Полный текст (102 стр.). Показаны 71–102 · переход к 76.
стр. 71
مقام التنوين، وهو زيادة في المضاف كما أن التنوين زيادة، فلم يجز أن نقيم الفعل والفاعل مقام التنوين لأن الاسم لا يحتمل زيادتين، ولم يبلغ من قلة التنوين وهو واحد أن يقوما مقامه، كما لا يحتمل الاسم الألف واللام مع التنوين وهذه علة جيدة.
سؤال على المعتمدين على هذا الجواب.
يقال لهم: فإذا كان اعتلالكم في امتناع الأفعال من الإضافة إليها، هو أنه لم يمكن أن يقول الفعل والفاعل مقام التنوين لأن المضاف إليه واقع مقام التنوين لم يجز أن يقوم اثنان مقام التنوين، كما لم يحتمل الاسم الألف واللام مع التنوين فإن هذا يفسد عليكم باجتماع الألف واللام ونون الاثنين والجميع، والألف واللام زائدان والنون زائدة ومؤدية معنى التنوين، فقد جمعتم بين زيادتين فررتم من اجتماع مثلهما، وجعلتموه الدليل على امتناع الأفعال من الإضافة إليها، فقد بطل ما ذهبتهم إليه من ذلك، وبان فساده.
الجواب في ذلك أن يقال: إنما كرهنا الجمع بين زيادتين تجريان مجرى واحداً في تمكين الاسم، وهما الألف واللام والتنوين، وذلك أن الألف واللام يمكنان الاسم فهما دليل تمكنه. وكذلك التنوين دليل تمكن الاسم. ألا ترى أن ما لا يتمكن لا يدخله التنوين، وما دخلته الألف واللام تمكن، والنون ليست كذلك، لأنها ليست دليل تمكّن، فجاز الجمع بينهما لذلك ولم يجز الجمع بين التنوين والألف واللام، لأن في كل منهما كفاية عن صاحبه في التمكن.
جواب آخر: وهو أن النون عوض من حركة تنوين، وكان حكمهما جميعاً أن يثبتا في كل حال، فحذف التنوين في الواحد لئلا يشبه النون الأصلية، فلما صار إلى التثنية والجمع ورجع إلى أصله فثبت لأنه لا يلتبس بشيء.
стр. 72
سؤال على أصحاب سيبويه في امتناع الأفعال من الخفض.
وهو أن يقال لهم: إذا كان اعتمادكم في امتناع الأفعال من الخفض، إنما هو لاستحالة الإضافة إليها، فيجب على هذا ألا تضاف الأفعال البتة، لأن الشيء المحال لا يصير غير محال، ما دام على الجهة التي وُجد فيها مجالاً من غير تغيير حال ولا بناء. وإذا أريناكم أشياء قد أضيفت إليها الأفعال بان فساد ما احتججتم به وبطل ما ذهبتم إليه وقد رأينا العرب قد أضافت أشياء إلى الأفعال؛ منها أنها أضافت إليها أسماء الزمان كقولهم: هذا يوم يقوم زيد، وهذه ساعة يذهب بكر، وقصدتك يوم خرج عبد الله، وأقصدك يوم يقوم أخوك، وكذلك ما أشبهه. وقد أضافت إليها قولهم (ذو)، وذلك قولهم: اذهب بذي تسلم، واذهبا بذي تسلمان، واذهبوا بذي تسلمون، وكذلك يقولون للمرأة: اذهبي بذي تسلمين، واذهبا بذي تسلمان، واذهبن بذي تسلمن. وأضافوا إلى الأفعال (آية) في قولهم:
(ألا أبلغ لديك بني تميمٍ ... بآية ما تُحبّونَ الطعاما)
стр. 73
وقال آخر، وهو من القصيدة:
(بآية تُقْدِمون الخيلَ زوراً ... كأنّ على سَنابِكها مُداما)
فقد بان بإضافتهم هذه الأشياء إلى الأفعال بطلان ما ذكرتم.
الجواب في ذلك أن يقال: إن الشيء إذا اطرّد عليه باب، فصحَّ في القياس وقام في المعقول، ثم اعترض عليه شيء شاذ نزر قليل، لعلة تلحقه، لم يكن ذلك مُبطلاً للأصل، والمتَّفقِ عليه في القياس المطرد، ومثل هذا موجود في جميع العلوم حتى في علوم الشرائع والديانات. فليس إضافة هذه الأشياء إلى الأفعال - لو صح أنها على ما ذهبتم إليه، مع قلتها وكثرة ما امتنع من ذلك - بمفسدة لما ذكرناه. فكيف ولكل شيء مما ذكرتموه سبب وعلة ليس على الظاهر الذي توهَّمتموه. فمن ذلك: أن إضافة أسماء الزمان إلا الأفعال في قولهم: هذا يوم يقوم زيد، وما أشبه ذلك، إنما جازت لأن الأفعال مع فاعليها جمل، ومن شروط أسماء الزمان أن تضاف إلى الجمل إذا كانت موضحة لها، كقولك: قصدتك يوم أخوك منطلق، وزرتك يوم الحجّاج أمير. وكذلك ما أشبهه. أضيفت إلى الأفعال وفاعليها، لدخولها في باب الجمل، كما أضيفت إلى سائر الجمل.
جواب آخر في إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال وهو أن الغرض إنما هو المصادر، فكأن المضاف إليه في الحقيقة المصدر، لأن تأويل قولك: هذا يوم يقوم زيد، هذا يوم قيام زيد، وليس هذا المعنى موجوداً في إضافة سائر الأسماء إليها، لأنه لا فائدة تقع فيه. ألا ترى أنك لو قلت؛ هذا غلام يركب زيد، وأنت
стр. 74
تريد هذا غلام ركوب زيد، كان محالاً، فاستجيز ذلك في أسماء الزمان بحسن إضافتهم إلى المصادر، والأفعال دالة على مصادرها، فكأن الإضافة إلى المصادر في الحقيقة.
جواب ثالث في إضافة أسماء الزمان إلى الأفعال. وهو أن الفعل بلفظه دالٌ على الزمان، والمصدر دال على الفاعل والمفعول لا بلفظه، وكان الزمان بعض الفعل، فإضافة الزمان إلى الفعل كإضافة بعض إلى بعض.
جواب رابع في إضافة الزمان إلى الفعل.
قال الأخفش: إنما اضيفت أسماء الزمان إلى الأفعال لأن الأزمنة كلها ظروف للأفعال والمصادر، والظروف أضعف الأسماء فقووّها بالإضافة إلى الأفعال. وهذا قول ضعيف، لأن الأفعال أضعف من الأسماء، لأن الضعف والقوة في العربية إنما هما في التمكن والامتناع منه، والأسماء أمكن من الأفعال فلن توقيها إضافتها إلى الأفعال. ومع ذلك فيقال له: فهلا قووَّا كل ضعيف من الأسماء (بإضافته) إلى الأفعال ليقويها ذلك. وإلا فما الفرق؟ يقال له أيضاً: فإن كانت إضافتها إلى الأفعال تقويها، فما بالها تُبنى إذا أضيف إليها كما قال الشاعر:
(على حين عاتبت المَشيب على الصبي ... وقلت ألمَّا تصح والشيب وازع)
ألا ترى أن أكثر الرواة على فتح حين ها هنا بناءً لها لإضافتها إلى الفعل.
стр. 75
وقد أعربها بعضهم إلا أنه وإن كانت الإضافة للأفعال إنما هي لتقويتها فقد كان يجب ألا تبنى في حال إضافتها إليها. والقول في حين وبنائها وإعرابها يذكر في باب المبنيات إن شاء الله.
الجواب عن إضافة آية إلى الفعل وذكر علل ذلك.
وأما آية فهي عندي لا تجوز إضافتها إلى الفعل. ولم يأت في ذلك ما يحتج به، ولا تصح في القياس إضافتها إليه. وقد احتج بعض أصحابنا لذلك بعلة أنا أقدم ذكرها وأبيّن فسادها، ثم أذكر ما عندي في ذلك إن شاء الله. زعم بعض أصحابنا (إنما جاز إضافة آية إلى الفعل لأنها بمنزلة الوقت، وذلك أن الأوقات إنما تذكر ليدل بها على ترتيب الحوادث الكائنة فيها؛ في تقديم ما يتقدم منها، وتأخير ما يتأخر، وما يقترن وجوده بوجود غيره. والمقدار الذي بين وجود المتقدم منها والمتأخر، فصار ذكر الوقت علما لما وقع أو يقع منها وما يقترن بغيره. ألا ترى أنك إذا قلت: إذا أذن المؤذن فائتني، فقد جعلت أذان المؤذن وقتاً لإتيانه وعلما له. كما أنك إذا قلت: إذا كان يوم كذا وكذا فائتني. فقد جعلت ذلك اليوم وقتاً لإتيانه وعلامة متى وجدها لزمه امتثال أمرك عند كونها. وكذلك إذا قال: لا أفعل ذلك بآية يقوم. فقد جعل يقوم وقتاً لما يريده فصح إضافة العلامة إلى الفعل، كما يضاف إليه الوقت، لأنهما في القصد يؤولان إلى شيء واحد).
стр. 76
شرح فساد هذا القول. أما قوله: إن الأوقات إنما تذكر ليُدل بها على ترتيب كون الحوادث في تقديم المتقدم منها وتأخير المتأخر والمقدار الذي بينهما واقتران ما يقترن وجوده بغيره، فكلامه صحيح لا مطعن عليه. وأما تشبيه ذلك بآية فمغالطة، لأنه إذا قال: إذا أذّن المؤذن فائتني، فوقت الإتيان غير وقتع الأذان، وإن كان علماً له، يستدل (به) على لزوم الإتيان له. وإذا قال: بآية يقوم، فقد زعم أنه جعل يقوم وقتاً لما يريده، وهذا غلط، لأن الفعل لا يكون وقتاً بل يحتاج إلى وقت فيكون فيه. وهذا بيّن الإحالة. ومع ذلك فإنك إذا قلت له: افعل ذلك بآية يقوم، فإنك تأمره بفعل يحدثه، وتذكرّه علامة بينك وبينه، وليس مثل قولك هذا يوم يقوم زيد. وأما قوله: وجاز إضافة الآية إلى الفعل كإضافة الوقت لأنهما يؤولان إلى شيء واحد. فليس بشيء لأن الوقت يضاف إلى الفعل طلباً للمصدر. فناب الفعل عن مصدره بدلالته عليه. والآية عنده - كما زعم - تضاف إلى الفعل والمعنى أن الفعل وقت لما أراده. وهذا مقلوب غير متسق ولا منتظم.
وأما القول الصحيح في آية عندي فهو أن إضافتها إلى الفعل غير جائزة ولا صحيحة، لأنها ليست بوقت فتدخل في جملة أسماء الزمان، وقد مضى ذكر عللها. ولا هي متعلقة من الفعل بشيء. ولا فرق بين آية وسائر الأسماء في ذلك.
(فأما قول) الشاعر:
(الا أبلغ لديك بني تميمٍ ... بآية ما تحبّون الطَّعاما)
فليست هذه إضافة صحيحة إلى الفعل، وإنما هي إلى المصدر، لأن (ما) بتأويل المصدر، فكأنه قال بآية محبتهم الطعام. كما تقول أعجبني ما صنعت
стр. 77
أي أعجبني صنعك (و) كما تقول: ما أحسن ما كان زيد، وأنت تريد ما أحسن كون زيد. وهذا بيّن واضح.
وأما قوله:
(بآية تُقدمون الخيل زُورا ... كأن على سنابكها مُداما)
فإنه أراد بآية ما تقدمون الخيل ليجعل (ما) مع الفعل بتأويل المصدر كما ذكرناه في البيت الأول، فاضطر فحذفها من لفظة ضرورة وهو ينويها. كما قال:
(وكَحلَ العينين بالعواوِرِ)
فلم يهمز الواو وقد وقعت طرفاً بعد ألف، لأن تقديره بالعواوير. فإذا قدرها كذلك بعدت من الطرف، ولا يجوز همزها، كما لم تهمز في قولهم طواويس ونواويس، وكما قرأ بعض القراء "لقد تقطع بينكم" بالنصب في بين لتقدير ما. فإذا كان مثل هذا - أعني إضمار ما - قد جاز في القرآن، فهو في الشعر أجوز. فيكون قوله بآية تقدمون تقديره بآية ما تقدمون.
وأما القول في إضافة ذي إلى الفعل في قولهم: اذهب بذي تسلم فإن هذه
стр. 78
اللفظة جرت في كلامهم كالمثل. قال الأصمعي: تقول العرب: اذهب بذي تسلم. والمعنى اذهب والله يسلمك، دعاء له بالسلامة. واذهبا بذي تسلمان، والمعنى اذهبا والله يسلمكما. واذهبوا بذي تسلمون، والمعنى والله يسمكم. فإذا كانت هذه الكلمة جارية مجرى المثل، فإن الأمثال يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها وتزال كثيراً عن القياس. كذلك مجراها في كلامهم. واحتمل ذلك فيها لقلة دورها في الكلام. ولذلك تقديران في العربية صحيان في القياس؛ أحدهما أن تكون (ذو) هو الموضوع لذات الشيء، كما تقول: مررت برجل ذي مال، فذي هو الرجل نفسه وأضفته إلى المال. فإذا قلت: اذهب بذي تسلم، فذي نعت قام مقام المنعوت، كما تقولك مررت بذي مال، وأنت تريد برجل ذي مال، فيكون التقدير اذهب بيوم ذي تسلم أو بوقت ذي تسلم، أي ذي تسلمه، فذو (هو) اليوم والوقت، فلذلك جاز إضافته إلى الفعل كما يضاف الزمان، وقد مضى القول في هذا. ويؤول التأويل إلى أن الإضافة في الحقيقة إلى المصدر، فكأنه قيل: اذهب بسلامك. والوجه الآخر أن تكون (ذو) بمنزلة الذي، وهي لغة للعرب، فكأنه قيل: اذهب بالذي تسلمه، فالهاء مقدرة في المعنى محذوفة من اللفظ، وهو مصدر تقديره اذهب بالسلامة التي تسلمها، وقال الذي وهو يريد السلامة، لأنه مؤنث غير حقيقي فتذكيره جائز، فذهب بالسلامة إلى السلام كما قال ﴿فمن جاءه موعظةٌ من ربه﴾ والذي قد تكون مصدراً كما قال عز وجل
стр. 79
﴿وخضتم كالذي خاضوا﴾ تقديره وخضتم كخوضهم. وقد مضى هذا في ذكر الأصول وشرحها، وإنما هذا كتاب علل ومسائل، وسنذكر من مثل هذه المسائل في آخر الكتاب، ما تزداد به بما ذكرته لك بصيرة إن شاء الله.
وقال آخرون: لم تجز الإضافة إلى الأفعال، لأن من شاء الإضافة تعريف المضاف وتقريبه من المعرفة بأدنى اختصاص توجبه له. والأفعال لا تعريف فيها ولا اختصاص، لأنها غير واقعة على شيء بعينه، إنما هي عبارة عن حركات الفاعلين في زمان ماض أو حاضر أو منتظَر، فهي تدل على فاعل ومفعول ومصدر.
وظرف. ويتصل بذلك الحال والمكان، والمضاف إليها لا يدرى بأي شيء من هذه الأشياء يتعلق. ألا ترى أن المنكور قد يُعرَّف في بعض الأحوال فيتعرف، والأفعال نفسها لا يمكن تعريفها، فكان تعريف ما يضاف إليها أبعد.
سؤال على أصحاب هذه المقالة. يقال لهم: أولاً ما دليلكم على أن الأفعال كلها نكرات؟ الجواب أن يقولوا: الدليل على ذلك اجتماع النحويين كلهم من البصريين والكوفيين على أن الأفعال نكرات. ولم يكونوا ليجتمعوا على الخطأ ولا يعيّنه واحد منهم مع كثرة علماء الفريقين، وفحصهم عن دقائق النحو وغوامض المسائل. وإذ اكان هذا متفقاً عليه عندنا وعندكم، فالسؤال عنا فيه ساقط إذ كنا فيه سواء.
جواب آخر، وهو جواب الجماعة. قال النحويون كلهم: الدليل على أن الأفعال نكرات أنها لا تنفك من الفاعلين. والفعل والفاعل جملة يستغنى بها وتقع بها الفائدة. والجمل نكرات كلها، لأنها لو كانت معارف لم تقع بها فائدة
стр. 80
لأنها قد كان يعرفها المخاطب فلا تقع له بها فائدة. فلما كانت الجمل مستفادة علم أنها نكرات، ولذلك لم تجز الكناية عن الجمل، لأن المكاني معارف والجمل نكرات، فلذلك لم تضمر. وكذلك الأفعال لما كانت مع الفاعلين جملاً، كانت نكرات ولم يجز إضمارها.
سؤال آخر على أصحاب هذه المقالة. يقال لهم: فإذا كانت الأفعال نكرات كما ذكرتم، فهلا عفرتموها كما تعرف النكرات، ثم أضفتم إليها كما نفعل ذلك بسائر النكرات، إذا احتيج إلى تعريفها عرّفت؟
الجواب، وهو جواب الجماعة لا ينفرد به قوم دون قوم. وهو أن تعريف الأفعال محال، لأنها لا تضاف، كما أنه لا يضاف إليها. ومنها أن تعريفها بالألف واللام من دلائل الأسماء التي تختص بها. لأنها يشير بها المتكلم إلى عهد بينه وبين من يخاطبه في الذي يدخل عليه الألف واللام. والأفعال غير محصورة على شيء واحد كما ذكرنا فتعرف ذلك الشيء. ومنها أنها كما ذكرنا جملة، ودخول الألف واللام على الجمل محال. ومنها أنها لا تتعرف بالموضع، إلا أن يسمى بها رجل أو امرأة، فإذا سمي بها رجعت إلى أحكام الأسماء، وجاز فيها جميع ما يجوز في الأسماء.
سؤال على أصحاب هذا الجواب. يقال لهم: فقد علمنا أن الأفعال لا يضاف إليها بما تقدم من الاحتجاج لذلك. فلم لا تجوز إضافتها نفسها؟ ؟
الجواب، يقال: لم تجز إضافة الأفعال، لأن الفعل لا ينفك من فاعله كما ذكرنا مضمراً أو مظهراً. والفعل والفاعل جملة بمنزلة المبتدأ وخبره، فكما لا تجوز إضافة الجمل، كذلك لا تجوز إضافة الفعل. ألا ترى أنه غير جائز إضافة قولك زيد منطلق وعبد الله أخوك وهذا زيد، وكذلك قام محمد وخرج أخوك وكذلك ما أشبهه؟
انتهى القول في امتناع الأسماء من الجزم، والافعال من الخفض.
стр. 81
باب القول في التثنية والجمع
إن قال قائل: أخبرونا عن التثنية ما معناها؟ قلنا له: هو ضم اسم إلى اسم مثله في اللفظ. فيُحضر ذلك بأن يقتصر على لفظ أحدهما، إذ كان لا فرق بينه وبين الآخر. ويُؤتى بعلم التثنية آخراً، فيعلم بذلك أنهما قد اجتمعا وصارا بمنزلة شيء واحد، إلا أن الإخبار عنهما يقع على المعنى، وذلك قولك: رجل ورجل، ثم تقول: رجلان. وغلام وغلام، ثم تقول: غلامان. وزيد وزيد، ثم تقول: الزيدان. فيكون ذلك أخصر من تكرير الاسم، ولذلك لم تجز تثنية اسمين مختلفي اللفظ، كقولنا، زيد، وبكر، وعمرو، ومحمد؛ وجعفر، وما أشبه ذلك.
فإن قال: أفكذلك تقولون في الجمع إنه ضم ثلاثة أشياء متفقة في اللفظ وإلحاق عَلَم الجمع بواحد منها اختصاراً، فيدل ذلك على الثلاثة، كما دل في التثنية على شيئين؟ قلنا: ليس كذلك، لأن الاثنين لا يختلف معنى التثنية فيهما، لأنه لا يكون اثنان أكثر من اثنين عدداً. والجموع تختلف في الكمية والأعداد في قلتها وكثرتها، كما اختلف الآحاد في أشخاصها وأبنيتها. فاختلف أبنية الجموع لاختلاف مقاديرها، وأنواعها، وأجناسها، وأنواعها، وقلّتها، وكثرتها، كما اختلف الآحاد في أبنيتها، وألفاظها، وأجناسها، وأنواعها، وخلقها. وكما لم تتفق الآحاد كذلك لم تتفق الجموع. فمن الجموع ما جاء على حد التثنية، وهو أن تضم أسماء
стр. 82
بعضها إلى بعض متفقة الألفاظ، فيزاد في آخر واحد منها علامة الجمع، فيعلم أن الجماعة داخلة معه، كقولنا: الزيدون، والعمرون، ودللنا بهذا اللفظ على الجمع بين أسماء، كل واحد منها على انفراد يقال (له) زيد وعمرو.
وإن قال: أفيكون ذلك محصوراً على الثلاثة، كما كان قولك: رجلان، وغلامان، والزيدان، والعمران، محصوراً على اثنين لا غير؟
قيل له: لا، لأن الجمع لما كان كما ذكرت لك مختلفاً في القلة والكثرة جعل هذا اللفظ لما بعد الاثنين، فاشترك فيه القليل والكثير، وربما اقتصر به على ما دون العشرة، وربما جاوز ذلك، وجُعل له لفظ آخر يختص بقليل الجمع، وذلك في المكسّر من الجموع، فجعلت له أمثلة مختصة بالقليل، وهي أربعة. أفعُل، وأفعال، وأفعِلة، وفِعلة، فأفعُل قولك أكلُب وأفلُس. وأفعال قولك أحمال وأعدال. وأفعلِة كقولك أرغِفة، وأمثلة في جمع مثال، وهو الفراش وفعلة قولك صبية وفتية. فهذه الأمثلة واقعة على أقل العدد، وهو ما دون العشرة، وربما وقعت لأكثر العدد، إلا أن هذا هو الأصل، وذلك يقع خروجاً عن القياس المطَّرد، كما أن بناء الكثير ربما شركه في القليل. مشروخ في الأصول، وليس هذا موضعه فنستقصيه.
وكذلك ما جمع بالألف والتاء، نحو: الهندات، والطلحات، والجفنات. المقصود به أن يكون لأقل العدد وربما وقع لأكثره فيكون ذلك جائزاً غير مردود. قال حسان
стр. 83
(لنا الجفنات الغر ليمعن بالضحى ... وأسيافنا يَقْطُرن من نجدةٍ دما)
وأما قول من أخذ على حسان الجفنات، فقال: هو لأقل العدد، وكان قولك الجفان أبلغ في المدح لأنها لأكثر العدد. وقلت الغر ولم تقل البيض، والغرّة اليسير من البياض، وقلت يلمعن ولم تقل تلمح. وقلت يقطرن، ولم تقل تسيل والسيلان أكثر من القطر، فهو كما قال، إلا أنه غير مدفوع أن تكون الجفنات تقع للكثير؛ وإن كان موضوع بابها القليل، لاشتراك الجموع ودخول بعضها على بعض، ألا ترى أن فعولا من أبنية أكثر العدد، وقد تقع للقليل كما قال "ثلاثة قُرُوء".
سؤال في التثنية: إن قال قائل: لم جُعل رفع الاثنين بالألف ومن المتفق عليه أن الألف منها تولد الفتحة التي هي علامة النصب؟ لأن أكثر العلماء على أن هذه الحركات الثلاث مأخوذة من الواو والياء والألف. فالفتحة من الألف والضمة من الواو، والكسرة من الياء. وقد قال بعضهم: الألف من الفتحة، والياء من الكسرة، والواو من الضمة. وعلى المذهبين جميعاً فالألف بالنصب أشكل
стр. 84
فكيف فضلتها لرفع الاثنين، ولا مجانسة بين الضمة والألف، وعدل بها عن النصب الذي هي به أشكل.
الجواب: إنما جعلت الألف في رفع الاثنين، لأن الرفع أول الإعراب، لأنه سِمة الفاعل والمبتدأ وما ضارعهما، والتثنية أول الجموع لأن معناها ضم شيء إلى شيء كما ذكرناه، والحروف المتولّدة عنها الحركات هي هذه التي ذكرت الواو والألف والياء، فلو جُعل رفع الاثنين بالواو كان يلزم أن يجعل رفع الجمع أيضاً بالواو، لأن الباب واحد وما وجب للتثنية وجب للجمع. فلو فعل ذلك لم يكن بين التثنية والجمع فرق. فلما بطل أن يجعل رفع الاثنين بالواو، وترك الجمع على حاله بالواو لأنه لم يعرض ما ينقله عنه، إذ الفرق بين الجمع والتثنية قد وقع بالألف، ولم تجعل تثنية المرفوع بالياء لأن الياء للخفض، والخفض في الأسماء ثابت غير منتقل عنها، والرفع والنصب قد تشترك فيهما الأسماء والأفعال، فكان الجر أغلب على الياء من الأسماء فبقي على بابه. فلم يبق للتثنية المرفوع غير الألف فجعلت فيه.
سؤال على هذا الجواب. يقال للمجيب بهذا الجواب: فهلا جعل رفع الاثنين بالواو، ورفع الجميع أيضاً بالواو، وكان كسر نون الاثنين وانفتاح ما قبل الواو في قولك: جائي الزيدون والعمرون، يفرق بين التثنية والجمع في قولك: جائي الزيدون
стр. 85
والعمرون، لانضمام ما قلب الواو في الجمع وانفتاح نونه؟
الجواب أن يقال: لو كان ما ذكرت من الفرق ثابتاً، لكان لعمري لازماً والاقتصار عليه واجباً، ولكنه فرق غير لازم لسقوطه في بعض الأحوال أما النون فتسقط في الإضافة في قولك: جاءني أخواك، وأخو زيد، وبنوك، وقاضو عبد الله، فتسقط دلالتها بسقوطها، وكانت تختلط التثنية والجمع فلا يفرق بينهما وكيل دليلٍ أو فارقٍ بين مسألتين كان غير لازم فالاعتماد عليه غير جائز ولا مستقيم. وأما انضمام ما قبل الواو في الجمع فغير لازم أيضاً؛ لأن من الأسماء ما يلزم فتح ما قبل الواو في جمعها. وتلك الأسماء المقصورة كلها إذا جُمعت جمع السلامة وجب فتح ما قبل الواو فيها نحو قولك: موسى وعيسى ومُثنى ومُعلى ومفترى ومصطفى وما أشبه ذلك. ألا ترى أنك تقول: عيسون ومثنَّون ومعلَّون ومصطّفَون. لأنك تأتب بواو الجمع وهي ساكنة، وقبلها ألف ساكنة، فتحذف الألف لالتقاء الساكنين، فيبقى ما قبلها مفتوحاً على حاله. وكذلك في الخفض والنصب ينفتح ما قبل الياء، كقولك: رأيت الموسين والعيسين والمصطفين، ومررت بالعيسين والموسين والمصطفين. قال الله ﴿وإنهم عندنا لَمِن المصطفين الأخيار﴾ وهذه الأسماء كثيرة جداً. وهذا حكمها في انفتاح ما قبل الواو والياء في الجميع. فلما لم يكن هذا فرقاً ثابتاً في كل حال لم يجز الاقتصار عليه.
سؤال آخر. فإن قال: فهلا جعلوا الواو للرفع، وجعلوا الياء للجر، لأنها على بابها، وأسقطوا الألف؟
الجواب أن يقال: ذلك غير جائز لعلتين. إحداهما: أنّا لو جعلنا الواو للرفع
стр. 86
لاختلطت التثنية والجمع كما ذكرنا. والأخرى أنا لو فعلنا ذلك كنا قد أسقطنا الألف من دلالات الإعراب، وهي إحدى الدعائم الثلاث التي هي أصل تولد الحركات، وذلك غير جائز.
سؤال آخر. يقال لمن اعتقد هذا المذهب وقام بنصرته. فهلا خصت الألف في رفع الجميع، والواو في تثنية المرفوع. فكان يكون في ذلك فرق بينهما لأنك إذا اعتمدت في تصيير الألف في تثنية المرفوع، والواو في جمعه على كراهية التباس التثنية بالجمع لو قرنت بينهما الواو. وأنت لو جعلت الألف في الجمع والواو في التثنية، كان بينهما من الفرق مثل ما هو الآن من جعلك الألف للتثنية والواو للجمع؟
الجواب أن يقال. إنه قد وجب فتح ما قبل حرف التثنية في الجر والنصب في قولك: رأيت الزيدين ومررت بالزيدين، فلما كان ذلك كذلك وجب أن تجعل الألف في التثنية والواو للجمع؟
الجواب أن يقال: إنه قد وجب فتح ما قبل حرف التثنية في الجر والنصب في قولك: رأيت الزيدين ومررت بالزيدين، فلما كان ذلك كذلك وجب أن جعل الألف في التثنية لانفتاح ما قبلها، ولأنه لا يوصل إلى تغيير حركة ما قبل الألف، كما يمكن تغيير حركة ما قبل الواو والياء.
سؤال آخر. فإن قال: فأنت قد زعمت أن المرفوع أول الكلام، وتثنيته أول التثنية، فكيف حملت الألف على فتح ما قبل الياء في الخفض والنصب وهما بعده؟
الجواب، إنا نقول: إن المرفوع قبل المنصوب والمخفوض استحقاقاً، وعلى
стр. 87
ما يوجبه القياس في الترتيب، ويجوز تسويفه في ترتيب هذه الأشياء، وتقديم بعضها على بعض في المرتبة والاستحقاق، لا أن العرب كانت تنطق زماناً بأشياء مرفوعة، ثم نطقت بعد ذلك بأشياء منصوبة، ثم نطقت بالمخفوضات. بل تنطق بالكلام كله مختلطاً بعضه ببعض. ثم رتب العلماء استحقاق بعضه التقديم في المرتبة على بعض، على ما مضى من شرح ذلك. ألا ترى أنا نقول إن الأسماء قبل الأفعال، وليس كذلك مجراها في النطق، بل ترى الأفعال والحروف في كثير من الكلام تتقدم على الأسماء في النطق، وحتى أن كثيراً من الأسماء لا يجوز تقديمها على بعض الحروف، وقد ذكرنا في مثل هذا فيما مضى من الكتاب ما فيه كفاية.
وكذلك القول في تثنية المرفوع واستحقاقها في الترتيب التقدم. والكلام كله مختلط بعضه ببعض، وتابع بعضه بعضاً. فنقول: إن الألف جعلت لتثنية المرفوع في التقدير قبل تثنية المنصوب والمخفوض، وقبل تصيير الواو للجمع. وكان مع ذلك أن تكون الألف في الموضع الذي ينفتح فيه ما قبل أواخر أمثالها أولاً، إذ كان لا سبيل إلى تغيير حركة ما قبلها.
سؤال آخر. فإن قال: فلم ضُم النصب إلى الخفض دون أن يُضم إلى الرفع أو دون أن تجعل له سمة ينفرد بها؟
الجواب، وهو جواب الجماعة، قالوا: لم يمكن إفراد المنصوب في التثنية، لأن الحركات ثلاث؛ الفتحة والكسرة والضمة، وليس في التثنية والجمع سمة لحركة تسدل على رفع ولا نصب ولا خفض. فكما، لم يكن للمرفوع في التثنية والجمع حركة تدل على الرفع، ولا للمخفوض، لم يكن ذلك في المنصوب أيضاً.
стр. 88
والحروف التي تولدت منها هذه الحركات ثلاثة: الألف وقد انفرد بها تثنية المرفوع. والواو وقد خلصت في جمع المرفوع على قياسها. والياء قد حصلت للمخفوض على القياس. لأن الكسرة من الياء. فالمخفوض في التثنية والجمع على بابه، وقد ذكرنا العلة في وجوب ذلك، فلم يبق للمنصوب إلا ضمة إلى أحدهما، وكان سمة إلى المخفوض أولى لأنهما جميعاً في طريق المفعول به. ألا ترى أن قولك ضربت زيداً، ومررت بزيد، سواء في المعنى في أنهما مفعول بهما - إلا أن أحدهما أوصلك الفعل إليه بغير حرف خفض، والآخر وصل إليه بحرف خفض - فلما استويا في المعنى استويا في التثنية، فضم المنصوب في التثنية إلى الخفض لذلك. ألا ترى أنهما استويا في الكناية أيضاً في قولك: رأيته، ومررت به، ورأيتك ومررت بك. وما أشبه ذلك. ومع ذلك إن المفتوح إلى المخفوض أقرب منه إلى المرفوع، لأن الضمة أثقل الحركات، والفتحة أخفها فهي إلى الكسرة أقرب.
سؤال آخر، إن قال قائل: فهلا جعل رفع الاثنين بالواو، ورفع الجميع بالواو، وخفض الاثنين بالياء، وخفض الجميع بالياء، ونصب الاثنين بالألف. ونصب الجميع بالألف. وكان قد جاء كل شيء من هذا على بابه وقياسه؟
الجواب أن يقال: لو جعل كذلك لالتبس الاثنان المرفوعان بالجمع المرفوع. وقد ذكرنا أن دلالة نون الاثنين والجمع تسقط لسقوطها في حال الإضافة، وأن الاستدلال بانفتاح ما قبل حرف التثنية وانضمام ما قبل حرف الجمع، يسقط في جمع المقصورة. وشرحنا ذلك شرحاً وافياً. ومع ذلك فإنه كان يلتبس تثنية المنصوب أيضاً بجمعه في قولك: رأيت الزيدان في التثنية. ورأيت الزيدان في الجمع. لأنه لا سبيل إلى ما قبل الألف. ونون الاثنين والجميع غير ثابتة
стр. 89
كما ذكرت لك. فكان يقع في ذلك الفساد والالتباس من جهتين، فتجنبوه لذلك.
سؤال آخر. فإن قال: فهلا جعلوا رفع الاثنين بالألف، ورفع الجميع بالواو ونصب الاثنين بالألف، ونصب الجميع بالياء. وجعلوا الخفض مضموماً إلى أحدهما، فكان يكون في ذلك فرق بين هذه الأشياء واستعمال للأجناس الثلاثة من غير لبس ولا خلل؟
الجواب أن يقال: إنهم لو فعلوا ذلك لكانوا قد جعلوا الخفض منقولاً عن بابه، وعلمَه موسوماً به غيره، لغير علة لزمته تخرجه عن بابه. والشيء إنما تخرجه عن بابه وتُلزمه سمة غيره في بعض الأحوال علةٌ تلزمه، وخوف لبس بين مشتبهين والخفض على بابه لم يعرض في تثنيته ولا جمعه ما يلبسه بغيره، لأن الكسرة من الياء، فخفض الاثنين بالياء على بابه، وخفض الجميع بالياء على بابه. وليس هاهنا مانع منه، ولا سؤال أيضاً فيما جاء على بابه وقياسه لم جاء كذلك؟ وإنما السؤال فيما خرج عن بابه وقياسه، لم صار كذلك؟ ومع ذلك فإن الخفض لازم طريقة واحدة، ووجهاً واحداً لا يزول عنه. وهو خاص للأسماء لازم لها دون غيرها. والرفع والنصب قد ينتقلان إلى الأفعال ايضاً. والذي هو ألزم لا يكون تابعاً. ومع ذلك فإن طريق الخفض كما ذكرنا ضيقة جداً، لأنه لا يكون إلا من وجه واحد. والرفع والنصب قد يكونان من وجوه، فلم يقع الاتساع في الخفض كما وقع في الرفع والنصب.
стр. 90
باب القول في الألف والياء والواو في التثنية والجمع أهي إعراب أم حروف إعراب ؟
اعلم أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
قال الكوفيون كلهم؛ الألف في التثنية، والواو في الجمع، والياء في التثنية والجمع، هي الإعراب نفسه.
وقال المازني والمبرّد والأخفش سعيد بن مسعدة، هذه الحروف دليل الإعراب، وليست بإعراب ولا حروف إعراب.
وقال الخليل وسيبويه ومن تابعهما: هذه الحروف الإعراب.
стр. 91
ونبدأ بذكر احتجاج مذهب مذهب، وما له وما عليه. ونختم الكتاب بمذهب سيبويه، وما احتج به له وعليه، لأنه عندنا هو الصواب دون غيره إن شاء الله ..
سؤال على الكوفيين في ذلك. يقال لهم: من أين لكم أن هذه الحروف هي الإعراب نفسه، وقد علمتم أن من المتفق عليه أن الواحد أول، وإعرابه هو الأصل الذي يقاس عليه، ويرد إليه الحكم على ما اختلف فيه، إذ كان أصلاً لما وقع فيه الاختلاف والمنازعة، وكان المختلف فيه فرعاً. ولا خلاف بيننا أن الواحد قبل الاثنين والجميع، وإعراب الواحد بحركات تعتقب في آخر حرف منه. كقولنا: هذا زيد ومحمد، ورأيت زيداً ومحمداً، ومررت بزيد ومحمد، والإعراب حركات تدل على معانٍ تعتور الأسماء بعد حصولها بحروفها كلها وأبنيتها، فمن أين لكم أن الإعراب تغير في التثنية والجمع، وصار بحروف هي كمال الاسم؟ ولئن جاز أن تكون الألف التثنية، والواو في الجمع، والياء فيهما الإعراب ليجوزنّ أن تكون الراء من جعفر، والميم من مسلم، هي الإعراب نفسه، لأنها نهاية الاسم كما أن الألف آخر الاسم الدال على اثنين، والواو آخر الاسم الموضوع للجماعة.
الجواب. وإنما نذكر هذه الأجوبة عن الكوفيين، على حسب ما سمعنا مما يحتج به عنهم من ينصر مذهبهم من المتأخرين، وعلى حسب ما في كبتهم إلا أن العبارة عن ذلك بغير ألفاظهم، والمعنى واحدن لأنا لو تكلفنا حكاية ألفاظهم بأعيانهم لكان في نقل ذلك مشقة علينا من غير زيادة في الفائدة، بل لعل أكثر
стр. 92
ألفاظهم لا يفهمها من لم ينظر في كتبهم، وكثير من ألفاظهم قد هذبّها من نحكي عنه مذهب الكوفيين، مثل ابن كيسان، وابن شقير، وابن الخياط، وابن الأنباري. فنحن إنما نحكي علل الكوفيين على الألفاظ هؤلاء ومن جرى مجراهم، مع أنه لا زيادة في المعنى عليهم، ولا بخس حظ يجب لهم.
قال الكوفيين: إنا لم نشك في أن إعراب الواحد هو الأصل، وما بعده فرع عليه، ولكنه كما اختلفت ألفاظ الاثنين والجميع وأبنيتها وسائر أحكامها. كذلك جاز اختراف الإعراب. ولسنا ندفع أيضاً أن يكون الإعراب حركة. إلا أنه قد يكون أيضاً عندنا حرفاً، لأن الإعراب دليل على المعاني، ولذلك احتيج إليه، فإذا دل غيره دلالته وناب منابه، كانا في ذلك سواء لا فرق بينهما. فنقول إن الإعراب يكون حركة وحرفاً؛ فإذا كان حركة لم يوجد إلا في حرف، لأن الحركة لا تقوم بنفسها. وإذا كان حرفاً قام بنفسه، وأنتم أيضاً مُرّون معنا بأن الإعراب قد يكون حرفاً في بعض المواضع في قولكم: يذهبان وتذهبان وتذهبون وما أشبه ذلك. فقد أجمعنا نحن وأنتم على إن الإعراب في يكون سلب الحركة في الجزم في قولنا: لم يذهب ولم يركب، فجعلنا لفظ ضد الإعراب إعراباً فاجتمعنا جميعاً عليه. فلم يكن لذلك منكراً أن يكون الإعراب في بعض الأحوال حرفاً إذا دعت الضرورة إليه.
قال البصريون: إن جميع ما ذكرتموه متَّفق عليه إلا جعلكم الإعراب في التثنية والجمع حروفاً. وما اتفقنا عليه لا منازعة فيه، وإنما المنازعة فيما وقع فيه
стр. 93
الاختلاف. وليس تشبه هذه الحروف في التثنية والجمع ما شبهتموها به من سلب حركة المجزوم، وتصيير الإعراب في الأفعال المستقلة حرفاً، في قولنا يذهبان ويذهبون وما أشبه ذلك. ولو كان مشبهاً لها لحملناه عليها وافتقنا جميعاً وسقط الخلاف. والفرق بينهما من أن المتفق عليه أن الإعراب إنما يدخل لمعنىً يعتور الكلمة بعد حصولها ببنائها وحركاتها. وأن سقوط الإعراب لا يخل بالكلمة نفسها، الا ترى أن الاسم والفعل المستقبل إذا لم يُعرب أحد منهما لم يسقط معناه، فالإعراب يدخل ويخرج، ومعنى الاسمية في الاسم قائم. وكذلك الفعل، أعرب أو لم يعرب، دلالته على الحدث والزمان قائمة غير زائلة. وهذه الحروف، أعني الألف في التثنية، والواو في الجمع، والياء فيهما، لو سقطت بطلت دلالة التثنية، وإنما كمل كل شيء من هذا اسماً للتثنية وللجمع بأحد هذه الحروف، فمحلها كمحل الألف من أرطى التي بها كمل بناء الاسم. وكمحل الألف من حبلى التي بها كمل بناء الاسم ودلالة التأنيث، وما أشبه ذلك.
وأما النون من يذهبان، وتذهبان، ويذهبون وما أشبه ذلك، فبها بان فساد ما ذهبتم إليه، ووضح صحة مذهبنا، لأنها لاحقة بالأصل المتفق عليه، لأن سقوطها غير مخل بمعنى الفعل، ولا كونه للاثنين "أو" الجميع، لأنا نسقط النون من يذهبان فيكون الفعل للاثنين كما يكون في حال ثبوتها كذلك، وكذلك النون من يذهبون وما أشبه ذلك، لا يفسد إسقاطها معنى الجمع. ونحن
стр. 94
لو أسقطنا الألف من الزيدان، والواو من الزيدون، والياء من التثنية والجمع، لنغير ذلك، وبطل المعنى المقصود به الاثنان والجميع وفسد، وهذا واضح بيّن.
جواب الكوفيين عن هذا الذي ذكرناه وفرق بينهما. قالوا: ليس تشبه حروف التثنية والجمع ما شبهتموها به من الحركة في الواحد، والنون في تثنية الأفعال وجمعها، وسقوط الحركة والنون من غير فساد معنى، لأن الألف في التثنية والجمع متضمنة - مع أنها إعراب - الدلالة على التثنية.
تم والكتاب والحمد لله رب العالمين.
стр. 95
مسألة:
قال أبو القاسم: ضارب تعمل عمل يضرب. كما أن يضرب أعرب لأنه ضارعه، فكذلك ضارب يعمل عمله لمضارعته إياه، فحمل كل واحد منهما على صاحبه. والمصدر الذي يكون بمعنى "أن فعل" أو "أن يفعل" يعمل عمل اسم الفاعل، لأنه اسم الفعل، وفيه دليل على الفعل. ولا يتقدم مفعوله على فاعله، لأنه لم يقو قوة اسم الفاعل، ولم يجيء على تقديمه وتأخيره وإضمار اسم الفاعل فيه، فلذلك كان أنقص رتبة من اسم الفاعل.
وإن المددة وأخواتها وما - في لغة أهل الحجاز - تعمل عمل الفعل لمضارعتها إياه، ولا يتقدم خبرها عليه، ولا على اسمها، لأنها لم تتصرف تصرف الأفعال، فلذلك لم يجز فيها كل ما جاز في الأفعال. والصفة المشبهة باسم الفاعل، هي أنقص مرتبة من المصدر، لأنها ليست توقع فعلاً سلف منك إلى غيرك، وإنما تعمل فيما هو من سببها، وإنما جاز أن تعمل فيه، لأنها مشبهة باسم الفاعل، لأنها صفة كما أنه صفة، وأنه يثنى ويجمع ويذكر ويؤنث.
المميز يعمل عمل الفعل، ولا يعمل إلا في نكرة، لأنه أنقص مرتبة من الصفة، وإنما هو مشبه به، لأن التنوين، أو تقدير التنوين، أو النون يمنعه الإضافة كما يمنع الفاعل المفعول أن يشتغل به الفعل، وفي جملة الكلام عليه دليل، كما في الفعل دليل على المفعول، فنصب لمضارعته المفعول.
وقال أبو بكر بن الخياط في قول الشاعر:
стр. 96
(لتقربن قرباً جلذياً)
قال: جلذيا يصلح أن يكون نعتاً للقرب، ومعناه الشديد كما قال العجاج:
(فالخِمس والخِمس بها جُلذي)
أي شديد. ويقال: جلذية اسم ناقته، فأبدل من الهاء ألفاً في الوقف. أراد جلذية على الترخيم.
مسألة:
قال أبو العباس: الفرق بين ضربت زيداً وزيد ضربته، أنك إذا قلت ضربت زيداً، فإنما أردت أن تخبر عن نفسك، وتثبت أين وقع فعلك. وإذا
стр. 97
قلت زيد ضربته، فإنما أردت أن تخبر عن زيد.
مسألة:
قال أبو العباس: لا أجيز زيد ضربت، وأجيز إن زيداً ضربت، لأنه لا تجد بداً من الإضمار إذا نصبت "زيداً" بإن.
مسألة:
قال أبو العباس: إذا قلت كنت أخاك، فمعناه أشبهت أخاك. وإذا قلت: لست أخاك، فمعناه باينت أخاك.
مسألة:
قال: الاثنان أول الجمع (بدليل) قوله تعالى: ﴿فإن كن نساءً فوق اثنتين﴾ أي إن كان جمع فوق هذا؛ فله مثل الجمع الأول، وهو الاثنتان.
مسألة:
قال أبو القاسم: إنما ذِكر سيبويه اختلاف الألفاظ لاختلاف المعاني، حجةٌ
стр. 98
لاختلاف الإعراب للمعاني، كما خالفوا بين الألفاظ للمعاني نحو: ذهب وجلس كذلك أكرمني أخوك، وأكرمت أخاك. هما يختلفان. وكذلك فرّق بين الفاعل والمفعول به، والمضاف والمضاف إليه في الإعراب، إذ اختلفت معانيهن.
فصل من تعاليقه:
- قال أبو (القاسم) عبد الرحمن: (قيل للأخفش): كيف جاز أن تقول هذا يوم يخرج، فتضيف أسماء الأزمنة إلى الأفعال؟ فقال: لأن الأزمنة كلها يجوز أن تكون ظروفاً، فالظروف أضعف من سائر الأسماء، فعوّضوها الإضافة إلى الأفعال.
- قال أبو الحسن الأخفش: جعل سيبويه الإعراب ثبات النون وحذفها، جعل النون إعراباً بغير حرف إعراب، وجعل الألف علامة للفاعلين. وهذا رديء، ولكن النون عندي تدل على الرفع، وحذفها يدل على النصب والجزم.
- الشُّكد العطية ابتداءً. فإن كان مجازاة فهم شُكم.
- قال أبو عبيدة: تواضعت سُور المدينة إنما أنّث لأنه جمع سورة، يقال سورة البناء للقطعة منها، والجمع سُوْر، كما قال دُرة ودرّ، وقيل في جمع سورة
стр. 99
القرآن: سُوَر، للفرق بينهما، كما قيل: غرفة وغرف وظلمة وظلَم. وقال العجاج في جمع سور:
(ورب ذي سُرادق محجور ... سرت إليه من أعالي السُّور)
- وقال في وقله:
(أستغفر الله ذنباً لست محصيه ... رب العباد إليه القول والعمل)
قال بعضهم: نصب ذنباً بفقدان الخافض. وهذا خطأ، لأنه لو كان فقدان الخافض ينصب، كان ينصب في كل حال، وليس نجد ذلك، كقولك: حسبك بزيد. ثم تقول: حسبك زيد، فلو كان فقدان الخافض ينصب ما ارتفع زيد. وإنما ينتصب لأنه لما ذهب حرف الجر تعدى الفعل فعمل فيه.
مسألة:
إن قيل. لم أعربت عند ولم تعرب لدُن، ومعنى عند معنى لدن، ومعنى لدن معنى عند؟
стр. 100
الجواب: لأن عند متصرفة، ولدن لم تتصرف ولم تفارق موضعها. ألا ترى أنك تقول: كنت عند زيد وتقول: عندي أن زيداً لا يخرج في غد، كأنك قلت في علمي وتقدير. وتقول: ما عندك في هذا الأمر؟ وليس للدن مثل هذا التصرف فثبتت على حالها. وفيها لغات يقال ولدا ولد. وعند لم تدخلها حروف الخفض، لأنه ظرف لم يتمكن في الاسمية، ولم يستعمل إلا ظرفاً.
مسألة:
أيهم ترَ يأتِك، ومن تضرب أضر. قال أهل الكوفة: هذا نظير قولنا زيد قائم. ترفع زيداً بقائم وقائماً بزيد. فعاب البصريون ذلك عليهم وهم يقولون أياً تضرب أضرب، إن أياً منصوب بتضرب، وتضرب بجزوم بأي. وكذلك سائر الأسماء التي يجازى بها في قول البصريين تجزم الفعل وينصبها الفعل الذي تجزمه.
قال أهل البصرة: ليس هذا كما قلتم، وذلك أنا إذا قلنا: من تضرب اضرب، فإنما جزمنا الفعل بمعنى الجزاء، لأن (من) تضمنت معنى إن، ونصبها الفعل الذي جزمته، فذلك المعنى في الحقيقة هو الجازم، وإنما أنكرنا عليكم أنكم تقولون زيد قائم، رفع زيد بقائم وقائم بزيد، ثم تقولون إن زيداً قائم فتنصبون زيداً والرافع له موجود. وتقولون ظننت زيداً قائماً، فتنصبونهما جميعاً، وكلاهما موجب لصاحبه الرفع في قولك. ونحن في الجزاء لا نغيّره عن فعله في قولنا من تضرب أضرب، لا تكون من إلا جازمة للفعل في هذا الموضع ما دامت جزاءاً؛ ولم نوجدكم على هذا المثال اللفظ وعمله متغيراً كما أريناكم. هذا الذي
стр. 101
أنكرناه. وليس بمنكر أن يكون في الكلام عامل قد عمل فيه غيره، فيكون عاملاً معمولاً فيه، كقولنا: رأيت ضارباً زيداً، ومررت برجل مكرم (أخاه)، وإنما المحال أن يوجد العامل في شيء وعمله باطل عنه.
مسألة في التثنية:
قال: إذا قلنا الزيدان والعمران، فالألف عند سيبويه هي حرف الإعراب. قال الأخفش والمازني والمبرد: ليست بإعراب ولا حرف إعراب، ولكنها دالة على الإعراب. قال الكوفيون: الألف هي الإعراب، وكذلك الواو والياء في التثنية والجمع. وقال بعض البصريين: الحروف أبدال من الحركات، يعني الألف في التثنية، والياء فيها، والياء في الجمع والواو فيه. وقال الجَرْمي: الالف في الزيدان ليست الإعراب، وانقلابها هو الإعراب. وقال ثعلب: الألف في الزيدان بدل من ضمتين كأنه قال زيد وزيد، ثم جمع بينهما فقال زيدان، فالألف بدل من ضمتين، والواو في الزيدون بدل من ثلاث ضمات، وكذلك سائر هذه الحروف على هذا القياس.
فلزم من قال إن الحروف إبدال من الحركات ما لزم من قال هي الإعراب نفسه. ويلزم الجرمي أن تكون في حال الرفع الزيدان غير معربة، لأن الألف عنده غير منقلبة، وإنما الانقلاب عنده الإعراب، فجعل الاسم في أول أحوال الإعراب غير معرب، وهذا قلب للأصول. ويلزم ثعلباً أن يقال له: كيف صارت الألف بدلاً من ضمتين، وليست الضمة من حيّز الألف ولا تجانسها؟ وإذا كانت الواو في الزيدون بدلاً من ثلاث ضمات، فكيف يجمع إذا جمع مائة نفس؟ هل تصير عنده بدلاً من مائة ضمة؟ وكذلك إلى ما زاد.
стр. 102
مسألة
قال سيبويه: إذا سمَّينا رجلاً بأحمر لم نصرفه في النكرة، وإن سّميناه بيشكر صرفناه. واحتج بأن أحمر يكون نعتاً وهو اسم، قال: فالذي يمنعه من الصرف موجود فيه إذا سمي به. ويشكر إنما ينعت به، وهو فعل، فإذا سمي به فقد زال أن يكون فعلاً. قال أصحابه: هذا محال. إذا سمينا بأحمر صرفناه أيضاً كما نصرفه يشكر، لأنه إذا سمي به فقد خرج أن يكون نعتاً، كما أن يشكر إذا سمي به، فقد خرج أن يكون فعلاً.
تم الكتاب بعون الله وحمده، والحمد لله وحده، وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلَّم.
وفرغ من نسخ في الثاني والعشرين من شهر ربيع الأولى سنة سبع عشرة وستمائة.