التخريج
عند الفقهاء والأصوليين
(دراسة نظرية تطبيقية تأصيلية)
الدكتور
يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين
الأستاذ المشارك بقسم أصول الفقه
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
مكتبة الرشد
الرياض
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
الحمد لله على كثير فضله وعظيم آلائه، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم رسله وأنبيائه.
وبعد:
فمنذ سنوات غير قليلة، بل منذ أن أقرت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تدريس موضوع (تخريج الفروع على الأصول) على طلبة الدراسات العليا، وأنا أقوم بتدريس هذه المادة، وحينما بدأت لم يكن هناك منهج محدد، ولا معالم معينة لهذا الموضوع، وقد قمت بالاتصال بجهات عدة، وبذلت جهوداً شخصية لدى عدد من أساتذة الجامعات الإسلامية، وطلبة الدراسات العليا فيها، ممن كان لهم سبق زمني في إقرار تدريس هذه المادة، فلم أظفر من ذلك بطائل، ولا وجدت ما يشفي الغليل، لكني وجدت أنّ منهج الدراسات العليا في جامعة أم القرى، اشتمل على أمرين:
الأمر الأول: كان يضم تمهيداً في التعريف بعلم تخريج الفروع على الأصول، وأهميته، ونشأته وتطوره ومصادره والتعريف بها، وعلاقة هذا العلم بعلم الأصول، والفرق بينه وبين علمي الأشباه والنظائر والفروق.
كما ضم البحث عن أسباب الاختلاف في الفروع.
والأمر الثاني: كان قسماً تطبيقياً يتضمن دراسة عدد من الموضوعات، منها ما هو قواعد مختلف فيها، ومنها ما هي أدلة مختلف فيها.
ولم أردت أن أعرف طبيعة ما درس في موضوعات الأمر الأول، لم
стр. 3
أجد هناك مادة مدروسة تحدد العلم، وتبين نطاقه ومشتملاته، ولهذا فقد اتخذت من تصوراتي منطلقاً لبيان أبعاد هذا الموضوع. وكانت هذه التصورات في بداية الأمر، محدودة، تقتصر على تخريج الفروع على الأصول، متخذة من منهج الزنجاني، وتصوراته مثالاً يحتذى، غير أني لاحت عند ممارستي تدريس هذا العلم، والنظر في جوانبه المختلفة، أن نطاق التخريج أوسع من ذلك، وتكشفت لي خلال سنوات التدريس قضايا كثيرة، اضطررت معها إلى تغيير خطتي التدريسية، وإلى تنويع التخريج بحسب نتائجه وأصوله التي استند إليها، فتميزت لديّ ثلاثة أنواع من التخريج، هي:
الأول: تخريج الأصول من الفروع، وهو الأساس في تأسيس أصول فقه الأئمة الذين لم يدونوا أصولاً، ولم ينصوا على قواعدهم في الاستنباط، أو نصوا على قسم منها، ولم ينقل عنهم شيء بشأن قسمها الآخر.
الثاني: تخريج الفروع على الأصول، وهو النمط الظاهر في كتاب تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، وما أشبهه من الكتب التي نحت هذا المنحى.
الثالث: تخريج الفروع على الفروع، وهو النوع الذي حظي بعناية الفقهاء والأصوليين أكثر من غيره، سواء كان في الكتب المفردة عن الافتاء، أو في الكتب الأصولية في مباحث الاجتهاد والتقليد، أو في مواضع منثورة من كتب الفقهاء.
ولم أجد دراسة نظرية تؤصل علم التخريج، وتبين لنا حدوده ومعالمه، ولكني أشيد بما نشره الزميل د/ عياض بن نامي السلمي في بحثه المنشور في مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (١)، بعنوان: ٠تحرير المقال فيما تصح نسبته للمجتهد من أقوال) ولكنه لم يبحث إلا في النوع الثالث من
стр. 4
التخريج، مقتصراً على بحث صحة نسبة الأقوال المخرجة إلى الأئمة، دون أن يوضح معالم هذا العلم، ولكنه كان لبنة قيمة في هذا المجال.
وقد أدى هذا التصور للتخريج أن أجري طائفة من التغييرات على ما كنت أعده من محاضرات بهذا الشأن، وعدلت فيما كنت أطرحه من آراء، فأصبحت أنظر إلى التخريج على أنه أنواع من العلوم، يشملها جنس واحد هو التخريج.
ومن الملاحظ أن الأنواع الثلاثة من التخريج التي ذكرتها آنفاً تمثل نوعين متعاكسين من التخريج، أحدهما يتجه إلى تخريج القواعد والضوابط الكلية من الفروع والجزئيات، وثانيهما يتجه، على العكس من ذلك، إلى تخريج الفروع والجزئيات، إما ببنائها على القواعد الكلية، أو ببنائها على جزئيات مثلها.
ولما استقر ذلك عندي، بدا لي أن أضيف إليه أمراً ذا صلة بالتخريج، هو صفات المجتهد وشروط العلماء الذين يقومون به، ومنزلتهم بين طبقات الفقهاء، ومراتب الأقوال التي يخرجونها، وتسميتها وصفاتها.
وتحت إلحاح الكثيرين من أخواني الأساتذة والعلماء، ومن أبنائي طلبة الدراسات العليا، رأيت إخراج ما تجمع لدي من معلومات عن هذا العلم، مع ثقتي بأنه في حاجة إلى زيادة تنقيح، وربما إلى إضافة ما يمكن أن يدخل في نطاقه. على أنه مهما يكن من أمر، فقد بذلت جهداً غير قليل في تأصيل هذا العلم، وإقامته على سوقه، وربما كانت هذه أول دراسة تأصيلية نظرية تطبيقية له. ولهذا فإن الباحث في حاجة إلى معرفة وجهات نظر العلماء وملحوظاتهم، من أجل تقويم هذا البحث وتلافي ما فيه من هنات.
وقد رتبت هذا البحث على تمهيد وبابين وخاتمة.
التمهيد: في تعريف التخريج لغة واصطلاحاً وبيان أنواعه.
الباب الأول: في أنواع التخريج، ويشتمل على ثلاثة فصول:-
стр. 5
الفصل الأول: في تخريج الأصول من الفروع.
الفصل الثاني: في تخريج الفروع على الأصول.
الفصل الثالث: في تخريج الفروع على الفروع.
الباب الثاني: ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في مراتب المخرجين بين طبقات الفقهاء.
الفصل الثاني: في شروط وصفات علماء التخريج.
الفصل الثالث: في أنواع الأحكام المخرجة وصفاتها.
والخاتمة: في ذكر أحكام بعض الوقائع المعاصرة المخرجة على أصول وفروع الأئمة.
هذا والله أسأل أن يسدد على طريق الحق خطاي، وأن يلهمني، في ما أذهب إليه، الصواب .. وأن يريني الحق حقاً ويرزقني اتباعه، وأن يريني الباطل باطلاً ويرزقني اجتنابه.
وصلى الله على نبينا محمد ...
стр. 6
تمهيد
في تعريف التخريج وبيان أنواعه
معناه في اللغة: قال ابن فارس: الخاء والراء والجيم أصلان.
قال: وقد يمكن الجمع فيهما:
فالأول: النفاذ عن الشيء.
والثاني: اختلاف لونين (١).
ويبدو من خلال تتبع معاني المادة في المعاجم أن المعنى الأول هو الأكثر استعمالاً، فالخروج عن الشيء هو النفاذ عنه وتجاوزه، ومنه خراج الأرض وهو غلتها.
ويبدو أن هذا المعنى هو الأقرب لما نحن فيه، فالتخريج مصدر للفعل خرج المضعف، وهوي فيد التعدية بأن لا يكون الخروج ذاتياً، بل من خارج عنه، ومثله أخرج الشيء واستخرجه فإنهما بمعنى استنبطه، وطلب إليه أن يخرج (٢).
ويقال أيضاً خرج فلاناً في العلم أو الصناعة دربه وعلمه، والمصدر تخريج (٣).
معناه في الاصطلاح:
وقد استعمل لفظ (التخريج) في طائفة من العلوم، فأصبحت
стр. 7
استعمالاته عندهم تعني مصطلحاً خاصاً، كما هو الشأن عند علماء الحديث، وعلماء الفقه والأصول، وسنذكر فيما يأتي معناه عندهم:
١ - معناه عند المحدثين:
أطلق المحدثون التخريج على ذكر المؤلف الحديث بإسناده في كتابه (١). ومنه قولهم: هذا الحديث خرجه أو أخرجه فلان بمعنى واحد هو ما ذكرناه.
وذكر بعضهم أنه عند المحدثين (إيراد الحديث من طريق أو طرق أخر تشهد بصحته، ولابد من موافقتها له لفظاً ومعنى) (٢).
وحده بعضهم بأنه "عزو الحديث إلى مصدره أو مصادره من كتب السنة المشرفة، وتتبع طرقه وأسانيده وحال رجاله وبيان درجته قوة وضعفاً" (٣).
وعلى هذا فالتخريج لا يقتصر على ذكر الأسانيد، بل لابد من بيان أمر رجال الحديث وقوة أسانيده، والحكم عليه قوة وضعفاً، وبيان صحته أو عدمها.
ولتخريج الأحاديث طرق متعددة، وفوائد كثيرة، لعل من أهمها جمع الطرق التي جاء الحديث منها، وجمع ألفاظ متن الحديث (٤).
стр. 8
كما أطلق المحدثون التخريج على الإشارة إلى كتابة الساقط من المتن في الحواشي وهو المسمى اللحق، أو التنبيه على شرح أو غلط أو اختلاف رواية أو نسخة أو غير ذلك (١). ولهم في بيان كيفية تخريج السقط ضوابط خاصة.
٢ - معناه عند الفقهاء والأصوليين:
وإذا تأملنا استعمالات الفقهاء والأصوليين، وجدنا أن مصطلح التخريج يدور في أكثر من نطاق، وأنهم لم يستعملوه بمعنى واحد، وإن كان بين هذه المعاني تقارب وتلاحم، فمن تلك الاستعمالات:
стр. 9
ما توصلوا إليه من أحكام، في المسائل الفقهية المنقولة عنهم، وذلك من خلال تتبع تلك الفروع الفقهية واستقرائها استقراء شاملاً يجعل المخرج يطمئن إلى ما توصل إليه، فيحكم بنسبة الأصل إلى ذلك الإمام.
ب) إطلاق التخريج على رد الخلافات الفقهية إلى القواعد الأصولية، على نمط ما في كتاب (تخريج الفروع على الأصول) للزنجاني، أو التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) للأسنوي، أو (القواعد، والفوائد الأصولية والفقهية) لابن اللحام.
وهو بهذا المعنى يتصل اتصالاً واضحاً بالجدل وبأسباب اختلاف الفقهاء، إذ هو في حقيقته يتناول واحداً من تلك الأسباب، وهو الاختلاف في القواعد الأصولية، وما ينبني على ذلك الاختلاف من اختلاف في الفروع الفقهية، سواء كانت في إطار مذهب معين، أو في إطار المذاهب المختلفة، وقد يتسع هذا المجال فيشمل من أسباب الاختلاف ما هو خلاف في الضوابط أو بعض القواعد الفقهية، كما هو الشأن في كتاب (تأسيس النظر) المنسوب إلى أبي زيد الدبوسي. وهذا هو ما اصطلح عليه بـ: (تخريج الفروع على الأصول).
ج) وقد يكون التخريج - وهذا هو غالب استعمال الفقهاء - بمعنى الاستنباط المقيد، أي بيان رأي الإمام في المسائل الجزئية التي لم يرد عنه فيها نص، عن طريق إلحاقها بما يشبهها من المسائل المروية عنه، أو بإدخالها تحت قاعدة من قواعده، والتخريج بهذا المعنى هو ما تكلم عنه الفقهاء والأصوليون في مباحث الاجتهاد والتقليد، وفي الكتب المتعلقة بأحكام الفتوى.
د) وقد يطلقون التخريج بمعنى التعليل، أو توجيه الآراء المنقولة عن الأئمة وبيان مآخذهم فيها، عن طريق استخراج واستنباط العلة وإضافة الحكم إليها (١). بحسب اجتهاد المخرج، وهو في حقيقته راجع إلى المعاني
стр. 10
السابقة، لأن تلك المعاني لا يتحقق أي منها دون التعليل والتوجيه، ومن هذا القبيل ما يسمى (تخريج المناط).
لكن الذي نهتم به من إطلاقات التخريج، هو ما يصلح أن يكون عنواناً لعلم مستقل، نسعى لتأصيله، وبيان مقوماته، ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن التخريج يتنوع إلى الآتي:
١ - تخريج الأصول من الفروع.
٢ - تخريج الفروع على الأصول.
٣ - تخريج الفروع من الفروع.
ونظراً إلى مثل هذا الاختلاف في معنى التخريج عند الفقهاء والأصوليين (١)، فإنه من الصعب أن نعطي عن نشأة التخريج بكل هذه المعاني تاريخاً واحداً، أو أن نتحدث عنها بكلام واحد، ولهذا فإننا سنتحدث عن كل منها على انفراد، مبينين ما يتعلق بها نشأة وتاريخاً وأحكاماً.
стр. 11
الباب الأول
في أنواع التخريج
الفصل الأول: تخريج الأصول من الفروع
الفصل الثاني: تخريج الفروع على الأصول
الفصل الثالث: تخريج الفروع من الفروع
стр. 12
الفصل الأول
تخريج الأصول من الفروع
تمهيد في:
تعريفه وبيان موضوعه ومباحثه والعلوم التي استمد منها وفائدته
المبحث الأول: نشأته وتطوره
المبحث الثاني: أمثلة لبعض الأصول المخرجة
المبحث الثالث: حكم نسبة الأصول المخرجة إلى الأئمة
стр. 13
تعريفه – وبيان موضوعه ومباحثه
والعلوم التي استمد منها وفائدته
تعريفه:
ذكرنا أن من أنواع التخريج التوصل إلى أصول الأئمة وقواعدهم من خلال استقراء وتتبع الفروع الفقهية المروية عنهم، واكتشاف عللها وما بينها من علاقات وقلنا إنه من الممكن أن نطلق على ذلك (تخريج الأصول من الفروع)، وفي الحق إن التخريج بالمعنى المذكور (١) ليس علماً محدداً، ولكن ثمرته هي أصول الفقه وقواعده الكلية، كما أنه ليس علم أصول الفقه نفسه، لأن ثمرة الشيء خارجة عن حقيقته وماهيته، وإذا أردنا أن نضع تعريفاً تقريباً له، قلنا: إنه (العلم الذي يكشف عن أصول وقواعد الأئمة من خلال فروعهم الفقهية وتعليلاتهم للأحكام).
فقولنا: (العلم) كالجنس يشمل المعرف وغيره.
وقولنا: (الذي يكشف عن أصول ...) قيد أخرج ما ليس كذلك،
стр. 14
كالفقه الذي يكشف عن الأحكام الفرعية العملية، والأصول التي هي القواعد نفسها والتي تعد ثمرة ونتيجة لهذا التخريج.
وقولنا: (من خلال تتبع فروعهم ..) قيد ثان أخرج الأصول المصرح بها من قبل الأئمة أنفسهم، لأنها لا تعد أصولاً مخرجة، وإنما هي من المنصوص عليه من قبلهم.
موضوعه (١):
إن بيان موضوع كل علم، يُعد المميز له عن سائر العلوم، كما أن تعيينه وتميزه عن غيره يُعد من الوسائل الهامة التي توضح مجالات العلوم. ويقصدون بموضوع العلم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، كبدن الإنسان لعلم الطب. فإنه يبحث فيه عن أحواله من حيث الصحة والمرض، وكالكلمة لعلم النحو، فنه يبحث فيه عن أحوالها من حيث الإعراب والبناء ... إلخ) (٢).
والعوارض الذاتية هي الخارجة عن الشيء الذي يحمل عليه، وكونها ذاتية يعني أن منشأها الذات (٣)، بأن كانت تلحق الشيء لذاته أو تلحقه لجزئه، أو تلحقه بواسطة أمر آخر خارج عنه مساوٍ له.
وفائدة التقييد يكون الأعراض ذاتية الاحتراز عن الأعراض الغريبة، هي العارضة للشيء لأمر خارج عنه، أعم منه أو أخص منه أو مباين له (٤).
ومعنى البحث عن العوارض الذاتية للموضوع حملها عليه وإثباتها له كقولنا: الكتاب يثبت به الحكم، أو حملها على أنواعه، كقولنا: العام يفيد
стр. 15
القطع، أو على أنواع أعراضه الذاتية كقولنا: العام الذي خُص منه البعض يفيد الظن (١).
ومن خلال هذا البيان لمعنى الموضوع، ومن التعريف السالف لهذا العلم، ندرك أن موضوعه هو نصوص الأئمة المجتهدين، وأفعالهم وتقريراتهم، من حيث دلالتها على المعاني الرابطة فيما بينها، وما يجمعها من علاقات، وعلى الأسباب الباعثة للأئمة على الأخذ بما اخذوا به من آراء.
مباحثه ومسائله (٢):
ومباحثه ومسائله هي معرفة الأحوال العارضة لموضوعه هذا، أي البحث في الأحوال العارضة لنصوص وأفعال الأئمة، لأن المباحث والمسائل ذات صلة وثيقة بموضوع العلم نفسه، على ما هو معلوم في مصطلحاتهم.
استمداده:
والمعين الذي يستمد منه هذا العلم مادته، هو نصوص وأفعال وتقريرات الأئمة، والدراية بعلوم العربية، وبالقرآن الكريم، والحديث الشريف.
وبعد نشأة أصول الفقه وتدوينه، أصبح علم الأصول من أفراد ما يستمد منه المخرج مادته أيضاً، بغية معرفة رأي الإمام في أمثال تلك القواعد التي لم يرد عنه نص بشأنها.
فائدته وغايته (٣):
ينظر كثير من الباحثين إلى المصالح المترتبة على الشيء باعتبارين:
стр. 16
الاعتبار الأول: من حيث ابتداء التفكير في الشيء وهو المسمى عندهم بالعلة الغائية التي هي الباعث على الفعل وطلبه.
والاعتبار الثاني: من حيث النهاية، وهي آخر العمل، أو ثمرة الفعل ونتيجته، وهي المسماة عندهم بالفائدة (١).
وقد أخذ بهذا التفريق طائفة من العلماء، منهم صديق بن حسن القنوجي (ت ١٣٠٧هـ) (٢) في كتابه أبجد العلوم. إذ قال عن علم أصول الفقه أن (الغرض منه تحصيل ملكة استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها الأربعة، أعني الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وفائدته استنباط تلك الأحكام على وجه الصحة) (٣)، فهو قد فرق بين الغرض أو الباعث على الشيء وبين الفائدة التي هي الثمرة المترتبة عليه.
وبناء على هذا التوضيح لمعنى الفائدة والغاية، فإن غاية هذا العلم الأساسية، هي الكشف عن قواعد وأصول الأئمة التي بنوا عليها أحكامهم.
وأما فائدته فإنه يلتقي مع أصول الفقه في بعض فوائده المترتبة عليه، كما تتحقق منه فوائد أخر.
стр. 17
ومن الممكن أن نلحظ بعض هذه الفوائد فيما يأتي:
١ - إن كشف هذا العلم عن قواعد الأئمة يمكن العالم من ترجيح الأقوال واختيار أقواها، عن طريق قوة القاعدة ومتانتها.
٢ - إن هذا العلم يساعد على معرفة العلاقات القائمة بين الفروع الفقهية، مما يمكن الباحث في ذلك من التعليل والفهم السليم، وضبط الفروع المروية عن الأئمة بأصولها.
٣ - تمكن نتيجته العالم من تخريج المسائل والفروع غير المنصوص عليها، وفق تلك القواعد المخرجة أو أن يجد لها وجهاً أولى.
٤ - كما تمكن نتيجته من معرفة أسباب اختلاف الفقهاء. وقد يقال: إن هذا العلم لم تعد له فائدة بعد أن استقر علم أصول الفقه، ودونت قواعده، وعرفت آراء العلماء واختلافاتهم بشأنها. وهو قول لا يخلو من وجاهة، ولكنه لا يمثل الحقيقة كلها، وإنما يمثل جانباً منها.
إنما الأمر الذي نفتقده في كتب الأصول، هو نسبة الآراء إلى أصحابها؛ لأن غالب ما يذكر في هذه الكتب هو نسب الآراء إلى المذاهب، دون أن يعين صاحب الرأي بعينه، وهذه الآراء خليط من آراء الإمام نفسه، ومن آراء تلاميذه، ومن آراء المخرجين الذين جاؤوا فيما بعد.
كما نفتقد في هذه الكتب السند الذي بنيت عليه القواعد التي لم يرد تصريح من الإمام بشأنها، الأمر الذي لا يساعد على تصحيح نسبة هذه القواعد إلى الإمام، وقد يكشف البحث المستفيض والاستقراء الجيد عن رأي يخالف ما نسب إليه.
وفي العلم الذي نحن بصدده إثراء لعلم الأصول بالأمثلة الجزئية وتعزيز له بالجوانب التطبيقية العملية.
стр. 18
المبحث الأول
نشأته وتطوره
يبدو أن التخريج بالمعنى السابق ظهر حين نشأة المذاهب، وبروز ظاهرة الاتباع ثم التقليد، فمنذ ظهرت رسالة الإمام الشافعي ﵀ (ت: ٢٠٤هـ) (١) أصبح البحث عن الأدلة والقواعد الأصولية يؤرق تلاميذ المذاهب الأخرى، سعياً على الكشف عما عند أئمتهم من قواعد في استنباطاتهم الفقهية، وإلى إبراز المبررات التي دعتهم إلى مخالفة غيرهم في أحكامهم وتدوين ذلك في رسائل أو كتب، كانت نواة التأليف الأصولي في المذاهب المختلفة.
على أننا ننبه إلى أن تخريج أصول وقواعد المذاهب لم يتزامن مع أصول وقواعد الأئمة المجتهدين نفسها، لأن القواعد المذكورة لابد أن
стр. 19
تكون أقدم من الفروع الفقهية؛ إذ من المستبعد أن نتصور أن الأئمة قد اجتهدوا دون أن تكون معالم طريقهم واضحة لهمن وعرفوا ما يستدل وما لا يستدل به، وما هي المناهج الاستنباطية المعتد بها.
غير أنه لما لم يرد عن أغلبهم التصريح بأصولهم التي اعتدوا بها عند الاجتهاد- كما هو الشأن في رسالة الإمام الشافعي – قام التلاميذ والأتباع باستنباط تلك الأصول من الفروع. وقد كانت تلك الأصول في البداية متناثرة، ولم يقم بها شخص واحد، بل كانت جهود علماء كثيرين.
وبعد ذلك انتظمت في كتب أصولية مذهبية، متدرجة في التنظيم والتنسيق والترتيب بحسب التدرج الزمني.
إن هذا المنهج الاستقرائي هو الظاهرة الطبيعية في نشأة كثير من العلوم، سواء كانت في اللغة أو غيرها، وهو الطريق السليم إلى اكتشاف الروابط والأسس بين قضايا العلوم المتناثرة والجزئية.
ويرى كثير من الباحثين أن أصول الفقه الحنفي قامت على هذا الأساس (١).
بل إن طائفة من أصول بعض الأئمة كانت كذلك (٢). قال الدهلوي (٣):
(واعلم أني وجدت أكثرهم يزعمون أن بناء الخلاف بين أبي
стр. 20
حنيفة (١) والشافعي- رحمهما الله- على هذه الأصول المذكورة في كتاب اليزدوي (٢)، ونحوه، وغنما الحق أن أكثرها مخرجة على قولهم.
وعندي أن المسالة القائلة بأن الخاص مبين ولا يلحقه البيان، وأن الزيادة نسخ وأن العام قطعي كالخاص، وأن لا ترجيح بكثرة الرواة، وأنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه، إذا انسد باب الرأي، وأن لا عبرة، بمفهوم الشرط أو الوصف أصلاً، وأن موجب الأمر هو الوجوب ألبتة، وأمثال ذلك أصول مخرجة على كلام الأئمة، وأنه لا تصح رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه) (٣).
وفي أصول السرخسي (٤) ما يشهد لذلك، فقد ذكر عن محمد – رحمه
стр. 21
الله- وقد سأله بعضهم: أسمعت هذا كله من أبي حنيفة؟ فقال: لا. فقال أسمعت من أبي يوسف (١) فقال: لا. وإنما أخذنا ذلك مذاكرة (٢).
ومثل ذلك يمكن أن يقال عن أصول الإمام مالك – ﵀ (٣) فما
стр. 22
في كتب المالكية من أصول منسوبة إلى هذا الإمام ليست كلها مما صرح به، بل إن منها مما خرج من مسائله الفقهية. وهكذا القول عن الإمام أحمد – ﵀ (١) فإنه لم يدون أصولاً، وإنما جمعت أصوله مما صرح به، ومن فتاواه الفقهية وتفاسيره لبعض آي القرآن وأحاديث الرسول – ﷺ – وغير ذلك.
стр. 23
المبحث الثاني
أمثلة لبعض الأصول المخرجة
ومما يمثل تخريجات العلماء أصولاً للأئمة نكتفي بذكر عدد محدود منها لغرض توضيح هذا المنهج، وبيان طرائق العلماء فيه. فمن ذلك:
١ - إن مقتضى الأمر الذي لم يقيد، لمي رد فيه عن مالك- ﵀ ما يفيد أنه للفور أو التراخي نصاً، أو صراحة، ولكن العلماء خرجوا له قولاً هو أنه للفور. قال ابن القصار (ت: ٣٩٨هـ) (١): (ليس عن مالك ﵀ في ذلك نص، ولكن مهبه يدل على أنها على الفور؛ لأن الحج عنده على الفور، ولم يكن ذلك كذلك إلا لأن الأمر اقتضاه) (٢).
ونقل عن القاضي عبد الوهاب (ت ٤٢٢هـ) (٣) أنه ذكر في الملخص أن
стр. 24
دلالة الأمر على الفور أخذها المالكية من قول مالك بتعجيل الحج، ومنعه من تفريق الوضوء، ومن مسائل أخر (١).
٢ - إن بعض العلماء خرجوا لمحمد بن الحسن (ت ١٨٩هـ) (٢) قولاً يفيد أن الأمر على التراخي. وبنوا ذلك على قوله في الجامع: لو نذر أن يعتكف شهراً له أن يعتكف أي شهر شاء، ولو نذر أن يصوم شهراً. له أني صوم أي شهر شاء، وأنه لا يصير مفرطاً بتأخير أداء الزكاة وصدقة الفطر والعشر (٣).
٣ - وأن علماء الحنابلة خرجوا للإمام أحمد – ﵀ –رأيين في المسألة السابقة:
أحدهما: أنه على الفور، وعد الظاهر من كلام الإمام، بناء على قوله بوجوب الحج على الفور.
وآخرهما: أنه على التراخي، وقد كان ذلك إيماء منه في رواية
стр. 25
الأثرم (١). فقد سئل عن قضاء رمضان يفرق؟ فقال نعم، قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة/١٨٤).
قال: أبو يعلي (ت ٤٥٨هـ) (٢): (فظاهر هذا أنه لم يحمل الأمر على الفور لأنه لو حمله على الفور، منع التفريق) (٣).
٤ - وأن قول الحنفية إن دلالة العام قطعية، وأنه يقع بينه وبين الخاص التعارض قد خرجوه من طائفة من المسائل المروية عن أئمتهم. قال السرخسي (ت: ٤٩٠هـ): (فعلى هذا دلت مسائل علمائنا – ﵏ – قال محمد- ﵀ في الزيادات: إذا أوصى بخاتم لرجل ثم
стр. 26
أوصى بفصه لآخر بعد ذلك، في كلام مقطوع، فالحلقة للموصى له بالخاتم، والفص بينهما نصفان، لأن الإيجاب الثاني في عين ما أوجبه للأول، لا يكون رجوعاً عن الأول، فيجتمع في الفص وصيتان أحداهما بإيجاب عام، والأخرى بإيجاب خاص. ثم إذا ثبت المساواة بينهما في الحكم يجعل الفص بينهما نصفين) (١).
ثم نقل عنه في المضاربة قوله: (إذا اختلف المضارب ورب المال في العموم والخصوص فالقول قول من يدعي العموم أيهما كان).
قال السرخسي: (فلولا المساواة بين الخاص والعام حكماً فيما يتناوله لم يصر إلى الترجيح بمقتضى العقد) (٢).
وعزز السرخسي ذلك الاستدلال بقول محمد – ﵀ – بشأن اختلاف المضارب ورب المال: (وإذا أقاما جميعاً البينة وأرخ كل منهما، آخرهما تاريخاً أولى، سواء كان مبيناً للعموم أو الخصوص) فقال: فقد جعل العام المتأخر رافعاً للخاص المتقدم، كما جعل الخاص المتأخر مخصصاً للعام المتقدم، ولا يكون ذلك إلا بعد المساواة).
٥ - وإن ترجيح العام على الخاص في العمل به، وإثبات التعارض بينه وبين الخاص خرجوه رأياً لأبي حنيفة – ﵀ – من ترجيحه قوله- ﷺ : (من حفر بئراً فله مما حولها أربعون ذراعاً) (٣). العام بصيغته على الخاص الوارد بشأن بئر الناضح، وتحديده ذلك بأنه ستون ذراعاً (٤).
وترجيحه قوله – ﷺ : (ما أخرجت الأرض ففيه العشر) (٥) العام
стр. 27
بصيغته، على الخاص الوارد بقوله- ﷺ : (ليس في الخضروات صدقة (١). ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (٢) ومن قوله بنسخ الخاص بالعام، فإنه – ﵀ – في شأن بول ما يؤكل لحمه، قال بنجاسته، وجعل الحديث الخاص الوارد بشأن العرنيين (٣)، منسوخاً بالعام وهو قوله- ﷺ (استنزهوا عن البول فن عامة عذاب القبر منه) (٤).
٦ - وإن القول بنفي المفهوم المخالف خرجه علماء الحنفية لأئمتهم من طائفة من الحكام الفرعية المنقولة عن هؤلاء الأئمة، ومن ذلك أن أبا يوسف قال: إن قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (٥) لا دلالة فيه على أن اللاتي لم يهاجرن معه محرمات عليه.
стр. 28
ومثل ذلك ما حكاه أبو الحسن الكرخي (١) عن أبي يوسف أيضاً أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (٢): أنه لا دلالة فيه على أنها إذا لم تشهد لا يدرأ عنها العذاب (٣). بل ذكروا عن محمد – ﵀ – تخريجاً، أنه لا حجة فيه حتى في كلام الناس. أخذوه من قوله في السير الكبير (إذا حاصر المسلمون حصناً من حصون المشركين، فقال رجل من أهل الحصن أمنوني على أن أنزل غليكم على أن أدلكم على مائة رأس من السبي في قرية (كذا)، فأمنه المسلمون على ذلك فنزل فلم يخبر بشيء فنه يرد إلى مأمنه، لأنه لم يقل إن لم أدلكم فلا أمان لي) (٤).
قال الجصاص (٥): (وهذا يدل من مذهبه دلالة واضحة على أن التخصيص
стр. 29
بالذكر أو التعليق بالشرط لا يدل على أن ما عداه فحكمه بخلافه) (١).
٧ - وأن قول الحنفية بأنه لا يجوز أن يراد من اللفظ الواحد في حالة واحدة حقيقته ومجازه، وأن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان، أخذوه تخريجاً من طائفة من الفروع الفقهية أيضاً. منها قول علمائهم أنه لما أريد من آية الملامسة (أو لامستم النساء) الوقاع سقط اعتبار إرادة المس باليد وقول محمد بن الحسن: أنه إذا أوصى لمواليه وله موال أعتقهم ولمواليه موال أعتقوهم كانت الوصية لمواليه دون موالي مواليه.
وقوله في السير الكبير: لو استأمن أهل الحرب على آبائهم لا تدخل الأجداد في الأمان ولو استأمنوا على أمهاتهم لا يثبت الأمان في حق الجدات ... وإذا أوصى لأبكار بني فلان، لا تدخل المصابة بالفجور في حكم الوصية .. وقول علمائهم أنه لو أوصى لبني فلان وله بنون وبنو بنيه، كانت الوصية لبنيه دون بني بنيه.
وقولهم: لو حلف لا ينكح فلانة، وهي أجنبية، كان ذلك على العقد، حتى لو زنا بها لا يحنث (٢).
٨ - إن نسبة اشتراط انقراض العصر للاحتجاج بالإجماع إلى الإمام أحمد – ﵀ خرجوه من ظاهر كلامه في رواية عبد الله (الحجة على من زعم أنه إذا كان أمراً مجمعاً، ثم افترقوا، أن نقف على ما أجمعوا عليه، أن أم الولد كان حكمها حكماً للأمة بإجماع، ثم أعتقهن عمر، وخالفه عليّ بعد موته، وحد الخمر ضرب أبو بكر أربعين، وعمر خالفه فزاد أربعين، ثم ضرب عليّ أربعين) فظاهر هذا الكلام اعتداده – ﵀ – بالمخالفة، خلاف عليّ بعد عمر في أم الولد، وخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر. وهذا هو سند تخريجهم رأياً له باشتراط انقراض العصر (٣).
стр. 30
المبحث الثالث
حكم نسبة الأصول المخرجة إلى الأئمة
ذكرنا في المبحث السابق أن كثيراً من أصول الأئمة لم ينص عليها من قبلهم وإنما هي مخرجة من فروعهم الفقهية، اجتهاداً من أهل التخريج، بناء على فهمهم لنصوص الأئمة وإدراكهم لعللها، والمعاني الرابطة بينها عند تعددها، وإذا كان الأمر كذلك فإن احتمالات الخطأ في تخريج القواعد والأصول أمر ممكن، ولا يمكن القطع بنسبتها إليهم - لا سيما إذا كانت مبنية على فروع جزئية محدودة، أو باستقراء جزئي مبتور.
وهذا الأمر - كما يظهر- هو الذي دعا بعض العلماء إلى إنكار مثل هذه التخريجات، على تفاوت بينهم في ذلك، فابن برهان (ت ٥١٨هـ) (١) ينكر ذلك جملة وتفصيلاً، فقد قال في مسألة اقتضاء الأمر الفورية أو عدمها، وما نسب من آراء بشأنها على أبي حنيفة والشافعي - رحمهما الله-: (وهذا خطأ
стр. 31
في نقل المذاهب، فإن الفروع تبني على الأصول. ولا تبنى الأصول على الفروع. فلعل صاحب المقالة لم يبن فروع مسائله على هذا الأصل، ولكن بناها على أدلة خاصة، وهو أصل يعتمد عليه في كثير من المسائل) (١).
وربما كان ما ذكره ابن برهان من احتمال الخطأ، هو الدافع لكثير من العلماء على جعل التخريج على أصول وقواعد الإمام، يأتي بعد مرتبة التخريج من الفروع الفقهية المنصوص عليها من قبله (٢).
ومن خلال ما خرج للأئمة من أصول نجد أن العلماء قد اختلفوا في صحة تخريج عدد منها. وسنكتفي بذكر بعض الأمثلة، لإيضاح ذلك وليس للحصر.
١ - ذكر أبو بكر الرازي (ت ٣٧٠هـ) أن ما روي عن أبي حنيفة – ﵀ من تجويزه قضاء القاضي ببيع أمهات الأولاد، يتخرج من ظاهره أن أبا حنيفة يرى الإجماع على أحد الرأيين في العصر التالي ليس بإجماع صحيح ولا يحتج به. لكن أبا الحسن الكرخي (ت ٣٤٠هـ) كان يرى أن افتاء أبي حنيفة بذلك لا يلزم منه هذا الأصل المخرج، إذ من الجائز أن يكون مذهبه أنه إجماع صحيح. وإن لم يفسخ قضاء القاضي إذا قضى بخلافه. وقد كان الكرخي يوجه رفضه لمثل هذا التخريج توجيهاً خاصاً لم نعلمه لأنه ذهب حفظه عن تلميذه الجصاص فلم ينقله (٣) ولكنه – مع ذلك – يكشف لنا أن ما ذكره ابن برهان لا يخلو من وجاهة، وأن تخريج الأصول بمثل هذا الطريق ليس سبيلاً مؤكداً، وأنه ربما كان طريقاً على الخطأ.
٢ - وذكر القاضي أبو يعلي (ت ٤٥٨هـ) تخريج أصل للإمام أحمد – ﵀ – مفاده أن الأصل في الأعيان المنتفع بها قبل الشرع الإباحة، أخذاً
стр. 32
من إيماء أحمد في رواية أبي طالب (١)، وقد سأله عن قطع النخل؟ فقال: لا بأس به لم نسمع في قطع النخل، شيئاً. والحجة في ذلك أن الإمام أحمد أسند الإباحة في قطع النخل، لعدم ورود الشرع بحظره (٢).
فتعقب ابن تيمية (٣) هذا التخريج من هذه الرواية، وبين أن قول الإمام أحمد بعدم البأس لا يعني أخذه بما ذكر. فقد يكون ذلك مأخوذاً من العمومات الشرعية، ويجوز أن يكون مما سكت عنه الشرع فيكون عفواً، ويجوز أن يكون استصحاباً لعدم التحريم، ويجوز أن يكون ذلك راجعاً إلى أن الأصل هو الإباحة العقلية. ثم إن ما جاء في الرواية عن أحمد ﵀ من إباحة القطع هو من الأحكام المتعلقة بالأفعال، لا المتعلقة بالأعيان (٤).
٣ - ومن هذا القبيل اختلاف علماء الحنفية في مسألة مخاطبة الكفار بالشرائع
стр. 33
وتخريجهم رأياً لمشايخهم في المسألة، هو أن الكفار لا يخاطبون بأداء ما يحتمل السقوط. وقد تنوعت تخريجاتهم وتوجيهاتهم فيها.
وهذه المسألة مما لم ينص عليها علماء الحنفية المتقدمون، ولكن بعض المتأخرين خرجوا لعلمائهم رأياً من مسائلهم، ومن خلافاتهم مع الإمام الشافعي ﵀ في طائفة من الفروع (١).
فبعضهم خرج ذلك من أن المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء صلاة الردة، خلافاً للشافعي ﵀ فدل على أن المرتد الذي هو كافر، غير مخاطب بالصلاة عندهم (٢) وبعضهم خرج ذلك من أن المكلف إذا صلى في أول الوقت ثم ارتد، ثم أسلم والوقت باقٍ. فإن عليه الأداء، خلافاً للشافعي، وكذا لو حج ثم ارتد ثم أسلم. وبعضهم خرج ذلك من أن الشرائع ليست من الإيمان عند الحنفية، خلافاً للشافعي، فلا يكونون مخاطبين بأداء الشرائع المبنية على الإيمان.
وهذه تخريجات مرفوضة، أو ضعيفة، عند المحققين من علماء الحنفية، وقد أجابوا عنها بما يدل على أن علماءهم لم يقولوا بالأحكام المذكورة بسبب عدهم الكفار غير مخاطبين بالشرائع، بل لأسباب أخر (٣).
وصحح السرخسي وتابعه صدر الشريعة، أن هذا القول يؤخذ من قولهم إن من نذر أني صوم شهراً ثم ارتد ثم أسلم لم يجب عليه شيء.
قال السرخسي: (فعرف أن الردة تبطل وجوب أداء كل عبادة، فيكون هذا شبه التنصيص عن أصحابنا أن الخطاب بأداء الشرائع التي تحتمل السقوط لا يتناولهم ما لم يؤمنوا) (٤).
ولا شك أن مثل هذا الاختلاف في التخريجات، ومثل هذه الاعتراضات الموجهة إليها يعزز وجهة النظر القائلة بكثرة احتمالات الخطأ في
стр. 34
التخريج، بصورة واضحة.
٤ - ومن هذا القبيل تخريج ابن الرفعة (١) (ت ٧١٠هـ) أصلاً للشافعي هو الأخذ بقاعدة سد الذرائع، أخذه من نصه في باب إحياء الموات من كتاب الأم، إذ قال ﵁ بعد ذكر النهي عن بيع الماء ليمنع به الكلأ، وأنه يحتمل أن ما كان ذريعة إلى منع ما أحل الله لم يحل، وكذا ما كان ذريعة إلى إحلال ما حرم الله. قال ابن الرفعة: (وإذا كان هذا هكذا ففي هذا ما يثبت أن الذرائع إلى الحلال والحرام تشبه معاني الحلال والحرام) (٢).
لكن الشيخ تقي الدين السبكي (٣) نازع في هذا التخريج، وقال: (إنما أراد
стр. 35
الشافعي – ﵀ تحريم الوسائل لا سد الذرائع، والوسائل تستلزم المتوسل إليه. ومن هذا النوع الماء، فإنه مستلزم عادة لمنع الكلأ الذي هو حرام. ونحن لا ننازع فيما يستلزم من الوسائل) (١).
٥ - ومن ذلكما ذكره الغزالي (٢) في المنخول، ونسبه إلى أبي حنيفة، وهو تجويز إخراج السبب من عموم اللف، أخذ ذلك تخريجاً من قول أبي حنيفة – ﵀ إن الحامل لا يلاعن عنها (٣)، مع أن الآية وردت في امرأة العجلاني وكانت حاملاً (٤). ومن إخراجه ولد الأمة الموطوءة من
стр. 36
عموم قوله ﷺ : (الولد للفراش) (١)، فلم يثبت نسبه منه إلا بدعواه، مع أن النص العام (الولد للفراش) جاء بسبب وليدة زمعة، وكانت أمة موطوءة (٢) ويعزو الغزالي في المستصفي إخراج أبي حنيفة ولد الأمة من العموم لعدم علمه بالسبب (٣). لكن الحنفية يرفضون نسبة مثل هذا الأصل لأبي حنيفة، وإن كانت نسبة الفروع الفقهية إليه صحيحة. لكنهم يؤلونها بطائفة من التأويلات التي تبعد نسبة هذا الرأي عن إمامهم (٤).
٦ - ومثل ذلك يتحقق حتى في القواعد والضوابط الفقهية. ومن أمثلة ذلك أن المسائل الاثنى عشرية (٥) المختلف فيها بين أبي حنيفة – ﵀
стр. 37
وصاحبيه لم يتفق على الأصل الذي بنيت عليه. فبناها أبو سعيد البردعي (ت ٣١٧هـ) (١) على أن الخروج عن الصلاة بصنع المصلى فرض عند أبي حنيفة، وليس فرضاً عندهما (٢) فأنكر أبو الحسن الكرخي (ت ٣٤٠هـ) ذلك، وقال: هذا غلط، لأن الخروج قد يكون بمعصية كالحدث العمد، ولو كان فرضاً لاختص بما هو قربة (٣).
وخرجها على أصل آخر هو (ما غير الفرض في أوله غيره في آخر عند أبي حنيفة) (٤).
стр. 38
تعقيب في مسألة نسبة الأصول المخرجة إلى الأئمة:
والذي يظهر لنا من خلال ما لاحظناه من نقد لبعض التخريجات، وما أطلعنا عليه مما لم نذكره، أن مجال النقد في نسبة القواعد والأصول المخرجة إلى الأئمة ينبع من أمرين:
الأمر الأول: أن الأساس في الوصول إلى قواعد الأئمة هو الاستقراء الذي يعتمد على ملاحظة الأقوال الواردة عنهم، والموازنة بينها، وتحليل صفاتها ودلالاتها ومعانيها للوصول بذلك على القضايا الكلية أو القواعد التي تربط بين تلك الأحكام أو القواعد المتفرقة (١).
والاستقراءات التي بنيت عليها القواعد كانت ناقصة، والاستقراء الناقص وإن كان هو المنهج العلمي الصحيح في نظر جون ستيورت مل والمناطقة المعاصرين (٢)، لأنه يكسبنا علماً جديداً، ويعرفنا على المجهول، لكن بسبب أن نتيجته أعم من أية مقدمة من مقدماته، فإنه في معرض إيقاع الباحث في الخطأ. فقد يكتشف فيما بعد أمثلة أخرى تخالف الأمثلة التي بنى عليها نتائجه السابقة، الأمر الذي يستدعي تبديل الحكم السابق بما يتفق مع الاكتشاف الجديد ومن قوانين المنطق أن صدق الحكم الجزئي ليس دليلاً على صدق الحكم الكلي (٣).
ومن المعلوم أن تخريج أصول الأئمة كان معتمداً على مثل هذا الاستقراء الناقص، بل والبالغ النقصان؛ لأنهم في كثير من الأحيان يبنون القواعد على فروع لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وأحياناً على فرع أو فرعين، مما يجعل بعض تخريجاتهم في نطاق الظن الضعيف.
الأمر الثاني: أن الأصول المخرجة كانت تعتمد على فهم المخرج نفسه
стр. 39
للنص ولحاظه وجه الدلالة فيه، فهو لا يعدو أن يكون مجتهداً في التعرف على مدرك الإمام في الفرع الفقهي موضوع التحليل، وحينئذ فإن احتمال الخطأ في معرفة مدرك الإمام وارد. ومما يدل على ذلك اختلافهم في بعض الأصول المخرجة، واستدراك بعضهم على بعض، مما سبقت الإشارة إلى طائفة منها. وهذا الأمر يضيف خللاً آخر إلى مادة الاستقراء، لأنه يدخل فيها - في حالة الخطأ - ما ليس منها.
وفي كثير من الأحيان لا نجد في مراجع المذاهب ما يؤيد تخريج مثل تلك الأصول أو القواعد للأئمة. فقد لا تكون مرادة لهم، ولعلهم كانوا يوجهون آراءهم بعلل وأسباب أخر. ومن ذلك مثلاً ما خرجه السمرقندي (١) في تأسيس النظائر من أصول وقواعد للأئمة، فإن كثيراً منها يمكن مناقشته فيها.
وعند الرجوع إلى المصادر الفقهية المشهورة في المذهب بشأن الفروع المندرجة في الأصول المذكورة لا نجد تعليل الكثير منها بالأصل الذي ذكره. بل إن الفقهاء يذكرون عللاً وأسباباً أخرى غير تلك الأصول.
وتأسيساً على ما تقدم فن نسبة الأصول والقواعد إلى الأئمة يحتاج إلى مزيد من البحث والتأمل، وتتبع ما نقل عنهم من تراث فقهي، أو أصولي، أو غير ذلك، والتعرف على الطريق الذي أتبع في تخريج الآراء ونسبتها إليهم.
ولكننا ننبه هنا إلى أن كثيراً من الانتقادات المتعلقة بالنسبة كانت لتخريجات مبنية على عدد محدود من الفروع، وربما كان بعضها مبنياً على
стр. 40
فرع واحد، الأمر الذي أدى إلى نسبة الآراء المتعددة والمتناقضة إلى بعض الأئمة في بعض الأحيان، وفي المسألة الواحدة (١). ولو كان التخريج مبنياً على الاستقراء التام أو الواسع النطاق، باستقصاء كل ما ورد عن الإمام، فإن ذلك يصلح طريقاً إلى التأصيل، ويحقق غلبة ظن بمآخذهم، وما استندوا إليه في التفريع. وهذا المنهج هو الذي قامت عليه قواعد سائر العلوم، وبه استنبطت شروطها، ووضعت ضوابطها والله أعلم.