Полный текст (594 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وهذا البحث الذي ذكره- ﵀ قد نبه في حاشية هذا الكتاب على فساده، فقال: إن هذا التخريج لا وجه له، لأن الملك ثم قد زال، وهو يريد استرجاعه وقطعه بالبيع، واللفظ الواحد لا يصلح مملكًا وقاطعًا للملك، ولا كذلك هنا، فإن الملك دائم، فلا منافاة. هذا كلامه.
стр. 457
باب التدبير
قوله: التدبير في الشرع: اسم لتعليق عتق يقع على العبد بعد الموت. انتهى كلامه.
وهذا الضابط يدخل فيه ما إذا قال: أنت حر بعد موتي بيوم، أو قال: إذا مت ومضى يوم أو شهر، فأنت حر ونحو ذلك مما علق على شرط بعد الموت، مع أنه ليس بتدبير، لا مطلق ولا مقيد، بل تعليق عتق.
قالوا: ومتى علق العتق على صفة بعد الموت، خرج عن كونه تدبيرًا، كذا جزم به المصنف في موضعين من الكلام على التدبير المقيد، وهو بعد هذا تعليل، ونقله الرافعي عن الأكثرين، وحكى معه وجهين آخرين.
أحدهما: أنه تدبير مقيد.
والثاني: مطلق.
قوله: والمفلس يصح تدبيره قولًا واحدًا. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف غريب، فإن الحجر على المفلس، هل يلتحق بحجر السفه في أحكامه، أو بحجر المرض؟ فيه قولان شهيران حكاهما المصنف في مواضع، ثم إنه قد خرج الوصية على هذا الخلاف، والتدبير وصية على قول، وقد أتى به الرافعي هنا على الصواب، فإنه حكى في باب التفليس هنا خلافًا في صحة إعتاقه، ثم قال هنا: إن تدبيره كإعتاقه.
قوله: والكناية والتدبير أن يقول: إذا مت فأنت حر، أو: لا ملك لي عليك، وكنايات العتق كنايات في التدبير. انتهى كلامه.
وما ذكره من كون اللفظ الأول كناية- غلط، بل هو صريح بلا خلاف، وممن جزم به الرافعي في الشرحين، والنووي في الروضة.
стр. 458
باب الكتابة
قوله: ولا يستحب الكتابة إلا ممن عرف كسبه وأمانته.
وقيل: إذا كان له دين وأمانة يستحب كتابته، وإن لم يكن كسوبًا، لأنه يدفع إليه من الصدقات.
وقيل: يستحب كتابة الكسوب وإن لم يكن أمينًا، ولا نزاع في أن ذلك لا يكره. انتهى كلامه.
وما أطلقه من الاتفاق على عدم الكراهة غير مستقيم، ففي الرافعي عن ابن القطان: أنها تكره عند فقط الشرطين. [أو].
قوله: وقد حكى القاضي حسين فيما إذا لم يكن مال الكتابة عام الوجود- وجهين، كالوجهين فيما إذا كاتبه على مال عظيم في نجمين يسيرين.
وتظهر فائدة الوجهين- أيضًا- فيما إذا أسلم في مال عام الوجود، فانقطع، فإن قلنا: يجوز في هذه المسألة، لم ينفسخ العقد.
وإن قلنا بمقابله، فكالمسلم فيه. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: فيما إذا أسلم في مال غلط، وصوابه: فيما إذا كانت على مال.
قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن كان عبدين اثنين فكاتباه، فأبرأه أحدهما عن حقه أو مات فأبراه أحد الوارثين عن حقه، عتق نصيبه، وقوم عليه نصيب شريكه في أحد القولين.
ثم قال: فرع: لا يجوز للمكاتب أن يدفع لأحد الشريكين شيئًا، لم يدفع مثله للآخر في حال دفعه إليه، فإن أذن أحدهما في الدفع، ففيه قولان، فإن جوزنا فحصل العتق بالقبض، ففي تقويم نصيب شريكه عليه ثلاثة أوجه:
ثالثها: أنه لا يقوم عليه في الحال، ويقوم بعد زوال الكتابة، ثم قال: ولو حصل القبض بالإجبار، فكذلك الحكم، لأنه مختار في عقد الكتابة.
قلت: وكان يتجه أن يتخرج على خلاف ذكرناه فيما إذا ورث عينًا، فاطلع بها على عيب، وكان عوضها بعض من يعتق عليه، فرد المعيب، فعاد إليه القريب، هل يسري؟
стр. 459
وهذا لا يتقاعد عن أن يكون مثل ذلك. انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره باطل.
قوله: إن مسألتنا لا تتقاعد عن مسألة الإرث عجيب، فإن سبب العتق هناك- وهو الرد- مختار فيه، وأما هاهنا، فالسبب الذي هو القبض مجبر عليه، فكيف يصح التخريج مع ذلك؟! وقد نبه عليه في حاشية الكتاب. وقال: إن هذا التخريج فاسد ظاهر الفساد.
قوله في المسألة: نعم لو كان المجبر على القبض هو الوارث، فلا يسري العتق إليه اتفاقًا. صرح به الأصحاب. انتهى كلامه.
وما نقله من الاتفاق غريب مردود، فقد جزم البغوي في التهذيب، والقاضي الحسين في التعليق: بأنه يجري في الوارث الوجهان اللذان في حد الشريكين، والغريب أن الرافعي قد نقل ما في التهذيب، ونقل عدم الخلاف عن الإمام خاصة، فكأن المصنف لم ينظر هنا غير النهاية، نعم تابع الغزالي إمامه، عليه.
قوله: والأصح في جميع التبرعات التي ذكرها الشيخ، كالهبة، والكتابة وغيرها: جواز فعلها بالإذن، ثم قال: والقولان جاريان فيما إذا وهب من سيده شيئًا وأقبضه.
وحكى الإمام عن شيخه، والعراقيين طريقة أخرى: بأنها تصح قولًا واحدًا، كما لو عجل له النجم الأول. انتهى كلامه.
وهو صريح في نفي الخلاف في تعجيل النجوم، وليس كذلك، ففيه خلاف حكاه الرافعي في المسألة الرابعة من الحكم الثاني.
وكلامه في الحكم الثالث في الفصل المعقود لتبرعات المكاتب- توهم ما وقع فيه المصنف. واعلم أن ما ذكره من تصحيح جواز الكتابة بالإذن ليس كذلك، بل الصحيح عند الأصحاب فيها المنع وأن حكمها حكم الإعتاق.
قوله: ولا خلاف أن هذا القريب إذا جنى، ليس للسيد فداؤه كالشراء حرفا بحرف. انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي قد نقل عن الإمام أنه حكى عن العراقيين أن ولد المكاتب من جاريته إذا كان له كسب، جاز للمكتب أن يفديه من كسبه، ثم خالفهم الإمام وصحح أنه لا يفدى، وعلله بما ذكره المصنف، وهو أن الفداء كالشراء، وشراء القريب ممتنع عليه، ولم يتعرض المصنف للكلام على فداء ولد الجارية، استغناءً عنه بما نقلناه عنه الآن، وهو فداؤه إذا ملكه بوصية أو هبة.
стр. 460
قوله: وقال في الوسيط: إن المكاتب إذا جن، وسلم المال إلى السيد، عتق، لأن فعل العبد ليس بشرط، بل إذا تعذر فعله، فللسيد أخذه.
ثم قال: وهكذا أطلق الأصحاب واستشكل استقلال السيد بالأخذ عند إمكان مراجعة القاضي، والإشكال على مقتضى ذلك صحيح، وهو يطرد في حصول العتق بدفع المجنون، لأن فعله كلا فعل، وما في الذمة يشترط في مقبضه أن يكون ممن هو من أهله، كما تقدم في البيع. انتهى كلامه.
واعلم أن الإشكال للإمام، وقد نقله الرافعي عنه، ودعوى المصنف أن الإشكال صحيح- ليس كذلك.
ووجهه: أن المجنون في معنى الممتنع من أداء الدين، وقد صححوا أن الممتنع يجوز الأخذ من ماله بغير إذنه، وإن كان لصحابه عليه بينة.
قوله: ولا يجب إلا بناء عقب الصفة بلا خلاف، ولو فعله لوقع الموقع، ويجب عند بعضهم وجوبًا مضيقًا بعد العتق ... إلى آخر كلامه.
واعلم أن لم تقيد الوجوب الذي نفاه بالمضيق، فدل على إرادة النوعين، ويدل عليه أنه قد ذكر بعد هذا تفاصيل في وقت وجوبه الموسع والمضيق، ولم يذكر منها أنه يجب موسعًا من حين العقد، فدل ذلك أيضًا على ما أرده وما اقتضاه كلامه من نفي الأمرين. إذا علمت ذلك، فالذي ذكره غريب. فإن الصحيح أن وقت الوجوب الموسع، يدخل بالعقد. وقد صرح هو به في المطلب، ونقله عن نص الشافعي، وهو مقتضى كلام الرافعي.
قوله: وإن حبس السيد المكاتب مدة، لزمه أجرة المثل في أصح القولين، لأن المنافع تضمن بالأجرة لا بالمثل، ويحبسه مثل تلك المدة في القول الآخر.
ثم قال: والقولان جاريان فيما إذا حبسه سلطان أو ظالم أو مرض أو سبي.
وحكى البندنيجي في موضع آخر فيما إذا سبي المكاتب- طريقين:
أحدهما: جريان الخلاف. والثاني: القطع بالقول الثاني، إذ لا يقتصر. انتهى كلامه. وما ذكره في آخره من القطع بالثاني سهو، وصوابه القطع بالأول. وتعليله يدل عليه، وهكذا حكى الرافعي هذه الطريقة، وصححها على خلاف ما صححه المصنف، وجزم أيضًا- أعني: الرافعي- بأن الأجرة لابد منها، وحكى القولين مع ذلك في الأم، قال: على خلاف ما يقتضيه لفظ المصنف.
قوله: فلو أخذ السيد المال مطلقًا، واختلفا في أن المقبوض عن النجوم أو عن
стр. 461
الأرش، فالقول قول المكاتب في تعيينه، كما في سائر المواضع. ذكره القفال.
وقيل: يحتمل أن يكون القول قول السيد، قاله بعض الخراسانيين. انتهى كلامه. وهو يقتضي أنه إن لم يظفر بمن يقول بالرجوع إلى السيد فأبداه احتمالًا عن مجهول، وهو غريب، فقد حكى الرافعي عن الصيدلاني ذلك حتى إنه لم يصحح شيئًا، وصحح في الروضة من زوائده قول القفال.
стр. 462
باب عتق أم الولد
قوله: وفي تزويجها ثلاثة أقوال:
أصحها: أنه يجوز.
والثاني: لا يجوز مطلقًا.
ثم قال: والثالث يجوز له برضاها، لأنه ثبت لها حق الحرية بسببها، لا يملك السيد إبطاله، فلا يملك تزويجها بدون إذنها، لما فيه من الإضرار بها بعد العتق، وتملكه بإذنها كالمكاتبة.
وهذا ما اختاره في المرشد، وهو القديم. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من أن هذا القول قديم ليس كذلك، بل هو المنصوص عليه في الأم لا غير. فقال: وليس له أن يزوجها وهي كارهة. هذا لفظه.
стр. 463
باب الولاء
قوله: قال الشيخ: ومن عتق عليه مملوك بملك، أو بإعتاق ... إلى آخره.
ثم قال: وقول الشيخ: بملك، يقال: (بكسر الميم وفتحها)، قال أهل اللغة: ملكت الشيء أملكه ملكًا بكسر الميم، وهو ملك يميني بفتح الميم وكسرها، والفتح أفصح كما قاله ابن قتيبة والجوهري وغيرهما. انتهى كلامه.
واعلم أن هذا الكلام ذكره النووي في لغات التنبيه، فأخذه منه المصنف، والنقل الذي نقله عن الجوهري وغيره، وهو أن الملك المطلق- بكسر الميم-، والمقيد باليمين، فيه وجهان: أفصحهما الفتح نقل صحيح، لكن الملك في كلام الشيخ ليس مقيدًا باليمين، حتى يقول فيه ما قال.
قوله: ثم الأحكام الثابتة بسبب الولاء كما قاله الروياني وغيره- ثلاثة: الميراث، والولاية في النكاح، والصلاة على الميت والعقل. انتهى كلامه.
ويرد على هذا الحصر التقديم في غسل الميت، وفي دفنه أيضًا، وإما عبر بثلاث مع كونه قد ذكر أربعًا، لأنه جعل النكاح والصلاة نوعًا واحدًا، وهو الولاية.
قوله في آخر الباب: قال- يعني: القاضي حسين-: نص الشافعي على أن المرأة إذا أعتقت أمةً، زوجها أبوها بسبب عصوبة الولاء، ونص فيما إذا أعتق رجل أمته، فمات المعتق وخلف ابنًا صغيرًا، وللابن الصغير جد، أنه ليس للجد أن يزوج الأمة المعتقة، قال: وفرق القفال بينهما أن في مسألة المعتقة قد وقع الإياس عن ثبوت الولاية لها، فجعلت كالمعدومة، فانتقلت الولاية إلى أبيها، وفي تلك المسألة لم يقع الإياس بثبوت الولاية للابن الصغير. انتهى كلامه.
واعلم أنا قبل الخوض في المقصود ننقل كلام القاضي المشار إليه، وقد ذكره قبل كتاب التدبير بنحو ورقة، فقال فيما إذا أعتق الكافر عبدًا مسلمًا ما نصه: ولو مات العتيق والمعتق حي، وهو كافر، وله ابن مسلم، فإن ميراثه لبيت المال، ولا يكون لابنه المسلم، وكذلك لو أن المعتق قتل العتيق، وللمعتق ابن مسلم لا يرثه المعتق، لأنه قاتل، ولا يرثه ابنه بخلاف النسب، لو قتل رجل ولده، وللقائل ولد، فإن القاتل لا
стр. 464
يرث المقتول، ولكن يرثه ابنه وهو أخو القتيل، والفرق بينهما: أن في باب النسب الأخوة ثابتة بين الأخ والمقتول، فلهذا قلنا بأنه يرثه، وأما في باب الولاء، فيستفيد الولاء بموت الأب، فما دام الأب حيًا، لا يثبت له الولاء، وهكذا لو استرق المعتق، وله ابن مسلم، ثم مات عتيقه، فإن ميراثه لبيت المال، ولا يكون لابنه، وهكذا نقول في التزويج لو أن كافرًا أعتق أمة مسلمة، وللمعتق أب مسلم أو أخ أو ابن، فإن ولاية التزويج إلى الحاكم، لا إلى أب المعتقة، والفرق بينهما ما ذكرناه فالزم.
مسألة: فقالوا لو أن امرأة أعتقت أمة، وللمعتقة أب، فإن أباها يزوج المعتقة. هكذا نص الشافعي- ﵀ فنقل الولاية إلى ابنها بسبب عصوبة الولاء.
ولو أن رجلًا أعتق أمة، فمات المعتق، وخلف ابنًا صغيرًا، وللابن الصغير جد، قال: ليس للجد أن يزوج الأمة العتيقة. فقيل له: ما الفرق بين هذه المسألة وبين الأولى حيث قال: ليس للجد أن يزوج الأمة العتيقة. فقيل له: ما الفرق بين هذه المسألة وبين الأولى حيث قال الشافعي: لأبي المعتقة أن يزوج عتيقها؟ قال: الفرق بينهما أن في مسألة المعتقة قد وقع الإياس عن ثبوت الولاية لها بالولاء، فجعلت كالمعدومة، فانتقلت الولاية إلى أبيها. وفي تلك المسألة لم يقع الإياس بثبوت الولاية للابن الصغير بالولاء عند البلوغ، فلهذا افترقا. هذا كلام القاضي حسين بحروفه.
وقد تحرر منه أن المانع في النسب نقل الإرث وولاية النكاح إلى الأبعد، وهو واضح، وأنه لا ينقلها في الولاء، بل يثبتان معًا للمسلمين على / ٢٠٦ أما ذكره القاضي، ولم ينص الرافعي على مسألة النكاح بالنسبة إلى الولاء، ولكن إطلاقه يقتضي الانتقال إلى الأبعد كما في النسب، وأما مسألة الإرث، فصرح بها، وجزم بانتقال المال إلى الأبعد كما في الإرث بالنسب. ذكر ذلك قبيل ((باب الرجوع عن الوصية)) بنحو ورقتين، فقال فيما إذا قتل السيد عتيقه ما نصه: ولا يرث السيد من ديته، لأنه قاتل، بل إن كان له وارث أقرب من سيده، فهي له، وإلا فلأقرب عصبات السيد، هذا كلامه.
وقد نقله أيضًا المصنف عنه، فعلم به القول بذلك في التزويج أيضًا، لأنهما متلازمان كما سبق.
وأما قول المصنف: إن الفرق للقفال، فليس للقفال ذكر في هذا الكلام الذي نقله ولا في الكلام الذي قبله أيضًا، فقد تأملت الفصل جميعه، فعلم أنه للقاضي، وأن المعبر بهذه اللفظة هو المعلق عنه هذه التعليقة.
وأما قوله: إن مسألة التزويج قد نقلها القاضي عن النص، فليس كذلك، بل
стр. 465
المنقول عن النص: إنما هي المسألة الأولى، وهي التزويج في حياة المعتقة، وهي واضحة لا شك فيها.
وأما الأخرى التي هي محل النظر، فلم يصرح بنقلها عن الشافعي، وإنما وقع التعبير بلفظ قال، وهو أيضًا عائد إلى القاضي، وحاصله أن المعلق أعاد مسألة نظير النص وأفردها بالذكر، لأن القاضي قائل بها، وسائر نظائرها، ويدل عليه أنه وقع في الكلام الذي نقلناه عن القاضي التعبير بقوله: فألزم مسألة ... إلى آخره، فدل على أنهم استغربوا كلامه، وتوقفوا فيه، ولو كان النقل في تلك عن الشافعي، لكان الإلزام إنما هو عن الشافعي، وليس كذلك.
ويؤيده أنه لم ينقله قبل ذلك عند ذكره لهذه المسائل. والتفرقة بينها وبين نظيرها من الميراث، ومن تأمل، قطع بما ذكرناه. والحاصل أن القاضي قائل بذلك، والرافعي جازم بخلافه فاعلمه.
وهذا الذي ذكره المصنف في هذا الباب قد ذكر مثله في باب العاقلة.
نعم، نقل الرافعي في باب العاقلة عن الأئمة كلامًا حاصله: الجزم بأنه لا يزوج وهو الصواب. وسوف أذكر المسالة هناك مبسوطة.
стр. 466
كتاب الفرائض
قوله: في باب ميراث العصبة: ولا يشارك أحد منهم أهل الفرض في فرضهم، إلا في مسألة المشركة، وهي زوج وأم أو جدة وابنان من ولد الأم وولد الأب والأم، فيجعل للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث، يشاركهم فيه ولد الأب والأم، لاشتراكهم في الرحم، ولو كان ولد الأب والأم أنثى لم يكن مشركة، لأن الواجب يفرض لها في هذه الحالة، لعدم من يحجبها، وتكون المسألة عائلة بنصفها إلى تسعة.
ثم قال: فرع: لو كان ولد الأب والأم خنثى مشكلًا، فعلى تقدير أن يكون ذكرًا فالمسألة من ستة، ولا عول فيها، لكن نصيب أولاد الأم سهمان، وهم ثلاثة لا ينقسم عليهم، ولا وفق لذلك، فيضرب مخرج الكسر وهو ثلاثة في أصل المسألة تبلغ ثمانية عشر، وعلى تقدير كونه أنثى تكون من ستة أيضًا، لكن تعول إلى تسعة.
ثم بين المسألة الأولى والثانية موافقة بالثلث، فاضرب جزءًا والوفق من إحداهما في كامل الآخر تبلغ أربعة وخمسين، فالزوج والأم ... إلى آخر ما قاله وما ذكره- ﵀ من أن بين المسألتين موافقة بالثلث غلط واضح، بل التسعة داخلة في الثمانية عشر، لأن الثمانية تفي بالتسعة مرتين، فيكتفي بها- أعني: الثمانية عشر، وتصح المسألة منها.
وأما تصحيحه إياها من أربعة وخمسين فغلط، وكذلك كل ما ترتب عليه من القسمة.
стр. 467
كتاب النكاح
قوله ﷺ في حديث مسلم: ((فاظفر بذات الدين، ترتب يداك))، أي: افتقرتن إن خالفت أمري [في ذلك]، لأن ترب بمعنى افتقر، وأترب بمعنى استغنى.
ونقل الجيلى عن بعضهم: أن ترب هنا بمعنى استغنى، وأن ترب وأترب بمعنى واحد. انتهى.
واقتصاره في هذا النقل على الشرح المذكور يوهم عدم ثبوت هذا النقل، ولاسيما وقد وقع فيه شيء غريب، وهو أن الجيلي قد نقله عن كتاب ((فعلت وأفعلت)) للزجاج، فقال: قال الزجاج في كتاب فعلت وأفعلت: تربت يداك استغنت، وجعل ترب وأترب بمعنى واحد. هذا كلام الجيلى.
وقد صرح- أعني: الزجاج- في الكتاب المذكور، بعكس ذلك فقال: باب التاء من ((فعلت وأفعلت))، والمعنى مختلف يقال: ترب الرجل، إذا افتقر، وأترب إذا استغنى. هذه عبارته إذا علمت ذلك، فقد نقل أن ترب بمعنى استغنى، جماعة منهم: القاضي عياض في ((مشارق الأنوار))، والماوردي في كتاب ((الصداق)) من ((الحاوي))، والعمراني في ((البيان)) هنا.
ولما تكلم القرطبي في شرح مسلم على ((تربت يمينك))، قال- وقد أحسن البديع في بعض رسائله- فقال: وقد تووحش اللفظ، وكله ورد، ويكره الشيء وما من فعله بد، هذه العرب تقول للشيء إذا أهتم: قاتله الله، ولا أب له، ولا يريدون به الذم، وويل أمة للأمر إذا تم، وللألباب في هذا الباب: أن تنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًا، فهو الولاء، وإن وحش وإن كان عدوًا، فهو البلاء وإن حسن.
قوله: ولو تزوج السفيه من غير مراجعة الولي، لم يصح، وقال الجيلي: على الأصح: وذلك يدل على ذكر خلاف فيه، ولم أره في غيره.
فلو دخل بها فلا حد، ولا يجب المهر- على الأصح- سواء كانت عالمة أو لم تكن، لأنه مفرطة بعدم البحث، كمن باع من مفلس. انتهى كلامه.
فيه أمران:
стр. 468
أحدهما: أن ما أطلقه من عدم وجوب المهر، قد أطلقه أيضًا الرافعي، والنووي في الروضة، ومحله إذا كانت المرأة رشيدة، فإن كانت سفيهة- أيضًا- وجب، لأن رضاها بذلك لاغ، كذا نبه عليه النووي في ((فتاويه))، وهو ظاهر، يؤيده ما إذا اشترى السفيه من سفيه آخر، وقبض المبيع وأتلفه، فإن الضمان يجب عليه، ومثله: لو كانت رشيدة، لكن وطئها نائمة، أو مجنونة، أو مكرهة.
وقد نبه عليه المصنف في نظير المسألة، وهو ما إذا تزوج العبد بغير إذن سيده، ووطئ، وحكى خلافًا فيما إذا كانت أمة، لأن الحق لغيرها، ويتجه جريانه هنا.
الأمر الثاني: أن تعبيره في آخر كلامه بالمفلس غلط، فإن البائع من المفلس يجب له عليه الثمن بلا نزاع، واختلفوا في مزاحمته للغرماء. والصواب: أن يعبر بقوله من سفيه.
قوله: أما إذا كان بين البكر وبين أبيها عداوة، فقال ابن كج في كتابه: ليس له إجبارها على النكاح، هكذا نقله الحناطي عن ابن المرزبان، ثم قال: ويحتمل جوازه.
وحكى الحناطي فيه وجهين. انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية الحناطي للوجهين غلط، فإن المصنف اعتمد على الرافعي في النقل المتقدم جميعه، فغنه مذكور فيه بلفظه، وليس فيه حكاية هذين الوجهين عن الحناطي، وأيضًا فإنه- أعني: المصنف- لم يقف على كتاب ابن كج ولا كتاب الحناطي.
وأيضًا فإن قول الحناطي: يحتمل جوازه مناف لنقله للوجهين، وبالجملة فالوجهان ذكرهما الجيلي، شارح ((التنبيه))، فانتقل ذهن المصنف منه إلى الحناطي، أو سبق قلمه أو تحرف عليه في النقل من مسودته.
واعلم: أن الماوردي قد جزم في الحاوي بما حاصله جواز الإجبار، وتبعه عليه الروياني في البحر، وبه يحصل الوجهان في المسألة، فاعلمه، فإن كلام الرافعي يقتضي أنه لم يظفر فيه بخلاف.
قوله: فرع: لو قالت: وكلته بتزويجي.
قاله الرافعي: فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به إذنًا، لأن توكيل المرأة في النكاح باطل، ويجوز أن يعتد به إذنًا، لم ذكرنا في الوكالة أنها إذا فسدت، فالأصح أنه ينفذ التصرف بحكم الإذن. انتهى كلامه.
البحث الذي ذكره في آخره هو ن تتمة كلام الرافعي، ومتابعة المصنف عليه
стр. 469
تشعر بعدم وقوفه على نقل يوافق ذلك، وهو عجيب، فقد نص الشافعي على المسألة وصرح بحصول الإذن به، كذا نقله عنه صاحب البيان. وأعجب من ذلك أن النووي قد صرح به أيضًا في الروضة، فقال: هذا عجيب من الإمام الرافعي. والمسألة منصوصة للشافعي.
قال صاحب البيان: يجوز للمرأة أن تأذن لوليها غير المجبر بلفظ الإذن، ويجوز بلفظ الوكالة، نص عليه الشافعي- ﵁ لأن المعنى فيهما واحد، فهذا هو الصواب نقلًا ودليلًا.
هذا كلام الروضة، وصرح بالمسالة- أيضًا- البغوي في فتاويه، وجزم بالبطلان على وفق ما يقتضيه نقل الرافعي، فقال: ((إذا جاء رجل إلى القاضي، وقال: إن فلانة قد أذنت لك في تزويجها مني، واعتمد القاضي على كلامه، جاز له تزويجها منه، فإن اتهمه، لم يجز، ولو قال: وكلتك، فلا يصح منها التوكيل)). هذه عبارته، والصواب الأول.
قوله: ((فلو بلغت عاقلة ثم جنت، فهل يزوجها الأب والجد؟))
قال مجلي: وهو في الوسيط: ((فيه وجهان مرتبان على قولنا: إن ولاية المال لا تعود.
ثم قال: وقال في ((التتمة)): يزوجها الأب بلا خلاف، ولكن إذا قلنا بعدم ولاية المال، فهل تنفرد أو يحتاج إلى إذن السلطان؟ فيه وجهان)). انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ((التتمة)) غلط، فإنه لم يجعل الوجهين مفرعين على عدم ولاية المال، كما نقله عن المصنف، بل جعل الوجهين مفرعين على الوجهين، فقال في فصل بيان الأولياء في المسألة السادسة منه ما نصه: (فأما إذا بلغت عاقلة ثم جنت، فتزويجها إلى الأب بلا خلاف، ولكن هل تنفرد به أم لا؟ فعلى وجهين بناء على أصل، وهو أن الولاية في مالها إلى من تعود؟ فيه وجهان:
أحدهما: إلى الأب، فعلى هذا ينفرد الأب بتزويجها، كما لو بلغت مجنونة.
والثاني: أن الولاية في مالها تكون للسلطان، فعلى هذا، الأب، يزوجها بإذن السلطان. هذا كلامه.
قوله: ولا يصح نكاح المرأة إلا بولي ذكر، أي: ليس خنثى [مشكل].
ثم قال: فروع: إذا زال إشكال الخنثى، هل يملك التزويج؟
قال في البحر: ينظر إن زال بقوله: أنا أميل إلى النساء، فلا، لأنه وإن قبل في حق
стр. 470
نفسه حتى يتزوج امرأة لا يقبل على غيره.
وإن زال الإشكال بأمارات لا يرتاب فيها، فله الولاية. انتهى كلامه.
وما نقله عن الروياني في ((البحر))، من عدم القبول إذا زال الإشكال بقوله: أنا أميل، غلط، ليس له ذكر في البحر، بل فيه الجزم بعكس ذلك، فقال في الكلام عن إخباره بالميل، وهل يقبل فيما يتهم من الولاية والميراث؟ قولان:
أحدهما: لا يقبل، لتهمته فيه.
والمشهور في أكثر كتبه: أنه يقبل، لأن الأحكام لا تتعبض. هذه عبارته، ذكر ذلك في أبواب النكاح قبيل باب الاختيار.
قوله: حكى في الذخائر: أن المرأة إذا لم يكن لها ولي، وكانت في موضع لا حاكم فيه- ففيه وجهان:
أحدهما: تزوج نفسها للضرورة.
والثاني: ترد أمرها إلى رجل يزوجها.
وفي البحر حكاية وجه: أنها تصبر إلى أن تجد وليًا، كما لو فقدت الشهود.
قال الشاشي: وكان الشيخ أبو إسحاق- يعني: الشيرازي- يختار في مثل هذا أن يحكم فقيهًا من أهل الاجتهاد في ذلك، بناء على التحكيم في النكاح، وقد كان شيخنا يرى ذلك، ويفتى به.
وقال الشيخ أبو المعالي الجويني: هذا البناء لا يصح، لأن هناك جعلاه حكمًا فيه خاصة، وهذه ولاية ممن لا يستحقها، فافترقا. انتهى كلامه.
واعلم: أن أبا المعالي الجويني هو إمام الحرمين، وليس ما نقله عنه مذكورًا في النهاية بالكلية، وراجعت أيضًا كلام الشاشي في المعتمد، وفي الحلية أيضًا، فلم أر ذلك مذكورًا فيهما.
نعم: هذا الكلام بعينه رأيته مذكورًا في الذخائر للقاضي مجلي عقب كلام الشاشي وكتبه صاحب الذخائر أبو المعالي أيضًا، فذكر في بعضها: قال الشيخ، أيده الله تعالى، كما وقع ذلك في التنبيه في بعض المواضع، ويراد به مصنف الكتاب، وفي بعضها قال الشيخ أبو المعالي فوقف عليه المصنف، فتوهم أن المراد بأبي المعالي هو إمام الحرمين، فصرح به مغترًا بالجويني هنا، وفي شرح الوسيط: فوقع في الغلط.
قوله: فإن خرج الولي عن أن يكون وليًا، انتقلت الولاية إلى من بعده، لأن النبي ﷺ -
стр. 471
بعث عمرو بن أمية الضمري إلى الحبشة، فزوج له أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوجها الوليد بن سعيد بن العاص، فكان ابن عمها، لأن أباها كان كافرًا حيً. قاله البغوي. انتهى كلامه.
واعلم: أن أم حبيبة- ﵂ وهي بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن قصي- كانت متزوجة بعبد الله بن جحش، فأسلما، وهاجرا إلى الحبشة مع من هاجر، ثم إن عبد الله المذكور تنصر هناك، ومات نصرانيًا، فلما انقضت عدتها، بعث النبي ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى الحبشة، فزوج بها له، وكان ولي نكاحها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن قصي، وكان أيضًا قد أسلم وهاجر، وكان أبوها أبو سفيان إذ ذاك مشركًا، وأصدقها النحاشي عن النبي ﷺ أربعمائة دينار، وهي أربعة آلاف درهم.
وهذا كله ثابت مشهور في كتب السير والأحاديث، وإذا علمت ذلك، علمت أن في كلام المصنف أمرين:
أحدهما: دعواه أن الولي العاقد هو الوليد بن سعيد، وهو غلط محض في نفسه، وعلى البغوي أيضًا، بل صوابه- وهو المذكور في التهذيب، إنما هو خالد بن سعيد.
الأمر الثاني: أن كلامه يوهم أن العاقد هو ابن عم أم حبيبة على الحقيقة، وقد ظهر لك مما ذكرناه أن أباه ابن عم أبيها، والله أعلم.
قوله: فرع: هل يجب على الحاكم طلب البينة بعدم حضور الولي، وخلوها عن النكاح والعدة، أم يستحب؟ فيه وجهان.
فإن قلنا: لا يجب، فلو ألحت في المطالبة، ورأي السلطان التأخير، هل له ذلك؟ حكى الإمام فيه وجهين عن الأصوليين. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه، ذكره الرافعي فأخذه المصنف منه، وهو يقتضي أن هذين الوجهين لأصحابنا، وأن الأصوليين نقلوهما، ولهذا اغتر النووي بذلك في الروضة، فأطلق حكاية وجهين، ولم يتعرض للنقل عن الأصوليين بالكلية، وهذا كله غلط.
فإن الإمام- لما ذكرنا أنها إذا سألت ذلك وألحت- قال ما نصه: وهذا لا ينتهي إليه كلام الفقهاء، وهو من محض أحكام الإمامة، وقد اختلف أرباب الأصول فيه، فذهب، وروينا في الأصول على أنها تجاب، وأقصى ما يمكن السلطان منه، أن يستمهلها، فإن أبت أجابها.
وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني إلى أن القاضي لا يجيبها إن رأى ذلك، ويقول:
стр. 472
لا تجب علي إجابتك ما لم أحتط. هذا لفظ الإمام بحروفه، وقد اتضح أن أحد القائلين هو القاضي أبو بكر، وهو من المالكية، والظاهر أن الآخر هو الشيخ أبو الحسن الأشعري، وحينئذ فليست المسألة ذات وجهين.
قوله: وجريان الرق في الأمهات.
قال الرافعي: يشبه أن يكون أيضًا مؤثرًا، ولذلك تعلق به الولاء. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنهما لم يظفرا بنقل في المسألة وهو عجيب، فقد صرح البيان بالمسألة، وجزم بأنه كفء. ونقله عنه في الروضة، وقال: إنه المفهوم من كلام الأصحاب.
قوله: ووجه ذلك أن الأصحاب أطبقوا على أن المرأة لو أذنت لوليها في أن يزوجها من معين، فزوجها مدة، ثم ظفر انه غير كفء، فلا خيار لها بخلاف ما إذا خرج معيبا وقد حكم ذلك الإمام. انتهى كلامه.
وما ذكره من إطباق الأصحاب وقع في النهاية، فقلده فيه المصنف، وليس كذلك، فقد خالف فيه البغوي، فجزم في فتاويه بثبوت الخيار.
قوله: قال الرافعي: واعلم أن الحرف الدنية في الآباء والاشتهار بالفسق مما يتعير به الولد، فيشبه أن يكون حال الذي كان أبوه صاحب حرف دنية، أو مشهور بالفسق مع التي أبوها عدل كما ذكرنا في حق من أسلم بنفسه مع التي أبوها مسلم. انتهى.
وما ذكره الرافعي بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، وتابعه عليه المصنف، قد جزم الهروي في ((الإشراف)) بخلافه، فقال: إن ذلك لا يؤثر، وجعل ابن المعيب كابن الأبرص ونحوه. مثله أيضًا ذكر في الورقة الأخيرة من الكتاب المذكور.
قوله: ولو قال: زوجتك هذه فلانة، وسماها بغير اسمها، فالأصح في التتمة الصحة.
والمحكى في الإبانة عن المذهب خلافه، وهو الذي جزم به في التهذيب والشامل.
وفي المهذب: جزم بالصحة فيما إذا قال: زوجتك هذه فلانة. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإبانة والتهذيب، والشامل غلط، أما الإبانة فالصحيح فيها الصحة، فإنه قال: في الباب الثالث في حكم التزويج: ولو أخطأ في التسمية، فقال: زوجني بنتك فاطمة، وكان اسمها عائشة، فقال: زوجتك، لم يصح إلا أن يشير إليها، فيقول فاطمة هذه، فعلى وجهين، الصحيح بناء على أنه لو قال: بعت منك هذا
стр. 473
البغل فإذا هو فرس، هذا لفظه.
وأما التهذيب، والشامل فإن فيهما الجزم بالصحة، فأما البغوي فقال: ولو قال: زوجتك فاطمة ولم يقل ابنتي، وله ابنة واحدة، لم يصح، لأنه لم يميز ابنته من غيرها.
فإن نوها جاز، ولو قال: زوجتك ابنتي فاطمة، وله بنت واحدة اسمها عائشة، يصح، لأن قوله ابنتي صفة لازمة لا تتعدى، فاعتباره أولى من اعتبار الاسم الذي يتعدى.
وقيل: لا يصح، والأول أصح، كما لو أشار إليها فقال: زوجتك هذه فاطمة، وكان اسمها عائشة صح، لأن الإشارة ألزم، فالخطأ في الاسم لا يضر. هذا كلامه.
والمسألة التي ذكرها آخرًا هي مسألتنا، وقد ظهر لك أن البغوي جزم فيها بالصحة على عكس ما قاله المصنف.
وذكر في الشامل أيضًا نحوه، وكأنه غلط، فأجاب بالحكم الذي ذكره البغوي أولًا، وقد ذكر مثله في الشامل.
قوله: وإن كان الكلام، أي الفاصل بين الإيجاب والقبول يسيرًا أجنبيًا عن العقد، فهل يمنع ذلك صحة العقد؟ فيه وجهان منقولان في النهاية عند الكلام في الخطبة.
وقال الرافعي عند الكلام في الاستثناء في الطلاق: إن الأصح أنه لا يقطع الاتصال. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الرافعي سهو، فإنه لم يصحح هناك شيئًا منهما، وإنما نقل التصحيح عن الإمام، بل قد حكى الرافعي الوجهين في هذا الباب في الكلام على الخطبة، وهو قبيل الكلام على أركان النكاح، وصحح منهما عدم الصحة.
قوله: ولو قال: أنكحتك، فقال: رضيت نكاحها، حكى الوزير ابن هبيرة أنه يصح، ولم أره لغيره. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن كلامه يشعر بأن الوزير المذكور الشافعي، وليس كذلك، بل هو حنبلي المذهب، واسمه يحيي، ويلقب بعون الدين، صنف كتبًا كثيرة في علوم متعددة، وغالبها فيما يتعلق بالحديث، ومنها: تصنيف مشهور قريب من حجم التنبيه فيما اتفقت عليه الأئمة الأربعة، وهو الكتاب الذي نقل المصنف منه هذه المسألة. ولد- ﵀ بقرية من قرى بغداد، وتوفي ببغداد فجأة سنة ستين وخمسمائة. عن أربعة وستين سنة، وأقام في الوزارة نحو سبع عشرة سنة، ذكره ابن خلكان في تاريخه.
стр. 474
والمصنف مع ما اتصف به من جلالة القدر في المذهب، كان قليل المعرفة بالأصحاب وبالتصانيف.
الأمر الثاني: أن كلامه يشعر بأن ابن هبيرة هو القائل بذلك، وقد راجعت كلامه فوجدته قد نقلها عن الشافعي، فاعلمه.
الثالث: أن الإمام قد ذكر المسألة في النهاية في فصل، أوله قال: ولو زوجها الولي، ذكر ذلك في سياق النكاح والبيع جميعًا، إلا أن مثل بالبيع.
ثم قال: ولا يبعد انعقاد البيع به، ولم يذكر نقلًا يخالف ذلك.
قوله: وإذا كان الراغب فيمن لا ولي لها هو القاضي، زوجها به من فوقه من الولاة، أو يخرج إلى قاضي بلد آخر ليزوجها به أو يستخلف خليفة إن كان الاستخلاف جائزًا له. كذا قاله الغزالي.
وفي الشامل في جواز قبوله من خليفته وجهان، المذهب ألا يجوز. انتهى.
وهذا الخلاف الذي حكاه عن الشامل ليس له ذكر فيه في هذا الباب.
قوله: نقلًا عن الشيخ: فإن كانت الزوجة أمة، فالأولى ألا يعزل عنها، لما روى مسلم عن جذامة بنت وهب أخت عكاشة، قالت: سئل ﷺ عن العزل فقال: ((هو الوأد الخفي))، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩].
ومراد الشيخ بعدم الأولوية هو الكراهة، فإنه صرح به في المهذب.
وقطع الخراسانيون بأنه لا يكره، ولم يحك الشاشي سواه. انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الشاشي جازمًا بعدم كراهته غلط، فقد جزم بالكراهة في كتبه الثلاث وهي: المعتمد والحلية والترغيب، وموضع المسألة في هذه الكتب هو كتاب القسم بين الزوجات، فاعلمه.
وأما كتابه المسمى بالعمدة، فلم يتعرض فيه للمسألة بالكلية.
تنبيه: جدامة- بالجيم والدال المهملة والميم- ومن ذكرها بالمعجمة فقد صحف، كذا قاله الدارقطني قال: وهي أخت عكاشة من أمه.
والمراد: دفن البنات بالحياة.
قوله: وإن كانت حرة، لم يجز إلا بإذنها.
قال في التتمة: وهو ظاهر المذهب.
وقال الرافعي: إنه أظهر الطريقين.
стр. 475
وقيل: يجوز من غير إذنها، وهو الأصح في النووي، وما نقله- ﵀ عن الرافعي من تصحيح المنع بغير إذنها غلط، فإن حاصل ما في الرافعي أنه يجوز بالإذن، وكذلك بدونه في أصح الوجهين عند الغزالي، ولم يذكر نقلًا آخر يخالفه بالكلية، ثم إن النووي لما اختصر ذلك، أطلق تصحيح الجواز على عادته، ولم ينسبه إلى الغزالي، ولم يتعرض أعني الرافعي للمسألة في المحرر، ولا في الشرح الصغير. وقد عبر المصنف عن الروضة بالنووي، كما يعبرون عن شرح الوجيز بالرافعي.
قوله: ولا خلاف على المشهور في جواز العزل في أمة نفسه. انتهى.
اعلم أنه وقع- أيضًا- في الرافعي والروضة، أنه لا خلاف في الجواز. والظاهر أن المصنف أراده، وكانه أشار بالمشهور إلى ما ذكره أولًا، وإذا تقرر هذا، فقد حكى الروياني في البحر وجهًا أن ذلك لا يجوز فيها أيضًا فاعلمه.
стр. 476
باب ما يحرم من النكاح
قوله: ويزول الإشكال باختيار الخنثى الذكورة أو الأنوثة عند فقد العلامات على المشهور.
وفي الحاوي في باب الحضانة: أنه لو أخبر عن اختياره بأنه رجل أو امرأة، عمل على قوله في سقوط الحضانة، وهل يعمل على قول في استحقاقها؟ فيه وجهان، ووجه عدم القبول التهمة.
قلت: ومقتضى هذا أن يجري هذا الوجه في جميع ما يترتب له على اختيار الذكورة أو الأنوثة. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن الأصحاب لم يطردوا الوجه المذكور في جميع ماله، وهو غريب. فقد صرح إمام الحرمين والماوردي والروياني وخلائق بطرده في كل ما يترتب له حتى الرافعي، فإنه صرح في الجنايات باطراده فيما إذا ادعى الذكورية، وطلب دية الذكر أو القصاص فيه، وصرح في الفرائض باطراده فيما إذا ادعى أنه ذكر، وطلب إرث الذكور، وكان أزيد من إرث الإناث، وفي غير ذلك من الصور، وقد صرح النووي في التحقيق وغيره بجريان الخلاف في كل ما يتهم فيه، وجعلها قاعدة عامة.
قوله: ولو لم ترض الحرة التي وجدها إلا بأكثر من مهر المثل، وهو يجده.
قال في الإبانة حكاية عن القفال، وفي الزوائد حكاية عن الطبري، وفي الرافعي عن البغوي: أنه لا ينكح الأمة، وطردوا ذلك عنهم فيما لو وجد الرقبة في الكفارة بثمن غال، فإنه لا يجوز له أن يكفر بالصوم.
وقال في التتمة: له أن ينكح الأمة كما في التيمم إذا لم يجد الماء إلا بأكثر من ثمن المثل، فإنه يجوز له أن يتيمم.
وتوسط الإمام والغزالي فقالا: إن كانت المغالاة بقدر كبير يعد بذله إسرافًا، فله نكاح الأمة، وإلا فلا.
والفرق بينه وبين التيمم: أن الحاجة على الماء تتكرر، فيحصل الضرر بخلاف النكاح، ولأن النكاح يتعلق به أغراض كلية، فلا يعد باذل المال في مثلها مغبونًا.
стр. 477
قال في البسيط: وهذا منشؤه أمر، وهو أن نقصان الولي من مهر المثل في حق الطفلة، والزيادة في حق الطفل مهما كان إلى حد يقدر غرض في المواصلة، ويجعله الولي وسيلة إليها، فهو محتمل، وما انتهى إلى حد الإسراف فهو ممنوع.
واعلم أن ما ذكره عن صاحب التهذيب لم أر كلامه في التهذيب مصرحًا به ولا مشيرًا إليه، لأنه فرض المسألة فيما إذا كان في بلد، وصداق الحرائر ببلد آخر أرخص، وهو واجد لذلك، فقال فإن لم تلحقه مشقة في الخروج إليها، لا يجوز له نكاح الأمة، وكذلك رقبة الكفارة إذا بيعت بثمن غال، وهو واجد لا ينتقل إلى الصوم، فيحمل أيضًا على ما إذا كان ببلد آخر أرخص، لسياق ما تقدم من كلامه.
وإذا كانت الصورة كذلك، فليست الزيادة على بلد آخر زيادة على مهر المثل وقيمة المثل، فإن العبرة في المتقومات ببلد التقويم لا غير.
ثم كلام الرافعي يدل على أنه نقل ذلك عن التهذيب في هذا الموضع، لأنه قال: قال هاهنا: لا يقبل. وقال في الكفارات: يعدل.
وذكر ما أورده هنا، ذكر من ينقل وجهًا بعيدًا أو تخريجًا غريبًا، وأفهم أن بين الكلامين تناقضًا، ولا تناقض بينهما. انتهى كلامه بحروفه.
والذي ذكره- ﵀ في تغليظه الرافعي فيما نقله عن التهذيب في تصوير المسألة، وحكمها، غلط، وكذلك في تأويله هو بمسألة الرقبة بما إذا كان الغلو ببلد آخر، وهكذا تغليظه للرافعي في نسبة ظاهر كلام البغوي إلى التناقض غلط أيضًا، والذي ذكره الرافعي جميعه صحيح، وسبب غلط ابن الرفعة غلط النسخة التي نقل عنها من التهذيب، أو انتقال نظره هو من مسألة إلى مسألة حال النقل، فإن البغوي قد قال هنا ما نصه: وإن كان معه طول حرة، وتلك الحرة غائبة أو كان صداق الحرائر ببلد أرخص، وهو واجد لذلك، فإن لم تلحقه مشقة في الخروج إليها، لا يجوز له نكاح الأمة، وإلا فيجوز، ولو لم يكن في البلد إلا حرة واحدة، وهي تغالي في المهر، وهو واجد له، لا يجوز له نكاح الأمة، وكذلك رقبة الكفارة إذا بيعت بثمن غال، وهو واجد له لا ينتقل إلى الصوم بخلاف التيمم، يجوز إذا بيع الماء بثمن غال، لأنه متكرر.
قال الشيخ: وعندي فيه نظر، هذا لفظ التهذيب بحروفه، فسقط من نسخة ابن
стр. 478
الرفعة من قوله: ((يجوز إلى قوله: ((يجوز))، أو انتقل نظره إليه، كما يقع كثيرًا للنساخ، والمبادرة إلى تغليظ الأئمة- خصوصًا مثل الرافعي- اعتمادًا على ما يجده الشخص في نسخة واحدة عجيب، والذي ذكره البغوي في الكفارات، وأشار الرافعي إلى مخالفته للمذكور هنا صحيح، فإنه قال هناك: وإن وجد الرقبة بثمن غال، لا يجب الشراء كما لا يجب شراء الماء إذا بيع بثمن غال، بل يتيمم.
قال الشيخ: ورأيت أنه يجب أن تشترى بالثمن الغالي، إذا كان واجدًا له. هذه عبارته.
والجواب عن كلام البغوي سهل، وهو أنا علمنا بقوله في النكاح، وفيه نظر أنه يميل إلى عدم الوجوب على خلاف المنقول، ثم إنه في الكفارات أجاب أولا بما يعتقده هو، ثم نقل بعد ذلك ما رآه لغيره ووقف عليه منقولًا، فقال: ورأيت، أي: وقفت لغيري.
قوله: وإن جمع الحربين حرة وأمة في عقد واحد، وهو ممن يحل له نكاح الأمة، بأن وجد حرة تسمح بمهر مؤجل أو بما دون مهر المثل وغيره، وقلنا: إن ذلك لا يمنع نكاح الأمة، فلا يصح نكاح الأمة، لأن الأمة لا تقارن بالحرة، كما لا يدخل عليها، وأما الحرة:
فقيل: يبطل نكاحها جزمًا.
وقيل: على قولين، ثم قال ما نصه: وجزم الجرجاني في المعاياة بصحة نكاح الحرة والأمة، ولم أره في غيره. انتهى كلامه.
وهذا الذي أشعر به كلامه من إنكار هذه المقالة قد سبق إليه النووي في الروضة على وجه أشد من المذكور هنا، فإن ادعى أنه لا خلاف في المسألة، ولم يطلع على مقالة الجرجاني بالكلية، والذي قالاه غريب. فقد جزم القاضي أبو الطيب في المجرد بصحة نكاحهما، وعلله بأن المانع من نكاح الأمة معدوم. هذا كلامه. ونقله- أيضًا- عنه الروياني في البحر، نعم جزم في تعليقته بالبطلان فيهما، وقد أنكر ابن الصلاح- أيضًا- مقالة الجرجاني، وقال إنها لا تعرف في شيء من كتب المذهب.
قوله: ولو وجدت شروط نكاح الأمة إلا أنها مملوكة لكافر، جاز نكاحها في الأصح.
стр. 479
وقيل: لا حتى لا يسترق الكافر ولدها المسلم.
ثم قال: وقد أبدى القاضي مجلي في صورة المسألة نظيرًا، فإن الكافر لا يجوز إقرار يده على المسلمة، فكيف يتصور تزويجها من مسلم.
ثم لو قدرنا التزويج، فإنا نبيعها بعد ذلك من مسلم، فلا يسترق ولدها كافر. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن محلي وأقره عجيب، فإن ذلك يتصور بما إذا وقف جارية على كافر فأسلمت، فإن أولادها الحادثين يمكلهم الكافر الموقوف عليه على الصحيح، فإذا تزوجت من المسلم جاءت الأولاد ملكًا للكافر.
قوله: وإن تزوج بشرط ألا ينفق عليها أو لا يبيت عندها، أو لا يقسم لها، أو لا يتسرى عليها، أو لا يسافر بها بطل الشرط والمسمى، وصح العقد، ثم قال: وحكى الجيلي قولًا أو وجهًا أنه يبطل. انتهى.
وهذا الخلاف بهذا التردد بين القول والوجه، قد حكاه الرافعي عن ابن خيران.
стр. 480
باب الخيار في النكاح والرد بالعيب
قوله: ((والعنة امتناع الوقاع، وهي في اللغة الحظيرة، ومنه سمي العنان عنانًا، لأنه يبس الدابة عن مرادها)). انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن أهل اللغة وضعوا لفظ ((العنة)) للحظيرة، ثم إنهم أيضًا يعني- أهل اللغة- استعملوه مصدرًا للمعنى المذكور هنا، وليس كذلك، فإن المعروف في المصدر إنما هو التعنين، والعنانة كما هو مشهور في اللغة، ونبه عليه النووي.
قوله: فرع: ليس للزوج إجبار المرأة الرتقاء على شق الموضع، فإن فعلت وأمكن الوطء فلا خيار.
ويمكن أن يجيء فيه الخلاف المذكور، فيما إذا اطلع على عيب المبيع بعد زواله. انتهى كلامه.
وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف على نقله، قد سبقه إليه الرافعي، وتابعه عليه في الروضة، وقد صرح الماوردي والروياني في البحر بحكاية الخلاف الذي تفقها فيه، إلا أنهما جعلا محله بعد العلم وقبل الفسخ، فإن كان قبله فلا خيار جزمًا.
قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن حدث العيب بالزوج، أي: قبل الدخول، كان لها أن تفسخ دفعًا للضرر، إذ تعين ذلك طريقًا.
أما إذا حدث بعد الدخول، فإن كان الحادث الجنون أو الجذام أو البرص، فقد حكى صاحب الكتاب فيه وجهين.
قال الرافعي: ولم ير لغيره نقل الوجهين في المسألة، لكن أطلقوا الجواب بثبوت الخيار. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن الحاكي للوجهين هو صاحب التنبيه، إما في التنبيه أو في المهذب، وهو سهو، بل الحاكي للوجهين هو الغزالي في الوجيز، لكن الرافعي عبر بهذه الصيغة، لكونه في الكتاب الذي تصدى لشرحه، فنقل المصنف عبارته يعني: عبارة الرافعي قبل أن يقدم عليها ما يدل على المارد، فوقع في الخلل.
قوله: واعلم أن التغرير بالحرية لا يتصور من سيد الأمة، لأنه متى وجد منه،
стр. 481
عتقت. وصح النكاح قولًا واحدًا، ويتصور من وكيله، كما فرضناه. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم تصوير التغرير من السيد سبقه إليه الرافعي في كتبه، وكذلك النووي أيضًا. وليس كما قالوه، بل يتصور في مسائل:
منها: ما لو كان اسمها حرة.
ومنها: ما لو أطلق عليها لفظ الحرة، وأراد به المشهور في العرف، وهو العفة عن الزنا، فإنها لا تعتق بذلك، وإن كان اللفظ صريحًا، لوجود الصارف عن معنى العتق إلى غيره.
ومنها: ما لو كان راهنًا وهو معسر، وقد أذن له المرتهن في زواجها، وفي معناها الأمة الجانية.
قوله: وإذا عتقت الأمة تحت عبد، ثبت لها الخيار على الفور.
وفي قول: إلى أن يصيبها اختيارًا، فإن أصابها قهرًا، ففي سقوط الخيار تردد، لأنها كانت متمكنة من الفسخ.
ثم قال ما نصه:
وهذا مفروض فيما إذا لم يقبض على فمها، أما إذا قبض عليه، فلا تردد في بقاء حقها.
وهذا يناظر تفصيل الأصحاب فيما إذا خرج أحد المتبايعين من مجلس العقد قهرًا. انتهى كلامه.
واعلم أن في سقوط الخيار في البيع بالإخراج قهرًا مع انسداد الفم خلافًا، حكاه الرافعي والمصنف وغيرهما، وإذا استحضرت ذلك علمت تهافت كلامه هنا، وأن أوله مناف لآخره.
стр. 482
باب نكاح المشرك
قوله: ولو طلق المشرك امرأته ثلاثًا، ثم تزوجها قبل أن تنكح زوجًا غيره، ثم أسلما لم يقرا عليه، لأنها لم تحل له قبل زوج، فلم يقرا كما لو أسلم وتحته محرم.
قلت: لو خرج ذلك على القولين في أن نكاحهم صحيح أو فاسد، لم يبعد. انتهى.
وهو شعر بأنه لا خلاف في المسألة، وقد صرح جماعة بالتخريج المذكور، منهم الفوراني في ((الإبانة)).
стр. 483
كتاب الصداق
قوله: فأما ما ورد به الكتاب، أي: من الأسماء، فأربعة: الصداق، والنحلة، والفريضة، والأجر، والذي وردت به السنة ثلاثة: المهر، والعقد، والعليقة. انتهى كلامه.
واعلم أن تعبيره بالعليقة ذكره النووي في لغات التنبيه، فتابعه عليه المصنف. والذي قاله القاضي عياض، والهروي في الغريبين أن العلاقة بالألف.
قوله: فرع: فسخ النكاح بسبب إعسار الزوج بالصداق، هل يشطر الصداق.
قال في الجيلي في كتاب ((النفقات)) إن قلنا: إنه فسخ، سقط جميعه.
وقال في التتمة في ضمن فرع: وهو إذا كانت الزوجة صغيرة فأعسر زوجها بصداقها لا يفسخ الولي، لأنه إن كان قبل الدخول يشطر المهر، وإن كان بعده، فهو باق في ذمته، فلا فائدة في الفسخ.
وهذا يشعر بأن الفسخ بالإعسار يشطر المهر، فإن فسخ الولي يتنزل منزلة فسخ المولى عليه بدليل ما تقدم.
ويمكن أن يقال في هذه الصورة: يتشطر إذ لا تضييع من جهتها، بخلاف ما إذا فسخت هي، ويمن أن يكون بناء على أنه طلاق. انتهى كلامه.
وحاصله أنه لم يقف على نقل في المسألة ممن يعتبر وهو عجيب، فقد صرح خلائق بأن ذلك فرقة من جهة المرأة حتى يسقط الجميع، منهم الرافعي في كتاب المتعة.
واعلم أن تعاطي الفسخ من المرأة ليس بطلاق، بلا خلاف، بل القائل بأنه طلاق، معناه أن الزوج يؤمر بالطلاق كالمولي، وكلام المصنف بعيد عنه.
قوله: وإن طلق قبل الدخول، وكان الصداق ناقصًا نقصان صفة، فالزوج بالخيار بين أن يرجع فيه ناقصًا من غير أرش، وبين أن يأخذ نصف قيمته. انتهى كلامه.
ومحله: إذا كان متقومًا، فإن كان مثليًا، فإنه يرجع إلى نصف مثله، كذا نبه عليه المصنف في المطلب، وهو صحيح.
стр. 484
قوله: قال الإمام: فإن قال قائل: يرجع الزوج بنصف قيمة الكل أو بقيمة نصف الكل، وبينهما تفاوت.
قلنا: يرجع بقيمة نصف الكل، فإنه لم يفته إلا ذلك.
قلت: ومما يؤيد ذلك أن من أعتق نصف عبد يملكه وهو موسر، وسرى على نصف شريكه، يجب عليه قيمة نصفه لا نصف قيمته.
وقد صرح بذلك- أيضًا- الشيخ في المهذب. انتهى كلامه.
واستشهاده واستدلاله بمسألة العتق يقتضي الاتفاق عليها، وهو عجيب، فإن كلام الأصحاب مختلف فيها- أيضًا- حتى اختلف فيه كلام الرافعي، كما أوضحته في كتاب العتق من المهمات، فراجعه.
قوله: وإن حصلت الفرقة والصداق لم يقبض. فعفي الأب أو الجد عن حق المرأة، صح على القديم بشروطه، ولو تقدم عفو الولي على الفراق، لم يصح.
وقيل: يصح.
ثم قال: وعلى الأول لو وقع العفو مع الفراق، كما إذا اختلعا به فوجهان، الذي أجاب به وفي التتمة والتهذيب منهما الجواز.
وفي الوسيط: أن أظهرهما المنع، وهو ما يدل عليه كلام ابن الصباغ. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الوسيط غلط، سبقه إليه الرافعي فقلده فيه المصنف، وذلك لأن الغزالي لما عدد الشرائط قال ما نصه: وأن تكون بعد الطلاق لا قبله، فإن كان معه بأن اختلعها بالمهر، ففيه تردد. والأظهر أنه كالمتأخر، هذا لفظ الوسيط، وهو بالعكس مما نقله المصنف عنه.
قوله في المفوضة: وإن مات أحدهما قبل الفرض، ففيه قولان:
أحدهما: يجب المهر، لما روى معقل بن يسار، وقيل ابن سنان الأشجعي أن بروع بنت واشق نكحت بغير مهر، فمات، فقضى رسول الله ﷺ بمهر نسائها.
والثاني: لا يجب، والحديث قد رجه علي، وقال: كيف نقبل في ديننا قول أعرابي بوال على عقبيه؟ انتهى كلامه وما ذكره عن علي- ﵁ لم أر له ذكرًا في شيء من كتب الحديث، وسألت عنه صاحبنا الشيخ زين الدين العراقي حافظ العصر، فقال: لا أعلم له أصلًا في كتبهم، وأما بروع فبباء موحدة مكسورة، وراء مهملة ساكنة، وواو مفتوحة وعين مهملة.
قوله: وإن أعتق أمةً بشرط أن يتزوجها، ويكون عتقها صداقها، فقبلت، عتقت، ولا
стр. 485
يلزمها أن تتزوج به.
ثم قال: فأما نفوذ العتق فلأنه أعتقها على شرط باطل، فلغا الشرط وثبت العتق، كما لو قال لعبده: إن ضمنت لي خمرًا فأنت حر، فضمنه، كذا علله الأصحاب. قلت: وفي المسألة المقيس عليها نظر، فإن ذلك يشابه ما لو حلف لا يبيع الخمر، فإنه لا يحنث إذا وجد منه صورة البيع على المذهب، والضمان كذلك. انتهى كلامه.
وما نقله عن الأصحاب من تصوير المسألة المقيس عليها بقوله: إن ضمنت لي، ليس كما نقله عنهم، فقد تصفحت في ذلك كلام جماعة كبيرة، منهم: الفوراني والمتولي، وابن الصباغ، والغزالي، والرافعي، والنووي وغيرهم، فلم أر أحدًا منهم ذكر هذا التعليل، بل عبروا بقولهم: كما إذا أعتقها على خمر أو خنزير، ومنهم من يعبر بقريب منه، والتعبير به واضح.
وقد ذكروا- أيضًا- وقوع الطلاق المعلق على الخمر ونحوه، وعلة وقوعهما معروفة هناك.
قوله: ولا يمكن بناء قولين على وجهين. انتهى كلامه.
ذكر مثله في غير هذا الموضع، وقد خالفه في باب زكاة الفطر في الكلام على ما إذا زوج أمته بعبد أو حر معسر، فقال: والبناء المذكور ممكن، لأن الوجهين مخرجان من أصول الشافعي، وحينئذ فلا يمتنع بناء قولين على أصلين، هذه عبارته.
قوله: الثاني لو وقع الاختلاف في قدر المهر، أو صفته بين ولي الصغيرة، أو المجنونة، وبين الزوج، فوجهان.
أظهرهما، وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: أنهما لا يتحالفان، ولكن توقف إلى البلوغ أو الإفاقة.
والثاني: أنهما يتحالفان، وهو الأصح في المهذب. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن ابن سريج، وأبي إسحاق سهو، فإن الذي ذهبا إليه هو الثاني، وهو القول بالتحالف، كما هو مشهور معروف في كتب الأصحاب، حتى إن الرافعي صرح بنقله عنهما أيضًا.
стр. 486
باب الوليمة
قوله: ومن دعي وهو صائم بصوم تطوع، استحب له أن يفطر.
ثم قال: ولا فرق بين أن يشق عدم الأكل على الداعي أم لا.
وقال الخراسانيون: إن كان يثقل على الداعي ترك الأكل، أو ألح عليه في الإفطار، استحب له ذلك، وإلا لما يستحب. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من التسوية بين أن يشق عليه أم لا في إثبات الخلاف مردود، فقد صرح النووي في التصحيح بعدم الخلاف في حالة المشقة، فقال: والصواب أن من دعي وهو صائم صومًا تطوعًا، ولا يشق على الداعي صيامه، فإتمام الصوم له أفضل، هذه عبارته. وما نقله ابن الرفعة في الإلحاح، لم يتعرض له في الرافعي والروضة.
стр. 487
باب عشرة النساء والقسم والنشوز
قوله: ((وإذا تزوج جديدة، فإن كانت بكرًا أقام عندها سبعًا، وإن كانت ثيبًا، أقام ثلاثًا.
ولا فرق بين أن يكون ثيابتها بالنكاح أو بالزنا أو بالشبهة، ولو حصلت بمرض فعلى الوجهين في اشتراط استنطاقها، أي عند تزويجها. كذا قاله الرافعي، ومقتضاه: أن التي ثابت بالزنى يكون حكمها حكم البكر على الصحيح، كما تقدم في الاستنطاق)). انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما نقله عن الرافعي في المريضة قد ذكره الرافعي، إلا أن الرافعي لم يذكر هذه المسألة في الاستنطاق بالكلية، فسكوت المصنف عليه، يقتضي صحة ما قاله من تقدمة هناك، وإلا كان يلزمه التنبيه عليه والاحتراز منه.
الأمر الثاني: أن ما قاله من أن التي ثابت بالزنا، يكون حكمها الأبكار على الصحيح، وأنه قد تقدم في النكاح كذلك، غلط عجيب، فإن الصحيح في الرافعي: أن حكمها حكم الثيبات. وقد ذكره المصنف في كتاب النكاح كذلك، ثم إن الكلام الآن ليس هو في الثيابة بالزنى، حتى يذكر فيهما ما ذكر، بل تلك قد تقدم حكمها، فما وجه إعادتها.
قوله: وإن بلغا إلى الشتم والضرب، بعث الحاكم حرين مسلمين عدلين، ثم إن لفظ صاحب التهذيب أن على الحاكم أن يبعث حكمًا، وهو يشعر بالوجوب.
وقال الروياني في الحلية: يستحب للحاكم أن يبعث الحكمين. انتهى.
وما نقله عن الحلية من الاستحباب تبع فيه الرافعي، ولفظه في الحلية: المستحب للحاكم أن يبعث حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، هذه عبارته. وليست صريحة فيما
стр. 488
قاله، ولا ظاهرة، فإنها كما تحتمل أصل البعث، تحتمل البعث من أهلهما، فيكون الموصوف بالاستحباب هو البعث المقيد.
نعم نقل الروياني في البحر عن الشافعي أنه مستحب فإنه قال: المستحب للحاكم أن يبعث عدلين، والأولى أن يكون واحدًا من أهله وواحدًا من أهله وواحدًا من أهلها.
стр. 489
باب الخلع
قوله: إذا وقع عقد الخلع بلفظ الخلع من غير نية للطلاق، ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه طلاق، واختاره صاحب التهذيب. وقال في النهاية: إن الفتوى عليه.
والثاني: أنه فسخ لا ينتقص العدد، وهو القديم والمتصور في الخلاف، واختاره القاضي أبو حامد.
وذكر في الإبانة أنه الأصح، وكذلك القاضي أبو الطيب في آخر تعليقته.
وذكر أبو مخلد البصري أن الفتوى عليه.
والثالث: أنه ليس بطلاق ولا فسخ، ونص عليه في الأم.
وقال الإمام والروياني: إنه ظاهر المذهب. انتهى.
وتعبيره بقوله: القاضي أبو حامد، سهو، إنما هو الشيخ أبو حامد. هكذا نقله الرافعي وغيره، ولا شك أن المصنف إنما اعتمد عليه، فإنه قد نقل في كتابه جميع ما ذكره، فمنه ما وقف عليه المصنف ومنه ما لم يقف عليه.
واعلم أن القاضي الحسين قد نقل في كتاب أسرار الفقه، وهو كتاب لطيف نحو حجم التنبيه، يشتمل على فوائد كثيرة: أن القفال قد اختار أيضًا أن الخلع فسخ، واختاره أيضًا من المتأخرين ابن أبي عصرون.
قوله: والقبول في المسألة الثالثة وهي ((أنت طالق على ألف))، أن يقول: قبلت الألف، والإتيان باللفظ شرط على ما حكاه الرافعي، ومجلي، وصاحب الشامل والمتولي: أنها إذا دفعت له الألف على الفور وقع الطلاق، لأنه طلقها على الألف فكيف حصلت له، وقع بها الطلاق. انتهى لفظه بحروفه.
وحاصله: أن بعض المذكورين قد خالف الرافعي وليس فيه تمييز القائل، ثم إنه عبر عن هذه المخالفة المبهم قائلها بعبارة مبهمة- أيضًا- غير دالة على المعنى.
قوله: وإن قال: إن أعطيتني عبدًا فأنت طالق ولم يصفه، فأعطته مكاتبًا أو مغصوبًا، لم تطلق على الصحيح.
ثم قال: وحكم المرهون والمستأجر من غيره والمملوك بعضه- حكم
стр. 490
المغصوب، وكان يتجه أن يكون في المستأجر خلاف مبني على جواز بيعه. انتهى كلامه.
وما حاول بحثًا من مجيء الخلاف قد سبقت حكايته له، فإنه قد صرح بأنه كالمغصوب، وفي المغصوب وجهان سبق ذكرهما في الكلام الذي نقلته عنه، إلا أنه لم يصرح بالتخريج.
نعم، ذكر في الروضة هنا كلامًا من زوائده، فقال: يجري الخلاف في المستأجر إذا لم يجوز بيعه، وإلا فهو كغيره والله أعلم.
والذي ذكره- أعني: النووي- كلام متجه، فإن كان هو مراد المصنف وهو الظاهر، فتكون العبارة قد تحرفت عليه، وذهل عن ذكر النووي له.
قوله: وإن خالعها على ثوب معين على أنه هروي فخرج مرويًا، بانت وله الخيار بين الرد والإمساك، لأن ذلك اختلاف وصف في العوض، إذ الهروي والمروي نوعان من القطن، واختلاف الوصف في العوض لا يمنع الصحة، وإنما يثبت الخيار، كالبيع.
قال السرخسي: وهذا على قولنا: إن اختلاف الصفة لا يتنزل منزلة اختلاف العين، وفيه قولان ذكرناهما في النكاح، فإن نزلناه منزلة اختلاف العين، فالعوض فاسد وليس له إمساكه، ويرجع إلى مهر المثل أو بدل الثوب لو كان هرويًا.
قلت: وما قاله من أن اختلاف الصفة كاختلاف العين مذكور في الزوجين، لأن الوصف فيهما يقوم مقام الرؤية، فإذا اختلف الوصف كان بمنزلة ما لو رأى عينًا وعهد على غيرها، وأما بلد الخلع فهو بالمبيع أشبه، ولم يعلم خلافًا فيما إذا اشترى عبدًا وشرط أنه تركي فخرج غير تركي أنه يبطل البيع، بل المنقول ثبوت الخيار. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه من الصحة بلا خلاف إذا ظهر المبيع على خلاف الوصف المشروط غريب، فقد حكى الرافعي في ((باب خيار النقص)) في ذلك قولين.
نعم، البحث الذي ذكره صحيح، فإن الخلاف المحكي في النكاح مفرع على قول الصحة في البيع، كما أوضحه الرافعي وغيره، فيكون الخلاف غير الخلاف.
قوله: ولو قالت لزوجها: هذا الثوب هروي، فقال: إن أعطيتني هذا الثوب فأنت طالق، فأعطته، وبان مرويًا.
قال في التتمة: ينبني ذلك على أن المتواطأ عليه قبل العقد، هل هو كالمشروط في الصداق؟
стр. 491
إن قلنا: نعم، لم يقع الطلاق، وإلا وقع، وليس له إلا الثوب، وهذا البناء فيه نظر، فإن المنقول عن الأصحاب في مسألة تناظر هذه المسألة من الحكم ما يفهم منه أن هذا ليس من قبيل الشروط، وذلك أنهم قالوا: لو دفع إلى خياط ثوبًا، وقال له: إن كان يكفيني هذا قباءً، فاقطعه فقطعه، فلم يكفه، وجب عليه الأرش.
ولو قال: أيكفيني هذا قباء، فقال: نعم، فقال: اقطعه فقطعه، فلم يكفه فلا شيء عليه، وكان مقتضى ما قاله في التتمة أن يخرج ذلك على الشرط السابق إذا جرى منه إخبار قبل القطع، كما جرى منها إخبار قبل العقد. انتهى كلامه.
وهذا التنظير الذي ذكره المصنف قد نبه هو على الحاشية بخطه على بطلانه، فقال ما نصه: هذا التنظير ليس بصحيح، وليست مسألة الخياط تناظر ما نحن فيه، لفقد تخيل التواطؤ فيها الذي يقام مقام الشرط المقارن. هذا لفظه بحروفه.
стр. 492
كتاب الطلاق
قوله: وفي طلاق السكران قولان.
ثم قال: ومنهم من خص القولين في ما له كالنكاح، أما ما عليه، كالضمان، والإقرار، فهو نافذ لا محالة تغليظًا عليه.
وعلى هذا فلو كان التصرف له من وجه، وعليه من وجه، كالبيع، والإجارة، فيحكم بنفوذه تغليبًا لطرف التغليظ.
وفي التهذيب: أنه يصح الإجارة ولا يصح بيعه، لأنه يجمع ما له وعليه، فغلب ما له، وكذلك لا يصح نكاحه ولا إنكاحه. انتهى كلامه.
وما نقله عن التهذيب تفريعًا على صحة ما عليه دون ما له من صحة الإجارة دون البيع- غلط نشأ عن تحريف، فإن صاحب التهذيب قال ما نصه: فعلى هذا يصح إقراره، ولا يصح بيعه، لأنه يجمع ما له وعليه، فيغلب جانب ما له وكذلك لا يصح نكاحه ولا إنكاحه. هذا لفظ التهذيب فتحرف الإقرار بالإيجاز ثم عبر هو عنه بالإجازة.
قوله: الرابع: إذا جرى لسانه بكلمة الطلاق ولم يرفع صوته بقدر ما يسمع، ففي التتمة: أن الكرخي حكى أن المزني نقل فيه قولين:
أحدهما: وقوع الطلاق، لأنا نوقع الطلاق بالكناية مع النية، فعند اللفظ أولى.
والثاني: المنع، لأنه ليس بكلام، ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يسمع نفسه. انتهى كلامه.
وما نقله عن التتمة من حكاية الكرخي للقولين عن المزني غلط، فإن صاحب التتمة إنما حكاه عن الزجاجي، ذكر ذلك قبيل الفصل الرابع، وهكذا نقله عنه الرافعي أيضًا والنووي في الروضة، وصحح من زوائده القول الثاني وهو ظاهر.
قوله: والنية المؤثرة في الكناية بالاتفاق أن تقترن بجميع اللفظ من قوله ((أنت)) إلى
стр. 493
آخر القاف من طالق، كما صرح به المتولي في باب النية في الصلاة، فإن اقترنت بأوله ثم عزبت في أثنائه، فالمذهب الوقوع.
ولو خلا أوله- وهو ((أنت)) - عن النية، ثم نوى في أثنائه عند قوله: ((طالق))، ففي الوقوع وجهان. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن تعبيره بطالق غلط في الموضعين، بل الصواب التعبير ببائن أو نحوه، فإن الكلام في الكنايات، وقد عبر في التتمة بالبائن كما ذكرناه لا بما نقله عنه، وهو طالق.
الثاني: أن ما نقله عن التتمة من الاتفاق لم يتعرض له بالكلية وإن كان صحيحًا.
الأمر الثالث: أن تمثيله اقترانًا بالأثناء بما إذا خلا عنها ((أنت)) وقارنت طالقًا- وقع في التتمة هناك.
وفي الرافعي هنا فقلدهما المصنف فيه وهو غلط، لأن اللفظ الذي تردد الأصحاب في أن النية هل يشترط اقترانها بجميعه، أم يكفي اقترانها ببعضه؟ إنما هو لفظ الكناية فقط، لأن المقصود من النية تفسير إرادة الطلاق الذي يحتمله ويحتمل غيره، والمفتقر إلى التفسير لما فيه من الاحتمال إنما هو صيغة الكناية دون ما معها، فتقدم النية عليها لا يفيد قطعًا وإن كان متصلًا بـ ((أنت)) أو غيرها مما قبله، وقد صرح بهذا الذي ذكرته: البندنيجي والماوردي وصاحب الشامل وغيرهم، إلا أن المصنف في المطلب قد أثبت وجهين في المسألة، وأيد الاكتفاء عند ((أنت)) بما إذا وقع ((أنت)) في زمن الطهر و ((طالق)) في زن الحيض، فإن ابن سريج قال: يكون الطلاق سببًا ويحصل لها قراء واحد.
قوله: وهل الحرام من الصرائح، أو من الكنايات؟ فيه خلاف.
ثم قال: وعد الحرام من الكنايات على قولنا ليس بصريح محله: إذا قلنا: إن لفظ ((الحرام)) غير صريح في إيجاب الكفارة.
أما إذا قلنا: إنه صريح، فقد حكى الحناطي وجهًا: أنه لا يكون طلاقًا، وهو قضية الضابط المذكور في النهاية وغيرها: أن اللفظ إذا كان صريحًا في باب ووجد نفاذًا في موضوعه فلا سبيل إلى رده عن العمل فيما هو صريح فيه، ويستحيل أن يكون صريحًا
стр. 494
نافذًا في أصله ووضعه، ويكون كناية منوية في وجه آخر، وهو ما جزم به في المهذب تفريعًا على هذا القول عند الكلام فيه.
والمذهب: أنه يكون طلاقًا.
قال في الذخائر: لأنه إنما يكون صريحًا في إيجاب الكفارة عند عدم النية، فأما مع وجود النية فلا يكون صريحًا في الكفارة. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن المهذب والذخائر غلط، أما المهذب: فإنه جزم بأن الزوج إذا نوى به الطلاق وقع، ولم يتعرض للتخريج الذي نقله عنه المصنف بالكلية، فإنه قال: فصل: إذا قال لامرأته: أنت علي حرام ونوى به الطلاق فهو طلاق. هذا لفظه، ولم يتعرض فيما إذا نوى لغير ذلك.
ثم قال بعد ذلك في الكلام على إيجاب الكفارة بها: وإن قال: أنت علي حرم ولم ينو شيئًا ففيه قولان.
أحدهما: تجب عليه الكفارة، فعلى هذا يكون هذا اللفظ صريحًا في إيجاب الكفارة، لأن كل كفارة وجبت بالكناية مع النية كان لوجوبها صريح ككفارة الظهار.
والثاني: لا تجب، فعلى هذا لا يكون هذا اللفظ صريحًا في شيء، لأن ما كان كناية في جنس لا يكون صريحًا في ذلك الجنس، هذا لفظه.
وكأن هذا هو سبب الوهم ولا ذكر لذلك في تهذيب البغوي أيضًا حتى يقال: هو الذي ذكره المصنف ولكن تحرف بالمهذب.
وأما النقل المتقدم عن صاحب الذخائر فإنه ليس له ذكر فيها، فإن المسالة مذكورة في الكتاب المذكور في ثلاثة مواضع: أحدها هذا، والثاني في الإيلاء، والثالث في الظهار، ولم أر ما قاله المصنف في شيء من المواضع الثلاث.
قوله: وإشارة الأخرس بوقوع الطلاق معتبرة، ثم إن كانت مفهمة للطلاق فيكتفي بها، وإن لم ينو، كذا قاله في التهذيب، وقسم الإمام وغيره الإشارة إلى صريحة تغني عن النية، وهي التي فيهم منها الطلاق المخصوصون بالفطنة والذكاء، وصوابه وهون المذكور في النهاية ونقله عنه الرافعي- أيضًا- أن يقول: إلى صريحة مغنية عن النية، وهي التي يفهم منها الطلاق كما واقف عليها، وإلى كناية مفتقرة إلى النية، وهي التي يفهم منها الطلاق المخصوصون بالفطنة. انتهى.
стр. 495
قوله: وإذا أضاف الطلاق إلى جزء منها وقع بطريق السراية.
وقيل: من باب التعبير بالجزء عن الكل، وله فوائد.
ثم قال: وقد يضاف إلى فوائده ما إذا ضمن إحضار جزء من إنسان شائع أو غير شائع لا تبقى الحياة بدونه، فإن قلنا: إنه بطريق السراية، لم يصح الضمان، وإن قلنا: بطريق التعبير بالبعض عن الكل، لم يصح، لكن لو قيل، لكن لو قيل به للزم أن يكون الصحيح صحة الضمان، وقد حكينا أن الراجح خلافه. انتهى.
وتعبيره في آخر كلامه بقوله: أن يكون الصحيح صحة الضمان وهم، وصوابه عدم صحة الضمان، فإنه مقتضى التفريع، وأيضًا فإن الصحيح هناك هو الصحة، وحينئذ فلزوم خلافها باطل.
قوله: ولو قال: حياتك طالق، ففي النهاية أن يقع.
وفي التهذيب: أنه إن أراد الروح وقع، وإن أراد المعنى القائم بالحي لم يقع. انتهى كلامه.
وما نقله عن التهذيب من أنه لا يقع إذا أراد المعنى القائم بالحي ليس مذكورًا فيه، وإنا عبر في التهذيب بقوله: إن أراد به الروح طلقت واقتصر عليه، فنقله عنه الرافعي.
ثم قال- أعني: الرافعي-: وهذا فيه إشعار بأنه إن أراد المعنى القائم بالحي لا تطلق كسائر المعاني، وبه قطع أبو الفرج الزاز، ويشبه أن يكون هو الأصح. هذا كلامه ثم إنا نقول: إن كلام البغوي يشعر بأنه لا يقع عند الإطلاق أيضًا، فلا وجه لاقتصاره على نقل عدم الوقوع في قسم واحد.
قوله: وفي فتاوى القفال: أنه لو قال لامرأته: يا بنتي، وقعت الفرقة بينهما عند احتمال اللبس. انتهى كلامه.
وتعبيره باللبس تحريف لا معنى له، وصوابه وهو المذكور في الفتاوى المذكورة إنما هو السن، أي يحتمل ما قاله من كونه بنتًا له، والمصنف- ﵀ لم يظفر بهذه الفتاوى، وإنما اعتمد فيها على نقل الرافعي، والرافعي قد ذكره على الصواب.
قوله: ولو قال: امرأتي هذه محرمة علي لا تحل لي أبدًا، نقل الرافعي عن جده: أنها لا تطلق، لأن التحريم قد يكون بغير الطلاق، وقد يظن ما لا يحرم محرمًا.
وقيل: يحكم عليه بالبينونة. انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الرافعي نقل ذلك عن جد نفسه قد وقع له مثله- أيضًا- في غير هذه المسألة، وهو غلط عجيب، وإنما نقل لذلك هو سريج الروياني عن جده: أبي
следующие страницы →