← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14324

الهداية إلى أوهام الكفاية

الإسنوي

Полный текст (594 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قوله: وفيه قول آخر: أن المحصر يلزمه القضاء. ثم قال: وحكى الإمام عن صاحب التقريب القولين: فيما إذا صد عن البيت بعد الوقوف بعرفة وتحلل، وفيما إذا صد عن الوقوف فقط، وأنه جعل ضابط التحلل المتفق على عدم وجوب القضاء: ألا يصدر منه قبل الإحصار إلا الإحرام المحض ثم تحلل، وإذا جرى مع الإحرام نسك، ثم فرض الصد والتحلل- ففي القضاء قولان. انتهى كلامه. وما حكاه الإمام عن التقريب من ضبط مجيء القولين: أن يقع مع الإحرام نسك حاصله جريان الخلاف فيما إذا أتى بطواف القدوم أو الرمي أو الحلق إذا جعلناه نسكًا، وهنا النقل غلط على التقريب ليس له ذكر فيه، فإنه ذكر أن المحصر عن البيت يجوز له التحلل، وفي القضاء قولان، ثم ذكر أن المحصر بعد الوقوف يجوز له التحلل. ثم قال ما نصه: ثم يكون الجواب في الإعادة على القولين الذي ذكرناهما: أحدهما: لا إعادة عليه، لأنه إنما حل بعذر الحصر. والثاني: عليه الإعادة، لأنه لما وصل إلى البيت خرج عن معنى الحصر. هذا لفظه من غير زيادة عليه، ولم يذكر بعده ولا قبله غيره.

стр. 317

باب الأضحية قوله: وحكم الهدي في اختصاصه بأيام التشريق كحكم الأضحية، كذا صرح به الرافعي في باب الهدي، وحكى- أعني الرافعي- في كتاب الحج في ذلك وجهين، وأن أظهرهما هو الاختصاص. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الرافعي لم يحك وجهين في كتاب الحج، بل جزم بأنه لا يختص ذكر ذلك في الكلام على أسباب التحلل، وإنما حكى الوجهين في باب الهدي، فانعكس على المصنف. الأمر الثاني: أن الرافعي قد صرح في باب الهدي بأن الهدي يطلق على ما يسوقه المحرم تقربًا إلى الله- تعالى وعلى دماء الجبرانات، وهو الدم الواجب لترك مأمور به أو لفعل منهي عنه، ودم التمتع والقران ونحو ذلك، وصرح بأن الهدي المساق للتقرب يختص ذبحه بأيام التشريق في أصح الوجهين، منذورًا كان أو تطوعًا، قياسًا على الأصحية. وأما الهدي الواجب للمأمورات أو المنهيات فذكره- أعني الرافعي- في الكلام على أسباب التحلل، وجزم بأنه لا يختص بوقت، وتبعه المصنف قبل باب صفة الحج عليه، فجزم- أيضًا- به. فإذا تقرر أنهما مسألتان، وأن كل مسألة مذكورة في بابها- علمت أن ذلك قد اشتبه هاهنا على المصنف، وأنه خلط مسألة بمسألة، مع ما سبق له من الانعكاس الذي نبهت عليه في صدر المسألة، وقد اشتبه- أيضًا- من قبله على النووي في الروضة وشرح المهذب والمنهاج، فاستدرك على الرافعي في الكلام على أسباب التحلل، ونسبه إلى التناقض فيما ذكره، فتفطن لذلك، وقد أوضحته في المهمات أبسط مما ذكرته هاهنا. قوله: ويندرج فيه- أي في كلام الشيخ- الحامل إن قيل: إن الحمل في الحيوان عيب- كما هو الصحيح وستعرفه من بعد- وهو وجه محكي في ((شرح الوجيز)) للعجلي عن بعض الأصحاب، والمشهور الإجزاء. انتهى كلامه.

стр. 318

وما ذكره هنا من كون الإجزاء هو المشهور، وحكاية مقابله وجهًا عن هذا التصنيف المستغرب القليل الاستعمال- غريب مردود، بل المعروف عدم الإجزاء، ومقابله مستغرب، فقد صرح بكون الحمل عيبًا في الأضحية خلائق لا يحصون، منهم: صاحب ((التتمة)) في كتاب الزكاة في الكلام على الخلاف بيننا وبين داود في إجزاء الحامل هناك، وكذلك شيخ الأصحاب الشيخ أبو حامد في ((تعليقه))، والعمراني في ((البيان))، والنووي في ((شرح المهذب)) نقلًا عن الأصحاب فقال ما نصه: قال القاضي أبو الطيب: قال الأصحاب: إنما قلنا: لا تجزئ الحامل في الأضحية، لأن المقصود من الأضحية اللحم، والحمل يهزلها ويقل بسببه لحمها، فلا تجزئ، والمقصود من الزكاة كثرة القيمة. هذا لفظه من غير اعتراض عليه، ورأيته- أيضًا- في ((الذخيرة)) للبندنيجي في باب صدقة الغنم في آخر المسألة الثانية منه، وفي ((شرح المهذب)) المسمى بـ ((الاستقصاء)) في هذا الباب- أعني باب الأضحية- نقلًا عن الأصحاب أيضًا. وبالجملة: فهؤلاء أئمة المذهب قد جزموا بكونه عيبًا، وهذه كتبهم شاهدة، والسبب في دعوى المصنف ما ادعاه: هو أن المسألة المذكورة في غير مظنتها، ولم يظفر به هنا لأحد إلا لهذا الكتاب الغريب، غير مستحضر لخلافه، فاقتصر على حكايته وجهًا عنه، فاقتضى أن المشهور خلافه. والغريب: أنه في كتاب الزكاة قد جزم بكونه عيبًا نقلًا عن صاحب ((التتمة))، وقد راجعت كلام العجلي فوجدته قد ذكر المسألة في أول الضحايا فقال: قال الصيمري في ((الإيضاح)): والحامل والحائل سواء. ورأيت في تصنيف بعض أصحابنا أنه لا يجوز التضحية ابتداء بالحامل، لأن الحمل ينقص اللحم. هذا لفظه، فراجعت الكتاب الذي نقل عنه العجلي وهو ((الإيضاح)) للصيمري فلم أر المسألة فيه بالكلية. قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن نذر أضحية معينة زال ملكه عنها، ولم يجز له بيعها، فإن قيل: من زال ملكه عن الشيء فلا يملك بيعه، فما فائدة قول الشيخ: ولم يجز له بيعها، بعد قوله: زال ملكه عنها؟ قلنا: له فوائد، منها: أن الخصم- وهو أبو حنيفة- قال: لا يزول الملك، ويجوز البيع، فأراد أن يذكر عن المذهب ما يخالفه. انتهى. وهذا الجواب عجيب لا يطابق السؤال بالكلية، لأن أبا حنيفة لما قال ببقاء الملك، ناسب أن يقول بجواز البيع، والسؤال ورد على فائدة امتناع البيع بعد التنصيص على زوال الملك، وإنما يحسن الجواب لو كان أبو حنيفة يقول بزوال الملك، وأن البيع

стр. 319

يجوز بعد ذلك. تنبيه: ذكر المصنف ألفاظًا: منها: الداجن- بدال مهملة، وبالجيم والنون-: هي الشاة، ولكن الأصل- كما قاله الجوهري- وضعها للشاة التي تألف بالبيوت، فكأنهم استعملوها في مطلق الشاة. ومنها: العفراء- بعين مهملة مفتوحة، وفاء ساكنة، وراء مهملة-: هي التي يعلو بياضها حمرةلإ، يقال: شاة عفراء، وحيوان أعفر. ومنها: أبو بردة بن نيار، هو- بنون مكسورة وياء مثناة من تحت، وراء مهملة- جمع ((نير)) - بكسر النون- أي: ((النير)) يطلق على ما وضح من الطريق، وعلى لحمة الثوب، أي: المقابلة للسدى. ومنها: النقي- بنون مكسورة، وقاف ساكنة، بعدها ياء-: هو المخ والودك، ومنه الحديث: ((التي لا تنفي)). ومنها: الثولاء التي تدور في المرعى ولا ترعى، هو- بثاء مثلثة مفتوحة- مبأخوذ من ((الثول)) - بفتح الواو- وهو جنون يصيب الشاة، فتستدبر المرعى ولا تتبع الغنم، ويستعمل في الأناسي مجازًا، فيقولون: رجل أثول، وامرأة ثولاء.

стр. 320

باب العقيقة قوله: ذكر فيها ((اليأفوخ))، وهو بياء بنقطتين من تحت، بعدها همزة ساكنة قد تسهل ألفا، تليها فاء، وفي آخره خاء معجمة، وهو الموضع اللين من وسط رأس المولود، وتاؤه زائدة، وجمعه: يآفيخ، قاله الجوهري وغيره: وكثير من العامة يقولون بالنون.

стр. 321

باب الصيد والذبائح قوله: نعم: يختلف حكم البعير إذا ند وإذا وقع في بئر: أنه لو أرسل للناد كلبًا فقتله حل، ولو أرسل عليه وهو في البئر كلبًا- ففي حله وجهان، أصحهما في ((البحر)): المنع، ومقابله: ينسب إلى البصريين، وصححه النووي في ((الروضة))، وكذا الشاشي. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن النووي والشاشي من أنهما صححا الحل فغلط، بل المذكور في كلامهما إنما هو تصحيح التحريم- كما صححه في ((البحر))، وقد صرح بذلك في ((الروضة)) فقال: قلت: الأصح تحريمه، وصححه أيضًا الشاشي- والله أعلم. هذا لفظه، وذكر مثله- أيضًا- ((في المنهاج))، وكذلك في ((شرح المهذب)) فقال: إنه الأصح. وصححه صاحب ((البحر)) و ((المستظهري)). الأمر الثاني: أن الشاشي لم يصحح في هذه المسألة شيئًا بالكلية، بل نقل التصحيح عن الماوردي فقال في ((الحلية)) - وهو المسمى بـ ((المستظهري))، لأنه صنفه للخليفة المستظهر بالله-: فإن أرسل عليه كلب صيد حتى عقره لم يحل في أصح الوجهين، ذكر ذلك في ((الحاوي)). هذا لفظه، ثم راجعت- أيضًا- كتابيه، وهما ((الترغيب)) و ((العمدة))، فلم أر المسألة فهيما بالكلية، على أنه- ولا النووي- لم يظفر بهذين الكتابين، إنما وقفا على ((الحلية)) فنقل النووي عنها أول كلام وذهل عن آخره، فوقع في الوهم، ثم إن المصنف قلد النووي في نسبة التصحيح إلى الشاشي، فلما حاول إثباته على ما وقع في كلام النووي انعكس عليه، وبهذا وأمثاله يعلم الآفات الحاصلة من تقليد المتأخرين في النقل.

стр. 322

باب الأطعمة قوله: وألحق به- أي بابن عرس- في الحل: الدلق واليمام والحواصل، وعلى ذلك جرى في ((التهذيب)). انتهى. وتعبيره باليمان تحريف، وإنما هو القاقم- بقافين- كذا رأيته في ((التهذيب)). قوله: وقد دل كلام الشيخ على أن الزرافة مما يتوقى بنابه، وليس كذلك، ولأجله قال الفراء في ((فتاويه)) بحلها كالثعلب. انتهى كلامه. والمراد بالفاء هو البغوي صاحب ((التهذيب))، والنقل الذي عزاه إلى ((فتاويه)) غلط، فإن المسألة ليس لها ذكر في ((الفتاوي)) المذكورة. نعم: هي مذكورة كذلك في ((فتاوي)) شيخه القاضي الحسين، والبغوي هو الذي جمعها، وهذا هو منشأ هذا الوهم، على أن الذي أوقع المصنف في هذا الغلط هو تقليده لابن يونس شارح ((التنبيه))، فإن سبقه إلى ذلك، وابن يونس أوقعه صاحب ((رفع التمويه))، فإن سبق ابن يونس إليه، وابن يونس كثيرًا ما يعتمد على ما فيه. واعلم: أن صاحب ((تتمة التتمة)) قد ذهب إلى الجواز- أيضًا- وهو الصواب وحكى الوجهين ابن يونس صاحب ((التعجيز)) في اختصاره لـ ((التنبيه))، ووقع في ((شرح المهذب)) للنووي أنها حرام بلا خلاف، وليس كذلك. قوله: والصحيح تحريم الضفدع والسرطان والسلحفاة، وبه جزم الماوردي والبندنيجي. نعم: هل الضفدع طاهر أو نجس؟ فيه وجهان في ((الحاوي)): فإن قلنا بنجاسة، فلو مات في ماء قليل: فهل ينجس من غير تغير؟ فيه وجهان، وجه المنع: لحوق المشقة كدم البراغيث. انتهى كلامه. وما ذكره- ﵀ عن ((الحاوي)) من حكاية وجهين في نجاسة الضفدع غلط عجيب، لا ذكر لهما فيه ولا في غيره، فإنه ذكر المسألة قبيل باب صفة الماء الذي ينجس والذي لا ينجس، فقال- بعد ذكر الضفدع وحيات الماء وعقاربه- ما نصه: وهي إذا ماتت نجسة: وهل ينجس الماء بموتها فيه أم لا؟ على ما ماضي من القولين. قوله: وهل تكره الجلالة أو تحرم؟ فيه وجهان.

стр. 323

ثم قال: والجلالة هي التي أكثر أكلها العذرة اليابسة- كذا قاله الشيخ أبو حامد، ولم يورد النووي سواه، وقيل: هي متغيرة اللحم. انتهى. وما ذكره من اقتصار للنوي عليه غريب، فقد حكى في ((أصل الروضة))، و ((شرح المهذب)) وجهين، وزاد فصحح الثاني. نعم: خالف في ((التحرير)) - وهو ((لغات التنبيه)) - فجزم بالأول. تنبيه: ذكر المصنف ألفاظًا: منها في الحديث: ((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها)). انتهى. السفساف- بتكرار السين المهملة والفاء-: هو الرديء من كل شيء، والأمر الحقير- قاله الجوهري، وأورد هذا الحديث. ومنها: الثيتل:- بثاء مثلثة مفتوحة، ثم ياء مثناة بنقطتين من تحت، بعدها تاء مثناة مفتوحة، كذا ضبطه الجوهري- وقال: إنه الوعل المسن- أي: الذي طال عمره، والوعل هو المسمى بتيس الحبل. ومنها: الوعل- بواو مفتوحة وعين مهملة. ومنها: الأيل- يأتي ضبطه في آخر باب الربا، فراجعه. ومنه الحزرو، اسم للذي قارب البلوغ، هو بحاء مهملة مفتوحة بعدها زاي معجمة ساكنة، وبالراء المهملة في آخره، ويجوز فيه فتح الزاي مع تشديد الواو، وقد أشار إليه المصنف. ومنها: القنفذ: بضم الفاء وفتحها وبالذال المعجمة- والأنثى: قنفذة، بزيادة التاء ومنها: الفن: اسم لطائر، هو بفاء ثم نون مفتوحتين بعدهما كاف. ومنها: الببر: هو بباءين موحدتين: الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة: اسم لحيوان يعادي الأسد، ويقال له- أيضًا-: الفرانق، بضم الفاء وبالنون المكسورة بعد الألف. ومنها: ابن آوى: هو بالمد، ووزنه: ((أفعل))، ولذلك لا ينصرف كما قاله الجوهري. ومنها: ابن مقرض- بضم الميم وكسر الراء وبالضاد المعجمة، ويجوز كسر الميم مع فتح الراء. ومنها: الوبر: بواو مفتوحة وباء موحدة ساكنة. ومنها: الدلدل: بدالين مهملتين مضمومتين. ومنها: الغداف: بغين معجمة مضمومة ودال مهملة. ومنها: الزاغ: بزاي وغين معجمتين.

стр. 324

ومنها: اللقلق: بقافين. ومنها: الورشان: بواو مفتوحة وشين معجمة وبالنون، اسم للقمري الذكر، ويسمى-: أيضًا ساق حر، بالسين المهملة والقاف والحاء المهملة المضمومة والراء المشدودة. ومنها: اليعقوب: بياء مفتوحة مثناة من تحت وعين مهملة: اسم لذكر الحجل. ومنها: الصعوة، بصاد مفتوحة وعين ساكنة مهملتين. ومنها: النغر، بنون مضمومة وغين معجمة مفتوحة. ومنها: الحمرة، بحاء مهملة مضمومة وميم مشددة مفتوحة. ومنها: العندليب، بالنون الساكنة وبالياء الموحدة في آخره. ومنها: الببغاء، بثلاث باءات موحدة، أولاهن وثالثهن مفتوحتان، والثانية ساكنة، وبالغين المعجمة، وهي المسماة بالدرة، بدال مهملة مضمومة. ومنها: الشقراق، بشين معجمة تفتح وتكسر، وقاف مكسورة، وراء مشددة، وبعد الألف قاف. ومنها: الضوع، بضاد معجمة مضمومة وواو مفتوحة وعين مهملة. ومنها: النهاس، بالنون والسين المهملة والمعجمة- أيضًا- والنهس: أخذ اللحم بمقدم الأسنان.

стр. 325

باب النذر قوله: ولو نذر فعل معصية لغا نذره، وقيل: يلزمه كفارة يمين. ثم قال: وعلى الخلاف يتخرج نذر الصلاة في الحيض، ونذر الصوم أيام العيدين والتشريق ونحو ذلك. نعم: لو نذر الصلاة في الأوقات المكروهة- فقد تقدم أن الكراهية كراهة تحريم، فيأتي فيه الخلاف مع وجه آخر- حكاه الأصحاب: أنه ينعقد نذره على القضاء في غيرها دون الوفاء به. وهذا هو المنقول. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من أن الخلاف ليس بمنقول، وإنما هو على سبيل التخريج، وأن المنقول صحة النذر ووجوب الوفاء به في وقت آخر- غريب، فقد حكى فيه الرافعي في الكلام على الأوقات المكروهة وجهين، أضعفهما: ما ادعى المصنف انحصار النقل فيه، وأصحهما: أن نذره لاغٍ، وبناهما على أنه إذا تحرم بالصلاة في ذلك الوقت: هل ينعقد؟ إن قلنا: نعم- صح نذره، وإلا فلا. والغريب: أن المصنف قد حكاهما- أيضًا- هنالك. نعم: يصح له ما ادعاه في الوجه الثالث القائل بلزوم الكفارة، فإنهم لم يصرحوا به. الأمر الثاني: أن القائل بصحة النذر لم يوجب فعلها في وقت آخر- كما ادعاه المصنف، بل قال: إن الأولى ذلك. وممن ذكره هكذا الرافعي والنووي. قوله: ولو نذر شيئًا ولم يعلقه على شيء فقد قيل: لا يصح، لأنه لا يسمى نذرًا، والمذهب: أنه يصح، لعموم الأدلة، وما ذكره من أنه لا يسمى نذرًا ممنوع، لأن الله- تعالى- قال- حاكيًا عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ...﴾ الآية [آل عمران:٣٥]، فأطلق النذر ولم يذكر تعليقه. انتهى كلامه. وما ذكره من كون هذه المقالة من كلام مريم- ﵇ غلط عجيب وذهول، فإنه من كلام أمها لما كانت حاملًا بها، فاستحضر الآية تجده كذلك. نعم: وقع ذلك من مريم في قوله- تعالى-: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ الآية [مريم:٢٦]، فاشتبه ذلك على المصنف. قوله: والوجهان جاريان فيما لو نذر أن يحج من شوال، والأظهر- وهو اختيار

стр. 326

صاحب ((التهذيب)) -: اللزوم، وكذا لو نذر أن يحرم من بلد كذا. انتهى كلامه. وما ذكره هنا من أن الأظهر أن زمان الإحرام يتعين بالنذر قد خالفه في باب كفارات الإحرام، في الكلام على قول الشيخ: ويجب عليه القضاء من حيث أحرم، فإنه جزم بأنه لا يتعين، ومثل بشوال كما مثل به هاهنا، وقد سبق ذكر لفظه هناك، فراجعه. قوله: وإن نذر المشي إلى مسجد رسول الله ﷺ ... إلى آخره. ثم قال في أثنائه ما نصه: بناء على الوجهين فيما لو نذر أن يعتكف شهرًا بصوم هل يجزئه أن يعتكف رمضان؟ انتهى. وما ذكره هنا من حكاية الوجهين هو الصواب، وقد ادعى في باب الاعتكاف عدم الخلاف فيه، وسبق ذكر لفظه هناك والوعد بذكر هذا الموضع. قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن نذر المشي إلى ما سواهما من المساجد لم يلزمه ... إلى آخره. ثم تكلم في أن نذر الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة هل يلزم أم لا؟ فقال ما نصه: لكن الرافعي ادعى أن الصحيح في هذه الصورة اللزوم. انتهى كلامه. وما نقله عن الرافعي هنا قد وهم في نقله عنه، بل الصحيح عنده عدم التعيين، وقد سبق التنبيه عليه في باب الاعتكاف. قوله: الثاني إذا نذر الصلاة في مسجد غير الثلاثة انعقد نذره بالصلاة، ولم تتعين عليه الصلاة في المسجد الذي عينه في نذره، بل له أن يفعلها في بيته. ثم قال: ووراء ما ذكرناه وجوه: أحدها: أنه إذا نذر أن يصلي ركعتين في مسجد تعين عليه الصلاة فيه، حكاه في ((الذخائر)). والثاني- حكاه مجلي أيضًا-: أن من أصحابنا من قال: إذا نذر الصلاة في الجامع تعين عليه. والثالث- حكاه في ((البحر)): أنه إذا نذر الصلاة في الجامع له أن يصلي في مسجد وإن لم يكن جامعًا. انتهى كلامه. والوجه الأول المنقول عن ((الذخائر)) صحيح، وأما الوجه الثاني المنقول عنها فلم أر له ذكرًا فيها لا في هذا الباب ولا في باب الاعتكاف. قوله- نقلًا عن الطبري في ((العدة)) -: لأن اسم البدنة من جهة اللسان غير واقع

стр. 327

على هذين الجنسين- يعني البقر والغنم- ثم قال: وما ذكره- يعني الطبري- فيه منازعة تظهر لك مما ذكرناه في باب كفارات الإحرام. وهذه المنازعة التي أشار إليها باطلة، لأنها مبنية على ما نقله عن الأزهري هنا: أن ((البدنة)) تقع على الثلاثة، والنقل المذكور عن الأزهري غلط كما سبق بسطه، فراجعه. قوله- في الكلام على نذر صوم سنة بعينها-: وإن كانت امرأة فحاضت قضت أيام الحيض في أصح القولين، لأن الزمان زمان الصوم فأشبه رمضان، وقد وافق الشيخ في تصحيحه البندنيجي، وأبا الحسين بن القطان، وأبا علي الطبري، وقال ابن كد: إنه المشهور. وحكى في ((البحر)) طريقة قاطعة به. والثاني: لا تقضي أيام الحيض، لأنها لا تقبل الصوم فلم تدخل في النذر كأيام العيد والتشريق ورمضان، وهذا ما صححه النووي. انتهى كلامه. وهذا النقل الذي ذكره عن ابن القطان وأبي علي الطبري، وابن كج في دعواه المشهور- غلط، فإنه نقل عن المذكورين من ((الرافعي))، والرافعي نقل عنهم العكس فقال: ففي وجوب القضاء قولان: أحدهما: لا يجب كيوم العيد. والثاني: يجب كما في رمضان. ثم قال ما نصه: وهذا أصح عند صاحب ((المهذب))، والأول أصح عند أبي علي الطبري وأبي الحسين بن القطان، ونسبه القاضي ابن كج إلى الجمهور، وتابعهم الروياني. هذا كلامه من غير زيادة عليه، ولما اختصره في ((الروضة)) وفي به فقال: أظهرهما: لا يجب كالعيد، وبه قال الجمهور، وصححه أبو علي الطبري وابن القطان والروياني. هذا لفظه، ولا شك أن النسخة التي وقعت لابن الرفعة سقط منها من لفظ ((عند)) إلى لفظ ((عند))، وأما نقله عن ((البحر)) طريقة قاطعة بالوجوب فليس كذلك، بل إنما نقلها في الفطر بالمرض. قال:- يعني الشيخ-: ومن نذر صلاة لزمه ركعتان في أصح القولين، وركعة في الآخر: فإن قلنا بالأول فلا يجوز أن يصلي قاعدًا إلا أن يعجز. ثم قال ما نصه: وإن قلنا بالقول الثاني جاز أن يصلي الركعة قاعدًا، كما صرح به البغوي، وحكى الرافعي في جواز القعود فيها وجهين، وقد خرج على القولين- أيضًا- ما إذا نذر ... إلى آخر ما قال.

стр. 328

وما حكاه- ﵀ عن الرافعي من أنا إذا فرعنا على القول الثاني، وهو لزوم الركعة: أن في جواز القعود وجهين- غلط، لم يذكره الرافعي، ولا توجيه له- أيضًا- من جهة المعنى، بل فرع الخلاف على الخلاف فقال: وقوله في الكتاب: تكفيه ركعة، ليعلم بالحاء والألف، وأراد بقوله: وكذا في الصلاة، التفريع على القول الأصح عنده، وهو التنزيل على أقل جائز، وهل يجوز أن يصلي قاعدًا مع القدرة على القيام؟ فيه وجهان، بناء على الأصل المذكور. هذا لفظه بحروفه، وذكر مثله في ((الشرح الصغير)) - أيضًا- وفي ((الروضة))، وسبب الغلط- والله أعلم-: أنه توهم في قول الرافعي: التفريع على القول الأول. أنه ابتداء كلام، ولم ينظر لما قبله، واشتبهت الواو في قوله)) وهل ((بالفاء، والله أعلم بالصواب، وعليه المرجع والمآب. تم الجزء الأول بحمد الله تعالى وعونه وبركة نبيه محمد ﷺ . يتلوه في أول الجزء الثاني- إن شاء الله تعالى- كتاب البيوع، والحمد لله أولًا وآخرًا. بلغ جميع هذا الجزء من أوله إلى آخره مقابلة محررة على يد كاتبه ومالكه على نسخة محررة شاهدت في حاشية آخر الجزء الذي نقلت منه ما مثاله بخط المؤلف- رحمه الله تعالى-: بلغ مقابلة محررة بالمسودة، كتبه مؤلفه، عفا لله عنه! انتهى آخر خط المصنف، وذلك في مجالس كثيرة آخرها يوم الأربعاء، التاسع عشر من شهر ربيع الآخر، من شهور سنة ست وستين وسبعمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل!

стр. 329

كتاب البيوع باب ما يتم به البيع قوله: ويعتبر في البيع ثلاثة أشياء: أحدها: العاقد وهو البائع والمشتري، والثاني: المعقود عليه وهو الثمن والمثمن، والثالث: الصيغة وهي الإيجاب والقبول. قال في ((الوسيط)): وهذه الثلاثة الأركان لابد منها لوجود صورة العقد. واعترض الرافعي على الغزالي فقال: إن كان المراد أنه لابد من وجودها في دخول صورة البيع في الوجود فالزمان والمكان وكثير من الأمور بهذه المثابة، فوجب أن تعد أركانًا، وإن كان المراد أنه لابد من حضورها في الذهن ليتصور البيع فلا نسلم أن العاقد والمعقود عليه بهذه المثابة، لأن البيع فعل من الأفعال، والفاعل لا يدخل في حقيقة الفعل، ألا ترى أنا إذا عددنا أركان الصلاة والحج لا نعد المصلي والحاج أركانًا؟! بل الأشبه أن الصيغة- أيضًا- ليست جزءًا من حقيقة فعل البيع. انتهى كلام الرافعي، وأجاب المصنف فقال ما نصه: وجوابه: أن المراد الأول، وإنما لم نعد الزمان والمكان من الأركان، لأنه لا يعقل فعل من الأفعال بدونهما، عقدًا كان أو غير عقد، والعلم بذلك حاصل بالبديهة، فلذلك لم يذكرهما، بخلاف ما ذكره، فإنه لما اختلف فيه احتاج إلى ذكره. انتهى كلامه. وهذا الكلام غلط وذهول عجيب، فإن المختلف فيه إنما هو الصيغة، وأما العاقد والمعقود عليه والثمن والمثمن فلابد منها بالاتفاق. واعلم أن المنقول: أن البائع والمشتري ليسا من الأركان، كذا جزم به القاضي الحسين في كتاب الوكالة من ((تعليقته))، قال: بخلاف الزوجين في النكاح. وفرق بأنهما مقصودان فيه، بخلاف البيع. قوله: وروى الخراسانيون عن ابن سريج تخريج قولٍ: أنه يكتفي في المحقرات بالمعاطاة، وروي عنه في ((التتمة)) أنه يكتفي بها فيما جرت العادة فيه بالمعاطاة ويعدونه بيعًا، ومقتضى هذا: أن خلاف ابن سريج ليس قاصرًا على المحقرات. ثم قال ما نصه: ومثلوا المحقرات بالباقة من البقل، ومنهم من يمثلها بما دون

стр. 330

نصاب السرقة. قال الرافعي: والأشبه الرجوع فيه إلى العادة، فما يعتاد فيه الاقتصار على المعاطاة بيعًا ففيه التخريج، ولهذا قال صاحب ((التتمة)) معبرًا عن التخريج: ما جرت العادة فيه بالمعاطاة فهو بيع، وما لا كالدواب والعقار والجواري فلا. هذا آخر كلامه، وقد قدمت من كلام صاحب ((التتمة)) أن بينهما فرقًا، فلا يحسن الاستشهاد. انتهى كلام ابن الرفعة. وما ذكره- ﵀ في آخر كلامه اعتراضًا على الرافعي من أن الاستشهاد لا يحسن سهو، فإن الاستشهاد بما نقله عن صاحب ((التتمة)) لما ذكره بحثًا، واضح مطابق، بل الصواب على هذا التقدير أن نقول: فلا يحسن البحث الذي ذكره وعبر عنه بالأشبه، ووجهه: أن الذي يعد بيعًا بالمعاطاة أعم من المحقرات كما تقدم، فلا يصح تفسير المحقرات به، وجواب هذا أن نقول: إن الرافعي إنما أراد بقوله: والأشبه الرجوع فيه، أي: في التخريج، وهو الظاهر، وعلى هذا فلا إيراد. قوله: إذا باع الأب أو الجد مال ابنه الصغير هل يفتقر إلى النطق بلفظ العقد، أو تكفي نية ذلك؟ فيه وجهان: فإن اعتبرنا الإتيان باللفظ فهل يفتقر إلى القبول؟ فيه وجهان. انتهى. ومقتضاه: أن الإيجاب لابد منه جزمًا، وأن الخلاف إنما هو في القبول، وليس كذلك، بل الوجهان في أنه لابد من اللفظين أو يكفي أحدهما، سواء كان إيجابًا أو قبولًا، كذا حكاه الرافعي وغيره، وذكره المصنف على الصواب في ((المطلب))، وقال: إنا إذا اكتفينا بأحد اللفظين فلابد أن يكون يصح الابتداء به. قوله: وهذا التعليل من الماوردي مبني على اعتقاده أن البيع لا ينعقد بقوله: أبحتك هذا العبد بألف، أو: سلطتك عليه، أو: أوجبته لك، أو: جعلته لك، وما أشبه ذلك، وهذا إن أراده مع وجود النية، وجعل القائل كالشاهد فهو خلاف الظاهر من المذهب على ما حكاه الرافعي وغيره، والأصح على ما حكاه الغزالي. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن الرافعي وغيره من تصحيح البيع بلفظ الإباحة مع النية غلط، ففي الرافعي الجزم بأنه لا يصح، وقال النووي في ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه. الثاني: أن الرافعي لم يذكر ((أوجبت)) بالكلية. الثالث: أنه لم يصحح شيئًا في ((سلطتك عليه))، والذي صحح الانعقاد إنما هو النووي في ((زوائده)). قوله: وحكى- يعني الرافعي- في باب الاستثناء من كتاب الطلاق: أن الكلام

стр. 331

اليسير لا يقطع الاتصال بين الإيجاب والقبول على الأصح، فيتجه جريان مثل ذلك هنا. انتهى كلامه. واعلم أن الذي حاول تخريجه هو عين ما نقله الرافعي أو داخلٌ فيما نقله، فإنه عبر بالإيجاب والقبول كما تقدم، وهو يتناول الأبواب كلها إن لم نحمله على المتبادر إلى الفهم وهو المعاملات. قوله: فروع: لو قال البائع. بعتك بألف أفقبلت؟ فقال: نعم، أو قال: بعتك بألف، فقال: نعم- انعقد البيع، حكاه الرافعي في كتاب النكاح، وفي ((النهاية)) في كتاب ((الإقرار)) أن قول المشتري: نعم، لا يكون قبولًا. انتهى كلامه. وحاصله: أن الإمام قائل بأن ((نعم)) لا تكون جوابًا للمسألتين، وليس كذلك، بل إنما أجاب به في المسألة الثانية فقط، فإنه ذكرها قبيل فصل أوله: قال: والإقرار في الصحة والمرض- فقال ما نصه: مما أجراه الأئمة: أن الرجل إذا قال لمن يبايعه: بعت منك هذا بألف، فقال: نعم- لم يكن ذلك قبولًا، فإن قول القائل: نعم يترتب على استخبار وهو يقع خبرًا، والخبر يتردد بين الصدق والكذب، وقبول العقد إنشاء لا يتصف بصدق ولا كذب. هذا كلامه، ولا يلزم من المنع في هذه أن يمنع عند الاستفهام، لأن ((نعم)) إذا لم يتقدمها استفهام لا يكون مدلولها إلا تصديق ما صدر من المتكلم وهو الإيجاب في مثالنا، فكأنه قال: صدقت في أنك رضيت بذلك وأوجبه، وإنما تكون مفيدة إجابة المتكلم إذا كان مستفهمًا، والصورة التي لم يذكرها الإمام قد وجد فيها الاستفهام، ووقعت ((نعم)) فيها مترتبة على التماس إنشاء. قوله: ولو قال: بعتك بألف إن شئت، فقال: شئت- لم ينعقد، وفي ((التتمة)) عند الكلام في نية الوضوء والتبرد: أنه يصح. ولو قال: اشتريت، فوجهان. انتهى كلامه. وهذا النقل عن ((التتمة)) قد نقله- أيضًا- المصنف عنه في ((شرح الوسيط))، وهو غلط عجيب، فإن صاحب ((التتمة)) إنما حكم بصحة الإيجاب فقط، ولم يتعرض لقول المشتري: شئت، فقال: وكما لو قال رجل لآخر: بعتك هذا الثوب بعشرة إن شئت، كان الإيجاب صحيحًا، لأنه لو لم يقل: إن شئت كان الخيار ثابتًا، فإذا صرح به لم يضره. هذا لفظه، ثم صرح هنا بالمسألة التي ذكرها المصنف، وجزم فيها بالبطلان فقال: الخامسة عشرة: لو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة إن شئت، فإن قال المشتري: شئت، لم ينعقد البيع، لأن لفظ ((المشيئة)) ليس من ألفاظ التمليك، وإن قال: قبلت، فوجهان. هذا كلامه، وقد ذكر الشيخ محيي الدين أنه لا خلاف في عدم الصحة فيها، كذا ذكره في ((شرح المهذب))، لكن نص الشافعي على الصحة، كذا نقله عنه

стр. 332

الكرابيسي في ((أدب القضاء)) فقال ما نصه: وقال- يعني الشافعي-: إذا قال لعبده أنت حر بألف، أو: أنت طالق بألف إن شئت، فشاء العبد والمرأة- عتق العبد وطلقت المرأة وعليهما الألف، وكذلك إذا قال: قد بعتك هذا العبد بألف إن شئت، فقال: قد شئت- جاز البيع. هذا لفظه بحروفه، ومنه نقلت، والنسخة التي نقلت منها أصل عتيق كتب ابن الصلاح عليها بالثناء عليه وباستغرابه وكثرة فوائده، ورأيت في ((الأم)) في كتاب الإقرار نحوه- أيضًا- فإنه قال: ما نصه: لو قال: هذا لك بألف درهم إن شئت، فشاء- كان هذا بيعًا لازمًا، ولكل واحد منهما الخيار، لأن قول إنشاء لا إقرار. هذا لفظه. قوله- في المسألة-: ولو قال: اشتريت، فوجهان، أظهرها- وهو اختيار القاضي الحسين، وبه أجاب القاضي أبو الطيب وابن الصباغ في كتاب ((الإقرار)) -: أنه ينعقد. ولو قال الطالب: اشتريت هذا منك إن شئت، فقال: بعته منك إن شئت- قال الإمام في كتاب ((الإقرار)): الذي يجب القطع به: أنه لا ينعقد، فإن الموجب علق الإيجاب بالمشيئة بعد سبق التعليق، والتعليق يقتضي وجود شيء بعده، فلو قال الطالب مرة أخرى: اشتريت، أو: قبلت- قال: فالذي يقتضيه القياس عندي أن البيع لا يصح على قياس القاضي- أيضًا- فإنه يبعد حمل المشيئة على استدعاء القائلٍ، وقد سبق فتعين حمله على المشيئة نفسها، وإذا حمل على ذلك كان تعليقًا محضًا، والتعليق يبطل البيع. انتهى كلامه. وما نقله عن الإمام في كتاب الإقرار من تصوير المسالة بما إذا علق المشتري- أيضًا- كلامه، وأن تعليقه مقتضٍ للبطلان- قد نقله عنه المصنف في موضع آخر أيضًا، وهو غلط، بل أجاب الإمام بالبطلان مع كون المشتري لم يعلق كلامه، فقال ما نصه: ولو قال الطالب: اشتريت منك هذا العبد بألف، فقال: بعته منك إن شئت- فيجب القطع بأن البيع لا ينعقد، فإن الموجب علق الإيجاب بالمشيئة بعد سبق القبول، والتعليق يقتضي وجود شيء بعده. هذا لفظه، ثم ذكر ما نقله عنه المصنف إلى آخره. قوله: فنقول: إذا اشترى قريبه الذي يعتق عليه ثبت فيه الخيار للبائع، وفي ثبوته للمشتري خلاف مبني على أقوال الملك، فإن قلنا إن الملك للبائع أو موقوف، ثبت له- أيضًا- وإن قلنا: إنه للمشتري، لم يثبت على الصحيح، وفي ((الحاوي)) حكاية وجه أنه يثبت أيضًا. انتهى كلامه. وما نقله- ﵀ عن الحاوي من كونه قد حكى وجهًا ليس كذلك، بل جزم به. نعم، حكاه الماوردي في خيار الشرط، ولا يلزم من التردد هناك حصوله هنا،

стр. 333

وقد قال الإمام في كتاب الإقرار: إن من يثبت الخيار لمن يشتري أباه يتردد في خيار الشرط، ويقول: إنا يثبت خيار المجلس من جهة أنه خيار شرعي، فأما الخيار الذي يتعلق ثبوته بالشرط والاختيار فلا وجه لثبوته. هذا كلامه. قوله: وفي جواز الخيار ثلاثة أيام ما رواه مسلم وأبو داود عن محمد بن يحيي بن حبان قال: كان جدي قد بلغ مائة وثلاثين سنة وما زال يخدع، فقال له رسول الله ﷺ : ((من بايعته فقل: لا خلابة، وأنت بالخيار ثلاثًا)). انتهى كلامه. واعلم أن هذه الزيادة التي ساق الحديث لأجلها، وهي قوله: ((وأنت بالخيار ثلاثًا)) - قد وهم في نسبتها إلى مسلم، والذي رواه مسلم عن ابن دينار: أنه سمع ابن عمر يقول: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله ﷺ : ((من بايعت فقل: لا خلابة)) فكان إذا بايع يقول: لا خيانة. وأورده- أيضًا- البخاري في ((صحيحه)) في باب ما ينهى عن إضاعة المال، وفي باب من باع على الضعيف، ولم يذكر فيه هذه الزيادة. نعم، ذكرها في ((تاريخه))، ورواها- أيضًا- على الشافعي وغيره، وما وقع فيه المصنف هاهنا قد تفطن له في ((المطلب)) فذكره على الصواب أيضًا. قوله: وينتقل المبيع إلى المشتري بنفس العقد في أحد الأقوال، وبانقضاء الخيار في الثاني، وموقوف في الثالث. ثم قال: ومن فوائد الخلاف: نفقة المبيع على من تجب؟ وقد ذكره الجيلي، وقال: إذا قلنا بالوقف كانت عليهما ... إلى آخر ما ذكر. وهذه المسألة التي لم ينقلها إلا عن الجيلي مشهورة للأصحاب المعتبرين على غير هذا الحكم الخارج عن القياس: فقد ذكرها الروياني في ((البحر)) في باب بيع المال الذي فيه الزكاة، وهو قبل زكاة المعدن، وصرح بأنا إذا قلنا بالوقف كانت- أيضًا- موقوفة تجب على من تبين الملك له، وذكرها أيضًا. وذكر الرافعي: أن نفقة الولد إلى أن يعرض على القائف على الرجلين، فإذا ألحقه بأحدهما رجع الآخر عليه. وقيده في العدة بما إذا أنفق بإذن الحاكم، وإلا لم يرجع. والقاضي الحسين في كتابه المسمى بـ ((أسرار الفقه)) فقال: إن قلنا: إن الملك للبائع، فالنفقة عليه، وإن قلنا: للمشتري، فعليه، ذكر ذلك قبيل كتاب النفقات، ويعلم منه- أيضًا- من عليه النفقة على القول الثالث، لأن كون الملك فيه للبائع أو المشتري تظهر عند انقضاء الخيار، إلا أن المطالب منهما في مدة الوقف لا يعلم مما ذكره. ثم إن الفطرة تتبع النفقة، وفطرة هذا العبد تنبني على أقوال الملك كما ذكره الرافعي في آخر باب زكاة الفطر، فلزم ما ذكرناه، والحاصل: أن المسألة مذكورة في غير موضعها، فلم يتفطن لها

стр. 334

المصنف، فقلد هذا الناقل الضعيف في حكم ضعيف. قوله: والعلم بالأجل تارة يحصل بأن يقال: إلى يوم أو ساعة، فيصح وإن أطلق، لأنه يحمل على اليوم الذي هو فيه، كما لو حلف لا يكلم شهرًا ثم ينظر: إن كان العقد نصف النهار ثبت له الخيار إلى أن ينتصف النهار من الغد، والليل يدخل في حكم النهار للضرورة، وإن كان العقد بالليل فلابد أن يشترط الخيار في بقية الليل، كذا قاله في التتمة، وفيه نظر من حيث إنه جعل اليوم محمولًا على اليوم الذي هو فيه، وفي نظيره من الإجارة لا يصح، ولم يظهر لي فرق بينهما. انتهى كلامه. وما اعترض به على المتولي من أن نظيره في الإجارة لا يصح، واستشكل الفرق بينهما- فغريب جدًا، فإن الصحيح في ((الرافعي)) و ((الروضة)) فيما إذا قال: أجرتك شهرًا، وأطلق- أنه يصح، ويحمل على الشهر الذي هو يه، ويكمل من الشهر الذي بعده إذا كان في أثنائه، ولا فرق في التنكير بين اليوم والشهر والسنة، وقد صرح الرافعي في الإجارة باليوم بخصوصه، ولم يحك فيه إلا الصحة، فقال في الكلام على استئجار الثياب: وإن قال: يومًا، وأطلق- قال الصيمري: كان من وقته إلى مثله من الغد. هذا كلامه، والغريب أن المتولي في ((التتمة)) قد صرح هنا بالصحة في الإجارة- أيضًا- فقال في الباب التاسع من أبواب البيع: التاسعة: إذا قال: بعتك بشرط خيار يوم، اقتضى إطلاقه اليوم الذي وقع فيه العقد، كما لو قال: أجرتك شهرًا، انصرف إلى الشهر المتصل بالعقد، وإذا قال: والله لا أكلمك شهرًا، انصرف إلى الشهر الذي بعد اليمين. هذا لفظ المتولي، ثم ذكر بعده ما نقله عنه المصنف إلى آخره، فحذف استدلاله بالإجارة، ثم نسي، فظن أنه يقول بالبطلان، فاعترض عليه، لاسيما أن المصنف قد صحح في الإجارة عدم الصحة على عكس ما صححه الرافعي، فقال: إنه الصحيح الذي قطع به العراقيون. واعلم أن ما نقله عن ((التتمة)) من أنه إذا كان العقد بالليل فلابد أن يشترط الخيار في بقية الليل، هو كذلك في ((التتمة)). فاعلمه، فإن النووي قد نقل المسألة عنه في ((شرح المهذب)) على غير الصواب، فقد يقف عليه واقف فيظن صحة ذاك وبطلان ما ذكره المصنف. قوله: ويجوز الاستبدال عن الثمن على الجديد. ثم قال: ومحله إذا لم يكن الثمن مؤجلًا، أو كان ولكن لا اشتراك في علة الربا بينه وبين الثاني، أو كان مشتركًا لكنهما جنسان كالذهب والفضة، أما لو اتحد الجنس كالطعام عن الطعام لم يجز، وهذا ما حكاه القاضي في باب بيع الطعام. هذا

стр. 335

كلامه، ثم نقل عن الشيخ أبي حامد جواز ما منعه القاضي، وعن الماوردي منع الاستبدال عن المؤجل مطلقًا، لأنه لا يملك المطالبة به. إذا علمت ذلك فحاصل ما حكاه عن القاضي: أنه يمتنع استبدال الطعام عن الطعام المؤجل إذا كانا من جنس واحد، فإن كانا من جنسين كالقمح عن الشعير لم يمتنع، وهو خلاف ما ذكره القاضي، فإن الذي ذكره أن المؤجل إن لم يكن طعامًا جاز، وإن كان طعامًا فباعه بطعام لم يجز، وإن باعه بغيره جاز إذا تقابضا، وحاصله: منع بيعه بطعام آخر، ولم يشترط فيه أن يكون من الجنس، ومأخذه أنه بيع للربوي الحال بالمؤجل، وقبض المؤجل إذا بيع والحالة هذه إنما هو قبض حكمي، وذلك لا يكفي في الربويات كما أوضحوه في بابه، بل يتعين حمل كلام القاضي على أنه من غير الجنس، لأنه إذا كان بجنسه ونوعه كان أخذ الحال عن المؤجل تعجيلًا للمؤجل، وليس باعتياض كما جزم به الرافعي هنا. وهذا التقرير لكلام القاضي هو الصواب المطابق لما ذكره، وقد قرره المصنف كذلك في ((شرح الوسيط)) على خلاف ما قرره هنا، ونقل فيه عن نص الشافعي ما قاله القاضي من التفصيل، وينبغي إذا كان المؤجل نقدًا فباعه بنقد أن يكون كالطعام بالطعام عند القاضي. قوله: وفي الثمن ثلاثة أوجه: والثاني: أنه النقدان لا غير، والمثمن ما يقابلهما على اختلاف الوجهين. والثالث- وهو الأصح-: أن الثمن هو النقد، والمثمن: ما يقابله. فإن لم يكن في العقد نقد، أو كان العوضان نقدين- فالثمن: ما اتصلت به الباء، والمثمن: ما يقابله، فإذا باع بغير النقدين في الذمة: فإن قلنا بالوجه الأول فيجوز الاستبدال عنه كالنقدين، وإن قلنا بغيره فلا يجوز. انتهى ملخصًا. وما ذكره من أنا إذا فرعنا على جواز الاستبدال عن الثمن: أنه يجوز الاستبدال هذا على الوجه الأول، فواضح، لأنه الثمن عند هذا القائل، فإن الباء قد التصقت به. وأما منعه الاستبدال على الوجهين الأخيرين فصحيح بالنسبة إلى الوجه الثاني، وهو القائل بأن الثمين هو النقدان لا غير، وأما بالنسبة إلى الوجه الثالث فلا، بل حكمه حكم الوجه الأول، لالتصاق الباء- أيضًا- وهو واضح. قوله- في المسألة أيضًا-: ويظهر للاختلاف في أن الثمن ماذا، فوائد أخر، منها: إذا كان العوضان نقدين، فعل الأول: لا يمتنع فيجري في جواز الاستبدال عن كل

стр. 336

منهما الخلاف المذكور. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن الوجه الأول السابق في كلامه هو أن الثمن ما دخلت عليه الباء، وما لم تدخل عليه يكون مبيعًا، وحينئذٍ فيكون نفي المبيع في المسألة المذكورة إنما هو على الوجه الثاني لا على الوجه الأول، فانعكس على المصنف. الأمر الثاني: أن ما ذكره من حكاية الخلاف في هذه المسألة لم ينقله عن أحد، ولم أقف عليه لغيره، وهو فاسد، لأن هذا مصارفة، والمعتبر في الصرف هو القبض الحقيقي، ولهذا جزم الماوردي بمنع الإبراء منه، وقد جزم به المصنف- أيضًا- في آخر باب الربا. قوله: ومنها: إذا كان العوضان عرضين، فلا يجوز على الثاني الاستبدال عن واحد منهما وجهًا واحدًا. انتهى. وما ادعاه من نفي الخلاف إذا قلنا: إن الثمن هو النقدان لا غير، باطل، وذلك لأن مثل هذا العقد ليس سلمًا على الصحيح، بل بيعًا تثبت فيه أحكامه، غير أن المبيع فيه دين، ولنا في بيع المبيع من بائعه قبل القبض خلاف مشهور، وهذا فرض منه. قوله: أما إذا كان للبائع حق الحبس، ونقله بغير إذنه- فقد حصل نقل الضمان، وهل يملك التصرف؟ فيه وجهان في ((الوسيط))، والمذكور في ((الرافعي)) و ((الحاوي)): العدم، وفي ((النهاية)) - حكاية عن الشيخ أبي محمد أن الاستيلاء كما ذكرنا لا يقتضي نقل الضمان كما لا يقتضي التصرف، وهو بعيد. انتهى كلامه. وما ذكره من أن الاستيلاء مع النقل لا ينقل الضمان على هذا الوجه غلط، بل محله إذا وجد الاستيلاء ولم يوجد النقل، بأن كان بساطًا فجلس عليه، أو دابة فركبها ولم يشترها، كذا صرح به في ((النهاية)) في ضمن فصل أوله: ((قال: من ابتاع جزافًا))، وذلك أنه حكم بضمان ما اشتراه جزافًا وقبضه مكايلة، وبأن قبض المنقول يتوقف على القبض على الأصح. ثم قال ما نصه إن قلنا: لابد من النقل في قبض المبيع، وجعلنا الاستيلاء قبض عدوان- فلو وجد الاستيلاء من المشتري من غير نقل فهو كالقابض جزافًا فيما اشترى مكايلة، وذكر شيخي وجهًا آخر: أن الاستيلاء- كما صورنا- لا يقتضي نقلًا للضمان، كما لا يقتضي التسلط على التصرف، وهذا بعيد. هذا لفظ الإمام، وقد تفطن المصنف في شرح الوسيط لذلك، فذكره فيه على الصواب.

стр. 337

باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز قوله: وفي الرافعي أن الظاهر عند الأصحاب: منع الاستصباح بالزيت النجس. انتهى كلامه. وهذا النقل غلط على الرافعي، فإن الموضع الذي ذكر الرافعي فيه المسألة هو صلاة الخوف، وقد صحح هناك الجواز في الشرحين معًا، وعبر فيهما بالأظهر، وصححه- أيضًا- النووي، ولم يتعرض للمسألة في هذا الباب. قوله: وحكي عن القاضي الحسين وجه في جواز بيع السباع لأجل جلودها، وهو جارٍ في الحمار الذي تكسرت قوائمه، وفي الطيور إذا كان في أجنحتها فائدة، ومنهم من لم يجره في الطيور، وفرق بأن الجلود يمكن تطهيرها، ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة. انتهى كلامه. والذي امتنع من إجراء الوجه في الطيور وفرق بهذا الفرق، هو الرافعي، فإنه نقل عن الإمام إجراء الوجه فيه. ثم قال ما نصه: هكذا قال الإمام، لكن بينهما فرق، فإن الجلود تدبغ فتطهر، ولا سبيل إلى تطهير أجنحته. هذا لفظه، والفرق المذكور ليس بصحيح، فإن الانتفاع بالريش في النبل ونحوه من اليابسات جائز، والبيع وقع في حال الطهارة، لأن الكلام في بيع الطير، ومع كونه باطلًا فليس طريقة لبعض الأصحاب وخلافًا ثابتًا عندنا، على خلاف إيراد المصنف في الموضعين. قوله: وأما السباع التي تصلح للاصطياد كالفهد والنمر والهرة، وكذا ما يمكن القتال عليه كالفيل- فيجوز بيعهما، لوجود المنفعة المقصودة، وفي الفيل والهرة وجه: أنه لا يجوز بيعهما، حكاه في ((الحلبة)). انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره من جواز بيع النمر لإمكان الاصطياد به، قد ناقضه في ش ((ر ح الوسيط)) فجزم بأنه لا يجوز بيعه، وبأنه من الحيوانات التي لا يمكن الصيد بها، وكلام الرافعي والنووي فيه- أيضًا- مختلف، وقد أوضحته في المهمات.

стр. 338

الأمر الثاني: أن هذا النقل المذكور عن ((الحلية)) غلط، لأنه إن أراد ((حلية)) الروياني فليس للفيل ذكر، وذكر الهرة، ولكن جزم بجواز بيعها. وإن أراد ((حلية)) الشاشي- وهو المعتاد منه ومن غيره عند الإطلاق- فهو على العكس مما قاله الروياني فإنه ليس للهرة فيها ذكر، وجزم في الفيل بالجواز، وإنما حكى الخلاف قبل استئناسه وتعلمه فقال ما نصه: فأما ما لا نفع فيه من الحيوان ويرجى نفعه في الثاني: كالفهد الذي إذا علم نفع، والفيل إذا تأنس حمل وقاتل- ففي جواز بيعه في الحال وجهان: أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز. هذا لفظه، وكأنه تحرف عليه ((الفهد)) بـ ((الهرة))، ولم يحرر الخلاف ومحله، فوقع فيما وقع. نعم، في ((الذخائر)) وجه: أنه لا يجوز بيع الفيل ولا الفهد، وفي صحته نظر، قال في شرح المهذب إنه لا خلاف في صحة بيعهما وبيع القرد. قوله: وفي بيع السم الطاهر الذي لا يستعمل قليله في الأدوية وجهان في ((الحاوي))، وجه الجواز: الاعتماد على قتل الكفار به. انتهى كلامه. وهذا النقل عن ((الحاوي)) يقتضي أنه حكى الوجهين في السم الذي يقتل قليله وكثيره، وأن علة الجواز فيه هي قتل الكفار، وهذا غلط لم يذكره الماوردي، بل جزم في هذه الصورة بالمنع، وإنما حكى الخلاف في سم لا يضر قليله، فقال في باب بيع الكلاب فأما السم: فإن كان يستعمل تداويًا كالسقمونيا وما في معناه جاز بيعه، وما لا يستعلم تداويًا بحال فضربان: أحدهما: يقتل يسيره وكثيره، منفردًا ومع غيره، فبيعه لا يجوز لعدم المنفعة. هذا لفظه، وهو كما قلنا. ثم قال: والضرب الثاني: أن يقتل كثيره ولا يقتل قليله، أو يقتل مع غيره ولا يقتل بانفراده، فقد علق الشافعي القول في بيعه، فخرجه أصحابنا على قولين: أحدهما: أن بيعه باطل كالذي قبله، والثاني: جائز، لقصوره عن حال الأول. ومن أصحابنا من جوز بيع قليله الذي لا يقتل، ومنع من بيع كثيره الذي يقتل، وهذا الفرق لا جوه. له هذا لفظه. قوله: ويجوز بيع الزرزور والطاوس، للاستمتاع بصورته، وكذا ما يستمتع بصوته. انتهى كلامه. وفيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره في الزرزور من الاستمتاع بالصورة ليس كذلك، بل العلة فيه عند الأصحاب هو الاستمتاع بالصوت، والمشاهدة- أيضًا- تقتضيه، حتى لو فرضنا

стр. 339

انقطاع صوته امتنع بيعه، على خلاف ما يدل عليه كلامه، والسبب في وقوع هذا الوهم له تعبير الرافعي، فإنه قال: ومنه ما ينتفع بلونه أو صوته كالطاوس والزرزور. هذا لفظه، وهو من باب اللف والنشر: الأول للأول، والثاني للثاني، ولهذا عبر في ((الروضة)) بأن قال: بلونه كالطاوس، أو صورته كالزرور. الثاني: أن هذا الكلام كالصريح في أن الزرزور لا يحل أكله مع أنه حلال، ولا خلاف فيه- أيضًا- كما قاله في شرح المهذب. نعم، هذا الإيراد لا يخص المصنف، بل وقع لجماعة منهم الرافعي كما قدمت ذكره. قوله: فما لا منفعة منه شرعًا كآلات الملاهي والأصنام إذا كانت بعد زوال صورتها، لا مالية لها، لا يجوز بيعها، وكذا لو كان له بعد الرصاص مالية على الأظهر عند عامة الأصحاب، وعليه يدل خبر جابر، ومنهم من جوز بيعها، ورأى الإمام الأظهر الجواز إذا كانت متخذة من جواهر نفيسة، بخلاف ما إذا اتخذت من خشب ونحوه. انتهى كلامه. وهو غلط من جهتين: إحداهما: فيما نسبه إلى الإمام من اختيار التفصيل المذكور في آلات الملاهي، فإن الإمام إنما ذكره في الأصنام، وحكى في الملاهي وجهين من غير ترجيح. الجهة الثانية: أن مقتضاه: أن تجويز الإمام إنما هو في الذهب والفضة والزمرد ونحوها، لأن هذه هي الجواهر النفيسة، وليس كذلك، بل عداه الإمام إلى كل ما له قيمة النحاس والصفر والعود وغيرهما. والموقع للمصنف في هذين الوهمين هو تقليده للرافعي: أما الثاني فبصريح كلامه، وأما الأول فلإلباسٍ وقع في تعبيره، ولهذا وقع فيه- أيضًا- النووي في ((اختصار للروضة))، وعداه إلى ((شرح المهذب))، والمسألة ذكرها في ((النهاية)) في باب بيع الكلاب، وقد ذكرت لفظه في كتابنا المسمى بـ ((المهمات))، وهو الكتاب الذي من الله- ، وله الفضل- بتمامة وإبرازه. قوله: والمرهون لا يصح بيعه، لأن المقصود من الرهن الاستيثاق إلى حين قضاء الدين، فلو صح بيعه قبل ذلك لبطلت فائدة الرهن، وأبدى الإمام في كتاب الإقرار احتمالًا- في صحة بيعه، ويكون موقوفًا- من بيع المفلس ماله قبل فك الرهن. انتهى كلامه. واعلم أن في بيع الفضولي قولًا مشهورًا بأنه قديم: أنه يصح موقوفًا على الإجازة،

стр. 340

وقد جزم الإمام بجريانه في المرهون عند إجازة المرتهن، وأما القولان في وقف بيع المفلس على فك الحجر فإنهما ثابتان في الجديد بالاتفاق، وقد قال الإمام: إنهما لا يجريان في الراهن إلا على الاحتمال الذي أشار إليه المصنف. ذكر ذلك كله في أول كتاب الإقرار في الكلام على إقرار المفلس، فاستحضر في أن مسألتنا قولًا جزم الإمام بثبوته، وهو غير القول الذي توقف في تخريجه. قوله: وعليه يخرج ما قيل في بيع الأشجار المساقى عليها: إنه لا يصح، لأن المساقاة عقد لازم، وقد استحق العامل أن يعمل فيها ما يستحق به أجرًا، وبعض الناس يقول: كان يتجه على بيع الأعيان المستأجرة، من حيث إن العامل قد استحق جزءًا من الثمرة الذي مقتضى العقد أن يكون للبائع، وغفل عن ملاحظة هذا الأصل. انتهى كلامه. وما ذكره في هذا البحث من عزوه لبعض الناس غريب، فإن البحث المذكور للرافعي، إلا أنه لم يذكره في بابه، بل ذكره في آخر الإجارة، وهو السبب المقتضى لذهول المصنف عنه. نعم، نقله النووي في ((الروضة)) من الإجارة إلى آخر المساقاة، وقد تكلمت في هذه المسألة كلامًا شافيًا لا مزيد عليه ولا محيد عنه، فلينظر من ((المهمات)). قوله- في الكلام على بيع الفضولي-: وقد حكى هذا القول، أي: قول الصحة، من العراقيين المحاملي في اللباب. انتهى. وهذا النقل عن اللباب قلد فيه النووي في ((الروضة))، فإنه نقله عنه هكذا، مع أن المحاملي لم ينص على هذه المسألة، فإنه عدد بيوعًا للشافعي فيها قولان، ثم عبر في أثنائها بقوله: وبيع تفريق الصفقة أو بيع الموقوف. هذا لفظه من غير زيادة عليه، ولا شك أن قولي الوقف يطلقان على هذه المسألة- يعني بيع الفضولي- ويطلقان على من باع مال أبيه ظانًا فبان ميتًا، وقد صرح هو بعد هذا بأسطر بذلك فقال: فائدة: هذه المسألة على القوم القديم ملقبة بوقف العقود، وهذا اللقب ينظم معها مسألتين ... إلى آخر ما قال. قوله: وقد استدل له بما روي أن النبي ﷺ دفع إلى عروة البارقي دينارًا ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين، وباع إحداهما بدينار، وجاء بشاة ودينار، فقال- ﵊: ((بارك الله لك في صفقة يمينك)). قال الماوردي: فكان لو اشترى ترابًا لربح فيه. انتهى كلامه.

стр. 341

وإسناده هذه الزيادة الأخيرة- وهي الربح في التراب- إلى الماوردي، عجيبٌ، فإنها من تتمة الحديث ... كذا رواه الشافعي في الأم قبل باب كراء الإبل والدواب بأوراق، وكذلك أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن كما قاله في ((شرح المهذب))، ورواه- أيضًا- البخاري في باب علامات النبوة من ((صحيحه)) لكن بإسناد منقطع، وإنما رواه لأجل قطعة منه مسندة، ولفظ هؤلاء الثلاثة- أعني البخاري وأبا داود وابن ماجه- هو اللفظ الذي ذكره المصنف بعينه، إلا أن البخاري وابن ماجه روياه: ((التراب)) معرفًا بـ ((أل)) والسبب في وقوع المصنف في هذا الغلط أن الماوردي ذكر ذلك كله، فتوهم المصنف أن قوله: فكان لو اشترى ... إلى آخره، من لفظ الماوردي، فصرح به فوقع في الغلط، وقد أعاد المصنف هذا الحديث في الوكالة فيما إذا وكله في شراء شاة فاشترى شاتين، وسلم من هذا الاعتراض، فإنه ساق الكلام الأخير من متن الحديث، لكن وقع في اعتراض آخر ستعرفه في موضعه، إن شاء الله تعالى. قوله: وأبدى الإمام في جواز بيع المنقطع الخبر، مع اتصال الرفاق، وعدم إجزائه في العتق عن الكفارة ظاهرًا- احتمالًا في جواز بيعه. انتهى. ومراد المصنف: أن الإمام قال: يحتمل جواز بيع العبد المنقطع الخبر مع تواصل الرفاق، وإن قلنا: لا يجزئ إعتاقه عن الكفارة ظاهرًا، والتركيب الذي عبر به المصنف فاسد، أفسده إعادته لجواز البيع في آخر الكلام. قوله- في الكلام على المغصوب-: ويصح بيعه منه- أي من الغاصب- وكذا من غيره إذا كان البائع أو المشتري يقدر على نزعه منه عند الشيخ في المهذب، والماوردي وابن الصباغ والمحاملي، وهو الصحيح عند غيرهم، لكن يثبت للمشتري الخيار إذا كان هو القادر على تخليصه وقد جهل الحال عند الشراء. انتهى كلامه. وهو صريح في إثبات الخلاف في الصحة عند قدرة البائع، وهذا لا توجيه له، ولم أقف عليه لأحد- أيضًا- بل صرح النووي في شرح المهذب بأنه لا خلاف في الصحة. قوله- في المسألة-: وكذا، أي: يثبت الخيار أيضًا للمشتري، إذا علم وعجز، لضعف طرأ عليه، أو قوة طرأت للغاصب، وفي الرافعي حكاية وجه أشار إليه الإمام: أنه لا خيار له. انتهى كلامه. واعلم أن إثباته لهذا الوجه ونقله إياه عن إشارة الإمام، قلد فيه الرافعي، فإنه قال: وفيه وجه آخر أشار إليه الإمام. هذا لفظه، وما ذكره ليس مطابقًا لكلام الإمام، فإن

стр. 342

الإمام فرض ذلك في عجز البائع، والرافعي يتكلم في عجز المشتري، وقد نبه المصنف على ذلك في المطلب فقال- بعد حكاية لفظ الرافعي: قلت: الذي رأيت الإشارة فيه غير ذلك. ثم ذكر ما قلناه. قوله: فرع: لو باع قطع جمل وزنًا، وكان يباع بعضه إلى أن يوزن- ففي صحة بيعه وجهان منقولان في ((الرافعي)) في أواخر كتاب الإجارة عن ((فتاوي)) القفال. انتهى كلامه. وهذا النقل عن ((فتاوي)) القفال غلط، فإن القفال لم يتكلم في هذه المسألة، والذي نقله الرافعي هناك عن الفتاوي المذكورة إنما هو التردد في مسألة أخرى، ثم نقل عن الأئمة أنهم خرجوا هذه المسألة على الجوابين المذكورين. قوله: وفي بيع الأعيان التي لم يرها المشتري قولان، أصحهما: أنه لا يجوز، لنهيه- ﵊ عن بيع الغرر، والثاني: يجوز إذا وصفها، أي بأن يقول: بعتك العبد التركي الذي في بيتي، إذا لم يكن ثم غيره. ثم قال ما نصه: وقيل: يشترط مع ما ذكرناه ذكر معظم الصفات، وضبطه البغوي بما يوصف به المدعى عند القاضي. وفي التتمة عدا هذا وجهًا آخر: وقيل: يشترط استيعاب جميع صفات السلم. وقال الماوردي: إنه ليس بشرط باتفاق الأصحاب. وحكى عن البصريين أنه إذا استوعب ذلك بطل، لأنه يخرج عن بيوع الأعيان ويصير من بيوع السلم، والسلم في الأعيان لا يجوز. انتهى كلامه بحروفه. وفيما قاله أمران: أحدهما: أن ما نقله عن البغوي من ضبط الصفات بما يوصف به في الدعوى، يقتضي أن البغوي جازم بذلك أو مصحح له، وليس كذلك، بل حكى فيه وجهين من غير ترجيح، فقال ما نصه: ثم فيه وجهان: أحدهما: يشترط ذكر أوصاف السلم، والثاني: ما يوصف به المدعى عند القاضي. هذا لفظه. الأمر الثاني: أن ما نقله عن الماوردي من الاتفاق على أنه لا يشترط استيعاب صفات السلم، غلط، فإن الماوردي إنما نقل الاتفاق على أنه لا يشترط استيعاب الصفات كلها التي هي زائدة على صفات السلم، فإنه قال: والوجه الثاني: أنه لابد من ذكر الصفة، لأنه مبيع غائب فافتقر إلى ذكر الصفة كالسلم، فعلى هذا: إذا قيل: إن

стр. 343

الصفة شرط في صحة العقد، فهل يصح أن يصفه بأقل صفاته، أو لا يصح إلا بذكر أكثر صفاته؟ على وجهين. ثم قال: فأما ذكر جميع صفاته فليس شرطًا باتفاق أصحابنا. هذا لفظه. وقال الشاشي في الحلية: هل يفتقر إلى ذكر الصفات؟ فيه ثلاثة أوجه، أظهرها: لا يفتقر، والثاني: إلى ذكر معظمها، والثالث: يفتقر إلى ذكر جميعها. قوله: ولو كان المبيع عقارًا فلابد من ذكر البلد الذي هو فيه، وفي ذكر البقعة وجهان تقدم ذكرهما، ويشترط ذكر الحدود، ولا يكتفي باثنين منها، وهل يكتفي بذكر ثلاثة؟ نظر: إن لم يحصل بها التمييز لم يكف، وإلا كفي على الأصح، حكاه الماوردي، وإيراده يشعر بأن هذا لا يختص ببيع الغائب. انتهى كلامه. وما ذكره- ﵀ من تقدم ذكرهما صحيح، ومحله في آخر الباب قبله، وما نقله أيضًا- عن الماوردي في صلب المسألة صحيح، ومحله في ((الحاوي)) بعد نحو كراس من أول البيع، فقال تفريعًا على جواز بيع الغائب: فلابد- أي في العقار- من ذكر البلد الذي هو فيه، فيقول: بعتك دارًا بالبصرة، لأن بذكر البلد يتحقق ذكر الجنس ويصير في جملة المعلوم، فأما ذكر البقعة من البلد ففيه وجهان: أحدهما: يلزم، والثاني: لا، لأن البقعة تجري مجرى الصفة. هذه عبارته. وأما الذي نقله عنه- أي عن الماوردي- في ذكر الحدود، فذكره بعد ذلك بكراريس كثيرة في آخر باب ثمرة الحائط يباع أصله، مطابقًا لما نقله عنه المصنف، لكن لم يفرض ذلك في بيع الغائب، بل الفرض فيه يؤدي إلى أن يصير كلامه ((الحاوي)) الأول منافيًا لكلامه الثاني، فيكون الثاني مفروضًا على امتناع بيع الغائب، كما إذا رأى دورًا ثم أراد بيع واحدة منها، ونقل ابن الرفعة- أيضًا- في آخر الكلام أن في إيراد ((الحاوي)) ما يشعر بأن هذا لا يختص ببيع الغائب- كالصريح في أن بيع الغائب مراده ولابد، إلا أنه يختص به، وقد علمت أنه ليس كذلك. قوله: وكذا بيع الجزر والشلجم والبصل والفجل في الأرض قبل قلعه لا يصح عند أكثر أصحابنا، لعدم إمكان وصفه، وبعضهم خرج ذلك على بيع الغائب. انتهى. و ((الشلجم)) المذكور هنا هو بالشين المعجمة وبالجيم، وهو المسمى بـ ((اللفت)) - باللام والفاء والتاء المثناة- كذا قاله في ((شرح المهذب)). قوله: والثوب المطوي لابد من نشره. قال الإمام: ويحتمل عندي جواز بيع الثياب التي لا تنشر بالكلية إلا عند القطع،

стр. 344

لما في نشرها من التنقيص، ويلتحق بالجوز واللوز ... إلى آخره. هذا الكلام يقتضي أنه لم يظفر بخلاف في المسألة، وقد صرح بذلك في ((شرح المهذب)) فقال: هكذا أطلقه الأصحاب، وقطعوا به. ثم نقل احتمال الإمام، واعلم أن الخلاف ثابت مشهور حتى جزم في ((شرح التلخيص)) بأنه لا يشترط، ونقله- أيضًا- عنه البغوي في ((فتاويه))، وجزم به الجرجاني في كتابه ((الشافي))، وحكى وجهين من غير ترجيح فيما إذا لم ينقص بالنشر، وعلل الجواز بأن الغرر يقل بمشاهدة ظاهرها، فتحصلنا على ثلاثة أوجه. قوله: ولا يجوز بيع الثياب التوزية في المسوح على القول باشتراط الرؤية. أما ((التوزية)) فبتاء مثناة من فوق مفتوحة، ثم واو مفتوحة مشددة، ثم زاي معجمة، وهي جنس من الثياب، منسوبة إلى ((توز)) بلدة من بلاد فارس مما يلي الهند. ويقال لها أيضًا: توج- بالجيم- قاله ابن الصلاح في ((مشكل الوسيط)). وأما ((المسوج)): فبميم مضمومة وسين وحاء مهملتين، جمع ((مسح)) بكسر الميم، وهو البلاس من الشعر. ومراد المصنف بقوله على هذا القول، أي: القول الذي نحن الآن نفرع عليه، وهو اشتراط الرؤية، فاعلم ذلك، فإنه بعيد التبادر. قوله: ولو رأى من المثلى أنموذجًا، وقال: بعتك من هذا النوع كذا- لم يصح. ولو قال: بعتك من الحنطة التي في البيت، وهذا أنموذج منها: فإن لم يدخل الأنموذج في البيع فالأصح أنه لا يكفي، وإن أدخله فالأصح الاكتفاء. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن فرضه هذه المسألة في المثلى لا يستقيم، لأن البطيخ والقثاء والسفرجل والرمان والباذنجان والرانج والبيض وغيرها من جملة المثليات، ومع ذلك لا يكفي فيها هذا بلا شك، لأن رؤية البعض مع الاتصال بالباقي لا يكفي فيها، وذلك إذا كان صبرة واحدة، فبطريق الأولى عند انفصاله عنه، لأن رؤية بعض الصبرة أوقى وأولى بالصحة من الأنموذج، فإن فيها خلافًا قويًا مشهورًا، وبعض الصبرة فيها قول أو وجه ضعيف شاذ. والموقع لابن الرفعة في هذا: أن الرافعي عبر بالمتماثلات، وهي المتساوية الأجزاء، فسبق ذهنه أو قلمه إلى المثليات. الأمر الثاني: أن شرط الجواز في مسألة الأنموذج، مع ما ذكره المصنف: أن يرده إلى الصبرة قبل البيع، فأما إذا أدخله في البيع من غير رد فإنه يكون كمن باع عينين

стр. 345

رأى إحداهما وباعهما جميعًا، لتميزه عنه، هكذا ذكره البغوي في ((فتاويه))، وهو متعين لا شك فيه، قال: وكذلك لو جعل الصبرة صبرتين، ثم أراه إحداهما. قوله: ولا يشترط مع ما ذكرناه من الرؤية- الذوق في، المذوق والشم في المشموم على الأصح، وهو ما ادعى الغزالي فيه الوفاق، وفي ((التتمة)) و ((البحر)) حكاية وجه في اشتراط ذلك واشتراط اللمس في الملموس من الثياب ونحوها. انتهى كلامه. وما نقله- ﵀ عن ((التتمة)) و ((البحر)) من حكاية هذا الوجه في لمس الثياب ونحوها غلط، فإنهما لم ينقلاه إلا في الشم والذوق، ولم يتعرضا للمس بالكلية، والرافعي قد سبق المصنف إلى هذا النقل عن ((التتمة)) خاصة، فلما رأى المصنف كلام ((البحر)) - أيضًا- ناقلًا لهذا الوجه في بعض ما نقله الرافعي عن ((التتمة))، عمم ذهولًا. ثم إن الذهاب إليه بعيدًا جدًا، فإن الخل والمسك ونحوهما لا يعرف المقصود منهما إلا بالشم والذوق، بخلاف الثياب، فإن إدراك المقصود منها يعرف بدون اللمس. واعلم أن من جملة الحواس: حاسة السمع، ولم يحكوا في ذلك خلافًا، فإذا باع ما يقصد لسماع صوته فهل يتخرج على الخلاف، أم يصح من غير سماعه جزمًا؟ فيه نظر، والمتجه: الثاني: والفرق: سهولة الشم والذوق، بخلاف السماع، فإنه إلى اختيار الطائر، ويدل عليه- أيضًا- جواز شرائه صغيرًا لفائدة سماع في المستقبل. قوله: ولو رأى شيئًا، ثم عقد عليه، واختلفا في النقصان عن الحالة التي وقعت فيها الرؤية- فقد قيل: القول قول المشتري. ثم قال ما نصه: وحكى الغزالي عن صاحب ((التقريب)) - وهو الأصح-: أن القول قول البائع، لأن الأصل عدم التغير واستمرار العقد. قلت: ولو فصل مفصل فقال: إما أن يكون الاختلاف في نقص أصل الخلقة أو في نقصٍ حدث بعد أن كان كاملًا، فإن كان الأول بأن ادعى البائع أنه كذا، ووجد ولم يحدث فيه نقص- فيظهر أن القول قوله، وإن كان الثاني بأن ادعى البائع أنه كان كاملًا، وأن هذا النقص حدث قبل الرؤية، وأنه رآه ناقصًا كما هو الآن- فالذي يظهر أن القول قول المشتري، عملًا بالأصل في الموضعين، كما لو وقع مثل هذا الخلاف في عيب المغضوب بعد تلفه فإن الحكم كما ذكرنا على الأصح، وسنذكر- إن شاء الله تعالى- الفرق بين هذه المسألة ومسألة العيب الذي يمكن حدوثه في موضعها. انتهى كلامه. فيه أمران:

стр. 346

أحدهما: أن ما ادعاه هاهنا من أن الأصح تصديق البائع فقد ناقضه في ((المطلب))، فإن حكى عن الغزالي أنه صحح ما صححه هو هاهنا من أن القول قول البائع. ثم قال عقبه ما نصه: وهو في ذلك متفرد عن الإمام، بل عن جل الأصحاب، فإنك قد عرفت أن كلام القاضي والفوراني والإمام ناص على الجزم بأن القول قول المشتري، وهو ما حكاه الماوردي عن نص الشافعي في كتاب الصرف، ورأيت في الإمام ما يوافقه. انتهى كلام ((المطلب))، وبذلك يظهر أن ما ذكره في هذا الكتاب غلط من سبق قلم أو إسقاط، لأنه لا يمكن حمله على ترجيحه من جهة النقل، ولا البحث أيضًا، لأنه قد ذكر أن الظاهر من جهة البحث إنما هو التفصيل. الأمر الثاني: أن العيب الذي لا يمكن حدوثه قد ذكره الشيخ في أواخر الرد بالعيب، ولم يذكر هناك الفرق الذي وعد هاهنا في آخر المسألة بأن يذكره فيه. قوله: ولو غلب من جنس العروض نوع فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق؟ فيه وجهان، المذكور منهما في تعليق القاضي أبي الطيب في باب الربا، والمحكي عن أبي إسحاق، وهو المذهب في ((التتمة)) -: أنه ينصرف إليه. انتهى كلامه. واعلم أن كلام المتولي لا يطابق ما نقله عنه المصنف بالنسبة إلى حكاية الخلاف، فإن صاحب ((التتمة)) سوى في حكاية الخلاف بين الغالب وبين الموصوف، والوصف كافٍ، فراجع التتمة وتأملها. قوله: ولو باع بنصف دينار صحيح، وشرط أن يكون مدورًا جاز إن كان يعم وجوده. انتهى. وتقييده الصحة بما إذا عم وجوده مقتضاه: أنه إذا كان عزيز الوجود لا يصح، وليس كذلك، فقد ذكر بعد هذا بقليل أنه إذا باع بنقد يعز وجوده فإنه ينبني على جواز الاستبدال عن الثمن: فإن جوزناه صح، ثم إن وجد فذاك، وإلا فيستبدل، وإن لم نجوز الاستبدال لم يصح. وهذا الذي قاله يأتي في مسألتنا بعينه، لكن الذي أوقع المصنف في هذا هو تقليده للرافعي. قوله: ويجري خلاف تفريق الصفقة فيما إذا باع معلومًا ومجهولًا إن قلنا: يجيز بكل الثمن، وإن قلنا: يجيز بقسطه من الثمن، فلا يصح وجهًا واحدًا، وحكى الرافعي على هذا وجهًا: أنه يصح، ويثبت له الخيار، فإن أجاز لزمه جميع الثمن. انتهى كلامه. وما ذكره من الإبطال في المجهول ليس على إطلاقه، بل صورته إذا كان مجهولًا مطلقًا، فإن كان مجهولًا عند العاقد كالغائب كان مخرجًا على القولين. كذا صرح به

стр. 347

البغوي في ((فتاويه))، ولأجل هذا صور النووي في ((شرح المهذب)) المجهول بقوله: وعبدًا آخر، وهكذا صوره الشيخ أبو حامد والجرجاني وغيرهما. قوله: وإن جمع بينهما فيما لا عوض فيها كالرهن والهبة، فقد قيل: يصح فيما يحل قولًا واحدًا، نظرًا إلى العلة الأولى، أي: جهالة الثمن، قال الإمام: وهذا فيه نظر، فإن الدين لم يكن عوضًا عن الرهن فرهن الشيء بالدين المجهول لا يصح على الأصح كما سيأتي. وما قاله يحتاج إلى تأمل. انتهى كلامه. ووجه ما قاله المصنف: أن المرهون- وإن تعدد- مرهون بكل جزء من الدين، فلا جهالة بالكلية. وهذا الذي قاله صحيح في الكتابة والبيع لا يرجع إلى البيع، فإنه باطل قولًا واحدًا على ما حكاه الرافعي وغيره، لصدور أحد شقيه قبل تمام عقد الكتابة، وحكى الجمهور في كتاب الكتابة في صحة البيع طريقين: أحدهما: ما ذكرناه، والثاني: طرد القولين في الجميع. انتهى. وما حكاه عن الرافعي من الاتفاق على بطلان البيع ليس كذلك، فإن الرافعي قد ذكر المسألة هنا وفي باب الكتابة: فأما هاهنا فإنه لم يتعرض لإثبات الخلاف ولا لنفيه، بل جزم ببطلان البيع، وأما في باب الكتابة، فإنه حكى الخلاف فقال في أوائل الباب في الركن الثاني: ففيه طريقان: أحدهما- وبه قال صاحب ((الإفصاح)) -: أنهما على القولين فيما إذا جمع في صفقة واحدة بين عقدين مختلفي الحكم، وأظهرهما: أن البيع باطل، وفي صحة الكتابة القولان. هذا كلامه. قوله: واستئجار الكافر المسلم ينظر فيه: إن ورد العقد على الذمة صح، وإن ورد على العين قال القاضي أبو الطيب: من أصحابنا من قال فيه قولان كالشراء، ومنهم من قال: يصح، وهذا أظهر عند الرافعي. انتهى كلامه. ومقتضاه: أن الرافعي حكى طريقين وصحح طريقة القطع، وليس كذلك، فإنه لم يحك طريقة قاطعة فضلًا عن ترجيحها، وإنما حكى وجهين فقط، ورجح الصحة. قوله: ولو باع عبدًا بشرط العتق على أن يكون الولاء للبائع ففيه قولان، والجمهور على بطلان العقد. ثم قال: وعلى هذا- يعني الصحة- فهل يثبت الشرط المحكي عن الأصحاب؟ الذي لا يكاد يوجد غيره: أنه لا يثبت كما حكاه الرافعي، وقال الإمام: إنه فاسد.

стр. 348

وحكى وجهًا أنه يثبت الولاء للبائع من غير تقدير الملك. انتهى كلامه. وما ذكره- ﵀ من أن الإمام قد حكى وجهًا في ثبوت الولاء فهو غلط اتبع فيه الرافعي، فإن الإمام لم يحك عن أحد خلافًا، وإنما ذكره بحثًا فقال تفريعًا على قول الصحة ما نصه: وعلى هذا ففي الولاء المشروط نظر ذهب بعض الأصحاب إلى أن الوجه فيه إلغاء الشرط، وتصحيح العقد، وهذا فاسد مع أمر رسول الله ﷺ بالاشتراط، ومتعلق القول بصحة العقد قصة بريرة، فلا ينبغي أن نعتبر أصلها ونعطل تفصيل القول فيها، فإذن الوجه تصحيح الشرط إذا صححنا العقد، تعلقًا بقصة بريرة هذا. لفظ الإمام، وقد تفطن المصنف في ((شرح الوسيط ((للصواب فقال: عدم ثبوت الولاء من نقل الإمام، وثبوته من فقه. قوله: ولو جرى البيع بشرط الولاء دون العتق، بأن قال: بعتكه بشرط أن يكون الولاء لي إن أعتقه يومًا من الدهر- فقد ذكر في ((التتمة)) أن العقد باطل بلا خلاف، وقال في كتاب الحج: المشهور من المذهب فساد الحج، وهذا يشعر بخلاف. انتهى. وتعبيره بـ ((الحج)) سهو، وصوابه: الخلع. قوله- فيما إذا اشترى أمة شراء فاسدًا، فوطئها فحملت منه-: ولو لم تمت من الولادة، ولكن نقصت قيمتها- قال الأصحاب: يجب عليه الأرش. وفي ((النهاية)) في كتاب الصداق أنه لو أصدق زوجته جارية حاملًا، ولدت في يد الزوجة، وانتقصت قيمتها بالولادة- أنه يجب بناء هذا على المبيع إذا جرح في يد البائع، ثم سرت الجراحة في يد المشتري، وقد ظهر اختلاف الأصحاب في ذلك: فمنهم من جعل السراية من ضمان البيع، لأن سببها الجراحة، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمان الزوج وإن حدث في يدها. ومن أصحابنا من قال: نقصان السراية من ضمان المشتري، لأنه حدث في يده، فعلى هذا نقصان الولادة من ضمانها. قلت: وقد يتجه أن يجري مثل ذلك هاهنا، وفيما إذا ماتت من الطلق، وما يتخيل بينهما من فرق فهو مندفع بما حكاه العمراني عن الطبري فيما إذا وطئ الغاصب الجارية المغصوبة، فحملت منه، ثم ردها وماتت من الولادة- أن في ضمانه لها وجهين، وغاية الأمر هنا أن يلحق بالغاصب. انتهى كلامه. وهذا البحث الذي ذكره- ﵀ لا يستقيم، وقد نبه هو عليه في حاشية الكتاب فقال ما نصه: هذا الإلزام غير صحيح، لأن محل القولين في الغاصب إذا كان

стр. 349

الولد لا يلحقه، والولد فيما نحن فيه لاحق به، فالتلف جاء من ولد نسب إليه، بخلاف ولد المغصوبة. نعم، أبو عبد الله القطان حكى فيما إذا وطئ الغاصب الجارية المغصوبة عن جهل، وعلقت منه، وماتت في يد السيد من الولادة- في ضمانها قولين، فليأتيا في مسألة الكتاب، وقد يقال: بل الإلزام صحيح من جهة أن الولد وإن لم ينسب إلى الغاصب لكنه حصل العلوق به، وهي في يده وضمانه، فهل ينظر إلى حالة وجود العلوق الذي هو السبب، أو إلى حالة الوضع؟ فيه هذا الاختلاف. هذا كلامه بحروفه.

стр. 350

باب الربا قوله: الربا مقصور، وهو من: ربا يربو، فيكتب بالألف، وقد كتب في المصحف بالواو، فأنت مخير إذن في كتبه بالألف والواو والياء. انتهى لفظه بحروفه. وهذا الكلام الذي ذكره ظاهر الاختلاف، فإن قوله: فأنت مخير إذن ... إلى أخره، يقتضي أن ما ذكره قبل ذلك يكون علة لجواز الأوجه الثلاثة، وهو لم يذكر إلا علة كتابته بالألف والواو، فالأول: انقلابها عن الواو، والثاني: إتباع رسم المصحف، وأما كتابته بالياء فلم يذكر له علة، وقد ذكرها النووي في ((لغات التنبيه)) وغيره، وهي إمالة هذه الألف عند بعضهم، لتقدم الكسرة عليها، ولا شك أن المصنف أراد نقل ما في ((اللغات)) فترك بعضه نسيانًا، وقد استوفاه في شرح الوسيط. قوله: وهو في الشرع: الزيادة في الذهب والفضة وسائر المطعومات. انتهى. وهذا الحد فاسد، فإن الزيادة من حيث هي لا دلالة فيها على الربا الشرعي بالكلية، وأيضًا: لكان ينبغي إذا ذكر هذا أن يزيد ((النقد)) فيقول: هو الزيادة في بيع النقد والمطعوم بمثلهما. قوله: قال- يعني الشيخ-: وإذا باع من غير جنسه: فإن كان مما يحرم فيهما الربا بعلة واحدة كالذهب الفضة والحنطة والشعير جاز فيهما التفاضل، وحرم فيهما النساء والتفرق قبل التقابض، لقوله- ﵊: ((إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد))، فشرط التقابض، وهو يستلزم الحلول)). انتهى كلامه. وهذا الاستلزام الذي ادعاه ليس كذلك، فإنه قد يبيع إلى أجل، ومع ذلك يقع القبض قبل التفرق، وهو واضح. قوله: وذهب ابن أبي هريرة وطائفة من البغداديين إلى أن النص في العرايا ورد في التمر، وقيس عليه الكرم، وقد يستدل لهم بما روى الترمذي عن زيد بن ثابت أن رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي ﷺ أن الرطب يأتي، فرخص لهم رسول الله ﷺ ((أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي كان بأيديهم)). انتهى كلامه. واعلم أن ما نسبه المصنف إلى الترمذي قد سبقه إليه ابن التلمساني في ((شرح

стр. 351

التنبيه)) فقلده فيه، والترمذي لم يذكر فيما رواه عن زيد بن ثابت أن ذلك كان بسؤال المحتاجين، ولفظه: عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ ((نهى عن المحاقلة والمزابنة، إلا أنه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها)). قال أبو عيسى: هذا حديث ثابت. ثم رواه عنه من طريق آخر. ثم قال: وهذا أصح من الأول. ورواه- أيضًا- من طريق ثالث عنه، ولفظه: ((أرخص في بيع العرايا بخرصها))، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وقال: ومعنى هذا عن أهل العلم أن النبي ﷺ أراد التوسعة عليهم في هذا، لأنه شكوا إليه، وقالوا: لا نجد ما نشتري من الرطب إلا بالتمر، فرخص لهم فيما دون خمسة أوسق أن يشتروها فيأكلوا رطبًا. هذا كلام الترمذي، وقد ذكره المصنف في المطلب على الصواب. قوله: والأصل في تقرير هذه القاعدة- أي قاعدة ((مد عجوة)) - ما روى مسلم عن فضالة بن عبيد أنه قال: أتي رسول الله ﷺ عام خيبر بقلادة فيها خرز مغلفة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة، فقال- ﵊: ((لا، حتى تميز بينه وبينها)) فقال: إنما أردت الحجارة، فقال- ﵊: ((لا، حتى تميز بينهما)) قال فضالة: فرده حتى ميز بينهما. انتهى كلامه. واعلم أن قوله في الحديث: ((إنما أردت الحجارة ...)) إلى آخره. فيه دلالة على بطلان العقد- أيضًا- إذا كان المقصود هو الجنس الآخر، وهو حجة لنا على أبي حنيفة في تجويز العقد والحالة هذه. إذا علمت ذلك، فاعلم أن هذه الزيادة لم يخرجها مسلم في صحيحه، فإنه روى الحديث بن عبيد من ثلاث طرق دون الزيادة المذكورة، وبغير هذا اللفظ أيضًا: أحدها: قال: أتي النبي ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب- وهي من الغنائم- تباع فأمر النبي ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن)) هذا لفظ مسلم. والطريق الثاني والثالث بمعنى ذلك. وأما الحديث الذي رواه المصنف فرواه أبو داود بلفظه وبزيادته، ولم يضعفه، فيكون حسنًا أو صحيحًا على ما علم من شرطه.

стр. 352

باب بيع الأصول والثمار قوله: ولا خلاف في اندراج الأسفل من حجري الرحا إذا كان المبيع باسم الطاحون، وكذا الأعلى على الأظهر، ولا خلاف في أنه إذا قال: بعتك هذا الباغ أو البستان أو الحائط، دخل فيه الأرض والأشجار والحيطان ومجاري الماء، وإن كان فيها بناء فعلى الخلاف. انتهى كلامه. وما حكاه من نفي الخلاف فمردود في المسألتين جميعًا: فأما الأسفل من حجري الرحا ونحوه كالإجانات في المدبغة، فالخلاف ثابت فيه في الرافعي وفي غيره كـ ((التتمة)). وأما الحيطان فقد صرح بالخلاف فيها الروياني في ((البحر))، وضعف التفرقة بينها وبين ما في الأبنية الكائنة في البستان فقال: فرع: لو قال: بعتك هذا البستان، يدخل في البيع الأرض وما فيها من الأشجار. ثم قال: وأما البناء الذي فيه والجدار المحيط به فعلى الطرق التي ذكرناها، وقال بعض أصحابنا: يدخل الجدار المحيط قولًا واحدًا، لأن البستان اسم لجميعها، وهو ضعيف عندي. قوله: وإذا باع أرضًا وفيها زرع لا يحصد في السنة إلا مرة، كالحنطة والشعير والجزر والفجل وما في معناه، لم يدخل في البيع، وللبائع تبقية ذلك إلى أول إمكان حصاده. ثم قال ما نصه: نعم، عليه- يعني البائع- قلع ما يضر بالأرض من عروق الذرة وأصول القطن، وهل يلزمه تسوية الأرض؟ الكلام فيه مثل الكلام فيما إذا كان في الدار المبيعة ما لا يسعه بابها، وقد حكى القاضي أبو الطيب فيه: أنه يجب نقض الباب حتى يخرج، ويلزم البائع ما نقض من الباب. ثم قال: ويحتمل أن يقال: يلزمه بناؤه كما تلزمه تسوية الأرض. انتهى كلامه. وحاصله: أنه لا يجب- أيضًا- تسوية الأرض إلا على احتمال ضعيف، بل يجب أرشها، لأنه جعل الحكم فيها كالحكم فيما إذا نقض الباب، ثم أوجب في نقضه ما

стр. 353

ذكرناه، والذي ذكره غلط نبه عليه في حاشية الكتاب فقال: المنقول في مسألة نزع العروق: وجوب التسوية، لا وجوب الأرش كما بينت ذلك في المطلب، وهذه غلطة وقعت مني في فهم كلام الرافعي، حيث قاس هذه المسألة على مسألة توسيع الباب. نعم، في الغصب وجه: أنه لا يجب على حافر الأرض التسوية، بل يجب الأرش، ولا يبعد مجيئه هاهنا. هذا كلامه. قوله: فرع: لو باع الأرض وما بها من زرع ... فإن كان قمحًا، ولم نجوز بيعه في سنبله- بطل فيه، وفي الأرض قولًا تفريق الصفقة. اعلم أن هذه المسألة حكى فيها الرافعي طريقين مبنيين على أن الصفقة إذا فرقناها وصححنا فيما يصح هل يصح: بالقسط أم بالكل؟ فإن قلنا: بالكل، جاء في الأرض القولان في تفريق الصفقة، وإن قلنا: بالقسط، فلا يصح فيها، لأن التقسيط هنا ممتنع لتعذر قيمتها. ثم صحح القطع بالبطلان، وعداه الرافعي في الكلام على تفريق الصفقة إلى كل عقد جمع مجهولًا ومعلومًا، وتبعه عليه المصنف في باب ما يجوز بيعه، وقد ذكرت لفظه هناك لغرض آخر، فراجعه. إذا علمت ذلك فما جزم به المصنف هنا من طريقة القولين مناقض لما جزم به هناك، وأنه إنما يأتي على طريقة ضعيفة عنده وعند غيره. قوله: ولا يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح إلا بشرط القطع، لما روى مسلم أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. ثم قال: وذلك يدل على منع البيع مطلقًا .... فاستثنى منه ما قام الإجماع على جوازه، وهو البيع بشرط القطع، وبقي على عمومه فيما عداه. انتهى كلامه. وما ادعاه من الإجماع قلد فيه الرافعي، وليس كذلك، فقد ذهب سفيان الثوري وابن أبي ليلى إلى أنه لا يصح البيع مع هذا الشرط- أيضًا- وممن نقل الخلاف فيه الشيخ تقي الدين في ((شرح العمدة)). قوله: ولا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع. ثم قال: وحكم أصول البطيخ والباذنجان ونحوهما عند الغزالي حكم الزرع، فلا يجوز إلا بشرط القطع إذا بيعت دون الأرض، والذي ذكره العراقيون وغيرهم: أنه يجوز، ولا حاجة إلى شرط القطع إذا لم يخف اختلاف ثماره. انتهى كلامه. وما نقله- ﵀ عن الغزالي من منعه بيع أصول البطيخ إلا بشرط القطع، سهو تفطن له في شرح الوسيط، فإن الغزالي إنما ذكر بيع البطيخ على أصوله، وقال:

стр. 354

إنه لا يجوز إلا بشرط قطعه، أي: قطع البطيخ. قال: سواء بيع وحده أو مع أصوله. وأبدى الإمام الرافعي في تجويزه بدون هذا الشرط وجهًا لنفسه، تخريجًا من جزم العراقيين وغيرهم بأنه يجوز بيع الأصول من غير شرط. قوله: وفي الباقلاء واللوز قال: إنه يجوز بيعهما في قشرهما ما داما رطبين، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن ابن القاص والإصطخري. انتهى كلامه. وما حكاه هو عن القاضي أبي الطيب فصحيح، وأما حكاية أبي الطيب ذلك عن ابن القاص فمردودة، فإنه إنما جوز في الباقلاء خاصة، فقال في ((التخليص)): ولا يجوز بيع شيء وعليه قشران حتى ترفع العليا، إلا واحد وهو بيع الفول رطبًا، قلته تخريجًا. هذا لفظه، ولم يتعرض المذكور- وهو ابن القاص- في المفتاح للمسألة. قوله: وكان يتجه أن يلحق العلس بالأرز في جواز بيعه في قشرته، وقد جزم القاضي أبو الطيب فيه بالمنع في باب السلم. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه لم يقف على الجواز في العلس لأحد، وهو غريب، فقد ذكر الرافعي المسألة في اللفظ السادس المعقود لبيع الثمار، وجزم بالجواز، وزاد الشيخ محيي الدين على ذلك، فقال في باب الغرر من ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه، أعني الجواز. نعم، ذكر الرافعي في باب السلم أنه لا يجوز، وقد أوضحته في المهمات، ورأيت في ((شرح التخليص)) للشيخ أبي علي السنجي بعد نقل الجواز عن الدراكي فقط: أنه إن كان بقاؤه فيه من مصلحته جاز، وإلا فلا. قوله: ولو اشترى ثمرة، فلم يأخذها حتى حدثت ثمرة أخرى، فاختلطت بها ولم تتميز، أو جزة فطالت، أو طعامًا فاختلط به غيره- ففي الانفساخ قولان، فإن قلنا: لا ينفسخ، فترك البائع للمشتري حقه- وجب القبول. ثم قال: وإذا تركه فهل يكون هبة أو إعراضًا؟ فيه خلاف كما في النعل، صرح به الإمام. انتهى كلامه. واعلم أن الإمام قد ذكر المسألة هنا، وفي باب الخراج بالضمان، وقال: إن من أصحابنا من جعل الثمار كالنعل، ومنهم من قال: لا، فلا يلزم المشتري قبول منته. ولا شك أن هذا الكلام ليس صريحًا في الخلاف حتى نقول: صرح به الإمام، بل ولا ظاهرًا فيه، فإن سياقه يقتضي التشبيه في وجوب القبول، وكيف يأتي القول بالإعراض مع استلزامه امتناع المشتري من التصرف، وحينئذ فلا يحصل المقصود من هذه الهبة، ونحن إنما منعنا الفسخ لأجلها.

стр. 355

فائدة: ذكر المصنف في الباب ألفاظًا: منها: الكش، وهو- بضم الكاف والشين المعجمة- اسم للدقيق الذي في طلع كوز النخل. ومنها: الإبان- بهمزة مكسورة، ثم باء موحدة مشددة، وفي آخره نون- وهو الوقت. ومنها: الفرسك: بكسر الفاء، وسكون الراء، وكسر السين المهملة، وبالكاف، قال الجوهري: هو ضرب من الخوخ ينفلق عن نواه. ومنها: في حديث رواه عن البخاري: ((نهى رسول الله ﷺ أن تباع الثمرة حتى تشقح))، أي: تطيب، هو بالشين المعجمة والقاف والحاء المهملة. قال الجوهري: أشقح النخل. انتهى. وكذلك التشقيح، قال في مسلم: والتاء مضمومة، والشين ساكنة، والقاف مفتوحة، ومنهم من فتح الشين. قال: ويقال- أيضًا- بالهاء عوضًا عن الحاء. ومنها: أن الشافعي أمر بعض أعوانه بأن يشتر له الباقلاء الرطب، والعون هو الربيع وكان الثمن كسرة على ما حكاه القاضي، والذي حكاه عن القاضي، والذي حكاه عن القاضي قد رأيته لشيخه القفال في شرح التلخيص، فنقل عن الربيع أنه قال: مر الشافعي ببغداد بباب الطاق، فأعطاني كسرة فاشتريت له بها الباقلاء الأخضر. ورأيت في شرحه للشيخ أبي علي نحوه أيضًا. والكسرة: هي القطعة من الدرهم أو الدينار، تكسر منه للحوائج الصغار، ومن ذلك قول الفقهاء: الدراهم المكسرة والقراضة، وتسمية القطعة بالكسرة مشهور في بلاد الشرق، وصحيح في اللغة. قال الجوهري: الكسرة: القطعة من الشيء.
следующие страницы →