطه
قال بعض النحويين: الإعراب يدخل في الاسم لمعنى، فوجب أن يلفظ به ثم يؤتى بالاعراب في آخر.
وقال أبو بكر في الخياط: ليس هذا القول بمرض، لأنا قد رأينا الأسماء تدخلها حروف المعاني أولا ووسطا، فما دخلها أولا قولك: الرجل والغلام، وما دخلها وسطا باء التصغير في قولك: فريخ وفليس. ولو كان الأمر على ما ذهب إليه قائل هذا القول لوجب ألا يدخل على الاسم حرف معنى إلا بعد كمال بنائه. قال: والقول عندي / هو الذي عليه جلة النحويين أن الاسم يبني على أبنية مختلفة، منها فَعل وفِعل وفُعل وفعل وما أشبه ذلك من الأبنية، فلو جعل الاعراب وسطا، لم يدر السامع أحركة إعراب هي أم حركة بناء، فجعل الاعراب في آخر الاسم لأن الوقف يدركه فيسكن فيعلم أنه إعراب، وإذا كان وسطا لم يمكن ذلك فيه.
وقال أبو إسحق الزجاج: كان أبو العباس المبرد يقول: لم يجعل الاعراب أولا لأن الأول تلزمه الحركة ضرورة للابتداء. لأنه لا يبتدأ إلا بمتحرك، ولا يوقف إلا على ساكن، فلما كانت الحركة تلزمه لم تدخل عليه حركة إعراب لأن حركتين لا تجتمعان في حرف واحد، فلما فات وقوعه أولا لم يمكن أن يجعل وسطا، لأن أوساط الأسماء المختلفة، لأنها تكون ثلاثية ورباعية وخماسية وسباعية فأوساطها مختلفة، فلما فات ذلك جعل آخرا بعد كمال الاسم ببنائه وحركاته.
وقال آخرون: الاعراب إنما دخل الكلام دليلا على المعاني فوجب أن يكون تابعا للأسماء، لأنه قد قام الدليل على أنه ثان بعدها. وهذا القول قريب من الأول. وكل هذه الأقوال يقنع في معناه.
стр. 37
باب القول في المستحق للإعراب من هذه الأقسام الثلاثة التي هي الأسماء والأفعال والحروف
قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين: المستحق للإعراب من الكلام الأسماء: والمستحق للبناء الأفعال والحروف. هذا هو الأصل، ثم عرض لبعض الأسماء علة منعتها من الإعراب فبينت، وتلك العلة مشابهة الحرف. وعرض لبعض الأفعال ما أوجب لها الإعراب فأعربت، وتلك العلة مضارعة الأسماء. وبقيت الحروف كلها على أصولها مبنية، لأنه لم يعرض لها ما يخرجها عن أصولها. فكل اسم معربا فهو / على أصله، وكل اسم رأيته غير معرب فهو خارج عن أصله، وكل فعل رأيته مبنيا فهو على أصله. وكل فعل رأيته معربا فقد خرج عن أصله، والحروف كلها مبنية على أصولها.
احتجاج البصريين لذلك: قالوا الدليل على صحة ما قلنا إجماع الجمع على أن الإعراب إنما دخل الكلام ليفصل بين المعاني المشكلة، وبدل به على الفاعل والمفعول والمضاف والمضاف إليه وسائر ذلك من المعاني التي تعتور الأسماء، غير قطرب وقد ذكرنا مذهبه فيما تقدم وبينا فاده وما يلزمه فيه. قالوا وهذه المعاني موجودة في الأسماء دون الأفعال والحروف، فوجب لذلك أن يكون أصل الاعراب للأسماء، وأصل البناء للأفعال والحروف.
دليل آخر للبصريين: قالوا من الدليل أيضا على أن الأفعال غير مستحقة
стр. 38
الإعراب أنها عوامل في الأسماء بإجماع منا ومن مخالفينا، فلو وجب أن تكون معربسة لوجب أن تكون لها عوامل تعربها، لأنه لابد للمعرب من معرب، ثم لم تكن بأحق بالإعراب من عواملها، فكان يجب من ذلك أن تعرب عواملها ثم يجب ذلك في عوامل عواملها إلا مالا نهاية له، وهذا بين فاده فلما بين فاد هذا وجب أن تكون غير معربة كسائر الحروف العوامل.
وإذا كانت الأفعال غير مستحقة للإعراب لأنها عوامل، فحروف المعاني من الإعراب أبعد، والقول فيها أبين وأظهر.
وقال الكوفيون: أصل الإعراب للأسماء والأفعال، وأصل البناء للحروف، فكل شيء زال عن الإعراب من الأسماء والأفعال فلعلة أزالته عن أصله.
احتجاج الكوفيين لذلك: إعلم أن العلل التي أودعها هذا الكتاب والاحتجاجات هي على ثلاثة أضرب؛ منها ما كان مسطرا في كتب البصريين والكوفيين بألفاظ / مستخلقة صعبة، فعبلات عنها بألفاظ قريبة من فهم الناظرين في هذا الكتاب، فهذبنها وسهلت مراتبها والوقوف عليها. وضرب منها مما استنبطته على أصول القوم، واخترعته حسب ما رأيته من الكلام بنساق فيه والقياس يطرد عليه. وضرب منها ما أخذته من علمائنا الذين لقيتهم وقرأت عليهم شفاها، مما لم يسطر في كتاب ولا يكاد يوجد.
فمن العلماء الذين لقيتهم وقرأت عليهم، شيخنا أبو إسحن إبراهيم بن السري الزجاج ﵀. وأبو جعفر محمد بن رستم الطبري، غلام أبي عثمان
стр. 39
المازني. وأبو الحسن بن كيسان. وأبو بكر أحمد بن الحسين بن العباس المعروف بابن شقير. وأبو بكر محمد بن أحمد بن منصور المعروف بابن الخباط وأبو بكر بن السراج. وأبو الحسن علي بن سليمان الأخفش. ومن علماء الكوفيين الذين أخذت عنهم أبو الحسن بن كيسان. وأبو بكر بن شقير. وأبو بكر ابن الخياط. لأن هؤلاء قدوة أعلام في علم الكوفيين، وكان أول اعتمادهم عليه، ثم درسوا علم البصريين بعد ذلك فجمعوا بين العلمين. وأبو بكر الأنباري، وأبو موسى المعروف بالحامض، وكان الأغلب عليه علم اللغة، إلا أنا قد أخذنا عنه حكايات يسيرة. وأبو الفضل الملقي بزيبيل. وأبو محمد عبد الملك بن مالك الضرير. وغير هؤلاء ممن لم يشهر من الكوفيين. وإنما ذكرت لك أسماء من أخذت عنه وقرأت عليه، لتكون على ثقة مما أنقله إليك وأسنده إلى كل فريق
стр. 40
منهم. وأكثر ما أذكره من احتجاجات الكوفيين إنما أعبر عنها بألفاظ البصريين.
وترجع إلى احتجاج الفراء والكوفيين. قال الفراء ومن تابعه وانتحل مذهبهم وناضل عنهم: أمام / احتججتم به للأسماء واستحقاقها للاعراب باختلاف المعاني التي ذكرتم فصحيح وبه نقول، وبمثله ندلكم على أن الأفعال أيضا في الأصل مستحقة للإعراب كالأسماء، وذلك لما يدخلها من المعاني المختلفة، لوقوعها على الأوقات الطويلة المتصلة المدة فكان قولنا (يقوم زيد) يحتمل معنى قائم وتأويل سوف يقوم على الاستقبال، فأشبهت الأفعال المستقبلة الاسماء لاختلاف معانيها التي يلزمها التصريف من اجلها، كما قالوا: فلان يطيع الله، فأمكن ان تقع (يطيع) على زمان متصل، ويطول إلى انقضاء الفاعل. وقالوا: هو يحرص على ما نفعه. فيقرن بوقت ألا ينقضي إلا بانقضاء الفاعل. فهو من هذه الجهة كالاسم الذي يلزم المسمى ولا يزابله، فكان مستحقا للإعراب من هذه الجهة كما تستحقه الأسماء.
قال ابو بكر بن الأنباري: "ترجم لي بعض شيوخنا هذا المعنى بلفظ يشاكل ما وصفنا ويقاربه" هذا الفصل حكاية ابن الانباري بعينها.
الرد على من احتج بهذا الفصل، يقال له: إنما انكرنا عليك قولك إن الأفعال مستحقة للإعراب في الاصل كما استحقت الأسماء. وإنما جعلت أنت معتمدك على أن الأفعال إنما اعربت لأنها ضارعت الأسماء. وهذا بعينه قولنا إن الأفعال المستقبل ضارعت الاسماء فاستحقت الإعراب لذلك، لأنها في الأصل
следующие страницы →