Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
باب القول في الإعراب، لم وقع في آخر الاسم دون أوله ووسطه
قال بعض النحويين: الإعراب يدخل في الاسم لمعنى، فوجب أن يلفظ به ثم يؤتى بالاعراب في آخر.
وقال أبو بكر في الخياط: ليس هذا القول بمرض، لأنا قد رأينا الأسماء تدخلها حروف المعاني أولا ووسطا، فما دخلها أولا قولك: الرجل والغلام، وما دخلها وسطا باء التصغير في قولك: فريخ وفليس. ولو كان الأمر على ما ذهب إليه قائل هذا القول لوجب ألا يدخل على الاسم حرف معنى إلا بعد كمال بنائه. قال: والقول عندي / هو الذي عليه جلة النحويين أن الاسم يبني على أبنية مختلفة، منها فَعل وفِعل وفُعل وفعل وما أشبه ذلك من الأبنية، فلو جعل الاعراب وسطا، لم يدر السامع أحركة إعراب هي أم حركة بناء، فجعل الاعراب في آخر الاسم لأن الوقف يدركه فيسكن فيعلم أنه إعراب، وإذا كان وسطا لم يمكن ذلك فيه.
وقال أبو إسحق الزجاج: كان أبو العباس المبرد يقول: لم يجعل الاعراب أولا لأن الأول تلزمه الحركة ضرورة للابتداء. لأنه لا يبتدأ إلا بمتحرك، ولا يوقف إلا على ساكن، فلما كانت الحركة تلزمه لم تدخل عليه حركة إعراب لأن حركتين لا تجتمعان في حرف واحد، فلما فات وقوعه أولا لم يمكن أن يجعل وسطا، لأن أوساط الأسماء المختلفة، لأنها تكون ثلاثية ورباعية وخماسية وسباعية فأوساطها مختلفة، فلما فات ذلك جعل آخرا بعد كمال الاسم ببنائه وحركاته.
وقال آخرون: الاعراب إنما دخل الكلام دليلا على المعاني فوجب أن يكون تابعا للأسماء، لأنه قد قام الدليل على أنه ثان بعدها. وهذا القول قريب من الأول. وكل هذه الأقوال يقنع في معناه.
стр. 37
باب القول في المستحق للإعراب من هذه الأقسام الثلاثة التي هي الأسماء والأفعال والحروف
قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين: المستحق للإعراب من الكلام الأسماء: والمستحق للبناء الأفعال والحروف. هذا هو الأصل، ثم عرض لبعض الأسماء علة منعتها من الإعراب فبينت، وتلك العلة مشابهة الحرف. وعرض لبعض الأفعال ما أوجب لها الإعراب فأعربت، وتلك العلة مضارعة الأسماء. وبقيت الحروف كلها على أصولها مبنية، لأنه لم يعرض لها ما يخرجها عن أصولها. فكل اسم معربا فهو / على أصله، وكل اسم رأيته غير معرب فهو خارج عن أصله، وكل فعل رأيته مبنيا فهو على أصله. وكل فعل رأيته معربا فقد خرج عن أصله، والحروف كلها مبنية على أصولها.
احتجاج البصريين لذلك: قالوا الدليل على صحة ما قلنا إجماع الجمع على أن الإعراب إنما دخل الكلام ليفصل بين المعاني المشكلة، وبدل به على الفاعل والمفعول والمضاف والمضاف إليه وسائر ذلك من المعاني التي تعتور الأسماء، غير قطرب وقد ذكرنا مذهبه فيما تقدم وبينا فاده وما يلزمه فيه. قالوا وهذه المعاني موجودة في الأسماء دون الأفعال والحروف، فوجب لذلك أن يكون أصل الاعراب للأسماء، وأصل البناء للأفعال والحروف.
دليل آخر للبصريين: قالوا من الدليل أيضا على أن الأفعال غير مستحقة
стр. 38
الإعراب أنها عوامل في الأسماء بإجماع منا ومن مخالفينا، فلو وجب أن تكون معربسة لوجب أن تكون لها عوامل تعربها، لأنه لابد للمعرب من معرب، ثم لم تكن بأحق بالإعراب من عواملها، فكان يجب من ذلك أن تعرب عواملها ثم يجب ذلك في عوامل عواملها إلا مالا نهاية له، وهذا بين فاده فلما بين فاد هذا وجب أن تكون غير معربة كسائر الحروف العوامل.
وإذا كانت الأفعال غير مستحقة للإعراب لأنها عوامل، فحروف المعاني من الإعراب أبعد، والقول فيها أبين وأظهر.
وقال الكوفيون: أصل الإعراب للأسماء والأفعال، وأصل البناء للحروف، فكل شيء زال عن الإعراب من الأسماء والأفعال فلعلة أزالته عن أصله.
احتجاج الكوفيين لذلك: إعلم أن العلل التي أودعها هذا الكتاب والاحتجاجات هي على ثلاثة أضرب؛ منها ما كان مسطرا في كتب البصريين والكوفيين بألفاظ / مستخلقة صعبة، فعبلات عنها بألفاظ قريبة من فهم الناظرين في هذا الكتاب، فهذبنها وسهلت مراتبها والوقوف عليها. وضرب منها مما استنبطته على أصول القوم، واخترعته حسب ما رأيته من الكلام بنساق فيه والقياس يطرد عليه. وضرب منها ما أخذته من علمائنا الذين لقيتهم وقرأت عليهم شفاها، مما لم يسطر في كتاب ولا يكاد يوجد.
فمن العلماء الذين لقيتهم وقرأت عليهم، شيخنا أبو إسحن إبراهيم بن السري الزجاج ﵀. وأبو جعفر محمد بن رستم الطبري، غلام أبي عثمان
стр. 39
المازني. وأبو الحسن بن كيسان. وأبو بكر أحمد بن الحسين بن العباس المعروف بابن شقير. وأبو بكر محمد بن أحمد بن منصور المعروف بابن الخباط وأبو بكر بن السراج. وأبو الحسن علي بن سليمان الأخفش. ومن علماء الكوفيين الذين أخذت عنهم أبو الحسن بن كيسان. وأبو بكر بن شقير. وأبو بكر ابن الخياط. لأن هؤلاء قدوة أعلام في علم الكوفيين، وكان أول اعتمادهم عليه، ثم درسوا علم البصريين بعد ذلك فجمعوا بين العلمين. وأبو بكر الأنباري، وأبو موسى المعروف بالحامض، وكان الأغلب عليه علم اللغة، إلا أنا قد أخذنا عنه حكايات يسيرة. وأبو الفضل الملقي بزيبيل. وأبو محمد عبد الملك بن مالك الضرير. وغير هؤلاء ممن لم يشهر من الكوفيين. وإنما ذكرت لك أسماء من أخذت عنه وقرأت عليه، لتكون على ثقة مما أنقله إليك وأسنده إلى كل فريق
стр. 40
منهم. وأكثر ما أذكره من احتجاجات الكوفيين إنما أعبر عنها بألفاظ البصريين.
وترجع إلى احتجاج الفراء والكوفيين. قال الفراء ومن تابعه وانتحل مذهبهم وناضل عنهم: أمام / احتججتم به للأسماء واستحقاقها للاعراب باختلاف المعاني التي ذكرتم فصحيح وبه نقول، وبمثله ندلكم على أن الأفعال أيضا في الأصل مستحقة للإعراب كالأسماء، وذلك لما يدخلها من المعاني المختلفة، لوقوعها على الأوقات الطويلة المتصلة المدة فكان قولنا (يقوم زيد) يحتمل معنى قائم وتأويل سوف يقوم على الاستقبال، فأشبهت الأفعال المستقبلة الاسماء لاختلاف معانيها التي يلزمها التصريف من اجلها، كما قالوا: فلان يطيع الله، فأمكن ان تقع (يطيع) على زمان متصل، ويطول إلى انقضاء الفاعل. وقالوا: هو يحرص على ما نفعه. فيقرن بوقت ألا ينقضي إلا بانقضاء الفاعل. فهو من هذه الجهة كالاسم الذي يلزم المسمى ولا يزابله، فكان مستحقا للإعراب من هذه الجهة كما تستحقه الأسماء.
قال ابو بكر بن الأنباري: "ترجم لي بعض شيوخنا هذا المعنى بلفظ يشاكل ما وصفنا ويقاربه" هذا الفصل حكاية ابن الانباري بعينها.
الرد على من احتج بهذا الفصل، يقال له: إنما انكرنا عليك قولك إن الأفعال مستحقة للإعراب في الاصل كما استحقت الأسماء. وإنما جعلت أنت معتمدك على أن الأفعال إنما اعربت لأنها ضارعت الأسماء. وهذا بعينه قولنا إن الأفعال المستقبل ضارعت الاسماء فاستحقت الإعراب لذلك، لأنها في الأصل
стр. 41
مستحقة الإعراب قبل المضارعة، ألا ترى أن قولك لما كان يقوم، يحتمل معنى قائم، ومعنى سوف يقوم على الاستقبال. اشبهت الاسماء هو قول سيبويه بعينه "إن يفعل إنما أعرب لمضارعته لفاعل" كذلك قولنا في يحرص ويطبع".
احتجاج للكوفيين آخر. قال بعضهم الدليل على ان اصل الإعراب للأسماء والأفعال معا أن الأفعال أيضا تختلف معانيها كما اختلفت معاني الاسماء / فتكون ماضية، ومستقبلة، وموجبة، ومنفية، ومحازي بها، ومأمورا بها، ومنهيا عنها، وتكون للمخاطب والمتكلم والغائب. والذكر والانثى؟ فإن كان اختلاف المعاني أوجب للأسماء الاعراب عندكم فاختلاف هذه المعاني في الافعال يوجب إعرابها، لأنها مثل ذلك أو أكثر، وإلا فما الفرق؟
وكان ابن شقير يعتل بمثل هذا الاعتلال ويردده كثيرا. وكان شديد التعصب مع الكوفيين على البصريين، مع اعتقاده مذهب البصريين.
الجواب عن هذا الاحتجاج. يقال للمحتج به: إن اختلاف معاني الأفعال إنما هو لغيرها لا لها، لأنه إنما تختلف معانيها للأسماء التي نعمل فيها. فهو الذي ذكرناه يعينه من اختلاف المعاني المعتورة للأسماء، ألا ترى أنا لم نقل إن الإسم يختلف معناه في ذاته ليتغير عن الإسمية ولا يتغير المسمى به، وإنما اختلاف المعاني الداخلية عليها هو ان تكون فاعلة مرة ومفعولة اخرى. وتكون مأمورة مرة ومنهية اخرى، وتكون مخبرة مرة مخبرا عنها، وموجبا لها الفعل ومنفيا عنها فهذا بعينه هو الذي من اجله وجب للأسماء الإعراب.
стр. 42
احتجاج آخر للكوفيين. قال بعضهم: وقع الفعل بين الأداة والاسم، يعني بالأداة حروف المعاني، قال فأشبه الأداة بأنه لا يلزم المعنى في كل الحالات كما يلزم الاسم صاحبه. فضارع "ليت" التي تقع للتمني، فإذا زالت التمني زالت، وكذلك ما أشبه "لبت" من الأدوات. وأشبه الاسم بوقوعه على دائم الفعل، وهو الذي قدمنا ذكره. فأعطى بحصة شبهه الاسم، الرفع والنصب. ومنع من الخفض لتقصيره عن كل منازل الأسماء. وخص بالجزم وترك التنوين في كل حال، لحصة شبهه الأداة لأن الأداة / حقها السكون و (أ) لا تعرب و (لا) تنون لعدمها تمكن الأسماء.
هذا الفصل صحيح، وهو مذهب البصريين بعينه، وإن كان بغير ألفاظهم لأن صاحبه جعل المعرب من الأفعال مضارعا للأسماء، والمبني منها مضارعا لحروف المعاني. هذا قول سيبويه وجميع البصريين.
стр. 43
باب القول في الاسم والفعل والحرف أيها أسبق في المرتبة والتقدم
قال البصريون والكوفيون: الأسماء قبل الأفعال، والحروف تابعة للأسماء، وذلك أن الأفعال أحداث الأسماء. يعنون بالأسماء أصحاب الأسماء، وقد مضى القول في اصطلاحهم على هذا. والاسم قبل الفعل لأن الفعل منه، (و) الفاعل سابق لفعله. وأما الحروف فإنما تدخل على الأسماء والأفعال لمعان تحدث فيها وإعراب تؤثره، وقد دللتا على أن الأسماء سابقة للإعراب. والإعراب داخل عليها، والحروف عوامل في الأسماء والأفعال مؤثرة فيها المعاني والإعراب. فقد وجب أن تكون بعدها.
سؤال يلزم القائلين بهذه المقالة. يقال لهم: قد أجمعتم على أن الفاعل قبل المعمول فيها، كما أن الفاعل قبل فعله، وكما أن المحدث سابق لحدثه. وأنتم جميعا مقرون أن الحروف عوامل في الأسماء والأفعال، فقد وجب أن تكون الحروف قبلها حقا سابقة لها. وهذا لازم لكم على أوضاعكم ومقاييسكم.
الجواب أن يقال، هذه مغالطة. ليس يشبه هذا الحدث والمحدث، ولا العلة والمعلول، وذلك أن نقول إن الفاعل في جسم فعلا ما، من حركة وغيرها، سابق لفعله ذلك فيه لا للجسم. فنقول إن الضارب قبل ضربه الذي أوقعه بالمضروب. لا يجب من ذلك أن يكون سابقا للمضروب موجودا قبله. بل يجب أن يكون سابقا لضربه الذي أوقعه به. وقد يجوز أن يكون المضروب أكبر سنا من الضارب.
стр. 44
ونقول أيضا؛ إن النجار / سابق للباب الذي نجره. ولا يجب من ذلك أن يكون سابقا للخشب الذي منه نجر الباب. ومثل هذا واضح بين. فكذلك مثال هذه الحروف العوامل في الأسماء والأفعال، وإن تكن أجساما، فنقول الحروف سابقة لعملها في هذه الأسماء والأفعال الذي هو الرفع والنصب والخفض والجزم ولا يجب من ذلك أن تكون سابقة للأسماء والأفعال نفسها. وهذا بين واضح.
стр. 45
باب القول في الأفعال أيها أسبق في التقدم
إعلم أن اسبق الأفعال في التقدم للفعل المستقبل. لأن الشيء لم يكن ثم كان، والعدم سابق للوجود، فهو في التقدم منتظر، ثم يصير في الحال (ثم) ماضيا فيخبر عنه بالمضي. فأسبق الأفعال في المرتبة المستقبل، ثم فعل الحال، ثم الماضي.
стр. 46
باب عن فعل الحال وحقيقته
إن قال قائل: قد ذكرت أن الافعال عبارة عن حركات الفاعلين، والحركة لا تبقى وقتين، وأصحابكم البصريون يعيبون على الكوفيين القول بالفعل الدائم لهذه العلة نفسها إن الحركة لا تبقى زمانين، وانه محال قول من قال فعل دائم وقد جعلتم أنتم أيضا الافعال ثلاثة أقسام فقلتم فعل ماض، وفعل مستقبل، وفعل في الحال. فأما الماضي والمستقبل فمعقولان. ولم ينفك فعل الحال من ان يكون في حيز الماضي أو الاستقبال، وإلا رجعتم إلى ما انكرتموه.
قيل له: الفعل على الحقيقة ضربان كما قلنا، ماض ومستقبل، فالمستقبل ما لم
стр. 47
يقع بعد، ولا أتى عليه زمان، ولا خرج من العدم إلى الوجود والفعل الماضي ما تقضى، وأتى عليه زمانان لا أقل من ذلك؛ زمان وجد فيه، وزمان خبرفيه عنه فأما فعل الحال فهو المنكون في حال خطاب المتكلم، فلم يخرج إلى حيز المضي والانقطاع، ولا هو في حيز المنتظر الذي لم يأت وقته، فهو المتكون في الوقت الماضي وأول الوقت المستقبل / ففعل الحال في الحقيقة مستقبل، لأنه يكون أولا أولا، فكل جزء خرح منه إلى الوجود صار في حيز المضي. فلهذه العلة جاء فعل الحال بلفظ المستقبل نحو قولك زيد يقوم الآن، ويقوم غدا، وعبد الله يركب الآن، ويركب غدا. فإن أردت أن تخلصه للاستقبال أخلت عليه السين أو سوف فقلت سيقوم زيد، وسوف يركب عبد الله، فيصير مستقبلا لا غير.
سؤال على البصريين في فعل الحال. يقال لهم: هلا كان للفعل الحال لفظ ينفرد به من المستقبل، لا يشركه فيه غيره ليعرف بلفظه أنه للحال، كما كان للماضي لفظ يعرف به أنه ماض؟
الجواب: قالوا: لما ضارع الفعل المستقبل الأسماء بوقوعه موقعها، وسائر وجوه المضارعة المشهورة التي تذكر في مواضعها مسطر في كتبهم، قوي فأعرب وجعل بلفظ واحد يقع بمعنيين حملا له على شبه الأسماء، كما أن من الأسماء ما يقع بلفظ واحد لمعان كثيرة، من ذلك العين التي يبصر بها، وعين الماء، وعيم الركية
стр. 48
وعين الميزان، وعين القوم وهو الربيئة، والعين حاضر من المال، والعين سحابة تنشأ من قبل القبلة، والعين نفس الشيء، والعين مصدر عنت الرجل عينا إذا أصبته بعين في أشباه لهذا كثيرة جدا معروفة في اللغة. كذلك جعل الفعل المستقبل بلفظ واحد يقع لمعنيين ليكون ملحقا بالأسماء حين ضارعها. والماضي لم يضارع الأسماء فتكون له قوتها، فبقي على حاله.
стр. 49
باب ذكر العلة في تسمية هذا النوع من العلم نحوا
إن سأل فقال: ما السبب في تسمية هذا النوع من العلم نحوا ولم حكم به؟ قيل له: السبب في ذلك ما حكى عن أبي الأسود الدؤلي أنه لما سمع كلام المولدين/ بالبصرة من أبناء العرب، أنكر ما يأتون به من اللحن لمشاهدتهم الحاضرة وأبناء العجم. وأن ابنة له قال له ذات يوم: يابه ما أشد الحمر، فقال لها: الرمضاء في الهاجرة يابنية. أو كلاما نحو هذا، لأن في الرواية اختلافا فقالت له: لم أسألك عن هذا، إنما تعجبت من شدة الحر. إنما تعجبت من شدة الحر. فقال لها: فقولي إذا ما أشد الحر. ثم قال: إنا لله، فسدت ألسنة أولادنا. وهم ان يضع كتابا يجمع فيه أصول العربية، فمنعه من ذلك زياد. وقال: لا نؤمن ان يتكل الناس عليه ويتركوا اللغة وأخذ الفصاحة من أفواه العرب، إلى ان فشا اللحن وكثر وقبح فأمره ان يفعل ما كان نهاه عنه، فوضع كتابا فيه جمل العربية ثم قال لهم: انحوا هذا النحو، أي اقصدوه. والنحو القصد، فسمي لذلك نحوا.
ويقال إنه أول من سطر في كتاب الكلام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. فسئل عن ذلك فقال: أخذته من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﷺ .
وقد يغلب الاسم أو الصفة أو اللقب على شيء فيعرف به خاصة دون غيره ممن هو في معناه. ألا ترى ان الفقه الفهم، يقال فقهت الحديث مثل فهمت،
стр. 50
ورجل فقيه وفقه أي فهم. ثم صار الفقه علم الدين خاصة، فإذا قيل رجل فقيه فإنما يراد العالم بأمر الشريعة، وإن كان كل من فهم علما وحذقه فهو فقيه به. وكذلك الطب هو الحذق. يقال منه رجل طب وطبيب، إذا كان حاذقا، ثم لزم الطبيب من عني الفلاسفة المؤدي إلى حفظ الصحة، والكاسب للصحة خاصة. ومثل هذا كثير.
стр. 51
باب الفرق بين النحو اللغة والإعراب والغريب
النحو اسم لهذا الجنس من العلم. وقد بينّا اشتقاقه، وذكرنا السبب في تسميته بذلك. والإعراب أصله البيان. يقال: أعرب الرجل عن حاجته إذا أبان عنها، ورجل مُعرِب أي مبين عن نفسه، ومنه الحديث "الثيِّب تعرب عن نفسها ... " هذا أصله. ثم إن النحويين لما رأوا في أواخر الأسماء والأفعال حركات تدل على المعاني، وتبين عنها، سموها إعراباً أي بياناً. وكأن البيان بها يكون. كما يسمى الشيء باسم الشيء إذا كان يشبهه أو مجاوراً له. ويسمى النحو إعراباً، والإعراب نحواً سماعاً، لأن الغرض طلب علم واحد. وأما اللغة، وهي العربية التي فضل الله بها العرب وأنطقهم بها، فهي لغتهم. كما أن لكل قوم لغة يتكلمون بها.
واللِّسن - بكسر اللام - اللغة أيضاً. حكى أبو عمرو لكل قومٍ لِسن أي لغة يتكلمون بها.
والإعراب الحركات المبينة عن معاني اللغة. وليس كل حركة إعراباً، كما أنه ليس كل الكلام مُعربا.
стр. 52
والدليل على صحة ما قلنا من معنى اللغة والإعراب، والفرق بينهما، أنه ليس كل من عرف الإعراب (و) فهم وجوه الرفع والنصب والخفض والجزم، أحاط علماً باللغة كلها ولا فهمها. ولا من فهم من اللغة قطعة ولم يُرش نفسه في تعلّم الإعراب، عرف الإعراب، ولا درى كيف مجاريه. وهذا بيّن واضح.
وأما الغريب فهو ما قل استماعه من اللغة. ولم يدُر في أفواه العامة، كما دار في أفواه الخاصة كقولهم: صكمت الرجل أي لكمته. وكقولهم للشمس يوح، وقولهم رجل ظروري للكيِّس. وقولهم للقصير الغليظ ظُرُبِّ. وقولهم فلان مخرنبق لينباع أي مطرق ليثب، وقيل ساكت، وقيل منتظر فرصة.
وهذا كثير جداً، وهذا وما أشبهه، وإن كان عربياً عند قوم، فهو معروف عند العلماء، وليس كل العرب يعرفون اللغة كلها، غريبها وواضحها ومستعملها وشاذها، بل هم في ذلك طبقات يتفاضلون فيها. كما أنه ليس كلهم يقول الشعر ويعرف الأنساب كلها، وإنما هو في بعض دون بعض. وأما اللغة الواضحة المستعملة سوى الشاذ والنوادر، فهم فيها شرع واحد.
стр. 53
باب القول في معنى الرفع والنصب والجر من طريق اللغة
قد قلنا إن الإعراب حركة ودللنا على معناه. والحركة لا تقوم بنفسها ولا توجد إلا في حرف، فلما كان الرفع والنصب والجر قد يكون في الكلام بأشياء سوى الحركة كما بينا ذلك فيما تقدم، وكان الأصل الحركة، وهو الأعم والأكثر، نسبوا ذلك كله إلى الحركة، فنسبوا الرفع كله إلى حركة الرفع لأن المتكلم بالكلمة المضمومة يرفع حنكه الأسفل إلى الأعلى ويجمع بين شفتيه وجُعل ما كان منه بغير حركة موسوماً أيضاً بسمة الحركة لأنها هي الأصل. والمتكلم بالكلمة المنصوبة يفتح فاه، فيبين حنكه الأسفل من الأعلى، فيبين للناظر إليه كأنه قد نصبه لإبانة أحدهما عن صاحبه. وأما الجر فإنما سمي بذلك لأن معنى الجر الإضافة؛ وذلك أن الحروف الجارة تجر ما قبلها فتوصله إلى ما بعدها كقولك مررت بزيد، فالباء أوصلت مرورك إلى زيد. وكذلك المال لعبد الله. وهذا غلام زيد.
هذا مذهب البصريين وتفسيرهم. ومن سماه منهم (و) من الكوفيين خفضاً، فإنهم فسروه نحو تفسير الرفع والنصب فقالوا لانخفاض الحنك الأسفل عند النطق به، وميله إلى إحدى الجهتين.
وأما الجزم فأصله القطع. يقال جزمت الشيء وجذمته وبترته
стр. 54
وجذذته وصلمته وفصلته وقطعت بمعنى واحد. فكأن معنى الجزم قطع الحركة عن الكلمة، هذا أصله، ثم جعل منه ما كان بحذف حرف على هذا، لأن حذف الحركة وحذف الحرف جميعاً يجمعهما الحذف. وكان المازني يقول: الجزم قطع الإعراب. فمعنى جزم الفعل المستقبل قطع الإعراب عنه، وذلك أن الفعل المستقبل، عنده وعند جميع البصريين، إنما يعرب إذا وقع موقع اسم. فقولك مررت برجل يقوم، تقديره مررت برجل قائم، وكذلك محمد ينطلق، تقديره محمد منطلق. قال المازني: فإذا قلت زيد لم يقم، فقد وقع الفعل موقعاً لا يقع فيه الاسم، فرجع إلى أصله وهو البناء.
وأقول إن هذا القول غير صحيح. وما أراه بيِّناً عنه. وذلك أنه يجب من هذا أن ت كون الأفعال أيضاً في حال النصب غير معربة في قولك: إذاً أكرمك ولن يقوم زيد وما أشبه ذلك، لأنها قد وقعت موقعاً لا تقعه الأسماء. والمازني يقول هي معربة، ومع ذلك فإن المبني لا يتغير عن حاله، وهذه الأفعال تغيّرها العوامل.
стр. 55
باب ذكر الفائدة في تعلم النحو
فإن قال قائل: فما الفائدة في تعلم النحو، وأكثر الناس يتكلمون على سجيتهم بغير إعراب، ولا معرفة منهم به، فيَفهمون ويُفهمون غيرهم مثل ذلك؟ فالجواب في ذلك أن يقال له: الفائدة فيه الوصول إلى التكلّم بكلام العرب على الحقيقة صواباً غير مبدل ولا مغيّر، وتقويم كتاب الله ، الذي هو أصل الدين والدنيا والمعتمد، ومعرفة أخبار النبي صلى الله عليه وسلمن وإقامة معانيها على الحقيقة. لأنه لا تفهم معانيها على صحة إلا بتوفيتها حقوقها من الإعراب. وهذا ما لا يدفعه أحد ممن نظر في أحاديثه ﷺ وكلامه. وقد قال الله في وصف كتابه ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً﴾. وقال ﴿بلسانٍ عربيٍّ مبين﴾ وقال ﴿وقرآنا عربياً غير ذي عِوَج﴾ فوصفه بالاستقامة كما وصفه بالبيان في قوله ﴿بلسان عربيٍّ مبين﴾ وكما وصفه بالعدل في قوله ﴿وكذلك أنزلناه حكماً عربياً﴾.
وأخبرنا أبو إسحق الزجّاج قال: سمعت أبا العباس المبرِّد يقول: كان بعض السلف يقول عليكم بالعربية، فإنها المروءة الظاهرة، وهي كلام الله وأنبيائه وملائكته.
стр. 56
وقال ابن عباس: ما أنزل الله تعالى كتاباً إلا بالعربية، ثم ترجم لكل نبي على لسان أمته وقال عمر بن الخطاب: عليكم بالعربية، فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة.
وقال عمر أيضاً: لأن أقرأ فأخطي أحبُّ إليّ من أن أقرأ فألحن. لأني إذا أخطأت رجعت، وإذا لحنت افتريت.
وقال أبو بكر وعمر: تعلُّم إعراب القرآن أحب إلينا من تعلم حروفه. وقال عمر لقوم رموا فأساؤوا الرمي فقال: بئس ما رميتم. فقالوا: إنا قوم متعلمين فقالك والله لخطؤكم في كلامكم أشد من خطئكم في رميكم. سمعت رسول الله ﷺ : يقول "رحم الله امرأً أصلح من لسانه" وقال بعض السلف: ربما دعوت فلحنت، فأخاف ألاّ يُستجاب لي. وقال أمير المؤمنين علي ﵇ "قيمة كل امرئ ما يحسن" وهذا قول جامع في فنون العلم.
وبعد فأدب العرب وديوانها هو الشعر، ولن يمكن أحداً من المولدين إقامته إلا بمعرفة النحو. ولا يطيق أحد من المتكلفين قول الشعر أن يتعاطى قوله إلا بعد إتقانه وجوه العربية، فإن تكلفه منهم متكلف، غير عارف بالعربية. خبط في عشواء، وبان عرواه للخاصة في أقرب مدة.
وهذا باب يطول جداً، أعني مدح العربية والنحو، وفيما ذكرت منه مقنع في هذا الموضع. فأما من تكلم من العامة بالعربية بغير إعراب فيُفهم عنه، فإنما ذلك في المتعارف المشهور والمستعمل المألوف بالدراية. ولو التجأ أحدهم إلى الإيضاح عن معنىً ملتبس بغيره، من غير فهمه بالإعراب، لم يمكنه ذلك. وهذا أوضح من أن يُحتاج إلى الإطالة فيه.
стр. 57
باب ذكر علة دخول التنوين في الكلام ووجوهه
اعلم أن التنوين يدخل في الكلام لثلاثة معان.
أحدها الفرق بين المتمكّن الخفيف في الأسماء، وبين الثقيل الذي ليس بمتمكن، كذلك قال سيبويه: والتنوين علامة للأمكن عندهم، وتركه علامة الما يستثقلون فجعله سيبويه فارقاً بين المتصرّف من الأسماء وغير المتصرّف وجعله لازماً للمتصرف لخفته.
وقال الفرَّاء التنوين فارق بين الأسماء والأفعال. فقيل له: فهلا جُعل لازماً للأفعال؟ فقال: الأفعال ثقيلة، والأسماء خفيفة، فجعل لازماً للأخف. وهذا القول مأخوذ من الأول. لأن ما لا ينصرف مضارع الفعل، وقد رجع ذلك إلى معنى واحد.
وقال بعض الكوفيين، التنوين فاصل بين المفرد والمضاف. وهذا أحد المعاني التي يدخل لها التنوين.
والمعنى الثاني أن يكون عِوضاً من محذوف من الكلمة. وذلك قولك هؤلاء حوارٍ وسوارٍ وغواشٍ وقواصٍ. وذلك أن التنوين في هذا الجنس عوض من نقصان البناء، ولذلك صار لازماً. وأصله جواري وسواري، فاستثقلت الضمة في الياء المكسور ما قبلها. وكذلك كان في حال الجر، مررت بجواري وسواري مثلاً، فاستثقلت للكسرة قبلها أيضاً فأسكنت، فلمّا سكنت نقص البناء،
стр. 58
فأدخل عليه التنوين عوضاً من نقص البناء، فسقطت الياء لسكونها وسكون التنوين بعدها، فقيل جوارٍ يا هذا. فهذا في حال الرفع والجر منوَّن كما ترى تقول هؤلاء جوارٍ وسوارٍ، ومررت بجوارٍ وغواشٍ. ولولا أن التنوين عوض من نقصان البناء؛ لما دخله التنوين، لأن هذا المثال لا ينصرف على حال في معرفة ولا نكرة إذا لم يكن معتل اللام، نحو مساجد ومضارب، فإذا صرت إلى حال النصب وفَّيته حظه من الإعراب، لخفة الفتحة فمنعته الصرف، فقلت: رأيت جواريَ وغواشيَ وسواريَ. لأنه حين تم بناؤه رجع إلى أصله فلم ينصرف لذلك فالتنوين في هذا الجنس من الأسماء عوض من نقصان البناء كما ترى. فإن كان من هذا الجنس المعتل اللام ما ينصرف نظيره، جعلته مصروفاً في النصب فقلت هذا قاض وغازٍ ورامٍ، ومررت بقاضٍ وغازٍ ورامٍ، ورأيت قاضياً وغازياً ورامياً، فصرفته. فإن سميت امرأة باسم من هذه الأسماء، كان في حال الرفع والخفض منوَّناً في المعرفة، وفي حال النصب غير منون، فقلت في امرأة اسمها قاضي: هذه قاض، ومررت بقاض، ورأيت قاضيَ فاعلم فلم تصرفها في حال النصب، لأن المذكر إذا سشمي به مؤنث لم يصرف في المعرفة، قلَّت حروفه أو كثرت وإنما نونته في حال الرفع والخفض، كما نونت جواري واغواشي، لأن التنوين فيه عوض من نقصان البناء. والفرق بين قاض وغاز وبابه، وبين جوار وغواش وبابه، أن قاضياً وما أشبهه مستحق للتنوين منصرف. قلما لحقه النقصان في حال الرفع والخفض، صار فيه عوضاً من نقصان البناء فلزمه، وباب جوار وغواش غير مستحق للتنوين، لأنه من باب مساجد وضوارب، فلما لحقه النقصان أدخل عليه التنوين عوضاً من نقصان البناء.
والمعنى الثالث الذي يدخل التنوين من أجلاه، هو أن يكون فرقاً بين الأسماء المعرفة والنكرة في بعض الأسماء خاصة. وهي الأسماء التي في أواخرها زوائد من الألفاظ الأعجمية نحو عمرويه وبكرويه وسيبويه وما أشبه ذلك، لأن هذه الأسماء
стр. 59
لما جاءت في أواخرها ألفاظ ليست في كلام العرب استثقلوها، فأجروها مجرى الأصوات، منعوها الإعراب، وبنوها على الكسر لسكون ما قبل أواخرها فيقولون هذا عمرويهِ، وبكرويهِ، ورأيت عمرويهِ وبكرويهِ، ومررت بعمرويهِ وبكرويهِ، بالكسر في كل حال. فإذا أرادوا تنكيرها نوَّنوها، فقالوا هذا عمرويهِ ومررت بعمرويهٍ آخر، فجعلوا التنوين دليلاً على المنكور منها، وكذلك الأصوات وحكاياتها، يقال: قال الغراب غاقِ، إذا أرادوا التعريف كأنهم قالوا قال الصوت الذي تعرف وسمعت به، فلم ينوِّنوه. وإذا أرادوا التنكير نوَّنوا، فقالوا: قال الغراب غاقٍ يا هذا، كأنهم قالوا: قال صوتاً من الأصوات. وكذلك جميع الأصوات والحكايات والزجر، يفرّق بين معرفتها ونكرتها بالتنوين.
стр. 60
باب ذكر علّة ثقل الفعل وخفَّة الاسم
قال البصريون: الفعل أثقل من الاسم. لأن الأسماء هي الأفعال. وهي أشدّ تمكناً من الأفعال، لأن الأسماء يستغني بعضها ببعض عن الأفعال. كقولك: الله ربّنا، ومحمد نبينا، وزيد أخوك. والفعل لا يستغني عن الاسم، ولا يوجد إلاّ به. وكشف بعضهم عن هذا المعنى أبيَن من هذا فقال: وجه ثقل الفعل وخفَّة الاسم أن الاسم إذا ذكر فقد دل على مُسمى تحته، نحو رجل وفرس ولا يطول فكر السامع فيه، والفعل إذا ذكر لم يكن (بد) من الفكر في فاعله، لأنه لا ينفك منه، ويستحيل وجوده من غير فاعل. قالوا: ولذلك صارت النكرات من الأسماء أخف من المعارف، لأنه إذا ذُكر الواحد منها دل على مُسمَّى تحته، بغير فكر في تحصيله بعينه، وإذا ذُكر الاسم المعروف فلا بد من الفكر في تحصيله دون سائر من يشركه فيه. الا ترى أنك إذا قلت: جاءني محمد، ذكرت واحداً معروفاً فسبيله أن يحصّله بعينه من سار من قد يشركه في التسمية، وإلا لم يكن لذلك معنى، وكنت تقول له: جاءني رجل يقال له محمد وإنما تقول له هذا عند ظنّك بأنه عارف به وربما أشكل.
وقال آخرون: إنما خف الاسم لأنه لا يدل إلا على المسمى الذي تحته. وثقل
стр. 61
الفعل لدلالته على الفاعل، والمفعول والمفعولَين والثلاثة، والمصدر، والظرفين من الزمان والمكان، والحال، وما أشبه ذلك.
وقال الكسائي، والفرَّاء، وهشام: الاسم أخف من الفعل، لأن الاسم يستتر في الفعل، والفعل لا يستتر في الاسم.
وكان ثعلب يقول: الأسماء أخف من الأفعال، لأن الأسماء جوامد لا تتصرّف، والأفعال تتصرف. فهي أثقل منها.
стр. 62
باب علة امتناع الأسماء من الجزم
قال سيبويه في ذلك قولين. قال في أول الرسالة، وهو القول الذي يعتمد عليه أصحابه، لم تجزم الأسماء لخفّتها ولزوم التنوين إياها، فلو جُزمت سقطت منها الحركة والتنوين، فكانت تختل وذلك أنك لو أردت جزم جعفر لزمك إسكان الراء، وبعدها التنوين، فكان يلزم حذف التنوين، لأنه ساكن وقبله الراء ساكنة، فكان يختل الاسم لذلك. ومع ذلك فإنه قد يكون من الأسماء ما يكون الحرف الذي قبل آخره ساكناً، نحو زيد وبكر وما أشبه ذلك، فلو جزم هذا النوع من الأسماء اجتمع فيه ثلاث سواكن فلم يمكن ذلك.
سؤال على أصحاب سيبويه، يقال لهم: فهلا حين قدّرتم إسكان الراء من جعفر للجزم، وبعده التنوين كما ذكرتم، حرَّكتم أحد الساكنين ولم تقدروا حذفه؟
الجواب أن يقال له: لو حرَّكنا الراء من جعفر لالتقاء الساكنين بطل لفظ الجزم من الكلام، لأنه كان كلما جزم وأسكن آخره للجزم، يلزم أن يحرَّك لالتقاء الساكنين، وهما الحرف الأخير والتنوين الذي بعده، وكان يبطل لفظ الجزم من الكلام. مثال ذلك: أنك لو أردت جزم مثال جعفر، لزمك إسكان آخر وتحريكه للتنوين الذي بعده.
سؤال آخر على أصحاب سيبويه في هذا المذهب. يقال لهم: فهلا حذفتم
стр. 63
آخر الحروف وأبقيتم على التنوين لالتقاء الساكنين، كما تفعلون ذلك في الأفعال المعتلة اللامات، نحو يقضي ويغزو وما أشبه ذلك، فإذا جزمتموها حذفتم أواخرها، وقد كانت أواخيرها عندكم في نيَّة حركة قبل الجزم في حال الرفع، لأن الجازم يدخل على الفعل المرفوع فيجزمه، لأن المنصوب لا يدخل عليه الجازم. فلمّ أجزتم في الأفعال حذف حركة وحرف، ولم تجيزوا ذلك في الأسماء وقلتم إنها تختل؟
الجواب في ذلك أن يقال: إن الأفعال المعتلة اللامات قد سلبت حركتها في حال الرفع، فصار يُنطلق بها غير متحركة لاستثقال الحركات فيها، فصارت بمنزلة غير متحركة، كقولك زيد يقضي ويمشي ويدعو ويغزو، فصار في هذه الحال بمنزلة سائر السواكن، فلما دخل عليه الجازم حذفت الساكن لأن الجزم هو القطع، فإذا صادف الجازم حركة حذفها، وإذا لم يصادف حركة وصادف حرفاً ساكناً حذفه، لئلا يكون الجزم كالرفع، فلم يحذف الجزم غير حرف واحد، ولم يحذف الحركة لأنها قد كانت حذفت قبله لعلة أخرى، والاسم ليس كذلك لأنه متحرك الأخِر، وأنت تسلب منه الحركة للجزم، ثم يلتقي الساكنان فيحذف آخره، فيكون الجزم ذهاب الحركة والحرف معاً فكان يختل. والدليل على صحة ما قلناه، أن من يجري المعتل مجرى الصحيح من العرب، فيقول: زيد يقضي ويمشي ويغزو ويدعو، فيحرك آخره في حال الرفع، لا يحذف منه في حال الجزم إلا الحركة وحدها، ويدع الحرف، فيقول: زيد لم يقضي ولم يمشي بإثبات الياء، فيجعل حذف الحركة علامة
стр. 64
للجزم. وكذلك يقول في الرفع زيد يغزو ويدعو، لأنه يجريه مجرى الصحيح. وهي لغة للعرب مشهورة متفق على حكايتها. وأنشدوا من هذه اللغة:
(ألم يأتيكَ والأنباءُ تَنْمِي ... بما لاقت لَبونُ بني زيادِ)
جعل إسكان الياء في يأتيك علامة للجزم، لأنه كان يضمّها في حال الرفع. سؤال آخر على أصحاب سيبويه في هذا المذهب يقال لهم: فإذا كنتم إنما امتنعتم من جزم الأسماء لئلا تحذفوا منها حركة وتنويناً كراهية أن تختل، فما بالكم تقولون: هذا قاضٍ وغازٍ وداعٍ ومشترٍ ومهتدٍ. ومررت بقاضٍ وغازٍ وداعٍ وما أشبه ذلك من الأسماء اللواتي في أواخرها ياءات مكسورة ما قبلها، فتحذفون منها في حال الرفع الضمة، وفي حال الخفض الكسرة، ثم تحذفون الياء لسكونها وسكون التنوين، فتذهبون من الاسم حرفاً وحركة، وهذا هو الذي من أجله امتنعتم من جزم الأسماء بزعمكم؟
الجواب أن يقال: إن هذا الاختلاف، وإنه كان يلحق بعض الأسماء لاعتلالها، فيس بلازم للأسماء كلها، فاحتمل في ذلك أن كان غير عام للأسماء كلها. ونحن لو أوجبنا للأسماء من أول وهلة الجزم لحقها الحذف والاختلال
стр. 65
فكان يكون ذلك إجحافاً بها أصلاً. وما لم يكن عاماً وكان نزراً يسيراً في جنب الأسماء الصحاح، كان أسهل فاحتمل فيه ذلك.
جواب آخر أن يقال: إن هذه الأسماء معتلة اللامات نحو قاض وداع وما أشبه ذلك، وإن كان يلزمها الحذف في بعض الأحوال، فليس بلازم لها. ألا ترى إذا أدخلت فيها الألف واللام أو أضفتها لم تسقط منها شيئاً. كقولك: هذا القاضي والغازي والداعي، وهذا قاضي واسط، وغازي بلاد العدو، وما أشبه ذلك. فلما كان الحذف إنما يلحقها في حال واحدة استجازوه فيها، فلم يكن مفسداً لأصولها ولا ناقضاً لمعنى. ولو أوجبنا لها ولسائر الأسماء الجزم، كان حذف الحركة لازماً لها في كل حال، وكان الحكم على لزوم الاختلال لها واجباً، فلم يجز لذلك.
جواب آخر ثالث: وهو أن هذه الأسماء يجريها كثير من العرب بالإعراب ولا يستثقلون فيها الحركات، فلا يحذفون منها شيئاً في حال رفع ولا نصب ولا خفض، فيقولون: هذا قاضي وغازي وداعي. ومررت بقاضي وغازي وداعي وكذلك ما أشبهه فيجرونه بالإعراب ولا يحذفون منه شيئاً. فهذا السؤال ساقط على مذهب هؤلاء.
جواب رابع يقال: هذه الأسماء لما كانت معتلَّة، ولم تسع الحركات فيها في حال الرفع والخفض؛ فجعل التنوين فيها عوضاً من نقصان البناء، لا علامة للصرف فلما لزمها التنوين حذفت الياء وبقي ما يدل عليها وهي الكسرة. فكان في التنوين عوض من نقصان الياء وفي الكسرة دليل على الياء.
والدليل على أن التنوين في هذه الأسماء عوض من نقصان البناء، تنوينك مثل: جوار وقواض وغواش وسوار، في حال الخفض والرفع. فأما في حال النصب فإن البناء يتم لخفة الفتحة؛ فترجع إلى الامتناع من الصرف لكمال البناء،
стр. 66
كقولك في الخفض والرفع: هؤلاء جوارٍ وغواشٍ، ومررت بجوارٍ وغواشٍ؛ وفي النصب: رأيت جواريَ وغواشيَ وقواضيَ، لا تصرفه. وكذلك لو سميت امرأة ورجلاً بقاضٍ وغازٍ وما أسبه ذلك، لنونته في حال الرفع والخفض، ومنعته من التنوين في حال النصب إذا كان اسماً لامرأة، ونوته إذا كان لمذكر. وهذا يدل على أن التنوين عوَّض من نقصان البناء، وأن هذا التنوين مخالف للتنوين الذي يلزم الأسماء السالمة.
القول الثاني من قول سيبويه في امتناع الأسماء من الجزم.
قال في آخر الرسالة: واعلم أن الأفعال أثقل من الأسماء، لأن الأسماء هي الأولى وهي أشد تمكناً، فمن ثم لم يلحقها تنوين ولحقها الجزم والسكون، هذا لفظ سيبويه. وقد صرح بهذا القول إن الأسماء أخف من الأفعال، وإن الأفعال أثقل من الأسماء، وإنه إنما جزمت الأفعال لثقلها، فخففت بالجزم لأنه حذف. وإن الأسماء كانت أحمل للخفض لخفتها ليعتدل الكلام فتخفيف الثقيل وإلزام بعض الثقيل للخفيف، وهذا هو قول الفراء.
وأكثر الكوفيين قالوا: لم تخفض الأفعال لثقلها، ولم تجزم الأسماء لخفتها ليعتدل الكلام. وقد مضى القول في الدلالة على ثقل الفعل وخفة الاسم.
وقال جماعة من الكوفيين والبصريين: لم تجزم الأسماء لاستحالة دخول الأدوات الجازمة عليها، لأن الأدوات الجازمة إنما هي للنفي أو للنهي أو الجزاء أو الأمر، وما أشبه ذلك، ودخولها على الأسماء غير سائغ، فامتنعت من الجزم لذلك.
стр. 67
باب ذكر علّة امتناع الأفعال من الخفض
قال سيبويه: "ليس في الأفعال المضارعة جر، كما أنه ليس في الأسماء جزم، لأن المجرور داخل في المضاف إليه معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال" هذا الذي يعتمد عليه الاس في امتناع الأفعال من الخفض. وكل علة تذكر بد هذا في امتناع الأفعال من الخفض، فإنما هي شرح هذه العلة وإيضاحها أو مولّدة منها، وليس فيها زيادة معنى بوجه ولا سبب، لا في مذهب البصريين ولا الكوفيين، وإنما اشرح لك قول سيبويه أولاً، ثم أعود لذكر باقي العلل إن شاء الله.
أما قوله: ليس في الأفعال المضارعة جر، فالمضارعة عنده هي الأفعال المستقبَلة التي في أوائلها الزوائد الأربع؛ الهمزة والياء والنون والتاء، كقولك: أقوم ويقوم ونقوم وتقوم والمضارعة المشابهة، وإنما سمَّاها مضارعة، لأنها ضارعت الأسماء التي أشبهتها، ولذلك أعربها. وإنما قال: وليس في الأفعال المضارعة جر فقصدها دون سائر الأفعال؛ لأن كل فعل سوى المضارع عنده مبني غير معرّب، وإنما كان في ذكر الجر، والجر إعراب، ولما كان إعراباً وكانت الأفعال سوى المضارعة مبنية غير مستحقة للإعراب، للعلل التيل قد ذكرتها لك فيما مضى من هذا الكتاب، سقط السؤال عنها، السؤال لِمَ لم تخفض؟ وبقي السؤال عن الفعل المضارع الذي هو معرب. فكأنه أجاب من سأله فقال له: إذا كان الفعل
стр. 68
المضارع عندك معرباً، فلِم امتنع من الخفض؟ فقال: لأن المجرور داخل في المضاف إليه، معاقب للتنوين، وليس ذلك في هذه الأفعال. واختصر الجواب كما ترى.
وشرحه أن المجرور مضاف إليه، واقع موقع التنوين، لأنه زيادة في الاسم يقع آخراً، والأفعال لا يضاف إليها فامتنعت من الخفض لذلك. وتقريب هذا أن يقال: لِمَ تخفض الأفعال، لأن الخفض لا يكون إلا بالإضافة والإضافة إلى الأفعال مستحيلة فامتنعت من الخفض لذلك.
سؤال على أصحاب سيبويه. يقال لهم: فإذا كان اعتماد صاحبكم، كمخا زعمتم عنه في امتناع الأفعال من الخفض، هو لأن الإضافة إليها غير سائغة، وأن الخفض لا يكون إلا بالإضافة، فما دليلكم على أن الإضافة إلى الأفعال غير سائغة؟
الجواب: الدليل على أن الإضافة إلى الأفعال غير سائغة هو أن الإضافة في الكلام على ثلاثة أوجه؛ إضافة الشيء إلى مالكه، كقولك: هذه دار زيد وهذا ثوب عبد الله، وإضافة الشيء إلى مستحقه أو الموصل إليه، كقولك: الحمد لله، أي هو مستحقه، والشكر لزيد، ومررت بعبد الله، لأن الباء أوصلت مرورك إلى عبد الله، كما أوصلت اللام الشكر إلى زيد، وكذلك سائر حروف الجر إنما هي صلات للأفعال إلى مفعوليها. وإضافة الشيء إلى جنسه، كقولك: هذا ثوب خز، وخاتم حديد، وباب ساج. وما أشبه ذلك. فلما كانت الأفعال لا تملك، لأنها ليست واقعة على مسمَّيات تستحق الملك، لأنها إنما هي عبارة عن حركات الفاعلين في زمان ماض منقض أو حاضر أو منتظَر، لم تكن إضافة الشيء إليها إضافة ملك. ألا ترى أن قولك: هذا غلام ضرب، أو صاحب يقوم وما أشبه ذلك، وأنت تريد به أن الفعل مستحق (له، لا معنى له) فلم تمكن الإضافة إليها من هذا الوجه، كما أنها لا تملك شيئاً كذلك أيضاً لا تستحقه، لأنه
стр. 69
لو جاز أن تستحق جاز أن تملك، فلما لم تستقر على شيء بعينه لم يتميز استحقاقها المستحق. ألا ترى أن كل فعل دال على حدَث ومحدِثه وزمان ومكان، لأنه قد علم أن فاعلاً ومفعولاً لا يكونان إلا في مكان. كقولك: قام زيد: فقد دل ذلك القيام على فاعله وعلى الزمان الماضي، وعلمت أنه لا بد لزيد من مكان فيه فعل القيام، وإن لم يكن في لفظ الفعل دليل. فإن كان الفعل مع ذلك متعدياً إلى مفعول أو مفعولين أو ثلاثة، دل على ذلك أجمع. وفيه أيضاً دليل على حال كان فيها الفاعل والمفعول. فإذا كان الفعل واقعاً على هذه الأشياء كلها، ثم أضيف إليه مستحق أو ما يحق له ملكه، لم يدر بأي شيء من هذه الأشياء يتصل، فلم تجز الإضافة إليه من هذين الوجهين.
وكذلك إيصال الفعل بحرف الخفض إلى مفعوله، كقولك: مررت بزيد، وركبت إلى عبد الله، غير جائز مثله في الأفعال، لأن هذه المخفوضات مفعولات في الحقيقة كما ترى، والفعل لا يكون مفعولاً وذلك محال، ولو جاز أن يكون مفعولاً لكان اسماً لأنه قد مضى القول بأن كل شيء وقع في حيّز الفاعل أو المفعول فهو اسم، في أول الكتاب بما فيه غني عن الإعادة.
جواب في امتناع الأفعال من الإضافة إليها. قال أبو الحسن سعيد ابن مسعدة الأخفش: لم يدخل الأفعال جر، لأنها أدلة، وليست الأدلة بالشيء الذي تدل عليه. وأما زيد وعمرو وأشباه ذلك، فهو الشيء بعينه، وإنما يضاف إلى الشيء بعينه لا إلى ما يدل عليه، وليس يكون جر في شيء من الكلام إلا بالإضافة.
стр. 70
تلخيص قول الأخفش هذا وشرحه:
أما قوله: ليس الجر في الأفعال لأنها أدلة، فهو كما ذكرناه أولاً من أن الأفعال عبارة عن حركات الفاعلين، فهي أدلة على فاعليتها، وفي حروفها دليل على الحدث، وفي أبنيتها دليل على الزمان، وفي المتعدي منها دليل على المفعول. وأما قوله: وليست الأدلة بالشيء الذي تدل عليه، فكلام غير مشكل ولا محتاج إلى تفسير، لأن كل ذي عقل يعلم (أن) الدليل على الشيء غيره. وأما قوله: وأما زيد وعمرو وأشباه ذلك فهو الشيء بعينه، فكلام ملبس مشكل خارج مخرج المُلغَز من الكلام، لأنه لا اتصال له بما ذكره، وأي اتصال بين قوله: وليس الأدلة بالشيء الذي تدل عليه، وبين قوله: وأما زيد وعمرو وأشباه ذلك فهو الشيء بعينه؟ وإنما غرضه أن يخبر أن الإضافة إلى الفعل غير ممكنة لأنه دليل على الفاعل والمفعول والحدث، والإضافة إنما تكون إلى الفاعل أو المفعول أو الحدث، ولا تجوز الإضافة إلى ما دل على هذه الأشياء وهو الفعل، لأن الدليل على الشيء غيره، ولا تجوم الإضافة إلى الدليل والمراد به المدلول عليه. وأما قوله: وليس جر في شيء من الكلام إلا بالإضافة فهو قول سيبويه الذي قدمته لك أولاً وذكرت لك أن كل علة يحتج بها في امتناع الفعل من الخفض راجعة إليه موضحة له.
جواب ثالث في امتناع الأفعال من الإضافة إليها أو خفضها. وهو للأخفش أيضاً. قال الأخفش: لا يدخل الأفعال الجر، لأنه لا يضاف إلى الفعل، والخفض لا يكون إلا بالإضافة. ولو أضيف إلى الفعل، والفعل لا يخلو من فاعل. وجب أن يقوم الفعل وفاعله مقام التنوين، لأن المضاف إليه يقوم
стр. 71
مقام التنوين، وهو زيادة في المضاف كما أن التنوين زيادة، فلم يجز أن نقيم الفعل والفاعل مقام التنوين لأن الاسم لا يحتمل زيادتين، ولم يبلغ من قلة التنوين وهو واحد أن يقوما مقامه، كما لا يحتمل الاسم الألف واللام مع التنوين وهذه علة جيدة.
سؤال على المعتمدين على هذا الجواب.
يقال لهم: فإذا كان اعتلالكم في امتناع الأفعال من الإضافة إليها، هو أنه لم يمكن أن يقول الفعل والفاعل مقام التنوين لأن المضاف إليه واقع مقام التنوين لم يجز أن يقوم اثنان مقام التنوين، كما لم يحتمل الاسم الألف واللام مع التنوين فإن هذا يفسد عليكم باجتماع الألف واللام ونون الاثنين والجميع، والألف واللام زائدان والنون زائدة ومؤدية معنى التنوين، فقد جمعتم بين زيادتين فررتم من اجتماع مثلهما، وجعلتموه الدليل على امتناع الأفعال من الإضافة إليها، فقد بطل ما ذهبتهم إليه من ذلك، وبان فساده.
الجواب في ذلك أن يقال: إنما كرهنا الجمع بين زيادتين تجريان مجرى واحداً في تمكين الاسم، وهما الألف واللام والتنوين، وذلك أن الألف واللام يمكنان الاسم فهما دليل تمكنه. وكذلك التنوين دليل تمكن الاسم. ألا ترى أن ما لا يتمكن لا يدخله التنوين، وما دخلته الألف واللام تمكن، والنون ليست كذلك، لأنها ليست دليل تمكّن، فجاز الجمع بينهما لذلك ولم يجز الجمع بين التنوين والألف واللام، لأن في كل منهما كفاية عن صاحبه في التمكن.
جواب آخر: وهو أن النون عوض من حركة تنوين، وكان حكمهما جميعاً أن يثبتا في كل حال، فحذف التنوين في الواحد لئلا يشبه النون الأصلية، فلما صار إلى التثنية والجمع ورجع إلى أصله فثبت لأنه لا يلتبس بشيء.
стр. 72
سؤال على أصحاب سيبويه في امتناع الأفعال من الخفض.
وهو أن يقال لهم: إذا كان اعتمادكم في امتناع الأفعال من الخفض، إنما هو لاستحالة الإضافة إليها، فيجب على هذا ألا تضاف الأفعال البتة، لأن الشيء المحال لا يصير غير محال، ما دام على الجهة التي وُجد فيها مجالاً من غير تغيير حال ولا بناء. وإذا أريناكم أشياء قد أضيفت إليها الأفعال بان فساد ما احتججتم به وبطل ما ذهبتم إليه وقد رأينا العرب قد أضافت أشياء إلى الأفعال؛ منها أنها أضافت إليها أسماء الزمان كقولهم: هذا يوم يقوم زيد، وهذه ساعة يذهب بكر، وقصدتك يوم خرج عبد الله، وأقصدك يوم يقوم أخوك، وكذلك ما أشبهه. وقد أضافت إليها قولهم (ذو)، وذلك قولهم: اذهب بذي تسلم، واذهبا بذي تسلمان، واذهبوا بذي تسلمون، وكذلك يقولون للمرأة: اذهبي بذي تسلمين، واذهبا بذي تسلمان، واذهبن بذي تسلمن. وأضافوا إلى الأفعال (آية) في قولهم:
(ألا أبلغ لديك بني تميمٍ ... بآية ما تُحبّونَ الطعاما)
стр. 73
وقال آخر، وهو من القصيدة:
(بآية تُقْدِمون الخيلَ زوراً ... كأنّ على سَنابِكها مُداما)
فقد بان بإضافتهم هذه الأشياء إلى الأفعال بطلان ما ذكرتم.
الجواب في ذلك أن يقال: إن الشيء إذا اطرّد عليه باب، فصحَّ في القياس وقام في المعقول، ثم اعترض عليه شيء شاذ نزر قليل، لعلة تلحقه، لم يكن ذلك مُبطلاً للأصل، والمتَّفقِ عليه في القياس المطرد، ومثل هذا موجود في جميع العلوم حتى في علوم الشرائع والديانات. فليس إضافة هذه الأشياء إلى الأفعال - لو صح أنها على ما ذهبتم إليه، مع قلتها وكثرة ما امتنع من ذلك - بمفسدة لما ذكرناه. فكيف ولكل شيء مما ذكرتموه سبب وعلة ليس على الظاهر الذي توهَّمتموه. فمن ذلك: أن إضافة أسماء الزمان إلا الأفعال في قولهم: هذا يوم يقوم زيد، وما أشبه ذلك، إنما جازت لأن الأفعال مع فاعليها جمل، ومن شروط أسماء الزمان أن تضاف إلى الجمل إذا كانت موضحة لها، كقولك: قصدتك يوم أخوك منطلق، وزرتك يوم الحجّاج أمير. وكذلك ما أشبهه. أضيفت إلى الأفعال وفاعليها، لدخولها في باب الجمل، كما أضيفت إلى سائر الجمل.
جواب آخر في إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال وهو أن الغرض إنما هو المصادر، فكأن المضاف إليه في الحقيقة المصدر، لأن تأويل قولك: هذا يوم يقوم زيد، هذا يوم قيام زيد، وليس هذا المعنى موجوداً في إضافة سائر الأسماء إليها، لأنه لا فائدة تقع فيه. ألا ترى أنك لو قلت؛ هذا غلام يركب زيد، وأنت
стр. 74
تريد هذا غلام ركوب زيد، كان محالاً، فاستجيز ذلك في أسماء الزمان بحسن إضافتهم إلى المصادر، والأفعال دالة على مصادرها، فكأن الإضافة إلى المصادر في الحقيقة.
جواب ثالث في إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال. وهو أن الفعل بلفظه دالٌ على الزمان، والمصدر دال على الفاعل والمفعول لا بلفظه، وكان الزمان بعض الفعل، فإضافة الزمان إلى الفعل كإضافة بعض إلى بعض.
جواب رابع في إضافة الزمان إلى الفعل.
قال الأخفش: إنما اضيفت أسماء الزمان إلى الأفعال لأن الأزمنة كلها ظروف للأفعال والمصادر، والظروف أضعف الأسماء فقووّها بالإضافة إلى الأفعال. وهذا قول ضعيف، لأن الأفعال أضعف من الأسماء، لأن الضعف والقوة في العربية إنما هما في التمكن والامتناع منه، والأسماء أمكن من الأفعال فلن توقيها إضافتها إلى الأفعال. ومع ذلك فيقال له: فهلا قووَّا كل ضعيف من الأسماء (بإضافته) إلى الأفعال ليقويها ذلك. وإلا فما الفرق؟ يقال له أيضاً: فإن كانت إضافتها إلى الأفعال تقويها، فما بالها تُبنى إذا أضيف إليها كما قال الشاعر:
(على حين عاتبت المَشيب على الصبي ... وقلت ألمَّا تصح والشيب وازع)
ألا ترى أن أكثر الرواة على فتح حين ها هنا بناءً لها لإضافتها إلى الفعل.
стр. 75
وقد أعربها بعضهم إلا أنه وإن كانت الإضافة للأفعال إنما هي لتقويتها فقد كان يجب ألا تبنى في حال إضافتها إليها. والقول في حين وبنائها وإعرابها يذكر في باب المبنيات إن شاء الله.
الجواب عن إضافة آية إلى الفعل وذكر علل ذلك.
وأما آية فهي عندي لا تجوز إضافتها إلى الفعل. ولم يأت في ذلك ما يحتج به، ولا تصح في القياس إضافتها إليه. وقد احتج بعض أصحابنا لذلك بعلة أنا أقدم ذكرها وأبيّن فسادها، ثم أذكر ما عندي في ذلك إن شاء الله. زعم بعض أصحابنا (إنما جاز إضافة آية إلى الفعل لأنها بمنزلة الوقت، وذلك أن الأوقات إنما تذكر ليدل بها على ترتيب الحوادث الكائنة فيها؛ في تقديم ما يتقدم منها، وتأخير ما يتأخر، وما يقترن وجوده بوجود غيره. والمقدار الذي بين وجود المتقدم منها والمتأخر، فصار ذكر الوقت علما لما وقع أو يقع منها وما يقترن بغيره. ألا ترى أنك إذا قلت: إذا أذن المؤذن فائتني، فقد جعلت أذان المؤذن وقتاً لإتيانه وعلما له. كما أنك إذا قلت: إذا كان يوم كذا وكذا فائتني. فقد جعلت ذلك اليوم وقتاً لإتيانه وعلامة متى وجدها لزمه امتثال أمرك عند كونها. وكذلك إذا قال: لا أفعل ذلك بآية يقوم. فقد جعل يقوم وقتاً لما يريده فصح إضافة العلامة إلى الفعل، كما يضاف إليه الوقت، لأنهما في القصد يؤولان إلى شيء واحد).
следующие страницы →