← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14321

التخريج عند الفقهاء والأصوليين

يعقوب الباحسين

Полный текст (381 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عموم قوله ﷺ : (الولد للفراش) (١)، فلم يثبت نسبه منه إلا بدعواه، مع أن النص العام (الولد للفراش) جاء بسبب وليدة زمعة، وكانت أمة موطوءة (٢) ويعزو الغزالي في المستصفي إخراج أبي حنيفة ولد الأمة من العموم لعدم علمه بالسبب (٣). لكن الحنفية يرفضون نسبة مثل هذا الأصل لأبي حنيفة، وإن كانت نسبة الفروع الفقهية إليه صحيحة. لكنهم يؤلونها بطائفة من التأويلات التي تبعد نسبة هذا الرأي عن إمامهم (٤). ٦ - ومثل ذلك يتحقق حتى في القواعد والضوابط الفقهية. ومن أمثلة ذلك أن المسائل الاثنى عشرية (٥) المختلف فيها بين أبي حنيفة – ﵀

стр. 37

وصاحبيه لم يتفق على الأصل الذي بنيت عليه. فبناها أبو سعيد البردعي (ت ٣١٧هـ) (١) على أن الخروج عن الصلاة بصنع المصلى فرض عند أبي حنيفة، وليس فرضاً عندهما (٢) فأنكر أبو الحسن الكرخي (ت ٣٤٠هـ) ذلك، وقال: هذا غلط، لأن الخروج قد يكون بمعصية كالحدث العمد، ولو كان فرضاً لاختص بما هو قربة (٣). وخرجها على أصل آخر هو (ما غير الفرض في أوله غيره في آخر عند أبي حنيفة) (٤).

стр. 38

تعقيب في مسألة نسبة الأصول المخرجة إلى الأئمة: والذي يظهر لنا من خلال ما لاحظناه من نقد لبعض التخريجات، وما أطلعنا عليه مما لم نذكره، أن مجال النقد في نسبة القواعد والأصول المخرجة إلى الأئمة ينبع من أمرين: الأمر الأول: أن الأساس في الوصول إلى قواعد الأئمة هو الاستقراء الذي يعتمد على ملاحظة الأقوال الواردة عنهم، والموازنة بينها، وتحليل صفاتها ودلالاتها ومعانيها للوصول بذلك على القضايا الكلية أو القواعد التي تربط بين تلك الأحكام أو القواعد المتفرقة (١). والاستقراءات التي بنيت عليها القواعد كانت ناقصة، والاستقراء الناقص وإن كان هو المنهج العلمي الصحيح في نظر جون ستيورت مل والمناطقة المعاصرين (٢)، لأنه يكسبنا علماً جديداً، ويعرفنا على المجهول، لكن بسبب أن نتيجته أعم من أية مقدمة من مقدماته، فإنه في معرض إيقاع الباحث في الخطأ. فقد يكتشف فيما بعد أمثلة أخرى تخالف الأمثلة التي بنى عليها نتائجه السابقة، الأمر الذي يستدعي تبديل الحكم السابق بما يتفق مع الاكتشاف الجديد ومن قوانين المنطق أن صدق الحكم الجزئي ليس دليلاً على صدق الحكم الكلي (٣). ومن المعلوم أن تخريج أصول الأئمة كان معتمداً على مثل هذا الاستقراء الناقص، بل والبالغ النقصان؛ لأنهم في كثير من الأحيان يبنون القواعد على فروع لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وأحياناً على فرع أو فرعين، مما يجعل بعض تخريجاتهم في نطاق الظن الضعيف. الأمر الثاني: أن الأصول المخرجة كانت تعتمد على فهم المخرج نفسه

стр. 39

للنص ولحاظه وجه الدلالة فيه، فهو لا يعدو أن يكون مجتهداً في التعرف على مدرك الإمام في الفرع الفقهي موضوع التحليل، وحينئذ فإن احتمال الخطأ في معرفة مدرك الإمام وارد. ومما يدل على ذلك اختلافهم في بعض الأصول المخرجة، واستدراك بعضهم على بعض، مما سبقت الإشارة إلى طائفة منها. وهذا الأمر يضيف خللاً آخر إلى مادة الاستقراء، لأنه يدخل فيها - في حالة الخطأ - ما ليس منها. وفي كثير من الأحيان لا نجد في مراجع المذاهب ما يؤيد تخريج مثل تلك الأصول أو القواعد للأئمة. فقد لا تكون مرادة لهم، ولعلهم كانوا يوجهون آراءهم بعلل وأسباب أخر. ومن ذلك مثلاً ما خرجه السمرقندي (١) في تأسيس النظائر من أصول وقواعد للأئمة، فإن كثيراً منها يمكن مناقشته فيها. وعند الرجوع إلى المصادر الفقهية المشهورة في المذهب بشأن الفروع المندرجة في الأصول المذكورة لا نجد تعليل الكثير منها بالأصل الذي ذكره. بل إن الفقهاء يذكرون عللاً وأسباباً أخرى غير تلك الأصول. وتأسيساً على ما تقدم فن نسبة الأصول والقواعد إلى الأئمة يحتاج إلى مزيد من البحث والتأمل، وتتبع ما نقل عنهم من تراث فقهي، أو أصولي، أو غير ذلك، والتعرف على الطريق الذي أتبع في تخريج الآراء ونسبتها إليهم. ولكننا ننبه هنا إلى أن كثيراً من الانتقادات المتعلقة بالنسبة كانت لتخريجات مبنية على عدد محدود من الفروع، وربما كان بعضها مبنياً على

стр. 40

فرع واحد، الأمر الذي أدى إلى نسبة الآراء المتعددة والمتناقضة إلى بعض الأئمة في بعض الأحيان، وفي المسألة الواحدة (١). ولو كان التخريج مبنياً على الاستقراء التام أو الواسع النطاق، باستقصاء كل ما ورد عن الإمام، فإن ذلك يصلح طريقاً إلى التأصيل، ويحقق غلبة ظن بمآخذهم، وما استندوا إليه في التفريع. وهذا المنهج هو الذي قامت عليه قواعد سائر العلوم، وبه استنبطت شروطها، ووضعت ضوابطها والله أعلم.

стр. 41

الفصل الثاني تخريج الفروع على الأصول ويشتمل على: - تمهيد في: تعريفه، وبيان موضوعه، ومباحثه وفائدته، والعلوم التي استمد منها وبعض أحكامه. - المبحث الأول: نشأة هذا العلم وتطوره. - المبحث الثاني: أسباب اختلاف الفقهاء. - المبحث الثالث: التخريج على الأصول، وحكم نسبة الآراء إلى الأئمة بناء عليه. - المبحث الرابع: التعريف بأهم الكتب المؤلفة فيه.

стр. 42

تمهيد في: تعريفه – وبيان موضوعه ومباحثه – وفائدته – وبعض أحكامه لم نجد من تكلم عن ذلك على أنه علم مستقل يحمل هذا الاسم، وإنما كان يتحدث عن التخريج باعتباره عملاً من أعمال المجتهد أو المفتي. ولهذا فقد كانت بعض مباحثه ترد في باب الاجتهاد من مباحث أصول الفقه، وما ألف في هذا الباب مما يحمل العنوان المذكور، كان تطبيقاً وتمثيلاً لعملية التخريج، فهو ألصق بالفن منه بالعلم، ومن أجل ذلك لم نطلع على من عرفه على أنه علم قائم بذاته، مما يجعل، مهمة تعريفه غير سهلة. وربما كان النظر فيما ألف في هذا الباب، وتأمل ما ذكره مؤلفوها في مقدمات كتبهم مما يساعد على توضيح ذلك، ويكشف عن إطار هذا العلم وحدوده. إننا لو نظرنا إلى الكتب المؤلفة في هذا العلم، نجد أن أكثر مؤلفيها قد ذكروا في مقدمات كتبهم أن أهم ما يهدفون إليه من تلك الكتب هو رد الاختلافات الفقهية إلى الأصول التي انبنت عليها الآراء، فكأن تخريج الفروع على الأصول هو بيان للأسباب والعلل التي دعت الفقهاء إلى الأخذ بما قالوه من أحكام. يقول الزنجاني (١): (ثم ال يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على

стр. 43

الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه، لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال. فإن المسائل الفرعية على اتساعها، وبعد غايتها، لها أصول معلومة وأوضاع منطوقة، ومن لا يعرف أصولها وأوضاعها لم يحط بها علماً) (١). فالتخريج – عنده – هو بيان للأصول التي استند إليها الأئمة في الاستنباط وبيان لكيفية ووجه الاستنباط منها، وجمع للفروع المختلفة، وإن تباعدت أبوابها، إن كانت تستند إلى أصل واحد. ويفه من كلامه أن هذا العلم أيضاً، يهيئ العالم به إلى التفريع على الأصول وبيان أحكام ما لم ينص عليه، استناداً إلى تلك الأصول أو العلل إن كانت تلك الوقائع تتفق مع الفروع المنقولة عن الأئمة في معناها، وفي الدخول تحت القاعدة أو الأصل الذي رُدت إليه الفروع. وفيما ذكره الأسنوي (٢) في كتابه المؤلف في هذا العلم تصرحي بأن هذا

стр. 44

العلم، كما يبين مآخذ العلماء وأصولهم التي استندوا إليها فيما ذهبوا إليه من الأحكام، فإنه يقصد منه أيضاً بيان كيفية استخراج الفروع من تلك الأصول. وقد ذكر أنه – شخصياً – فرع على تلك القواعد أحكاماً فيما لم يقف فيه على نقل (١). وأن غرضه من تأليف كتابه هو أن "يعرف الناظر في ذلك مأخذ ما نص عليه أصحابنا وأصلوه وأجملوه أو فصلوه، ويتنبه على استخراج ما أهملوه، ويكون سلاحاً وعدة للمفتين، وعمدة للمدرسين" (٢). وأن به تتحقق غاية الطلب، وهي "تمهيد الوصول إلى مقام استخراج الفروع من قواعد الأصول، والتعريج إلى ارتقاء مقام ذوي التخريج" (٣). واستناداً إلى مثل ما تقدم، وإلى ما اطلعنا عليه في بعض كتب الفقه والأصول. سنقوم بتعريف هذا العلم، وبيان موضوعه ومباحثه وفائدته، وبعض أحكامه. أولاً: تعريفه: إذا نظرنا إلى ما تقدم من وجهات النظر، وأردنا أن نعرف علم تخريج الفروع على الأصول تعريفاً يوفق بين تلك التصورات، فإننا نقترح تعريفه بأنه: (هو العلم الذي يبحث عن علل أو مآخذ الأحكام الشرعية لرد الفروع إليها بياناً لأسباب الخلاف، أو لبيا حكم ما لم يرد بشأنه نص عن الأئمة بإدخاله ضمن قواعدهم أو أصولهم) (٤).

стр. 45

ثانياً: موضوعه ومباحثه: ١ - موضوعه: بعد أن بينا معنى الموضوع وما يراد به عندهم، في الفصل السابق، فإننا سنحاول تلمس موضوع هذا العلم، وفق ذلك المعنى، من خلال المؤلفات التي كتبت في مجاله التطبيقي، وما ورد في كتب أصول الفقه مما يتعلق ببعض مباحثه، إذ لم أجد من تناول ذلك فيما سبقن ولم أطلع على دراسة نظرية لهذا العلم من بل. إن إلقاء نظرة على المؤلفات التي طرحت في هذا المجال يوضح أنها كانت تتناول طائفة من القواعد والأصول المختلف فيها، وبعض القواعد والضوابط الفقهية (١) والأحكام الفقهية التي بنيت على هذه القواعد والضوابط. كما أن بعضها اختص بذكر ما يبنى على القواعد النحوية واللغوية من الأحكام الشرعية، كالذي صنعه الأسنوي (ت ٧٧٢هـ) في كتابه: (الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على المسائل النحوية) (٢) وإفرادها في التأليف لا يعني خروجها عن أن تدخل ضمن القواعد الأصولية، فهي منها وليست خارجة عنها. وإذن فهذه الكتب تبحث في القواعد الأصولية من حيث ما يبتني عليها

стр. 46

من الفروع الفقهية، وفي الفروع الفقهية من حيث انبناؤها على تلك الأصول. وههنا أمر جدير بالنظر والتأمل، وهو أن كثيراً من هذه الكتب لم تتناول ما يتعلق بالتخريج على أقوال الأئمة، وشروط المخرج وما يصح أن ينسب إلى الإمام وما لا يصح أن ينسب إليه، مع أن هذه الموضوعات قد وردت في مباحث الاجتهاد في أكثر كتب الأصول. وإذن فموضوع التخريج يتناول الأدلة والقواعد الأصولية، ومن ضمنها قواعد النحو واللغة، كما يتناول الأحكام الفقهية، وصفات المخرج، والشروط التي لابد من تحققها في بناء الفروع على الأصول، وهو أمر أضفناه على ما ورد من الموضوعات المبحوثة في كتب التخريج، لأن أغلب هذه الكتب قصرت كلامها على ما هو من قبيل الاستنباط للأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، الذي هو شأن المجتهد المطلق، ولم يتناول القسم الآخر الذي اصطلح على تسميته بالتخريج، متميزاً بهذا الاطلاق على الاستنباط من الأدلة الشرعية. وهنا أمر آخر ينبغي التنبيه إليه أيضاً، وهو أن التخريج أساساً إنما نشأ نتيجة الخلافات المذهبية، ورغبة علماء كل مذهب في الدفاع عن آراء أئمتهم، ورد استنباطاتهم الفقهية إلى أصول معينة، أو أصول مستنبطة ومخرجة من مجموعة من الفروع الفقهية، ثم الدفاع عن تلك الأصول، لتسلم لهم قوة الفروع بقوة الأصول. ولهذا فإنه من الممكن أن يقال: إن علم التخريج هذا من ثمرات علم الخلاف والجدل، أو على تقدير آخر إنه على صلة وثيقة به، وعلى هذا فإن بحث هذا العلم في الفروع والأصول إنما هو في نطاق ما وقع الخلاف فيه بين علماء المذاهب، أو بين علماء المذهب الواحد نفسه. ويتضح مما قدمناه أن موضوع علم تخريج الفروع على الأصول متعدد، ومسألة تعدد موضوع العلم الواحد قضية فيها جدل بين أهل الاختصاص. وقد رجح كثير من المحققين جواز ذلك، إذا كان هناك نوع تناسب بين الأمور المتعددة (١).

стр. 47

وذكر ابن الهمام (ت ٨٦١هـ) (١) أنه لا مانع من تعدد موضوع العلم الواحد، إذا كانت له غاية واحدة، فالموضوع تابع للغاية التي توجد في الذهن (٢)، وهذا ما ذهب إليه الشريف الجرجاني (ت ٨١٦هـ) (٣) وغيره (٤). على أنه مهما يكن من أمر فإن تخريج الفروع على الأصول يبحث في

стр. 48

أكثر من موضوع، سواء كانت تلك الموضوعات مقصودة أصالة أو تبعاً. ٢ - مباحثه ومسائله: تعد مباحث ومسائل علم تخريج الفروع على الأصول ذات صلة وثيقة بموضوعه، لأن موضوعات المسائل والمباحث هي نفسها موضوعات العلم أو أنواعها، أو أعراضها الذاتية، أو ما تركب من هذه الأشياء أو بعضها. ولما كان موضوع العلم، كما عرفنا، هو ما يبحث فيه عن الأحوال العارضة له، فإن مسائله ومباحثه هي معرفة هذه الأحوال العارضة لموضوع العلم نفسه سعة وضيقاً. وإن النظر في الكتب ذات الصلة بها العلم يوضح أن مباحثه ومسائله تتناول ما يأتي: أ- المباحث المتعلقة بأحوال الأدلة أو القواعد المختلف فيها، أو أنواعها، لا من حيث حقيقتها، بل من حيث صحتها، واستقامة إثبات الأحكام الشرعية بها، وثبوت هذه الأحكام بها. ب- المباحث المتعلقة بكيفية استخراج الأحكام من أدلتها مثل المباحث التي ترجع إلى شرائط الاستدلال كتقديم النص على الظاهر، والمتواتر على الآحاد، وبعض المبادئ اللغوية ودلالات الألفاظ، مما دخلت عندهم تحت أبواب التعارض والترجيح (١). وبوجه عام، فإنه لا يبحث في هذه الأمور جميعاً، وإنما يبحث فيما اختلف فيه منها، سواء كان في دلالته على معناه أو تقديمه على غيره، أو ونه مرجحاً لسواه، أو غير ذلك. ج- أسباب الاختلاف بين الفقهاء. د- المباحث المتعلقة بالفقيه الذي يخرج الأحكام على قواعد الأئمة، والشروط الواجب تحققها فيه، ممن يسمون أهل التخريج، أو أصحاب الوجوه، أو ما شابه ذلك.

стр. 49

هـ- مباحث الأحكام والفروع الفقهية، من حيث اكتشاف الروابط بينها، وردها إلى أصول الإمام، أو إلى أصول مخرجة تنسب إلى الإمام. ثالثاً: الفائدة والغاية من هذا العلم: وبعد أن أوضحنا معنى الفائدة والغاية، في الفصل السابق، فإن من الممكن أن نقول أن الباعث على طلب علم تخريج الفروع على الأصول، أو غايته، هو التعرف على مآخذ الأئمة لما توصلوا إليه من أحكام، وبالتالي معرفة أسباب اختلافهم في الأحكام. وأن ثمرته أو فائدته هي تخريج آراء وأقوال للأئمة، مبنية على تلك القواعد والأصول فيما لم يرد عنهم فيها نص (١). ولاش أنهما أمران يتصل بعضهما بالآخر، وأنه لا تخريج من دون التعرف على مصادره، التي هي نصوص الأئمة وقواعدهم التي تبنى عليها الأحكام. وأن عنوان هذا العلم (تخريج الفروع على الأصول) يؤكد على جانب الفائدة والثمرة، ولكن هذه الفائدة لا تتحقق من دون التعرف على النصوص والقواعد التي يبني عليها التخريج، وحيث إن هذه القواعد والأصول لم تكن مقصودة لذاتها، بل لتخريج الأقوال عليها، ولمعرفة أسباب الخلاف بين العلماء فيما توصلوا إليه من الأحكام، فقد آثرنا عدم التفريق بينهما، وذكر ما يترتب على هذا العلم من المصالح سواء كانت في غاياته أو من ثمراته المترتبة عليه. ونذر هنا أن التخريج نفسه وإن كان المقصود الأساس منه التعرف على آراء الأئمة فيما لم يرد عنهم فيه نص، إلا أن دراسة هذا العلم تتحقق منها فوائد كثيرة، قد يكون بعضها غير مقصود أصالة ولكنه يأتي عن طريق التبعية، وقد رأينا الاكتفاء من ذلك بالآتي: ١ - إن هذا العلم ينمي الملكة الفقهية، ويدرب المتعلم على الاستنباط

стр. 50

والترجيح وتفريع المسائل وبنائها على الأدلة، والتعرف على آراء الأئمة في المسائل التي لم يرد عنهم نص بشأنها وعلى أحكام النوازل الطارئة أيضاً، على أن الجزء الأخير في هذه الفائدة لا يتحقق لكل أحد، بل هو خاص بالعلماء القادرين على ذلك ممن تتحقق فيهم شروط أهل التخريج التي سنذكرها فيما بعد. ٢ - وإن من أهم ما يستفاد من دراسة هذا العلم الكشف عن أن الاختلافات الواقعة بين الفقهاء فيما استنبطوه من أحكام فقهية، لم تكن اختلافات اعتباطية، وإنما هي اختلافات مردودة إلى أسس علمية ومناهج في الاستنباط مختلفة، وإلى الاختلاف في إقرار بعض الأدلة أو أنواعها، مما يُعد في الأمور الطبيعية والإنسانية التي تحصل في أغلب العلوم، وبذلك تتحقق فائدة مهمة، وهي إزالة الشكوك عن بعض النفوس التي تستغرب مثل تلك الاختلافات. ٣ - إن هذا العلم يُخرج علم الأصول من جانبه النظري إلى مجال تطبيقي عملي، تتبين به الثمرات المترتبة على القواعد الأصولية، بل والقواعد الفقهية أيضاً، وبذلك فإنه يعطي علم الأصول مزيداً من الوضوح. ٤ - إن هذا العلم، نتيجة لما ذكرناه في الفائدة السابقة، يمكن المتعلم من الفهم الدقيق لما يدرسه وذلك بربطه كثيراً من الجزئيات بعد معرفته مآخذها، في سلك واحد، مما يساعد على فهم وحفظ وضبط المسائل الفقهية، ومما يوضح ذلك، مثلاً إن قول الحنفية بأحكام مثل جواز إزالة النجاسة بكل مائع، وافتتاح الصلاة بأي لفظ يتضمن معنى التكبير، واختتامها بأي لفظ يقوم مقام التسليم، وقيام غير الفاتحة مقامها في الصلاة، وجواز دفع القيمة في الزكاة وزكاة الفطر بدل الأعيان، وجواز التغذية والتعشية في الكفارات وعدم وجوب استيفاء العدد فيها بتجويز صرف الطعام إلى مسكين واحد ستين يوماً، أو مسكينين في ثلاثين يوماً أو عشرة مساكين في ستة أيام، بدلاً من ستين مسكيناً في جميع ذلك.

стр. 51

إن قول الحنفية بمثل هذه الأحكام وما يشابهها مما هو في معناها، ومخالفة الشافعية لهم في جميعها (١) قد يبدو لو نظر إلى كل منها على انفراد بأن لا رابطة بينها، ولكننا لو عرفنا بأن مرد ذلك الاختلاف إلى أن الأصل في المعاين الشرعية عند الحنفية أنها صفات للمحال والأعيان المنسوبة إليها، أثبتها الشارع معللة بمصالح العباد، بينما ذهب الشافعية إلى أن تلك المعاني ليست من صفات الأعيان المنسوبة إليها، بل أثبتها الله تعالى تحكماً وتعبداً غير معللة. أقول لو عرفنا ذلك اتضح الأمر أكثر، وسهل حفظ هذه الفروع وما يشبهها مما يدخل في هذا المجال. ٥ - إن هذا العلم بإخراجه الأصول من الجانب النظري إلى الجانب التطبيقي، يحقق الربط بين علمين مهمين هما: الفقه وأصوله، مما يزيل ذلك الانفكاك الذي خيم عليهما قروناً كثيرة نتيجة للدراسة النظرية وحدها في مجال الأصول. ٦ - إن رد الأحكام الفقهية إلى قواعد الأصول، ومعرفة أن الاختلافات فيها تعود إلى المآخذ، يُعرف المتعلم الراجح من المرجوح من الآراء، بمعرفته الراجح من المرجوح في قواعد الأصول، مما يساعد في أحيان كثيرة على التقريب بين المذاهب، ويقلل من التنافر بين أتباعها، ويذيب ما بينهم من حواجز. رابعاً: العلوم التي استمد منها علم تخريج الفروع على الأصول: إن تتبع مباحث الكتب المؤلفة في التخريج، ومعرفة المقصود منه والفائدة التي تترتب عليه، يوضح أن مادة هذا العلم مستمدة من طائفة من

стр. 52

العلوم، من أهمها – بحسب النظر المشار إليه – أصول الفقه، واللغة، والفقه، وعلم الخلاف. أما أصول الفقه فهي من أهم ما استمد منه هذا العلم، فالتخريج مبني أساساً على بيان مآخذ العلماء وما يمكن أن يخرج عليها من الأحكام الفرعية، وهذه المآخذ وما يتصل بها هي العمدة في التخريج، كما أن البحث عن شروط المخرج، وما يصح أن يخرج عليه، ومالا يصح يعد من المباحث الداخلة في مجالات علم الأصول. وأما استمداده من علوم اللغة فلأن معرفة دلالة الأدلة متوقفة عليها، وفهمها مستند إلى وجوهها المتعددة، ومن المعلوم أن هذه العلوم هي من أهم ما استمد منها أصول الفقه، ولهذا بحث علماء هذا الفن في خلافات العلماء في مقتضى الأمر والنهي وصيغ العموم والخصوص ودلالاتها والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء والإشارة والتنبيه ومعاني الحروف وغيرها، مع بيان ما ينبني على الاختلاف فيها من اختلاف في الحكام المستنبطة، والأحكام المخرجة على ذلك. وأما الفقه فإنه وإن كان ثمرة من ثمار التخريج إلا أنه باستقراء الفروع الفقهية المتعددة يمكن التوصل إلى معرفة مآخذ العلماء، واستخراج القواعد أو العلل التي بنوا عليها أحكامهم ما أن بمعرفته، تعلم مواضع الخلاف بين العلماء مما يدعو إلى البحث عن أسباب الخلاف، التي هي من المقاصد الأساسية لهذا العلم أيضاً. أما استمداده من علم الخلاف فلأن الغاية من هذا العلم كانت بيان مآخذ العلماء ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم، ومناظرة الخصم ومجادلته سعياً إلى تصحيح كل منهم مذهب إمامه، والدفاع عن أصوله التي بني عليها استنباطاته، مع تضعيف رأي الخصم وتزييف وجهة نظره. وقد ذكر

стр. 53

ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ) (١) في شأن المناظرات التي كانت تجري بين العلماء أن مما كان فيها (بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم. وكان هذا الصنف يسمى بالخلافيات) (٢). على أننا نذكر هنا أن طائفة من المؤلفات في هذا العلم تقتصر على ذكر مآخذ العلماء وأسباب اختلافهم، دون دخول في الترجيحات، والمناقشات. كما في تأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي (ت ٤٣٠هـ) (٣)، أو ذكر بعض

стр. 54

الاستدلالات لأصحاب الآراء المختلفة، مع اللجوء، في أحيان قليلة إلى الترجيح والتزييف لآراء الخصم، كما في تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ت٦٥٦هـ) (١). هذا وقد استمد العلماء الذين ولجوا مباحث التخريج، بعض مباحثهم من مصادر أخرى كالقرآن الكريم والحديث الشريف وما اتصل بهما من علوم أفادت في التعرف على الأخبار وطرقها وترجيحاتها. وكالمنطق الذي استمد منه بعض المقدمات وطرق ترتيب الأدلة، ووجوه الدلالات، وكعلوم آداب البحث والمناظرة التي حددت الشروط والأسس التي تقوم عليها المناظرات والمجادلات، وتحديد وظيفة كل من السائل والمعلل وغير ذلك. خامساً: حكمه: تتوقف معرفة حكم هذا النوع من التخريج على بيان حالة المخرج، وما يقوم به من عمل: ١ - فإن كان المقصود من ذلك هو مجرد التعليل وبيان الأسباب التي دعت الأئمة إلى الأخذ بما أخذوا به، فالذي يظهر أنه جائز، ما لم يكن ذلك في مجال التعصب فإنه مكروه، وقد يحرم إذا تجاوز ذلك. ومثل هذا العمل لا يدخل في نطاق الاجتهاد، ولا يتأدى به فرض الكفاية لعدم انطباق وصف الاجتهاد عليه. ٢ - وإن كان المقصود منه بيان أحكام الوقائع التي لم يرد فيها نص عن الإمام، بإلحاقها بما ورد عنه بالطرق المعتد بها أصولياً، فحكمه الجواز.

стр. 55

وقد جرى العمل على ذلك، وكان غليه مفزع المفتين. لكن كلام الأئمة يشعر بأن ما كانت حالته كذلك، فلا يتأدى به فرض الكفاية في الاجتهاد، لما فيه من نقص وخلل في المقصود. غير أنه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى؛ لأنه في فتواه يقوم مقام الإمام المطلق ويؤدي ما يتأدى به (١).

стр. 56

المبحث الأول نشأة العلم وتطوره ذكرنا أن تخريج الفروع على الأصول، على نمط ما هو عند الزنجاني، والدبوسي، والأسنوي وغيرهم، متصل اتصالاً مباشراً بأسباب اختلاف الفهقاء، أو على وجه التحديد بواحد من تلك الأسباب، هو الاختلاف في الأدلة والقواعد والضوابط الأصولية أو الفقهية التي ترتب عليها الاختلاف في أحكام الفروع الفقهية. والتخريج بالمعنى المذكور، لم نجد فيما أطلعنا عليه من موسوعات العلوم الإسلامية (١)، من أفرده بالحديث أو عده علماً مستقلاً. لكننا نجد أن طائفة من العلماء حينما تكلمت عن الخلافيات وبينت منشأ ما حدث بين فقهاء الأمة من الخلافات، وكيفية نشوء التقليد واختفاء الاجتهاد، وجريان المناظرات بين أتباع المذاهب، أشارت إلى ما يمس هذا العلم، بمعناه لا باسمه ومصطلحه. قال ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ): (وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم، وكان هذا الصنف يسمى بالخلافيات، ولابد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد) (٢). ونجد من العلماء، كطاش كوبري زاده (ت ٩٣٥هـ) (٣)، من سار على

стр. 57

طريق ابن خلدون في عده هذا العلم من فروع الخلاف، بل إنه عد علم الخلاف فرعاً من فروع علم أصول الفقه (١). ولأجل معرفة مدى صلة هذا العلم بعلم الخلاف، نذكر تعريفاً لعلم الخلاف أورده صديق بن حسن القنوجي (ت ١٣٠٧هـ) في كتابه أبجد العلوم، قال: (وفي مدينة العلوم، وعلم الخلاف علم باحث عن وجوه الاستنباطات المختلفة من الأدلة الإجمالية أو التفصيلية الذاهب إلى كل منها طائفة من العلماء ...) (٢). وهذا التصوير لعلم الخلاف يوضح العلاقة المتينة بين هذا العلم وعلم تخريج الفروع على الأصول المختلف فيها بين العلماء. ونظراً إلى أن إدراك مآخذ العلماء وأسباب الاختلاف بينهم، تُعد من الشروط الهامة في تقويم الفقيه. نجد أن بعض العلماء اشترطوا في الفقيه معرفة علم الخلاف. قال ابن السبكي (ت ٧٥٦هـ) (٣): (إن المرء إذا لم يعرف علم

стр. 58

الخلاف والمآخذ، لا يكون فقيهاً إلى أن يلج الجمل في سم الخياط، وإنما يكون ناقلاً مخيطاً حامل فقه إلى غيره، لا قدرة له على تخريج حادث بموجود، ولا قياس مستقبل بحاضر، ولا إلحاق غائب بشاهد، وما أسرع الخطأ إليه، وأكثر تزاحم الغلط عليه، وأبعد الفقه لديه) (١). والذي يرشح دخول هذا العلم في الخلافيات أن ردها إلى قواعد وأصول عند كل واحد منهم تختلف عما هي عند الآخر. وإذا كنا لا نستطيع تحديد بداية نشأة هذا العلم، فإنه من الممكن – في الأقل – التنبؤ بالعصر الذي نشأ فيه، فقد يكون الدور الخامس في تقسيمات أدوار الفقه عند كتاب تاريخ التشريع أو الفقه الإسلامي، الذي يبدأ من منتصف القرن الرابع الهجري، هو بداية ظهور هذا العلم (٢).

стр. 59

فعلماء هذا الدور ومن جاء بعدهم – على الرغم من نعتهم بالمقلدين – إلا أنهم (جمعوا الآثار ورجحوا الروايات وخرجوا علل الأحكام، واستخرجوا من شتى المسائل والفروع أصول أئمتهم وقواعدهم التي بنوا عليها فتاويهم) (١).

стр. 60

وبوجه عام فإن أهم أعمالهم المتميزة كانت في ثلاثة أمور: تعليل الأحكام، والترجيح، والانتصار للمذهب. وقد ساعد على ذلك شيوع الجدل والمناظرات فيما بين العلماء، الأمر الذي دفع الكثيرين منهم إلى البحث عن العلل والأدلة التي دفعت أئمتهم إلى أن يقولوا ما قالوه في طائفة من المسائل، التي أدى الاختلاف فيها إلى الاختلاف في الأحكام الفقهية. وقد ذكروا أن من العلماء المبرزين في هذا المجال – أي الخلافيات – أبا زيد عبد الله بن عمر الدبوسي (ت ٤٣٠هـ) في التعليقة، وابن القصار المالكي (ت ٣٩٨هـ) في كتابه (عيون الأدلة)، وأبا حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ) في كتابه المآخذ (١)، وأن ابن الساعاتي (ت ٦٩٤هـ) (٢)، قد جمع في أصول الفقه (جميع ما يبنى عليها من الفقه الخلافي، مدرجاً في كل مسألة منه ما ينبني عليها من الفقه الخلافي، مدرجاً في كل مسألة منه ما ينبني عليها من الخلافيات) (٣)، ولكن عد أمثال هذه الكتب مما نحن فيه يحتاج إلى دراستها وتمحيصها، ومعرفة ما تناولته من الموضوعات، وكيفية تناولها لها، وهذا أمر غير ميسور في كثير من هذه الكتب، لعدم العلم بوجود أكثرها، أو لعدم تيسر الحصول على بعض منها.

стр. 61

وإذا أردنا أن نبحث الأمر على ضوء الأدلة المادية، وما هو موجود في ساحة العلوم، فربما جاز أن نقول إن كتاب (تأسيس النظائر) لأبي الليث السمرقندي المتوفى سنة ٣٧٣هـ يعد من أقدم الكتب المؤلفة في هذا الباب. إن هذا الكتاب نموذج صحيح وجيد لعلم تخريج الفروع على الأصول. غير أنه وسع دائرة الأصول، فشملت عنده القواعد والضوابط الفقهية، ولم يحو من القواعد الأصولية إلا القليل. وإذا كان أبو الليث لم يسم كتابه تخريج الفروع على الأصول، فإن مادته كانت كذلك، والعبرة بواقع الموضوع لا باسمه. وإلى جانب هذا الكتاب نجد كتاباً آخر يحمل اسماً مشابهاً لاسم كتاب أبي الليث هو (تأسيس النظر) لأبي زيد الدبوسي المتوفى سنة ٤٣٠هـ وهو قريب العهد من أبي الليث، وقد يكون كتابه هو نفسه كتاب أبي الليث، لكن بزيادة أصل في آخره يتضمن بعض الأصول اليسيرة، ومع اختلافات قليلة جداً، فيما عدا ذلك، في الصياغة وفي بعض الفروع، مما سنشير إليه عند دراستنا هذا الكتاب. وبعد ما يزيد على قرنين من الزمان ظهر كتاب (تخريج الفروع على الأصول) لشهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني. المتوفى سنة ٦٥٦هـ، وهو من أنضج الكتب المؤلفة في هذا الباب. وقد ادعى الزنجاني سبقه غيره في هذا النوع من التأليف. قال في مقدمة كتابه المذكور (وحيث لم أر أحداً من العلماء الماضين والفقهاء المتقدمين من تصدي لحيازة هذا المقصود) (١). لكن كتابي السمرقندي والدبوسي يخدشان هذه الدعوى، إلا أن يكون الزنجاني قد قصد القواعد الأصولية وحدها، كما سنفصل ذلك فيما بعد. وبعد ذلك نجد أن القرن الثامن الهجري قد جاء بعدد من العلماء الذين

стр. 62

ألفوا في هذا المجال منهم جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي. المتوفى سنة ٧٧٢هـ في كتابه: (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول)، لكنه قصر الكلام على الخلافات في داخل المذهب الشافعي، مما يدخل في الوجوه والطرق وما يشبه ذلك من أقوال في المذهب، وقلما يذكر خلافات المذاهب الأخرى. وللأسنوي كتاب آخر، في هذا المعنى، يحمل عنوان (الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية) وعنوان الكتاب يفصح عنه، لأنه قصر الكلام فيه على الفروع الفقهية المنبنية على قواعد النحو ليس غير. ومن العلماء الذين أسهموا في ذلك، في هذه الفترة، أبو الحسن علاء الدين عي بن عباس البعلي الحنبلي. المتوفى سنة ٨٠٣هـ، والمعروف بابن اللحام (١)، في كتابه (القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية). وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يتناول القواعد الأصولية واختلاف العلماء فيها إلا أن فروعه المبنية عليه كان غالبها من فقه الإمام أحمد – ﵀ وأتباعه. وجاءت بعد هؤلاء طائفة أخرى نسجت على منوالهم،

стр. 63

وسلكت طريقتهم ومن هؤلاء أحد علماء الشيعة الذي ألف كتاباً سماه (كشف الفوائد في تمهيد القواعد). وقد فرغ من تأليفه سنة ٩٦٨هـ. وقد ذكر في مقدمته أنه صنفه على نمط تصنيف الأسنوي للتمهيد. وهو خاص بفقه الشيعة ومحفوظ بدار الكتب المصرية (١). ومن هؤلاء محمد بن عبد الله التمرتاشي الحنفي، المتوفى سنة ١٠٠٤هـ (٢) في كتابه: "الوصول إلى قواعد الأصول" وقد ذكر في مقدمته أنه سار به، أيضاً، على نمط الأسنوي في كتابه التمهيد (٣). ومن المؤلفات المعاصرة في هذا المجال (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء) للدكتور/ مصطفى سعيد الخن، وهو رسالة للدكتوراه من كلية الشريعة في جامعة الأزهر. ومنها كتاب (أثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي) للدكتور/ مصطفى ديب البغا، وهو رسالته للدكتوراه نم كلية الشريعة في جامعة الأزهر أيضاً (٤).

стр. 64

هذا ونذكر أن هناك طائفة من المؤلفات تناولت هذا الموضوع، ولكنه لم يكن هدفها الأساس، وإنما كان التخريج يأتي فيها بطريق التبعية، أو أنه كان جزءاً من موضوع متشعب. ومن هذه المؤلفات كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد المتوفى سنة ٥٩٥هـ (١) وهو كتاب مؤلف في الفقه بعامة، ولم يكن الغرض منه بيان أسباب الاختلاف وما ينبني عليها من الفروع، وإن كان المؤلف قد تطرق إلى ذلك في مقدمته وبين من خلال عرضه الفقهي الرائع آراء الفقهاء والأسباب التي أدت إلى وقوع الاختلاف بينهم ومن هذه المؤلفات كتاب (مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول) للإمام اشريف أبي عبد الله محمد بن أحمد المالكي التلمساني المتوفى سنة ٧٧١هـ (٢).

стр. 65

وهو كتاب موجز مؤلف في أصول الفقه بعامة، ولكنه كان يُتبع الاختلافات الأصولية بذكر ما يترتب عليها من الاختلافات الفقهية، ولم يكن الغرض الأساس من تأليفه، أن يكون في التخريج. ومن المؤلفات التي تناولت هذا الموضوع جزئياً كتاب (الأشباه والنظائر) لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى سنة ٧٧١هـ. فقد تناول هذا الكتاب في مواضع مختلفة منه، أسباب اختلاف الفقهاء، وأصولاً كلامية يبني عليها فروع فقهية، ومسائل أصولية يتخرج عليها فروع فقهية ومسائل نحوية يترتب عليها مسائل فقهية، وقد شفع كل ذلك بطائفة من الفروع المبنية على تلك المسائل (١). ومن تلك المؤلفات كتاب (مختصر من قواعد العلائي وكلام الأسنوي) لأبي الثناء نور الدين محمود بن أحمد الحموي، المعروف بابن خطيب الدهشة. المتوفى سنة ٨٣٤هـ (٢). فقد تناول هذا الكتاب في جانب منه

стр. 66

طائفة من القواعد الأصولية المختلف فيها، وذكر ما يترتب على ذلك الاختلاف من اختلافات في الفروع الفقهية. ونكتفي بذكر هذين الكتابين، لأن استقصاء من تناولوا ذلك تبعاً أو جزئياً أو ضمناً يطول. ــ = راجع في ترجمته: شذرات الذهب ٧/ ٢١٠ن والأعلام ٧/ ١٦٢، ومعجم المؤلفين ١/ ١٤٨.

стр. 67

المبحث الثاني أسباب اختلاف الفقهاء ذكرنا أن لعلم تخريج الفروع على الأصول، علاقة بينة بالخلافات المذهبية والجدل والمناظرات، التي كانت قائمة بين علماء المسلمين، وأن هدف علماء هذا الفن كان بيان مآخذ علمائهم، والأصول التي رُدت إليها أقوالهم، والدفاع والمنافحة عن وجهات نرهم في ذلك، ولهذا فإن الحديث عن أسباب الخلاف، يُعد ذا صلة مباشرة به، إن لم يكن من أركانه الأساسية. ونذكر في بداية حديثنا أن الاختلاف في الأفكار والآراء والطبائع والأخلاق واللغات ظاهرة إنسانية، وقد جعل الله - سبحانه- ذلك جزءاً من طبيعة الإنسان قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (الروم /٢٢٩، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود ١١٨ و١١٩)، فالاختلاف في القدرات البدنية، والاستعدادات الفطرية، ودرجات العلم والفهم والذكاء، والمدارك العقلية، ورواسب الأعراف والعادات، وغيرها، كان له آثار ونتائج في تفكير الإنسان وفهمه، وطريقة توصله إلى المعرفة، وفي ميله وانجذابه إلى أنواع من الأدلة والأمارات والمفاهيم، دون الانجذاب إلى غيرها، ولذلك كانت الاختلافات في الأحكام الفقهية وبعض الأسس والأصول التي تُبنى عليها. على أننا نشير إلى أن الشارع قد ذم الاختلاف في مواضع كثيرة من كتابه، كما بين أن بعض أنواع الاختلاف يُعد من الأمور السيئة والظواهر السلبية في المجتمع، كاختلاف أصحاب الملل وأهل البدع والأهواء. قال

стр. 68

تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (الأنعام/١٥٩) وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ﴾ (آل عمران/١٠٥)، وهذا النوع من الاختلاف ليس هو موضوع بحثنا، وإن كان من الممكن أن يتخرج عليه كثير من الأحكام والقضايا العقدية، لأنه اختلاف منشؤه الزيغ والانحراف، والتأثر بمعطيات الأفكار الوثنية القديمة، وهو يمثل الشذوذ والخروج عن العقيدة السلفية الصحيحة، ومثل هذا ليس محل اجتهاد، ولا تدعو إليه حاجة، ولا تتوقف عليه مسيرة الأمة وتطورها ورقيها، ولا معايش الناس ومعاملاتهم وعباداتهم، ولهذا فقد اتفق أصوليو هذه الأمة – إلا من شذ منهم، وكان موضع نكير (١) - على أن المصيب فيه واحد، وأن المخطيء فيه آثم، وذلك لوضوح الأدلة، ولعدم الحاجة إلى مزيد بيان على ما أوضحه الشارع بشأنها. فكلامنا – إذن- هو عن النوع الأول من الاختلاف المسموح بالاجتهاد فيه (٢). لتوقف حياة الإنسان العملية عليه، وحاجته إلى معرفة ثمراته ونتائجه التزاماً بما شرع الله، واطمئناناً إلى أن ما يفعله المكلف إنما هو مما كلفه به الخالق – سبحانه – والبحث عن أسباب هذا الاختلاف يكشف عن أن تلك الاجتهادات لم تكن عن انحراف وزيغ، ولا عن شهوات وهوى، (وإنما عن أسباب يعذر لمثلها المخطيء ويؤجر أجراً واحداً، ويحمد المصيب ويؤجر أجرين، فضلاً من الله ورحمة) (٣). على أن معرفة تلك الأسباب مما يساعد

стр. 69

على ربط كثير من الفروع بأصولها، ونظمها في سلك واحد، مما يمكن العارف بذلك من تكوين تصور صحيح للعلاقات القائمة بين كثير من الفروع المتنوعة التي لا يجمعها باب واحد، وإنما تتفق بوصف مشترك يجمع بينها، الأمر الذي يساعد على الاستنباط والتخريج والفهم. ومسألة الاختلاف بين الفقهاء مما شغلت العلماء، فألفوا فيها الكتب المتنوعة، والكثيرة، منذ فجر نهضة الفقه الإسلامي. غير أن أغلب هذه الكتب لم تختص ببيان أسباب الاختلاف، وإنما تعرضت لآراء الفقهاء المختلفة في طائفة من المسائل الفقهية، كالذي عليه (اختلاف الفقهاء) لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) (١)، والإشراف على مسائل الخلاف، للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي (ت ٤٢٢هـ)، و (حلية العلماء في اختلاف الفقهاء) لأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي الشافعي (ت ٥٠٧هـ) (٢). و (اختلاف

стр. 70

الفقهاء) لأبي جعفر الطحاوي الحنفي (ت ٣٢١هـ) (١) وغيرها. وهذه الكتب، وإن كان بعضها يتطرق إلى استدلالات العلماء، وبيان مآخذهم، إلا أنها لم تؤلف لغرض بيان الأسباب المؤدية إلى الاختلاف. ومن الجدير بالذكر أن ننوه بأنه كانت توجد قضايا رئيسة وكبرى، يدور حولها الخلاف، حظيت باهتمام طائفة أخرى من علماء المذاهب، انتصر كل منهم فيها إلى مذهبه، وزيف – بحسب ما رآه – حجج خصمه. ومما نشر من هذه الكتب، كتاب (الاصطلام في الخلاف) لأبي المظفر السمعاني الشافعي المتوفى سنة ٤٨٩هـ (٢) وكتاب (رؤوس المسائل) لجار الله محمود بن عمر الزمخشري الحنفي المتوفى سنة ٥٣٨هـ (٣)، وكتاب (طريقة الخلاف بين

стр. 71

الأسلاف) لعلاء الدين محمد بن عبد الحميد الأسمندي السمرقندي الحنفي المتوفى سنة ٥٥٢هـ (١)، وكتاب (إيثار الإنصاف في آثار الخلاف) لسبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى سنة ٦٥٤هـ (٢). والموضوعات التي تطرقت إليها هذه الكتب، وما كان على شاكلتها، دارت حول قضايا محددة، وتكاد تكون واحدة.

стр. 72

بعضها أصول ينبني عليها فروع فقهية كثيرة، وغالبها من الجزئيات الفقهية. وقد تكون رسالة (تأسيس النظائر) لأبي الليث السمرقندي المتوفى سنة ٣٧٣هـ من أقدم ما ألف بهذا الشأن، ولكنها لم تكن شاملة ونما اقتصر المؤلف فيها على ذكر ما يزيد على ثمانين أصلاً مختلفاً فيه بين العلماء، لا سيما الأحناف منهم، وما يترتب على هذا الخلاف من نتائج في المجال التطبيقي التفريعي، وهذا عمل جليل، لكنه، كما ذكرنا، لم يبحث عن الأسباب التي أوجبت الخلاف بين الفقهاء بصورة شاملة. وربما كان أول من أفرد أسباب الاختلاف بين الفقهاء بصورة شاملة – فيما ظهر لنا – هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي المتوفى سنة ٥٢١هـ (١) في كتاب (التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم). وقد حصر المؤلف – ﵀ – أسباب الاختلاف في ثمانية أوجه، هي: ١ - اشتراك الألفاظ والمعاني. ٢ - الحقيقة والمجاز. ٣ - الإفراد والتركيب. ٤ - الخصوص والعموم.

стр. 73

٥ - الرواية والنقل. ٦ - الاجتهاد فيما لا نص فيه. ٧ - الناسخ والمنسوخ. ٨ - الإباحة والتوسع. وبعض هذه الأسباب متداخلة فيما بينها، كما هو ظاهر. ومن الملاحظ عليه، أنه وسع الكلام في الأسباب العائدة، إلى الجانب اللغوي والأدبي، وفيما يتعلق بالسنة من جهة الرواية والنقل، وطوى بعض المباحث الأخرى، دون تفصيل، ولا نماذج تطبيقية (١). ولم يتطرق إلى المسائل الفقهية إلا نادراً. ونجد، بعد ذلك، أبا الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت ٥٩٥هـ)، يذكر في مقدمة كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) أسباب الاختلاف باقتضاب. وقد حصرها في ستة أمور، هي: - تردد اللفظ بين أن يكون عاماً يراد به الخاص، أو خاصاً يراد به العام، أو عاماً يراد به العام، أو خاصاً يراد به الخاص. أو يكون له دليل خطاب أو لا يكون. ٢ - الاشتراك في الألفاظ، سواء كانت مفردة أو مركبة. ٣ - اختلاف الإعراب. ٤ - تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة، أو حمله على نوع من أنواع المجاز. ٥ - إطلاق اللفظ تارة، وتقييده تارة. ٦ - التعارض بين الأدلة (٢). ويلاحظ على هذه الأسباب، أنها – باستثناء التعارض، بين الأدلة-

стр. 74

ترجع إلى سبب واحد يتعلق بقواعد الدلالات اللغوية، والنحوية. فهو تقسيم غير جامع، ولم يقم على أساس استقرائي صحيح، ولا على قسمة عقلية. وممن تناول هذا الموضوع شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت ٧٢٨هـ)، في رسالته (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، ولكن الذي يبدو أن الرسالة لم يكن المقصود منها حصر أسباب الخلاف بوجه عام، وإنما كان الغرض منها بيان الأعذار التي تلتمس للمختلفين، مع توفر الأحاديث، المتعلقة في المسألة، عن رسول الله – ﷺ . وقد حصر الأعذار، أو أسباب الاختلاف، في ثلاثة أصناف، هي: ١ - عدم اعتقاد المجتهد أن الحديث قد ورد عن النبي – ﷺ . ٢ - عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول. ٣ - اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. وقد فرع عن هذه الأصناف الثلاثة عشرة أسباب، تتعلق جميعها بالأحاديث، منه ما يتعلق بوصولها للمجتهد أو عدم وصولها إليه، ومنها ما يتعلق بقوتها وضعفها، ومنها ما يتعلق بدلالتها على المعنى أو عدم دلالتها عليه، ومنها ما يتعلق بما يشترطه بعضهم في بعض أنواعها، وما يتعلق بالتعارض فيما بينها تخصيصاً أو نسخاً (١). وفي عصر الإمام ابن تيمية – ﵀ – أفرد أبو القاسم محمد بن أحمد بن جُزي الغرناطي المالكي المتوفى سنة ٧٤١هـ (٢)، على غير عادة

стр. 75

الأصوليين، (الباب العاشر) من كتابه (تقريب الوصول إلى علم الأصول، في أسباب الخلاف بين المجتهدين. وقد حصرها – على ما ذكر – بحسب الاستقراء، في ستة عشر سبباً، هي: ١ - تعارض الأدلة. ٢ - الجهل بالدليل. ٣ - الاختلاف في صحة نقل الحديث. ٤ - الاختلاف في نوع الدليل، هل يحتج به أم لا؟ ٥ - الاختلاف في قاعدة من الأصول، ينبني عليها الاختلاف في الفروع، كحمل المطلق على المقيد، وشبه ذلك. ٦ - الاختلاف في القراءات في القرآن. ٧ - اختلاف الرواية في ألفاظ الحديث. ٨ - اختلاف وجه الإعراب، مع اتفاق القراء في الرواية. ٩ - كون اللفظ مشتركاً بين معنيين. ١٠ - الاختلاف في حمل اللفظ على العموم أو الخصوص. ١١ - الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة أو على المجاز. ١٢ - الاختلاف في هل في الكلام مضمر أو لا ١٣ - الاختلاف في هل الحكم منسوخ أو لا؟ ١٤ - الاختلاف في حمل الأمر على الوجوب أو على الندب. ١٥ - الاختلاف في حمل النهي على التحريم أو الكراهة. ١٦ - الاختلاف في فعل النبي – ﷺ ، هل يحمل على الوجوب أو الندب، أو الإباحة؟ (١).
следующие страницы →