Полный текст (594 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ذلك فكلام المصنف يقتضي أنه لم يظفر بالتصريح بها في كلام أحد، وهو غريب، فقد صرح الروياني في ((البحر)) بعدم الصحة كما اقتضاه كلام الشيخ.
ثم قال: وليس على أصلنا صوم نفل لا يجوز إلا بنية من الليل إلا هذا. ذكره في آخر الباب. وجزم به- أيضًا- النووي في ((شرح المهذب))، ونقل ابن أبي الدم في ((شرح الوسيط)) ما أشعر به كلام الشافعي فقال: لا يقع على رمضان بلا خلاف، وفي وقوعه نفلًا وجهان، كالمسافر نوى صوم في رمضان. انتهى. فتحصلنا على ثلاثة أوجه.
قوله: ويصح النفل بنية قبل الزوال، لما روى مسلم عن عائشة قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم، فقال: ((هل عندم شيء؟)) فقلنا: لا، فقال: ((فإني إذن صائم))، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيسٌ، فقال: ((أرنيه، ولقد أصبحت صائمًا))، ثم أكل. انتهى.
وما ذكره من رواية مسلم لهذا الحديث غلط، بل رواه البيهقي والدارقطني وقالا: إسناده صحيح. وبعض ألفاظه مخالف للمذكور هنا.
قوله: وهل يصح النفل بنية بعد الزوال؟ فيه قولان.
ثم قال: وحكى القاضي الحسين عن القفال أنه كان يبني هذا الخلاف على أصل آخر مقصود في نفسه، وهو أنه إذا نوى قبل الزوال فمن أي وقت يصير صائمًا؟ وفيه وجهان: فإن قلنا: يكون صائمًا من أول النهار، لم تجزئه النية بعد الزوال، لأنه لم ينو في معظم النهار، وإن قلنا: يصير صائمًا من وقت النية، صحت نيته بعد الزوال، وهذا فيه نظر من وجهين، أحدهما: أن الخلاف المذكور قولان، فكيف يمكن بناؤهما على وجهين أو على قولٍ ووجه؟! الثاني: أن الرافعي ... إلى آخر ما قال.
واعلم أن ذكره لهذا النظر وسكوته عليه غريب، فإن هذا النظر قد تكرر إيراد الرافعي له، والمصنف يجيب عنه حيث أورده، منها: في الباب الذي قبل هذا وهو زكاة الفطر، في الكلام على ما إذا تزوجت بعبد أو حر معسر، فقال في الجواب: الوجهان مخرجان على أصول الشافعي، وحينئذ فلا يمتنع بناء قوليه على أصليه. هذا لفظه، فإن كان صحيحًا فلا يحسن ذكر الاعتراض هاهنا، ولاسيما على أنه من جهته، وإن لم يكن صحيحًا ورد عليه في الجواب.
قوله: وإذا عرفت ذلك عرف أن النية الكاملة في رمضان أن ينوي صم الغد من أيام شهر رمضان هذه السنة أداء لله تعالى. انتهى.
стр. 247
وما زعم أنه نية ناقصة، فإنه أهمل منه التعرض للفرضية مع أنه قريب العهد بذكره وحكاية الخلاف في اشتراطه، ثم إن الصواب التعبير في الضابط المذكور بـ ((عن)) عوضًا عن ((من))، ولفظ ((رمضان)) في الضابط مجرور بالإضافة إلى اسم الإشارة، فتفطن له.
قوله: ولو قال: نويت صوم الغد إن شاء الله، فقد جمع فيه صاحب ((البيان)) ثلاثة أوجه، ثالثها- وهو المذكور في ((تعليقه)) القاضي الحسين و ((التهذيب)): أنه إن قصد الإعانة من الله- تعالى- وأن الأمور بتقدير الله- تعالى- صح، وإن قصد الشك في فعله أو أطلق لم يصح. انتهى.
وهذه الأوجه لا يمكن صحتها، إذ لا سبيل إلى صحة الصوم مع التردد في أنه يصوم أم لا يصوم، ولا إلى الفساد عند قصد الترك، وإنما تتوجه عند الإطلاق: فالبطلان حملا للفظ على مقتضاه لغة، والصحة حملًا له على الظاهر من إرادة الترك، وكأن العمراني رأى في كلام بعضهم خلافًا مطلقًا، ثم رأى كلام المفصلين، فتوهم عموم الأول، فجمع بينهما جمعًا فاسدًا.
واعلم أن نقل التفصيل عن القاضي حسين صحيح، فقد رأيته في ((تعليقته))، وأما نقله ذلك عن ((التهذيب)) فلم أر له ذكرًا فيه، بل ولا للمسألة بالكلية.
قوله: وفي ((النهاية)) في باب جماع التيمم: أن الأصحاب قالوا: المرض الذي يجوز الفطر هو الضرر الظاهر، وعندي: أنه كل مرض يمنع من التصرف مع الصوم.
ثم قال: وعن ((البسيط)) أن بعض الأصحاب قال: إنه يكفي فيه ما يسمى مرضًا، واستوهنه، أي: استضعفه. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((البسيط)) غلط، فإنه إنما نقله عن الظاهرية تبعًا للإمام فقال في الباب الأول من أبواب التيمم: أما الإفطار فقال أصحاب الظاهر: إنه يجوز بكل ما يسمى مرضًا، وهو غير سديد. هذا لفظ ((البسيط))، وأحال الأمر فيه هنا على المذكور هناك، وقد صرح في ((شرح المهذب)) بأنه لا خلاف فيه عندنا.
قوله: ولو خافت الحامل والمرضع على ولديهما أفطرتا، وفي وجوب الفدية ثلاثة أقوال، أصحها: تجب، والثاني: أنها مستحبة، والثالث: تجب على المرضع دون الحامل.
ثم قال: وعن الشيخ أبي حامد حكاية طريقة قاطعة بوجوبها على المرضع، وحكاية القولين في وجوبها على الحامل، وهي التي أوردها البندنيجي لا غير. انتهى.
стр. 248
وما ذكره من أن البندنيجي لم يحك إلا الطريقة الأخيرة ليس كذلك، فقد رأيت في ((تعليقه)) الذي ينقل عنه- وهو الذي يعرف بـ ((شرح المذهب)) و ((الجامع)) أيضًا، وذكر المصنف في خطبته أنه ((تهذيب المذهب)) - حكاية طريقين: إحداهما هذه، وعليها اقتصر في باب أهل الأعذار، والطريقة الثانية: أنها لا تجب على المرضع قولًا واحدًا، وفي الحامل قولان. كذا ذكرها في أوائل الصوم في باب من يجب عليه ومن لا يجب، واقتصر عليها أيضًا هناك، وهذا النقل جميعه إنما نقلته من النسخة التي كانت للمصنف- ﵀ وقد حكي البندنيجي أيضًا في كتابه المسمى بـ ((الذخيرة)) ثلاث طرق، إحداها: أن في المسألة ثلاثة أقوال كما سبق، قالها صاحب ((الإفصاح))، والثانية- قالها الشيخ، يعني أبا حامد- أنها لا تجب على الحامل قولًا واحدًا، وفي المرضع قولان، وهاتان الطريقتان حكاهما في أول كتاب الصيام، والطريق الثالث- وهو المحكي في الكتاب- حكاها بعد ذلك بثلاثة أبواب في الكلام على من أكل عامدًا.
قوله: فروع: أحدها: لو كانت الحامل والمرضع في سفر أو مرض، فأفطرتا: هل تجب عليها الفدية؟ نظر: إن فطرتا بسبب السفر أو المرض فلا، وإن أفطرتا لأجل الولد فنعم، وإن لم يكن لهما نية فوجهان، بناء على الوجهين في المسافر يطؤها على قصد الترخص: هل تلزمه الكفارة أم لا؟ ثم قال: ووافق القاضي الحسين على هذا البناء في حق المرضع إذا كانت مريضة، وقال فيها إذا كانت مسافرة: إن ألزمنا المجامع في السفر الكفارة فهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق: أن المرضع يجوز أن تلزمها الفدية وإن كان يباح لها الإفطار وهي إذا كانت في الحضر، كذلك هنا. انتهى.
وما ذكره عن القاضي الحسين من البناء المذكور لم يذكره في ((تعليقه)) على الوجه الذي ذكره، فاعلمه.
قوله: الثالث: إذا كان للمرضع ولدان، وأفطرت بسببهما: فهل تتعدد الفدية؟ فيه وجهان في ((التتمة)) وغيرها، أصحهما في ((الرافعي)) - وهو المذكور في ((التهذيب)) -: عدم التعدد. انتهى.
واعلم أن كلامه يوهم اختصاص الوجهين بالمرضع، وأنهما لا يجريان في الحامل، وليس كذلك، فقد صرح صاحب ((التتمة)) بجريانهما فيهما معًا، فقال: إذا كانت حبلى بولدين، أو ترضع ولدين: فهل يلزمها فدية واحدة أو فديتان؟ في المسألة وجهان. هذا لفظه.
стр. 249
قوله- نقلًا عن الشيخ-: قال: وإن أغمي عليه في بعض النهار، أي: وكان قد نوى من الليل ففيه ثلاثة أقوال.
ثم قال في آخر المسألة ما نصه: أما إذا لم يكن قد نوى من الليل فيلزمه القضاء بلا خلاف. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس بصحيح، ففي ((الرافعي)) وجه: أن القضاء لا يجب إذا استغرق الإغماء جميع الشهر، وفي ((التتمة)): أنه لا يجب وإن كان مستغرقًا ليوم واحد. وذكر في ((التهذيب)) نحوه أيضًا. نعم، فيما نقله الرافعي هنا كلام مذكور في ((المهمات)).
قوله: وإن طهرت الحائض، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو قدم المسافر وهو مفطر- استحب لهم إمساك بقية النهار.
ثم قال: وقد حكى ابن يونس وجوب الإمساك على الحائض تطهر والمسافر يقدم وهو مفطر، وادعى القاضي الحسين أن أصحابنا لم يختلفوا في ذلك، وتبعه الإمام، لتحقق المبيح لهم، ولعله أراد المراوزة، وإلا فقد حكى صاحب ((المعتمد)) في وجوب الإمساك على الحائض والنفساء وجهين، وجريانهما في المسافر من طريق الأولى. انتهى كلامه.
واعلم أن ما ذكره من حمل الاتفاق على المراوزة حتى يكون كلام ((المعتمد)) في حكاية الخلاف محمولًا على طريقة العراقيين، حملٌ باطل سببه عدم الوقوف على كلام ((المعتمد))، فإن صاحب ((المعتمد)) إنما نقله عن المراوزة وعزاه إلى القاضي الحسين منهم، فإنه قال: ذكر فيما علق عن القاضي الحسين في الحائض إذا طهرت في أثناء النهار وجهين في وجوب الإمساك، أحدهما: لا يلزمها كالمريض، والثاني: أنه يلزمها. هذا لفظه، ثم نقل عن القاضي أنه ينبغي أن يعكس فيجب على المريض، بخلاف الحائض، لأن عذرها أشد.
وما ذكره المصنف- أيضًا- من استخراج الخلاف في المسافر بالاستنباط من حكاية ابن يونس له في الحائض فإنه يقتضي أنه لم يظفر به مصرحًا، وقد صرح بنقله الفوراني في ((الإبانة)) والجرجاني في ((الشافي)) و ((المعاياة)).
قوله: وإن بلغ الصبي أو قدم المسافر وهما صائمان، فقد قيل: يلزمهما إتمام الصوم، وهو ما جزم به ابن الصباغ والإمام، فعلى هذا: إذا أتم الصبي الصوم هل يجب قضاؤه؟ قال ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما: إن لم نوجب عليه القضاء وقد
стр. 250
بلغ مفطرًا فهنا أولى، وإن أوجبناه ثم ففي وجوبه هنا وجهان، قال إسحاق: لا قضاء عليه، وقال غيره: عليه القضاء، لأنه لم ينو الفرض. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الإمام قد ذكر المسألة في باب استقبال القبلة، ولم يوجب ما نقله عنه المصنف من الإتمام لا بالتصريح ولا بالتعريض، بل في تعليله ما يشعر بأن الإتمام لا يجب.
الأمر الثاني: أن عبارته تقتضي أن إسناد عدم وجوب القضاء إلى أبي إسحاق من كلام ((الشامل))، مع أن صاحب ((الشامل)) لم يسنده إليه ولا إلى غيره، فاعلمه.
قوله: ووراء ما ذكره الشيخ في بعض الصور وجوه، أحدها: فيما إذا احتقن: أنه لا يفطر، كما حكاه الرافعي عن القاضي الحسين. انتهى.
واعلم أن القاضي الحسين قد جزم في ((تعليقه)) بالفطر، فقال: أما إذا احتقن- سواء احتقن في قبله أو دبره- أفطر. هذا لفظه في إحدى ((تعليقتيه))، وقال في الأخرى: عندي أنه لا يفطر إن كان في القبل كمذهب أبي حنيفة. والذي اختاره وجه مشهور، ولم يتعرض للمسألة في ((فتاويه)) ولا في ((شرح الفروع)) ولا في القطعة التي شرحها من ((التلخيص))، والرافعي قلد في هذا النقل صاحب ((المعتمد))، فإنه كذلك نقله عنه، وقد أوضحت ذلك في ((المهمات)).
قوله: وكذا الخيط وإن بقي بعضه خارجًا، لأنه ممنوع من ذلك إجماعًا، ولولا أنه مفطر لما منع منه. انتهى كلامه.
واعلم أن أبا حنيفة قد ذهب إلى أن الخيط البارز بعضه لا يفطر، وذهب إليه- أيضًا- بعض أصحابنا. كذا حكاه الرافعي، وهذا الوجه جارٍ في السكين- أيضًا- كما صرح به في ((الشرح الصغير))، وأشار إليه في ((الكبير)) - أيضًا- وادعى في ((شرح المهذب)) أنه لا خلاف في السكين، مستندًا إلى ما في ((الروضة)) من الجزم المخالف لما في ((الرافعي)).
قوله- في الكلام على ابتلاع النخامة: وإن قدر على صرفه ومجه، فلم يفعل- ففيه خلاف بين الأصحاب: منهم من لم يؤاخذه وبه حسم الباب، ما لم يتكلف صرفه عن مجراه إلى الفم، ومنهم من حكم بالفطر إذا تركه في مجراه مع القدرة على مجه، وهذا ما أورده القاضي الحسين وأبو الطيب، قال الرافعي: وهو الذي أجاب به الحناطي وكثير من الأئمة، ولم يذكروا غيره. انتهى.
стр. 251
وما حكاه عن الرافعي في هذه المسألة فإنه سهو، فإن الرافعي إنما حكاه في اقتلاع النخامة- أي: بالقاف- وهو إخراجها من الباطن إلى الظاهر، وأما في الابتلاع- أي: بالباء- فصحح الفطر، ولم يذكر فيه هذه المقالة.
قوله: وفي معنى الاحتقان ما إذا قطر في إحليله شيئًا، أو أدخل فيه مبضعًا فوصل إلى مثانته. انتهى.
والمبضع- بكسر الميم- هو ما يبضع به اللحم، أي: يقطع، ومنه: ((فاطمة بضعةٌ مني)) - بفتح الباء- أي: قطعة. ولا شك أن الذي يقطع اللحم به لا يدخله عاقل في إحليله، بل الذي يدخل فيه شيء كالمردود يسمى: المسبار- بالسين والباء الموحدة- من ((السبر)) وهو الاختبار، لأن ذلك يفعل لاختبار موضع الحصاة التي تسد مجرى البول، نسأل الله تعالى العافية!
ثم إن التقطير- أيضًا- أحد نوعي الاحتقان، ثم إن الإحليل- كما قال الجوهري- إنما هو مخرج البول خاصة، فاعلم ذلك.
قوله: وعليه القضاء وإمساك بقية النهار، أي: على من تعدى بشيء من المفطرات.
ثم قال ما نصه: وهل يجب مع ذلك شيء آخر؟ ينظر: إن كان فطره بالجماع فنعم، وهو الكفارة لا غير، وإن كان بغيره فالتعزير. انتهى كلامه.
وحاصله: أن التعزير لا يجب على المجامع، وهو خلاف الإجماع كما أوضحته في باب التعزير، فراجعه.
قوله- في قول الشيخ: ((وإن أكل، أو شرب، أو استعط، أو احتقن، أو صب الماء في أذنه فوصل إلى دماغه، أو طعن جوفه أو طعن بأذنه، أو داوى جرحه فوصل الدواء إلى جوفه، أو استقاء، أو جامع أو باشر فأنزل- بطل صومه)) -: فإن فعل ناسيًا أو جاهلًا بالتحريم، أو فعل به شيء من لك مكرهًا- لم يبطل.
ثم قال: وصورة الجهل: أن يقدم على ذلك، لكونه حديث عهد بإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة، كما قاله البغوي، وتبعه الرافعي. انتهى.
وما نقله عن البغوي والرافعي من تقييد جهل الاستقاءة ونحوها بما ذكره، لم يتعرض المذكوران له لا نفيًا ولا إثباتًا، بل تعرضا له في الأكل ونحوه من الأمور المشهورة. نعم، صرح القاضي الحسين بذلك، ومال في ((البحر)) إلى خلافه، فقال: يحتمل أن يقال: لا يفطر الجاهل مطلقًا، لأنه يشتبه على من نشأ في الإسلام أيضًا. وإطلاق الشيخ في ((المهذب)) و ((التنبيه)) يقتضي ما قاله الروياني، ولم يستدركه النووي
стр. 252
لا في ((تصحيحه)) ولا في ((شرحه)) على ((المهذب)) مع كونه قيد الأكل ونحوه بذلك.
قوله: وإن أكره حتى فعل بنفسه ففيه قولان، أصحهما: أنه لا يبطل صومه، لما ذكرناه، ومقابله: أنه يبطل، لأنه حصل بفعله.
ثم قال ما نصه: وهذا ما صححه في ((الوجيز)) كما قال الرافعي، والذي رأيته في بعض النسخ تصحيح الأول، موجهًا له بأنه غير آثم. وقال الرافعي: هذه علة الفطر. ومعنى قوله: ليس بآثم، إن الإكراه إنما يؤثر في دفع الإثم. انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي- ﵀ لم ينقل ذلك عن ((الوجيز))، كما قاله المصنف، بل عبر بقوله: ((وهذا أصح عند صاحب الكتاب))، من غير تعرض لـ ((الوجيز)) ولا لغيره.
قوله: وقد قال بعض أصحابنا بإجراء القولين فيما إذا فعل به شيء من ذلك مكرهًا، حكاه القاضي أبو الطيب في ((تعليقه))، وكذا الرافعي وقال: إنه غريب. انتهى كلامه.
وما حكاه عن القاضي والرافعي من حكاية الخلاف في جميع ما قاله الشيخ فغلط: فأما القاضي فلم أر في ((تعليقه)) حكاية الخلاف إلا في الأكل والمرأة إذا جومعت، وأما الرافعي فإنه لم يحكه إلا في الأكل خاصة، ولهذا قال النووي في ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف في عدم الفطر بشيء من هذه الأمور إذا فعلت به مكرهًا إلا في الأكل على وجه.
قوله- في الكلام على ما إذا وطئ زوجته وهو صائم-: وفي الكفارة ثلاثة أقوال: أحدها: تجب على كل واحد منهما كفارة.
والثاني: تجب عليه دونها.
والثالث: تجب عليه كفارة عنه وعنها.
ثم قال- نقلًا عن الجمهور-: قالوا: نص في ((الإملاء)) على أن على المرأة الكفارة، ونص في عامة كتبه على أنها لا تجب عليها. وهذه عبارة القاضي أبي الطيب والماوردي. انتهى.
وعبارة الماوردي: ذكر الشافعي في بعض أماليه أن عليهما كفارتين، فخرجه بعض أصحابنا قولًا ثانيًا، وليس بصحيح. هذه عبارته، فلم يذكر الماوردي أن الشافعي نص عليه في ((الإملاء))، بل عن بعض أماليه، وللشافعي أمالٍ قديمةٌ وجديدة، و ((الإملاء)) عندهم غير الأمالي.
стр. 253
قوله: وعلل أبو طاهر الزيادي عدم الوجوب على المرأة بأنها أفطرت بوصول أول جزء من الحشفة، وحكم الجماع إنما يترتب على إدخال الحشفة، فأفطرت لا بالجماع.
ثم قال: وعبارة الرافعي: أن الأكثرين زيفوه- أعني قول الزيادي- بأن قالوا: يتصور فساد صومها بالجماع بأن يولج وهي نائمة أو ناسية أو مكرهة، ثم تستيقظ أو تتذكر أو تطاوع بعد الإيلاج، وتستديمه، والحكم لا يختلف على القولين. قال بعض الفضلاء: وهذا لا يتوجه به فساد قول الزيادي. وأنا أقول: فساد قول الزيادي ظاهر بما حكاه القاضي الحسين عنه، فإنه قال في ((التعليق)): وكان الزيادي يقول: لا يتصور الخلاف في هذه المسألة، لما ذكرناه من العلة، قال القاضي: إلا أنهم يصورنه فيما لو جومعت مكرهة فطاوعت في أثنائه، أو ناسية فتذكرت في خلاله فأصرت على ذلك، ففطرها حصل بالجماع لا محالة. انتهى كلامه.
وما قيل من أن فساده ظاهر بما حكاه عنه القاضي، إن أراد أن الإفساد جاء من مطاوعتها بعد الإكراه وتذكرها بعد النسيان ونحوهما، وهو الظاهر- فهو عين ما حكاه الرافعي وغيره، وأيضًا: فقد صرح هو في عبارته بأن القاضي لم ينقله عنه. وإن أراد به ما قاله من كونه لا يتصور فيه الخلاف، فهذا هو الكلام الذي يحاول إفساده، فيكون هو الفاسد لا المفسد، ولم يذكر المصنف مستند ما ادعاه هذا الفاضل من كونه لا يتوجه به إفساد قول الزيادي، والظاهر: أن الإشارة إلى ما قبل كلام الرافعي وهو اتفاق الأئمة على أن القياس وجوب الكفارة عليها، وعدم توجهه على الزيادي ظاهر، وأما عوده إلى ما نقله الرافعي فغير مستقيم.
قوله: أما إذا كان الوطء في الموضع المكروه فالحكم في القضاء كما تقدم، وكذا الكفارة في حق الرجل، وأما المرأة فلا يجب عليها وفاقًا كما قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي، وكذا حكم الرجل في الدبر. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من دعوى الوفاق في المرأة، وأن نقل ذلك عن أبي الطيب والبندنيجي- فلا أصل له:
أما أبو الطيب فإنه لم ينقل شيئًا من ذلك، إلا أنه في ((تعليقه)) - وهي التي يريدها المصنف- نقل عن أبي حنيفة أن الواطئ في الدبر لا كفارة عليه وأن الموطوءة في القبل تجب عليها كفارة كما تجب على الرجل، فاستدل القاضي على أبي حنيفة في إيجابه على المرأة، بقوله: إنها موطوءة، فلم تجب عليها كفارة الوطء، أصله: إذا
стр. 254
وطئها في الموضع المكروه. هذا لفظ القاضي، ولم يذكر في ((تعليقه)) مع الاستيعاب غير ذلك.
وأما البندنيجي فقال في ((الذخيرة)): مسألة: وسواء الواطئ في القبل أو في الدبر فإن الكفارة تجب، وقال أبو حنيفة: عليه القضاء دون الكفارة.
ثم قال: فإن كانا صائمي، فطاوعته، فأتاها في القبل- ففيه قولان، وإنما فرضنا الوطء في القبل، ليتصور الخلاف مع أبي حنيفة. هذا لفظه في ((الذخيرة))، فتصريحه بأن التقييد إنما هو لأجل مذهب أبي حنيفة صريح في أنه لا فرق على مذهبنا. وأما في ((تعليقه)) الذي ينقل عنه المصنف، وهو الذي قال في خطبته: إنه ((تهذيب المذهب)) ويعرف أيضًا بـ ((شرح المذهب)) - فقد رأيت هذا التعليق، بل النسخة التي كان المصنف ينقل منها، فلم أر فيه إلا عكس ما ذكره، فإنه حكى في أول المسألة قولين في أنه هل تجب على المرأة أم لا، وفرع عليهما، ثم قال بعد ذلك ما نصه: وكل حكم ذكرناه بالوطء في القبل فهو في الوطء في الدبر سواء لا يختلفان على ما فصلناه، وسواء كان من الأجنبية أو من امرأته أو من الغلام. هذا لفظه بحروفه، ولم أر فيه- بعد التتبع- غيره، ولم يتعرض في ((تعليقه)) الذي علقه عن الشيخ أبي حامد لحكاية عدم الوجوب عليها، فضلًا عن دعوى الاتفاق عليه، بل ذرك ما يؤخذ منه الوجوب، فإنه لما نقل عن أبي حنيفة أن الكفارة لا تجب بالوطء في الدبر شرع يذكر طريقًا في الرد عليه فقال: إن أخبرت أن تدل على الكفارة فقل: فرج يجب الحد بالإيلاج فيه، فجاز أن تجب الكفارة بالإيلاج فيه كالقبل. هذا لفظه، ووجوب الحد بالإيلاج لا فرق فيه بين الرجل والمرأة، فكذلك الكفارة.
وقد ذكر في كتاب النكاح في باب إتيان النساء في أدبارهن ما هو أصرح من ذلك، فقال: فإذا تقرر أن الوطء في الموضع المكروه محرم، فكل ما تعلق به من إفساده عبادة وإيجاب كفارة وغسل فإنه يتعلق به كتعلقة بالوطء في الفرج، فإذا وطئها في الموضع المكروه وهما صائمان أفطرا، وعليهما الكفارة. هذا لفظه.
وقد ذكر النووي هنا في ((شرح المهذب)) ما هو كالصريح في عكس ما قاله ابن الرفعة، فقال: حكم اللواط وحكم وطء المرأة في دبرها حكم الوطء في جميع ما سبق. وذكر المتولي في ((التتمة)) في آخر الباب الثاني من كتاب الصداق أصرح من ذلك، فقال: الوطء في الدبر إنما يتقاصر عن المجامعة فيما يتضمن تكميلًا مثل التحصين والتحليل، أو يوجب تخفيفًا مثل الخروج عن موجب العنة والإيلاء، فأما
стр. 255
فيما يتضمن تغليظًا فيكون ملحقًا بالوطء كما نقول في وجوب الغسل دون الإنزال وإفساد العبادات. هذا لفظه.
الأمر الثاني: أن ما ذكره من أن إتيان الرجل في الدبر كوطء المرأة في الموضع المكروه في عدم إيجاب الكفارة على المفعول به، واقتضى كلامه الاتفاق عليه- أيضًا- فليس كذلك، فقد جزم العمراني في ((البيان)) و ((الزوائد)) بخلافه، فقال- ناقلًا عن القاضي أبي الفتوح في كتاب ((الخناثي)) -: إنه لو أولج رجل ذكره في دبر خنثى مشكل أفطرا، ووجبت الكفارة على كل واحد منهما، قال في ((البيان)): إلا أن يكون المولج فيه جارية للمولج، فتكون كزوجته. انتهى، فجزم بوجوب الكفارة على المولج في دبره.
قوله: وكلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في الخلاف الذي ذكره بين أن يكون قد وطئها وهي ناشز أو لا، وقال في ((البحر)): إن والده كان يقول: إن قلنا بقول التحمل لو لم تكن ناشزًا فهل يتحمل عنها والحالة هذه؟ فيه وجهان، أحدهما: لا، كزكاة الفطر والنفقة، والثاني: نعم. والفرق: أن ذلك يلزمه في مقابلة التمكين، وبالنشوز زال التمكين، والكفارة تلزمه بالجماع لا للتمكين، قال الروياني: وهذا أشبه بكلام أصحابنا، والأول أقيس. قلت: وعندي في تصوير المسألة نظر، لأنه إذا وطئها مكرهة أو نائمة فقد استوفى حقه في تلك الحالة، فزال النشوز بالنسبة إليها، وإنما لم تستحق النفقة، لأنها في مقابلة التمكين في النوم ولم يوجد في جملته، والفطرة تتبعها. انتهى كلامه.
وما ذكره- ﵀ في البحث مع الروياني غفلة، فإن النشوز كما يكون بمنع الجماع يكون بأسباب كثيرة غير ذلك: كخروجها من المنزل، ومنع الاستمتاعات، وإنما يأتي ما قاله أن لو كان النشوز خاصًا بمنع الجماع.
قوله: ولو أكل ناسيًا، فظن أنه أفطر، فجامع عامدًا- لا تجب عليه الكفارة، وفي وجوبها احتمال للقاضي أبي الطيب حكاه عنه في ((المهذب)) و ((البيان))، لأن فطره بالنسيان لا يبيح له الأكل. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن المسألة لا خلاف فيها، وقد ذهب الحليمي في ((المنهاج)) إلى الوجوب، كذا رايته في هذا الباب من ((تعليق)) الإمام محمد بن يحيي حكاية عنه.
قوله: ولو كان المسافر قد قدم من سفره نهارًا مفطرًا، فأخبرته زوجته أنها مفطرة لانقطاع حيضها فجامعها، وكانت صائمة- فإن الكفارة تجب عليها بلا خلاف، ولا
стр. 256
يتحمل عنها، لأنه غرته. انتهى كلامه.
وما ذكره من نفي الخلاف سبقه إليه النووي في ((شرح المهذب))، وليس بصحيح، ففيه وجه مذكور في ((الحاوي)) فقال: خرج وجهٌ أن الكفارة على الزوج وإن غرته، لأجل الاستمتاع. هذا لفظه.
قوله: ولو جامع المجنون زوجته في نهار رمضان، وقلنا بالقول الثالث: إنه يجب عليها، ويتحملها عنها الزوج- فهل يتحملها عنها هاهنا، أم تجب في مالها؟ فيه وجهان.
ثم قال: وقد ألحق الرافعي بالمجنون في هذا الصبي المراهق إذا قلنا: لا كفارة عليه في نفسه. وكذا ألحق به الناسي والنائم إذا استدخلت ذكره. انتهى.
وما حكاه عن الرافعي من إلحاق النائم بالمجنون حتى يجري فيه الخلاف فحكايته عنه صحيحة، لكن سكوته عليه غريب مشعر بموافقته عليه وعدم اطلاعه على خلافه، مع أنه ليس الأمر في ذلك كما قاله الرافعي، بل هو فاسد معنى، لأنه لم يوجد منه فعل بالكلية، ونقلًا، لأن الموجود في كتب المذهب إنما هو الجزم بعدم الوجوب، ولم يخرجه على ذلك أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، مع كثرة تتبعي لكلامهم وحضور مصنفاتهم عندي، فقد جزم بعدم الوجوب عليه البندنيجي في ((الذخيرة)) وابن الصباغ في ((الشامل)) والجرجاني في ((الشافي)) و ((التحرير))، مع جزمهم في المجنون بأنه تتحملها عنه على خلاف ما صححه الرافعي، وجزم به- أيضًا- أبو علي الطبري في ((الإفصاح))، ونقل أنه لا خلاف فيه فقال: وأما إذا كان زوجها مغلوبًا أو نائمًا، فجاءت فأدخلت ذكره في فرجها- فلا كفارة على الزوج وجهًا واحدًا، لأنه لم يكن من جهته فعل معصيةٍ. هذا لفظه، ومن ((الإفصاح)) نقلته، وجزم به- أيضًا- سليم الرازي في ((المجرد)) والشيخ أبو إسحاق في ((المهذب)) و ((الشاشي)) في ((المعتمد)) والطبري في ((العدة)) وأبو الفتح سلطان في كتابه ((التقاء الختانين)) والعمراني في ((البيان)) والقاضي مجلي في ((الذخائر))، وجزم به من الخراسانيين القاضي الحين في ((تعليقه)) والمتولي في ((التتمة)) والبغوي في ((التهذيب)) وغيرهم، هذا مع وقوع الخلاف في المجنون في كلام كثير منهم كالقاضي الحسين، وصاحب ((العدة))، والشيخ في ((المهذب))، وصاحب ((المعتمد))، و ((البيان))، وسلطان المقدسي، وغيرهم، فثبت بطلان ما وقع في كلام الرافعي وارتضاه المصنف.
стр. 257
قوله: ولو فسد الصوم بالجماع، ثم طرأ ما يبيح الفطر فيه كالمرض، أو يسقط صومه كالحيض والجنون والموت- ففي سقوط الكفارة قولان، الراجح منهما عند العراقيين: عدم السقوط.
ثم قال: وجزم طائفة- ومنهم القاضي الحسين- بأن طرآن المرض لا يسقطها كطرآن السفر، وحكاية القولين في طرآن الجنون والحيض- وصحح المتولي منهما قول السقوط. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن المتولي والقاضي قد ذكرا المسألتين معًا. وأنهما قد حكيا الخلاف فيهما قولين، ولم يتعرض القاضي في ((تعليقه)) لمسألة الجنون بالكلية، وحكيا الخلاف في مسألة الحيض وجهين، وأما المتولي فإنه ذكر المسألتين، لكن حكى الخلاف فيهما وجهين.
وما ادعاه المصنف- أيضًا- من أن العراقيين رجحوا الوجوب فغريب، فقد ذكر شيخهم الشيخ أبو حامد في ((تعليقه)) هذه المسائل الثلاث، ولم يرجح شيئًا فيها، وتبعه من العراقيين- أيضًا- على عدم التصحيح سليم الرازي في ((المجرد)) والماوردي في ((الحاوي)) والشيخ أبو إسحاق في ((المهذب)) وابن الصباغ في ((الشامل)) والشاشي في ((الحلية)) و ((المعتمد))، والعمراني في ((البيان))، وما أدري ما مستندة في إطلاق هذا النقل عن العراقيين؟ نعم، رجح ذلك منهم الجرجاني في ((الشافي)).
قوله: تفريعًا على قول التحمل-: لو كانت من أهل العتق وهو من أهل الإطعام، قال البندنيجي والماوردي: أطعم عن نفسه، وكان العتق في ذمته حتى يقدر فيعتق عنها. انتهى كلامه.
ومقتضاه: أنه لابد من إخراج الطعام الآن والعتق بعد ذلك، ولم يذكره الماوردي هكذا، بل خير الزوج بين هذا وبين أن يعتق فيسقط الإطعام.
قوله: واختلفوا في قوله- ﵊ في الوصال: ((إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى)) على أوجه.
ثم قال: والثالث- حكاه في ((الشامل)) والقاضي الحسين-: أنه يطعم ويسقى من طعام الجنة وشرابها، وإنما يقع الفطر بطعام الدنيا وشرابها، قال القاضي: وقد روي هذا مفسرًا، لأنه قال: ((أبيت فيحمل إلى الطعام والشراب من الجنة)). انتهى كلامه.
ودعواه أن الفطر إنما يحصل بما في الدنيا ذكره للرد على من قال: إن هذا الأكل
стр. 258
ينفي حقيقة الوصال، ومقتضى كلامه: أن حصول الفطر بهما من كلام القاضي وابن الصباغ، فأما القاضي فمسلم، فإنه قد ذكر في ((تعليقه)) ما يؤخذ منه، وأما ((الشامل)) فلا، بل فيه العكس، فإنه قال: فأما قوله: ((يطعمني ويسقيني)) فمن الناس من قال يطعم ويسقى على الحقيقة من الجنة، ومنهم من قال: إنما أراد بذلك أنه يقويه ويعينه بمنزلة ما يحصل من الطعام والشراب، ولو كان إطعامًا على الحقيقة لم يكن مواصلًا. هذا كلام ((الشامل)).
قوله: ((فإن شوتم فليقل: إني صائم)).
ثم قال ما نصه: قال في ((الشامل)) - وتبعه الرافعي-: قال أصحابنا: وليس معناه: أن يقول ذلك بلسانه لخصمه، فإن ذلك يشبه المراءاة في العبادة، ولكن معناه: أنه يقول لنفسه: إني صائم، فيكف لسانه عنه. ثم قال ابن الصباغ: ويحتمل إجراء اللفظ على ظاهره ويقوله، لا لقصد الرياء. انتهى كلامه.
وما نقله عن ((الشامل)) من حكاية ذلك عن الأصحاب فغلط، فإنه لم ينقله عنهم ولا عن أحد منهم، بل عن بعض الناس، فإنه قال: عن بعض الناس أنه قال: هذا لا يتلفظ به. هذه عبارة ((الشامل)) بحروفها.
قوله: وعن القاضي الحسين أنه قال: والغالب أنه في ((الفتاوي)): الأولى في زماننا أن يفطر على ماء يأخذه بكفه من النهر، ليكون أبعد عن الشبهة، فإن الشبهات قد كثرت فيما في أيدي الناس. انتهى كلامه.
واعلم أن القاضي لم يتعرض في ((فتاويه)) لهذه المسألة بالكلية، على خلاف ما ظنه من كونه فيها، وأما ((التعليقة)) فإنها مختلفة، كما أوضحناه في مقدمة ((المهمات))، فالتعليقة التي وقعت للمصنف قد جزم فيها بما قاله غيره، فقال- بعد الكلام على أن الصائم ينزه صومه من الكلام القبيح-: إن من سسن الصوم الإفطار على تمر، فإن لم يكن فمذقة لبن، فإن لم يكن فشربة من نهر، وإلا فليصب من الكوز على اليد. هذا كلامه، فجعل الشرب من النهر في ثالث مرتبة، ولأجل الجزم بالمقالة المشهورة في النسخة الواقعة للمصنف ظن أن ذلك في ((فتاويه))، وأما النسخة الأخرى ففيها ما نقله الرافعي عنه، ذكر ذلك في آخر كتاب الصيام، وقد اجتمع التعليقان عندي، والحمد لله تعالى.
قوله: الثاني: لو أخر القضاء رمضانين أو أكثر، فالأصح في ((الحاوي)) والمذهب في ((تعليق)) البندنيجي: أنه يجب مد واحد. والصحيح في ((النهاية)) - قال في ((البحر)):
стр. 259
وبه قال عامة أصحابنا-: تكرر المد بتكرر السنين، وعلى هذا: لو كان عليه قضاء أيام، ولم يبق بينه وبين رمضان السنة الثانية ما يتأتى فيه قضاء جميعها- فهل يلزمه في الحالة الفدية عما لا يسعه الوقت، أم لا يلزمه إلا بعد مجيء رمضان؟ فيه وجهان. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن ((البحر)) وإن كان صحيحًا، لكنه رجح خلافه فقال: الأظهر عندي: أن المد لا يتكرر.
الثاني: أن الخلاف في وجوب الفدية عما لا يسعه الوقت قبل مجيء رمضان لا ينبني على الخلاف في تكرر الفدية بتكرر السنين، بل هو جاز على القول بالتكرار، وبخلافه.
قوله- فيما إذا فاته الصوم بغير عذر-: قال في ((التهذيب)) - والحالة هذه-: ليس له التأخير بعذر السفر، فلو أخره وفعله قبل أن يأتي رمضان آخر: إما لسفر، أو لغيره- قال في ((التتمة)): فلا شيء عليه. انتهى.
وهذا الكلام يوهم إيهامًا ظاهرًا أن صاحب ((التتمة)) يقول: إذا أدركه رمضان قبل فعله تلزمه الفدية، سواء كان بعذر السفر أم لا، وليس كذلك، فقد صرح صاحب ((التتمة)) بأنه إذا تركه لغير عذر، وأخره بعذر السفر حتى دخل رمضان آخر- فلا شيء عليه، وكلامه في الحقيقة معارض لكلام البغوي.
قوله: ولو مات بعدما أدركه رمضان، وتمكن من القضاء قبله: فهل يقضى عنه مدان أو مد واحد؟ فيه وجهان: فإن قلنا بالمد فالذي حكاه ابن الصباغ: أنه بدل الصوم، فإذا أخرجه زال التفريط بالتأخير، فلم يجب لأجله شيء، والذي حكاه أبو الطيب والبندنيجي: أنه في مقابلة التأخير، ويسقط حكم القضاء، لأن التأخير إذا انجبر فكأن العذر اتصل إلى الموت، وإذا اتصل العذر كان القضاء غير واجب، وهذا قد نسبه القاضي الحسين إلى الإصطخري، وحكى الماوردي عن ابن سريج أنه قال: يجب عليه مد واحد، لأن الفوات يضمن بالمد الواحد. انتهى كلامه.
وما حكاه عن البندنيجي فقد صرح البندنيجي في ((الذخيرة)) بخلافه، فقال: وقال أبو العباس: مد واحد لأجل الفوات، ولا شيء للتأخير، كما لو مات قبل خروج وقت القضاء. هذا لفظه، غير أن المصنف إنما ينقل من ((التعليقة)) المعروفة بـ ((شرح المذهب))، وفيها ما ذكره المصنف.
стр. 260
قوله: وعلى هذا- أي صيام الولي عن الميت- فمن هو الولي؟ قال الغزالي: يحتمل أن يراد به هنا الوارث، وهو ما حكاه في ((البحر)) عن بعض الأصحاب لا غير، ويحتمل أن يراد به العصبات، وأن يراد به القريب وارثًا كان أو غير وارث. وفي ((الروضة)): أنه المختار، ولا يجب على الولي الصوم اتفاقًا كما قاله الشيخ أبو محمد والبغوي، بل هو مستحب. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن هذه الاحتمالات الثلاثة قد أبداها الإمام في ((النهاية)) لنفسه، ورجح منها اعتبار الإرث، وذكرها الغزالي على عادته في تلخيص ما في ((النهاية))، على خلاف ما أوهمه كلام المصنف من أنها الغزالي، والعجب أن الرافعي قد نقلها عن الإمام- أيضًا- فذهل عنه المصنف، وقد جزم الماوردي في ((الحاوي)) بأن المراد به القريب على وفق ما اختاره الإمام، فقال في كتاب الوصايا: وكان الشافعي في القديم يجوز النيابة في صوم الفرض إذا ناب عنه وارثه، وصرح القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)) بأنه القريب كما اختاره النووي.
الأمر الثاني: أن ما نقله المصنف من نص الجويني الاتفاق على عدم الوجوب فصحيح، فقد نقله عنه في ((النهاية))، وأما البغوي فلا، فإنه لم يتعرض له، وإنما جزم بالوجوب فقط.
الثالث: أن الوجوب ليس متفقًا على نفيه، فقد جزم القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)) بوجوب الصوم، فقال: وقال في القديم: يجب الصيام عنه.
ثم قال: وقال أحمد: إن كان الصوم نذرًا وجب قضاؤه، وإن كان قضاء رمضان وجب الإطعام.
ثم قال- أيضًا-: فإذا قلنا يجب أن يصام عنه هذا. كله لفظه، وجزم به- أيضًا- أبو عوانة في ((صحيحه)) في ترجمة الباب، وهو معدود من الأصحاب.
قوله: ولو كان عليه قضاء يومين، فتمكن من قضاء أحد اليومين، وبقي الإمكان إلى نصف اليوم الثاني، ثم مات- وجب الإطعام لليوم الأول، وفي اليوم الثاني وجهان، وأصلهما: إذا قدر على صوم نصف يوم هل يلزمه صوم يوم، أم لا يلزمه شيء؟ فيه وجهان، وأصلهما أيضًا: أن وجوب بعض اليوم هل يستدعى وجوب الباقي؟ فيه وجهان، وهو في الكافر يسلم، قاله في ((البحر)). انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: قدر على نصف يوم، تحريف وغلط، وصوابه الذي في ((البحر)):
стр. 261
نذر نصف يوم.
تنبيه: ذكر في الباب ألفاظًا سبق بعضها:
منها: ((اختان)) بمعنى ((خان))، قال تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: يخون بعضكم بعضًا، قاله الجوهري.
ومنها: صرمة بن قيس.
هو بكسر الصاد المهملة وسكون الراء.
ومنها: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء.
أما ((الربيع)) فبضم الراء وكسر الياء المشددة، ومعوذ: بتشديد الواو المكسورة وبالذال المعجمة، وعفراء: بعين مهملة وفاء ساكنة
ومنها: المثانة- بالثاء المثلثة- مجمع البول، وهو باطن العانة.
ومنها: ذرعه القيء، أي: غلبه، بالدال المعجمة.
ومنها- في حديث عمر-: هششت، هو بهاء وشينين معجمتين، تقول: هششت بفلان- بالكسر- أهش، بالفتح، هشاشة: إذا خففت إليه وارتحت إليه.
ومنها: الباسور- بالباء الموحدة والسين المهملة- واحد ((البواسير))، وهو كالدمل يحدث في مجرى الغائط وفي داخل الأنف أيضًا.
ومنها: الحديث: ((قم يا بلال فاجدح لنا)) يقال: جدح السويق، واجتدحه- بجيم ثم دال وحاء مهملتين-: أي لته.
стр. 262
باب صوم التطوع
قوله: ويستحب صيام أيام البيض، لما روى أو داود عن ابن ملحان القتبي عن أبيه قال: ((كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة))، والصحيح أن أيام البيض هي هذه، للخبر.
ثم قال ما نصه: وقيل: إنها الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر، قاله في ((الحاوي))، ويعزى إلى الصيمري. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره بـ ((القتبي)) تحريف، وإنما هو ((القيسي))، نسبة لـ ((عبد القيس))، وملحان. بكسر الميم وبالحاء المهملة.
الثاني: أن ما عزاه إلى الصيمري صحيح، فإنه قد حكى في ((شرح الكفاية)) وجهين، وصحح ما نسبه إليه، وأما نقله ذلك عن ((الحاوي)) فإنه لم يحكه وجهًا بالكلية، فضلًا عما يوهمه كلامه من الجزم به، بل إنما حكى الخلاف بين الناس، فقال في باب صيام عرفة: اختلف الناس فيها- يعني أيام البيض- هل كانت فرضًا ثم نسخت؟ ثم قال: واختلفوا في زمانها، فقال بعضهم: الثاني عشر وما يليه، وقال آخرون: الثالث عشر وما يليه. هذا لفظه، وقال قبل ذلك في رابع فصل من كتاب الصيام: اختلف الناس في شهر رمضان: هل كان ابتداء فرض الصيام، أو ناسخًا لصوم تقدمه؟ على مذهبين.
ثم قال: ولهم في الأيام البيض مذهبان. ثم حكى ما تقدم، والموقع للمصنف في هذا هو النووي، فإنه حكاه عنه في ((زيادات الروضة)) وغيرها.
قوله: ولا يجوز صوم يوم الشك، أي: تطوعًا مطلقًا أو تحريا لرمضان كما قال البندنيجي، لما روى أبو داود عن صلة- وهو ابن زفر- قال: كنا عند عمار ... إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا الكلام يقتضي أن البندنيجي قال بتحريمه، سواء صامه تطوعًا أو
стр. 263
تحريا لرمضان، وليس كذلك، بل البندنيجي قائل بالكراهة لا بالتحريم، فإنه قال في ((تعليقه)) الذي ينقل عنه المصنف: ولا يجوز أن يصوم العيدين، وكذا أيام التشريق على الجديد.
ثم قال ما نصه: فأما يوم الشك فمكروه أن يقصده بالصوم. هذا لفظه، وقد صرح هو به في آخر المسألة على الصواب، فقال: وقد وافق الشيخ في عبارته- يعنى عدم الجواز- صاحب ((التتمة))، وعبارة ابن الصباغ والبندنيجي وصاحب ((البحر)) والفوراني والقاضي الحسين: أن صوم يوم الشك مكروه. هذا لفظه، وسبب الوهم: أن البندنيجي قد قال بأنه لا فرق بين صومه عن التطوع أو رمضان، فضم المصنف هذا التقسيم إلى عبارة الشيخ، فوقع في الخطأ.
الأمر الثاني: أن صلة: بصاد مهملة مكسورة ثم لام مفتوحة، وأما زفر: فبزاي معجمة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، وقد تحرف على المصنف فتفطن له.
واعلم أن المصنف بعد الكلام الأول بأسطر قلائل، في الكلام على انتصاف شعبان- قد قال ما نصه: وجزم به في ((المهذب))، والقائل بالأول ... إلى آخر كلامه، ومراده بالأول: اختصاص عدم الجواز بيوم الشك، فاعلم ذلك، فإنه ملبس يتعين التنبيه عليه.
قوله: ولو صام يوم الشك عن فرض صح، وهل يكره؟ فيه وجهان، قيل: مختار أبي الطيب: الكراهة، وهو الذي جزم به في ((المهذب))، وقال في ((الحاوي)): إنه مذهب الشافعي، ﵁. والذي رأيته في ((تعليق)) أبي الطيب: أنه يسقط عنه الفرض، ولا ثواب له، ويكون بمنزلة الصلاة في الدار المغصوبة. واستبعد ابن الصباغ ما حكي عن أبي الطيب من الكراهة، وقال: لم أره لغيره من أصحابنا. وما قاله مخالف للقياس، لأنه إذا جاز أن يصوم فيه تطوعًا له سبب كان الفرض أولى، كالصلاة في الوقت المنهي عنه، ولأنه لو كان عليه يوم من رمضان فقد تعين عليه فعله فيه، لأن وقت القضاء قد ضاق، ولأجل ذلك قال في ((المرشد)): إن صامه عن قضاء رمضان ينبغي ألا يكره، لأنه متعين. انتهى كلامه.
وما ذكره من إنكار الكراهة في ((تعليق)) أبي الطيب غريب، فقد صرح به قبل هذا النقل الذي ذكره بقليل، فقال ما نصه: عندنا أن صوم يوم الشك مكروه، فإن صامه تطوعًا فلا ثواب له، وإن صامه عن فرض سقط الفرض ولا ثواب له أيضًا. هذا لفظه، وهو يقتضي أنه لا فرق في كراهة النفل بين ما له سبب وما لا سبب له.
стр. 264
واعلم أن الوجهين المذكورين في دفع الكراهة هما لابن الصباغ، وكلام المصنف يقتضي قوتهما، وهما باطلان:
أما الأول- وهو القياس على النفل- فذهول عن مدرك قطعي الصحة غامض الإدراك، وهو أن صيام الفرض فيه لا يبرئ الذمة بيقين، لاحتمال أن يكون من رمضان ورمضان لا يقبل غيره، وهذا المعنى لا يأتي في التطوع، فإن غاية ما يلزم منه على تقدير كونه من رمضان ألا يعتد بما أتى به، وهذا الكلام كله على تقدير تفرقة القاضي بين الفرض والنفل ذي السبب، وقد تقدم أن كلام القاضي في ((التعليق)) يقتضي أنه لا فرق، وابن الصباغ في نقله هنا عن القاضي قد صرح بأنه ينقل من ((تعليقه)).
وأما الوجه الثاني فدليل على عدم فهم المراد من كراهة الفرض في الأوقات المكروهة، وذلك أنه قد تقدم في الصلاة: أن الصبح يكره فعلها عند ظهور الشعاع، والعصر عند اصفرار الشمس، قالوا: وليس المراد من الكراهة: أنه مأمور بترك الصلاة، بل الفعل واجب عليه، ولكن المراد أنه يكره التأخير إلى ذلك، فإن أخر تضيق عليه، ولزمه الإتيان به، وقالوا- أيضًا- هناك بكراهة تأخير الفائتة ليصليها في وقت الكراهة، وما قالوه هناك فهو الذي بعينه يقال هنا، فالرد بما ذكروه هنا غلطة فاحشة.
стр. 265
باب الاعتكاف
قوله: وأما حده شرعًا فهو اللبث والإقامة في المسجد بقصد القربة، من مسلم عاقل، طاهر من الجنابة والحيض والنفاس، صاح كاف نفسه عن قضاء شهوة الفرج، مع الذكر. انتهى كلامه.
وهذا الحد يرد على أمور:
أحدها: أن ذكر اللبث لا فائدة له بالكلية.
ثانيها: أنه إذا نذر اعتكاف مدة، ثم خرج لقضاء الحاجة ونحوها مما ذكروه- فإنه في حالة خروجه معتكف على الصحيح مع أنه ليس في مسجد.
ثالثها: أن من أقام في المسجد لا لغرض الاعتكاف ولكن لغيره من القرب كقراءة وصلاة، واجتمعت فيه هذه الشرائط المذكورة- فإنه ليس بمعتكف، مع أن الحد صادق عليه.
قوله: وخرج بقولنا: مع الذكر، قضاء شهوة الفرج ناسيًا، فإنه لا يفسد الاعتكاف على الصحيح كما لا يفسد الصوم، وقد قال الرافعي: إن الجهل بتحريم ذلك كالنسيان للاعتكاف في الإفساد. فعلى هذا: ينبغي أن يضاف قيد ((العلم)) بالتحريم إلى الحد، لكني لم أذكره لشيء سأبديه: وهو أنا قد ذكرنا أن النية لابد منها، وشرط المنوي أن يكون معلومًا للناوي، وحينئذ فلا تصح نية الشيء ما لم يعلم ما هو ذلك الشيء، فلا يتصور الجهل بتحريم الجماع في الاعتكاف مع صحته إذن، ولأجل ذلك صور العلماء الأكل والجماع في الصوم جاهلًا: بأن يكون قد أكل ناسيًا، فاعتقد أنه أفطر به، فأكل أو جامع عامدًا بناء على أنه أفطر، وأن ذلك بعد ذلك ليس بحرام، لكنه قد يفرض مثل هذا هنا أيضًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من تصوير الجهل في الصوم بالتصوير المذكور، وهو أن يأكل ناسيًا، فيعتقد الفطر، فيأكل- غير مستقيم، لأن الحكم فيهما مختلف، وقد صرح باختلافه الرافعي والنووي في كتبهما، فصححوا في الجاهل أنه لا يفطر،
стр. 266
وصححوا فيمن ظن الفطر فأكل أنه يفطر، كذا ذكره الرافعي في أواخر الكلام على وجوب الكفارة بالجماع.
الأمر الثاني: أن إطلاق نقل هذا التصوير عن العلماء غريب، فإنه لا يعرف إلا لبعض المصنفين المتأخرين، وقد نقله هو كذلك في الموضع الذي هو مظنة بسط المسألة وهو كتاب الصيام، فقال ثم: صورة الجهل المؤثر في عدم بطلان الصوم: أن يقدم على ذلك، لكونه حديث عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة، كما قاله البغوي، وتبعه الرافعي. وبعض المتأخرين صوره بما إذا أكل ناسيًا أو اغتاب، فظن أنه أفطر بذلك فتعاطى المفطرات. هذا لفظه، على أن هذا السؤال الذي ألجأ المصنف إلى ما ألجأه هو إليه من هذا التصوير الباطل وغيره جوابه ظاهر جدًا، وهو أن جهل الأشياء الغريبة عند العوام كابتلاع الحصاة ونحوه، وكالأشياء المختلف فيها عندنا كجمع الريق وابتلاعه ونحوه، والتوقف في هذا وأمثاله مما لا رجحان فيه، بعد الجزم بنية الإمساك عن الأكل والشرب ونحوهما- لا يقدح بلا شك، وإلا لزم بطلان صوم المجتهد بتوقفه في هذه الأمور، وكذلك المقلد، للاختلاف في كثير من المسائل في كل مذهب اختلافًا لا ترجيح فيه بالكلية أو عن الناوي إذ ذاك.
قوله: ويكفيه أن ينوي الاعتكاف إن كان متطوعًا به، ويقيم ما شاء الله، قال الإمام: وكان شيخي يتردد في مثل هذه الصورة في الصلاة، ويقول: إذا نوى المتطوع الصلاة ولم يربط قصده بأعداد من الركعات، فالوجه: تصحيح ركعة وركعتين وثلاث وأربع إن اقتصر عليها، فأما المزيد فلم يرد فيه ثبت على الاسترسال، ففيه نظر. انتهى.
وقول المصنف: في مثل هذه الصورة في الصلاة، يقتضي أن التردد ليس في الاعتكاف، بل خاص بالصلاة، وهو خلاف ما ذكره الإمام، فإن الإمام قد أدخل واو العطف على قوله: في الصلاة، فقال: ((في مثل هذه الصورة وفي الصلاة))، فنسي المصنف ذكرها، فلزم تغيير الحكم، وقد وقع على إثبات الواو في اختصارها الشيخ عز الدين فقال: تردد أبو محمد في هذا وفيمن أطلق نية الصلاة.
قوله: ولو نذر أن يعتكف يومًا هو فيه صائم لزمه الاعتكاف في أيام الصوم، سواء كان صائمًا لأجل الاعتكاف أو لغيره، وهذا مما لا خلاف فيه، صرح به الرافعي. وإن قال: لله علي أن أعكف يومًا صائمًا إن شفى الله مريضي، فشفاه الله- تعالى- لزمه اعتكاف يوم وصيام يوم بلا خلاف، لكن هل يتعين صوم يوم الاعتكاف، للخروج عن موجب النذر، حتى لو اعتكف بغير صوم أو صام بدون اعتكاف لا يجزئه، أو لا
стр. 267
يتعين فيجزئه أن يعتكف يومًا ويصوم آخر؟ فيه وجهان مأخوذان من قول الشافعي في ((المختصر)): ((فإن نذر اعتكافًا بصوم فأفطر استأنف))، فمنهم من قال- وهو أبو علي الطبري-: أراد: استأنف الصوم، فأما الاعتكاف فلا، لأن الصوم ليس شرطًا عند الإطلاق فكذا عند النذر، كما لو قال لله: علي أن أعتكف مصليًا. ومنهم من قال: أراد أن يستأنفهما جميعًا ... إلى آخره.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في إيجاب صوم يوم في مسألة ما إذا قال: لله علي أن أعتكف يومًا صائمًا، ليس كذلك، بل فيه وجه: أنه لا يلزم لأجل هذا النذر صيام حتى لو اعتكف في رمضان أجزأه، صرح به الرافعي في كتاب النذر في الكلام على نذر إتيان المسجد الحرام، وقد ذكره المصنف هناك في قول الشيخ: وإن نذر أن يمشي إلى مسجد رسول الله ﷺ )).
الأمر الثاني: أن ما أسنده إلى أبي علي الطبري من عدم وجوب الجمع وتفسير لفظ الشافعي، وقع لصاحب ((الشامل)) فقلده فيه الشاشي ثم الرافعي ثم المصنف، وليس كذلك، فإنه ذكر في ذلك احتمالين ولم يرجح شيئًا منهما، فقال ما نصه: قال الشافعي: ((إن نذر اعتكافًا بصوم فأفطر، استأنف))، وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يستأنف الصوم والاعتكاف جميعًا، لأنه لم يأت به على حسب شرطه، والثاني: يأتي بالصيام دون الاعتكاف، لأن الصيام ينفرد عن الاعتكاف، وينفرد الاعتكاف عنه. هذا لفظه، ومن ((الإفصاح)) نقلته. وقول ابن الرفعة في أول المسألة: إن الرافعي صرح بنفي الخلاف، أراد به لزوم الاعتكاف في أيام الصوم، ولم يرد به عدم التفرقة بين أن يصوم لأجل الاعتكاف أو لغيره، فاعلمه، فإن كلام المصنف موهم، والمذكور في ((الرافعي)) هو ما ذكرته.
قوله: والأفضل أن يكون في الجامع.
ثم قال: أما إذا قلنا بصحته، أي: صحة اعتكاف المرأة في مسجد بيتها- فيجوز أن يقال: إنه في مسجد بيتها أفضل، لأنه أستر لها، ويجوز أن يقال: إنه في المسجد أفضل، للخروج من الخلاف. والتي يكره لها الاعتكاف في المسجد، وهي التي يكره لها حضور الجماعات- فالاعتكاف في المسجد الجامع في حقها أشد كراهة. انتهى كلامه.
ومقتضاه أنه لم يقف في هذه المسألة على نقل، وهو غريب، فقد نص الشافعي
стр. 268
على كراهة اعتكافها في غيرها، كذا ذكره القاضي الحسين في ((تعليقه))، والشيخ أبو حامد فيما علقه عنه البندنيجي، وسليم الرازي في ((المجرد))، وابن الصباغ في ((الشامل)) والشاشي في ((الحلية)) و ((المعتمد))، والعمراني في ((البيان))، وقال المحاملي في ((المجموع)): إن اعتكافها في بيتها أفضل. ولم يعبر بالكراهة، وأغرب من هذا أن المصنف نفسه قبل هذا الموضع بنحو ورقتين قد نقل عن ابن الصباغ والقاضي الحسين ما نقلته عنهما من كراهة الشافعي اعتكافها في غيره.
قوله- في الكلام على نذر الاعتكاف في غير المساجد الثلاث-: ولأجل ذلك قال الرافعي: إن القول بالتعيين هو الأصح. وقال في ((البحر)): إنه غير صحيح. والمسألة على قول واحد: أنه لا يتعين، وكلام الشافعي محمول على الاستحباب، أو على ما إذا كان قد عين أحد المساجد الثلاثة ... إلى آخره.
وما ذكره هنا عن الرافعي من تصحيح التعيين نقله عنه- أيضًا- في باب النذر، وهو غلط على الرافعي، فإن الأصح في ((الشرحين: الكبير، والصغير)): أنه لا يتعين، وصححه- أيضًا- النووي.
قوله: كما لا يتعين الزمان لنذر الصلاة والصدقة. انتهى.
وما ذكره من أن الزمان لا يتعين في الصلاة، قد ذكر في باب النذر في الكلام على نذر صوم سنة بعينها ما حاصله: أنه يتعين.
قوله: وإن خرج لصلاة الجمعة بطل اعتكافه.
ثم قال: وما ذكره الشيخ في الجمعة هو الذي نص عليه الشافعي في عامة كتبه، وقد حكى عن نصه في ((البويطي)): أنه لا يبطل بالخروج إليها، لأنه فرض فكان ملحقًا بما ذكرناه، قال مجلي: وعلى هذا يحتمل أن يقال: له أن يقيم بقدر سماع الخطبة والصلاة ولا يزيد، ويحتمل أن يقال: له أن يفعل مع ذلك السنة كما صار إليه أبو حنيفة، فإن زاد على القدر المشروع بطل تتابعه. انتهى كلامه.
وإقرار مجلي على هذا الفرع الذي ذكره غريب، فإنه لا يأتي إلا إذا عين في نذره مسجدًا، وقلنا يتعين، وهو وجه ضعيف. نعم، إذا عين المسجد الحرام أو المدينة أو الأقصى تعين، إلا أن الجمعة تقام في هذه الثلاثة.
قوله: ولو خرج لقضاء الحاجة، فعاد في طريقه مريضًا: فإن لم يقف ولا عدل عن الطريق لم يضره، وإن وقف وأطال بطل اعتكافه.
ثم قال ما نصه: وإن قصر فوجهان- أو قولان، كما حكاهما في ((التتمة)) و ((العدة))
стр. 269
- والأصح: أنه لا بأس. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن صاحب ((التتمة)) و ((العدة)) جعلا الخلاف قولين، أو ترددا بين القولين والوجهين، وليس كذلك، ففي ((الرافعي)) عنهما: أنهما جعلاه وجهين، وهو كذلك في ((التتمة)) - أيضًا- وأما ((العدة)) فالمراد بها ((عدة)) أبي المكارم الروياني ابن أخت صاحب ((البحر))، ولم أظفر أنا ولا المصنف- أيضًا- بهذا التصنيف، لكن في ((الرافعي)) عنه ما ذكرته، وإنما نقل المصنف عنه منه.
قوله: وحكى القاضي الحسين عن النص: أن له أن يصلي على الجنازة، وأجرى في ((التتمة)) الوجهين فيها أيضًا.
ثم قال ما نصه: وقال في ((التهذيب)): إن كانت متعينة فلا بأس، وإلا فوجهان، أظهرهما: الجواز. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله- ﵀ عن ((التهذيب)) غلط منه عليه من وجهين، فإن المذكور في ((التهذيب)) عكس ذلك بلا تصحيح- أيضًا- فإنه قال ما نصه: ولو صلى على جنازة في الطريق بطل اعتكافه إن لم يتعين، وإن تعين ففيه وجهان. هذا لفظ البغوي بحروفه.
واعلم أن الرافعي قد غلط- أيضًا- على البغوي فقال: ولو صلى في الطريق على جنازة فلا بأس إذا لم ينتظرها ولا أزور عن الطريق، وحكى صاحب ((التتمة)) فيه الوجهين، وقال في ((التهذيب)): إن كانت متعينة فلا بأس، وإلا فوجهان، والأول أظهر. هذا كلام الرافعي، فوقع المصنف في نسبة عكس ما قاله إليه تقليدًا للرافعي، وفي دعوى أنه جعل الأظهر الجواز، للإيهام الذي حصل في آخر كلام الرافعي حيث قال: ((والأول أظهر))، فإنه من كلام الرافعي، مشيرًا بذلك إلى الطريقة، فتوهم المصنف أنه من تتمة كلام البغوي، فصرح هو به، وهذه آفات النقل عن المتأخرين، ولأجل ذلك عنيت بجمع كتب الشافعي وكتب الأقدمين حسب الطاقة، فرارًا من التقليد، وبالجملة فهذه الطريقة لا ثبوت لها، فإني لم أظفر بها بعد الكشف التام.
قوله- في المسألة-: ولو عرج في طريقه لأجل عيادة المرضى يسيرًا فوجهان حكاهما البغوي والمتولي- أيضًا- وأصحهما: القطع، لأنه تشاغُلٌ يسير لغير قضاء الحاجة. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن البغوي قد حكى الوجهين غلط، وإنما قطع بالبطلان فقال: لو مكث عنده ساعة، أو احتاج إلى العدول عن الطريق أو الوقوف للاستئذان- بطل. هذا لفظه.
стр. 270
قوله: وإن باشر فيما دون الفرج بشهوة، أي: كما إذا قبل أو لمس أو فأخذ ونحو ذلك مما ينقض الوضوء وفاقًا، أو على رأي، كما قاله الإمام- ففيه قولان، وجه البطلان: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧].
ثم قال: وعن الشيخ أبي محمد والمسعودي حكاية طريقة قاطعة بهذا القول. ووجه عدم البطلان ... إلى آخر ما قال.
واعلم أن المنقول عن حكاية الشيخين المذكورين إنما هو القطع بالقول الثاني وهو عدم الإبطال، كذا نقله الرافعي في ((الشرح الكبير))، وذكره في ((الصغير)) بعبارة هي أوضح من عبارة ((الكبير))، وكأن المصنف قد وقعت له نسخة سقيمة من ((الرافعي)) في هذا الموضع فاعتمد عليها، وقد أمعنت الكشف عن هذه الطريقة من الكتب المبسوطة كـ ((البحر)) ونحوه فلم أظفر بها، ولم يذكرها- أيضًا- النووي في ((شرحه للمهذب)) مع كثرة جمعه، بل ذكروا كلهم القطع بعدم البطلان.
стр. 271
كتاب الحج
قوله: والعمرة واجبة في أصح القولين، والثاني: لا، لما روى الترمذي عن جابر أنه- ﵊ سئل عن العمرة: أهي واجبة؟ فقال: ((لا، وأن تعتمر فهو أفضل))، وأجاب الأول عن الحديث بأن في رجاله ابن أرطاة وابن لهيعة وهما ضعيفان. انتهى.
وما ذكره من أن الحجاج بن أرطاة رفعه فقد قال غيره: فإن الترمذي رواه عنه عن محمد ابن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ ، وإن كان المحفوظ- كما قاله البيهقي- إنما هو وقفه على جابر. وأما دعواه أن ابن لهيعة رواه عن جابر مرفوعًا فغلط وقع لصاحب ((المهذب))، فقلده فيه المصنف، بل الذي رواه المذكور إنما هو عدم الوجوب، قال البيهقي: روى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر أنه- ﵊ قال: ((الحج والعمرة فريضتان واجبتان)) قال: إلا أن إسناده ضعيف. وقد ذكر النووي في ((شرح المهذب)) - أيضًا- هذا الاعتراض.
وابن لهيعة: هو عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي قاضي مصر، ويكنى أبا عبد الله. ولهيعة: بلام مفتوحة، ثم هاء مكسورة، بعدها ياء بنقطتين من تحت، وبالعين المهملة، لم يذكر له الجوهري، ولم يزد على قوله: إنه اسم رجل.
قوله: وإذا دخل إلى مكة لحاجة لا تتكرر ففي وجوب الإحرام قولان: فإن أوجبنا فتركه فقد قيل: لا قضاء عليه، لعدم إمكانه، فإنه لو خرج ليقضي فعوده يقتضي إحرامًا جديدًا، فلا يمكنه تأدية القضاء لذلك. وعلى هذا: لو صار حطابا أو صيادًا وجب عليه، ونسب في ((المهذب)) ذلك إلى صاحب ((التخليص)). وقيل: يجب القضاء، وطريقه: أن يتصور بعبور المترددين الذين لا يلزمهم الإحرام للدخول كالحطابين، وينسب هذا- أيضًا- إلى صاحب ((التلخيص))، قال الإمام: وهو في غاية البعد. انتهى كلامه.
وهذا النقل المذكور ثانيًا عن صاحب ((التخليص)) غلط، فإن الذي ذهب إليه هو ما نقله في ((المهذب)) عنه، فقال في أول الحج من ((التخليص)) ما نصه: وكل عبادة
стр. 272
واجبة على المرء إذا تركها فإن عليه القضاء والكفارة، إلا واحدة وهو الإحرام لدخول مكة، فإنه واجب، ومن تركه فلا قضاء عليه ولا كفارة، إلا في مسألة واحدة قلتها تخريجًا: وهو أن رجلًا لو دخل مكة بغير إحرام ولم يكن حطابًا فلا قضاء عليه، وإن صار حطابًا فعليه القضاء في القول الذي لا يوجب الإحرام على الحطابين. هذا لفظ ((التخليص)) ومنه نقلت:
قوله: إحداها: أن يدخل لحاجة تتكرر كالحطابين والصيادين فلا يجب عليهم الإحرام، وقيل بطرد القولين، وقال في ((البحر)) عن صاحب ((التلخيص)): إنه قال: إن قلنا في غيرهم: لا يلزمهم الإحرام، فهؤلاء أولى، وإلا فوجهان. انتهى.
وهذا النقل عن صاحب ((التلخيص)) سهو، فإن حاصله: أنه حكى قولين فيمن لا يتكرر، وطريقة فيمن تكرر، إحداهما: الجزم، والثانية: ذات وجهين، وليس كذلك، فإن صاحب ((التلخيص)) جازم بالوجوب فيمن لا يتكرر، وجازم بحكاية قولين فيمن يتكرر، فإنه قال ما نصه: ويجب على كل من أراد دخول مكة للإحرام بحجة أو عمرة، إلا على واحد وهو المملوك، وفيه قول: أنه رخص للحطابين ومن دخلها لمنافع أهلها. هذا لفظه بحروفه، ثم راجعت ((البحر)) فوجدته إنما نقل ذلك عن صاحب ((الإفصاح))، ثم راجعت ((الإفصاح)) فوجدت الأمر فيه كما نقله في ((البحر)) عنه، إلا أنه لم يصرح بوجهين، بل قال: فيحتمل وجهين. هذا لفظه.
قوله: القسم الثاني: أن يدخلها مقاتلًا لباغٍ أو قاطع طريق، أو خائفًا من ظالم- فلا يلزمه الإحرام، لأن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، ولو كان محرمًا لم يلبسه، وقد كان خائفًا من غدر الكفار وعدم قبولهم للصلح الواقع بينه وبين أبي سفيان. انتهى كلامه.
وما ذكره- ﵀ في هذا الفصل قد ذكره- أيضًا- غيره، وفيه أمور:
أحدها: أن الاستدلال على عدم الوجوب في حق هؤلاء بلبس النبي ﷺ ، ذهولٌ وغفلة، وذلك لأن من خصائصه- ﵊ جواز دخول مكة بغير إحرام على القول بالوجوب على غيره، كما ذكره الرافعي وغيره في كتاب النكاح.
الأمر الثاني: أن قوله: ولو كان محرمًا لم يلبسه، مع قول: وقد كان خائفًا من غدرهم- كلام متدافع غير مستقيم، فإن المحرم الخائف يباح له اللبس بلا خلاف. نعم، يستدل بما روى مسلم عن جابر أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام. هذا لفظ إحدى روايات مسلم.
стр. 273
الأمر الثالث: أن تعليل ترك الإحرام واللبس بالخوف كيف يجتمع مع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]؟! وفي الحديث: ((لما نزلت هذه الآية ترك الحرس)).
قوله: وقد حكى في ((البحر)) عن والده فيما إذا كان قد وجد الزاد والراحلة في حال ردته، ثم أسلم ومات في الحال: هل يقضي عنه أم لا؟ فيه قولان، بناء على أن الردة تزيل الملك أم لا: فإن قلنا: تزيله، لا يلزمه الحج، لأن ملكه زال عن الزاد والراحلة قبل استقرار الحج عليه، وهما شرطان في الوجوب، فصار كزوال الملك بالتلف. وإن قلنا: لا تزيل الملك، لزمه. انتهى كلامه.
وهذا التصوير الذي نقله- ﵀ عن ((البحر)) مخالف للمذكور فيه، فإن صاحب ((البحر)) قال ما نصه: فرع: قال والدي- ﵀: إذا ارتد الرجل بعدما وجد الزاد والراحلة وقبل إمكان الأداء، ومضى وقت الحج في الردة: هل يلزمه الحج حتى إذا أسلم ومات في الحال هل يقضى عنه أم لا؟ فيه قولان، بناء على أن الردة تزيل الملك أم لا. هذا لفظه ذكره في أواخر الحج، قبيل باب قتل المحرم للصيد.
قوله: وإن أحرم- أي: المميز- بغير إذن الولي، وصححناه- قال الرافعي: فالزائد على نفقة الحضر يكون على الولي إن لم يحلله. انتهى كلامه.
لم يصرح الرافعي بأنه على الولي، فإنه عبر بقوله: إذا أحرم بغير إذنه وجوزناه حلله، فإن لم يفعل أنفق عليه. هذه عبارته، ولم يبين هل ينفق من ماله أو مال الولي.
قوله: فرع: لو أراد المولى أن يحرم عن العبد، قال الإمام: إن كان بالغًا فليس له ذلك، وهو يحرم عن نفسه. وسكت عن العبد الصغير، والقياس: أن يكون الحكم فيه كما في تزويجه. انتهى.
وقد رأيت في ((الأم)) الجزم بالصحة، فقال في أول كتاب الحج: وإذا أذن للمملوك بالحج، أو أحجه سيده- كان حجه تطوعًا. هذا لفظ الشافعي، ومن ((الأم)) نقلته، وأقل مراتبه حمله على الصغير، والتخريج على النكاح مردود، فإن هذا فيه ثواب وتمرين على العبادة من غير لزوم مال، ولهذا جوزناه للوصي والحاكم، بخلاف الإجبار على التزويج.
قوله- في شروط الاستطاعة-: وأن يكون ذلك فاضلًا عما يحتاج إليه من مسكن وخادم، وقيل: يباعان، وفرقوا بينه وبين الكفارة: بأن العتق في الكفارة له بدلٌ معدول إليه، بخلاف الحج، لكن الذي أورده الأكثرون: الأول. انتهى كلامه.
стр. 274
وما نقله عن الأكثرين هنا قد نقل عنهم عكسه في كتاب الظهار كما تقف عليه في موضعه- إن شاء الله تعالى- والمذكور هنا هو الصواب.
قوله: ولا يلتحق بالمسكن والخادم الحاجة إلى التزويج، فيقدم الحج عليه، اللهم إلا أن يخاف العنت، فيكون صرف المال إلى النكاح أهم من صرفه إلى الحج. هذه عبارة الجمهور، كما قال الرافعي، وعللوه بأن حاجة النكاح ناجزة، والحج على التراخي، قال: والأسبق إلى الفهم من التقديم الذي أطلقوه: أنه لا يجب الحج والحالة هذه، ويصرف ما يملكه إلى مؤنات النكاح، وقد صرح الإمام بهذا المفهوم. قلت: الذي حكاه الإمام عن العراقيين العبارة المذكورة. انتهى كلامه.
وما ذكره- ﵀ مستدركًا على الرافعي من أن الإمام إنما حكى عن العراقيين ما ذكره الجمهور في عبارتهم، غلطٌ عجيب، فإن الإمام قد قال ما نصه: قال العراقيون: لو فضل شيء، وخاف العنت لو لم يتزوج، وكان بحيث يباح له نكاح الأمة- لم يلزمه أن يحج، بل له صرف المال إلى النكاح، لأنه في حكم ضرورة ناجزة، والحج على التراخي، فإذن لا استطاعة ولا وجوب. هذا لفظ الإمام بحروفه، وكأن المصنف اقتصر على نقل أول الكلام ولم ينظر آخره، فوقع في هذا الغلط الفاحش، إذ لا ينبغي الاستدراك إلا بعد تثبت.
قوله: لما روى البخاري ومسلم أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عبادة أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)). قالت: أينفعه ذلك؟ قال: ((نعم، كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه))، فشبه الحج بالدين الذي لا يسقط، فوجب أن يتساويا في الحكم. انتهى كلامه.
واعلم أن هذه الزيادة- وهي قوله: قالت: أينفعه ... إلى آخر الحديث- ليست في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما، بل فيهما الحديث بدونها. نعم، رواها في الحديث المذكور الشافعي في ((الإملاء))، ورواها- أيضًا- أحمد والنسائي بإسناد جيد كما قاله النووي في ((شرح المهذب))، لكن عن رجل لا عن امرأة.
قوله: واعلم أن قول الشيخ: ((ولا يؤدي نذر الحج وعليه فرض الإسلام))، يجوز أن يريد بفرض الإسلام: حج الإسلام، ويجوز أن يريد به فرض الإسلام من حج أو عمرة على الجديد، حتى إنه إذا كان قد حج الفرض ولم يعتمر لا يحرم بحجة نذرها، وهذه الصورة لم أقف فيها على شيء، لكن الذي يظهر الجواز، إذ لو امتنع ذلك
стр. 275
لامتنع أن يحرم بالعمرة تطوعًا من اعتمر عمرة الإسلام ولم يحج. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الوقوف على هذه المسألة غريب، فقد صرحوا بجواز استئجاره ليحج عن الغير، حتى فرع الرافعي قبيل باب المواقيت على ذلك فرعًا فقال: لو استأجر للحج من حج ولم يعتمر، أو للعمرة من اعتمر ولم يحج، فقرن وأحرم بما استؤجر له عن المستأجر، وبالآخر عن نفسه- ففيه قولان، الجديد: أنهما يقعان عن الأجير. هذا كلامه، فإذا صحح حجه عن الغير تطوعًا فلأن يحج عن نفسه حجًا واجبًا أولى.
قوله: قال: والإفراد: أن يحج، ثم يخرج إلى أدنى الحل ويحرم بالعمرة. هذا التفسير وافق الشيخ فيه البندنيجي وغيره، وهو إن أريد بيان حقيقة الإفراد فهو يخرج من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم حج من الميقات، ومن لم يحرم إلا بالحج من الميقات في سنة- عن أن يكون مفردًا، وقد قال القاضي الحسين والإمام: إنه مفرد في كل واحد منهما بلا خلاف. وصرح به الغزالي في الأولى. وإن أريد به بيان الإفراد الذي هو أفضل من التمتع والقران فهو يخرجهما- أيضًا- لكن قد صرح بإخراج الأخير وإدخال الأول الرافعي حيث قال: إن محل كون القران أفضل إذا اعتمر في تلك السنة، أما لو أخر فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه ... إلى آخر ما قاله.
اعلم أن الرافعي لما ذكر صورة التمتع- وهي الإحرام بالحج بعد الفراغ من العمرة- ذكر لوجوب الدم شروطًا، منها: الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، ومنها: ألا يعود في الإحرام بالحج إلى ميقات من المواقيت الشرعية ... إلى آخر الشروط المعروفة في وجوب الدم. ثم حكى خلافًا في أنها هل هي شروط لوجوب الدم فقط، أم لكونه متمتعًا؟ وقال: إن الأشهر الأول حتى يكون متمتعًا لا دم عليه. وإذا تقرر ذلك فالكلام مع المصنف في أمرين:
أحدهما: فيمن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ثم حج من الميقات، فإن حاصل كلامه فيه الاعتراض على الشيخ في الحكم عليها بعدم الإفراد، وأن ذلك لا خلاف فيه، وقد تقرر من كلام الرافعي أن المشهور هو ما دل عليه كلام الشيخ، غير أن الرافعي ذكر ذلك فرعًا في آخر المسألة، فذهل المصنف عنه.
الأمر الثاني: وهو مستمد- أيضًا- مما قلنا: إنه نقل عن الرافعي أن هذه الصورة أفضل من التمتع والقران، وهو غلط سببه أنه بناه على أن الرافعي يجعل هذه من
стр. 276
صور الإفراد، ثم إنه رأى كلامه في الإفراد يقتضي أن تفضيله دائر مع وقوع العمرة في سنة الحج، تقدمت أو تأخرت، فحكم بتفضيل هذه الصورة، والفرض أنها ليست من الإفراد أصلًا، فما دل عليه كلام الرافعي وهو أن شرط تفضيل الإفراد اعتماره في تلك السنة صحيح، إلا أن الإفراد عنده أن تكون العمرة بعد الحج، فإن تقدمت كان تمتعًا، سواء وقعت في أشهر الحج أو قبله.
قوله: ولو أدخل الحج على العمرة بعد أن أفسدها، فقيل: ينعقد الحج صحيحًا، وقيل: ينعقد فاسدًا، وقيل: لا ينعقد.
ثم قال ما نصه: وإذا قلنا: يكون فاسدًا، فهل ينعقد على الصحة ويفسد على الاتصال، أو ينعقد على الفساد؟ فيه احتمالان. انتهى كلامه.
وهو يقتضى أنه لم يقف في هذه المسألة على نقل، وهو غريب، فقد صرح الرافعي بالمسالة، وحكى فيها وجهين، فقال: فعلى هذا ينعقد فاسدًا، أو صحيحًا ثم يفسد؟ فيه وجهان. هذا لفظه، ثم صحح الأول، ذكر ذلك قبيل الفصل الثاني المعقود لتبيين الإحرام، وكان عذر المصنف في عدم وقوفه عليه أنه مذكور في غير مظنته.
قوله: ولا يجب الدم على القارن والمتمتع إلا إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام، وحاضر والمسجد الحرام: أهل الحرام ومن كان منه على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، والمتبادر إلى الفهم: أنهم المستوطنون ذلك، دون المقيمين فيه والمسافرين الحاصلين فيه.
ثم قال ما نصه: وقد علل في ((الوجيز)) عدم إيجاب الدم عليه فيما إذا عن له الإحرام بالعمرة بعد دخوله مكة بأنه صار من الحاضرين، إذ ليس يشترط فيه قصد الإقامة. وقال الرافعي عقبه: إن هذا لم أجده لغيره بعد البحث، بل كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نصه في ((الإملاء)) و ((القديم)) ظاهر في اعتبار الإقامة، بل في اعتبار الإقامة، بل في اعتبار الاستيطان، مع أن الصورة أولًا متعلقة بالخلاف في أن من قصد مكة هل يلزمه الإحرام بحج أو عمرة. قلت: وما أنكره إن كان هو الحكم فهو ما أورده الماوردي حيث قال: من مر بميقات بلده يريد حجًا أو عمرة، فلم يحرم من ميقاته، بل جاوزه وأحرم من الحل- ينظر في موضع إحرامه: فإن كان بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة فلا دم عليه لتمتعه ولا لقرانه، لأنه قد صار كحاضري المسجد الحرام. وكذا القاضي الحسين عند عد شرائط إيجاب الدم على المتمتع: الشرط الخامس: أن يحرم بالعمرة من الميقات، فإن جاز الميقات ثم أحرم بها لم يلزمه دم التمتع، وعليه
стр. 277
دم الإساءة، نص عليه، فمن أصحابنا من قال به. ومنهم من قال: إن بقي بينه وبين مكة مسافة القصر يلزمه دم المتعة ودم الإساءة، وإن بقي دون مسافة القصر لم يلزمه دم المتعة، ويلزمه دم الإساءة، وحمل النص عليه. وقد حكى الرافعي- أيضًا- هذا في موضع آخر، والنص المذكور نسبه الشيخ أبو حامد إلى القديم، وكذلك البندنيجي ولم يحك سواه.
وإن كان ما أنكره كونه جعله من حاضري المسجد الحرام فهو قريب، لأن غيره قال: إنه كهم كما ذكرنا، وإذا كان كهم صدق عليه أنه منهم تجوزًا، والله أعلم. هذا آخر كلامه، ﵀!
واعلم أن هذه المسالة التي نقلها عن الماوردي مستدركًا بها على الرافعي في قوله: إنه لم يجدها لغير الغزالي- لست هي المسألة التي تكلم فيها، لأن مسألة الغزالي أن يجاوز غير مريد للنسك، وصورة المسألة التي نقلها عن الماوردي: أن يجاوز مريدًا له، بل قد ذكر الماوردي- أيضًا- مسألة الغزالي بعينها، فقال: إذا صح أن أهل مكة وحاضريها لا دم عليهم في تمتعهم وقرانهم فكذلك من دخلها لا يريد حجًا ولا عمرة، ثم اراد أن يتمتع أن يقرن- فلا دم عليه. هذا كلام الماوردي، والعجيب من المصنف حيث ترك هذه التي هي عين مسألة الغزالي وذكر غيرها.
стр. 278
باب المواقيت
قوله: ولو جاوز الميقات مريدًا للنسك، وأحرم دونه حرم عليه ذلك، ولزمه دم، فإذا عاد إلى الميقات محرمًا سقط الدم على الصحيح.
ثم قال: وعلى هذا قال في ((البحر)): يكون من أراد النسك مخيرًا بين ثلاثة أشياء: بين أن يحرم قبل الميقات، وبين أن يحرم دونه ثم يعود إليه، ولا يكون مسيئًا في واحد منهما، وعلى قول من قال: لا يسقط الدم، لا يخرج عن الإساءة بذلك. فجعل كونه مسيئًا وغير مسيء مبنيًا على الوجهين. وفي ((ابن يونس)) تفريعًا على قول السقوط: أنه هل يكون مسيئًا أم لا؟ فيه وجهان، ولعله أخذهما من إطلاق صاحب ((الفروع)) القول بأنه إذا مر بالميقات مريدًا للنسك، وجاوزه ولم يحرم، ثم أحرم دونه وعاد إليه- فظاهر المذهب: أنه لا يكون مسيئًا، وقيل: هو مسيء بأصل المجاوزة. وهذا الإطلاق يمكن حمله على ما قال في ((البحر))، فلا تمسك به. انتهى كلامه.
وحاصله: أنه لم يطلع على خلاف في الإساءة تفريعًا على قول السقوط، فلذلك أنكر على ابن يونس إثبات الخلاف، وزعم أن صاحب ((الفروع)) أطلقه، وتوهم أنه أخذه من إطلاقه، وليس الأمر كذلك، بل قد صرح صاحب ((البيان)) بالوجهين تفريعًا على هذا القول، وأن صاحب ((الفروع)) نقلهما كذلك، ومن ((البيان)) أخذ ابن يونس، ورأيت في كتاب ((القولين والوجهين)) للمحاملي مثله- أيضًا- فقال ما نصه: يسقط عنه الدم، وظاهر المذهب: أنه لم يسيء بذلك ولم يأثم، ومن أصحابنا من قال: أساء وأثم. هذه عبارته.
واعلم أن مراد صاحب ((البيان)) بصاحب ((الفروع)) هو سليم الرازي، كما أوضحته في كتاب ((الطبقات))، فاعلمه.
стр. 279
باب الإحرام وما يحرم فيه
قوله: أما التطيب في ثوبه فقد قال في القديم: واجب أن يجمر رحله وثيابه. فمنهم من أجراه على ظاهره، وقال: له أن يطيب ثياب بدنه للإحرام كما يطيب بدنه، ويكون مستحبًا كما حكاه القاضي الحسين، وهو الذي صححه الإمام. انتهى كلامه بحروفه.
وما نقله- ﵀ عن الإمام من أن الصحيح إجراء القديم على ظاهره، حتى يجوز له ذلك، ويكون مستحبًا- سهو منه، فإن الإمام إنما صحح الجواز فقط، ولم يتعرض لكونه مستحبًا، فقال ما نصه: ولو طيب المحرم قبل الإحرام إزاره أو رداءه، وتوشح واتزر، ثم أحرم- فحاصل ما قيل فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن ذلك يسوغ كما يسوغ تطييب البدن، والثاني: لا يجوز، فإن الطيب يبقى على الثوب وينمحق على البدن، والثالث: أنه إن لم يكن عينًا فلا بأس، وإن كان عينًا لم يجز، والأصح: أنه لا يمنع تطييب الثوب. هذا لفظه بحروفه، ولم يذكر ما يخالفه.
قوله: ولو نوى إحرامًا كإحرام زيد، وكان إحرام زيد فاسدًا- ففي انعقاده مطلقًا وعدم انعقاده وجهان في ((تعليق)) أبي الطيب مشبهان بوجهين حكاهما فيما لو نذر صلاة فاسدة: هل يلزمه صلاة صحيحة، أو لا يلزمه شيء؟ وقال في ((الروضة)): إن الصحيح: الثاني. انتهى كلامه.
وهو يوهم أن تصحيح النووي عائد إلى المسألة الأولى فقط، لكونها هي المقصودة بالذكر، وحكاية الوجهين في الصلاة لغرض التشبيه، أو يعود إليهما معًا، وليس الأمران كذلك، بل صحح في مسألة الإحرام من ((زياداته)) انعقاده، وصحح في الصلاة عدم الانعقاد.
قوله: وإن أحرم بنسك، ثم نسيه- ففيه قولان: الجديد: أنه ينوى القران، وظاهر كلام الشافعي في ((الأم)) و ((الإملاء)): أنه يلزمه ذلك، وهو المفهوم من كلام الأصحاب، وبه صرح الماوردي، وفي ((النهاية)): أنه لا يجب.
ثم قال عقبه: وإذا نوى القران وأتمه سقط عنه حجة الإسلام بلا خلاف، وهل تسقط عمرته؟ إن جوزنا إدخال العمرة على الحج فنعم، وإن منعنا فالمذهب في
стр. 280
((تعليق)) البندنيجي وغيره: أنها لا تسقط، عن أبي إسحاق: أنها تسقط، لأن النسيان ضرورة. قال في ((البحر)) وغيره: إنه ضعيف. انتهى.
واعلم أن حاصل كلامه أن المعروف وجوب نية القران، وأن الحج فقط يحصل له. إذا علمت ذلك، فاعلم أنه إذا نوى الحج فقط حصل به لا شك، لأنه إن كان محرمًا بالحج فقط، أو بالقران فتجديد نية الحج لا تضر، وإن كان محرمًا بالعمرة حصل له الحج- أيضًا- لأن إدخاله عليها جائز، فإذا كان الحج حاصلًا إذا نواه ولم يزد عليه، ولا يحصل له بنية القران زيادة عليه- أعني على الحج- فكيف يعقل مع ذلك إيجاب نية العمرة- أيضًا- لأنه إيجاب شيء لا فائدة فيه أصلًا؟! ورأيت في ((المجموع)) للمحاملي: أن أبا إسحاق له في حصول العمرة وجهان: أحدهما: ما جزم المصنف بنقله عنه، والثاني: كمقالة الجمهور.
قوله: ثم لو زاد على تلبية رسول الله ﷺ لم يكن مكروهًا.
ثم قال: وقد حكى الشيخ أبو حامد أن أهل العراق ذكروا عن الشافعي: أنه يكره الزيادة على ذلك، وغلطوا فيه، فإن المنقول عنه ما ذكرناه، وهو ما أورده الفوراني. انتهى كلامه بحروفه.
واعلم أن الفوراني قد جزم بكراهة الزيادة، كذا رايته في ((الإبانة)) له.
قوله: تنبيه: لبيك: من ((التلبية))، وهي إجابة المنادي، والقصد بها هاهنا إجابة إبراهيم- على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- التي أمر بها، كما تقدم في أول الباب. انتهى.
وما ذكره من تقدم ذلك في أول الباب سهو. نعم، تقدم ذلك في أول كتاب الحج.
قوله: قال: وإذا أحرم حرم عليه لبس المخيط في جميع بدنه.
اعلم أن الشيخ- ﵀ قد ذكر بعد هذا مسألة أخرى، فقال: فإن فعل ذلك لزمه الفدية. ونسي المصنف هذه المسألة، فلم يتعرض لها ولا لشرحها.
قوله: فإن لم يجد إزارًا جاز أن يلبس السراويل، أي: الذي لا يتأتى الاتزار به لو فتق.
ثم قال: ولا يقال: ما الفرق بينه وبين القميص، حيث لا يجوز لبسه إذا لم يجد رداءً لإمكان ارتدائه بالقميص؟ لأنا نقول: المسألة مصورة في المحرم الذي لا يمكنه الاتزار بالسراويل لو فتق، أما إذا أمكن فالذي أورده الجمهور: أنه لا يجوز لبسه على هيئته. انتهى كلامه.
стр. 281
واعلم أنه إذا عدم الإزار، فإن تأتي الاتزار بالسراويل على هيئته فلا يجوز له لبسه بلا شك، كما في الارتداء بالقميص، وقد جزم به النووي في ((شرح المهذب))، وإن تأتى بعد فتقه جاز لبسه عند الأكثرين كما قاله الرافعي، فإنه نقل المنع عن الإمام والغزالي فقط.
ثم قال: لكن الأصح عند الأكثرين إنما هو الجواز. وذكر مثله في ((الشرح الصغير)) - أيضًا- وبالغ فيه النووي في ((شرح المهذب)) فحكى طريقين، وصحح طريقة القطع بالجواز، ونقلها عن الأكثرين.
إذا علمت ذلك علمت أن جميع ما قاله المصنف خطأ، فتأمله، وقد تفطن المصنف لبعضه، فكتب على حاشية الكتاب أن المنقول في مشاهير الكتب خلافه.
قوله: ويحرم عليه شم الأدهان المطيبة كدهن الورد والزنبق والبان المنشوش- وهو المغلي بالمسك ونحوه- بالقياس على المنصوص عليه. وقد أطلق الإمام الحكاية عن الشافعي: أن البان ودهنه ليس بطيب، وعن بعض المصنفين: أنه يعتبر عادة كل ناحية في طيبها، وقال: إنه فاسد، فإنه يشوش القواعد، وقال الغزالي: إنه غير بعيد. والأكثرون أطلقوا القول بأنه طيب، وقيده المصنف والماوردي والبغوي بأن يكون منشوشًا- وهو المغلي بالمسك ونحوه- وقالوا: إن البان غير المغلي ليس بطيب، قال الرافعي: ويشبه أن يكون من أطلق القول بأنه ليس بطيب، مراده: غير المنشوش، ومن أطلق بأنه طيب أراد: المنشوش. قلت: لكن كلام القاضي الحسين ينفي هذا الحمل، فإنه قال: البان يحرم على المحرم استعماله، سواء شمه، أو اتخذ منه الدهن واستعمله، أو عصر ماءه واستعمله. انتهى كلام ابن الرفعة.
فيه أمور:
أحدها: أن ما قاله الشيخ من تحريم شم الأدهان المطيبة، ووافقه عليه المصنف- مردود مخالف لكلامهم، لم أر أحدًا قد قال به، بل الذي قاله الأصحاب: أنا إذا قلنا: إن هذه الأدهان من الطيب، كان استعمالها حرامًا، هكذا عبروا به، ومنهم الشيخ في ((المهذب)) والنووي في ((شرحه)) له، والرافعي في كتبه، فلم يقل أحد منهم بتحريم الشم، بل الاستعمال، واستعمال مثلها إنما هو بالاستهلاك، ويؤيده تصريح المصنف تبعًا للأصحاب كلهم: أن شم ماء الورد لا يحرم.
الأمر الثاني: أن ما نقله عن الإمام عن بعض المصنفين، كلامه يقتضي أنه نقله في البان خاصة، وليس كذلك، بل حكاه- أعني الإمام- في كل طيب، فإنه بعد ذكره
стр. 282
لما يحرم من أنواع الطيب قال ما نصه: فهذا قولنا فيما يكون طيبًا، وقد ذكر بعض المصنفين أن من أصحابنا من يعتبر عادات كل ناحية فيما تتخذ طيبًا، وهذا فاسد مشوش للقواعد، ولا خلاف أن ما يطعم في قطر ملتحق بالمطعومات في الربا. هذا لفظه بحروفه، وهو صريح في تعميمه، لا في البان بخصوصه، والذي أوقع المصنف فيما وقع فيه: أن البان وقع تأخيره عن سائر أنواع الطيب، وتعقيب هذا النقل له على سبيل الاتفاق، فتوهم المصنف عوده إليه لعدم تأمله للكلام بآخره.
الثالث: أن ما قاله- ﵀ من الرد على الرافعي بهذا الكلام المنقول عن القاضي، كلام عجيب، فإنه ليس فيه إلا أن البان طيب، وليس فيه تقييد بكونه منشوشًا أو غير منشوش، وهذا هو عين ما نقله الرافعي عن الجمهور.
واعلم أن ((الزئبق)): بزاي معجمة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم باء موحدة مفتوحة، ثم قاف، قال في ((شرح المهذب)): هو دهن الياسمين الأبيض، قال: ولم يخصه الجوهري بالأبيض، وهو لفظ عربي.
وأما ((المشوش)): فبميم مفتوحة، ونون ساكنة، وشينين معجمتين- هو المغلي، قال الجوهري: النشيش: صوت الماء وغيره إذا على.
قوله: ويجوز له النيلوفر والبنفسج، لأنهما لا يتخذ من يابسهما طيب، فأشبها الأترج والسفرجل، قال الإمام: وفي النفس من الأترج والنارنج شيء، وألحق التفاح بالسفرجل، وستعرف ما حكاه غيره فيه. انتهى. يعني أن غير الإمام قد حكى في التفاح ما يخالف كلام الإمام، ثم ذكر بعد ذلك ما أحال هذا الموضع عليه، فقال بعد حكاية القولين في الريحان الفارسي ما نصه: والريحان الفارسي هو الضميران المذكور في باب جامع الأيمان، والقولان يجريان- أيضًا- كما قال في ((المهذب)) في النرجس والنبق، وكذا في التفاح والمرزنجوش، كما قال البندنيجي تبعًا للشيخ أبي حامد والقاضي الحسين. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدهما: أنه كما فسر الريحان الفارسي هنا بالضميران المذكور في الأيمان فسر الضيمران المذكور هناك بالريحان الفارسي المذكور هنا، وهو تفسير دوري وقع غيره فيه أيضًا.
الأمر الثاني: أن ما حكاه الشيخ في ((المهذب)) من جريان القولين في النبق غلط، فإن النبق لا ذكر له فيه بالكلية، ولهذا لم يتعرض له النووي في ((شرحه)) له، ويبعد
стр. 283
جريان الخلاف فيه، لما ستعرفه.
الأمر الثالث: أن حكاية القولين في التفاح- أيضًا- غلط، بل يجوز شمه بلا خلاف كما هو موجود في كتب الأصحاب، وصرح بذلك- أعني بنفي الخلاف فيه- جماعة منهم النووي في ((شرح المهذب))، وكيف يمكن أن يقال بجريان القولين فيه، وبالجواز جزمًا في الأترج؟! وهو- أيضًا- يبطل ما ادعاه في النبق، ويوضح الوهم السابق ذكره، وهذا الذي وقع فيه المصنف سببه تحريف ((اللفاح)) الذي أوله لام بـ ((التفاح)) المعروف، فإن الجماعة الذين ينقل عنهم ذلك ذكروه في ((اللفاح)) وهو مثله في الحروف والوزن لفظًا وخطًا، إلا ما ذكرناه من أول هذا لام، وذاك تاء، وهو معروف أكبر من التفاح وأطيب رائحة، وقد نقل في ((شرح المهذب)) عن البندنيجي حكاية القولين في اللفاح- باللام- وهو أحد الجماعة الذين نقل عنهم المصنف ذلك، ولولا أن المصنف حين ذكر التفاح أولًا أحال على هذا الكلام- كما سبق- لكان يمكن أن يقال: إن ذلك سبق قلمٍ منه.
قوله: قال الأصحاب: أما الجلوس عند الكعبة وهي تجمر- أي: تبخر- فلا يكره، وإن قصد ذلك لأجل الطيب، وأما الجلوس عند العطار وعند المتطيب فقد قال البندنيجي: إنه ينظر" فإن كان لغير شم الطيب لم يكره قولًا واحدًا، وإن كان لشم الطيب كره، وأطلق الرافعي حكاية قولين فيما إذا جلس عند الكعبة وعند حانوت العطار، وقال: إن أصحهما: الكراهة. وحكي عن القاضي الحسين: أن الكراهة ثابتة لا محالة، والخلاف في وجوب الفدية. والذي رايته في ((تعليقه)): أنه هل يكره أن يستنشق الروائح الطيبة؟ فيه وجهان، وينبغي أن يخرج في وجوب الفدية- إذا قصد الاستنشاق- وجهان، كالصائم إذا فتح فاه حتى وصل إلى جوفه غبار الطريق وغربلة الدقيق، فإن في حصول الفطر به وجهين. انتهى كلامه.
واعلم أن التخريج الأخير- أيضًا- من كلام القاضي، إذا علمت ذلك ففيه أمور:
أحدها: أن مقتضى كلامه في نقله عن الرافعي أنه لم يفصل بين أن يقصد الشم أو لا يقصد، بل حكى قولين، وصحح الكراهة، وليس كذلك، فإن المذكور في ((الرافعي)) إنما هو التفصيل، فقال: أحدهما: لو عبق به الريح دون العين، بأن جلس في حانوت عطار، أو عند الكعبة وهي تجمر، أو في بيت يجمر ساكنوه فلا فدية، لأن ذلك لا يسمى تطيبًا. ثم إن قصد الموضع لا لاشتمام الرائحة لم يكره، وإن قصده لاشتمامها كره على الأصح، وعن القاضي الحسين: أن الكراهة ثابتة لا محالة،
стр. 284
والخلاف في وجوب الفدية. هذا لفظ الرافعي، وقد ظهر لك- أيضًا- من كلام الرافعي: أنه لم يحك قولين بخصوصهما، بل حكى خلافًا محتملًا للقولين وللوجهين. نعم، جعله النووي في ((الروضة)) قولين.
الأمر الثاني: أن ما نقله الرافعي عن القاضي الحسين لم يعزه إلى ((تعليقته))، بل عبر بقوله: وعن القاضي- كما تقدم- والنقل المذكور قد حكاه المتولي في ((التتمة)) عن لفظه، لا عن تصنيفه، فقال بعد حكاية القولين: وكان القاضي الإمام الحسين يقول: إذا قصد القعود عند العطار أو عند الكعبة لاستنشاق الرائحة فهو مكروه، والاختلاف في وجوب الفدية. هذا لفظ المتولي، ولما لم ينظره الرافعي في كلام القاضي عبر بقوله: ((وعن))، ولم يجزم به، تقليدًا للمتولي مع أنه تلميذ القاضي، وهذا في غاية الاحتراز والتحرير. ثم راجعت- أيضًا- ((التعليقة)) للقاضي فوجدته كما نقله المتولي أو قريبًا منه، فإنه بد ذكره لما نقله ابن الرفعة عنه من تخريج الوجهين في وجوب الفدية قال: ثم المستحب ألا يجلس عند العطارين، ولا يدخل البيت الذي يخزن فيه العود. هذا لفظه، فتلخص من ((تعليقة)) القاضي: أنه لا ينبغي له فعله، فإن فعل ففي الفدية وجهان، وهو عين ما نقله الرافعي، إلا أنه لم يصرح بالكراهة. وأما ما ذكره المصنف عن ((تعليقه)) القاضي فهو مسألة أخرى، لأن كلام الرافعي فيما إذا قصد الموضع لذلك، وهو أخص مما تكلم فيه ابن الرفعة، إذ يصح حمل الوجهين المذكورين في ((التعليقة)) على ما إذا لم يقصد الموضع ولكن وصل إليه في مروره، ونحو ذلك.
الأمر الثالث: أن ما اقتضاه كلامه من مخالفة الرافعي للأصحاب وانفراده عنهم في حكاية الخلاف في الجلوس عند الكعبة بقصد الطيب، فليس كذلك، وعجب- أيضًا- فإن القاضي لما ذكر المسألة علل في آخرها عدم وجوب الفدية بقوله: لأنه لم يقصد الطيب. هذا لفظه، وقال في ((التتمة)): السابعة: إذا جلس عند الكعبة وهي تجمر، فإن لم يكن قصده اشتمام الرائحة بل قصده القربة فلا يكره، وأما إذا قصد الدنو من الموضع لأجل شم الطيب، ذكر الشيخ أبو حامد قولين: أحدهما: لا يكره، لأنه لم يحصل مستعملًا للطيب، والثاني: يكره. هذه عبارته، ثم نقل عن القاضي سماعًا ما هو أبلغ منه، وهو الجزم بالكراهة، كما سبق نقله عنه. وقال القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)): قد ذكرنا أن جلوسه عند العطار واجتيازه في سوق العطارين جائز، وكذلك جلوسه في الكعبة وهي تجمر، وكذلك إذا دخل البستان.
стр. 285
ثم قال: إلا أنه يكره له قصد هذه المواضع لشم الروائح. هذا لفظه، ولم يتعرض الإمام ومن تبعه- كالغزالي- للمسألة، بل إنما يتكلم عن الفدية وعدمها، وكذلك جماعة منهم الماوردي. نعم، ذكر البندنيجي في ((تعليقه)) كما ذكر المصنف.
واعلم أن استمداد ((الكفاية)) من خمسة كتب: ((تعليقة)) القاضي الحسين، و ((تعليقة)) البندنيجي و ((تعليقة)) أبي الطيب، و ((النهاية)) و ((التتمة))، فهذه هي التي أغلب نقله منها، فلذلك لم أذكر لك ما عداها من الذين سووا بين الكعبة وغيرها. ويلي هذه الخمسة جماعة آخرون ينقل عنهم كثيرًا، وقد علمت أنه لم يقل بما ذكره من هؤلاء الخمسة إلا البندنيجي، وقد نقل النووي في ((شرح المهذب)) كلامه.
ثم قال: وليس كما قال، بل المذهب طرد الخلاف في الجميع. فصح ما قاله الرافعي، وبطل ما دل عليه كلام المصنف من انفراده بذلك.
قوله: الثاني: إذا قبل المحرم بيع الصيد أو هبته، وقبضه- فعليه رده إلى صاحبه. ثم قال: ولو لم يرده إلى صاحبه حتى مات في يده، وقد قبضه على حكم البيع والهبة- لزمه الجزاء، وضمنه لمالكه بالقيمة في البيع، دون الهبة، لأنه لم يدفعه إليه على أن يستحق لأجله عوضًا، كذا قال الشافعي نصًا في الهبة، وهو مبني على أصح الوجهين في ((الروضة)) في أن الهبة الفاسدة غير مضمونة، وقد سوى الرافعي بين الهبة والبيع والوصية، وجعل الكل مضمونًا عليه بالجزاء والقيمة. انتهى كلامه.
وما نقله عن الرافعي من تسويته بين الأمور الثلاثة غلط، فإنه إنما أوجب الضمان في البيع خاصة كما هو الصواب، فقال بعد حكاية الخلاف في الثلاثة المذكورة ما نصه: فإن صححنا هذه العقود فذاك، وإلا فليس له القبض، فإن قبض فهلك في يده فعليه الجزاء لله- تعالى- والقيمة للبائع. هذا لفظه، فانظر كيف لم يذكر أنه تلزمه القيمة للمالك حتى تدخل فيه الهبة والوصية، بل خصص البائع باللزوم حتى تخرجا عنه، والذي أوقع المصنف في هذا الغلط هو النووي، فإنه بعد اختصاره لكلام الرافعي على الصواب حصل له ذهول عما قرره، بحيث أداه إلى أن ظن فيه خلاف ما هو عليه، فبادر إلى التصريح بما ظنه والاعتراض عليه، والمصنف هنا قد صرح بنقله عن ((الروضة))، فرأى هذا الموضع فقلده فيه، وهو موضع غريب، فراجع ((الروضة)) تتعجب لما وقع له.
قوله: ولو صال عليه حلال راكب حمار وحش، ولم يتمكن من دفعه إلا بقتل الحمار- قال الصيدلاني: ففي الجزاء قولان للقفال، والذي أورده الأكثرون منهما:
следующие страницы →