← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14324

الهداية إلى أوهام الكفاية

الإسنوي

Полный текст (594 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قيمة الصحاح، بل تقويم النصف من ذلك صحيح لا مانع منه ولا استحالة فيه- كما زعم- وكأنه سرى ذهنه إلى إخراجه فمنعه، لأن التشقيص في الواجب ممتنع. قوله: وإن كان غنمه صغارًا أخذ منها صغيرة، لقول أبي بكر في حق مانعي الزكاة: ((والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعه)) كما أخرجه البخاري ومسلم. وجه الدلالة منه: أه أخبر عنهم أنهم كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ العناق، والعناق: الأنثى الصغيرة من أولاد الغنم. انتهى كلامه. وما ذكره نقلًا واستدلالًا باطل: أما الأول: فلأن البخاري لم يرو موضع الحاجة- وهو العناق- وإنما لفظ روايته: ((لو منعوني عقالًا)). نعم، رواه مسلم بلفظ ((العناق)). وأما الثاني- وهو دعواه الإخبار بأداء العناق- فعجيب جدًا، فإنه لم يخبر عنهم بأدائه، وإنما ذكر المقابلة على تقدير الأداء، وأتى بلفظ ((لو)) المستعملة في المستحيل وامتناع الشيء لأجل امتناع غيره، فقال: لو كان كذا لكان كذا، ولا يدل ذلك على أدائه، بل ولا على جواز الأداء، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢١] ونحو ذلك. قوله: وروى أبو داود عن مسلم بن ثفنة عن شيخ يقال له سعر ... إلى آخره. ثفنة: بثاء مثلثة مفتوحة، ثم فاء مكسورة بعدها نون، ثم تاء التأنيث. وما ذكره أبو داود من كون مسلم هو ابن ثفنة قد تبع فيه وكيعا، والصواب: أنه مسلم بن شعبه، كذا ذكره جماعات منهم الإمام أحمد والنسائي والدارقطني، ووهموا وكيعا فيما ذكره، وأما سعر- فبسين مكسورة ثم عين ساكنة مهملتين بعدها راء، وهو سعر بن سوادة- ويقال: ابن ديسم- العامري، قال الدارقطني: له صحبة. قوله: وروى أبو داود عن مسلم بن ثفنة عن شيخ يقال له سعر ... إلى آخره. ثفنة: بثاء مثلثة مفتوحة، ثم فاء مكسورة بعدها نون، ثم تاء التأنيث. وما ذكره أبو داود من كون مسلم هو ابن ثفنة قد تبع فيه وكيعا، والصواب: أنه مسلم بن شعبة، كذا ذكره جماعات منهم الإمام أحمد والنسائي والدارقطني، ووهموا وكيعا فيما ذكره، وأما سعر- فبسين مكسورة ثم عين ساكنة مهملتين بعدها راء، وهو سعر بن سوادة- ويقال: ابن ديسم- العامري، قال الدارقطني: له صحبة. قوله: والبخاتي- بتشديد الياء وتخفيفها- والعراب نوعان للإبل، كما أن المهرية والأرحبية والمجيدية والعقيلية والقرملية أنواع لها. انتهى.

стр. 212

اعلم أن البخاتي: إبل الترك وهي التي لها سنامان، وما عداها إبل العرب وهي المسماة بالعراب، وأنواعها- كما ذكره المصنف: المهرية، بميم مفتوحة، وجمعها: مهاري منسوبة إلى مهرة بن حيدان، أبي قبيلة، قاله الجوهري. والأرحبية: منسوبة إلى ((أرحب)) - بالحاء المهملة والباء الموحدة- قبيلة من همدان. والمجيدية: إبل دون المهرية، منسوبة إلى ((مجيد)) - بضم الميم، وفتح الجيم- وهو اسم فحل. والعقيلية- بعين مفتوحة وقاف- منسوبة إلى ((العقيلة))، وهي كريمة الإبل. والقرملية: منسوبة إلى ((القرمل)) - بقاف مكسورة وراء ساكنة وميم مكسورة ثم لام- هو البختي السابق ذكره كما قاله الجوهري- وجمعه: قرامل. إذا تقرر ذلك علمت أن البخاتي هي القرملية على خلاف ما اقتضاه كلام المصنف من المغايرة، وأن الأربعة الباقية نوعان للعراب، على خلاف ما دل عليه تعبيره- أيضًا- وكأنه رأي بعضهم عبر ببعضها، والبعض بالبعض الآخر، فتوهم التغاير فجمع بينهما. قوله: ولا تؤخذ الربي ولا الماخض ولا فحل الغنم ولا الأكولة ولا حزرات المال، إلا أن يختار رب المال. ثم قال: وما ذكره الشيخ من الأخذ في جميع الصور عند اختيار رب المال هو المشهور، إلا في فحل الغنم، فإن فيه إذا أخرجه ما تقدم في أخذ الذكر. انتهى كلامه. وحاصل كلامه: أن هذه الصورة التي قالها الشيخ لا تأتي على المذهب، وإنما تأتي على وجه ضعيف، لأن الصحيح منع أخذ الذكر عن الأنثى، وليس كما قاله، بل يتصور ذلك على المذهب في خمس من الإبل، فإن الشاة الواجبة فيها يجوز أن تكون ذكرا مع وجود الإناث كما هو المشهور، وحينئذ فإذا تبرع بإعطاء فحل غنمه جاز قبوله. قوله: وفي ((الإبانة)): أن صاحب ((التقريب)) قال: إذا أعطى كريمة لا تجزئ، لظاهر خبر معاذ. وفي ((النهاية)): أن صاحب ((التقريب)) حكاه عن غيره، وقال: إنه مزيف لا أصل له. انتهى كلامه. وهو كالصريح في أن المزيف لهذا القول هو الحاكي له وهو صاحب ((التقريب))،

стр. 213

وليس كذلك، بل المزيف له إنما هو الإمام، كذا هو في ((النهاية)) فاعلمه. وقوله: وفي بعض الشروح: أن بعض الخراسانيين قال: إن اشتراط الاشتراك في الفحل مخصوص بما إذا اتحد النوع، وإن اختلف كالضأن والمعز فلا يضر اختلاف الفحل، للضرورة. قلت: وحقيقة ذلك ترجع إلى أنا على الأول لا نثبت حكم الخلطة عند اختلاف نوع المال، إذ لا اشتراك في الفحل ولكن نثبتها عند اتحاده، وعلى الثاني نجوزها في الحالين، وهذا لم أره لغيره. انتهى كلامه. والذي أنكره- ﵀ لابد منه، وقد جزم به النووي في ((شرح المهذب)). وزاد فقال: إنه لا خلاف فيه، للتعذر، فأشبه ما لو خلط أربعين من الذكور بأربعين من الإناث. قوله: ولأجل ذلك قال الرافعي: إن اتحاد موضع الحلب لابد منه، أي: في الخلطة، وأفهم كلام النووي خلافًا فيه، لأنه قال:- أي: في ((اللغات)) -: والأصح اشتراط موضع الحلب. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه لم يقف في المسألة على خلاف، وقد صرح الروياني بذلك في ((البحر)) فحكى فيه وجهين كما أفهمه كلام النووي، فاعلمه.

стр. 214

باب زكاة النبات قوله: في الحديث عن عبد الله بن عمر-: ((فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا العشر، وفيما سقى بالسواني أو النضح نصف العشر)) رواه البخاري. وعن جابر- أيضًا-: ((فيما سقت الأنهار والعيون العشر، وفيما سقى بالسواني نصف العشر)) أخرجه مسلم. انتهى. أما حديث البخاري فليس فيه لفظ ((الأنهار))، بل فيه عوضًا عنه لفظ ((العثري)) بعين مهملة مفتوحة، وثاء مثلثة مفتوحة- أيضًا- وقد تسكن، وصورته: أن تحفر حفيرة يجري فيها الماء من السيل إلى أصول الشجر، وتسمى الحفرة: عاثورًا، لأن المار يتعثر فيها إذا لم يشعر بها. وليس فيه أيضًا لفظ ((السواني)) بل ((النضح)) خاصة، وسيأتي ضبط هذه اللفظة. وأما حديث مسلم فليس فيه لفظ ((العيون))، بل فيه عوضًا عنه لفظ ((الغيم)) - بغين معجمة، وبالميم في آخره- أي: السحاب. قوله: وكان فتح خيبر في سنة من الهجرة. انتهى. وما ذكره في تأريخ الفتح غلط، بل كان فتحها في السنة السابعة بلا خلاف، وقد ذكره هو على الصواب في باب قتال المشركين. قوله: وقال في القديم: تجب الزكاة في الورس، لأن أبا بكر أمر أهل خفاش بذلك، وما ذكره الشيخ من جزم القديم بالوجوب ذكره البندنيجي- أيضًا- وقال غيرهما: إن الشافعي علق القول في القديم على صحة هذا الأثر، فقال: إن صح قلت به. وقد صح، فيكون له فيه على القديم قولان. انتهى. وما ادعاه من صحة الأثر غلط، فقد نصت الحفاظ على ضعفه، ومنهم البيهقي. ونقله عن النووي في ((شرح المهذب)) وغيره، وما ذكره من مجيء قولين على القول بصحته غلط- أيضًا- بل إنما يأتيان على القول بضعفه، وهو الذي ذكره غيره- أيضًا- فتأمل ذلك.

стр. 215

قوله: والورس: نبت أصفر يكون باليمن يصبغ به الثياب والحبر وغيرهما. انتهى. والحبر- بحاء مهملة مكسورة، وباء موحدة مفتةحة- جمع ((حبرة)): نوع من الثياب، وإذا علمت ذلك علمت أن ذكره من بعدها لا فائدة له، بل موهم، والظاهر أنه رأى في كلام بعضهم التعبير بـ ((الثياب)) وفي بعضها بـ ((الحبر))، فجمع بينهما. نعم، قد يقع في القرآن الكريم عطف الخاص على العام، لمعنى لا يأتي هنا: كالاهتمام في قوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨]. قوله: وتضم ثمرة العام الواحد بعضه إلى بعض في إجمال النصاب، وفي الزرع أربعة أقوال. ثم قال بعد نحو ورقة: والقول الرابع: أن الاعتبار بالحصد، فإن وقع الحصادان في سنة- أي اثني عشر شهرًا- ضم أحدهما إلى الآخر، وإلا فلا. قال الرافعي: وكلام الأكثرين مائل إلى ترجيح هذا القول. انتهى كلامه. وهذا الذي قاله الرافعي من ترجيح الأكثرين لهذا القول، وعزو المصنف ذلك لو ساكتًا عليه متوهمًا صحته- كلام باطل، فقد أمعنت النظر وتتبعت كلامهم، فلم أقف على ترجيحه لأحد بالكلية فضلًا عن الأكثرين، ولا شك أنه انقلب على الرافعي، فإن كثيرًا من الأصحاب قد صححوا اعتبار الزراعة في السنة، منهم: البندنيجي، وابن الصباغ، وصحح الروياني اعتبار الحصاد، ولكن في فصل واحد لا في سنة واحدة. قوله: في المسألة-: ونص في ((الكبير)) على قول خامس، فقال: إن وقع البذران في سنة، ووقع الحصادان في سنة- فأحدهما مضموم إلى الثاني، قال الرافعي: ذلك إن وقع زرع الثاني وحصد الأول في سنة. انتهى بحروفه. وهو كلام عجيب، وأحسن أحواله أن يحمل على غلط وقع للنووي في ((الروضة)) عند حكايته لهذا القول، وهو اجتماع الزرعين والحصادين معًا في سنة واحدة، مع أن المذكور في ((الرافعي)): أنه يكفي أن يقع في السنة إما الزرعان وإما الحصادان، لا كلاهما معًا كما تحرف على النووي، وقد أوضحت المسألة في ((المهمات)). قوله: ((والبعل)) في الحديث- بتسكين العين المهملة- قد تقدم شرحه، وهو ما يشرب بالعروق، وقيل: هو والعذق واحد، وهو ما سقت السماء، والمشهور

стр. 216

اختصاص هذا بالعذق، وأما البغل فهو ما تقدم. و ((السواني)) جمع ((سانية))، وهي الناقة التي يسقى عليها. انتهى كلامه. وتعبيره بـ ((العذق)) - أعني بالقاف- تحريف، وإنما هو ((العذى)) بعين مهملة مكسورة ثم ذال معجمة ساكنة، ثم ياء بنقطتين من تحت، كذا قاله الجوهري وصاحب ((المحكم)) وغيرهما. أما ((العذق)) بالقاف فمفتوح العين: اسم للنخلة ونحوها، وبمكسورها: اسم للقنو، وهو المسمى بالإسباطة، والذال- أيضًا- معجمة فيهما. والسانية: بسين مهملة ونون، بعدها ياء بنقطتين من تحت، وقد فسرها المصنف. قوله: ويجب إخراج الواجب من التمر يابسًا. ثم قال: فلو أخرج من الرطب قدرًا يكون إذا جف قدر الواجب لم يجزئه، لأنه بدل والبدل لا يجوز في الزكاة من غير ضرورة، فعلى هذا: إن كان باقيًا رده الساعي إليه، وإن كان تالفًا رد قيمته على المذهب في ((المهذب)) وغيره، وقيل: يرد المثل. وهذا الخلاف مبني على أن الرطب والعنب مثليان أو لا، وسيأتي الكلام فيه في الغصب. انتهى كلامه. ومقتضاه: رجحان الذهاب إلى أنهما متقومان، وقد ناقض ذلك في باب الغصب، وصرح بأن الأظهر أنهما مثليان، وستعرف لفظه هناك، إن شاء الله تعالى. قوله: وإذا قطع الثمرة، للخوف على النخيل من العطش- أخذنا منه عشر الرطب، فإن أتلفه فالواجب عليه عشر قيمته بلا خلاف كما قاله القاضي الحسين. انتهى كلامه. وما ذكره من عشر القيمة قد ذكر بعد هذا بنحو ورقتين عكسه، فأوجب قيمة العشر، ثم إنه كرر ذلك مرات، ولا شك أن عشر القيمة أكثر من قيمة العشر لأجل التشقيص، وقد أوضحت ذلك في كتاب الصداق، وذكرته أبسط من ذلك في العتق من ((المهمات))، فراجعه. قوله: فثبت من ذلك أن كون الخارص يدع النخل لرب المال وأهله قدر ما يأكلون، ولا يدخله في الخرص- وجه للأصحاب. انتهى كلامه. وما ادعاه من إثبات وجه مع إظهار العناية والتكلف عجيب، فقد نص عليه

стр. 217

الشافعي في ((البويطي))، وهو من أجل الكتب الجديدة، فقال: ويترك لرب الحائط قدر ما يأكل هو وأهله، لا يخرص عليه، هذا لفظه بحروفه، ومن ((البويطي)) نقلت. قوله: وإن ادعى أن الثمرة، هلكت وأسند الهلاك إلى سبب ظاهر- كالنهب، والجراد، ونزول العسكر، والبرد- نظر: إن عرف وقوع ذلك وعموم أثره صدقه، ولا حاجة إلى اليمين، فإن اتهم في هلاك ثماره بذلك السبب حلف، وإن لم يعرف وقوعه فوجهان، أظهرهما- وعليه المعظم-: أنه يطالب بالبينة. انتهى. هذا الكلام ذكره الرافعي، فتبعه عليه المصنف، وفيه أمران: أحدهما: أنه أهمل قسمًا متوسطًا ثالثًا، وهو ما إذا عرف وقوعه ولم يعرف عمومه، وقد ذكره الرافعي في آخر الوديعة، وقال: إنه يصدق بيمينه. وذكره- أيضًا- المصنف. الثاني: أن التحليف عند التهمة- لاحتمال عدم التلف به- كيف يستقيم مع فرض المسألة في عموم أثره؟! وقد ذكر هو وغيره في نظير هذا الموضع أنه إذا عرف العموم فلا تحليف، فينبغي حمل العموم هنا على الكثرة، لا كل نخلة من كل بستان. قوله: في المسألة-: وإن اقتصر على دعوى الهلاك ولم يذكر السبب، فالمفهوم من كلام الأصحاب: قبوله مع اليمين. انتهى. وهذا التعبير ذكره- أيضًا- الرافعي، وهو يشعر بعدم الوقوف على نقل صريح في ذلك، وهو عجيب، فقد جزم كثيرون بذلك، ومنهم الرافعي في آخر الوديعة. قوله: وإن ادعى أن الخارص غلط عليه، وبين المقدار: فإن كان قدرًا يحتمل مثله الغلط كخمسة أوسق في مائة، فهل يقبل؟ وجهان: أحدهما: لا، لاحتمال أن النقصان وقع في الكيل، ولعله يفي إذا كيل ثانيًا، وصار كما لو اشترى حنطة مكايلة وباعها مكايلة، فانتقص بقدر ما يقع بين الكيلين- لا يرجع على الأول. وأصحهما: نعم، لأن الكيل يقين والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى. وإن كان ما ادعاه فاحشًا لا يجوز لأهل النظر الغلط بمثله فلا يحط عنه. انتهى. وما ذكره- ﵀ من حكاية الخلاف في الخمسة من المائة ونحو ذلك

стр. 218

غلط، بل يقبل بلا خلاف، كما جزم به الأصحاب، والوجهان محلهما فيما دون هذا المقدار مما يمكن وقوعه بين الكيلين، وسبب غلط المصنف: أنه نقل هذه المسائل من كلام الرافعي، فأسقط بعضه: إما غلطًا منه، أو من الأصل المنقول منه، فإنه قال- أعنى الرافعي-: وإن ادعى بعد الكيل أنه غلط، وبين القدر: فإن كان يحتمل الغلط في مثله كخمسة أوسق في مائة قبل هذا إذا كان المدعى فوق ما يقع بين الكيلين، فإن كان يسيرًا بقدر ما يقع بينهما فهل يحط عنه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لاحتمال أن النقص وقع في الكيل، ولو كيل ثانيًا وفي. الثاني: يحط، لأن الكيل يقين والخرص تخمين، فالإحالة عليه أولى. انتهى موضع الحاجة من كلامه، وإذا تأملته علمت أنه أسقط فيه جواب مسألة وصدر أخرى، وكان حقه أن يقول- مثلًا-: كخمسة أوسق في مائة، فإنه يقبل هذا إذا كان ... ثم يذكر ما ذكره الرافعي. قوله: وهل الواجب في الأربعين- مثلًا- جزء من كل حيوان أو حيوان مبهم؟ فيه وجهان، ويتفرع عليهما ما إذا باع الجميع: فإن قلنا بالأول فيتخرج على تفريق الصفقة، وإن قلنا بالثاني فقال الصيدلاني: يبطل في الجميع قطعًا، لأن الواجب غير متعين. قلت: والوجه: أن يقال: إن كان النصاب مختلفًا، كما إذا اشتمل على كبار وصغار- فالحكم: كما قال، وإن كان غير مختلف، للتساوي في الأسنان وتقارب الصفات-: فيكون في صحة البيع فيما عدا قدر الزكاة وجهان، فإن الماوردي قد ذكر هذا التفصيل بعينه في نظيره، وهو ما إذا قال: بعتك هذه الشياه إلا شاة. انتهى ملخصًا. وما ذكره المصنف من موافقة الصيدلاني على الجزم بالبطلان عند الاختلاف ليس كذلك، فقد ذكر هو في كتاب البيع: أنه لو اختلط عبيده بعيد لغيره، فقال: بعتك عبدي من هؤلاء، والمشتري يراهم ولا يعرف عبده- قال في ((التتمة)): له حكم بيع الغائب. وقال البغوي: عندي أنه باطل. انتهى، فثبت الخلاف من غير تفصيل بين الاختلاف والتساوي. تنبيه: وقع في الباب ألفاظ: منها: الفث، وهو بفاء مفتوحة، بعدها ثاء مثلثة مشددة، وقد فسره الرافعي. ومنها: الثمام- بثاء مثلثة مضمومة، بعدها ميم مفتوحة-: نبت ضعيف له خوص أو شبيه بالخوص، الواحدة: ثمامة، وبه سمى الرجل المعروف.

стр. 219

ومنها: الثفاء- بثاء مثلثة مضمومة، ثم فاء مشددة، بعدها ألف ممدودة-: اسم لحب الرشاد، واحده: ثفاءة. ومنها: الجاورس- بالجيم، وبعد الألف واو، ثم راء وسين مهملتين-: هو الدخن، كما قاله الجوهري في الكلام على لفظ ((الدخن))، فاعلمه، ولما ذكره المصنف عبر عنه بـ ((الجاروس)) أي تقديم الراء على الواو، وصوابه ما ذكرناه، فتفطن له. ومنها: بنو خفاش، هو بخاء معجمة مضمومة، وفاء مشددة، وشين معجمة، وضبطه بعضهم بكسر الخاء وتخفيف الفاء، وهو غلط، كما قاله النووي. ومنها- في حديث أبي داود-: ((والوسق ستون مختومًا))، هو بخاء معجمة، ثم تاء مثناة من فوق، وفي آخره ميم، من ((الختم)) وهو استيفاء الشيء، أي: الكامل من الصيعان. ومنها: الغرب للدلو الكبير، هو بغين معجمة مفتوحة، ثم راء مهملة ساكنة، ثم باء موحدة. ومنها: الهلياث اسم لنوع من التمر، هو بهاء مكسورة، بعدها لام ساكنة، ثم ياء مثناة من تحت، وفي آخره ثاء مثلثة، ووقع في كلام المصنف بالعين عوضًا عن الهاء، وهو غلط، بل الصواب- وهو المذكور في شرح ((شرح المهذب)) وغيره- ما سبق ضبطه. ومنها: سهل بن أبي حثمة، هو بحاء مهملة مفتوحة، ثم ثاء مثلثة ساكنة: اسم لامرأة، قال الجوهري: والحثمة: الأكمة الحمراء، قال: وبها سميت المرأة: حثمة.

стр. 220

باب زكاة الناض قوله: قال أهل اللغة: الناض- بتشديد الضاد- ما كان نقدًا من الدراهم والدنانير خاصة، كذا حكاه النووي. انتهى. وتعبيره بقوله: خاصة، إن رجع إلى ((النقد)) أشعر بأن الدراهم والدنانير يطلقان على النقد وعلى غيره، وهو باطل. وإن رجع إلى النوعين المذكورين أشعر بأن النقد يكون منهما ومن غيرهما، وهو- أيضًا- باطل. وأما عزو ذلك إلى النووي فباطل، فإنه عبر بقوله: الناض- بتشديد الضاد-: هو الدراهم والدنانير خاصة. هذه عبارته، وكلام المصنف يحتمل التأويل، إلا أن النووي لم يذكر النقد بالكلية. قوله: وقد كان في الجاهلية دراهم مختلفة بغلية وطبرية وغيرهما، وغالب ما كانوا يتعاملون به من أنواع الدراهم في عصره- ﵊ والصدر الأول بعده نوعان: أحدهما: الطبرية، زنة كل درهم منها ثمانية دوانق، والآخر: البغلية، وهي منسوبة إلى ملك يقال له: رأس البغل، زنة كل درهم أربعة دوانق. انتهى كلامه. وما ذكره- ﵀ في زنة البغلية والطبرية سهو، وصوابه: العكس، وهو أن زنة البغلية ثمانية دوانق، والطبرية أربعة، هكذا ذكره الأصحاب وغيرهم هنا وفي كتاب الإقرار، وممن ذكره هنا الرافعي، وكذلك النووي في كتبه حتى ((لغات التنبيه))، والمصنف ينسخها غالبًا بلفظها في هذا الكتاب، وقد ذكره المصنف على الصواب في باب الإقرار. قوله: وعامة الأصحاب على أن تحلية آلة الفرس حرام، وقالوا: إنه مقتضى نص الشافعي، وإنما قالوا ذلك، لأنه نص في ((البويطي)) و ((المختصر)) على أنه إذا كان له فضة مخلوطة على لجام فعليه إخراج الصدقة عنها، ومذهبه: أن الحلي المباح لا زكاة فيه، فدل على أن ذلك محرم. انتهى كلامه. وما ذكره غفلة عجيبة، لأن الزكاة كما تجب في المحرم تجب في المكروه- أيضًا-

стр. 221

فوجوب الزكاة فيه لا يدل على التحريم، لجواز أن يكون قائلًا بالكراهة. قوله: نعم، ترددوا في اتخاذ سنة أو سنتين من الذهب لخاتم من الفضة، والأكثرون: أنه لا يجوز. انتهى كلامه. والتعبير بـ ((سنة)) و ((سنتين)) غلط حصل عن ذهول، وصوابه: سن وأسنان، شبهوا ما يمسك الفص بأسنان الحيوان. قوله: وقضية التوجيه الثاني: جواز تمويه سقف البيوت وجدرانها بالذهب والفضة، ولم يختلف الأصحاب في منعه. انتهى كلامه. وما نقله من عدم اختلافهم ليس كذلك، فقد حكى الرافعي في ((الشرح الصغير)) فيه خلافًا، واقتضى كلامه تصحيح الجواز، فإنه قال هنا ما نصه: واستثنى في الكتاب عن التحريم شيئين، أحدهما: التمويه الذي لا يحصل منه شيء، وفيه وجهان قدمنا ذكرهما في الأواني، ويجريان في الخاتم والسقف والجدار وغيرها. هذا لفظه. قوله: ولا شك في تحريم التاج الذي لا يلبسه إلا عظماء الفرس على الرجال والنساء. انتهى. وما اقتضاه كلامه من الاتفاق مسلم في حق الرجال، وأما النساء ففي منعهن من لبسه نزاع ظاهر، حتى قال النووي في باب ما يجوز لبسه من ((شرح المهذب)): الصواب: الجواز من غير ترديد، لعموم الحديث، ولدخوله في اسم الحلى. تنبيه: وقع في الباب ألفاظ: منها: النش: اسم لنصف الأوقية، هو بنون مفتوحة، وشين معجمة. ومنها: ((المسكتان)): تثنية ((مسكة)) - بميم وسين مهملة مفتوحتين، بعدهما كاف- اسم للسوار الذي يلبسه النساء. ومنها: الفتخات: جمع ((فتخة)) - بفاء وتاء مثناة مفتوحتين- اسم لنوع من الخواتم، كما أوضحه المصنف. ومنها قبيعة السيف- بالباء الموحدة- وهو الذي على طرف قبضة السيف. ومنها: تعبيره بقوله: والأواني من الذهب والفضة في حكم الشرع متبرة، أي: مكسرة هالكة، يقال تبره الله تتبيرًا، أي: أهلكه وكسره، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف:١٣٩].

стр. 222

باب زكاة المعدن والركاز قوله: روى أبو داود أنه- ﵊ أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية جلسيها وغوريها، وحيث يصلح للزرع من قدس. اعلم أن بعض هذه الألفاظ قد تكلم عليه المصنف هنا، وبعضها يأتي الكلام عليه في باب الإحياء، ومما لم يضبطه: الجلسي، وهو بجيم مفتوحة، ولام ساكنة، وسين مهملة، منسوب إلى ((جلس)) وهو نجد، يقال: جلس الرجل، إذا أتى نجدًا وسمى نجدًا، لارتفاعه. والغوري- بالغين المعجمة المفتوحة- نسبة إلى الغور وهو المنخفض، عكس النجدي، والمراد به هنا: تهامة. وأما ((قدس)) - فبقاف مضمومة، ودال ساكنة وسين مهملتين- اسم لجبل عظيم بناحية نجد، قاله الجوهري. وقد ذكر ألفاظًا، منها: عتيدة، أي: حاضرة، قال تعالى: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق:٢٣]. قوله: وهذا القول- أي القائل باشتراط الحول في زكاة المعدن- قال المزني: إنه أخبره به من يثق به، وإنه مومئ إليه في ((مختصر)) البويطي. انتهى. وهذا الكلام صريح في أن ناقل الإيماء هو البويطي أيضًا، لأنه عطفه على المقول، وليس كذلك، فإن البويطي لا ذكر له في ((المختصر))، وقد راجعت ((البويطي))، فوجدته قد ذكر الإيماء معبرًا عنه بقوله: قيل كذا وقيل كذا، ولم يتعرض لغير ذلك، والرافعي قد نقل جميع ذلك على وجه صحيح، ولا شك أن المصنف أخذه منه، فحصل في نقله تحريف. قوله: وإنما اعتبرنا الحول في المعدن على قول، لأنه يحتاج في تحصيله وتمييزه إلى مدةٍ، بخلاف الركاز.

стр. 223

قلت: وهذا الفرق يقتضي التفرقة بين ما يجده بدرة أو في بطحاء كشفها الريح أو السيل، وبين ما يوقف على الطحن والتخليص، وجوابه: أن النظر إلى الأغلب. انتهى. والبدرة- بباء موحدة مفتوحة، ودال مهملة-: عشرة آلاف درهم كما قاله الجوهري وغيره، وإذا علمت ذلك عرفت أن مدلوله لا يكاد ينتظم مع ما قاله المصنف. قوله: ولو كانت قيمة العرض في آخر الحول تزيد زكي الجميع بحول الأصل. ثم قال: وقال الإمام: إن من يعتبر النصاب في جميع الحول كما في زكاة الأعيان قد لا يسلم وجوب الزكاة في الربح في آخر الحول، وقضية قياسه أن يقول: ظهور الربح في أثناء الحول بمثابة نضوضه. انتهى كلامه. زاد الإمام على هذا فقال: لابد منه. ولما نقله الرافعي عنه ارتضاه وزاد عليه: أنه يقتضي إعلام ((الوجيز)) بالواو، وهذا الذي ذكره الإمام وتابعوه عليه عجيب، فإنه يبطل بالنتاج. قوله: فإن كان نضوض الزيادة تحبس رأس المال بعد حولان الحول، ولم تزد قيمة العرض بعد الحول شيئا- فقد حكى الرافعي فيه وجهين: أحدهما: أن الحكم كما لو كان النضوض في أثناء الحول حتى يزكى بحول الأصل. وأظهرهما: أنه يستأنف للربح حولا. انتهى كلامه. وما نقله عن الرافعي غلط عجيب، فإن الرافعي جزم بأنه يزكى بحول الأصل، ولم يحك خلافًا بالكلية، فضلًا عن تصحيح الاستئناف، بل زاد على ذلك فنقل عن الشيخ أبي علي أنه لا خلاف، وذكر مثله في ((الروضة)) - أيضًا- وسبب غلط المصنف: أنه أسقط نحو سطر من كلام الرافعي إما بانتقال نظره أو نظر الناسخ للأصل الذي وقف عليه، ويعرف ذلك بمراجعة الشرح. قوله: وإن باع الأثمان بعضها ببعض للتجارة فقد قيل: ينقطع الحول. ثم قال: وقيل: لا ينقطع، كما لو بادل عرضا للتجارة بعرض للتجارة، وهذا ما نسبه البندنيجي إلى الإصطخري، والماوردي إلى أبي العباس، والقاضي الحسين إلى

стр. 224

القديم، وصححه النووي. انتهى كلامه. وهذا النقل عن النووي سهو، فإن الذي صححه في ((الروضة)) و ((شرح المهذب)) و ((تصحيح التنبيه)): أنه ينقطع. ولم يخالف ذلك في غيرها من كتبه، وأما النقل عن الباقين فصحيح. قوله: ولو أذن السيد للعبد أن يستخرج من المعدن على أن ما يخرجه يكون ملكًا له، وفرعنا على أن العبد يملك بتمليك السيد- كان النيل للعبد كما حكاه ابن الصباغ وأبو الطيب، ولا زكاة عليه، وقد ادعى الإمام في أثناء قسم الصدقات أنا إذا حكمنا بأن العبد يملك بتمليك السيد، فقال له: ملكتك ما تحتطبه وتصطاده، أو: ما تتهبه، فوجد سبب من هذه الأسباب- لم يحصل الملك للعبد، فإن التمليك لا يحصل غلا من جهة السيد في ملك حاصل، وتمليك الأسباب لا يملك العبد ما يحصل بها. انتهى كلامه. وسياقه يشعر بأن كلام الإمام مخالف لما سبق، وليس كذلك، بل هما مسألتان، الثانية منهما: فيهما تنجيز للملك قبل وجود العين المملكة، وهو باطل بلا شك، والأولى بخلاف ذلك. قوله: والماء العد. هو بعين مهملة مكسورة، بعدها دال مهملة مشددة، قال الجوهري: هو الذي له مادة لا تنقطع كماء البئر والعين. قوله: في الحديث: ((وفي الركاز الخمس))، قالوا: يا رسول الله، وما الركاز؟ قال: ((المال المخلوق في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض))، ثم قال: وهذا التفسير روايه متروك الحديث، كما نقله عبد الحق عن أبي حاتم القزويني. انتهى. والصواب- وهو الذي نقله عبد الحق في ((أحكامه)) - إنما هو ابن أبي حاتم الرازي صاحب ((الجرح والتعديل))، وهو كذلك في كتابه، وأما أبو حاتم القزويني فإنه أحد الفقهاء الشافعية. قوله: ثم دفين الجاهلية يعرف- كما قاله الأصحاب- بأن يوجد عليه اسم ملك من ملوك الشرك. أو صليب، ونحو ذلك. وفيما قالوه نظر، لأن المسلم قد يدفنه بعد

стр. 225

أن ملكه بهذه الصفة. انتهى كلامه. وهذا البحث ذكره الرافعي، فقلده فيه المصنف، وهو ضعيف، لأنه متوقف على استيلاء ثم دفنٍ آخر، وهو مدفوع بالظاهر والأصل. نعم، فيما نقله من الاستدلال بالصليب إشكال لم يتفطن له، وهو أنه معهودٌ الآن من ملوك النصرانية، فيصير الموجود كالأواني ونحوها، والصحيح فيه: أنه لقطة، ويتعين أن يكون هاهنا كذلك. قوله: ولو احتمل أن يكون الموجود من دفين الجاهلية أو من دفين الإسلام كالأواني والسبائك والنقار. انتهى. النقار- بكسر النون، وبالقاف، والراء المهملة- جمع ((نقرة)) بضم النون، وهي السبيكة كما قاله الجوهري وغيره. وإذا علمت ذلك علمت أن جميع المصنف بينهما سهو، وكأنه رأى كل لفظة في تصنيفٍ، فتوهم المغايرة فجمع بينهما.

стр. 226

باب زكاة التجارة قوله: ولو كانت قيمة العرض في آخر الحول تزيد زكي الجميع بحول الأصل. ثم قال: وقال الإمام: إن من يعتبر النصاب في جميع الحول كما في زكاة الأعيان قد لا يسلم وجوب الزكاة في الربح في آخر الحول، وقضية قياسه أن يقول: ظهور الربح في أثناء الحول بمثابة نضوضه. انتهى كلامه. زاد الإمام على هذا فقال: لابد منه. ولما نقله الرافعي عنه ارتضاه وزاد عليه: أنه يقتضي إعلام ((الوجيز)) بالواو، وهذا الذي ذكره الإمام وتابعوه عليه عجيب، فإنه يبطل بالنتاج.

стр. 227

باب زكاة الفطر قوله: فالفطرة- بكسر الفاء-: الخلقة، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] أي: خلقته التي جبل الناس عليها. والفطرة- بضم الفاء-: اسم للمخرج في زكاة الفطر. انتهى. وما ادعاه من أن ((الفطرة)) بالضم: اسم للمخرج، فهو شيء يستعمله عوام أهل العرف، والذي هو اسم للمخرج إنما هو بالكسر، وقد نقل النووي ذلك في ((شرح المهذب)) فقال ما نصه: ويقال للمخرج: فطرة، بكسر الفاء لا غير، وهي لفظة مولدة لا عربية ولا معربة، بل اصطلاحية للفقهاء، وكأنها من ((الفطرة)) التي هي الخلقة، أي: زكاة الخلقة. هذا لفظه بحروفه. وكأن الذي أوقع المصنف في هذا إنما هو ابن أبي الدم، فإنه قال في ((شرحه للوسيط)): فإن أثبت الهاء قال بعض المعتبرين في ذلك: هو بضم الفاء، وهو المشهور بين الفقهاء. هذا كلامه، وما نقله عن هذا المعتبر فليس بمعتبر، إذ لا ذكر له في كلامهم، وكأنه اعتمد فيه على ما شاع الآن. قوله: لأن الشيخ أبا بكر بن الحداد قال: إذا كان له ولد صغير يملك قوت يوم العيد وليلته فلا يجب على الأب نفقته في ذلك اليوم، وتجب عليه فطرته، ولو فرضت هذه الصورة في الابن قال: لا تجب فطرته. انتهى كلامه. وهذا النقل عن أبي بكر ليس هو ابن الحداد- كما زعم المصنف- وإنما هو الصيدلاني، وقد صرح به هكذا جماعة منهم الرافعي وغيره، وليست هذه المسألة في كبت ابن الحداد، ولا عادة الأصحاب يعبرون عنه بالشيخ، وإنما يعبرون بذلك عن الصيدلاني، وسبب ما وقع فيه المصنف: أن الإمام في ((النهاية)) عبر بالشيخ أبي بكر، ولم يزد عليه، فتوهم المصنف أن المراد ابن الحداد فصرح به. قوله: فلو فضل عن فطرته صاع، واستوى الباقون في الإنفاق فهل يقسم بينهم أو يتخير؟ فيه وجهان. قال الرافعي: ولم يتعرضوا للإقراع هنا، وله مجال في نظائره. انتهى.

стр. 228

وما نقله عن الرافعي ساكتًا عليه معتقدًا لصحته ليس كذلك، فقد صرح به منصور التميمي تلميذ الربيع صاحب الشافعي، كذا رأيته في كتابه المسمى بـ ((المسافر)) مستدركًا به على ما نقله عن الشافعي، فقال: إذا كان عنده ما يزكي به عن بعض من يموت زكى به عمن شاء منهم، قال منصور: بل يقرع بينهم فيزكي به عمن قرع أصحابه منهم، لأن كلًا ذو حق. هذه عبارته. قوله: فإن قلت: إدراك آخر جزء من شهر رمضان لا يدرك إلا بغروب شمس ليلة العيد فلأي معنى قال- يعني الشيخ-: وغربت الشمس؟ قلت: ليبين لك أن مجموع الزمنين- أعني آخر جزء من رمضان، وأول جزء من ليلة العيد- هو سبب الوجوب. انتهى. وما ذكره من أنه يلزم من إدراك أحد الزمنين إدراك الآخر ليس كذلك، ويظهر بالأمثلة مثل أن يقول لعبده: أنت حر في آخر جزء من رمضان، أو: في أول جزء من ليلة العيد، وكما لو علق طلاق زوجته على ذلك- أيضًا- وكان الطلاق بائنًا. قوله: التفريغ: إن أوجبنا الفطرة بالغروب، فمات العبد أو الوالد بعد الغروب- لم تسقط، إلا إذا حصل قبل التمكن من إخراج الفطرة، فإن في سقوطها وجهين عن ابن سريح: أحدهما: نعم، كزكاة المال، والثاني: لا، لأنها تجب في الذمة، والذي أورده البندنيجي وصاحب ((البحر)) منهما: الثاني، أي: عدم السقوط. انتهى. وما تحصل من كلامه من اقتصار المذكورين على الثاني غلط: أما البندنيجي فلم يذكر المسألة بالكلية، وقد اعتمدت في ذلك على نسخته التي كان ينقل منها، وأما صاحب ((البحر)) فقد حكى فيها الخلاف ناقلًا له عن ابن سريج، موافقًا لما حكاه هو قبل ذلك عن غيره، إلا أنه حكاه قولين، ذكره في وسط الباب، وعقد له فرعًا لا فصلًا. قوله: والأفضل: أن تخرج قبل صلاة العيد. ثم قال: لكن المراد بالقبلية؟ المذكور في ((التهذيب)): أنها تحصل بالتفرقة في ليلة العيد ويوم العيد قبل الصلاة، وقال القاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي: إن الأفضل إخراجها في يوم العيد قبل الصلاة. وهو الذي يقتضيه ظاهر الخبر، وهو الأولى، للخروج من الخلاف في التعجيل. انتهى كلامه. وما ذكره من ترجيح قول هؤلاء على قول ((التهذيب)) صريح في ثبوت الخلاف في جواز التعجيل في ليلة العيد، وهو لم يتعرض في هذا الكتاب لحكايته، بل صرح

стр. 229

بعد ذلك بأنه لم ير خلافًا فيما قبلها من أيام رمضان، فضلًا عن ليلة العيد. قوله: أما إذا قلنا: وقت وجوب زكاة الفطر طلوع الفجر، فلا سبب لها إلا واحد. ثم قال: وقضية ذلك ألا يجوز التعجيل، لأن ما له سبب واحد لا يجوز تعجيله عليه، وهذا لم أره لأحد من الأصحاب، غير أن البندنيجي والماوردي حكيا أن أبا عبيد بن حربويه من أصحابنا قال: لا يجوز تعجيل زكاة المال أصلًا، وذلك في زكاة الفطر أولى، لأنها فرعه. انتهى كلامه. وما ذكره استنباطًا وادعى أنه لم ير لأحد ما يوافقه، عجيب، فإنه موجود مصرح به، كذا صرح به الروياني في ((البحر)) في باب تعجيل الزكاة، ولم يقف عليه النووي- أيضًا- حتى ادعى في ((شرح المهذب)) نفي الخلاف فيه. قوله: فإن أخرجها في يوم الفطر بعد الصلاة أجزأ مع الكراهة، كما قال القاضي أبو الطيب، لما ذكرناه من خبر ابن عباس، وقال البندنيجي: إنه يكون تاركًا للأفضل. وهو ما يقتضيه كلام الشيخ. انتهى كلامه. واعلم أن ترك الأفضل لا ينافي القول بالكراهة، وقد رأيت في ((الذخيرة)) للبندنيجي أن تأخيرها عن الصلاة مكروه، وحينئذ فلا خلاف بينه وبين القاضي، لأن تعبيره في كتاب آخر بكونه تاركًا للأفضل لا ينافيه كما قلناه، بل يستلزمه، فاعلمه! ورأيت الكراهة- أيضًا- مصرحًا بها في ((المقنع)) للمحاملي وفي ((المجموع)) له، ونقله صاحب ((الذخائر)) عن الشيخ أبي حامد. نعم، صرح الطبري في ((العدة)) وصاحب ((الاستقصاء)) بأنه لا كراهة فيه. قوله: ولو مات بعد الوجوب والتمكن وقبل انقضاء يوم العيد، فالذي أطلقه الأصحاب الاستقرار. قلت: وهل يأثم؟ يظهر تخريجه على ما لو مات في أثناء وقت الصلاة وقد تمكن من فعلها، لأن الشرع جعل وقتها موسعًا كوقت الصلاة. انتهى كلامه. وفيما ذكره بحثًا أمران: أحدهما: أن المستحب- كما قاله الأصحاب، وصرح به المصنف قبل ذلك- إخراج زكاة الفطر في يوم العيد قبل الصلاة، وحينئذ فكيف يتعقل أننا نأمره بالتأخير عن الغروب إلى صبيحة العيد، ثم نحكم عليه إذا مات بعد الغروب، بسبب تأخيره الذي أمرناه، وحدوث أمر ليس في اختياره؟! بخلاف الصلاة، فإنه مأمور بإيقاعها في أول الوقت، فإذا أراد التأخير جوزناه بشرط سلامة العاقبة على

стр. 230

رأي. نعم، إن فرض موته بعد طلوع الفجر احتمل أن يجئ ما قاله. الأمر الثاني: أن هذا التخريج لا يستقيم في يوم العيد أيضًا، لأن الصلاة لا يمكن تداركها، فحكمنا بالعصيان على وجهٍ، وأما هاهنا فالتدارك ممكن، ومع ظهور الفارق لا يصح التخريج. فإن قيل: التدارك ممكن في الحج، ومع هذا حكمنا بعصيانه؟ قلنا: الفرق من وجهين: أحدهما: أن مباشرته للحج بنفسه واجبة، وقد فوتها، بخلاف تفرقة الزكاة. الثاني: أن الوقت في الحج قد خرج، بخلاف ما نحن فيه. قوله: ولو كان أهل الحضر يقتانون الأقط لا غير لم يجزئهم الأقط بلا خلاف، لأنه نادر، قاله الماوردي، وحكى الرافعي في كتاب الظهار: أنا إذا جوزنا الأقط في الكفارة فهل يختص بأهل البادية أو يعم الحاضر والبادئ؟ على وجهين، ولا بعد في مجيئها هاهنا. انتهى كلامه. وحاصله: أنه لم يقف إلا على ما قاله الماودري من التخصيص، وأن التعميم محتمل، وهذا الذي ذكره غريب، فإن الجمهور قد قالوا به، ونقله عنهم النووي في ((شرح المهذب)) فقال: الذي قاله الماودري شاذ، والصحيح الذي قطع به الجمهور: أنه لا فرق. هذا كلامه، وتعليل الماوردي بكونه نادرًا يشير على أن الصورة النادرة لا تدخل في العموم، وفيه خلاف للأصوليين أوضحته مع فروعه في كتابنا المسمى بـ ((التمهيد في تخريج الفروع على القواعد الأصولية)). قوله: وتجب الفطرة مما يقتات به من هذه. ثم قال: وقيل: من غالب قوت البلد بالقياس على الكفارة، والعبرة بالغالب في وقت الوجوب لا في جميع السنة، صرح به في ((الوسيط))، قال الرافعي: ولم أظفر بهذا التقييد في كلام غيره. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من الاتفاق في الكفارة على اعتبار الغالب حتى يرد على باقي الأقوال بالقياس عليها، غفلة أوقعه فيها تباعد ما بين البابين، ففي كتاب الظهار من ((الرافعي)) وغيره: أنها على هذه الأوجه الثلاثة، وذكر المصنف منها وجهين. الأمر الثاني: أن ما نقله عن الرافعي من عدم الظفر بهذا التقييد، واقتضاء كلامه

стр. 231

الموافقة عليه، عجيبٌ، فقد صرح به أيضًا صاحب ((الذخائر))، وقد تعرض السرخسي في ((الأمالي)) لذلك- أيضًا- فقال: لو اختلف القوت بالأوقات: فإن خرج من الأعلى أجزأه وكان أفضل، وإن أخرج من الأدنى أجزأه- أيضًا- في أصح القولين، لدفع الضرر، والثاني: لا، احتياطيًا. انتهى. وحاصله: أن الاعتبار بالاقتيات في وقت من الأوقات، وقال النووي في ((شرح المهذب)): الصواب: أن المراد قوت السنة. قال: وبهذا قال السرخسي. وذكر ما سبق نقله عنه، وليس مطابقًا له كما أوضحناه. قوله: فإن عدل عن القوت الواجب إلى ما هو دونه ففيه قولان، أحدهما: لا يجزئه، لأنه إضرار بالمستحقين، وهذا ما أورده الماوردي لا غير. انتهى كلامه. وما نقله عن الماودري من اقتصاره على عدم الإجزاء مردود، فإنه حكى في الكفارات وجهين فيما إذا عدل عن الواجب إلى ما هو دونه في الكفارة، ثم جعل الفطرة كالكفارة.

стр. 232

باب قسم الصدقات قوله: ولو كان المخرج بعيرًا جموحًا كان على المالك العقال، لقول أبي بكر: ((والله، لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم عليه))، قاله القاضي الحسين في كتاب الجنايات، لكنه قال في أول الزكاة: إن المالك يسترده. والمذكور في ((التتمة)) قبيل الفصل الثالث المعقود للتمكن هو الأول، وقد قيل: إنه- ﵇ أراد بالعقال صدقة عام، فإنه يطلق عليها في اللغة. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يوهم أو يقتضي أن المتولي صرح بالرد حتى تكون المسألة خلافية، وليس كذلك، فقد راجعت كلام المتولي فلم أر فيه إلا وجوب تسليمه به على وفق ما نقله عن القاضي أولًا، وحينئذ فما قاله القاضي في الزكاة زيادة لا معارض لها. الأمر الثاني: أن تعبيره في آخر كلامه بقوله: إنه- ﵊ أراد بالعقال صدقة عام، ذهولٌ عجيب، فإن هذا اللفظ من كلام أبي بكر لا من كلامه، ﵇. قوله- في الحديث-: ((من أعطاها مؤتجرًا فله أجرة المؤتجر)) بكسر الجيم على وزن ((المقتدر)) و ((المنتظر)). هو قاصد الأجر. قوله: وإن مات وعليه زكاة مال ودين لآدمي فأقوال، أصحها: تقديم الزكاة، والثاني: الدين، والثالث: تقسيم ينهما. ثم قال: ولو اجتمع الدين وزكاة الفطر فقيل بإجراء الأقوال، وقيل: إن كانت التركة عبدًا والفطرة عنه قدمت الفطرة قولًا واحدًا، لأنها متعلقة به فأشبه أرش الجناية، وهذه الطريقة هي التي نص عليها في ((المختصر)) حيث قال: ولو مات بعد أن أهل شوال وله رقيق، فزكاة الفطرة عنه وعنهم في ماله مبدأة على الديون. انتهى كلامه. وما ذكره من دلالة نص ((المختصر)) مع الطريقة المتقدمة على شيء واحد، ذهول

стр. 233

عجيب، فإن الطريقة محلها في فطرة العبد خاصة دون فطرة نفسه، والتعليل بمشابهة أرش الجناية يوضحه- أيضًا- والنص قائل به في العبد وفي نفسه، والتعليل بأرش الجناية لا يأتي في الحر. قوله- في المسألة: وفي ((الرافعي)): أن الروياني حكى طريقة قاطعة بتقديم فطرة نفسه، لقلتها في الغالب، والذي رأيته في ((البحر)) و ((الحاوي)): أن ابن سلمة قال: إن الفطرة تقدم على الدين قولًا واحدًا، لقلتها في الغالب وتعلقها بالرقبة، زاد الماوردي: فاستحقت كأرش الجناية. وهذا هو عين الطريق السابق، لكن الروياني حكى الطريقة الأولى، ثم حكى عن ابن سلمة ما ذكرناه، فظن أنه غيره. انتهى. وما ذكره في آخر كلامه عن ((البحر)) يقتضي اتحاد ما قاله ابن سلمة مع الطريقة المتقدمة، لاسيما مع تأكيده بقوله: فظن أنه غيره، وليس الأمر كما توهمه، فإن صاحب ((البحر)) قد حكى عن أبي إسحاق أنها- أي فطرة العبد- تحتمل وجهين: أحدهما: أنها كفطرة نفسه حتى تتخرج على الأقوال الثلاثة في اجتماع الدين والزكاة، والثاني: القطع بتقديمها. ثم حكى عن ابن سلمة تقديمها قطعًا من غير تردد، وهذا غير الأول، لكن اعتراض المصنف على الرافعي صحيح، وقد أوضحته في ((المهمات)). قوله: واعلم أن النووي- ﵀ قال: إن تعبير الأصحاب في التعجيل بقولهم: وأن يسلف بمسألة الفقراء ونحو ذلك، المراد به: جميع أصناف الزكاة، من باب التعبير بالبعض عن الكل، وخصوا به الفقراء، لأنهم أهم الأصناف. قلت: ويجوز أن يحمل كلامهم على حقيقته، لأن للإمام أن يصرف زكاة الواحد لواحد من الأصناف، وحينئذ فلا حاجة إلى صرف اللفظ عن حقيقته. انتهى كلامه. وما نقله عن النووي قد ذكره- أيضًا- الرافعي، والكلام الذي ذكره المصنف وإن كان صحيحًا في نفسه إلا أن الحكم أنه ليس خاصًا بالفقراء، بل سائر الأصناف كذلك- أيضًا- فيكون ذكر الفقهاء من باب التمثيل، فلابد من صرف اللفظ عن حقيقته. قوله: وإن عجل شاة، أي: جارة في الحول، عن مائة وعشرين، ثم نتجت شاةٌ سخلةً قبل الحول-ضم المخرج إلى ماله، ولزمه شاة أخرى. ثم قال بعد ذلك: أما لو كانت المعجلة غير جارية في الحول، لكونه ابتاعها، فأخرجها، أو كانت معلوفة- فلا يلزمه شيء آخر، صرح به الرافعي والقاضي

стр. 234

الحسين. انتهى كلامه. وما ذكره من عدم لزوم شيء آخر في هذه المسألة غلط فاحش، بل تلزمه شاة أخرى بلا خلاف، وإن كان المخرج معلوفًا أو مشترى، لأن المال الذي عجل الزكاة عنه نصاب تام، وحينئذ فلا يتوقف إيجاب الشاة الثانية إلا على واحدة فقط، لأن الفرض أنه لم ينقص شيء، وقد وجدت تلك الواحدة، بل إيجاب الشاة الأخرى فيما إذا اشترى وأخرج أو كانت معلوفة، أولى مما إذا أخرج من الذي عنده، لأن الذي عنده والحالة هذه باقٍ على حاله، بخلاف ما إذا أخرج من الذي عنده، فإنه قد نقص حسًا، ولهذا لم يجعل أبو حنيفة له أثرًا، وأصحابنا يقولون: لا أثر للنقصان الحسي، ويجعلون المخرج كالمقدر على ملكه، فظهر أنه سهو. وأما نقله ذلك عن القاضي حسين فغلظٌ سببه الانتقال من مسألة على مسألة، فإن القاضي قال: والمعجل عندنا يقع عن الفرض، وعند أبي حنيفة يقع عن النفل، فلو عجل شاة في مائة وعشرين، ثم نتج واحدة- فعندنا: يلزمه أن يعطي شاة أخرى، وعنده: لا يلزمه، لأن عندنا المعجل مضموم إلى ملكه حكمًا. ولو كان له مائتا شاة، فعجل شاتين منها، ثم نتجت واحدة عند آخر الحول- أخرج شاة أخرى. وكذلك لو عجل من ألف شاة عشر شياه، ثم تلفت وبقي أربعمائة إلا عشرة- يضم المؤدى إلى ما عنده حتى تصير أربعمائة، ونوجب عليه أربع شياه، وله أن يسترد ست شياه. هذا كله إذا عجل من عين النصاب الذي انعقد عليه الحول، فأما إذا كان له مائة وعشرون شاة إلا واحدة، فاشترى شاة، وأعطى إلى المساكين، أو كان له شاة معلوفة فأعطاها إلى المساكين، ونتجت واحدة عند الحول- لا نوجب عليه شاة أخرى، لأن المعجل لم يكن مما انعقد عليه الحول، ولو بقي ذلك في ملكه لم يكن مضمومًا إلى ما عنده حتى نوجب عليه شاتين. هذا كله كلام القاضي الحسين، وهو صحيح: فأما ما ذكره في المسالة الأخيرة فواضح، لأنه فرضها في مائة وتسعة عشر، وحينئذٍ فلا يتأتى ضم المخرج إلى ما عنده، وأما تعبيره قبل ذلك بقوله: هذا كله إذا عجل من عين النصاب، فلأنه قد ذكر قبل ذلك ما إذا ملك ألفًا فعجل عنها عشر شياه، ثم تلفت ولم يبق منها إلا ثلاثمائة وتسعون، فإنه لابد من التفصيل الذي ذكره، وذلك لأنه إن أخرج من عينها فالمخرج كالباقي عنده، فيكون عند حولان الحول كأنه مالك لأربعمائة فيجب عليه أربع شياه، ويسترد ستًا وإن أخرج مما لم ينعقد عليه الحول فلا يجب عليه إلا ثلاث شياه، لأنها

стр. 235

واجب ثلاثمائة وتسعين، فاعلم ذلك كله. وأما نقله ذلك عن الرافعي فموجود فيه كما قال، ولا شك أنه نقل ذلك عن البغوي على عادته فلم ينقله على وجهه، والرافعي هو الموقع للمصنف في غلطه في النقل عن القاضي الحسين، فإنه لما رأى ذلك في كلام الرافعي ارتسم في ذهنه بحيث حمل كلام القاضي عليه، ولم يتأمله حق التأمل. قوله: وجمع ((السخلة)): سخال- بكسر السين- وسخلٌ، وهو ولد الضأن والمعز، يطلق على الذكر والأنثى إلى استكمال أربعة أشهر. انتهى. لم يضبط الجمع الثاني، وهو أهم من ضبط الأول، وهو- أي ((سخل)) بفتح السين وسكون الخاء، كـ ((تمرة وتمر))، كذا ضبطه الجوهري. قوله: ثم إذا أوجبنا قيمة المعجل فبأي وقت تعتبر؟ فيه أوجه: أحدها: قيمة وقت القبض، والثاني: قيمة يوم التلف، وحكى البندنيجي عوضه: قيمة يوم الاسترجاع، فإن صح كان ثالثًا، والرابع: أقصى القيم. انتهى ملخصًا. وما نقله المصنف عن البندنيجي قد رأيته في ((تعليقه)) - كما ذكره المصنف عنه- ولكن من النسخة التي كان ينقل منها، والظاهر أنه سهو من الناسخ، لأن الفرض أن المعجل تالف، وقد رأيت ((الذخيرة)) للبندنيجي فلم يذكر فيها يوم الاسترجاع، بل ذكر عوضه يوم التلف. نعم، نقله عنه- أيضًا- النووي في ((شرح المهذب)) كما نقله عنه المصنف وقال: إنه غلط. فيجوز أن يكونا قد نقلا من نسخة واحدة. قوله: فروع: إذا أتلف المالك النصاب أو بعضه بعد التعجيل فأصح الوجهين: أنه كما لو تلف بنفسه حتى يسترجع. ثم قال ما نصه: والثاني: لا، لأنه يريد نقض الأداء بقصده. قيل: وقضية هذا التعليل ألا يجري هذا الوجه فيما إذا أتلفه إنفاقًا أو لحاجة. انتهى لفظه. فيه أمور: أحدها: أن ما ذكره استنباطًا من التعليل، واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه- غريب، فقد ص رح به في ((شرح المهذب)) فقال: قال أصحابنا: إن كان لحاجة- كالنفقة، أو للخوف عليه، أو ذبحه للأكل وغير ذلك- ثبت الرجوع قطعًا. هذه عبارته، وعبر في ((الروضة)) بنحوها أيضًا. الثاني: أن كون التعليل يقتضيه أو لا غير محتاج إلى نقل، بل يكفي فيه عرضه على فكرته. ثم إن التقسيم إلى الإنفاق أو الحاجة في غاية الركة، ولا شك أن أصل هذا قد

стр. 236

أخذه من الرافعي إلا أنه غيره إلى ما يراه، فإن الرافعي قد عبر بقوله: وقيل: لا، لتقصيره، وقضية هذا التعليل: ألا يجري الخلاف فيما إذا أتلفه بالإنفاق وغيره من وجوه الحاجات. هذه عبارته، وهي حسنة. الثالث: أن الخلاف في إتلاف بعض النصاب نقله الرافعي عن تخريج الإصطخري، ومثل بما إذا ملك مائتين، فعجل عنها خمسة، ثم أتلف درهمًا واحدًا، وقد صرح به- أيضًا- في ((البحر))، وعلل منع السقوط بقوله: لأنه متهم في إتلاف درهم لاسترجاع خمسة. وهذا التعليل يقتضي أنه لا يطرد في الكثير، لأنه علله بمتهم خاصة، لا مطلق التهمة. قوله: أما إذا لم يبين أنها زكاة معجلة، ولا علم بها القابض- فالمنصوص في ((المختصر)): أنه إن كان الدافع هو المالك لم يرجع، وإن كان هو الإمام رجع. فاختلفوا على طرق، أصحها- وبه قال العراقيون وبعض المراوزة-: تقرير النصين، والثانية: أن فيهما قولين بالنقل والتخريج، والثالثة: لا رجوع فيهما قطعًا، وتأويل النص في الإمام. ثم قال ما نصه: قال الرافعي: وهذا الطريق هو الذي أورده الجامعون لطريقة القفال، وصححها في ((الإبانة))، وذكر في ((الشامل)) أن الشيخ أبا حامد حكاها- أيضًا- والأظهر: أنه لا يثبت الرجوع، سواء أثبتنا الخلاف أم لا، وهو فيما إذا دفع المالك بنفسه أولى وأظهر. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما أفهمه كلامه من نسبه أواخر الكلام كله إلى الرافعي هو كذلك، إلا النقل عن ((إبانة)) الرافعي، فإن الرافعي لم يذكره. الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخره من تصحيح عدم الرجوع في المسألتين إذا لم نثبت فيهما الخلاف، بل قررنا النصين- عجيبٌ لا ينتظم. نعم، تستقيم هذه العبارة- أعني التعبير بقوله: سواء أثبتنا الخلاف أم لا- إذا كانت الطريقة القاطعة موافقة للصحيح، ولا شك أن الرافعي نقلها من مثل ذلك المواطن إلى هاهنا ذهولًا، فتبعه المصنف. قوله: ويأتي فيما إذا كان ذهبًا أو فضة وجه: أنه لا ينضم، بناء على أن الدين لا زكاة فيه. انتهى. وما ذكره من كون الدين لا تجب فيه الزكاة مطلقًا على وجهٍ، كلامٌ باطل سبق

стр. 237

التنبيه عليه في أوائل الزكاة، فراجعه. قوله: ويجوز أن يدفع الزكاة إلى الإمام، لأنه نائب المستحقين. نعم، هل له المطالبة بها بأن يقول له: إما أن تدفع بنفسك، أو تدفع لي حتى أوصلها لهم؟ قال الرافعي: فيه وجهان في بعض الشروح. وهذا الكلام من الرافعي يقتضي فرض الخلاف في حالة امتناع رب المال من الدفع، والمتولي ذكر الوجهين في حق من علم الإمام أنه يخرج الزكاة. انتهى. وما توهمه من فرض الرافعي الوجهين عند الامتناع، عجيب سبقه إليه النووي- أيضًا- ولعله الذي أوقعه فيه، بل حاصل كلام الرافعي فرض المسألة فيما إذا كان المالك يؤديها لكن لا بنفسه، بل بوكيله، ولهذا عبر بقوله: إما أن تدفع بنفسك، فتأمله. وقد بسطت المسألة في ((المهمات)) فراجعها في الكلام على الأموال الباطنة. وفي الأفضل ثلاثة أوجه، أحدها: أن يفرق بنفسه، والثاني: أن يدفع إلى الإمام وإن كان جائزًا، لما روى مسلم عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن ناسًا من المصدقين يأتوننا ليظلمونا، فقال أرضوا مصدقيكم. انتهى. وهذا إنما هو استدلال على الأموال الظاهرة، وكلامه في الباطنة. قوله: وقال بعضهم: إن زكاة الفطر من الأموال الظاهرة، ونقله الماوردي عن الأصحاب. انتهى. لكن الماوردي اختار مع ذلك خلافه، فتفطن له، فإذا المتبادر إلى الذهن من هذا الكلام غيره. قوله: أما الصبي والمجنون فينوى عنهما الولي وجوبًا، لأن المؤدى عنه ليس أهلًا للنية، ومساق التعليل يقتضي منع إلحاق السفيه بهما، لأنه من أهل النية، وفي الاعتداد بنيته نظر. انتهى كلامه. وهذه المسألة التي توقف فيها فيها ولم يظفر فيها بنقل قد صرح بها الجرجاني في ((الشافي))، فقال- بعد أن ذكر وجوبها على الصبي والمجنون والسفيه-: ويخرجها الولي عنهم وينوي لهم. هذه عبارته، وصرح بها- أيضًا- النووي في ((شرح المهذب)) فقال: إن ولي الثلاثة يلزمه النية بالاتفاق، فلو دفع من غير نية لم تقع الموقع، وضمن، صرح به ابن كج والرافعي وغيرهما. انتهى. مع أن الرافعي لم يذكر

стр. 238

المسألة، ثم إن المغمى عليه قد يولى عليه كما هو مذكور في الحجر، وحينئذٍ فينوي عنه الولي أيضًا. قوله: ويجوز أن ينوي قبل حال الدفع، أي: وبعد العزل. ثم قال: والزكاة في ذلك كالكفارة بلا فرق. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن تقييد المسألة بما بعد العزل حتى تمتنع- أيضًا- في المقارنة له خطأ، بل تصح عند الاقتران- مخالف للمنقول، بل صورته: أن ينوي مع العزل. كذا صرح به خلائق كثيرون، وجزم به النووي في ((شرح المهذب)) وقال: لا خلاف فيه. وإن كان- أي النووي- قد ذكر في الفصل ما يقتضي خلافه كما أوضحته في ((المهمات))، وقد ذكره المصنف في الكلام على كفارة الظهار على الصواب، فإنه ذكر تقديم الزكاة والكفارة، ثم نقل عن الماوردي اشتراط المقارنة، ولم يذكر غيره. الأمر الثاني: أن المصنف في كتاب الأيمان في الكلام على كفارة اليمين قد نقل عن الماوردي: أن الوكيل إذا نوى التكفير، ولم ينو رب المال- أجزأه، على خلاف ما قالوه هاهنا، فيحتاج للفرق. قوله: ومؤلفة المسلمين ضربان: ضرب لهم شرف يرجى بعطيتهم إسلام نظرائهم، وقوم يرجى حسن إسلامهم، وكان النبي ﷺ يعطيهم، لأنه أعطى الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم وهما من الضرب الأول، وأعطى صفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن كلا منهم مائة من الإبل وهم من الضرب الثاني. انتهى كلامه. فيه أمران يعرفان من كلام الشافعي في ((المختصر))، فإنه قال فيه ما نصه: وأعطى صفوان ابن أمية ولم يسلم، ولكنه أعاره أداة. ثم قال بعد ذلك: والذي أحفظه فيه من متقدم الخبر: أن عدي بن حاتم جاء لأبي بكر الصديق- أحسبه- بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه، أعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرًا، وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد. هذا لفظ الشافعي بحروفه. إذا علمت ذلك فأحد الأمرين في نسبة إعطاء عدي بن حاتم إلى النبي ﷺ ، وقد علمت ن نص الشافعي أن الذي أعطاه ذلك هو أبو بكر، ﵁! والثاني: أنه عد صفوان بن أمية مع الذين أعطى لهم، لكونهم من مؤلفة المسلمين، مع أنه كان مشركًا كما قاله الشافعي، ويدل عليه: أن إعطاءه المائة كان من مال هوازن في وقعة حنين، وكان إذ ذاك مشركًا، وإسلامه وقع بعد ذلك كما هو معروف، وقد

стр. 239

صرح بذلك النووي في ((شرح المهذب)) فقال: حديث إعطاء النبي ﷺ مؤلفة الكفار صحيح مشهور، من ذلك أنه ﷺ أعطى صفوان بن أمية من غنائم حنين، وصفوان يومئذ كافر. هذا كلامه، وقد وقع صاحب ((المهذب)) في الأمرين معًا، فلم يتكلم النووي في ((شرحه)) على إعطاء عدي بالكلية، ولما ذكر حديث صفوان ذكره على الصواب، ولم ينبه على ما وقع في ((المهذب))، وكأنه ظن أن الشيخ ذكره على وجهه فلم يناقشه، والموقع للمصنف في الاعتراضين المذكورين: أن الرافعي ذكرها هكذا تبعًا لصاحب ((التتمة)) في عدي، وللقاضي الحسين في صفوان. قوله: ولو فقد الصنف في بلد المال ووجد في غيره ففيه ثلاث طرق، إحداها- قالها الماوردي-: أنه ينقل سهم الغزاة، وفي غيرهم وجهان، أحدهما: لا، بل يصرف إلى الموجودين، والثاني: نعم. ثم قال: والطريقة الثالثة: إجراء الوجهين في جميع الأصناف، بناء على القولين في جواز النقل: فإن قلنا: يجوز، جاز هنا، وإلا فلا يجوز، وهذه طريقة أبي علي بن أبي هريرة، وقد صحح الأول منهما الغزالي والرافعي والقاضي أبو الطيب في أثناء كلامه، وصحح الثاني القاضي الحسين وغيره. انتهى كلامه. وما دل عليه كلامه من أن الغزالي والرافعي وأبا الطيب قد صححوا الأول- وهو جاز النقل- غلط: أما الغزالي فقد قال ما نصه: فعلى وجهين، أظهرهما: الرد على الباقين، لعسر النقل. هذا لفظه في ((الوجيز))، ولم يصحح شيئًا في ((الوسيط)) وغيره. وأما الرافعي فعبر بقوله: أصحهما: الرد إلى الباقين. وأما القاضي فنقل عن ابن أبي هريرة: أنه مبني على جواز النقل. ولم يزد على ذلك، وقد صحح القاضي المذكور قبل ذلك: أن النقل ممتنع، فلزم امتناع هذه. واعلم أنه لا يمكن عود ما نقله عن المذكورين إلى الطريقة الأولى، لأنهم لم يذكروها بالكلية. تنبيه: وقع في الباب ألفاظ: منها: ما تقدم. ومنها في حديث خالد: وأعتده، وشرحه مذكور في الوقف وغيره. ومنها: حجية بن عدي، هو بحاء مهملة مضمومة، ثم جيم مفتوحة بعدها ياء للنسب.

стр. 240

ومنها: قال الإمام: الفقير: من لا يملك سبدًا ولا لبدًا، ولا طارفًا لا تالدًا. أما ((السبد)) - فبسين مهملة ثم باء موحدة مفتوحتين، ودال مهملة- فهو القليل، و ((اللبد)) - بالفتح والموحدة أيضًا- هو الكثير، يقال: ما له سبد ولا لبد، أي: لا قليل ولا كثير، و ((السبد)) أصله للشعر النابت، واللبد أصله للصوف، ومنه سمي ((اللباد)). وأما ((التالد)) فهو الحيوان القديم الذي ولد عندك، وكذلك ((التلاد)) وأصل بابه واوٌ، و ((الطارف)) - بطاء وراء مهملتين- عكسه.

стр. 241

باب صدقة التطوع قوله: تكره الصدقة بالفاضل عن الكفاية في الحال لمن لا يصبر على الإضافة، فأما من يصبر عليها فيستحب له ذلك، وهذه التفرقة بين الصابر وغيره هي التي أوردها البندنيجي والإمام والغزالي، وقد حكى المتولي ذلك وجهًا في المسألة وصححه، وحكى وراءه وجهين، أحدهما: الكراهية مطلقًا، والثاني: يستحب مطلقًا. وهما مذكوران في ((تعليق)) القاضي الحسين. انتهى ملخصًا. فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن الإمام من كراهة التصدق لمن لا يصير ليس كذلك، بل الذي ذكره الإمام أنه لا يؤثر له، فقال نقلًا عن الأئمة: من رسخ دينه، ولاح يقينه، وظهرت ثقته بربه- فلا ينبغي له أن يدخر شيئًا لغده، وإن استشعر الرجل ضعفًا في نيته فلا يؤثر له- وهذه حالته- أن يتصدق بالقليل الذي معه ويبقى بعد التصدق جزوعًا سيئ الظن. هذا لفظه. نعم، ذكر الغزالي في ((الوسيط))، كما قاله المصنف، إلا أنه شرط في الاستحباب لمن يكون صابرًا: أن يترك قوت يومه. فعلى هذا: لو أصبح وكان شبعان واحتاج إلى العشاء فيستحب تركه. الأمر الثاني: أن ما نقله عن ((التتمة)) من الكراهية في حق من لا يصبر لم يذكره- أيضًا- فيها، والذي فيها إنما هو خلاف الأولى، فتأمله. نعم، حكى وجهًا: أنه يكره مطلقًا، ولولا طول عبارته لذكرتها. الأمر الثالث: أن ما نقله عن القاضي من الخلاف في الكراهة ليس كذلك- أيضًا- فإن الذي ذكره إنما هو الخلاف في الاستحباب، فقال: هل يستحب الانخلاع من جميع ماله؟ اختلف فيه أصحابنا: منهم من قال: لا يستحب. ثم قال: ومنهم من قال: يستحب. هذا كلامه.

стр. 242

كتاب الصيام قوله: ((الصيام)) و ((الصوم)) في اللغة: هو الإمساك عن كل شيء. انتهى. وما ذكره من التعبير بـ ((كل)) غلط، فإن حاصله اشتراط الإمساك عن جميع الأشياء في مسمى ((الصوم)) في اللغة، وليس كذلك، بل أي شيء أمسك عنه صدق عليه لغةً أنه صام عنه، ويدل عليه ما سيأتي نقله عنه عقب ما نحن فيه، فكان الصواب أن يقول: هو الإمساك عن الشيء. قوله: يقال: صام فلان، أي: أمسك عن الكلام، قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦] أي: صمتًا وسكوتًا عن الكلام. انتهى. والتعبير بـ ((أي)) التفسيرية، غلط هنا، فإن مدلوله تفسير الصوم بالإمساك عن الكلام خاصة، وليس كذلك، فكان الصواب أن يأتي بـ ((إذا))، أو يقدم ويؤخر فيقول: صام فلان عن الكلام، أي: أمسك عنه، ويكون حينئذ نظير الآية، فإن فيها إطلاق ((الصوم)) وإرادة ذلك لقرينةٍ. قوله: والأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:١٨٣، ١٨٤]، والمراد فرض عليكم، كما جاء في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ [المجادلة:٢١] أي: فض الله. انتهى. وما ذكره من تفسير الكتابة في الآية الثانية بالفرض- كما في الآية الأولى- كلام عجيب، بل اختلف المفسرون فيه: فقيل: معناه: قضى، وهو الذي صححه القرطبي، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ، وهو المجزوم به في ((الكشاف))، وقيل: معناه: قال، حكاه القرطبي- أيضًا- فإن أراد المصنف بالفض معنى التقدير قلنا: هذا معنى آخر غير الذي تتكلم فيه، فإن كلامنا في الإيجاب، وبتقدير أن تصح إرادته فأي حاجة إلى هذا التكلف؟! بل تفسر الكتابة أولًا بالتقدير، ولا حاجة إلى توسط الفرض. قوله: والمراد بالأيام في الآية شهر رمضان، وقيل: الأيام البيض، لأنه جمع قلة، وجمع القلة إنما يطلق على دون العشرة، وأجاب الأول بأنها قليلة بالنسبة إلى أيام

стр. 243

السنة. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في ضابط جمع القلة غلط باتفاق النجاة، فإنه يطلق عندهم على العشرة، فالصواب أن يقول: على ما دون أحد عشر. الثاني: أن جوابه بالقلة بالنسبة إلى باقي الأيام إنما يصح أن لو كان الكلام في لفظ ((القليل))، وليس كذلك، بل الكلام في لفظٍ مدلوله من الثلاثة إلى العشرة، واصطلح النحاة على تسميته بجمع القلة، وما فوقه: بجمع الكثرة. قوله: وكان فرض صوم شهر رمضان في شعبان سنة اثنتين من الهجرة، وهي السنة التي فرضت فيها زكاة الفطر، وخطب رسول الله ﷺ بذلك قبل الفطر بيومين. انتهى كلامه. وما جزم به هاهنا في وقت فرض الصوم قد نقل في أوائل ((قتال المشركين)) عن الأكثرين ما يخالفه فقال: وفي هذا العام- يعني الثاني- فرض الصيام، وكان في شعبان، وكانوا يصومون عاشوراء، كذا نقله الماوردي، وفي ((تعليق)) أبي الطيب و ((الشامل)) وغيرهما: أن الصيام فرض بعد سنتين من الهجرة. هذا لفظه، وأما الخطبة بزكاة الفطر فرددها هناك فقال: وخطب رسول الله ﷺ بذلك قبل الفطر بيوم أو يومين. قوله: وقول الشيخ: ويجب صوم رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، يقتضي أن الحائض والنفساء يجب عليهما، وإن كان يحرم عليهما، ولا يصح منهما فعله، والمشهور خلافه. انتهى. وهذا لا يرد على الشيخ، لأنه عاجز عنه كذا شرعًا، والعجز الشرعي كالحسي، والعجب أن المصنف قد نقل عن القاضي الحسين في أثناء تقرير السؤال ما يؤخذ منه هذا الجواب، ولكن تركته لطوله. قوله: وأما من لا يقدر على الصوم لكبر أو مرض لا يرجي برؤه فلا يجب عليه الصوم وخير بينه وبين الفدية، أو وجب عليه الإطعام لا غير؟ فيه وجهان، أصحهما: الأول، وبنى المتولي عليهما صحة نذره، وصحح النووي عدم صحته. ثم قال ما نصه: وقال القاضي الحسين في ((التعليق)) وآخرون- كما قال الرافعي-: يحتمل أن تبنى صحة نذره على أن النذر يسلك به مسلك إيجاب الله تعالى أو

стр. 244

إيجاب الآدمي؟ انتهى كلامه. وما ذكره عن الرافعي من البناء المذكور غلط، فليس فيه إلا البناء المنقول عن ((التتمة)) فقال: فإن صاحب ((التهذيب)) في آخرين حكوا خلافًا في أن الشيخ هل يتوجه عليه الخطاب بالصوم ثم ينتقل بالعجز إلى الفداء، أم يخاطب بالفداء ابتداء؟ وبنوا عليه الوجهين في انعقاد نذره. هذا لفظ الرافعي. قوله: ومن ترك الصوم جاحدًا لوجوبه، أي: وهو قديم بالإسلام- كفر، لأنه كذب الله تعالى ورسوله في خبره. انتهى كلامه. اعلم أنه شرح الجحد في الصلاة والزكاة بأن تقدم عهده في الإسلام ومشي بين المسلمين، واقتصر هنا على الأول، والصواب ما ذكره هناك، فإنه لابد منهما. قوله: وروي عن أبي وائل قال: أتانا كتاب عمر- ونحن بخافقين-: إن الأهلة بعضها أعظم من بعض، فإذا رأيتم الهلال بالنهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس. كذا ذكره في ((التتمة))، وبعضهم يروي: بخانقين. انتهى كلامه. واعلم أن راوي الأثر المذكور هو شقيق بن سلمة وكنيته أبو وائل. وخانقين: بخاء معجمة ونون ثم قاف مكسورتين، وهي بلدة بالعراق قريبة من بغداد، وهذا مشهور لا نزاع فيه، ومن ضبطه به النووي في ((شرح المهذب)). إذا علمت ذلك فقد عبر المصنف بقوله: ابن وائل- أي بالنون- إلحاقًا له بالأبناء لا بالآباء، وعبر عن ((خانقين)) أولًا بالفاء بعد الألف، وعزاه إلى ((التتمة)). ثم قال: إن غيره يقوله بالنون، ووقعه في مثل هذه الأمور المتواترة عجيب، وأما اعتماده على نسخة واحدة بخط من لا يعرف فأعجب، بل لو صرح صاحب ((التتمة)) بذلك لم يرجع إليه فيه، للعلم بخطئه، لاسيما أن الموجود في نسخ ((التتمة)) إنما هو بالنون، وقد رواه الدارقطني والبيقهي هكذا بإسناد صحيح. قوله- في اشتباه الشهور على الأسير-: قال في ((التتمة)): ولأن غاية الأمر أنه وقع القضاء بنية الأداء، والإجماع على أنه لو شرع في الصلاة في آخر الوقت، ثم خرج الوقت- تصح صلاته وإن كان ما يقع من صلاته خارج الوقت ليس بأداء، وقد أوقع الفعل بنية الأداء. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن دعوى الإجماع ليست على إطلاقها، فإن أبا حنيفة يقول: إن الشمس إذا طلعت وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته

стр. 245

الأمر الثاني: أن الصلاة التي خرج بعضها عن الوقت إنما تصح بنية الأداء إذا كان جاهلًا، أما إذا كان على بصيرة من عدم اتساع الوقت فإنها لا تصح بنية الأداء، كذا ذكره في ((النهاية)) في أوائل كتاب الصلاة في الفصل الثاني منه. قوله: وقول الشيخ: فإن وافق- أي صوم المجتهد- ما بعد رمضان أجزأه، يقتضي أن لا فرق في الإجزاء بين موافقة شوال أو ذي الحجة أو غيرهما، مع أنه لو وافق شوالًا لم يصح منه يوم العيد، وإن وافق ذا الحجة لم يصح يوم النحر ولا ثلاثة أيام التشريق. انتهى. وهو كلام عجيب، فإن هذه الأيام قد علم بطلان صومها في موضعه، والشروط لا تذكر في كل مكان. قوله: الثالثة: إذا اجتهد فغلب على ظنه أن رمضان قد فات، فصامه قضاء، ثم زال الأسر، وظهر له أن ما صامه هو رمضان- فهذا يظهر أن يكون كما لو صام على ظن أنه رمضان، فوافق ما بعده، لأنه ثم نوى الأداء وكان قضاء، وهنا عكسه، ولم أعثر في هذا على نقل. انتهى كلامه. وهذه المسألة التي لم يعثر على النقل فيها قد صرح بها الروياني في ((البحر)) نقلًا عن والده كما بحثه المصنف حكمًا وتعليلًا، فرحمه الله، ما أعلى مكانته في العلم! قوله: وقيل في النذر المطلق: إنه يجوز نيته من النهار، بناء على أن النذر يسلك به مسلك جائز الشرع، والمنصوص عليه- وهو الصحيح باتفاق الأصحاب- الأول، وهو أن الفرض مطلقًا لا يصح إلا بنية من الليل. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن تقييد الوجه في النذر بكونه مطلقًا حتى لا يأتي في اليوم المعين، باطلٌ، لأن العلة- وهو كونه يسلك به مسلك الجائز مقتضاها: أنه لا فرق، لا جرم أن النووي في ((شرح المهذب)) لم يقيده بذلك. الثاني: أن ما ادعاه من الاتفاق على التصحيح ليس كذلك، فإن الغزالي قد صحح أنه يصح بنية من النهار، وحكاه هو عنه في باب النذر. قوله: واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الصبي لو نوى صوم رمضان بالنهار لا يصح وإن كان نفلًا في حقه، وكلام الشافعي في ((المختصر)) يخرجه، فإنه قال: ولا يجزئ أحدًا صام فرض شهر رمضان ولا نذر ولا كفارة إلا أن ينوي من الليل قبل الفجر. انتهى. ومعناه: أن تقييد الشافعي بالفرض يقتضي الصحة من الصبي. إذا علمت

стр. 246

ذلك فكلام المصنف يقتضي أنه لم يظفر بالتصريح بها في كلام أحد، وهو غريب، فقد صرح الروياني في ((البحر)) بعدم الصحة كما اقتضاه كلام الشيخ. ثم قال: وليس على أصلنا صوم نفل لا يجوز إلا بنية من الليل إلا هذا. ذكره في آخر الباب. وجزم به- أيضًا- النووي في ((شرح المهذب))، ونقل ابن أبي الدم في ((شرح الوسيط)) ما أشعر به كلام الشافعي فقال: لا يقع على رمضان بلا خلاف، وفي وقوعه نفلًا وجهان، كالمسافر نوى صوم في رمضان. انتهى. فتحصلنا على ثلاثة أوجه. قوله: ويصح النفل بنية قبل الزوال، لما روى مسلم عن عائشة قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم، فقال: ((هل عندم شيء؟)) فقلنا: لا، فقال: ((فإني إذن صائم))، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حيسٌ، فقال: ((أرنيه، ولقد أصبحت صائمًا))، ثم أكل. انتهى. وما ذكره من رواية مسلم لهذا الحديث غلط، بل رواه البيهقي والدارقطني وقالا: إسناده صحيح. وبعض ألفاظه مخالف للمذكور هنا. قوله: وهل يصح النفل بنية بعد الزوال؟ فيه قولان. ثم قال: وحكى القاضي الحسين عن القفال أنه كان يبني هذا الخلاف على أصل آخر مقصود في نفسه، وهو أنه إذا نوى قبل الزوال فمن أي وقت يصير صائمًا؟ وفيه وجهان: فإن قلنا: يكون صائمًا من أول النهار، لم تجزئه النية بعد الزوال، لأنه لم ينو في معظم النهار، وإن قلنا: يصير صائمًا من وقت النية، صحت نيته بعد الزوال، وهذا فيه نظر من وجهين، أحدهما: أن الخلاف المذكور قولان، فكيف يمكن بناؤهما على وجهين أو على قولٍ ووجه؟! الثاني: أن الرافعي ... إلى آخر ما قال. واعلم أن ذكره لهذا النظر وسكوته عليه غريب، فإن هذا النظر قد تكرر إيراد الرافعي له، والمصنف يجيب عنه حيث أورده، منها: في الباب الذي قبل هذا وهو زكاة الفطر، في الكلام على ما إذا تزوجت بعبد أو حر معسر، فقال في الجواب: الوجهان مخرجان على أصول الشافعي، وحينئذ فلا يمتنع بناء قوليه على أصليه. هذا لفظه، فإن كان صحيحًا فلا يحسن ذكر الاعتراض هاهنا، ولاسيما على أنه من جهته، وإن لم يكن صحيحًا ورد عليه في الجواب. قوله: وإذا عرفت ذلك عرف أن النية الكاملة في رمضان أن ينوي صم الغد من أيام شهر رمضان هذه السنة أداء لله تعالى. انتهى.

стр. 247

وما زعم أنه نية ناقصة، فإنه أهمل منه التعرض للفرضية مع أنه قريب العهد بذكره وحكاية الخلاف في اشتراطه، ثم إن الصواب التعبير في الضابط المذكور بـ ((عن)) عوضًا عن ((من))، ولفظ ((رمضان)) في الضابط مجرور بالإضافة إلى اسم الإشارة، فتفطن له. قوله: ولو قال: نويت صوم الغد إن شاء الله، فقد جمع فيه صاحب ((البيان)) ثلاثة أوجه، ثالثها- وهو المذكور في ((تعليقه)) القاضي الحسين و ((التهذيب)): أنه إن قصد الإعانة من الله- تعالى- وأن الأمور بتقدير الله- تعالى- صح، وإن قصد الشك في فعله أو أطلق لم يصح. انتهى. وهذه الأوجه لا يمكن صحتها، إذ لا سبيل إلى صحة الصوم مع التردد في أنه يصوم أم لا يصوم، ولا إلى الفساد عند قصد الترك، وإنما تتوجه عند الإطلاق: فالبطلان حملا للفظ على مقتضاه لغة، والصحة حملًا له على الظاهر من إرادة الترك، وكأن العمراني رأى في كلام بعضهم خلافًا مطلقًا، ثم رأى كلام المفصلين، فتوهم عموم الأول، فجمع بينهما جمعًا فاسدًا. واعلم أن نقل التفصيل عن القاضي حسين صحيح، فقد رأيته في ((تعليقته))، وأما نقله ذلك عن ((التهذيب)) فلم أر له ذكرًا فيه، بل ولا للمسألة بالكلية. قوله: وفي ((النهاية)) في باب جماع التيمم: أن الأصحاب قالوا: المرض الذي يجوز الفطر هو الضرر الظاهر، وعندي: أنه كل مرض يمنع من التصرف مع الصوم. ثم قال: وعن ((البسيط)) أن بعض الأصحاب قال: إنه يكفي فيه ما يسمى مرضًا، واستوهنه، أي: استضعفه. انتهى كلامه. وهذا النقل عن ((البسيط)) غلط، فإنه إنما نقله عن الظاهرية تبعًا للإمام فقال في الباب الأول من أبواب التيمم: أما الإفطار فقال أصحاب الظاهر: إنه يجوز بكل ما يسمى مرضًا، وهو غير سديد. هذا لفظ ((البسيط))، وأحال الأمر فيه هنا على المذكور هناك، وقد صرح في ((شرح المهذب)) بأنه لا خلاف فيه عندنا. قوله: ولو خافت الحامل والمرضع على ولديهما أفطرتا، وفي وجوب الفدية ثلاثة أقوال، أصحها: تجب، والثاني: أنها مستحبة، والثالث: تجب على المرضع دون الحامل. ثم قال: وعن الشيخ أبي حامد حكاية طريقة قاطعة بوجوبها على المرضع، وحكاية القولين في وجوبها على الحامل، وهي التي أوردها البندنيجي لا غير. انتهى.

стр. 248

وما ذكره من أن البندنيجي لم يحك إلا الطريقة الأخيرة ليس كذلك، فقد رأيت في ((تعليقه)) الذي ينقل عنه- وهو الذي يعرف بـ ((شرح المذهب)) و ((الجامع)) أيضًا، وذكر المصنف في خطبته أنه ((تهذيب المذهب)) - حكاية طريقين: إحداهما هذه، وعليها اقتصر في باب أهل الأعذار، والطريقة الثانية: أنها لا تجب على المرضع قولًا واحدًا، وفي الحامل قولان. كذا ذكرها في أوائل الصوم في باب من يجب عليه ومن لا يجب، واقتصر عليها أيضًا هناك، وهذا النقل جميعه إنما نقلته من النسخة التي كانت للمصنف- ﵀ وقد حكي البندنيجي أيضًا في كتابه المسمى بـ ((الذخيرة)) ثلاث طرق، إحداها: أن في المسألة ثلاثة أقوال كما سبق، قالها صاحب ((الإفصاح))، والثانية- قالها الشيخ، يعني أبا حامد- أنها لا تجب على الحامل قولًا واحدًا، وفي المرضع قولان، وهاتان الطريقتان حكاهما في أول كتاب الصيام، والطريق الثالث- وهو المحكي في الكتاب- حكاها بعد ذلك بثلاثة أبواب في الكلام على من أكل عامدًا. قوله: فروع: أحدها: لو كانت الحامل والمرضع في سفر أو مرض، فأفطرتا: هل تجب عليها الفدية؟ نظر: إن فطرتا بسبب السفر أو المرض فلا، وإن أفطرتا لأجل الولد فنعم، وإن لم يكن لهما نية فوجهان، بناء على الوجهين في المسافر يطؤها على قصد الترخص: هل تلزمه الكفارة أم لا؟ ثم قال: ووافق القاضي الحسين على هذا البناء في حق المرضع إذا كانت مريضة، وقال فيها إذا كانت مسافرة: إن ألزمنا المجامع في السفر الكفارة فهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق: أن المرضع يجوز أن تلزمها الفدية وإن كان يباح لها الإفطار وهي إذا كانت في الحضر، كذلك هنا. انتهى. وما ذكره عن القاضي الحسين من البناء المذكور لم يذكره في ((تعليقه)) على الوجه الذي ذكره، فاعلمه. قوله: الثالث: إذا كان للمرضع ولدان، وأفطرت بسببهما: فهل تتعدد الفدية؟ فيه وجهان في ((التتمة)) وغيرها، أصحهما في ((الرافعي)) - وهو المذكور في ((التهذيب)) -: عدم التعدد. انتهى. واعلم أن كلامه يوهم اختصاص الوجهين بالمرضع، وأنهما لا يجريان في الحامل، وليس كذلك، فقد صرح صاحب ((التتمة)) بجريانهما فيهما معًا، فقال: إذا كانت حبلى بولدين، أو ترضع ولدين: فهل يلزمها فدية واحدة أو فديتان؟ في المسألة وجهان. هذا لفظه.

стр. 249

قوله- نقلًا عن الشيخ-: قال: وإن أغمي عليه في بعض النهار، أي: وكان قد نوى من الليل ففيه ثلاثة أقوال. ثم قال في آخر المسألة ما نصه: أما إذا لم يكن قد نوى من الليل فيلزمه القضاء بلا خلاف. انتهى كلامه. وما ادعاه من عدم الخلاف ليس بصحيح، ففي ((الرافعي)) وجه: أن القضاء لا يجب إذا استغرق الإغماء جميع الشهر، وفي ((التتمة)): أنه لا يجب وإن كان مستغرقًا ليوم واحد. وذكر في ((التهذيب)) نحوه أيضًا. نعم، فيما نقله الرافعي هنا كلام مذكور في ((المهمات)). قوله: وإن طهرت الحائض، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو قدم المسافر وهو مفطر- استحب لهم إمساك بقية النهار. ثم قال: وقد حكى ابن يونس وجوب الإمساك على الحائض تطهر والمسافر يقدم وهو مفطر، وادعى القاضي الحسين أن أصحابنا لم يختلفوا في ذلك، وتبعه الإمام، لتحقق المبيح لهم، ولعله أراد المراوزة، وإلا فقد حكى صاحب ((المعتمد)) في وجوب الإمساك على الحائض والنفساء وجهين، وجريانهما في المسافر من طريق الأولى. انتهى كلامه. واعلم أن ما ذكره من حمل الاتفاق على المراوزة حتى يكون كلام ((المعتمد)) في حكاية الخلاف محمولًا على طريقة العراقيين، حملٌ باطل سببه عدم الوقوف على كلام ((المعتمد))، فإن صاحب ((المعتمد)) إنما نقله عن المراوزة وعزاه إلى القاضي الحسين منهم، فإنه قال: ذكر فيما علق عن القاضي الحسين في الحائض إذا طهرت في أثناء النهار وجهين في وجوب الإمساك، أحدهما: لا يلزمها كالمريض، والثاني: أنه يلزمها. هذا لفظه، ثم نقل عن القاضي أنه ينبغي أن يعكس فيجب على المريض، بخلاف الحائض، لأن عذرها أشد. وما ذكره المصنف- أيضًا- من استخراج الخلاف في المسافر بالاستنباط من حكاية ابن يونس له في الحائض فإنه يقتضي أنه لم يظفر به مصرحًا، وقد صرح بنقله الفوراني في ((الإبانة)) والجرجاني في ((الشافي)) و ((المعاياة)). قوله: وإن بلغ الصبي أو قدم المسافر وهما صائمان، فقد قيل: يلزمهما إتمام الصوم، وهو ما جزم به ابن الصباغ والإمام، فعلى هذا: إذا أتم الصبي الصوم هل يجب قضاؤه؟ قال ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما: إن لم نوجب عليه القضاء وقد

стр. 250

بلغ مفطرًا فهنا أولى، وإن أوجبناه ثم ففي وجوبه هنا وجهان، قال إسحاق: لا قضاء عليه، وقال غيره: عليه القضاء، لأنه لم ينو الفرض. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الإمام قد ذكر المسألة في باب استقبال القبلة، ولم يوجب ما نقله عنه المصنف من الإتمام لا بالتصريح ولا بالتعريض، بل في تعليله ما يشعر بأن الإتمام لا يجب. الأمر الثاني: أن عبارته تقتضي أن إسناد عدم وجوب القضاء إلى أبي إسحاق من كلام ((الشامل))، مع أن صاحب ((الشامل)) لم يسنده إليه ولا إلى غيره، فاعلمه. قوله: ووراء ما ذكره الشيخ في بعض الصور وجوه، أحدها: فيما إذا احتقن: أنه لا يفطر، كما حكاه الرافعي عن القاضي الحسين. انتهى. واعلم أن القاضي الحسين قد جزم في ((تعليقه)) بالفطر، فقال: أما إذا احتقن- سواء احتقن في قبله أو دبره- أفطر. هذا لفظه في إحدى ((تعليقتيه))، وقال في الأخرى: عندي أنه لا يفطر إن كان في القبل كمذهب أبي حنيفة. والذي اختاره وجه مشهور، ولم يتعرض للمسألة في ((فتاويه)) ولا في ((شرح الفروع)) ولا في القطعة التي شرحها من ((التلخيص))، والرافعي قلد في هذا النقل صاحب ((المعتمد))، فإنه كذلك نقله عنه، وقد أوضحت ذلك في ((المهمات)). قوله: وكذا الخيط وإن بقي بعضه خارجًا، لأنه ممنوع من ذلك إجماعًا، ولولا أنه مفطر لما منع منه. انتهى كلامه. واعلم أن أبا حنيفة قد ذهب إلى أن الخيط البارز بعضه لا يفطر، وذهب إليه- أيضًا- بعض أصحابنا. كذا حكاه الرافعي، وهذا الوجه جارٍ في السكين- أيضًا- كما صرح به في ((الشرح الصغير))، وأشار إليه في ((الكبير)) - أيضًا- وادعى في ((شرح المهذب)) أنه لا خلاف في السكين، مستندًا إلى ما في ((الروضة)) من الجزم المخالف لما في ((الرافعي)). قوله- في الكلام على ابتلاع النخامة: وإن قدر على صرفه ومجه، فلم يفعل- ففيه خلاف بين الأصحاب: منهم من لم يؤاخذه وبه حسم الباب، ما لم يتكلف صرفه عن مجراه إلى الفم، ومنهم من حكم بالفطر إذا تركه في مجراه مع القدرة على مجه، وهذا ما أورده القاضي الحسين وأبو الطيب، قال الرافعي: وهو الذي أجاب به الحناطي وكثير من الأئمة، ولم يذكروا غيره. انتهى.
следующие страницы →