← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14324

الهداية إلى أوهام الكفاية

الإسنوي

Полный текст (594 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

التنبيه)) فقلده فيه، والترمذي لم يذكر فيما رواه عن زيد بن ثابت أن ذلك كان بسؤال المحتاجين، ولفظه: عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ ((نهى عن المحاقلة والمزابنة، إلا أنه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها)). قال أبو عيسى: هذا حديث ثابت. ثم رواه عنه من طريق آخر. ثم قال: وهذا أصح من الأول. ورواه- أيضًا- من طريق ثالث عنه، ولفظه: ((أرخص في بيع العرايا بخرصها))، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وقال: ومعنى هذا عن أهل العلم أن النبي ﷺ أراد التوسعة عليهم في هذا، لأنه شكوا إليه، وقالوا: لا نجد ما نشتري من الرطب إلا بالتمر، فرخص لهم فيما دون خمسة أوسق أن يشتروها فيأكلوا رطبًا. هذا كلام الترمذي، وقد ذكره المصنف في المطلب على الصواب. قوله: والأصل في تقرير هذه القاعدة- أي قاعدة ((مد عجوة)) - ما روى مسلم عن فضالة بن عبيد أنه قال: أتي رسول الله ﷺ عام خيبر بقلادة فيها خرز مغلفة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة، فقال- ﵊: ((لا، حتى تميز بينه وبينها)) فقال: إنما أردت الحجارة، فقال- ﵊: ((لا، حتى تميز بينهما)) قال فضالة: فرده حتى ميز بينهما. انتهى كلامه. واعلم أن قوله في الحديث: ((إنما أردت الحجارة ...)) إلى آخره. فيه دلالة على بطلان العقد- أيضًا- إذا كان المقصود هو الجنس الآخر، وهو حجة لنا على أبي حنيفة في تجويز العقد والحالة هذه. إذا علمت ذلك، فاعلم أن هذه الزيادة لم يخرجها مسلم في صحيحه، فإنه روى الحديث بن عبيد من ثلاث طرق دون الزيادة المذكورة، وبغير هذا اللفظ أيضًا: أحدها: قال: أتي النبي ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب- وهي من الغنائم- تباع فأمر النبي ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم ﷺ : ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن)) هذا لفظ مسلم. والطريق الثاني والثالث بمعنى ذلك. وأما الحديث الذي رواه المصنف فرواه أبو داود بلفظه وبزيادته، ولم يضعفه، فيكون حسنًا أو صحيحًا على ما علم من شرطه.

стр. 352

باب بيع الأصول والثمار قوله: ولا خلاف في اندراج الأسفل من حجري الرحا إذا كان المبيع باسم الطاحون، وكذا الأعلى على الأظهر، ولا خلاف في أنه إذا قال: بعتك هذا الباغ أو البستان أو الحائط، دخل فيه الأرض والأشجار والحيطان ومجاري الماء، وإن كان فيها بناء فعلى الخلاف. انتهى كلامه. وما حكاه من نفي الخلاف فمردود في المسألتين جميعًا: فأما الأسفل من حجري الرحا ونحوه كالإجانات في المدبغة، فالخلاف ثابت فيه في الرافعي وفي غيره كـ ((التتمة)). وأما الحيطان فقد صرح بالخلاف فيها الروياني في ((البحر))، وضعف التفرقة بينها وبين ما في الأبنية الكائنة في البستان فقال: فرع: لو قال: بعتك هذا البستان، يدخل في البيع الأرض وما فيها من الأشجار. ثم قال: وأما البناء الذي فيه والجدار المحيط به فعلى الطرق التي ذكرناها، وقال بعض أصحابنا: يدخل الجدار المحيط قولًا واحدًا، لأن البستان اسم لجميعها، وهو ضعيف عندي. قوله: وإذا باع أرضًا وفيها زرع لا يحصد في السنة إلا مرة، كالحنطة والشعير والجزر والفجل وما في معناه، لم يدخل في البيع، وللبائع تبقية ذلك إلى أول إمكان حصاده. ثم قال ما نصه: نعم، عليه- يعني البائع- قلع ما يضر بالأرض من عروق الذرة وأصول القطن، وهل يلزمه تسوية الأرض؟ الكلام فيه مثل الكلام فيما إذا كان في الدار المبيعة ما لا يسعه بابها، وقد حكى القاضي أبو الطيب فيه: أنه يجب نقض الباب حتى يخرج، ويلزم البائع ما نقض من الباب. ثم قال: ويحتمل أن يقال: يلزمه بناؤه كما تلزمه تسوية الأرض. انتهى كلامه. وحاصله: أنه لا يجب- أيضًا- تسوية الأرض إلا على احتمال ضعيف، بل يجب أرشها، لأنه جعل الحكم فيها كالحكم فيما إذا نقض الباب، ثم أوجب في نقضه ما

стр. 353

ذكرناه، والذي ذكره غلط نبه عليه في حاشية الكتاب فقال: المنقول في مسألة نزع العروق: وجوب التسوية، لا وجوب الأرش كما بينت ذلك في المطلب، وهذه غلطة وقعت مني في فهم كلام الرافعي، حيث قاس هذه المسألة على مسألة توسيع الباب. نعم، في الغصب وجه: أنه لا يجب على حافر الأرض التسوية، بل يجب الأرش، ولا يبعد مجيئه هاهنا. هذا كلامه. قوله: فرع: لو باع الأرض وما بها من زرع ... فإن كان قمحًا، ولم نجوز بيعه في سنبله- بطل فيه، وفي الأرض قولًا تفريق الصفقة. اعلم أن هذه المسألة حكى فيها الرافعي طريقين مبنيين على أن الصفقة إذا فرقناها وصححنا فيما يصح هل يصح: بالقسط أم بالكل؟ فإن قلنا: بالكل، جاء في الأرض القولان في تفريق الصفقة، وإن قلنا: بالقسط، فلا يصح فيها، لأن التقسيط هنا ممتنع لتعذر قيمتها. ثم صحح القطع بالبطلان، وعداه الرافعي في الكلام على تفريق الصفقة إلى كل عقد جمع مجهولًا ومعلومًا، وتبعه عليه المصنف في باب ما يجوز بيعه، وقد ذكرت لفظه هناك لغرض آخر، فراجعه. إذا علمت ذلك فما جزم به المصنف هنا من طريقة القولين مناقض لما جزم به هناك، وأنه إنما يأتي على طريقة ضعيفة عنده وعند غيره. قوله: ولا يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح إلا بشرط القطع، لما روى مسلم أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. ثم قال: وذلك يدل على منع البيع مطلقًا .... فاستثنى منه ما قام الإجماع على جوازه، وهو البيع بشرط القطع، وبقي على عمومه فيما عداه. انتهى كلامه. وما ادعاه من الإجماع قلد فيه الرافعي، وليس كذلك، فقد ذهب سفيان الثوري وابن أبي ليلى إلى أنه لا يصح البيع مع هذا الشرط- أيضًا- وممن نقل الخلاف فيه الشيخ تقي الدين في ((شرح العمدة)). قوله: ولا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع. ثم قال: وحكم أصول البطيخ والباذنجان ونحوهما عند الغزالي حكم الزرع، فلا يجوز إلا بشرط القطع إذا بيعت دون الأرض، والذي ذكره العراقيون وغيرهم: أنه يجوز، ولا حاجة إلى شرط القطع إذا لم يخف اختلاف ثماره. انتهى كلامه. وما نقله- ﵀ عن الغزالي من منعه بيع أصول البطيخ إلا بشرط القطع، سهو تفطن له في شرح الوسيط، فإن الغزالي إنما ذكر بيع البطيخ على أصوله، وقال:

стр. 354

إنه لا يجوز إلا بشرط قطعه، أي: قطع البطيخ. قال: سواء بيع وحده أو مع أصوله. وأبدى الإمام الرافعي في تجويزه بدون هذا الشرط وجهًا لنفسه، تخريجًا من جزم العراقيين وغيرهم بأنه يجوز بيع الأصول من غير شرط. قوله: وفي الباقلاء واللوز قال: إنه يجوز بيعهما في قشرهما ما داما رطبين، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب عن ابن القاص والإصطخري. انتهى كلامه. وما حكاه هو عن القاضي أبي الطيب فصحيح، وأما حكاية أبي الطيب ذلك عن ابن القاص فمردودة، فإنه إنما جوز في الباقلاء خاصة، فقال في ((التخليص)): ولا يجوز بيع شيء وعليه قشران حتى ترفع العليا، إلا واحد وهو بيع الفول رطبًا، قلته تخريجًا. هذا لفظه، ولم يتعرض المذكور- وهو ابن القاص- في المفتاح للمسألة. قوله: وكان يتجه أن يلحق العلس بالأرز في جواز بيعه في قشرته، وقد جزم القاضي أبو الطيب فيه بالمنع في باب السلم. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه لم يقف على الجواز في العلس لأحد، وهو غريب، فقد ذكر الرافعي المسألة في اللفظ السادس المعقود لبيع الثمار، وجزم بالجواز، وزاد الشيخ محيي الدين على ذلك، فقال في باب الغرر من ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه، أعني الجواز. نعم، ذكر الرافعي في باب السلم أنه لا يجوز، وقد أوضحته في المهمات، ورأيت في ((شرح التخليص)) للشيخ أبي علي السنجي بعد نقل الجواز عن الدراكي فقط: أنه إن كان بقاؤه فيه من مصلحته جاز، وإلا فلا. قوله: ولو اشترى ثمرة، فلم يأخذها حتى حدثت ثمرة أخرى، فاختلطت بها ولم تتميز، أو جزة فطالت، أو طعامًا فاختلط به غيره- ففي الانفساخ قولان، فإن قلنا: لا ينفسخ، فترك البائع للمشتري حقه- وجب القبول. ثم قال: وإذا تركه فهل يكون هبة أو إعراضًا؟ فيه خلاف كما في النعل، صرح به الإمام. انتهى كلامه. واعلم أن الإمام قد ذكر المسألة هنا، وفي باب الخراج بالضمان، وقال: إن من أصحابنا من جعل الثمار كالنعل، ومنهم من قال: لا، فلا يلزم المشتري قبول منته. ولا شك أن هذا الكلام ليس صريحًا في الخلاف حتى نقول: صرح به الإمام، بل ولا ظاهرًا فيه، فإن سياقه يقتضي التشبيه في وجوب القبول، وكيف يأتي القول بالإعراض مع استلزامه امتناع المشتري من التصرف، وحينئذ فلا يحصل المقصود من هذه الهبة، ونحن إنما منعنا الفسخ لأجلها.

стр. 355

فائدة: ذكر المصنف في الباب ألفاظًا: منها: الكش، وهو- بضم الكاف والشين المعجمة- اسم للدقيق الذي في طلع كوز النخل. ومنها: الإبان- بهمزة مكسورة، ثم باء موحدة مشددة، وفي آخره نون- وهو الوقت. ومنها: الفرسك: بكسر الفاء، وسكون الراء، وكسر السين المهملة، وبالكاف، قال الجوهري: هو ضرب من الخوخ ينفلق عن نواه. ومنها: في حديث رواه عن البخاري: ((نهى رسول الله ﷺ أن تباع الثمرة حتى تشقح))، أي: تطيب، هو بالشين المعجمة والقاف والحاء المهملة. قال الجوهري: أشقح النخل. انتهى. وكذلك التشقيح، قال في مسلم: والتاء مضمومة، والشين ساكنة، والقاف مفتوحة، ومنهم من فتح الشين. قال: ويقال- أيضًا- بالهاء عوضًا عن الحاء. ومنها: أن الشافعي أمر بعض أعوانه بأن يشتر له الباقلاء الرطب، والعون هو الربيع وكان الثمن كسرة على ما حكاه القاضي، والذي حكاه عن القاضي، والذي حكاه عن القاضي قد رأيته لشيخه القفال في شرح التلخيص، فنقل عن الربيع أنه قال: مر الشافعي ببغداد بباب الطاق، فأعطاني كسرة فاشتريت له بها الباقلاء الأخضر. ورأيت في شرحه للشيخ أبي علي نحوه أيضًا. والكسرة: هي القطعة من الدرهم أو الدينار، تكسر منه للحوائج الصغار، ومن ذلك قول الفقهاء: الدراهم المكسرة والقراضة، وتسمية القطعة بالكسرة مشهور في بلاد الشرق، وصحيح في اللغة. قال الجوهري: الكسرة: القطعة من الشيء.

стр. 356

باب بيع المصراة والرد بالعيب قوله: ووراء ذلك وجوه: أحدها: أن اللبن إذا كان باقيًا يرده. ثم قال: الثالث: أنه لا يتعين التمر وإن كان غالب قوت البلد، وهو قول ابن أبي هريرة على ما حكاه الماوردي، بل يجوز إخراج ما يجزئ في زكاة الفطر، وهذا صححه الرافعي، انتهى كلامه. وما نقله من تصحيح الرافعي هنا غلط، فإن الذي صححه الرافعي في كتبه كلها إنما هو تعيين التمر، وأما المجزئ في الفطرة فصححه، تفريعًا على أن التمر لا يتعين. قوله: الخامس: أن الصاع لا يتعين، ولكن الواجب يتقدر بقدر اللبن، لما سبق من رواية ابن عمر، وعلى هذا فقد يزاد الواجب على الصاع وقد ينقص. ثم منهم من خص هذا الوجه بما إذا زادت قيمة الصاع على نصف قيمة الشاة، وقطع بوجوب الصاع فيما إذا نقصت عن النصف، ومنهم من أطلقه إطلاقًا. ثم على قول اعتبار القيمة، قال الإمام: تعتبر القيمة الوسط للتمر بالحجاز، وقيمة مثل ذلك الحيوان بالحجاز فإذا كان اللبن عشر الشاة مثلًا أوجبنا من الصاع عشر قيمة الشاة. انتهى كلامه. وهذا النقل عن الإمام غلط، ووقع للرافعي فقلده فيه المصنف، فإنه تفريع لا يلتئم بعضه ببعض، لأنه مفرع على أن الواجب يتقدر بقدر اللبن كما سبق في أول هذه المسألة، وأول هذا التفريع يقتضي اعتبار التمر والحيوان، والذي ذكره الإمام صحيح، فإنه قال: إنا إن لم نر إيجاب الصاع نعتبر قيمة التمر والحيوان، فإذا فعلنا جرى الأمر في المبذول على الحد المطلوب. هذا كلامه، ولا شك أنه موهم، وقد أوضحه الغزالي في الوسيط فقال: إنا نقوم شاة وسطًا وصاعًا وسطًا في أكثر الأحوال، فإذا قيل: هو عشر الشاة مثلًا، أوجبنا من التمر ما هو قيمة عشر الشاة. هذا كلامه، وليس فيه اعتبار اللبن لا في الأول ولا في الأخير، وقد اختصره الشيخ عز الدين على هذا المعنى أيضًا، وبالجملة: فاختصاره على ما قاله الرافعي ثم المصنف، غلطٌ محض.

стр. 357

قوله: وقول الشيخ: جعل، يرشد إلى أنه لا رد فيما إذا تحفلت الشاة بنفسها، وهو قضية ما صححه البغوي في مسألة المصراة. انتهى. وما يحصل من كلامه من تصحيح البغوي، عدم الرد إذا تحفلت بنفسها- غلطٌ، بل صحح العكس، وقد نقل هو عنه ذلك في موضعه، أعني ابن الرافعة. قوله: أما حموضة الرمان المعروفة وحلاوته فليست بعيب، ولا خيار لفواتها، إلا أن يشترط، وعلى ذلك يحمل ما قاله الرافعي وغيره. انتهى كلامه. وما ذكره من إطلاق الرافعي، وأنه محمول على ما فصله غيره من الشرط وعدمه فغريب، فإن الرافعي قد صرح بذلك، فقال في أوائل خيار النقص: وليست حموضة الرمان بعيب، بخلاف البطيخ. وقال في أواخر الباب فيما إذا اشترى مأكولًا لا يعرف عيبه إلا بكسرة: ولو شرط في الرمان الحلاوة فبان حامضًا بالغرر رد. قوله: واعلم أن طريق معرفة الأرش: أن يقوم المبيع سليمًا، فإذا قيل: مائة، قوم معيبًا، فإذا قيل: تسعون، عرف أن التفاوت بينهما العشر، فيرجع بعشر الثمن، وفي القيمة المعتبرة ثلاثة أقوال: أحدها: وقت العقد، والثاني: وقت القبض. ثم قال ما نصه: والثالث- وهو الأصح-: أقل القيمتين من يوم العقد إلى يوم القبض، لأنها إن كانت يوم البيع أقل فالزيادة حدثت في ملك المشتري، وإن كان يوم القبض أقل فما نقص من ضمان البائع. انتهى كلامه. واعلم أن الصحيح اعتبار الأقل كما قال، لكن هل المعتبر أقل الأمرين من يوم العقد والقبض حتى لا تعتبر الحالة المتوسطة، أو المعتبر أقل الأمور كلها من العقد إلى القبض؟ اختلف فيه كلام النووي: ففي الروضة الأول، وهو الذي قاله الرافعي في كتبه، وجزم في المنهاج بالثاني، فإنه غير عبارة المحرر، واعتذر في الدقائق. إذا علمت ذلك فقد خلط المصنف مقاله: فتعبيره أولًا بالقيمتين يقتضي الأول، وتعبيره بيوم العقد إلى القبض يقتضي الثاني. قوله: وإن وقف المبيع، أو كان عبدًا فأعتقه أو مات- رجع بالأرش. ثم قال ما نصه: وحكى الإمام قبيل كتاب الرهن أن المزني ذهب إلى أن الرجوع بالأرش لا يثبت بعد تلف المقبوض. انتهى كلامه. واعلم أن الإمام إنما ذكر هذا النقل عن المزني في السلم خاصة لا في البيع، وقد سبقه إليه القاضي الحسين وبسطه، فلنذكر كلام القاضي ثم كلام الإمام، فنقول: قال القاضي قبل كتاب مختصر الرهن بأسطر: فصل: إذا أسلم في طعام، وقبض البعض

стр. 358

وأتلفه، ثم قبض الباقي واطلع على عيب به، فادعى أن المتلف كان به هذا العيب- فالقول قول المسلم إليه مع يمينه، لأن الأصل عدم العيب، فإن حلف تخلص، وإن نكل حلف المسلم، ورجع عليه بالأرش. قال المزني: وجب ألا يجز له الرجوع بالأرش، لأنه يؤدي إلى أن يأخذ بعض المسلم فيه وبدلًا عن الباقي. قلنا ليس هذا من الاستبدال في شيء، وإنما هو فسخ العقد في البعض، لأنه كاحتباس جزء، ألا ترى إنما يثبت له حق استرداد ما يقابل العيب من رأس المال، فإن نقص عشر القيمة مثلًا استرد عشر رأس المال، ولو أسلم في كر حنطة، وقبضها وأتلفها، ثم اطلع على عيب قديم بها ينقص عشر قيمتها- رجع على المسلم إليه بعشر رأس المال. هذا لفظ القاضي، فتلخص أنه لم يخالف في البيع، بل في السلم، للمعنى المتقدم، وأما الإمام فإنه قد قال في الموضع المذكور أيضًا: فرع: إذا قبض المسلم المسلم إليه، وتلف في يده، واطلع على عيب- فرده والاستبدال منه غير ممكن بعد التلف، ولكن له الرجوع بالأرش، وهو قسط من رأس المال، وإذا حصل له الرجوع به لم يكن هذا استردادًا، ولكنه في حكم فسخ العقد في ذلك المقدار المسترد. وذهب المزني إلى أن الرجوع بالأرش لا يثبت بعد تلف المقبوض. هذا لفظه، ومراده بالمقبوض: إنما هو الذي يتكلم فيه، وهو المسلم فيه، فتوهم المصنف أنه للعموم، وإنه لمعذور في ذلك، لكن الإمام أخذه من القاضي على عادته، فكان من حقه إيضاحه كما أوضحه. قوله: واعلم أن الكلام فيما يرجع بأرشه من العيوب فيما إذا خرج عن ملكه ونحو ذلك بمفروض فيما عدا الخصي، فإن كان العيب القديم هو الخصي فلا أرش له أصلًا، إذ لا نقص في القيمة حتى يعتبر من الثمن، صرح به الإمام والرافعي، وفي تعليله نظر، فإنه قال: لا أرش له كما لا رد، وقد صرح هو وغيره بثبوت الرد عند إمكانه بعيب الخصي. انتهى كلامه. وهذا الكلام الذي فهمه المصنف من كلام الرافعي غلط قبيح وذهول شنيع، فإن المراد أن المشتري في هذه الحالة قد امتنع عليه الأمران- وهما الرد وطلب الأرش- فانتقل المصنف عن صورة المسألة المطابقة للدعوى إلى صورة أخرى غير مطابقة، ثم اعترض عليه. قوله- في أمثلة العيوب-: واعتياد الإباق كما صرح به الغزالي والإمام في باب السلم، دون المرة الواحدة، خلافًا لأبي علي الزجاجي والقاضي الحسين كما صرح

стр. 359

به في الموضع الذي سنذكره، وهذا منهما إشارة إلى أنه لو وجد في يد البائع ولم يوجد في يد المشتري كفى، وعلى الأول لا يكفي، وإلى ذلك أشار في الإشراف. انتهى كلامه. وما ذكره من عدم الاكتفاء، تفريعًا على الأول وهو الاعتياد- كيف يستقيم؟! لأن الاعتياد لا يتوقف على تعاطيه عند المشتري. نعم، راجعت الإشراف فرأيت فيه ما ذكره المصنف، إلا أن في كلامه ما يدفع الوهم. قوله: وفي تعليق القاضي الحسين: أن محل الرد بعيب الإباق إذا تكرر منه في يد البائع، واشتهر ووجد في يد المشتري. أما إذا وجد في يد البائع ثم وجد في يد المشتري بحيث تنقص القيمة لم يرد، لحدوث عيب آخر في يده. انتهى كلامه. وما نقله هنا عن القاضي الحسين يقتضي أن المرة الواحدة لا تكفي، وهو مخالف لما نقله عنه في المسألة السابقة، ومخالف- أيضًا- لما صرح به القاضي في تعليقه. نعم، ذكر القاضي هذه المسألة بعبارة صحيحة فقال: فإن أبق في يده- يعني يد المشتري- ثم علم كونه آبقا: إن لم ينقص الإباق الثاني من القيمة، بأن كان قد تكرر ذلك منه، واشتهر به- رده، وإلا فلا، لحدوث العيب في يده. هذا لفظه، وموضوع هذه المسألة إنما هو الكلام على أن الإباق في يد المشتري هل يمنع الرد بعيب الإباق الحاصل في يد البائع أم لا؟ وليس سياقها لبيان الإباق الذي يرد به على البائع مما لا يرد به عليه، فعبر المصنف عن ذلك بعبارة تدل على الثاني، ولا شك في أن اللفظ قد انعكس عليه، فإن قوله: وجد في يد المشتري، لو قدمه على ما قبله فقال: وفي تعليق القاضي: أن محل الرد بعيب الإباق إذا وجد في يد المشتري، إنما هو فيما إذا تكرر منه في يد البائع واشتهر به ... إلى آخره- لكان موافقًا لما قاله القاضي. قوله: ولا رد بكون الرقيق عقيمًا وغير مخفوض أو مختون، إلا إذا كان الغلام كبيرًا يخاف عليه من الختان. انتهى كلامه. والمخفوض- بالخاء المعجمة وبالفاء وبالضاد المعجمة غير المشالة- هو المختون. قاله الجوهري، قال: واختفضت الجارية، أي: اختتنت، والخافضة: الخاتنة. إذا علمت ذلك علمت أن المذكور هنا غير صحيح، فإنه جعلهما شيئين، فقال: ولا رد بكونه كذا وغير كذا، والسبب في وقوع ذلك: أن الرافعي وجماعة عبروا بالخفض، وجماعة آخرون عبروا بالختان، فتوهم أنهما شيئان، وأن كل طائفة نصت

стр. 360

على ما يقله غيرها. نعم، الخفض لا يكون إلا للمرأة، والإعذار للرجل، والختان يعمهما، ثم إن تعبيره بالغلام غير مستقيم، وصوابه التعبير بالرقيق، ليشمل الأنثى. قوله:- وإن اختلفا في عيب يمكن حدوثه، أي: مثل تخريق الثوب، وكسر الإناء، والبرص، وأمثال ذلك، فقال البائع: حدث عندك، وقال المشتري: بل كان عندك- فالقول البائع، لأن حدوث العيب متفق عليه، والأصل عدم حصوله في يد البائع. انتهى كلامه. واعلم أنه كيف يستقيم الفرق بأن حدوثه متفق عليه، مع أن صورة المسالة في العيب الذي يمكن حدوثه، سواء قطعنا بحدوثه بعد وجود العيب أم احتمل مقارنتهما في الوجود كالعمى وغيره، فإنه يحتمل أن يكون طارئًا وأن يكون قد خلق أكمه. تنبيه: ذكر في الباب مخلد بن خفاف في قوله- عليه أفضل الصلاة والسلام-: ((الخراج بالضمان)). أما ((مخلد)) فإنه بميم مفتوحة، وخاء معجمة ساكنة، و ((خفاف)) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء، وهو غفاري، والحديث صححه الترمذي وغيره.

стр. 361

باب بيع المرابحة والنجش، والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي والتسعير والاحتكار قوله: وإذا اشترى سلعة جاز له بيعها من بائعها قبل إعطاء ثمنها له، وإن باعه بأقل، وكان الثمنان من نوع يجري فيه الربا. ثم قال: وهذه المسألة تعرف بمسألة العينة، أخذا من العين وهو النقد الحاضر، نبه عليه ابن الصباع في مداينة العبيد. انتهى كلامه. وهذا النقل عن ابن الصباغ صحيح، لكنه بعيد في المعنى، ومخالف لكلام أهل هذا الشأن، فقد قال الجوهري: العينة- بالكسر- السلف، واعتان الرجل إذا اشترى بالنسيئة. هذا كلام الجوهري، وذكر غيره مثله. قوله: وما يزاد في الثمن ويحط منه في مدة الخيار يلحق برأس المال. ثم قال: وفي الحاوي في باب بيع الطعام: أن النقصان إذا كان قبل التفرق كان فسخًا للبيع الأول، واستئناف بيع بعده بما بقي من الثمن الأول، حتى لو كان ذلك بعد تلف المبيع أو عتقه لم ينفذ النقص، ويبقى الثمن الأول بحاله، ولو كان قبل قبض المبيع ثم حط عنه شيئًا من الثمن، ثم تلف قبل إحداث عقد ثان- بطل العقد، وهذا الحكم في الزيادة. ثم قال ما نصه: وأبطل في هذا الباب: أن يكون النقصان أو الزيادة فسخًا للعقد، وقال في أواخر باب الربا ... إلى آخر ما قاله. وهذا الذي ذكره- ﵀ يقتضي اختلاف كلام الماوردي، فإن الكلام فيما إذا حصل ذلك في زمن الخيار، وليس الأمر كما قال المصنف، بل الذي قاله الماوردي في هذا الباب- أعني باب المرابحة- إنما محله بعد اللزوم، وقصد بذلك الرد على أبي حنيفة، فإنه قال بلحوق الحط بعد اللزوم، ويقدر فسخًا، وأجازه بما بقي فقال- أعني الماوردي-: فإن الزيادة والنقصان لا تلحق العقد بعد استقراره، وجوز ذلك أبو حنيفة، وجعل الزيادة والنقصان فسخًا للعقد الأول واستئناف عقدٍ ثانٍ، وهذا

стр. 362

فاسد من وجوه ثلاثة. هذا كلام الماوردي. قوله: روى الشافعي ومسلم بسندهما عن جابر أن النبي ﷺ قال: ((لا بيع حاضر لباد، دعوا الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض)). انتهى. واعلم أن قوله: ((في غفلاتهم)) ليست في رواية الشافعي ولا رواية مسلم، وروى الحديث- أيضًا- أبو داود والترمذي بدونها. قوله: وإن قال: اشتريته بمائة، وباعه مرابحة، ثم قال: بل بتسعين- فالبيع صحيح، وفي ثبوت الخيار قولان. ثم قال ما نصه: وقد بناهما الماوردي على أن إخباره بالتسعين كذب أم لا؟ وفيه خلاف، فمن لم يجعله كذبًا، ووجهه بأن التسعين تدخل في المائة- قال: لا يثبت للمشتري خيار. قال: ومن جعله كذبًا، لأن التسعين بعض المائة، وهي مقابلة بعض المبيع، فلم يجز أن يخبر بأنها جميع الثمن ومقابلة بجميع المبيع- أثبت للمشتري الخيار. انتهى كلامه. وهذا الذي نقله عن الماوردي غلط فاحش، فإن كلام المصنف فيما إذا كذب وقت البيع بزيادة، والبناء المذكور إنما يتصور في العكس، وهو ما إذا اشتراه بمائة ثم أخبر وقت المرابحة بأنه اشتراه بتسعين، وقد صرح الماوردي بهذا فقال: فصل: ولو اشترى ثوبًا بمائة درهم، فأخبر في بيع المرابحة أنه اشتراه بتسعين درهمًا- فقد اختلف أصحابنا: هل يكون كاذبًا في إخباره؟ على وجهين: أحدهما: ليس بكاذب، لدخول التسعين في المائة، فعلى هذا الوجه: لا خيار للمشتري إذا علم بذلك. والوجه الثاني: أنه كاذب، لأن التسعين بعض المائة، وفي مقابلة بعض المبيع، فلم يجز أن يخبر بأنها جميع الثمن وفي مقابلة جميع المبيع، فعلى هذا الوجه: للمشتري الخيار في الفسخ إذا علم بذلك. هذه عبارة الماوردي.

стр. 363

باب اختلاف المتبايعين قوله: ونص الشافعي هنا أن الحكم يبدأ بيمين البائع، وفي قول مخرج: بيمين المشتري، وفي قول: أنهما يستويان. ثم قال: وهل هذا الخلاف في الاستحباب أو الاستحقاق؟ فيه وجهان في ((الحاوي))، أظهرهما: الأول، والذي نقله: الإمام الثاني. انتهى. وما نقله عن الإمام من كون التقدم على سبيل الاستحقاق غلط، فإن الإمام لم يتكلم في هذه المسألة بشيء. نعم، نقل الإمام وجوب تقديم النفي على الإثبات، فسرى الوهم إلى المصنف بسببه، فاعلمه. قوله: فيحلف: إنه ما باع بكذا، ولقد باع بكذا، ووراءه وجوه أخر، أحدها: أنه يكتفي بيمين النفي، قياسًا على سائر الخصومات، وهو مخرج من نصه فيما إذا كان في يد رجلين دار، فادعى كل منهما أن جميعها له، فإنه قال: يحلف كل منهما على مجرد نفي استحقاق صاحبه ما في يده، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالآخر يحلف يمينًا أخرى على الإثبات. انتهى. وما ادعاه من أن هذا هو القول المخرج من مسألة الدعاوى غلط، وإن كان وجهًا منقولًا، فإن الذي ذكره الأصحاب كلهم- حتى الرافعي- أن المخرج كالأول في أنه لابد من يمين أخرى للإثبات- أيضًا- إلا أنه لا يأتي بها متصلة بيمين النفي، بل بعد حلف صاحبه على النفي، فحلف الأول يمين النفي، ثم يحلفها الثاني، ثم يحلف الأول يمين الإثبات، ثم يحلفها- أيضًا- الثاني، حتى لو حلف الأول يمين النفي، فامتنع الثاني عنها- فلا يقضى للأول حتى يحلف يمين الإثبات، ولو امتنع الأول عن النفي وحلف الثاني عليهما- قضي له. هكذا قاله الرافعي في المسألتين، على خلاف ما يقتضيه كلام المصنف، وعلله الرافعي باحتمال صدقه في نفي ما يدعيه صاحبه، وكذبه في ما يدعيه هو، وقد تفطن المصنف في ((المطلب)) لذلك، فذكره على الصواب كما ذكره غيره. قوله: وقد خرج الأكثرون قولًا إلى مسألة الدعوى في الدار من مسألتنا: أنه يكتفي

стр. 364

فيها بيمين واحدة جامعة بين النفي والإثبات. وحكى الإمام الغزالي ذلك في الدعاوى، وأثبت هنا التخريج من مسألة الدار إلى مسألتنا، وقال: إن مسألة الدار لا خلاف فيها. انتهى. واعلم أن التخريج من مسألة الدار إلى مسألتنا أشهر من عكسه، ودليله ما حكاه المصنف هنا عن الإمام والغزالي، والأصح: القطع في مسألتنا بالمنصوص كما قاله الرافعي، وطريقة التخريج ضعيفة عند الأصحاب، فإذا كانت التخريج في مسألتنا ضعيفة عند الأصحاب، مع أن الخلاف فيها أشهر من عكسه- فكيف يستقيم مع هذا أن يكون الأكثرون قائلين بالتخريج في عكسه؟! والذي أوقع المصنف في هذا: أن الرافعي قال: إذا فرعنا على التخريج من مسألة الدار إلى مسألتنا فهل يخرج من مسألتنا إلى مسألة الدار؟ قال كثيرون: نعم، والحق خلافه. فذهل المصنف عن التفريع، وسبق وهمه من ((الكثيرين)) إلى ((الأكثرين))، وقد ذكر الرافعي ذلك في كتاب الدعاوى، وعبر بما هو أوضح من تعبيره هنا، فقال: والطريق الثاني: أنهما غير مقرين بحالهما، ولكن يخرج من نصه في هذه المسألة قول في التحالف، وفي التخريج من التحالف اختلاف لأصحاب الطريقة الثانية. قوله- في المسألة-: والرابع: نقل القاضي أبو حامد في ((جامعه)): أن من أصحابنا من قال: يحلف كل منهما يمينين، فيقول البائع: والله ما بعت بكذا، ويقول المشتري: والله ما اشتريت بكذا، ثم يقول البائع: والله لقد بعته بكذا، ويقول المشتري: والله لقد اشتريته بكذا. انتهى. هذا قد تقدم الكلام عليه، وأنه هو القول المخرج، وحينئذ فنتحصل فيما سبق على ثلاثة أوجه فقط، لا على أربعة. قوله: وإن قلنا: يحلف كل واحد يمينين، فإذا حلف الأول على النفي، ونكل الثاني عنه- عرضت على الأول يمين الإثبات، فإن حلف قضي له، وإن نكل لم يقض له، لاحتمال صدقه في نفي ما يدعيه صاحبه، وكذبه فيما يدعيه. وعن الشيخ أبي محمد: أنه كما لو تحالفا. انتهى كلامه. ومتقضاه: أن ما قاله الشيخ أبو محمد وجه آخر مخالف لما تقدم، وليس كذلك، بل هو تفريع على عدم القضاء له، ولهذا عبر الرافعي بقوله ثم: عن الشيخ أبي محمد: أنه كما لو تحالفا، لأن نكول المردود عليه عن يمين الرد نازل في الدعاوى منزلة حلف الناكل أولًا. هذا لفظه، فتوهم المصنف أنها مقالة أخرى.

стр. 365

قوله: ولو حلفا على النفي فوجهان، أصحهما- وبه قال الشيخ أبو محمد-: أنه يكفي ذلك، ولا حاجة بعده إلى يمين الإثبات، لأن المحوج إلى الفسخ جهالة الثمن، وقد حصلت، وهذا يظهر أنه عين القول المخرج ... إلى آخر ما قال. وهذا الذي قاله عجيب- أيضًا- فإن هذا تفريع على أنه يحلف يمينين كما ذكره، والذي ذكره أولًا وادعى أنه المخرج إنما هو الاكتفاء بيمين النفي. قوله: وقيل: لا ينفسخ إلا بالحاكم، لأنه فسخ مجتهد فيه فافتقر إلى الحاكم، كالفسخ بالعنة والإعسار. انتهى. وما جزم به من كون الفسخ بالعنة لا ينفذ إلا من الحاكم قد ناقضه في موضعه- وهو باب الخيار في النكاح- فقال: وفي استقلالها بالفسخ وجهان، أقربهما- وذكر في ((التتمة)) أنه المذهب-: الاستقلال، كما يستقل بفسخ المبيع بالعيب، والثاني- وهو مذهب العراقيين-: أن الفسخ إلى الحاكم. هذا كلامه. قوله: ولو رهن المبيع، ثم تحالفا- قال الرافعي: يخير البائع بين أخذ القيمة والصبر إلى انفكاك الرهن، فإن أخذ القيمة كانت للحيولة على الأصح. قلت: وما قاله الرافعي من أن البائع يتخير فيه نظر، فإن الغزالي حكى فيما إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول، وكان الصداق مرهونًا: لو قال الزوج: أنتظر الفكاك للرجوع، فلها إجباره على قبول القيمة، خيفة من غرر الضمان إن قلنا: إن الصداق مضمون في يدها، وإن قلنا: لا ضمان، فهل يلزمه إجابتها؟ فيه وجهان. ومنشأ هذا: أنه قد يبدو له المطالبة بالقيمة، وتخلو يدها في ذلك الوقت عن النقد. وما ذكره من المعنى موجود في مسألتنا. انتهى ملخصًا. وما حاوله من التسوية بين المسألتين قد أجاب عنه في ((شرح الوسيط)) بأن القيمة إذا أخذت كانت عين الحق، وهنا إذا أخذت لا تكون عين الحق، بل للحيولة على الأصح كما تقدم. قوله: وإن اختلفا في المبيع، فقال البائع: بعتك هذه الجارية بألف في ذمتك، وقال المشتري: بل بعتني هذا العبد بها- فالذي حكاه الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجي: أنهما لا يتحالفان، واختاره الإمام والبغوي. انتهى. وما حكاه عن الإمام من اختيار المنع ليس الأمر فيه كما قال، بل حاصل كلامه: الجواز، فإنه خرج الخلاف في هذه المسألة على الخلاف فيما إذا أقر لإنسان بألف من ثمن مبيع، فقال: بل عن قرض- هل يملك المطالبة أم لا؟ فإن قلنا: إنه يملك

стр. 366

المطالبة به، صار كالمعين، فإنه لو وقع مثل ذلك في العين ملك المطالبة بها وجهًا واحدًا، وإن قلنا: لا يملك المطالبة به، فلا تحالف. ثم إن الإمام صحح اللزوم في مسألة الإقرار كما ذكره في موضعه، فاقتضى أن الصحيح التحالف، والغريب: أن المصنف مع ذكره لما ذكره أولا عن الإمام من اختيار المنع، قد نقل هذا التخريج بعد ذلك، ولكن السبب فيه: أن الرافعي قد وقع له- أيضًا- نقل اختيار ذلك عن الإمام، فقلده فيه المصنف، ولهذا عبر بعبارة الرافعي، ثم بعد ذلك نظر في كلامه فأخذ التخريج منه. قوله في المسألة: وحكى القاضي أبو الطيب أن التحالف يجري في هذه الصورة- أيضًا- واختاره ابن الصباغ، واستدل له القاضي بأن ابن الحداد قال: إذا اختلف الزوجان، فقال: مهرتك أباك، فقالت: بل مهرتني أمي تحالفا. انتهى. وهذا التعبير الذي ذكره يقتضي عادةً أن ابن الصباغ لم يستدل بما استدل به القاضي، لأنه نقل عنهما معا القول بالتحالف، وأفرد القاضي بهذا الاستدلال، ولم يقل: واستدلا، فدل على ما قلناه، وليس كذلك، بل الاستدلال وقع منهما- أيضًا- فاعلمه. قوله: ولو اختلفا في التسليم أجبر البائع على ظاهر المذهب، وحينئذ فإن كان الثمن مع المشتري أجبر على إعطائه، وإلا حجر عليه في جميع ماله إلى أن يحضر الثمن، فإن كان- أي الثمن- في بلد آخر، نظر: إن كان بينهما مسافة القصر ثبت للبائع الفسخ، لتصرره بالتأخير، فإن فسخ فذاك، وإن صبر إلى الإحضار دام الحجر. ثم قال ما نصه: قال الرافعي: وحكي الإمام عن ابن سريج: أنه لا يفسخ، ولكن يرد المبيع إلى البائع ويحجر على المشتري، ويمهل إلى الإحضار، وادعى في ((الوسيط)) أنه الصحيح، وإن كان بينهما دون مسافة القصر فهو كما لو كان في البلد، أما لا لو كان على مسافة القصر؟ فيه وجهان. هذا آخر كلام الرافعي، ومقتضاه: أن خلاف ابن سريج فيما إذا كان المال في مسافة القصر، والذي رأيته فيما وقفت عليه من ((النهاية)): أن ابن سريج قال: إن كان ماله غائبًا عن المجلس فيمهل المشتري إلى تحصيل الثمن، ولا يحجر عليه، ويرد المبيع إلى البائع إلى أن يتوفر عليه الثمن، وإذا انتهى الأمر إلى الامتناع إلى الوصول إلى الثمن، لغيبة شاسعة يعد مثلها امتناعًا ثبت له الفسخ. انتهى كلام ابن الرفعة، ﵀. والكلام عليه متوقف على نقل كلام الإمام، فنقول: قال في ((النهاية)) ما نصه: وقال

стр. 367

ابن سريج: إن كان ماله في البلد، ولكن كان غائبًا عن مجلس التسليم- فيمهل المشتري إلى تحصيل الثمن، ويحجر عليه، ولا يرد المبيع إلى البائع، فأما إذا كان ماله غائبًا عن البلد فليرد المبيع إلى البائع إلى أن يتوفر عليه الثمن، ولا يثبت حق الفسخ عند ابن سريج أصلًا بهذا الوقف الذي نص عليه الشافعي، وإنما يثبت إذا انتهى الأمر إلى الإعسار أو إلى امتناع الوصول إلى الثمن بغيبة شاسعة يعد مثلها امتناعها. هذا كلام الإمام. إذا علمت ذلك علمت أن في كلام المصنف أمرين: أحدهما: أن ما اعترض به على الرافعي من أن الإمام لم يحك مقالة ابن سريج في حالة غيبة المالك، وأنما حكاها عنه فيما إذا كان ماله في البلد- غلط، سببه إسقاط من كلام الإمام، فإن الإمام قد ذكر المسألتين كما قد أوقفتك عليه، وهما: مسألة الرافعي، ومسألة المصنف، فأسقط المصنف من كلام الإمام من لفظ ((البائع)) إلى ((البائع)): إما لانتقال نظره، وإما لغلط في نسخته. الأمر الثاني: أن ما نقله عن ((النهاية)) فيما إذا كان ماله في البلد غائبًا علن المجلس، أن ابن سريج قال: إنه لا يحجر عليه، وير المبيع إلى البائع- غلط على العكس مما في ((النهاية))، فإن فيها عنه إثبات الحجر ونفي الرد كما قاله تقدم من حكاية لفظه، فتأمله. وقد وقع في ((الرافعي)) هنا- أيضًا- غلط في هذه المسألة تبعه عليه في ((الروضة))، فإنه نقل عن ابن سريج أمرًا ثالثًا، وهو أنه يرد المبيع إلى البائع، ويحجر على المشتري، أعني بإثبات الأمرين، فتفطن.

стр. 368

باب السلم قوله: وادعى الرافعي أن اسم ((السلم)) يشمل القرض- أيضًا- لكن حد السلم الشرعي يخرجه، وهو: العقد على موصوف في الذمة ببدل يعطى عاجلًا. انتهى. وما نقله عن الرافعي عن شمول اسم السلم للقرض نقله عنه في ((المطلب)) - أيضًا- وهو غلط على الرافعي، فإن الرافعي إنما ذكر ذلك في لفظ ((السلف)) - بالفاء- فقال: وجمع في هذا الكتاب- يعني الغزالي- بين السلم والقرض، لتقاربهما واشتراكهما لفظًا ومعنى: أما اللفظ، فلأن كل واحد منهما يسمى سلفا، وأما المعنى، فلأن كل واحد منهما إثبات مال في الذمة بمبذول في الحال. هذه عبارة الرافعي، وهو كلام صحيح صرح به غيره أيضًا. قوله: ولا يلزم قبول الرأس والرجل من الطير، والرأس والذنب من السمكة، وكان بعض أصحابنا من البصريين يقول: ما كان من الطير صغيرًا لا يحتمل أن يباع مبعضًا، لزمه فيه أخذ الرأس والرجلين، وكذا ما كان من الحيتان صغيرًا، يلزم فيه أخذ الرأس والذنب، لأنه يؤكل معه ويطبخ. والمذهب: الأول. انتهى. وهذا الذي جزم به من وجوب القبول في رأس الحوت، ولم يحك فيه خلافًا إلا وجهًا في الصغار- وهو الصواب كما أوضحته في ((المهمات)) فاعلمه، فإن الرافعي قد جزم بخلافه، فربما توهم الواقف عليهما أن المذكور هنا غلط. قوله: ولا يحتاج في السمن إلى ذكر العتق والحداثة عند الشيخ أبي حامد، لأن العتيق لا يصح السلم فيه. قال القاضي أبو الطيب: العتيق المتغير هو المعيب، لا كل عتيق، فيجب البيان. انتهى. وما نقله عن القاضي من وجوب البيان مطلقًا قلد فيه الرافعي، وليس كذلك، فقد نقل صاحب ((الشامل)) عنه: أنه إن اختلف قيمته وجب، وإلا فلا، فقال ما نصه: قال القاضي: ويقول حديث أو عتيق، إن كان يختلف. وقال الشيخ أبو حامد: قال الشافعي: إطلاقه يقتضي الحديث، فإن العتيق معيب، وإنما يصلح للجراح. وقال

стр. 369

القاضي: العتيق الذي تغير لا يدخل فيه، لأنه معيب، وليس كل عتيق متغيرًا. هذا لفظه. قوله: أما إذا لم يكن فيه- أي في المخيض- ماء بل مخض اللبن لا غير جاز السلم فيه إذا وصفه بالحموضة، قاله الرافعي. وفي ((الحاوي)): أن السلم في اللبن الحامض لا يجوز. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ظاهر كلامه يقتضي أن الرافعي يقول باشتراك وصفه بالحموضة، وليس كذلك، بل إنما ذكر أن وصف اللبن به لا يضر، فقال: وحينئذ فوصفه بالحموضة لا يضر، لأن الحموضة مقصورة فيه. هذا لفظه. الثاني: ما نقله عن ((الحاوي)) يقتضي أنه في المسألة بحالها، وأنه وجه مخالف لما يقول الرافعي، وهو غلط، فإن ما قاله الماوردي في اللبن- من حيث قد صرح الرافعي قبل هذا بقليل- بموافقة ما قاله فيه، وجزم به فقال: بل لو أسلم في اللبن الحامض لم يجز، لأن الحموضة عيب. هذا لفظ الرافعي. قوله: وعليه يدل نص الشافعي فيما إذا أصدقها ملء هذه الجرة، خلا أنه لا يجوز، لأنها قد تنكسر، والسلم الحال هل يلحق بالبيع أو بالسلم المؤجل؟ فيه وجهان، اختيار الشيخ أبي حامد منهما: أنه كالمؤجل. انتهى. وهذا الكلام معكوس، والصواب: أن يقدم لفظ ((وعليه يدل)) على لفظ: ((كالمؤجل))، وهو المذكور في ((الرافعي)). قوله: وفي ((الحاوي)): أنه لو أسلم إليه في جارية بصفة، فأتاه بها على تلك الصفة وهي زوجته- لم يلزمه قبولها، لأنه لو قبلها بطل نكاحه، وكذلك المرأة إذا أسلمت في عبد. ثم قال: فإن قيل: ما ذكره من عدم وجوب قبول الزوج والزوجة، ليس لما يلحقه من الضرر بفسخ النكاح، بل لأن الزواج عيب، والمسلم فيه لا يجب قبوله معيبا. قلت: لما كان القبض يرفع النكاح قدر عدمه وإن كان عيبًا ... إلى آخره. وهذا التكلف الذي قاله في تصوير المسألة لا حاجة إليه، بل يتصور بما إذا شرط أنه ذو زوجة، أو أنها ذات زوج، فإنه يصح السلم كما نقله الرافعي عن الصيمري، وأقره، غير أن ابن الرفعة لم يستحضر هذا الحكم، ولهذا لم يتعرض له في ((الكفاية)) بالكلية. تنبيه: قال: إذا أسلم في الرطب لم يقبل منه مشدخا، قال الشافعي: ولا محلقنا وهو

стр. 370

ما ذهب بعضها بأكل أو غيره. اعلم أن ((المشدخ)) - بالخاء والشين المعجمتين، بينهما دال مهملة- هو البسر يغمر حتى يتكسر، مأخوذ من ((الشدخ)) وهو كسر الشيء الذي له جوف كالرأس، وهذا النوع هو المسمى في مصر بالمعمول. وأما قوله: ولا محلقنًا، فقال الجوهري: المحلقن- بالحاء المهملة- والقاف المكسورة، والنون- هو البسر إذا ترطب الثلثان منه، واحدة: محلقنة. قال: وكذلك: ((الحلقان)) و ((الحلقانة)) بالضم. إذا علمت ذلك فالتفسير المذكور في الكتاب لا يوافق هذه اللفظة.

стр. 371

باب القرض قوله: وقد روي عن كل من ابن مسعود وابن عباس وأبي الدراء أنه قال: ((لأن أقرض مرتين أحب إلى من أن أتصدق مرة)). وروى البزار عن ابن مسعود أنه ﷺ قال: ((قرض مرتين يعدل صدقة مرة))، وإنما كان القرض خيرًا من الصدقة، لأنه لا يأخذه إلا محتاج إليه، بخلاف الصدقة. انتهى. وهذا الحكم الذي استدل عليه، وهو تفصيل القرض على الصدقة- لم يتقدم له ذكر، بل تقدم ما يقتضي عكسه، فإن الحديث والآثار التي ذكرها تدل على أن الصدقة من حيث هي أفضل من القرض، على خلاف ما استنبطه منها. قوله: وهذا إذا كان المقرض عينا، أما إذا كان دينا مثل أن يقول: أقرضتك عشر دراهم صفتها كذا، وقبل، فإن عين في المجلس صح، وإن عين بعد مفارقة المجلس. قال في ((المهذب)): إن لم يطل الفصل جاز، وإن طال لم يجز حتى يعيد لفظ القرض. انتهى كلامه. اعلم أن اشتراط التعيين لا يستلزم اشتراط القبض كما أوضحوه في الكلام على الاستبدال عما في الذمة، وفي كتاب الصلح، وصاحب ((المهذب)) لم يذكر التعيين، وإنما شرط القبض، فقال: وإن قال أقرضتك ألفا، وقبل، وتفرقا، ثم دفع إليه ألفا-: فإن شرط لم يطل الفصل جاز، لأن الظاهر أنه قصد الإيجاب، وإن طال الفصل لم يجز حتى يعيد لفظ ((القرض))، لأنه لا يمكن البناء على العقد مع طول الفصل. هذا لفظه. على أن المسألة فيها نظر، وقد نقلها صاحب ((البحر))، ثم عزاها بعد ذلك إلى ((المهذب)). قوله: ومما يندرج في كلام الشيخ قرض منفعة دار بعينها، لأنه لا يجوز السلم فيها، وقد صرح بذلك القاضي حسين في كتاب الغصب، ومن جوز نظرًا إلى جواز البيع قد يجوز ذلك. انتهى كلامه. وهذا الذي ذكره بحثا معناه: أن من جوز السلم نظرًا إلى جواز البيع- يعني الإجارة- قد يجوز قرضها، وحاصل ما ذكره الجزم بالمنع، وليس فيه إلا ما ذكره

стр. 372

بحثا. إذا علمت ذلك فقد جزم بعد ذلك- بدون ورقة- بعكسه، فقال: إن القبض في المنافع المقرضة يكون بقبض العين المستوفى منها، وهو يقتضي جواز قرض المنافع. قوله: قال الأصحاب: ويصير الحال مؤجلًا فيما إذا أوصى من له الحق ألا يطالب به إلا بعد شهر مثلًا كما حكاه المتولي، وسمعت من بعض مشايخنا أنه يتأجل بالنذر أيضًا. انتهى كلامه. ومقتضاه: أنه لم يقف على نقل في هذه المسألة، وهو غريب، فقد ذكرها- أيضًا- المتولي عقب هذه المسألة التي نقلها هو عنه من غير فصل بينهما، فقال في الباب الخامس من أبواب البيع: الثامن: إذا كان له حق حل أجله، فقال: إن شفى الله مريضي، أو: رجع غائبي- فلله علي ألا أطالبه شهرًا- فالحكم فيه كالحكم فيما لو نذر عيادة المرضى وتشييع الجنائز. هذا كلام المتولي، وقد ذكرها- أيضًا- الروياني في ((البحر)) في كتاب البيع، قبل باب بيع اللحم بالحيوان بنحو ورقة، فقال: إن فيه وجهين كالوجهين فيما إذا نذر تشييع الجنازة. وهذا الكلام يقتضي أن الراجع من الوجهين هو الوجوب، لأنه الراجح في تشييع الجنائز وأنظاره. وما نقله المصنف عن ((التتمة)) قد جزم به الرافعي في باب الفساد من جهة النهي، إلا أنه لم يصرح بكونه يصير مؤجلًا، بل بوجوب الإمهال، قال المصنف في ((المطلب)): وإنما تنفذ الوصية بعدم المطالبة إلى مدة بشرط أن يخرج فيه الدين من الثلث، لأنهم قالوا: إن البيع بثمن مؤجل يحسب كله من الثلث إذا لم يحل منه شيء قبل موت الموصي، لأنه منع الورثة من التصرف فيه فكان كإخراجه عن ملكهم، وهذا مثله. ثم قال: وأنا أقول: إذا قلنا: إن الملك ينتقل في المبيع في زمان الخيار، ويجوز إلحاق الزيادة بالعقد- كان ذلك صورة أخرى، لأن الدين كان حالًا وقد تأجل. قال: بل هذه بالذكر أولى، لأن ما كان حالا تأجل، وما عداها قد يقال: إن الدين باق بصفته، وإنما يمنع من طلبه مانع كالإعسار. ذكر ذلك في آخر الباب الثالث من أبواب البيع. وهذا الاحتمال الذي أبداه ابن الرفعة من كونه حالًا امتنعت المطالبة به لعارض، بحث ظاهر، وله فوائد: منها: إذا عجله المدين قبل المدة لغرض البراءة، فهل يجبر رب الدين جزمًا- أي: على أحد الأمرين، وهما القبول والبراءة- كسائر الديون الحالة، لاسيما أن هذه

стр. 373

المدة لم تقع برضا المدين، أم يتخرج على الخلاف في الدين المؤجل؟ ومنها: الحنث إذا حلف: لا مال له، وقلنا بالتفصيل بين الحال والمؤجل. ومنها: إذا أفلس المدين فهل لصاحبه المطالبة به؟ إن قلنا: إنه من باب التأجيل، فيأتي فيه الخلاف في حلول المؤجل بالإفلاس، وإن قلنا: إنه حال منع المطالبة به مانع، فالمتجه عدم المطالبة لقيام المانع، ويحتمل خلافه، لما فيه من الضرر، ويحتمل التخريج على المؤجل، لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب الأصلي، ويحتمل التخريج على المؤجل، لأن الواجب بالنذر لا يزيد على الواجب الأصلي، ويحتمل التفصيل بين أن يقول: لله علي ألا أستوفيه إلا بعد كذا وكذا ونحو ذلك، فلا يحل، أو يقول: لله علي تأجيله. وهذا كله إذا كان الناذر والمديون حيين، فإن كان المديون ميتًا فلا شك أن المسارعة إلى براءة ذمته واجبة إذا حلف وفاءً، وحينئذ فلا يؤثر النذر حتى لو رضي الوارث ورب الدين معا بالتأخير لم يجز، لما ذكرنا، وأيضًا: فلأن قصد الناذر التبرع برفق المديون، وقد زال ذلك بموته. وإن كان الناذر ميتًا فالمتجه بقاء المدة، سواء كان وارثه رشيدًا أم محجورًا عليه، لأن من ورث مالا ورثه بحقوقه التي عليه والتي له، ويحتمل التفصيل السابق، وهو الفرق بين أن يلتزم التأجيل أو عدم مطالبته هو، ومن تفاريع المسألة إخراج الزكاة عن ذلك المال، فنقول: للنذر حالان: أحدهما: أن يكون بعد تمام الحول فلا إشكال في وجوب إخراج قدر الزكاة، غير أنه هل يستثنى ذلك القدر من وجوب الإنظار، لأن الملك فيه لغيره، بناء على الصحيح، وهو أن الفقراء شركاء رب المال، أو يجب الإنظار فيه- أيضًا- وهو المتجه لكونه قادرًا على تمام نذره بجواز الإخراج من غيره، كما قلنا به فيما إذا رهن مالا زكويًا وحال عليه الحول، بل الإخراج من غيره عند القدرة هاهنا أولى، لأن الرهن سابق على الوجوب، بخلاف النذر. الحال الثاني: أن يكون قبل تمام الحول، ففي إلحاقه بما بعد الحول احتمال، لأن النذر في هذه الحالة يصرف منه قبل تعلق نصيب الفقراء، وقياس مسألة الرهن وجوب الإخراج من غيره عند القدرة ومنه عند عدمها. وهذه الأمور التي ذكرناها خلاف موضوع الكتاب، واللائق بذلك إنما هو كتابنا ((المهمات)). قوله: وأما جواز أخذ البدل عن عين القرض إذا كان المقترض في يد المستقرض، ففي ((الشامل)): أنه لا يجوز أن يأخذ عوضه، لأنه قد زال ملكه عن العين، أي: إذا قلنا: إنه يملك بالقبض.

стр. 374

قال: أما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف فقد قال بعض أصحابنا: لا يجوز أخذ بدله للمقرض، فإنه وإن كان ملكه باقيًا إلا أنه قد ضعف بتسليط المستقرض. هذا آخر كلامه. وفي ((الرافعي)) ما يفهم حكاية هذا عن ((الشامل)) فيما إذا أورده أخذ العوض عن البدل الثابت في الذمة، وكلامه لا يقتضي إلا ما ذكرناه، فليتأمل. انتهى كلام ابن الرفعة. ﵀. وما نقله عن ((الشامل))، واعترض على الرافعي بسببه في حكايته عنه- غلط، سببه إسقاط بعض كلام ((الشامل))، فإنه قال ما نصه: هذا- أي جواز الاستبدال- محله إذا كان العوض قد استقر في ذمته، فأما إذا كان المقترض في يده فإنه لا يجوز أن يأخذ عوضه، لأنه قد زال ملكه عن العين ولم يستقر في ذمته، لأنه يعرض أن يرجع في العي، فأما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف، فقال بعض أصحابنا: لا يجوز. هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر التعليل الذي نقله عنه المصنف، فاقتصر ابن الرفعة على قوله: ((لأنه قد زال ملكه عن العين))، وذهل عما بعده، وكأنه أولًا اقتصر عليه، ظانًا أنه لا حاجة إلى ما بعده، ثم بعد ذلك رآه مع كلام الرافعي لا يجتمع، فاعترض.

стр. 375

باب الرهن قوله: وإن تشاحا، أي: تمانعا، فيمن يكون تحت يده، وكان الرهن مشروطًا في بيعٍ- كما نبه عليه الإمام والرافعي في الباب الثالث من كتاب البيع- سلمه الحاكم إلى عدل، لأنه العدل. ثم قال: أما إذا وقع التشاحح فيمن يقبض الرهن غير المشروط ابتداء، فالذي يظهر: أنه لا يسلم إلى العدل إلا برضا الراهن، لأن له الامتناع من أصل الإقباض. انتهى كلامه. وما ذكره في الفرق بين الرهن المشروط وبين غيره من لزوم الإقباض وعدم لزومه صريحٌ في وجوب الإقباض في الرهن المشروط، وهو سهو، فإن الوفاء به لا يلزم، وله الامتناع فيه كما في غير المشروط، إلا أنه يجوز للبائع الفسخ لعدم الوفاء كما قرروه في بابه. وأما كلام الرافعي الذي استند إليه فليس فيه دلالة لما قاله، فإنه لم يصرح بالإخبار ولا أشار إليه، بل قال: وهل يجب التعرض لكونه المرهون عند المرتهن أو عند عدل؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا، بل إن اتفقا على يدي المرتهن أو يدي عدل فذاك، وإلا جعله الحاكم في يدي عدل. هذا لفظه، وهو صحيح لا ينافي القول به في صورة أخرى، فإنه لم يخصص هذا الحكم بهذا الفرع. نعم، كلام الشيخ محمول على الرهن المشروط كما ذكر المصنف، ولكن في الاستمرار بعد القبض، ولكن في الاستمرار بعد القبض، ولفظ الشيخ مشعر به أو صريح فيه، فتأمله. قوله: وأيضًا: فإن المرتهن ينحصر حقه في عين المرهون، حتى لا يتمكن من إجبار الراهن على الدفع من غيره- كما صرح به الإمام قبل باب الرهن والحميل بخمس عشرة ورقة- وإن كان قادرًا على تحصيله من غيره. ثم قال بعده: وإذا كان كذلك فقد خالفنا هذا المقتضى بإيجابنا بيع غير المرهون في وفاء دين الرهن. انتهى كلامه.

стр. 376

ودعواه أن الإمام ذكر أ، المرتهن ينحصر حقه في المرهون ... إلى آخره، صريح في أن المرتهن لا شيء له في غيره، وهذا لم يذكره الإمام، بل القول به باطل قطعًا، فإن الدين باق في الذمة، ولا يسقط بتلف المرهون، والذي قاله هناك ما نصه: ولو قال للقاضي- يعني الراهن-: أريد أن أؤدي حقه من ثمن الرهن، فليس للمرتهن أن يلزم الراهن تحصيل الدين من جهة أخرى، ولا فرق بين أن يكون قادرًا على وفاء الدين من جهة أخرى وبين أن يكون عاجزًا. هذا كلامه، ذكر ذلك في أثناء فصل أوله: ((قال: ولو كان الشرط للعدل))، ولم يذكر فيه انحصار الحق ولا ما يقتضي انحصاره، بل حاصله تقديم الوفاء من هذا على الوفاء من غيره، على أن الشيخ عز الدين قد استشكله- أيضًا- لما فيه من تأخير الحق الواجب على الفور، وهذا الإشكال إنما يأتي أن لو كانت صورة المسألة أن يكون مالكًا لحبس الحق الواجب، وليس في كلام الإمام ما يتناوله ولا ما يشير إليه، وإنما يدل على أنه لا يلزم بيع عين أخرى إذا كانت في ملكه. قوله: ولا فرق بين أن يرهن نصيبه من جملة الدار، أو من بيت منها والباقي مشترك. ثم قال: وإذا صححنا الرهن، ووقع البيت في نصيب الشريك- قال الغزالي: احتمل أن يقال: هو تلف، واحتمل أن يقال: الراهن ضامن، والتفويت منسوب إليه. انتهى كلامه. وهذان الاحتمالان للإمام، وقد نقلهما الرافعي عنه، وإنما الغزالي ناقل على عادته. قوله: والأكثرون على منع وطء المرهونة بغير الإذن، سواء كانت ممن تحبل أم لا. ثم قال: وإذا قلنا به فلا يجوز له استخدامها بنفسه، خوفًا من وطئها. انتهى. اعلم أن المصنف قد جزم في باب العارية بأن استعارة جارية الغير للخدمة لا يستلزم الخلوة المحرمة، قال: ولهذا جزم الإمام بعدم التحرم إذا استخدامها بغير خلوة. انتهى. والذي قاله ظاهر، وحينئذ فالجواز في المرهونة بطريق الأولى، لأنها ملكه. ثم إن المصنف- أيضًا- قد صحح هناك جواز إعارتها للاستخدام المذكور إذا كانت لا تشتهي، لكونها صغيرة أو شوهاء، وهو هاهنا أولى، لما سبق. قوله: التفريع: إن قلنا بنفوذ إعتاق الراهن مطلقًا فعليه قيمته يوم الإعتاق، صرح به الأصحاب،

стр. 377

وكان يتجه أن يتخرج على الخلاف في وقت النفوذ، وإليه أشار ابن يونس بقوله: على الصحيح. انتهى كلامه. وهذا الاحتمال الذي ذكره غير صحيح كما نبه عليه بخطه على حاشية الكتاب، قال: لأن الخلاف في وقت النفوذ إنما هو إذا قلنا بالتفرقة بين الموسر والمعسر، لا بقول النفوذ مطلقًا في حالة اليسار والإعسار، هذه عبارته. قوله: ولو جنى على عبد آخر للمرتهن، نظر: إن لم يكن مرهونًا ... إلى آخره. وتعبيره بـ ((المرتهن)) سهو، وصوابه: الراهن.

стр. 378

باب التفليس قوله: ولأن في الحجر مصلحة الغرماء، فإنه قد يخص بعضهم بالوفاء فيتضرر الباقون، وقد يتصرف فيه فيضيع حق الجميع، ومن هذه العلة يستنبط أن المال لو كان مرهونًا امتنع الحجر، اللهم إلا أن يكون فيه رقيق ونقول بنفوذ عتق الراهن، وهذا ما ظهر لي فقهًا، ولم أقف عليه منقولًا. انتهى كلامه. وما ذكره من امتناع الحجر قد ذكر بعد ذلك في الكلام على النفقة على المفلس ما يخالفه، وسأذكر لفظه، وسأذكر لفظه. ثم إن ما قاله إنما يأتي إذا قلنا: من شرط الحجر أن يكون له مال، فإن قلنا: لا يشترط حجر عليه قطعًا، لأن غاية الموجود أن يكون تعلق حق الغير به ألحقه بالمعدوم، واشتراط المال قد توقف فيه الرافعي في أول الباب فقال: يجوز أن يقال: لا حاجة إليه، بل مجرد الدين يكفي لجواز الحجر، منعًا له من التصرفات فيما عساه يحدث له باصطياد واتهاب، فإن كان كذلك فليفسر المفلس بالذي ليس له مال يفي بديونه، لينظم من لا مال له أصلًا ومن له مال قاصر. هذا كلام الرافعي، ولم ينقل خلافه. قوله: ولو أقر بعين أو دين وجب قبل الحجر قبل إقراره في الأصح، فإن لم يقبل إقراره ففضلت العين بعد فك الحجر فهل تسلم إلى المقر له؟ فيه قولان في كتاب الإقرار من ((النهاية)) و ((تعليق)) القاضي الحسين. ثم قال: وعلى قياس هذا يتجه أن يجيئا في الغرم- أيضًا- وفي الدين. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه لم يقف على نقل في هذه المسألة، وقد صرح بها الغزالي في كتاب الإقرار من ((البسيط))، وحكى فيها الخلاف الذي حاول تخريجه، إلا أنه ذكر ذلك في الدين خاصةً، فقال ما نصه: وإن أقر بدين معاملة لم يثبت للمقر له مضاربة الغرماء أصلًا، ويؤاخذ به بعد انفكاك الحجر، وذكر الإمام في ذلك بعد انفكاك الحجر خلافًا، وزيفه، ولم يذكره في كتاب التفليس. هذا لفظ ((البسيط)) بحروفه. قوله: واعلم أن وقت القسمة حين يجاز بيع الأموال وحيازة أثمانها إن رضي الغرماء بالتأخير إلى ذلك الوقت، أو لم يمكن قسمة ما يتحصل أول فأول، أما إذا

стр. 379

أمكن وامتنع الغرماء من التأخير، أطلق القاضي أبو الطيب والمحاملي والإمام وغيرهم القول بإجابتهم. وفي ((الحاوي)): أنهم لا يجابون، لاحتمال أن يظهر غريم لم يطلع عليه، وهذا ما قال الرافعي: إنه الظاهر. انتهى كلامه. وما نقله عن الرافعي من أنه إذا أمكن قسمة المتحصل أولًا فأولًا، لا يقسم وإن طلب الغرماء التعجيل- غلط لا يوافق كلام الرافعي لا حكما ولا تعليلا، فقد قال الرافعي ما نصه: وما يقبضه الحاكم من أثمان أمواله على التدريج: إن كان يسهل قسمته عليهم فالأولى ألا يؤخر، وإن كان يعسر لقلته وكثرة الديون فله أن يؤخر ليجتمع، فإن أبوا التأخير ففي ((النهاية)) إطلاق القول بأن يجيبهم، والظاهر خلافه. هذا كلام الرافعي. قوله: ولأنه إذا لم يكن ذا مال وجبت نفقته على كافة المسلمين، فوجب إذا كان له مال أن يقدم بالإنفاق منه بطريق الأولى. انتهى كلامه. وما قاله منقوض بالمرهون والعبد الجاني، فإن مالكهما لا ينفق عليه منهما، وقد صرح الإمام هنا أنه إذا لم يكن للمفلس سوى المرهون لا ينفق عليه منه. قوله: واعلم أن ما ذكرناه- أي من النفقة عليه وعلى عياله- ظاهر فيما إذا كان بعض ماله لم يتعلق به حق لمعين، أما إذا تعلق بجميع ماله حق معين، إما بسبب الحجر، أو بغيره، أو بهما كالأعيان المبيعة التي لم تقبض أثمانها، والرهون والرقاب التي تعلقت بها أروش الجنايات- ففي ((النهاية)): أنه إذا لم يكن له سوى المرهون لا ينفق عليه وعلى عياله منه. وغير المرهون لم أقف فيه على نقل، والقياس: أن يحلق بالمرهون في ذلك، ويؤيده قول جمهور أصحابنا في مؤنة تجهيز الميت ودفنه: إنها لا تخرج. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما قاله صريح في الحجر عليه إذا كان ماله مرهونًا، وقد تقدم في أول الباب ما حاصله: أنه لا يحجر عليه، فراجعه. الأمر الثاني: أن هذا النقل عن الإمام لو صح لكان صريحًا في نقل هذه المسألة المهمة، لكنه غير صحيح، ولم يصور الإمام المسألة في المفلس، بل ذكر مسألة مستقلة، فإنه قال: وكان لا يمتنع أن يلتحق المفلس- أي في نفقة الأقارب- بالفقير الذي لا مال له، ولكن أصحاب على ما ذكرناه، فليثق الطالب بما نقلناه. ولو

стр. 380

كان عليه دين وقد رهن به مالًا لا يملك غيره، لا ينفق عليه ولا على أهله وأولاده منه، فإن المرهون خارج عن حكم تصرفه إلى الانفكاك، والأموال باقية على حق المحجور، ولكنه بالحجر محمول على أن يبتدر صرفها إلى دين. هذا كلام الإمام، وحاصله: أنه حاول فرقا بين مسألتين مستقلتين، ولم يذكر أن هذا المرهون حجر عليه، والذي أوقع المصنف في الوهم أنه توهم أن قوله: ((ولو كان عليه)) عائد على المفلس، وغفل عن عادة الأصحاب في ترجمة المسائل بذلك، وكيف يتصور ألا يكون عليه دين حتى يأتي بهذه العبارة؟! قوله: بل يعطى في فصل الصيف كسوة الصيف: قميص، وسراويل ... إلى آخره. أهمل العمامة، ولا خلاف في وجوبها. قوله- في الكلام على إخراجه من الحبس إذا قامت بينة على إعساره-: ولا فرق في ذلك- على ما حكاه الإمام- بين أن تكون البينة معدلة، أم لا وقد شرع في طلب تزكيتها، لأن الحبس من بعض العقوبات. انتهى كلامه. وما حكاه عن الإمام من إخراجه بعد قيام البينة وقبل الاستزكاء- وهمٌ، فإن الذي قاله الإمام ما نصه: فإن وجد بينته أقامها كما سنذكر الوجه فيها، فإذا قامت وجرى البحث عن التعديل فلا يسوغ عندنا إدامة الحبس بعد ذلك، فإنه على الجملة من قبيل العقوبات، وقد يرى الوالي التعزير به وحده. وقال أبو حنيفة: لا يصغي إلى البينة على الإعسار حتى يمضي أمد فيه، ثم اختلف قوله فيه، فقال: مرة. لابد من مضي شهرين، وقال مرة: أربعين يومًا، أو خمسين يومًا، وقال مرة: أربعة أشهر. هذا كلامه، وليس فيه أن يطلق بإقامة البينة قبل تعديلها، والذي أوقع المصنف في هذا الوهم تعبير الإمام بقوله: وجرى البحث عن التزكية، مع قوله: ولا يسوغ عندنا إدامة الحبس ... إلى آخره. قال الإمام: قصد بذلك الرد على ما نقله بعد ذلك عن أبي حنيفة من امتناع قبول الشهادة إلا بعد مدة. وأما التعبير بـ ((جريان البحث عن التزكية)) فيرد على المصنف، لأنه قد يقتضي أن البحث قد وجد وانقضى، والأصحاب يطلقونه لإرادة حصول التعديل، والعجب من المصنف فيما قاله، فإنه نسب إلى الإمام أمرًا مخالفًا لسائر الأبواب! وإذا كان يحبس ابتداء في دين بشاهدين لم يعدلا مدة يظهر للقاضي جرحهما أو تعديلهما، احتياطًا للحق وإن لم يثبت- فاستدامته مع ثبوت الدين قبل ثبوت الإعسار أولى. قوله: وقد يقال على رأي الصيدلاني في حمل الشهادة بالإعسار على وقوف البينة

стр. 381

على التلف: إنه لا يشترط أن يكون الشاهد من أهل الخبرة، وقد يجاب بأنا وإن قدرنا ذلك فخلافه مظنون، فاعتبرنا أن يكون من أهل الخبرة ليتحقق الشرط على كل حال. انتهى كلامه. وهذا الاحتمال الذي ذكره خطأ فاحش، لأنه لا يسوغ بالإجماع الشهادة على الإعسار برؤية تلف ماله الظاهر من غير أن يعلم حاله في الباطن، والمصنف- ﵀ نظر إلى المال المعروف له، وذهل عن احتمال غيره، ولهذا أجاب بما أجاب من أن عدم المشاهدة مظنون- أيضًا- فاعتبرت الخبرة، وهو عجيب! وقد صرح الرافعي بالمسألة على الصواب، فقال: وإن شهدوا على إعساره قبلت بشرط الخبرة الباطنة. قال الصيدلاني: ويحمل قولهم: إنه معسر، على أنهم وقفوا على تلف المال. هذه عبارته. قوله: لو كاتب المشتري المبيع امتنع على البائع الرجوع، وإن أجره لم يمتنع، كذا قال الرافعي وغيره، وهو في الإجارة جواب على جواز بيع المستأجر، وإلا فهو كالمرهون كما صرح به المتولي. ثم قال بعد ذلك: ويشهد لما ذكره المتولي في الإجارة: أن الإمام حكى عن شيخه أن الطلاق إذا وقع قبل الدخول، والصداق مستأجر- أنه لا يرجع إلى عينه إذا منعنا بيع المستأجر، واختاره. وكذلك قال الأصحاب فيما إذا وقع التحالف والعين المبيعة مستأجرة. انتهى كلامه. وما ذكره- ﵀ عجيب، فإن التفصيل الذي استدركه على الرافعي قد ذكره الرافعي فقال: وإن أجره فلا رجوع إن لم نجوز بيع المستأجر، وإن جوزناه: فإن شاء أخذه مسلوب المنفعة لحق المستأجر، وإلا ضارب بالثمن. هذا لفظ الرافعي، وكأنه سقط في النسخة التي وقف عليها شيء، وبالجملة فهو يدل على المعهود من حسن تفقهه. قوله: فرع: لو كان المبيع أرضًا، وقد بنى فيها المشتري وغرس، ثم أفلس ... إلى آخره. ثم قال في آخر الفرع: وفي ((النهاية)) ما يجتمع منه أربعة أقوال فيه: أحدها: أن بائع الأرض فاقد عين ماله، فلا يرجع بحال. والثاني: أن الأرض والبناء والغراس يباعان معا كما يفعل في الثوب المصبوغ. والثالث: أنه يرجع في الأرض، ويتخير بين ثلاثة أشياء كما في حق المستعير.

стр. 382

والرابع: أنه إن كانت قيمة الأرض أكثر فهو واحد، وإن كانت قيمة البناء أكثر فهو فاقد، وأن الحكم فيما لو وهب لولده أرضا كذلك. قال الرافعي: وأنت إذا تأملت هذا الكلام، بعد وقوفك على المذهب المعتمد، وتصفحك عن كتب علمائنا، ورأيت ما بينهما من المخالفة الصريحة- قضيت العجب منه، وقلت: ليت شعري من أين أخذت هذه الأقوال! انتهى كلامه. واعلم أن نقله لإنكار الرافعي وسكوته عليه دليل على موافقته للرافعي في الإنكار، وأنه لم يظفر بالأقوال التي نقلها الإمام، وليس كذلك، بل الأقوال ثابتة، وقد تفطن في ((المطلب)) إلى الصواب، فقال: أما القول الثالث والرابع فلا إشكال فيهما، وقد حكاهما الرافعي. قال: وأما الأول فقد نقله القاضي حسين في ((تعليقه))، فإنه نقل قولا في منع رجوع الواهب بعد الغراس أو البناء، وقال- أي القاضي-: إنه مثل قوله في المفلس إذا غرس وبنى: لا يرجع بائع الأرض فيها، فثبت القول بمنع الرجوع على الإطلاق. ثم إن ابن الرفعة أيده وقواه بأن المشتري بنى في ملكه الذي لا خيار فيه، بخلاف الموهوب له والمستعير ومشتري الشقص. وأما القول الثاني فقد حكاه ابن سريج كما مر، ونقله المحاملي وغيره. وقد ذكر- أيضًا- في ((الكفاية))، ثم سلك في ((المطلب) مسلكا آخر في الجواب عن الإمام، فقال: إذا امتنع المفلس والغرماء من القلع، والبائع من بذلك القيمة وأرش النقص- جاءت الأقوال. وكلام الرافعي مشتمل عليها، فتأمله، وحينئذ فلا اعتراض على الإمام إلا من جهة الإطلاق، فإذا حملنا كلامه على هذا اندفع الاعتراض منه.

стр. 383

باب الحجر قوله: والمراد بالحجر في اصطلاح العلماء: المنع من التصرف. انتهى كلامه. وهذا التعريف ناقص، ولابد أن يقول: من التصرف في المال، لأن طلاق السفيه وخلعه صحيحان، فإن قيل: هذا القيد وإن حسن لإخراج طلاق السفيه، لكن يعكر من جهة أن طلاق الصبي والمجنون لا يصح، فلابد من إدخالهما- قلنا: إنما لم يصح طلاقهما، لسلب عبارتهما، وهو أمر زائد على معنى الحجر. قوله: وهو- أي الحجر- نوعان: الأول: لحق الغير، وهو خمسة أضرب: حجر المفلس لحق الغرماء، وحجر الراهن لحق المرتهن، وحجر المريض لحق الورثة، وحجر العبد لحق السيد وكذا المكاتب، وحجر المرتد لحق المسلمين قلت: وينبغي أن يلحق بما ذكر حجر سادس: وهو الحجر على الورثة في التركة لحق الميت وحق الغرماء، وسابع: وهو الحجر على السيد في المكاتب لحقه، وكذا في العبد الجاني على قول. انتهى كلامه. أهمل- ﵀ ضروبًا كثيرة: أحدها: الحجر الغريب المذكور في البيع، وهو الحجر على المشتري في السلعة وجميع ماله إلى أن يحضر الثمن، وكذلك المستأجر. الثاني: الحجر على الممتنع من إعطاء الدين وماله زائد، إذا التمسه الغرماء كما صححه الرافعي في بال الفلس. الثالث: إذا فسخ المشتري بعيب كان له حبس المبيع إلى قبض الثمن، ويحجر على البائع- والحالة هذه- في بيعه كما نقله الرافعي في الكلام على حكم المبيع قبل القبض عن صاحب ((التتمة)). الرابع: الحجر على المؤجر فيما استأجره على العمل فيه، وقد ذكره الرافعي في البيع في الكلام على حكم المبيع قبل القبض، في أثناء كلام أوله: قال: وبيع الميراث، فقال: ومنها: إذا استأجر صباغًا ليصبغ ثوبًا وسلمه إليه، فليس للمالك بيعه ما لم يصبغه، لأن له أن يحبسه إلى أن يعمل ما يستحق فيه العوض، وإذا صبغه فله بيعه

стр. 384

قبل الاسترداد إن وفي الأجرة، وإلا فلا، لأنه ليستحق حبسه إلى استيفائها. هذا كلام الرافعي، ثم عدد- أيضًا- أمثلة أخرى ملحقة بذلك، والإلحاق واضح من التعليل، وقد ذكر في ((التتمة)) ما ذكره الرافعي، ثم ذكر شيئًا آخر يبغي معرفته، فقال في الباب السابع من أبواب البيع: الثالث عشر: إذا استأجر شهرًا ليرعى أغنامه، أو ليحفظ مالا له معينًا، ثم أراد أن يتصرف في ذلك المال- فالبيع صحيح، لأن حق الأجير لم يتعلق بذلك المال، فإن المستأجر لو أراد أن يستعمله في مثل ذلك العمل لكان جائزًا. الخامس: الحجر على الغانم لمال من استرق وعليه دين، فإذا كان على حربي دين فاسترق وله مال، ثم غنم الذي أسره أو غيره ذلك المال- فإنه يحجر على حربي دين فاسترق وله مال، ثم غنم الذي أسره أو غيره ذلك المال- فإنه يحجر عليه فيه، مراعاة لأرباب الديون، كالحجر على الوارث في التركة، لأن الرق كالموت، وتوفى منه ديون العبد وإن زال ملكه عنه، كذا ذكر الرافعي في كتاب السير. السادس: ذكره الجرجاني في ((الشافي))، وهو الحجر على المشتري في المبيع قبل القبض. السابع: ذكره المحاملي، وهو الحجر على العبد المديون لحق الغرماء. الثامن: نفقة الأمة المزوجة ملك للسيد، وليس له أن يتصرف فيها ببيع أو غيره حتى يعطي بدلها للأمة، لأن حقها متعلق بعينها، كذا ذكره الرافعي. التاسع: إذا أعتق الشريك نصيبه، وقلنا: لا يسري إلا بدفع القيمة، فتصرف المالك بالبيع وغيره- ففي صحته وجوه، أصحها عند الجمهور- كما قال الرافعي-: أنه لا يصح، لأن صحته تؤدي إلى إبطال ما يثبت للمعتق من الولاء، والثاني: نعم، والثالث: يصح العتق دون غيره. العاشر: إذا قال الشريكان للعبد المشترك: إذا متنا فأنت حر، فلا يعتق العبد ما لم يموتا جميعا- إما على الترتيب أو معًا، لأنهما علقا عتقه بموتهما، كذا ذكره الرافعي في أوائل التدبير، ثم قال: فإن ماتا معا ففي ((الكافي)) للروياني وجه: أن الحاصل عتق تدبير، لاتصاله بالموت، والظاهر: أنه عتق، لحصول الصفة لمعلق العتق بموته وموت غيره، والتدبير تعليق العتق بموت نفسه، وإن ماتا على الترتيب فعن أبي إسحاق: أنه لا تدبير- أيضًا- والظاهر: أنه إذا مات أحدهما يصير نصيب الباقي مدبرا، لتعلق العتق بموته، وكأنه قال: إذا مات شريكي فنصيبي منك مدبر، ونصيب الميت لا يكون مدبرًا وهو بين المدتين ملك للورثة، فلهم التصرف فيه، بما لا يزيل الملك كالاستخدام والإجارة، وليس لهم بيعة، لأنه صار مستحق العتق بموت الشريك

стр. 385

الآخر، وقيل: لهم بيعه، لأن أحد شرطي العتق لم يوجد. الحادي عشر: الدار التي استحقت المعتدة بالحمل أو بالأقراء أن تعتد فيها لا يجوز بيعها، لأن حق المرأة متعلق بها، والمدة غير معلومة، بخلاف عدة الوفاة. الثاني عشر: إذا اشترى دابة، فأنعلها، ثم اطلع على عيب بها، وكان قلع النعل يؤدي إلى التعييب، فردها المشتري وترك النعل للبائع- فإنه يجبر على قبوله، وليس للمشتري طلب قيمة النعل، ثم ترك النعل هل هو تمليك من المشتري للبائع لو سقط، أم إعراض، فيكون للمشتري؟ وجهان، أشبههما- كما قاله الرافعي- هو الثاني. وإذا علمت ذلك فيمتنع بيعه على المشتري، لما تقدم في دار المعتدة. الثالث عشر: إذا أعار أرضًا للدفن فإنه لا يرجع فيها قبل أن يبلى الميت، لما فيه من هتك حرمته بالنبش، ولو أراد بيع تلك البقعة لم يجز، لجهالة مدة البقاء. الرابع عشر: إذا فعل الغاصب في المغصوب، ما يقتضي انتقاله إليه، كما لو خلطه بما لا يتميز، ونحو ذلك مما ذكروه في الغصب كالتعفين الساري للهلاك- فإنه يجب عليه البدل، ولا يمكن إيجابه عليه مع بقاء المغصوب في ملك المغصوب منه، لئلا يجتمع في ملكه البدل والمبدل، فتعين انتقاله إليه ولا يمكن أن يجوز للغاصب التصرف فيه، لأن المغصوب منه لم يرض بذمته فتعين الحجر عليه فيه. الخامس عشر: إذا أوصى بعين تخرج من الثلث وباقي ماله غائب، فيحجر على الموصي له في الثلثين، لاحتمال التلف، والأصح: أنه لا ينفذ تصرفه في الثلث- أيضًا- وإن تيقنا أنه له، كما أن الوارث لا يتمكن من التصرف في الثلثين. السادس عشر: الحرج على من اشترى عبدًا بشرط الإعتاق، فإنه لا يصح بيعه وإن كان بشرط الإعتاق على الأصح، لأن العتق مستحق عليه. السابع عشر: الحجر على السيد في بيع أم الولد. الثامن عشر: إذا أقام شاهدين على ملك سلعة، ولم يعدلا- فإن الحاكم يحول بينها وبين المدعى عليه على الصحيح وحينئذ فيمتنع عليه بيعها وهبتها وغير ذلك، كما ذكره الرافعي في الباب الثاني من أبواب الشهادات، وفي المنع قبل الحيلولة وجهان. التاسع عشر: إذا اشترى عبدًا بثوب مثلًا، وشرطا الخيار لمالك العبد- فالملك فيه له، ويكون الملك في الثوب باقيا على من بذله، لئلا يجتمع الثمن والمثمن في ملك رجل واحد، وحينئذ لا يجوز لمالكه التصرف فيه قبل فسخ مالك العبد، لئلا يؤدي

стр. 386

إلى إبطال ما ثبت فيه من الخيار. العشرون: إذا رهن جارية، ثم وطئها، فحبلت منه وهو معسر- فإن الاستيلاد لا ينفذ على الصحيح، فلو حل الحق وهي حامل لم يجز بيعها على الأصح، لأنها حامل بحر، وإذا ولدت لا تباع حتى يسقي الولد اللبأ ويجد مرضعة، خوفًا من أن يسافر بها المشتري فيهلك الولد، كذا قاله الرافعي، ول قيل بالبيع وإلزام الإقامة كما في الحرة وأمه كان متجهًا. الحادي والعشرون: إذا أعطي الغاصب القيمة للحيلولة، ثم ظفر بالمغصوب فله حبسه إلى استرداد القيمة، كذا نقله الرافعي في باب الغصب عن نص الشافعي، ثم مال إلى خلافه، ويلزم من حبسه امتناع تصرف مالكه بطريق الأولى. الثاني والعشرون: بدل العين الموصى بمنفعتها إذا أتلفت، حكمه حكم أصله. الثالث والعشرون: أعطى لعبد قوته، ثم أراد عند الأكل إبداله- قال الروياني: ليس له ذلك، وقيده الماوردي بما إذا تضمن الإبدال تأخير الأكل. الرابع والعشرون: إذا نذر إعتاق عبد بعينه فإنه لا يخرج عن ملكه إلا بالإعتاق، ومع ذلك لا يجوز له التصرف فيه، بخلاف ما إذا نذر الصدقة بدرهم بعينه، فإنه يزول ملكه عنه إلى الفقراء، ولو أوصى بإعتاقه أو بوقفه كان كالنذر. الخامس والعشرون: إذا دخل عليه وقت الصلاة وعنده ما يتطهر به، فلا يصح بيعه ولا هبته على الصحيح، لحق الله- تعالى- وهكذا قياس السترة ونحوها كالذي يعتمد عليه العاجز عن القيام، والمصحف الذي يقرأ منه غير الحافظ. السادس والعشرون: إذا وجبت الكفارة على الفور، وكان في ملكه ما يجب عليه التكفير به- فقياس ما سبق: امتناع تصرفه فيه، ولا يحضرني الآن نقله، ومن عليه دين لا يرجو وفاءه، أو وجبت عليه نفقة غيره- لا يحل له التصدق بما معه ولا هبته، ولكن لو فعل ففي نفوذه نظر. قوله: ولابد عند الشراء بقصد التجارة لهما- على ما حكاه الماوردي- من أن يكون ما يشترى لا يسرع إليه الفساد، وأن يكون الربح حاصلًا منه في الغالب حالًا أو مآلًا، وأن يكون بالنقد دون النسيئة. انتهى كلامه. وهذا الشرط الثالث الذي نقله عن الماوردي، وهو ألا يكون بالنسيئة- قد صرح الغزالي بخلافه في كتاب الفرائض من ((الوسيط))، فقال: يجوز لولي اليتيم أن يشتري له شيئًا بالنسيئة إذا كان في شرائه مصلحة.

стр. 387

قوله: وفي ((التتمة)): أن الغلام أذا أنزل المني قبل الطعن في العاشرة لا يكون بلوغًا، وأن الإنبات في السنة التاسعة يجعل بلوغًا. انتهى كلامه. وما نقله عن صاحب ((التتمة)) هنا قد نقله عنه في ((المطلب)) - أيضًا- وهو صحيح بالنسبة إلى إنزال المني، وأما ما نقله عنه من أن الإنبات يكون بلوغًا في السنة التاسعة، فليس له ذكر في هذا الباب بالكلية، لا نفيًا ولا إثباتًا، وإنما حكى الخلاف المعروف فيه، ولم يقيده بسنة مخصوصة. قوله: ثم المراد بالرشد في الدين: ألا يرتكب من المعاصي ما يخرجه عن حيز العدالة، وإن أتى بما يسقط المروءة: كالأكل في الأسواق ونحوه، كذا قاله ابن الصباغ وغيره، وهو بناء على المشهور من أن تعاطي هذه الأشياء ليس بمحرم، وسماعي من شيخ المشايخ قاضي القضاة تقي الدين أبي عبد الله محمد بن رزين: أنه سمع من بعض علماء الشام: أن تعاطي ما ترد به الشهادة من الأكل في الأسواق ونحوه، هل هو حرام أم لا؟ فيه ثلاث أوجه للأصحاب. ثالثها: إن كان قد تحمل شهادة حرم عليه تعاطي ذلك، لأن فيه سعيًا في إبطال شهادته المتعلق بها حق الغير، وإلا فلا. فعلى وجه التحريم: ينبغي أن يكون كسائر المحرمات. انتهى كلامه. وما ذكره في آخر كلامه، وكذلك في أوائله حيث قال: وهو بناء على المشهور ... إلى آخره- يقتضي أن كل محرم يقدح هنا، وليس كذلك، بل القادح إنما هو المخرج عن العدالة كما صرح به هو في أول الكلام الذي نقلته عنه، وحينئذ فلا يلزم من كون هذا محرمًا أن يكون مما نحن فيه، لجواز أن يكون من الصغائر عند هذا القائل، وهو الظاهر.

стр. 388

باب الصلح قوله: ولو قال: أبرئني من الدين، كان إقرارًا، وإن قال: أبرئني من المال، فكذلك على الأصح، وفي ((الإشراف)): أن ابن القاص حكى عن بعض أصحابنا: أنه ليس بإقرار، لأن الله تعالى قال: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب:٦٩] وموسى ﷺ لم يكن آدر، وتبرئته عن عيب الأدرة لم تقتض إثبات الأدرة. انتهى كلامه. وما ذكره من الجزم في الدين والتردد في المال ذكره- أيضًا- في ((المطلب))، وهو باطل بلا شك، فإنهما على حد سواء إذا أراد بكل منهما الدين المدعى به، فيكون الوجه ثابتًا فيما، إلا أن ابن القاص تكلم على المثالين. والأدر- بهمزة مفتوحة، بعدها ألف، ثم دال مفتوحة ثم راء مهملتين-: هو الذي انتفخت خصيته، والأدرة- بضم الهمزة، على وزن ((الحمرة)): هو انتفاخها، قاله الجوهري. قوله: ولو أذن المدعى عليه المنكر لأجنبي في مصالحة المدعي، فهل يكفي ذلك في صحة الصلح، أم لابد من إقراره عند الوكيل بأن العين ملك للمدعي؟ فيه وجهان. أصحهما في ((الحاوي)): أنه يكفي. ثم قال: فعلى هذا يكفي الوكيل أن يقول: هو لك، وقد وكلني في مصالحتك. وبه جزم القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)). وإن قلنا: لابد من إقراره فلابد أن يقول الوكيل: العين لك، وقد أقر بها المدعى عليه، ووكلني في مصالحتك. وهذا ما ادعى ابن يونس أن كلام الشيخ محمول عليه، وهو الذي أورده ابن الصباغ والمحاملي. انتهى ملخصًا. فأما ما ذكره أولا على القول بأنه يكفي من أنه لابد أيضًا من اعتراف الوكيل بأنه للمدعي، وأن القاضي أبا الطيب قائل به- فإن القاضي وإن جزم بذلك إلا أنه لم يفرعه على القول بالاكتفاء بالمصالحة، فقال: فإن صالحه للمدعى عليه جاز الصلح إذا أقر للمدعي بالعين، وقال: إنه وكلني في مصالحتك. هذا لفظ ((التعليقة))، فيجوز أن

стр. 389

يكون ذلك تفريعًا على اشتراط الإقرار. وأما ما ذكره على القول باشتراط الإقرار من أن الوكيل لابد مع ذلك من اعترافه بأن العين للمدعي فمعلوم: أن الوكلاء لا يشترط فيهم ذلك. وما ذكره عن ((الشامل)) من اشتراطه غلط، فإنه قال ما نصه: فإنه يقول للمدعي: إن المدعى عليه معترف لك في الباطن، وقد وكلني أن أصالح عنه. هذه عبارته، ولم يشترط معه شيئًا آخر، وكذا ذكر ابن يونس، فقال نقلًا عن الشيخ: قال: وإن كان المدعى عينًا لم يجز حتى يقول: هو لك- أي: هو مقر لك في الباطن- وقد وكلني في مصالحتك، فعند ذلك يصح. انتهى كلامه. فهذا هو الذي حمل عليه كلام الشيخ، وليس فيه اشتراط اعتراف الوكيل مع الأمرين الأخيرين. قوله: وما روى عن صاحب ((التلخيص)) من أنه جوز الصلح عن أرش الموضحة إذا علما قدره، وأنه منع صحة بيعه- فقد خالفه فيه المعظم. وقالوا: إن كان الأرش مجهولًا كالحكومة التي لم تقدر بعد لم يصح الصلح عنه ولا بيعه. وإن كان معلوم القدر والصفة: كالدراهم إذا ضبطت في الحكومة جاز الصلح عنها، وجاز بيعها ممن هي عليه. وإن كان معلوم القدر دون الصفة، كالإبل الواجبة في الدية ففي جواز الاعتياض عنها بلفظ الصلح وبلفظ البيع وجهان. انتهى كلامه. وما قاله- ﵀ من نقل هذا التقسيم عن صاحب ((التخليص)) قلد فيه الرافعي، وهو لا ينطبق على ما نقله هو عنه، فإنه فرض المسألة في المصالحة عن أرش الموضحة إذا علم قدر أرشها، فكأنه صالحه على خمس من الإبل، وهو القسم الثالث من التقسيم المتقدم، فلا يجئ القسمان الأولان أصلًا. قوله: واعلم أنه كما يجوز له أن يشرع الجناح إلى الشارع يجوز لمن له فيه داران متقابلتان أن يركب عليهما ساباطًا، ويجوز له أن يحفر فيه سردابًا ويبني عليه أزجا يمر عليه المارة، ويحكمه، صرح به العراقيون وغيرهم. قال في ((بحر المذهب)): ويمثل هذا أجاب الأصحاب- يعني في السرداب- فيما إذا لم يكن الطريق نافذًا، وغلط من قال بخلافه. انتهى كلامه. وما نقله- ﵀ عن ((البحر)) قد غلط فيه عليه، فإن المذكور في ((البحر)) إنما هو ترجيح المنع، فإنه ذكر حكم الشارع في إخراج الجناح والساباط والسرداب،

стр. 390

ثم قال: فرع: لو كان زقاقا غير نافذ اختلف أصحابنا فيه: فقال بعضهم- وهو اختيار أبي حامد-: الحكم فيه كالحكم في الطريق النافذ، بدليل أنه يجوز لكل أحد دخول هذا الزقاق. وقال هذا القائل: والشافعي لم ينص على هذه المسألة في ((الأم)). ثم قال ما نصه: وقال بعض أصحابنا- وهو اختيار القاضي الطبري، ﵀: ليس له ذلك، لأن ذلك مملوك لهم، ولا يجوز لأحد منهم الانفراد بهوائه، وهذا أقيس عندي. هذا كلام ((البحر)) بحروفه، ولم يذكر فيه غير ذلك، ولم ينص في غير النافذ على السرداب بخصوصه، لكنه يؤخذ مما سبق في الشارع. وذكر الروياني في ((الحلية)) أيضًا مثله، فقال- بعد ذكر الجناح والساباط في الشارع-: وكذلك لو حفر سردابًا من داره إلى دار أخرى له بحذائها في طريق شارع، وأحكم ذلك بالأزج- يجوز، لأنه لا فرق بين أن يرتفق بما تحتها، أو بما فوقها إذا لم يضر بالمارين، ولو أراد ذلك في طريق سكة غير نافذ فلا يجوز إلا بإذن أهل السكة في ظاهر المذهب، وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة. هذا لفظ ((الحلية)) - أيضًا- والموقع للمصنف في هذا الغلط هو الرافعي، فإنه نقله عن الروياني. قوله: أما إذا قلنا بالقول القديم- أي: في وضع الجذوع على جدار الجار- فلا تجوز له المصالحة على عوض، لأن من وجب عليه حق لم يجز أن يعتاض عنه. قلت: قد حكى الغزالي في كتاب الإجارة فيما إذا أسلمت امرأة، وليس هناك من يحسن الفاتحة إلا واحد، فجعل صداقها تعليمها الفاتحة- جاز على الأصح من الوجهين، مع أن ذلك واجب عليه، فيتجه أن يجئ مثل ذلك هنا. انتهى كلامه. والجواب عما قاله قد ذكره الإمام في كتاب الصداق، وهو أن الوجوب إذا لاقى الشخص يجب عليه بذلك الأجرة لغيره، وإن تعين الغير طريقًا، والوجوب هنا لم يلاق صاحب الجذوع، بل لاقى الجار أولًا، فلا يأخذ عنه عوضًا.
следующие страницы →