← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وما أَخبرَ عنه القرآنُ يَختلفُ عن ما قالَه الأَحْبار. فلما استعصَمَ يوسفُ أَمامَ إِغرائِها، ولم يَهِمَّ بها هَرَبَ من الغرفة، التي كانت المرأةُ قد أَغْلَقَتْ بابَها، ولحقَتْ هي به لتُعيدَه، واستَبَقا الباب، وما أَنْ فَتَحَ البابَ حتى وَجَدَ زَوْجَها عِندَ الباب، فَسارعت المرأةُ إِلى اتِّهامِ يوسفَ، ودافعَ هو عن نفسِه.. وأَخبرَ الزوجُ أَحَدَ أَهْلِها بما جرى، ودعا الشاهدُ الحَكَمُ إِلى ملاحظةِ قَمِيصِ يوسف، فإِنْ كان قُدَّ من الأَمامِ فصدقَتْ هي في كلامِها، لأَنه يكونُ هو الذي اعْتَدَى عليها، وهي تُدافعُ عن نفسِها، وإِنْ كان قُدَّ من الخلفِ يكونُ هو الصادقَ وهي الكاذبة، لأَنه يكونُ هارباً منها، وهي تلحَقُه لتُدركه، فلما رأى القميصَ قُدَّ من الخلفِ عَرَفَ براءةَ يوسفَ وجريمةَ امرأتِه!.. قال تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) . *** كيف دعا نوح على قومِه بالضلال ؟ أَخبرَ القرآنُ عن نوحٍ ﵇ أَنه دَعا على قومِه بالضلال، قال تعالى: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) . واعتبرَ الفادي هذا خَطَأً في القرآن، لا يتفقُ مع نبوةِ نوحٍ ﷺ وبِرِّه. ولذلك اعترضَ على القرآنِ قائلاً: " كيفَ يَدْعو نوحٌ ربَّه أَنْ يَزيدَ الناسَ ضَلالاً؟ كما أَنَّ اللهَ ليس مصدرَ الضَّلال، ونوحٌ نفسُه لا يُحِبُّ الضَّلال؟

стр. 72

والتاريخُ المُقَدَّسُ يَشْهَدُ له: " كانَ نوحٌ رَجُلاً بارّاً في أَجيالِه " (تكوين: ٦/٩) " (١) . فَهِمَ الفادي الغبيُّ من الآيةِ أَنَ نوحاً يُحِبُّ ضَلالَ الناس، ولذلك دَعا اللهَ أَنْ يَزِيدَهم ضَلالاً، ونَسَبَ الضلالَ إِلى الله، على أَنَّ اللهَ هو مصدرُ الضَّلال! واعتبرَ هذا خَطَأً مُنْكَراً مَرْدوداً، ولذلك نَزَّهَ نوحاً عنه!. إِنَّ نوحاً نبيّ رسولٌ، ﵊، وهو حَريصٌ على دعوةِ الناس، ومحبٌّ لهدايتِهم، وهو لا يُحِبُّ ضَلالَهم وانحرافَهم، وقد بقيَ يدعو قومَه أَلْفَ سنةٍ إِلّا خمسينَ عاماً، ولم يُؤْمِنْ معه إِلّا عَدَدٌ قليل. متى دعا نوحٌ ﷺ على قومِه بالضلال؟. بعد أَنْ أَخبرَه اللهُ أَنه لنْ يؤمنَ منهم إِلّا مَنْ قد آمَن، وأَمَرَهُ أَن يَصنعَ السفينة. قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) . وهذا مَعْناهُ أَنه مهما دَعاهم فلَنْ يُؤْمنوا به، لاختيارِهم الكُفْرَ والضَّلال، مهما دَعاهم ورَغَّبَهم وحرصَ عليهم؟ فماذا يفعلُ بعدَ ذلك؟ ليس أَمامَه إِلّاْ الدعاءُ عليهم بالهَلاكِ والفناء. قال تعالى: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨) .

стр. 73

لم يكنْ نوحٌ ﷺ مخطِئاً في الدعوةِ على قومِه، لأَنه ما دَعا عليهم إِلّا بعدَ أَن اختاروا الكفْرَ والضَّلال، وأَصَرُّوا عليه.. لقد كفروا وضَلُّوا، وأَضَلُّوا كثيراً، وكانوا دُعاةَ ضلالٍ وإِفسادٍ للآخَرين. لقد دعا على الضالّينَ أَنْ يَزيدَهم اللهُ ضَلالاً، لأَنهم هم الذين أَرادوا الضَّلالَ وطَلَبوهُ واخْتاروه، ودَعا على الكافرين أَنْ يُهلكَهم اللهُ ولا يُبقي منهم دَيّاراً، لأَنَّهم إِنْ بَقَوا فسوفَ يُضِلّونَ الآخَرين!. وبذلك نَعرفُ أَنَّ نوحاً ﷺ كانَ على صوابِ في دعائِه على القومِ الكافرينَ بالهلاك، وعلى القومِ الضّالّين بالزيادةِ من الضًّلال!. *** هل نجا فرعون من الغرق ؟ اعتبرَ الفادي القرآنَ مُتَناقضاً في حديثهِ عن نهايةِ فرعون، وهذا التناقضُ خَطَأٌ، يَطعنُ في صحةِ القرآنِ!! (١) . أَخبرَ القرآن أَنَّ اللهَ أَغرقَ فرعونَ في الماءِ. قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) . وأَخبرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ أَنجى فرعونَ من الغرق؛ كما فهمَ القِسيسُ الفادي. وذلك في قوله تعالىْ (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) .

стр. 74

فهل أَخطأَ القرآنُ في حديثِه عن نهايةِ فرعون؟ وهل تناقَضَ في إِخبارِه عن غرقهِ؟. لقد كانَ كلامُ القرآنِ عن غرقِ فرعونَ وجنودِه واضِحاً صَريحاً مُحَدَّداً. فلما لحقَ فرعونُ وجنودُه موسى ﷺ وأَتْباعَه، أَمَرَ الله موسى أَنْ يَضرِبَ البَحْرَ بعَصاه، وشَقَّ لهم طَرِيقاً في البَحْرِ يَبَساً، ولما لَحِقَهم فرعونُ وجنودُه أَطْبَقَ اللهُ عليهم البحر، فأَغْرَقَهم جميعاً. قالَ اللهُ : (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) . إن الضمير " هم " في قوله: (فَغَشِيَهُمْ) يعود على فرعون وجنوده. وهذا تصريح بأن فرعون وجنوده أغرقوا جميعاً. وقال : (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) . وقال تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) . ومن بابِ التأكيدِ على وفاةِ فرعونَ غَرَقاً نَصَّ القرآنُ على ذلك. قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) . لقد أُتِيَ القِسّيسُ الفادي من قِبَلِ جَهْلِه وغَفْلَتِه وغبائِه، فَفَهِمَ الآيَةَ فَهْماً خاطِئاً، وخَرَجَ مِنها بغيْرِ ما سيقَتْ له! فَهِمَ من جملة: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أَنَّ اللهَ أَنجى فرعونَ من الغرَق، وخَرَجَ من البحرِ

стр. 75

حَيّاً، وعادَ إِلى مملكتِه ليُواصِلَ حُكْمَها!! وهذا فَهْمٌ خاطئٌ للآية. تُقَرّرُ الآيةُ غَرَق فرعونَ وموتَه، وتَصِفُ اللحظاتِ الأَخيرةَ من عمرِ فرعون، قبلَ خُروجِ روحِه تحتَ الماء. ومعنى (فلما أدركه الغرق) : لما أَحاطَ به الغَرَق من كلِّ جانب، وأَتاهُ من كُلِّ مكان، من تحتِه وفوقِه، وعن يَمينِه وشِمالِه، ورأى الموتَ بعينَيْه، وأَيْقَنَ بالهلاك.. عند ذلك أَعلنَ إِسلامه وإِيمانَه بالله، وصَرَّحَ قائلاً: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) . ومن المعلومِ أَنَّ الإِيمانَ عند " الغرغرة " قُبيلَ خُروجِ الروحِ غيرُ مقبول، ولذلك رَدَّ عليه مَلَكُ الموتِ المكلَّفُ بقبضِ روحِه قائلاً: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) ؟ وهذا معناهُ أَنَ إِيمانَ فرعونَ لم يَقْبَلْه الله. وقُبيلَ قبض روحِ فرعون وهو تحتَ الماءِ قالَ له المَلَك: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) . وليس معنى جملة: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) : اليومَ ننقذكَ من الغَرَق، ونخرجُك حيّاً من تحتِ الماء. إِنَّ مَعْناها: عندما تَخرجُ روحُك، ويُصبحُ جسمُك جُثَّةً هامدة، لن نتركَ بَدَنَكَ يَسقطُ في الماءِ إِلى قاع البحر، ولَنْ نَجعلَ بَدَنَك طَعاماً لحيتانِ البحرِ وأَسْماكِه - وبالذاتِ سمكُ القرشِ المفترسِ الذي يملأُ البحرَ الأَحمر - وإِنما سَنُنَجّي بَدَنَك الهامِدَ الذي خرجَتْ منه الروح، وسنأمُرُ الحيتانَ أَن لا تَأكُلَه، وسنَأْمُرُ الماءَ أَنْ يحملَك، وسنأمُرُ الموجَ أَنْ يُلْقِيَكَ على الشاطئ، وسيكونُ بَدَنُك ناجياً هامداً، وسيكونُ مُلْقى على الشاطئ، وسيكونُ آيةً لِمَنْ خَلْفَك، وهم الأَحياءُ من جنودِك وقومِك، فعندما يُشاهدونَ بَدَنَكَ جثةً هامدة سيَعرفونَ أَنكَ لَسْتَ إِلهاً كما زَعَمْتَ، وإِنما أَنْتَ بَشَرٌ مخلوفٌ ضعيف، والأَصْلُ أَنْ يَعْتَبِروا ويَتَّعِظوا بذلك!.

стр. 76

وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يُخطئْ في حديثِه عن فرعون، ولم يَقَعْ في تَناقُض، والْتَقَتْ آياتُه على تقريرِ حقيقةِ موتِ فرعونَ غَرَقاً، والاحتفاظِ بجثَّتِه، لتكونَ آيةً لمن خَلْفَه!!. *** بين زكريا ومريم !! أَخبرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ جعلَ النبيَّ زكريّا ﵇ يكفَلُ مريمَ ﵇. قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) . واعتبرَ القِسّيسُ الفادي هذا خَطَأً تاريخيّاً وَقَعَ به القرآن، لأَنَّه يُناقضُ ما في الكتابِ المقَدَّس - العهدِ القديمِ والعهدِ الجديد - والمعَتَمَدُ عند الفادي هو ما في الكتابِ المقَدَّس طبعاً. قال في تخطئِتِه للقرآن: " وهذا يُناقضُ وقائعَ التاريخ، فمريمُ ابنةُ عمران - حسبَ التوراة - لم تتزوَّجْ ولم تَلِد، وهي أُخْتُ هارون، واسْمُ أُمِّها يوكابد.. والمرأةُ الوحيدةُ التي نذرَتْ ما في بطنِها هي حَنَّةُ، أُمُّ النبيِّ صموئيل.. ولم يَرِدْ أَنَّ زكريا كانَ يقيمُ في الهيكلِ في أُورشليم، حتى يكفَلَ مريمَ هناك، لأَنَّ زكريا من حَبْرون، ولا يأتي ليخدمَ في الهيكلِ إِلَّا بالقرعة، ولمدةِ خمسةَ عَشَرَ يوماً في السنة الوقا: ١/ ٥ - ٤٠) ، ولا يُقيمُ أَحَدٌ في المحراب أَو يدخلُ فيه إلّا رئيسُ الكهنة، مرةً واحدةً فقط في السنة، في يومِ الكفارةِ العظيم، بدمِ

стр. 77

ذبيحة، ليُكَفّرَ عن خطايا الشعب (الملوك الأول: ٦/٨ و ٨، و ١٦/٩) . ولم يكفَلْ زكريا مريمَ، لأَنها من سبْطِ يَهوذا، وزكريّا من سبْطِ لاوي (عبرانيين: ٧/ ١٤) وكان زكريا يُقيمُ في حَبْرون، بينما كانت مريمُ تقيمُ في الناصرة.. " (١) . المرجعُ عند الفادي هو الكتابُ المُقَدَّس، وهو عنده الحَكَم على كلِّ ما سِواه، وما وَرَدَ فيه فهو الصحيحُ والصواب، وما خالَفَه فهو الخطأ!! ولذلك هو " يُحاكمُ " القرآنَ إِلى كتابِه، وأَيُّ كَلامٍ في القرآنِ اختلفَ مع ما في كتابِه فهو الخَطَأ.. وهو لا يُؤمنُ أَنَّ القرآنَ من عندِ الله، ولذلك يُجيزُ وُقوعَ القرآنِ في الخَطأ، لأَنه كلامُ بَشَرٍ يُخطئُ ويُصيب!!. وحاكَمَ ما وردَ في القرآنِ عن زكريّا ويحيى وعيسى ﵉، وما وردَ عن نشأةِ مريمَ ﵍ إِلى ما في كتابِه الذي يؤمنُ به، وذَكَرَ ما وردَ في كتابِه بهذا الموضوع، واعتبرَ القرآنَ مخطئاً في حديثِه عنه!. ونعتقدُ أَنَّ ما يفعلُه القِسّيسُ الفادي خطأٌ منهجيٌّ وَقَعَ فيه، وخِلافُنا معه خِلافٌ جَذْرِيٌّ أَساسيّ منهجي. إِننا نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وهو يُنكرُ ذلك، ونحنُ نوقنُ أَنه لا خَطَأَ في القرآن، وهو يُثبتُ ذلك، ونحن نوقنُ أَنَّ اليهودَ حَرَّفوا التوراةَ في أَسفارِ العهدِ القديم، وهو يَنفي ذلك، ونحنُ نُوقِنُ أَنَّ النَّصارى حَرَّفوا الإنجيل، وهو يَنفي ذلك! ومرجعُنا القرآنُ، وهو يرفضُ أَنْ يكونَ مرجعاً لَهُ، ومرجعُه هو الكتابُ المقدس ونحن نرفضُ أَنْ يكونَ مرجعَنا. نرفضُ أَنْ يتعامَلَ الفادي مع القرآنِ على هذا الأَساس، ونرفضُ الأَحكامَ التي يخرجُ بها من مقارنتِه بينَ القرآنِ والكتابِ المقَدَّس. فالصوابُ هو ما ذَكَرَه القرآنُ عن ما يتعلقُ بمريمَ وزكريا ﵉، وما قاله الكتابُ المقَدَّسُ مخالِفاً لما قالَه القرآنُ نجزمُ بأَنه خَطَأ.

стр. 78

يَقولُ الفادي معتَمداً على الكتاب المقَدَّس: المرأةُ التي نَذَرَتْ ما في بطنها هي " حَنَّةُ " أُمُّ صموئيل.. وهذا كلامٌ نتوقَّفُ نحنُ فيه، فلا نَنْفيه ولا نُثبتُه، واللهُ أَعلمُ بصحَّتِه.. وقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ المرأةَ التي نَذَرَتْ للهِ ما في بطنِها هي امرأةُ عمران. قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) . لم يذكر القرآنُ اسمَ امرأةِ عمران، كما أَنه لم يَرِدْ ذكْرٌ لها في الحديثِ الصحيحِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو من " مُبهماتِ القرآن " التي لا نُحاولُ بَيانَها، ونقول: اللهُ أَعلمُ باسْمِها. كانت امرأةُ عمرانَ صالحةً عابدةً لله، ولما كانَتْ حامِلاً نَذَرَتْ ما في بطنِها خالِصاً لله، ولا نعرفُ مُلابساتِ هذا النَّذْر، وكأَنها كانتْ تَتَمَنّى لو كانَ ما في بطنِها ذَكَراً، ولما وَضَعَتْ حَمْلَها كانت أُنثى، فاستمرَّتْ على نَذْرِها، وجعلت المولودةَ الأُنثى لله، وسَمَّتْها مريم، ودَعَت اللهَ أَنْ يَحفظَها ويَرْعاها. فمريمُ هي ابنةُ عمران بنصِّ القرآنِ. قال تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) . ونفى القسيسُ الفادي ما وردَ في القرآن، فمريمُ عِنْدَه هي " مريمُ بنةُ عمرام "، بالميم وليس بالنّون، ولها أَخ اسْمُه هارون، واسْمُ أُمِّها يوكابد.. وهذا كلامٌ نتوقفُ نحن فيه، كلُّ ما نقولُه: مريمُ التي نعرفُها هي مريمُ بنةُ عمران، ولا نعرفُ اسْمَ أُمِّها التي نَذَرَتْها لله، ولها شقيق اسْمُه هارون. ويَرى الفادي أَنَّ زكريّا من سَبْطِ لاوي، ومريمَ من سَبْطِ يهوذا، فلا قرابةَ ولا صلةَ بينَها وبينَه، فكيفُ يكفَلُها؟ !. وهذا كلامٌ نتوقَّفُ فيه، فلا نَعرفُ السَّبْطَ الذي يَنتسبُ له النبيُّ زكريّا ﵇، ولا الذي تنتسبُ له مريمُ ﵍، لعدمِ ذكْرِه في مصادِرِنا الإِسلاميةِ الصحيحة.

стр. 79

ويرى الفادي أَنَّ زكريا من حَبْرون - الخليل - وأَنَّ مريمَ كانت تُقيمُ في الناصرة شمالَ فلسطين، والمسافةُ بينَهما بعيدة، فكيفَ يكفَلُها؟!. وهذا كلامٌ نتوقَّفُ فيه أَيضاً. الذي نقولُ به هو ما وَرَدَ في القرآن، من أَنَّ اللهَ حفظَ مريمَ ﵍، وأَنَّ العابِدينَ تَنازَعوا فيها، كلُّهم يريدُ أَنْ يكفَلَها، فاقْتَرَعوا قرعة، على أَنْ يُلقوا أَقلامَهم، وفازَ زكريا بالقُرعة، وبذلك قامَ بكفالتِها، وبقيتْ في كفالتِه حتى كبرت. قالَ تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) . وقال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) . وتَدُلُّ مصادرُنا الإِسلاميةُ على وُجودِ صلةِ قرَابةٍ بينَ مريمَ وزكريا، فقد أَخبرنا رسولُ اللهِ ﷺ أَنَّ عيسى ويَحيى ﵉ أَبناءُ الخالة، وهذا معناهُ أَنَّ أُنَّ يحيى وأُمَّ عيسى أُخْتان، فامرأةُ زكريا ﵇ هي أُختُ مريم الكبرى، وبكفالة زكريا مريمَ تكونُ مريمُ قد عاشَتْ عند أُخْتِها، لِتَرعاها وتتعهدَها!! (١) . *** حول انتباذ مريم مكاناً شرقيّاً أَخبرنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ مريمَ انتبذَتْ من أَهلِها مكاناً شرقيّاً. قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) . ورفضَ الفادي هذا الكلامَ، واعترضَ عليه، وقال بتهكُّمٍ وسخرية:

стр. 80

" لا يَذكرُ القرآنُ لماذا انبتذَتْ مريمُ العذراءُ من أَهلِها مكاناً شرقيّاً، واتخذَتْ من دونِهم حجاباً، قبلَ أَنْ تُبَشَّرَ بعيسى.. هل كانَتْ في مشاجرةٍ مع أَهلِها، وهم المشهورونَ بالتقوى؟ ولماذا تسكنُ فتاةٌ عذراءُ بَعيداً عن أَهْلِها، مع أَنَّ القرآنَ يقولُ: إِنها كانَتْ في المحرابِ في كَفالةِ زكريا؟ ويقولُ الإِنجيلُ: إِنَّ مريمَ كانَتْ في الناصرة، وهيَ مخطوبةٌ ليوسفَ النجار ". يُنكرُ الفادي أَنْ تَكونَ مريمُ ﵍ -قد انتبذَتْ من أَهْلِها مكاناً شرقياً، فلماذا تبتعدُ عنهم؟ هل اختلَفَتْ معهم؟ وهل طَردوها؟ وكيفَ ترضى أَنْ تبتعدَ عن الناس، وأَنْ تبقى وحيدةً وهي الفتاةُ العذراء؟ أَلا تخشى أَنْ يَبطش بِها أَو يَعتديَ عليها أَحَدُهم؟ وكيفَ قالَ القرآنُ في سورةِ مريم: إِنها انتبذَتْ من أَهْلِها وابتعَدَتْ عنهم، مع أَنه هو نفسه أَخبرَ في سورةِ آلِ عمران أَنها كانتْ في المحرابِ عند زكريا كفيلِها؟. وتساؤلاتُ واعتراضاتُ الفادي لا معنى لها، والقرآنُ لم يَتناقَضْ في حديثِه عن مريمَ ﵍. أَخبَر في سورةِ آلِ عمران أَنَّ اللهَ كَفَّلَها زكريا وهي طفلة، وهو زوجُ أُخْتِها كما ذكرنا، فنشأَتْ عنده ﷺ ، وكانتْ عابدةً لله في محراب بيتِه ومكانِ صلاتِه، بينما كان يُؤَمِّنُ لها حاجتَها من الطعام. قال تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) . وكانتْ مريمُ متفرغةً للعبادة، حيث ملأَتْ عليها وقْتَها، وأَنفقَتْ فيها عُمْرَها، فلم تَلتفتْ إِلى غيرها. ولعَلَّها لأَجْلِ هذه الغاية كانت تَنتبذُ عن أَهْلها، وتَذهبُ إِلى مكانٍ هادِئ، تعتزلُ فيه مُتعبدة، وكان أَهْلُها يَعرفونَ ذلك، وكانوا عابِدين صالحين،

стр. 81

وكانوا يَقومونَ على رعايتِها وحمايتِها وحراستِها، ويُهَيِّئونَ لها جَوَّ العبادةِ، في المكانِ القَصِيّ الشرقي، الذي اختارَتْه شرقى مكانِ إِقامةِ أَهْلها، والذي كانت تتخذُ فيه من دونِهم حجاباً. فهي لم تكنْ بعيدةً عن عُيونِ وحمايةِ أَهْلِها، ولم تكنْ فتاةً وحيدةً في مكانٍ بعيد، عرضَةً للخطرِ والأَذى، إِنما كانَ أَهْلُها حارِسينَ لها مُحافظينَ عليها. ولم يُحَدِّد القرآنُ - ولا الحديثُ الصحيح - المدينةَ التي كانَتْ تُقيمُ فيها مريمُ عابدةً لله، ولم يُحَدِّد المكانَ الشرقيَّ الذي كانتْ تعتزلُ فيه لعبادةِ الله، ولم يُحدد المدةَ التي أَقامَتْها في ذلك المكان. كلُّ هذا من مبهماتِ القرآن التي لم يَرِدْ بيانا لها في مصادرِنا الإِسلامية.. أَما ما قالَه الفادي من أَنَّ مريمَ كانتْ تُقيمُ في الناصرة، في شمالِ فلسطين، فهذا مما نتوقَّفُ فيه، فلا نُكَذِّبُه ولا نُصَدِّقُه، لعدمِ ورودِ دليلٍ عليه عندنا.. كذلك نتوقَّفُ في ادِّعائِهِ أَنَّ مريمَ ﵍ كانتْ مخطوبةً ليوسفَ النجار!!. *** حول ولادةِ مريم وكلام وليدها أَخبرَنا اللهُ أَنه بَعدما نفخَ جبريلُ في مريمَ ﵍، حَمَلَتْ بعيسى ﵇، وابتعدَتْ عن أَهْلِها مكاناً قصيّاً، وهُناكَ وَضَعَتْ وَليدَها تحتَ نَخْلَة، وأَنَّ اللهَ أَنطقَه وهو في الدقائقِ الأُولى من عمرِه، وأَرشدَها إِلى التصرفِ المناسب. قال تعالىْ (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) .

стр. 82

ورفضَ الفادي ما وردَ في القرآن، واعتبرَهُ خطأً تاريخيّاً، لمخالفتِه ما وَرَدَ في كتابه المقدس. قال: " لقد وَلَدَتْ مريمُ السيدَ المسيحَ في بيت لحم، كما تَنَبَّأَ أَنبياءُ التوراةِ بذلك قبلَ حدوته بمئات السِّنين، وليسَ بجوار جِذْع نخلة!.. وَوَضَعَتْ وَليدَها في مِذْوَد ألوقا: ٢/ ١ - ٢٠، وغَريبٌ أَنْ يُكَلّمَها وَليدُهَا من تحتِها: أَنْ تَهُزَّ جذْعَ النخلة، وتأكلَ من البَلح، وتشربَ من الجدول، فإِذا مَرَّ بها أَحَدٌ تقول: إِني نذرتُ للرحمنِ صَوْماً فلن أُكَلِّمَ اليومَ إِنْسِيّاً! فأَينَ الصومُ وهي الآكلةُ الشاربةُ المتكلمة؟ ! " (١) . يَرى النَّصارى أَنَّ مريمَ وَلَدَتْ عيسى ﷺ في بيت لحم.. ووردَ حديثٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ بهذا المعنى.. روى النَّسائيُّ عن أَنَسِ بنِ مالك ﵁، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: " أُتيتُ بدابَّةٍ فوقَ الحمار، ودونَ البَغْل، خَطْوُها عندَ مُنْتَهى طَرْفِها، فركبْتُ، ومعي جبريل ﵇.. فَسِرتُ.. فقال: انْزِلْ فَصَلّ. فنزَلْتُ فصلَّيْتُ.. فقال: أَتَدري أَينَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بطَيْبَة، وإِليها المُهاجَر.. ثم قال: انزِلْ فَصلِّ. فنزلْتُ فصلَّيْتُ.. فقال: أَتَدري أَينَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بطورِ سيناء، حيثُ كَلَّمَ اللهُ موسى ﷺ . ثم قال: انْزلْ فَصَلِّ.. فنزلْتُ فصَلَّيْتُ.. فقال: أَتَدْري أَيْنَ صَلَّيْتَ؟. صَلَّيْتَ ببيت لحم، حيثُ وُلِدَ عيسى ﷺ .. ثم دخلْتُ بيتَ المقدِس، فَجُمِعَ لي الأَنبياءُ ﵈، فقدَّمَني جبريلُ حتى أَمَمْتُهم ". يُخبرُ رسولُ اللهِ ﷺ عن المحطّاتِ التي مَرَّ بها في ليلةِ الإِسراء، عندما أُسْرِيَ به من مكةَ إِلى بيتِ المقْدِس، حيثُ أَمَرَهُ جبريلُ ﵇ أَنْ يَنزلَ ويُصلِّيَ

стр. 83

في المدينة، التي سيهاجِرُ إِليها، وسيَموتُ ويُدْفَنُ فيها.. وأَنْ يَنزلَ ويُصَلِّيَ في طورِ سيناء، حيثُ كَلَّمَ اللهُ نبيَّه موسى ﷺ .. وأَنْ يَنزلَ ويُصَلِّيَ في بيتِ لحم، حيثُ كانَتْ وِلادةُ عيسى ﵇.. ولم تَتَحدث الأَناجيلُ عن النخلةِ التي وَلَدَتْ مريمُ ابْنَها عيسى تحتَها، ولذلك خَطَّأَ الفادي القرآنَ في حديثِه عن النخلَة، وأَنكرَ أَنْ يُكَلِّمَها ابْنُها من تحتِها، ويُوَجِّهَها إِلى التصرفِ المناسِب!!. ومَعنى قولِه تعالى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) : جاءَ المَخاضُ بمريمَ إِلى جِذْعِ النخلة، واضطرَّها إِلى القُدوم، وأَكْرَهَها على المجيء. والمخاض: آلامُ الطَّلْقِ التي تَأخُذُ المرأة، عندما تَدْنو ساعَةُ ولادتِها!.. وكَأَنَّ هذا المخاضَ شَخْصٌ قوِيّ شَديد، يُخضعُ مريمَ له إِخْضاعاً ويَدْفَعُها دَفْعاً، ويُكْرِهُها ويَضْطرُّها، ويَجعلُها تَسيرُ أَمامَه مُضطرة، إِلى أَنْ تَستندَ إِلى جِذْعِ النخلة، وتعمدَ عليها.. وجِذعُ النخلة الذي تَقومُ عليه.. وإِضافةُ الجِذْعِ إِلى النخلةِ تَدُلُّ على أَنها نخلةٌ حيةٌ خضراءُ نامية، وليس جُزْءاً مقطوعاً يابساً ملقىً على الأَرض.. وما هي إلّا لحظاتٌ قصيرةٌ قَضتْها مريمُ تحتَ جذعِ النخلة، حتى وَلَدَتِ انْبنها: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) . وما هي إِلَّا لَحظاتٌ حتى خاطَبَها ابنُها الذي أَنْطَقَه الله، فَكَلَّمَها بوضوح.. قال تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) . استغربَ الفادي أَنْ يُكَلمَ الوليدُ أُمَّه بعدَ لحظةٍ من ولادته، لأَنَّ هذا لا يكونُ في عالَمِ المواليد! ومَن الذي قالَ: إِنَّ كلامَه لها كان كَلاماً عاديّاً مَألوفاً معتاداً، حتى يَستغربَ ذلك؟ ! (١) .

стр. 84

لقد كانَ الوليدُ معجزةً خارقةً للعادة، واللهُ هو الذي أَنطقَه، وبما أَنَ هذا من أَمْرِ اللهِ فلا غرابةَ فيه، لأَنَّ اللهَ فَعّالِّ لما يُريد، وإِذا كانَ كلامُه لأُمِّه بعدَ لحظةٍ من ولادتِه أَمراً مُدْهِشاً، فإِنَّ حَمْلَها به من غيرِ أَبِ، وولادتَها له بعدَ ساعاتٍ من حَمْلِها به هو الأَكثرُ دهشة! فلماذا صَدَّقَ الفَادي بالثاني الأَكثرِ دهشةً وأَنكرَ الأَوَّل؟!. وقد يُكَذِّبُ بعضُهم القرآنَ في حديثِه عن النخلة، التي وَلَدَتْ مريمُ ابْنَها تَحْتَها، بزعْمِ أَنَّ مدينةَ بيت لحم ليستْ مدينةَ نخل، لأَنها منطقةٌ باردةٌ نسبيّاً، والنخلُ يَحتاجُ إِلى أَرضٍ دافئة. واتفقَ الإِخباريّون على أَنه كانتْ في كنيسةِ المهْدِ في بيت لحم نخلةٌ كبيرة، وهذه النخلةُ ماتَتْ وقُطعتْ فيما بعد. ومَرَّ الشيخُ عبدُ الوهّاب النجارُ مؤلِّفُ كتابِ " قَصَصِ الأَنبياء " بكنيسةِ المهدِ في مطلعِ القرنِ العشرين. قال: " وأَقولُ أَيضاً: إِنَّ وُجودَ النخلِ ببيت لحم - وهي البلدةُ التي كانتْ بها مريمُ يومَ ولادهِ المسيح - نادر.. وقد رأيتُ بكنيسةِ بيت لحم المبنيةِ على موضعِ ولادةِ المسيح مكاناً قد " قُوِّرَ " البَلاطُ فيه.. ويقولون: إِنَّ في موضعِ هذا التقويرِ كانت النخلةُ التي وَلَدَتْ عندَها مريمُ..". وأَخبرَنا اللهُ أَنَّ الوَليدَ عيسى خاطبَ أُمَّه قائلاً: (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) . السَّرِيّ هو جدولُ الماء. فاللهُ أَنبعَ لمريمَ عينَ ماءٍ إِكراماً لها، ودَعا الوليدُ أُمَّهُ إِلى رؤيةِ ذلك السَّرِيّ، والشربِ من مائِه. كما أَنه دَعاها إِلى أَنْ تَهُزَّ جِذْعَ النخلة، فيتساقَطَ عليها الرطبُ الناضج، فتأكلَ منه. ويَعتقدُ النَّصارى أَنَّ ولادةَ عيسى ﷺ كانَتْ في شهرِ كانونِ الأَول، أَيْ

стр. 85

في الشتاء، ومن المعلومِ أَنه لا يَكونُ على النخلِ بَلَحٌ ولا تَمْرٌ ولا رُطَبٌ في الشتاء، لأَنَّ البلحَ ينضجُ في الصيْف، وقد يَستغربُ بعضهم وُجودَ رُطَبِ على النخلةِ التي لجأَتْ مريمُ إِليها!. والراجحُ أَن اللهَ أَثمرَ النخلةَ إِثْماراً مُعْجِزاً، إِكراماً لمريم، مثلَ ما أنبعَ لها عينَ الماء، فمن المتفقِ عليه أَنَّ النخلةَ لا تُثمِرُ في الشتاء، ولكنَّ اللهَ جَعَلَ تلك النخلةَ تُثمر، وجَعَلَ تَمْرَها رُطَباً، واللهُ سبحانه فَعّالٌ لما يُريد. واعترضَ الفادي لغَبائِه على قولِه تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) . وحملَ الصومَ في الآيةِ على الصيامِ المعروف، الذي هو الإِمساكُ عن الطعامِ والشراب. ولذلك تساءَلَ بغَباء: " فأينَ الصومُ وهي الآكلةُ الشاربةُ المتكلمة؟ ! ". الصومُ هنا ليس بمعنى الإِمساكِ عن الطعام والشراب، وإِنما هو بمعنى الإِمساكِ عن الكلام، وهو ما تُفَسرُه بقيةُ الآية: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) .. فصومُها بامتناعِها عن تكليمِ أَيّ إِنسان. وهي لم تنطقْ بهذه الجملة: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) بلسانِها، إِذْ إنها لو نطقَتْ بها لما كانَتْ صائمةً عن الكلام.. وإِنما كانَتْ توحي للذي تراهُ بإِشاراتِ يَدَيْها ومَلامحِ وجْهِها، بحيثُ يَفهمُ منها أَنها صائمةٌ عن الكلام.. واعتبرت الآية ُ هذه الإِشاراتِ المفهمةَ قَوْلاً: "فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي) . ولماذا امتناعُها عن الكلام؟ لأَنها في موقفِ تُهْمَة، ومهما تَكَلَّمتْ فلن يسمعوا لها. ولقد أَنطقَ اللهُ وَليدَها ليُدافعَ عنها. ولذلك لما وَصَلَتْ قومَها، وفوجئوا بالغلامِ على حِضنِها، ولاموها مُتَعَجّبين، لم تَتكلمْ بكلمة، وإِنما أَشارتْ إِليه، فتكلَّمَ هو وسْطَ ذُهولِ المستمعين. قال تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) .

стр. 86

فلا خَطَأَ في ما قالَه القرآنُ عن ولادةِ مريم، وإِنما أَفهامُ الفادي وقومِه هي القاصرة، لأَنها لم تُحسنْ فهمَ الآياتِ المتحدثةِ عن مريمَ وابنِها ﵉. *** هل لكلِّ أمةٍ رسول ؟ أَخبرَ اللهُ أَنَّه بعثَ لكلِّ أُمَّةٍ من السابقين رسولاً من أَنفسهم. قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) . وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) . وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) . ويَعترضُ القسيسُ الفادي على هذه الآيات، التي تقررُ هذه الحقيقة، ويَعتمدُ في اعتراضِه على الكتابِ المقَدَّس، الذي يقولُ بعكْسِ ذلك، قال: " تقولُ هاتان السورتانِ المكيَّتان: إِنَّ اللهَ أَرسلَ في كلِّ أُمَّةٍ نبياً منها إِليها. ويقولُ الكتابُ المقَدَّس: إِنَّ الأَنبياءَ والرسلَ هم من بني إِسرائيل، إِليهم وإِلى كلِّ العالَم.. فإذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآنِ، فكيفَ لم يُخرجْ للأُممِ في إفريقية وأَوروبة وأَمريكة وأسترالية وآسية أَنبياءَ منهم وإِليهم؟ ولو كانت لهذه الأُمم أَنبياءُ منها وإليها، لجازَ أَنْ يكونَ للعربِ رسولٌ منهم! " (١) . يَزعمُ المفْتَري أَنَّ الرسلَ والأَنبياءَ محصورون في بني إِسرائيلَ فقط، فلم يَبْعث اللهُ رَسولاً ولا نبيّاً من غيرِهم!.

стр. 87

وهذا كذِبٌ على اللهِ ، واتِّهامٌ له بالظلم. فإِذا كانَ كلامُه صحيحاً فماذا يقولُ في الأُممِ الذينَ عاشوا وماتوا قبلَ وُجودِ بني إِسرائيلَ في التاريخ؟ هل بَعَثَ اللهُ لهم نبيّاً إِسرائيليّاً قبلَ أَنْ يَخلقَ اللهُ بني إِسرائيلَ؟ هل بَعَثَ اللهُ لقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ والبابليّين والكنعانيّين والمصريّين أَنبياءَ من بني إِسرائيل؟ وهؤلاءِ الأَقوامُ كانوا قبلَ بني إِسرائيل؟ أَمْ أَنَّ اللهَ لم يَبعثْ لهم رسولاً قط؟ وبعدما خَلَقَ اللهُ بني إِسرائيل هَلْ بَعَثَ اللهُ أَنبياءَ إِسرائيليّين للأَقْوامِ الآخَرين، كالفرسِ والرومِ واليونانِ والهنودِ والصينيين والأَفارقةِ والأَمريكيّينَ والأَوربيّين والأُستراليِّين؟. إِنَّ ما قالَه الفادي المفترِي من قَصرِ النبوةِ والرسالةِ على الإِسرائيليّين كذبٌ وافتراء، ويَتعارَضُ مع حقائقِ التاريخ. ولقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اللهَ بَعَثَ في كلُّ أُمةٍ رسولاً. قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) . وصَرَّحَ بأَنَّ الرسولَ كان من نفسِ الأُمَّة، ويتكلمُ بلسانِ أَفْرادِها. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) . وصَرَّحَ بأَنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ الناسَ إِلّا بعدَ أَنْ يَبعثَ لهم الرسول، فإِنْ كَفروا به وكَذَّبوه استحقّوا العذاب. قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وبذلكَ أَقامَ اللهُ الحُجَّةَ على الكافرين، ولم يَبْقَ لهم حُجَّةٌ على الله، قال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) . وزَعْمُ قصر النبوةِ على بني إِسرائيلَ تكذيبٌ صريحٌ لهذه الآياتِ وأَمثالِها، وتناقُضٌ مع حقائقِ التاريخِ وقواعدِ الدين. صحيحٌ أَنَّ معظمَ الأَنبياءِ والرسُلِ المذكورين في القرآنِ الكريمِ بُعِثوا إِلى اليهودِ، لكنَّ النبوةَ ليستْ محصورةً فيهم. ولا معنى لكلامِ الفادي: " فإِذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآنِ فكيفَ لم يُخرجْ للأُممِ في إفريقية وأَوروبة وأَمريكة وأُسترالية وآسية أَنبياءَ منهم وإِليهم؟! ".

стр. 88

والمفتري في كلامِه يُكَذِّبُ القرآن، ويُشَكِّكُ في صدقِ أَخْبارِه، وذلك في جملة: " فإِذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآن ".. ومنَ البَدَهِى عند كلِّ مسلمٍ ومنصفٍ أَنَّ أَقوالَ القرآنِ صادقة، لا شكَّ ولا خَطَأَ فيها، فما قالَه اللهُ في القرآنِ فهو الصدقُ والحقُّ والصواب. وقد ذَكَرَ القرآنُ أَسماءَ خمسةٍ وعشرينَ نبيّاً ورسولاً، وليست النبوةُ والرسالةُ محصورةً فيهم، أَيْ أَنَّ اللهَ لم يذكُرْ كُلَّ الأَنبياءِ في القرآن، وإِنما ذَكَرَ أَشْهَرَهم فقط، والأَنبياءُ يُعَدّونَ بالآلاف، لم يُخْبِرْنا اللهُ إِلّا بأَسماءِ خمسةٍ وعشرينَ منهم. كثيرٌ من الأَنبياءِ لم يُخبرْنا اللهُ عنهم، فلم نَعرفْ أَسماءَهم. قال تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) . وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) . ومعنى هذا أَنَّ اللهَ بَعَتَ أَنبياءَ لكلِّ الأَقوامِ السابقين الذين كانوا يَعِيشونَ في آسية وإفريقية وأَمريكة وأَوروبة وأُسترالية وغيرها، لكنه لم يُخْبِرْنا بأَسماءِ هؤلاءِ الأَنبياء، وعدمُ معرفتِنا بأَسمائِهم لا يَنفي كونَهم أَنبياء. ومن مزايا الأَنبياءِ والرسلِ السابقين أَنَّ كُلَّ نبيٍّ كانَ يُبْعَثُ إِلى قومِه خاصة، وكلُّ أَنبياءِ بني إِسرائيل كانوا يُرْسَلونَ إِلى بني إِسرائيلَ خاصة، ولم يُبْعَثوا إِلى غيرِهم. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) . وآخِرُ أَنبياءِ بني إِسرائيل هو عيسى ﵇، فقد بَعَثَهُ اللهُ رسولاً إِليهم خاصة، ولم يكنْ رَسولاً للنّاسِ كافَّة. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .

стр. 89

موسى ﷺ يقولُ لبني إِسرائيل: (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) .. وعيسى ﷺ يقولُ لبني إِسرائيل: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) . فكلُّ واحدٍ منهما رسالتُه خاصَةٌ بهم. وتحوَّلَت " النصرانيةُ " إِلى رسالةٍ عالميةٍ بعدَ رفْع عيسى ﷺ ، وهذا خلاف طبيعتِها التي جاءَ بها عيسى ﷺ إِلى بني إِسرائَيل. ويَختمُ الفادي المفترِي كلامَه بنفْيِ نبوةِ محمدٍ ﷺ ، وذلك في قوله: " فلو كانَتْ لهذه الأُمم أَنبياءُ منها وإِليها، لجازَ أَنْ يكونَ للعرب رسولٌ منهم ". ومعنى كلامِه هنا أَنَّ اللهَ لم يَبعثْ للعربِ رسولاً منهم، لأَنًّ كُلَّ الأَنبياءِ في العالَمِ كانوا من بني إِسرائيلَ حسب ادِّعائِه!!. وقد امْتَنَّ اللهُ على العَرَبِ بأَنْ بَعَثَ منهم محمداً ﷺ رسولاً، وذلك في آياتٍ عديدة، منها قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) . ورغْمَ أَنَّ محمداً ﷺ من العربِ إِلَّا أَنَّ رسالتَه ليستْ للعربِ فقط، وإِنما هو رسولٌ للعالَمين. وقد قَرَّرَتْ هذه الحقيقةَ آياتٌ عديدة " منها قولُه تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) . ومنها قولُه تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) . *** هل أشرك آدم وحواء بالله ؟ نَسَبَ الفادي للقرآنِ قولَه بأَنَّ آدمَ وحواءَ أَشركا بالله، وزَعَمَ أَنَّ هذا وَرَدَ في قولِه تعالى:

стр. 90

(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) . تتحدَّثُ الآيتانِ عن رجلٍ عاشر امرأَتَه، ولما حملَتْ وأَثقلَتْ وأَوشكَتْ على الوضع، توجَّهَتْ هي وزوجُها إلى اللهِ بالدّعاء، وتَعَهَّدا بأَنَّه إِنْ آتاهما وَلَداً صالحاً سَيَكونان من الشاكرين، فلما آتاهُما وَلَداً صالحاً جَعَلا لله شرَكاء. وَزَعَمَ الفادي أَنَّ هذَيْن الزوجَيْن هما آدمُ وحَوّاء، ونَسَبَ هذا القولَ للمسلمين. قال: " قالَ مُفَسِّرو المسلمين: لما هبطَ آدمُ وحَوّاءُ إِلى الأَرض، أُلقيت الشهوةُ في نفسِ آدم، فأَصابَ حَوّاء، فحملَتْ من ساعتِها.. فلما ثَقُلَ الحملُ وكَبُرَ الوَلَدُ أَتاها إِبليسُ.. قال البيضاوي: أَتاها إِبليسُ في صورةِ رَجُل، فقالَ لها: ما الذي في بطنك؟ قالَتْ: ما أدري.. قال: إِنّي أَخافُ أَنْ يَكونَ بهيمةً أَو كَلْباً أو خنْزيراً!.. قالَتْ: إِنّي أخافُ بعضَ ذلك.. قال: وما يُدريكِ من أَينَ يَخرج، أَمِنْ دُبُرِكِ، أَمْ مِن فَمِك، أَو يشقُّ بطْنك فيقتلك؟ ... فخافَتْ حَوّاء ذلك، وذكرَتْه لآدم، فلم يَزالا في غمٍّ.. ثم عادَ إِليها إِبليسُ، فقالَ لها: إِنّي من الله بمنزلة، فإِنْ دعوتُ اللهَ أَنْ يجعلَه خَلْقاً سَوِيّاً مَثْلَك، ويُسَهِّلَ عليكِ خروجَه، تُسَمّيه عبدَ الحارث ... وكان اسْمُ إِبليسَ في الملائكة " حارث " ... فذكَرَتْ حَوّاءُ ذلك لآدم.. فعاوَدَها إبليس.. فلم يَزَلْ بهما حتى غَرَّهُما.. فلما وَلَدَتْ وَلَداً سَمّياهُ عبدَ الحارث.. وقال البيضاوي: في قوله: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) أَيْ: جَعَلا أَولادَهما شُركاءَ في ما آتى أَولادَهما، فَسَمّوه عبد العزى وعبدَ مناف.. " وقالَ في قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) : يَعني: الأَصنام ... ويُعلقُ الفادي على الكلامِ السابقِ بقوله: " فمن أَيْنَ جاءَتْ هذه القصةُ الغريبة؟ وأَينَ العُزّى ومَنافُ وآلِهَةُ العربِ من آدمَ في الجنة؟ حتى تكونَ أَصنامُ

стр. 91

العربِ آلهةً لآدَمَ يُسَمّي أولادَه بأَسمائِها؟ ". لم يكن الفادي أَميناً في النقلِ عن البيضاوي، فقد زَعَمَ أَنه أَخَذَ الخرافةَ السابقةَ من تفسيرِ البيضاوي، مع أَنه زاد على البيضاوي ما لم يَقُلْه، وحَذَفَ منه كَلاماً مهمّاً ... والذي ذَكَرَهُ البيضاوي في تفسيره هو: " ﴿هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ هو آدم. ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ من جسدها من ضلع من أضلاعها، أو من جنسها كقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴿زَوْجَهَا﴾ حواء. ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليستأنس بها ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه، وإنما ذكر الضمير ذهاباً إلى المعنى ليناسب. ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي جامعها. ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا﴾ خف عليها ولم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالباً من الأذى، أو محمولاً خفيفاً وهو النطفة. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ فاستمرت به أي قامت وقعدت، وقرىء ﴿فَمَرَّتْ﴾ بالتخفيف وفاستمرت به وفمارت من المور وهو المجيء والذهاب، أو من المرية أي فظنت الحمل وارتابت منه. ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت﴾ صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها. وقرىء على البناء للمفعول أي أثقلها حملها. ﴿دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ ءاتَيْنَا صالحا﴾ ولداً سوياً قد صلح بدنه. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ لك على هذه النعمة المجددة. ﴿فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما﴾ أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله: ﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يعني الأصنام. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج، فخافت من ذلك وذكرته لآدم فهما منه ثم عاد إليها وقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقاً مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث، وكان اسمه حارثاً بين الملائكة فتقبلت، فلما ولدت سمياه عبد الحرث. وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء!!. ويُحتملُ أَنْ يكونَ الخطابُ في (خَلَقَكُم) لآلِ قُصَيٍّ من قُريش، فإِنهم

стр. 92

خُلِقوا من نَفْسِ قُصَيّ، وكانَ له زوجٌ من جِنْسِه، عربية قُرَشية، وطَلَبا من اللهِ الوَلَدَ، فأَعْطَاهُما أَربعةَ بنين، فسَماهُم: عبدَ مناف، وعبد شمس، وعبد قصي، وعبد الدار.. ويكونُ الضميرُ في (يشركُون) لهما ولأَعْقابِهما المقْتَدينَ بهما.. ". وأَدْعو إِلى المقارنةِ بين كَلامِ البَيضاويِّ في تفسيرِه، والكلامِ الذي زَعَمَ الفادي أَنه للبيضاويِّ في تفسيرِه، لمعرفةِ الفرقِ بينهما، والوقوفِ على تَلاعُبِ الفادي وعَدَمِ أَمانتِه!. يقولُ البيضاويُّ في معنى قوله تعالى: (فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما) أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله: (فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) .. ومعنى كلامِ البيضاويِّ أَنه إِذا كان ضَميرُ المثَنّى يَعودُ على آدمَ وحَوّاءَ في قولِه: (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) فإِنَّ فاعلَ " جَعَلا " في الحقيقةِ لا يَعودُ على آدَمَ وحَوّاء، وإنما يعودُ على أَولادِهما المشركين، والسياقُ من بابِ حَذْفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إِليه مَقَامَه، والتقدير: جَعَلَ أَولادُهما لله شركاء.. والدليلُ على هذا عند البيضاوي. إِسنادُ فعْلِ (يشركُون) بعدَ ذلك إِلى الجمعِ وليسَ إِلى المثَنّى، فقالَ: (فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) . ولو كان المشركان هما آدمَ وحَوّاءَ لكانَ الفاعلُ مثنى، ولقال: فتعالى اللهُ عما يشركان!!. وقد حَرَّفَ الفادي المفترِي كَلامَ البيضاوي، ليجعَلَه دَليلاً له على تخطئةِ القرآن ... عبارةُ البيضاوي: " جعلَ أَولادُهما له شركاءَ فيما آتى أَولادَهما، فسمّوهُ عبدَ العُزّى وعبدَ مناف " صارتْ عند المفترِي؟ " وقال البيضاوي: أَي: جَعَلا أَولادَهما، شركاءَ فيما آتى أَولادَهما.. وفرقٌ بَعيدٌ بين الجملتَيْن.

стр. 93

فالبيضاويُّ يُصرحُ بأَنَّ الذينَ جعلوا للهِ شركاءَ هم أَولادُ آدم وحواء، واتهمَ المفترِي البيضاويَّ بأنه يرى أَن آدَمَ وحَواءَ هما اللَّذان جَعلا للهِ شركاء!!. ومن افتراءِ المفترِي الفادي افتراؤُه على البيضاويِّ بأَنه يعتقدُ صحةَ قصةِ إِبليس مع حواءَ وعبد الحارث، مع أَنَّ البيضاويَّ لا يرى صحةَ القصةِ الموضوعة التي ذَكَرَها. بدليلِ أَنه بدأَ القصةَ بالفعلِ الماضي: " قيل ". وهذه صيغةُ تَضعيف، كما قَرَّرَ العلماء. وقد حَذَفَ المفترِي هذا الفعلَ " قيل " فيما زَعَمَ نَقْلَه عن البيضاويّ لحاجةٍ في نفسه ... ومن باب الإمعانِ في الكذبِ والافتراء لم يذكُرْ تعقيبَ البيضاويِّ على القصة، وهو تعقيبٌ مهمٌ، لأَنه يُبَيِّنُ رفْضَ البيضاويِّ للقصة، لمعارضتِها لعصمةِ الأَنبياء؟ وهو قوله: " وأَمثالُ ذلك لا يليقُ بالأَنبياء ... "!. كما أَنَّ الفادي المفترِي لم يَذكر الاحتمالَ الثاني الذي أَوردَه البيضاويّ في تحديدِ الشخصَيْنِ المشركَيْن، لأَنه يَنقضُ ويَرُدُّ اتهامَه لآدمَ وحَوَّاء بَالشّرْك، والاحتمالُ الذي أَوردَه البيضاويُّ أَنَّ الخطابَ يُمكنُ أَنْ يكونَ لآلِ قُصَيّ: (هُوَ اَلَّذِى خلقَكُم) ، وعليه يكونُ المرادُ بالزوج وزوجه قُصيٌّ وامرأَتُه، اللَّذان سَميا أَولادَهما بعبدِ شَمْسٍ وعبدِ مَناف ... إِنَّ هذا التصرفَ الشائِنَ والتلاعُبَ المرذولَ من الفادي المفترِي يدلُّ على فقدانِه الأَمانةَ العلمية فيما ينقلُه من كلام، يَنسبُه للعلماء والمسلمين ليوافِقَ هواه، ويُحَرِّفَهُ عن معناه!! وأَدعو إِلى الشَّكِّ في كلِّ ما يَنقلُهُ الفادي وأَهْلُ ملَتِه من أَقوالٍ ينسبونَها للمسلمين، وإذا أحالوا على كتابٍ لعالِمٍ مسلم، وزَعموا وُجودَ الكلامِ فيه، فأَدْعو إِلى العودةِ المباشرةِ إِلى الكتابِ الإِسلامي، وسوفَ نَجِدُ فَرْقاً بَعيداً بين الكلامِ في الكتابِ الإِسلاميِّ وبين الكلامِ المنقول منه!! وبهذا نَعرفُ تَخَلي اليهودِ والنصارى والمستشرقين عن الأمانةِ العلمية في بحوثهم العلمية!!. وخلاصَةُ هذه المسألة: ما ذَكَرَهُ بعضُ المفَسّرين المسلمين والإخباريين

стр. 94

المؤرخين من حوارٍ بين حَوّاءَ وإِبليسَ انتهى بها إِلى أَنْ أَشركَتْ هي وآدمُ بالله، عندما سَمَّيا مولودَهما الأَولَ عبدَ الحارث - أَيّ: عبدَ إبليس - هذا كلام مخُتَلَق مكذوب موضوع، لم يصحّ ولم يثبتْ. فآدمُ وحَوّاءُ لم يُشْرِكا بالله، ولم يُسَمِّيا ابنَهما عبدَ الحارث. وتتحدثُ الآياتُ عن زوجَيْنِ متأخِّرَيْن من أَبناءِ آدم، قد يكونانِ من العرب أَو من العجم أَو من غيرِهم، عاهَدا اللهَ أَنْ يُؤْمِنا به ويَشْكُراه، إِنْ آتاهما وَلَداً صالحاً، فلما آتاهما صالحاً نَقَضا العهد، وأَشْرَكا بالله. وأَبْقَت الآياتُ قصةَ الزوجَيْنِ مبهمة، لم تُبَيِّنْ من تَفاصيلِها شيئاً، أَبهمتْ اسْمَي الزوجَيْن وزَمانَهما ومَكانَهما، وتفاصيل حملِ المرأةِ وولادتِها، وتفاصيلَ الشركِ بالله! وهذا كلُّه لا نَخوضُ فيه، لأَنه لا دليلَ عليه. المهمُّ أَنُّ آدمَ وَحَوَّاءَ لم يُشركا بالله، والبيضاويُّ لم يَنْسبْ ذلك لهما، وكان الفادي مفترياً كاذباً في زَعمِه ونقْلِهِ عن البيضاوي.. ولم يُخطئ القرآنُ في حديثِه عن زَوْجَيْنِ مشركَيْنِ بالله، لأَنَّ هذه الآياتِ تنطبقُ على كلِّ زوجَيْنِ مشركَيْنِ، مهما كان زَمانُهما ومَكانُهما!. *** هل غرق ابن نوح ﵇ ؟ أَخبرَ القرآنُ أَنَّ أَحَدَ أَبناءِ نوحٍ كان كافراً، وأَنه غَرِقَ في الطوفان. قال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) . نَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ أَنّ ابنَ نوحٍ الكافرَ الذي رفضَ أَنْ يركبَ مع نوحٍ هو كنعان، وأَنه غَرِقَ مع الكافرين!! وَرَدَّ الفادي كلامَ البيضاويّ وكلامَ القرآن، وحاكَمَ القرآنَ إلى العهد

стр. 95

القديم الذي يعتقدُ الفادي أنه التوراةُ كلامُ اللهِ. قال: " ومعلومٌ أَنَّ نوحاً لم يكنْ له إِلا ثلاثةُ أَولاد: سام وحام ويافث، ولهم ثلاثُ زوجات.. فكان الذينَ خَلَصوا في الفُلْكِ ثمانية: نوحٌ، وزوجَتُه، وأَولادُه الثلاثة، ونساءُ أَولادِه الثلاث.. فأينَ قصةُ غَرَق كنعان؟ ومعلومٌ أَنَّ كنعانَ لم يكن قد وُلِدَ، ولم يكن ابْناً لنوح، بل وَلَدَهُ حامُ بنُ نوح، وذلك بعدَ الطوفان ". لقد أَخبرَ القرآنُ عن غَرَق أَحَدِ أَبناءِ نوحٍ ﷺ . فلما، كان نوح مع المؤمنين في السفينة، وهي تَجري بهم في موجٍ كالجبال، رأى أَحَدَ أبنائِه واقِفاً في معزلٍ عن الطوفان، فَدَعاهُ إِلى أَنْ يركبَ معهم في السفينة، ولكنَّ الابنَ رفضَ الدعوة، وحالَ الموجُ بينَ الابنِ وأَبيه، وطواهُ في طَيّاتِه، فكانَ من المغرقين! وحزنَ نوحٌ على ما أصابَ ابْنَه وسأَلَ ربَّه مستوضحاً، فأَخبره اللهُ أَنه ليس من أَهْلِه المؤمنين، لأَنه كان كافراً، وكُفْرُهُ قطعَ الصلةَ بينَه وبينَ أَبيه النبي؟ قال تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) . ولقد أَبهمَ القرآنُ اسْمَ وَلَد نوحٍ الكافر الذي غَرِق مع الكافرين، كما أبهمه رسولُ الله ﷺ ، ولا سبيلَ لنا لمعرفةِ اسْمِه لسكوتِ القرآنِ والحديثِ الصحيحِ عنه، والواجبُ علينا أَنْ نُبْقيَه على إِبهامِه.

стр. 96

ولا نوافقُ البيضاويَّ وغيرَه من المفَسرين الذين حَدَّدوا اسْمَه بأَنَّه " كنعان "، لأَنهم لا يَمْلكونَ دَليلاً على ذلك إ!. ومحاكمةُ القرآنِ للعهدِ القَديم خطأٌ منهجيّ وَقَعَ به الفادي، وإِذا كانَ أَساسُ مَنهجه خطأً، كانت الأَفكارُ والنتائجُ المترتبةُ عليه خاطئة. وكيفَ نُحاكم كَلامَ اللهِ الثابتَ المحفوظَ إلى كلامٍ مشكوكٍ فيه، اختلطَ فيه كلامُ اللهِ بكلامِ الأَحبار؟ !. ونتوقفُ فيما زَعَمَه الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين من أَنه كانَ لنوحٍ ثلاثةُ أَبناء، ونتوقفُ في أَسمائِهمِ التي أَطْلقوها عليهم، فلا نَنْفيها ولا نُثْبِتُها، ونقول: اللهُ تعالى أَعلمُ بأَعدادِهم وأَسمائِهم وتفاصيلِ حياتِهم!. أَمّا زعْمُ الفادي أَنَّ الذين رَكبوا في الفلكِ كانوا ثمانيةَ أَشخاصٍ فقط فهذا خطأ؟ وقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ الذينَ رَكبوا في السفينةِ كُلُّ مَنْ آمَنوا بنوحِ ﷺ ، مع أَنهم كانوا قلائل، إِلَّا أَنهم كانوا أَكْثَرَ من ثمانيةٍ قَطْعاً. قال تعالىَ: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) . وأَخطأَ الأَحبارُ مُؤَلِّفو سِفْر التكوين والقِسّيسُ الفادي الذي تابَعهم عندما صنَّفوا رُكابَ السفينةِ تصنيفاً أُسَرِيّاً نَسَبِيّاً، وليس تصنيفاً إِيمانيّاً.. فالركابُ الثمانيةُ في السفينةِ هم عائلةُ نوحٍ ﷺ في تصنيفهم. نوحٌ وزوجَتُه، وأَولادُه الثلاثة وزوجاتُهم الثلاث!!. والصحيحُ هو ما ذَكَرَه القرآن، من أَنَّ الذينَ رَكبِوا معه من أَهْلِه هم المؤمنون فقط، أَمّا الكافرونَ منهم فقد هَلَكوا مع الهالِكين، ولذلك قالَ اللهُ عن حَمْلِ أَهْلِه معه: (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) . والذي سبق عليه القولُ هو الكافِرُ مِنْ أَهْلِه، واللهُ حَكَمَ أَنْ يُهلكَه. وقد نَصَّ القرآنُ على أَنَّ اثْنَيْنِ من أَهْلِ وأُسْرَةِ نوحٍ كانا كافرَيْن، ولم يركَبا معه السفينة: امرأَتُه، وابْنُه.

стр. 97

قالَ اللهُ عن امرأتِه قارناً لها مع امرأةِ لوط الكافرة: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) . ولما أَغْرَقَ اللهُ ابْنَ نوحٍ الكافرَ، وسأَلَ نوحٌ عنه لامَه اللهُ على ذلك، وأَخبره أَنه ليسَ من أَهْلِه لكُفْرِه، مع أَنه ابْنُه.. قال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) . وبهذا نعرفُ جَهْلَ وغَباءَ الفادي المفترِي، حَيْثُ خَطَّأَ القرآنَ، في الخبر الصادقِ الذي أَوردَه عن غرقِ ابنِ نوحٍ، واعتمدَ على كتابِ من صنعٍ بشر، أَلَّفَه الأُحبار، ووَقعوا في أَخطاءٍ كثيرة فيه، يمكنُ الوقوفَُ عليها عند مقارنتِها بالقرآن!!. *** هل أيوب حفيد إسحاق ؟ (١) أَخبرَ اللهُ أَنَّ أَيوبَ من ذريةِ إِبراهيمَ ﷺ . قال تعالى عن إبراهيم ﵇: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) . الضميرُ في " له " يَعودُ على إِبراهيمَ ﷺ ، لأَنَّ الآياتِ السابقة كانَتْ تتحدَّثُ عنه، وإِسحاقُ ابْنُه، ويَعقُوبُ حَفيدُه، عليهم الصلاة والسلام. والراجحُ أَنَّ الهاءَ في (ذُرِّيَّتِهِ) تعودُ على إِبراهيمَ ﷺ ، فالأَنبياءُ الستةُ المذكورونَ في الآيةِ من ذريتِه، وهم: داودُ وسليمانُ وأَيوبُ ويوسفُ وموسى وهارونُ.

стр. 98

وهذا نَص على أَنَّ أَيوبَ ﵇ من ذريةِ إِبراهيمَ ﵇. والذريةُ ليسوا الأَبناءَ والأَحفادَ فقط، وإِنما هم الأَولادُ الذين يَنْتَسبون له، ولو كان بينَهم وبينَه عدةُ قُرون. وقد رَفَضَ الفادي اعتبارَ أَيوبَ من ذريةِ إِبراهيم، واعتبرَ هذا من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية. ونَقَلَ عن البيضاويِّ قولَه: " أَيوبُ بنُ أَموص، من أَسباطِ عيص بنِ إِسحاق ". وَرَفَضَ كلامَه قائلاً: " فأَيْنَ أَيوبُ الذي ظَهَرَ في بلادِ العَرَبِ من عصْرِ إِبراهيمَ وإِسحاقَ والدِ إسرائيل في أَرضِ فلسطين؟ وأَينَ هو أَموصُ والدُ النبيّ أَشعياءَ من أَيوب؟ ". ذهبَ البيضاويُّ إِلى أَنَّ والدَ أَيوبَ هو أَموص، وأَنَّه من نَسْلِ عيص، وعيصُ هو حَفيدُ إِبراهيمَ وأَخو يعقوب. واعترضَ الفادي على كلامِ البيضاوي، وذَهَبَ إِلى أَنَّ أَيوبَ ظَهَرَ في بلادِ العَرَب، وبينَه وبينَ إِبراهيمَ وإِسحاقَ فترةٌ زُمنيةٌ طويلة!. ولَسْنا مع البيضاويِّ في ما قالَه عن أَيوبَ ﵇، لأَنه ذَكَرَ أَسماءً ليس عليها دليلٌ معتمد، فلم يَرِدْ في مصادِرِنا الإسلاميةِ اليقينيةِ، أَنَّ اسْمَ والدِ أَيوبَ هو أموص، وأَنَّ اسْمَ ابنِ إِسحاقَ هو عيص، وأَنَّ أموصَ هو حفيدُ إِسحاق، وأَنَّ أَيوبَ هو ابنُ حفيدِ إسحاق!. وهذه الأَسماءُ التي أَخَذَها البيضاويُّ عن الإِسرائيلياتِ نتوقَّفُ فيها، فلا نَنْفيها ولا نُثبتها، ولا يتحملُ القرآنُ مسؤوليةَ ما ذَكَرَه البيضاوي.. وكلُّ ما نقولُه أَنّ أَيوبَ كان من نَسْلِ وذريةِ إِبراهيم ﵇، مع وجودِ فترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ بينهما!!.

стр. 99

الصلة بين موسى والخضر ومحمد - صلى الله عليهم وسلم - أَخْبَرَنا اللهُ في سورةِ الكهفِ عن أَحداثٍ مثيرةٍ وَقَعَتْ بينَ موسى والخضرِ ﵇ في الآيات من (٦٠) وحتى (٨٢) .. وذَكَرَ رسول اللهِ ﵇ فيما رواهُ عنه البخاريّ ومسلمٌ وغيرُهما بعضَ تفصيلاتِ تلك الأَحداث. وخُلاصةُ قصةِ موسى مع الخضرِ ﵉ كما ذُكِرَتْ في آياتِ القرآنِ وصحيحِ الأَحاديث: أَنَّ موسى ﵇ وَقَفَ يوماً خَطيباً في بَني إِسرائيل فَقيلَ له: هل أَحَدٌ أَعْلَمُ منكَ؟ فقال: لا!.. فعتب اللهُ عليه لأَنه لم يُفَوِّضْ ذلك إِلى اللهِ، ولم يَقلْ: اللهُ أَعلم! فقال اللهُ له: بل هناك مَنْ هو أَعلمُ منك؟ فقال موسى: مَنْ هو يا رَبِّ حتى أَتعلمَ منه؟ قال: إِنه عَبْدُنا الصالحُ خَضر! قال: يا رَبِّ كيفَ السبيلُ إِليه؟.. قال: خُذْ حوتاً مُمَلَّحاً في سلَّة، فإِذا فَقَدْتَ الحوتَ وَجَدْتَه في ذلك المكان!!. فطلبَ موسى ﵇ مِن فَتاهُ يوشَعَ بن نون أَنْ يَسيرَ معه، ووضعَ سَمكَةً مشويةً مملَّحَةً في سَلَّة، لتكونَ غداءً لهما، وتَوَجَّها إِلى الخضر.. وفي الطريقِ تَعِبا، فَوَجدا صخرةً بجانبِ البَحر، فجلَسا يَستريحانِ عنْدَها، وَوَضَعَ يوشَعُ السلةَ التي فيها السمكةُ المشويةُ بجانبه، وناما ... وأَحْيَا اللهُ السمكةَ المشويةَ بقدرتِه، فَقَفَزَتْ من السَّلة، وذهبتْ في البَحر.. وأَبقى اللهُ مكانَ سيرِها على سطحِ الماءِ كما هو، ليكونَ دَليلاً لموسى وفتاه. ولما استَيْقَظا، تابَعا سَيْرَهُما نحو الخضر، وحَمَلَ يوشَعُ السَّلَّة، ونَسي أَنْ يتفقدَ السمكة فيها.. وبَعْدَ قليلٍ أَحَسَّ موسى ﷺ بالجوع، فطلَبَ من يوشَعَ أَنْ يُجَهِّزَ السمكةَ المشويَّة للغَداء! فلما نَظَرَ في السَّلَةِ لم يَجِدْها! فأَخبرَ

стр. 100

موسى أَنها خرجَتْ من السَّلَّةِ عند الصخرة، فعادا إِليها، لأَنَّ الخَضِرَ سيكونُ هناك!. ولما وصلَ موسى الصخرةَ وَجَدَ الخضرَ نائماً على ظهرِهِ، مغطّى بقطيفتِه.. فأَلقى ﵇، ورَدَّ الخضرُ ﵇، وقالَ له: أَنّى بأَرْضِك السَّلام؟. وعَرَضَ عليه موسى أَنْ يَسيرَ معه ليتعلَّمَ منه، فقالَ له الخضر: إِنَّكَ لن تستطيعَ معيَ صَبْراً، لأَنَّكَ سترى منّي أَشياءَ لا تَصبرُ عليها، فلقد عَلَّمَنِي اللهُ أَشياء، لا علْمَ لك بها، وأَنتَ عَلَّمكَ اللهُ أَشياء، لا علْمَ لي بها.. فاسْتَعَدَّ موسى أَنْ يَصبِرَ على كُلِّ ما يَرى، واشترطَ عليه الخضرُ أَنْ لا يَعترضَ على كُلّ ما سيراه منه، وأَنْ لا يسأَلَه، وأَنْ ينتظرَ منه بيانَ وتوضيحَ ما يَراه ... وسارَ موسى مع الخضر على شاطئ البَحْر، ومَرَّتْ بهما سفينَة، فعرفَ مالكوها الخضر، فأَركبوهما بغيرِ أُجرةٍ إِكْراماً لهما.. ومَدَّ الخضرُ يَدَه فَقَلَعَ لَوْحاً من أَلواحِ السفينة، فاعترضَ موسى ﵇ وقال له: القومُ أَكْرمونا، وأَركبونا في السفينة مَجّاناً، فكيفَ تقابلُ إِكرامَهم بِخَرْق السفينةِ وإِفسادها؟ وإِنَّك بذلك سَتُغْرِقُ أَهْلَها! وذَكَّرَه الخضرُ بالشرطِ الذي اتفقا عليه، فاعتذرَ بأَنه تكلمَ ناسياً الشرط. وسارا في الطريق، وَوَجَدا غُلاماً صغيراً يَلعبُ مع الغلمان، فأَقبلَ عليه الخضرُ وقَتَلَه! فاستغربَ موسى واعترضَ عليه، إِذ كيفَ يقتلُ فتى صغيراً بغير ذنبٍ ارتكبه؟! فذكَّرَه الخضرُ بالشرطِ بينهما، وتَعَهَّدَ موسى بعدمِ الاعتراض، فإِن اعترضَ عليه بعد ذلك فيمكنُه أَنْ لا يُصاحِبَه!. ووَصَلا أَهلَ قريةٍ بُخَلاء، فطَلَبَا منهم الطعام، فأَبَوْا أَنْ يُضيِّفوهما! وَوَجَدا فيها جداراً على وَشَكِ السقوط، فقامَ الخضرُ بإِصْلاحِه وإِحكام بنائِه، فاعترضَ عليه موسى بأَنه كان الأَولى أَنْ يأخذَ منهم الأَجرة، لأَنهم لا يستحقون الإِكرام!.

стр. 101

وبهذا الاعتراضِ الثالثِ فَقَدَ موسى حَقَّه بمصاحبةِ الخضر، وقبلَ أَنْ يُفارِقَه فَسَّرَ له الأَحداثَ الثلاثةَ المثيرة: خَرَقَ السفينةَ لأَنه يُريدُ المحافظةَ عليها، وإِبقاءَها في مُلْكِ أَصحابِها المساكين، فأَمامَهم ملكٌ ظالم غاصب، كُلَّما وَجَدَ سفينةً صالحةً صادَرَها، وعندما يَرى سفينَتَهم مخروقةً سيتركُها لهم.. أَمّا الغُلامُ فقد علمَ اللهُ أَنه عندما يكبرُ سيكونُ كافراً، وبذلك سَيُرْهِقُ والِدَيْه المؤمِنَيْن، ولذلك أَمَرَهُ اللهُ بقَتْلِه، وسيُؤْتي اللهُ والدَيْه ابناً آخَرَ أَفضلَ وأَكرمَ وأَرحمَ منه.. وأَمّا الجدارُ الذي بَناهُ فقد كانَ لغلامَيْن صغيرَيْن يتيمَيْن، وكانَ أَبوهما الصالحُ قد وَضَعَ لهما كَنْزاً تحتَه، ولو سقط الجدارُ لنهبَ أَهْلُ المدينةِ الكنز، لذلك قامَ الخضرُ بإِصلاحِ الجدار إِكراماً للغلامَيْن اليتيمَيْن وليس إِكْراماً للبخلاء!. وقبلَ أَنْ يُفارقَ الخضرُ موسى أَخبره أَنَّهُ لم يفعلْ ذلك باجتهادِه، لأَنَّه لا يَعلمُ الغيب، وإِنما أَخبرَهُ اللهُ بما سيكون، وأَمَرَهُ بفعْلِه!. هذه خلاصةُ قصةِ موسى مع الخضر ﵉، كما وَرَدَتْ في الآياتِ والأَحاديثِ الصحيحة، وهذه القِصَّةُ الصحيحةُ لم تَلْفِتْ نَظَرَ القسيس الفادي، وإِنما ذهبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي، وأخذ منه كلمتَيْن، اعتَبَرَهما خطأً من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية. قالَ البيضاوي عن الخضر: " الجمهورُ على أَنه الخضرُ ﵉، واسْمُه بليا بن ملكان. وقيل: إِليسع. وقيل: إِلياس ". أَيْ: الخضرُ لَقَب لذلك النبيّ، واسْمُه فيه خِلاف: بليا، أَو إِلياس. أَو: إِليسع.. ولما نَقَلَ الفادي المفترِي كلامَ البيضاويِّ لم يكنْ أَميناً في النقل، وصارَتْ عبارة البيضاوي السابقة عنده: " فَوَجَدَ الخضِرَ، وهو إِيليا النبي "!!. وقالَ البيضاويُّ عن كَنْزِ الغلامَيْن اليتيمَيْن: " وكان تحتَه كَنْز لهما من ذهبٍ وفضة وقيل: من كتبِ العلم.. وقيل: كان لوحاً من ذهبٍ مكتوب فيه:

стр. 102

عجبْتُ لمن يؤمنُ بالقَدَرِ كيف يَحزن؟ وعَجِبْتُ لمن يُؤْمِنُ بالرزقِ كيفَ يَتْعَب؟ وعجبتُ لمن يؤمنُ بالحسابِ كيف يَغْفَل؟ وعجبتُ لمنْ يؤمنُ بالموتِ كيفَ يَفْرَح؟ وعجبتُ لمن يعرفُ الدنيا وتقلّبَها بأَهلها كيفَ يطمئنّ إِليها؟!.. لا إِله إلاّ الله، محمدٌ رسولُ الله ... ". ويأْبى الفادي المفترِي إِلّا أَنْ يَتَلاعَبَ بالنَّصِّ الذي ينقُلُه عن البيضاوي، لأَنه لا يمكنُ أَنْ يكونَ أَميناً في النقل! فعبارةُ البيضاويِّ السابقة صارَتْ عند المفتري هكذا: " والجدارُ لغلامَيْن يتيمَيْن، بَناه حَتّى متى كَبُرا يَجِدان تحتَ الجدارِ كنزاً من الذهب، مكتوب عليه بعضُ الحِكَم، ومنها: لا إِلهَ إِلّا الله، محمدٌ رسولُ الله! وكان ذلك في أَيامِ إِسكندر ذي القرنين! ". فأَضافَ المفترِي على كلامِ البيضاويّ جملة: " وكان ذلكَ في أَيامِ إِسكندر ذي القرنين " وذلك بهدفِ تكذيبِ قصةِ الخضر مع موسى، واعتبارِها من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية!. ونحنُ لَسْنا مع ما نَقَلَه البيضاويُّ من خلافٍ في اسْمِ الخضر: بليا، أَو إِليسع، أَو إِلْياس! لأَنه لا داعيَ لذلك؟ فالرسولُ ﷺ سَمّاه الخضر، ويَكفي ذلك، وما ذَكَرَهُ البيضاويُّ من خلافٍ في اسْمِه منقولٌ عن الإِسرائيليات!. وهذا مَعناهُ أَننا لا نوافقُ الفادي على أَنَّ الخضرَ هو النبيُّ إِيليا، الذي كان في فِلسطينَ في القرن التاسع قبلَ الميلاد! ونَرى أَنه هو الخضر، والراجحُ أَنه نَبي، وتَفاصيلُ حياتهِ ونُبوتِه ودعوتِه من مبهماتِ القرآن، التي ليس عندنا دليل على بيانِها!. ولما تكلمَ البيضاويُّ عن كنزِ الغلامَيْن اليتيمَيْن كان رأْيُه أَنه كنزٌ حقيقيّ من ذهبٍ وفضةٍ. ولما ذَكَرَ أَقوالاً أخرى في الكنزِ ذَكَرَها بالصيغةِ التمريضيةِ التضعيفيةِ: " قيل " فقال: " وقيلَ: مِن كتب العلم. وقيل: كان لوحاً من ذهبٍ مكتوب فيه

стр. 103

بعض الحِكَم ... " وذَكَرَ خمساً من الحكم، وخَتَمَها بالشهادتَيْن: لا إِلهَ إِلّا الله، محمدٌ رسولُ الله. وهذه الصيغةُ التمريضيةُ تدلُّ على أَنَّ البيضاويَّ لا يَعتمدُ ما بَعْدَها، وإنما يَكتفي بإِيرادِها من بابِ الذِّكْرِ فقط. وكنَّا نتمنى على البيضاوي لو لم يورِدْ ذلك، حتى لا يَأتِيَ رجلٌ مغرضٌ مثلُ الفادي المفترِي، ويجعله حُجَّةً على البيضاويِّ وعلى القرآن!. والراجحُ أَنَّ كنْزَ الغلامَيْن اليتيمَيْن كان كَنْزاً حقيقيّاً ماليّاً، ولم يكنْ كَنْزاً من كتب العلم، ولا من دُرَرِ الحِكَم، مكتوبةٍ بلغةٍ عربيةٍ سليمة، ومبادئَ إِسلامية لم تُعْرَفْ إِلّا بَعْدَ الإِسلام، مختومةٍ بالشهادتين!. إِنَّ هذه مزاعمُ نَرُدّها، وأقوالٌ نرفُضُها، ولا تُلْزِمُنا حتى لو كانَتْ عند تفسيرِ البيضاوي، ولا يَجوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَجعلَها حُجَّةً على القرآن، لأنها لم تَثْبُتْ بحديثٍ صحيحٍ مرفوع!. والزعْمُ بأَنّ بناءَ الخضرِ للجدارِ كان في زمنِ الإِسكندرِ المقدوني من مزاعمِ الفادي وافتراءاتِه وأَكاذيبه، ليتوَصَّل بها إِلى تكذيبِ القرآنِ وتخطئته. وبهذا نعرفُ بطلانَ الأَسئلةِ والاعتراضاتِ التي أَثارَها المفترِي على القرآن في حديثه عن قصة الخضر: " ونَحنُ نَسْأَلُ: أَيْنَ موسى الذي عاشَ في مصر سنة [١٥٠٠ ق. م] ، من إِيليا الذي عاشَ في فلسطين سنة ٩٠٠ ق. م،، من إسكندرَ الأَكبر الذي عاش في اليونانِ سنة ٣٣٢ ق. م،! أَيْنَ هؤلاء من الشَهادَةِ لمحمدٍ الذي ظهرَ - في بلادِ العربِ في القرنِ السابع بعد الميلاد؟ ! فبينَ موسى وإِيليا ٦٠٠ سنة،! وبينَ إِسكندر وموسى ١٢٠٠ سنة،! وبين موسى وظهورِ محمدٍ ٢٢٠٠ سنة،! فكيف يتسنّى لهؤلاءِ الذين نشؤوا في ممالك مختلفة، وفي قرونٍ متباعدة، أَنْ يَجْتَمِعوا في زمنٍ واحدٍ وفي صعيدٍ واحد؟! ".

стр. 104

لقد بَنى المفترِي الفادي كُلَّ أَسئلِته على أُكذوبة، ادَّعَتْ أَنَّ شهادةَ أَنْ لا إِله إِلّا الله وأَنَّ محمداً رسول الله هي الكنزُ الذي بَنى الخضرُ الجدارَ عليه، وخَطَّأ القُرآنَ بسببِها! فإِذا كانت هذه الأَكذوبةُ مردودةً، فإِنَّ القرآنَ لا يتحملُها. الخضرُ كان مع موسى ﵉، وهو ليس النبيَّ إِيليا الذي عاشَ بعد موسى بتسعةِ قرون، ولا صلة بين الخضر وبين الإسكندرِ المقدوني، الذي جاءَ بعده باثْنَي عَشَرَ قرناً! ولم تُكتب الشهادتانِ على كَنْزِ الغلامَيْنِ اليتيمَيْن حتى يَصحَّ ما أَثارَه المفترِي على القرآنِ من اعتراض!!. *** حول ترتيب أسماء الأنبياء في سورةِ الأَنعامِ ثلاثُ آياتٍ ذَكَرَتْ ثمانيةَ عَشَرَ نبياً. وهي قول الله : (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) . الهاءُ في " لَهُ " تعودُ على إِبراهيم ﵇. والأَنبياءُ الثمانيةَ عَشَرَ مذكورون في المجموعاتِ الحَالية: إِبراهيمُ وإِسحاقُ ويَعقوب، ونوحٌ لوحده، وداودُ وسليمانُ وأَيوبُ ويوسفُ وموسى وهارون، وزكريّا ويَحْيى وعيسى وإِلياس، وإِسماعيلُ واليسعُ ويونُسُ ولوط. وذِكْرُ الأَنبياءِ في هذه المجموعاتِ أَثارَ اعتراضَ الفادي؟ قال: " ونحنُ نَسْأَل: كيفَ صُفَّتْ هذه الأسماءُ بلا نظامٍ ولا تَرْتيب، بما فيها من تقديمٍ وتَأْخير، يَدْعو للتشويشِ والخلْط؟ فما الدّاعي لذِكْرِ داودَ وسُليمانَ قبلَ أَيوبَ ويوسفَ وموسى وهارون؟ وما الدّاعي لذكْرِ زكريّا ويَحيى وعيسى وإِلْياس؟ وما الدّاعي لذكْرِ إِسْماعِيلَ بعدَ إِسْحاقَ ويَعقوبَ وداودَ وسُليمانَ وأَيوبَ ويوسفَ

стр. 105

وموسى وهارونَ وزَكريّا ويحيى وعيسى وِإلْياس؟ وما الدّاعي لذكْرِ اليسعَ ويونسَ قبَل لوط؟. مع أَنَّ الترتيبَ التاريخيَّ معروف قبلَ القرآنِ بمئاتِ السِّنين، أَيوبُ في بلادِ عوص، وإِبراهيمُ وابنُ أَخيه لوط، وابْناهُ إسماعيلُ وإِسحاق، وحفيدُه يعقوب، وابنُ حفيدهِ يوسُف.. ومِنْ بَعْدِهم موسى وهارون.. ومنْ بَعْدِهما داودُ وسليمانُ ابنُه، ومن بعْدِهما إِلياسُ والْيسعُ تلميذُه، ومِنْ بعدِهما يونُس؟ هؤلاء كلُّهم في العهدِ القديم.. ومن بعدِهم زكريّا ويحيى وعيسى في العهدِ الجديد.. ". ولا يوجَدُ في ذِكْرِ الأَنبياءِ في الآياتِ ما يَدْعو للاعتراضِ أَو الإِنكار، وليس في ذِكْرِ هؤلاءِ الأنبياءِ خطَأ تاريخيّ وقعَ به القرآن. الهدفُ هو ذكْرِ أسماء الثمانيةَ عشرَ نبيّاً ذِكْراً فقط، وليس الهدفُ ذِكْرَ الأَسماءِ وفقَ الترتيبِ والتسلسلِ التاريخيّ، فاعتراضُ الفادي في غير مكانِه. والترتيبُ الذي ذَكَرَه هو ليسَ صحيحاً، فهو يَرى أَنَّ أَيّوبَ كانَ قبلَ إِبراهيم - صلى الله عليهما وسلم -، وهذا غيرُ صَحيح، والصحيحُ أَنَّ أَيوبَ كان من ذريةِ إِبراهيمَ، بنصّ الآية: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ) . وهو يرى أَنَّ زكريّا ويحيى من أَنبياءِ العهدِ الجديد، وهذا غيرُ مُسَلَّم، فالعهدُ الجديدُ هو الإِنجيلُ الذي جاءَ به عيسى ﷺ ، وكان زكريّا قبل عيسى، وإِنْ كانَ الأَنبياءُ زكريا ويحيى وعيسى أنبياء لبني إِسرائيل ... واللافتُ للنظرِ أَنَّ القرآنَ عندما يذكرُ أَسماءَ بعضِ الأَنبياءِ فإِنه لا يُرَتِّبُهم تَرتيباً تاريخيّاً، كما هو في الآياتِ السابقة من سورةِ الأنعام، وكما في قولِه تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) (١) .

стр. 106

إدريس وليس أخنوخ ذَكَرَ القرآنُ إِدريسَ ﵇ ضمنَ الأَنبياءِ، قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) وقد حاكمَ الفادي - كعادته - القرآنَ إِلى العهدِ القديم، ولَمّا لم يجد اسْمَ إِدريسَ فيه حَكَمَ بتخطئةِ القرآن، والذي في العهدِ القديم هو أخنوخ وليسَ إِدريس.. ونَقَلَ الفادي عن سِفْرِ التكوينِ أَنَّ أَخنوخَ عاشَ ثلاثمئةٍ وخمساً وستينَ سنة، وسارَ أَخنوخُ مع الله، ولم يوجَدْ بعدَ ذلك لأَنَّ اللهَ أَخَذَه. ونقلَ عن البيضاويّ قولَه: " إِدريسُ: هو جَدُّ أَبي نوح، واسْمُه أَخنوخ، واشتقاقُ إِدريسَ من الدَّرْس، لكثرةِ دُروسِه، إِذْ رويَ أَنَّ اللهَ أَنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأَنه أَولُ مَنْ خَطَّ بالقَلَم، ونَظَرَ في علمِ النجومِ والحسابِ (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) . يَعْني شرف النبوةِ والزلْفى عندَ الله، وقيلَ: الجنة، وقيلَ: السماءَ السادسةَ أَو الرابعة " (١) . واعترضَ الفادي على تسميةِ القرآنِ له بإِدريس، وقال: " ونحنُ نسأَل: مِن أَينَ جيءَ باسمِ إِدريسَ بدل أَخنوخ، فالصوابُ أَخنوخُ وليس إِدريس! ". لا تَجوزُ محاكَمَةُ القرآنِ إِلى الكتابِ المقَدَّس، لما سبقَ أَنْ قَرَّرْناهُ، وقرآنُنا هو المهيمنُ على ما قبلَه من الكُتُب، لأَنَّ الكتبَ السابقةَ مُحَرَّفَة، والقرآنُ محفوظ. فما ذَكَرَه القرآنُ هو الصواب، والاسْمُ الذي خالَفَ المذكورَ في القرآن هو المرفوض، وبما أَنَّ اسْمَه في القرآنِ إِدريسُ فهذا هو اسْمُه ولا نَدْري من أَينَ جاء مؤلفو سِفرِ التكوين باسم أخنوخ، وهو اسْمٌ مرفوض!. ولَسْنا مع البيضاويِّ في ما ذَكَرَه عن إدريسَ من أَنَّ اسْمَه أَخنوخ، وأَنه

стр. 107

جَدُّ أَبي نوح، وأَنه أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بالقلم، ونَظَرَ في علمِ النجومِ والكواكب، وأُنزلَ عليه ثلاثون صحيفة، وأَنه رُفِعَ بجسْمِه إِلى السماءِ، كما رُفِعَ عيسَى ﷺ وهذا الكلامُ من الإِسرائيليات، ولا دليل عليه من حديثِ رسولِ الله ﷺ . وأَخبرَ اللهُ أَنه رَفَعَ إِدريسَ مكاناً عليّاً: (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) . وأَخَذَ بعضُ العلماءِ الكلامَ على ظاهرهِ، وقالوا: رُفِعَ إِدريسُ بجسْمِه وروحِه إِلى السماء، كما رُفِعَ عيسِى ﵇. وذهبَ آخَرون إِلى أَنَّه لم يُرْفَعْ إِلى السماء، وأَنه ماتَ موتاً طبيعياً، ودُفِنَ على الأَرض، والراجحُ أَنَّ المرادَ برفعِه مكاناً علياً منزلةُ النبوة، ودرجةُ القُربى والكرامةِ عندَ الله، لأَنه صِدّيقٌ نبى ﷺ . وفي زمنِ نبوةِ إِدريس ﷺ خِلافٌ بين العلماء: - فمنهم مَنْ ذهَبَ إِلى أَنه كانَ بعدَ آدمَ وقبلَ نوحٍ - صلى الله عليهما وسلم -، كما ذَكَرَ البيضاوي، وعندما يَعُدُّونَ الأَنبياءَ يكونُ هو في الرقمِ الثاني، فيقولون: آدمُ، إدريسُ، نوح، هود، صالح ... وهكذا. ولعلَّ هؤلاءِ تَأَثَّروا بكلامِ العهدِ القديم، حيثُ ذَكَرَ الأَحبارُ أَنَّ اسْمَه أَخنوخ، وأَنه رُفِعَ بِجِسْمِهِ إِلى السماء، فقالَ هؤلاءِ العلماءُ بقولهم. - وذهبَ آخرونَ إِلى أَنَّ نبوةَ إِدريسَ ﵇ متأَخرَةٌ، وأَنه كانَ نبيّاً في بني إِسرائيل، نَقَلَ القرطبيُّ في تفسيرِه عن القاضي أَبي بكر بنِ العربيِّ قولَه: " ومَنْ قالَ: إِنَّ إِدريسَ كان قبلَ نوح، فقد وَهِم!. والدليلُ على وَهْمِه الحديثُ الصحيحُ في المعراجِ، حينَ لقيَ النبيُّ ﷺ آدمَ وإدريس. فقالَ له آدَمُ: مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الصالح، وقالَ له إدريس: مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والأَخ الصالح.. فلو كانَ إِدريسُ أَباً لنوحٍ لقال: مَرحباً بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالح، ولَمّا قَالَ له إِدريسُ: الأَخ الصالح دَلَّ على أَنه يجتمعُ معه في نوح (١) ..

стр. 108

ونحنُ مع ابنِ العربيِّ والقرطبيّ في أَنَّ إدريسَ مُتَأَخِّر، وأَنه من أَنبياءِ بني إِسرائيل، ومما يُؤَكِّدُ ما قالَه ابنُ العربي أَنَّ آدمَ وإِبراهيمَ خاطَبا محمداً ﷺ بالبُنُوَّة، وقالا له: مَرْحَباً بالنبيِّ الصالح والابنِ الصالح. بينما خاطَبَهُ الخمسةُ الآخَرون: يوسفُ وموسى وهارونُ وإِدريسُ وعيسى بالأُخُوَّة، وقالوا له: مرحباً بالنبيِّ الصالحِ والأخ الصالح. وبهذا نعرفُ خَطَأَ كلامِ الفادي من أَنَّ إِدريسَ هو أَخنوخ، وأَنه جَدُّ نوح، فما قالَه عنه القرآن هو الصحيح، وهو من أَنبياءِ بني إِسرائيل المتأَخِّرين. *** من هم أتباع نوح ﵇ -؟ لَمّا دعا نوحٌ عَلّإِثر قومَه إِلى عبادةِ اللهِ وَخدَه كَفَروا به وكَذَّبوه، ولم يَتْبَعْه إِلّا قليلٌ منهم، وأَثارَ الملأُ من قومِه الشبهاتِ ضِدَّه، وأَخبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن بعضِ تلك الشبهات. قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) . اتَّهَمَ الملأُ نوحاً بأَنَّه ليسَ نبيّاً، وأَنه بَشَرٌ مثلُهم، وأَنَّ الذين آمَنوا به واتَّبَعوهُ ليسوا سادَةَ القومِ وأَشْرافَهم، إِنما هم الأَراذلُ والضعفاءُ: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) . وخَطَّأَ الفادي القرآنَ في هذا الكلام، لأَنه يتعارضُ مع كلامِ الأَحبارِ في العهد القديم، والمعتمدُ عنده هو ما في العهدِ القديم.. قال: " ونحنُ نسأَل: أَينَ الأَراذلُ الذينَ اتَّبَعوا نوحاً وآمَنوا به؟ إِنَّ أَحَداً لم يُؤْمِنْ بكَرازَتِه، كما تقولُ

стр. 109

التوراةُ والإِنجيلُ، ولم يدخُل معه في الفلكِ إِلا امرأَتُه وأَولادُه ونساءُ أَولادِه، وهم ليسوا أَراذل، والقرآنُ يقول: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) .. وهذا يعني أَنَّ الحديثَ الذي دارَ بين نوحٍ وقومِه عن إِيمانِ البعضِ به لم يَحْدُثْ " (١) . وقد سبقَ أَنْ بَيَّنّا كذبَ الأَحبارِ والفادي في زعْمِهم أَنَّ ركابَ السفينةِ كانوا ثمانيةَ أَشخاصٍ فقط، هم أُسرةُ نوح. ويواصِلُ الفادي هنا كذبَه وافتراءَه عندما ادّعى أَنَّه لم يؤمنْ به أَحَدٌ من قومِه! ولا ندري ماذا كان نوحٌ يفعلُ معهم طيلة حوالي أَلْف سنة؟ يَزعمُ الأَحبارُ والفادي أَنه لم يَدْعُهم إِلى اللهِ خلالَ هذه المدةِ كُلِّها، ولذلك لم يُؤمِنْ به أَحَد! وقد أَخطأَ القرآنُ عندما أَخبرَ عن كلامٍ بينَه وبين قومِه عن إِيمانِ بعضِهم، لأَنَّ هذا الحديثَ لم يَحدثْ كما جزمَ الفادي!. لقد كانَ القرآنُ صَريحاً في إِيمان عددٍ قليلٍ من قومِه. قال تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) . وأَخطأَ الأَحبارُ والفادي عندما زَعموا أَنَّ كُلَّ عائلةِ نوحٍ كانوا في السفينة، وقد سَبَقَ أَنْ بَيَّنّا خَطَأَهم فيما مَضى، وذَكَرْنا أَنه لم يركبْ معه في السفينة إِلّا المؤمنونَ من أَهْلِه، وأَنَّ امرأَتَه كافرة، وأَنَّ أَحَدَ أبنائِه كافر.. فلم يُخطئ القرآنُ في حديثِه عن ما جرى بينَ نوحٍ وقومِه الكافرين، وإِنما أَخْطَأَ الفادي في اعتراضه على القرآنِ، واعتمادِه على أَخطاء العهدِ القديمِ التي كَذَّبها القرآن.

стр. 110

بابل والنمرود أَخبرَ اللهُ أَنه دَمَّرَ بيوتَ كافرين سابقين. قال تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) . وقد نقلَ الفادي المتحامِلُ قولاً ذَكَرَه البيضاويُّ في تفسير الآية، أَنه لم يَعتمدْه، وعَرَضَه بصيغةِ " قيل " الدالَّةِ على التضعيف. قال: " قالَ البيضاوي: قيل: المرادُ به نُمرودُ بنُ كنعان، بَنى الصرحَ بِبابِلَ، سُمْكُهُ خمسةُ آلافِ ذراع، ليترصَّدَ أَمْرَ السماء، فأَهَبَّ اللهُ الريحَ، فَخَرَّ عليه وعلى قومِه فَهَلكوا ... " (١) . مع أَنَّ القولَ الذي يقولُ به البيضاوي غيرُ الذي ذكره أعلاه قال: " (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : أي: سَوّوا مَنْصوبات، لِيَمْكُروا بها رسلَ اللهِ عليهم الصلاة والسلام. (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) : فأتاها أَمْرُه من جهةِ العُمُدِ التي بَنْوا عليها، بأَنْ ضُغضِعَتْ (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) : وصار سببَ هلاكِهم. (وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) : لا يَحْتَسِبون ولا يتوقَّعون.. وهو على سبيلِ التمثيل.. ". الآيةُ عامةٌ تتحدثُ عن الكفارِ الذين يمكرونَ بأولياءِ اللهِ ودينِه، على اختلافِ الزمانِ والمكان، فيُبْطِلُ الله مكْرَهم، ويَنصرُ الحَقَّ، وهي من بابِ التمثيل. وهذا معناهُ أَنَّ البيضاويَّ لا يَرى أَنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن بابلَ والنمرود، وأَنه أَوردَ روايةً بذلك من بابِ الذكْر، ولكنَّه لا يَقولُ بها!!. ولكنَّ الفادي المتحامِلَ اعتبرَ هذه الروايةَ دليلَ تخطئةِ القرآنِ والبيضاوي،
следующие страницы →