Полный текст (594 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
باب الحيض
قوله: ثم التسع في حق الصبية تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه تقريب- وهو ما رجحه الروياني والرافعي- فلا يؤثر نقصان اليوم واليومين كما قاله الماوردي.
والمتولي قال: إن قلنا: إنه تقريب، ففائدته أنها لو رأته قبله بزمان لا يسع طهرًا وحيضًا يكون حيضًا، دون ما إذا كان يسعهما، وهذا ما أورده الرافعي، وفي ((البحر)) حكاية الأمرين. انتهى كلامه.
وما نقله- ﵀ عن ((التتمة)) و ((البحر)) من كون هذا الزمان الذي لا يسع حيضًا وطهرًا يكون أوله من حين رؤية الدم، غلط مخالف لما ي الكتابين المذكورين، فإن المذكور فيهما: أن أوله من حين الانقطاع، فقال في ((التتمة)) ما نقصه فمنهم من قال: تقريب، حتى لو رأت الدم قبل التسع لمدة قريبة تجعل حيضًا، وحد القرب: ألا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يتسع لحيض وطهر. هذه عبارته، وذكر في ((البحر)) مثله- أيضًا- فقال: ومن أصحابنا من قال: حد القرب: ألا يكون بين انقطاع الدم والتسع زمان يتسع لحيض وطهر. هذا لفظه- أيضًا- وما نقله المصنف عن ((التتمة)) ذكره النووي في ((شرح المهذب)) تبعًا للرافعي، فقلد المصنف فيه أحدهما.
قوله: نص الشافعي في موضع على أن أقله يوم وليلة، وفي آخر على أن أقله يوم، واختلفوا فيهما على ثلاث طرق:
إحداها: القطع بأن أقله يوم وليلة.
والثانية: القطع باليوم فقط، واختارها في ((المرشد))، ونقلها في ((الشامل)) عن أكثر الأصحاب.
والثالثة: على قولين. انتهى ملخصًا.
وما نقله عن ((الشامل)) هنا غلط، فإن الذي فيه عن الأكثرين إنما هو القطع بالقول المعروف وهو ويم وليلة، وقد نقله عنه في ((شرح المهذب)) على الصواب. وأما
стр. 72
((المرشد)) فإنه قال: وأقل الحيض يوم، لأنه وجد، وأكثره خمسة عشر، وغالبه ست أو سبع. هذه عبارته، وليس فيها ما يقتضي اختيار الطريقة القاطعة، لأنه مصنفه لا يذكر فيه إلا ما عليه الفتوى، ولا يتعرض لما في المسألة من الخلاف، فيجوز أن يكون قد اختار طريقة القولين، ولكن صحح أن أقله يوم، فدعوى المصنف ما ادعاه ذهول عجيب وغفلة، على أنه يجوز أن يكون قد أراد: مع الليلة، كما حملوا عليه عبارة الشافعي، ويدل عليه أنه لم يصرح بالليالي في القسمين الآخرين، وهما الأكثر في الغالب.
قوله: فإن قيل: لو دل الاستقراء على أن أقل الطهر دونه خمسة عشر يومًا، هل يجري فيه الخلاف السابق، أي في أقل الحيض ونحوه؟
قلت: الظاهر من كلام الأصحاب إجراؤه، إذ لا فرق، لكن نص الشافعي على إتباع الوجود، فإن الماوردي قال في كتاب العدد ... إلى آخر ما قال. انتهى.
وكلامه- ﵀ يقتضي عدم الوقوف على الخلاف، ولهذا حاول إثباته من جهة القياس، وهو غريب جدًا فإن الخلاف مشهور في كتب الأصحاب حتى في ((الرافعي))، فإنه قال: لو رأينا من تحيض أقل من يوم وليلة أو أكثر من خمسة عشر، وتطهر أقل من خمسة عشر- فثلاثة أوجه.
أظهرها: أنه لا عبرة به. هذا كلامه، والمصنف قد نقل هنالك ما يدل عليه، فإنه قال عقب ذكر الشيخ لأقل الحيض وأكثره ما نصه: فإن قيل: إذا كان مستندكم في التقدير لأقله وأكثره هو الاستقراء، فينبغي إذا وجد في عصر من الأعصار بسبب تغير الطباع أقل من ذلك أو أكثر، أن تتبعوه- قيل: قد قال به جماعة من المحققين منهم الأستاذ أبو إسحاق، وأبو إسحاق المروزي- كما قال في ((التتمة)) - والقاضي الحسين في جواب له، وعليه يدل ما سنذكره من نص الشافعي من بعد.
ثم قال: ومنهم من منع النقصان عما ذكرنا والزيادة عليه، ومنهم من قال: إن قال بعض العلماء به اعتمد، وإلا فلا. انتهى. وحكاية الخلاف في أكثر الحيض يؤخذ منها الخلاف في أقل الطهر.
واعلم أن الرافعي عبر بقوله: أحدها: نعم، وذهب إليه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في جواب له، والقاضي الحسين فيما حكى. والمصنف جعل القائل بذلك في جواب له هو القاضي الحسين، فكأنه لما نقل هنا حالة التصنيف من ((الرافعي)) قدم وأخر.
стр. 73
قوله: وإن رأت المرأة يومًا طهرًا ويومًا دما ففيه قولان:
أحدهما: تضم الطهر إلى الطهر، والدم إلى الدم.
والثاني- وهو الأصح عند الجمهور-: أنها لا تضم، بل الجميع حيض. ثم استدل على الثاني فقال: ولأن الناس أجمعوا على أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، فلو قلنا: يوم النقاء طهر، لأدى إلى أن يكون يومًا. انتهى.
وما نقله من الإجماع المذكور ليس بصحيح، فإن في أقله خمسة مذاهب حكاها في ((شرح المهذب)) كلها دون الخمسة عشر:
أحدها: أنه غير محدود بالكلية، وهو رواية ابن القاسم عن مالك، ونقله ابن المنذر عن أحمد وإسحاق.
والثاني: خمسة أيام، ورواه ابن الماجشون عن مالك.
والثالث: ثمانية، رواه سحنون عنه.
والرابع: عشرة، نقله الماوردي عنه.
والخامس: ثلاثة عشر، وهو منقول عن أحمد، أيضًا.
وقد نقل المصنف القول الأول والرابع قبل هذا الموضع بدون الورقة. ثم إن الخلاف ثابت- أيضًا- عندنا في المسألة، ويعرف من الاعتراض المذكور قبل هذا.
قوله: لما روى البخاري عن عائشة: ((أن نساء كن يبعثن إليها بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء)). والكرسف: القطن، والقصة البيضاء: شيء كالخيط الأبيض يخرج عند انقطاع الدم. انتهى كلامه.
وتفسيره القصة بأنه شيء كالخيط تحريف فاحش، بل القصة هو الجص الذي تبيض به البيوت، قال في ((شرح المهذب)): القصة- بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة- هو الجص، شبهت الرطوبة النتنة الصافية بالجص. هذه عبارته.
والدرجة: بضم الدال وإسكان الراء المهملتين وبالجيم، وروي بكسر الدال وفتح الراء، وهي خرقة أو قطنة أو نحو ذلك تدخله المرأة فرجها، ثم تخرجه لتنظر: هل بقي شيء من أثر الحيض أم لا؟
واعلم أن البخاري ذكر هذا الأثر تعليقًا، أي: بغير إسناد، فاعلمه. فإن كلام المصنف قد يوهم خلافه، إلا أن تعليقات البخاري هكذا صحيحة إذا كانت بصيغة جزم، وقد رواه- أيضًا- مالك في الموطأ بإسناد صحيح.
قوله: لأنه روي عن ابن عباس أنه قال: ((دم الحيض أسود محتدم بحراني ذو
стр. 74
دفعات، له رائحة تعرف)). والمحتدم: الحار، يقال: يوم محتدم، إذا كان شديد الحر. والبحراني: الشديد الحمرة، ينسب إلى ((البحر))، لصفاء لونه ... إلى آخر ما قال.
والمحتدم: بحاء ودال مهملتين، وما ذكره في تفسيره ذكره الفقهاء في كتبهم، والمشهور في كتب اللغة- كما نبه عليه في ((شرح المهذب)) -: أن المحتدم هو الذي اشتدت حمرته حتى اسود.
قوله: الثاني: أنه لا فرق في جعل الأسود حيضًا- إذا وجد شرطه- بين أن يكون مبتدأ به أو متأخرًا أو متوسطًا، حتى لو رأت خمسة دمًا أحمر، وخمسة دمًا أسود، ثم أطبق الأحمر، أو رأت خمسة عشر دمًا أحمر، ثم مثلها أسود، أو بالعكس- كان الأسود هو الحيض. وعن ابن سريج: أنه يشترط في جعله حيضًا: أن يقع مبتدأ به، فلو وقع الابتداء بالأحمر فلا تمييز. وحكى الغزالي وجهًا: أن النظر إلى ما وقع الابتداء، فإن وقع بالأسود فهو الحيض، وإن وقع بالأحمر فهو الحيض.
وقيل: إن أمكن جعلهما حيضًا- كما في مثلنا- جعل، وإن لم يكن كما لو رأت خمسة حمرة، ثم أحد عشر سوادًا- ففاقدة للتمييز.
وقيل: إن كانت مبتدأة فحيضها السواد، وإن كانت معتادة فيحضها ما سبق ولو كان حمرة. انتهى ملخصًا.
وهذا الوجه الذي ذكر أن الغزالي حكاه في الأمثلة الثلاثة غلط منه- أي: من المصنف- فإن الغزالي حكاه في المثال الثاني والثالث، وأما إذا تقدمت الحمرة فإنه وإن حكى- أيضًا- الوجه فيه لكن شرط له ألا يمكن الجمع، كما هو مدلول كلام ((الوسيط))، وزاد إيضاحًا في ((البسيط)) فقال: وحكى الشيخ أبو محمد في ((المحيط)) وجهًا: أنه إذا امتنع الجمع جرد النظر إلى الأولية. هذه عبارته.
وإذا تقرر ذلك فالمثال الذي ذكره المصنف أولًا لم يمتنع فيه الجمع، فلا يجئ الوجه فيه.
قوله: ولو رأت المبتدأة حمرة فتترك الصلاة فيها، لاحتمال ألا تجاوز أكثر الحيض، فلو استمر إلى مجاوزة خمسة عشر وطرأ الأسود فتترك- أيضًا- فيها، لأنها مستحاضة، والاعتبار بالقوى، وهذه امرأة تؤمر بترك الصلاة شهرًا كاملًا، ثم ينظر: إن انقطع الأسود على خمسة عشر قضت أيام الأحمر، وإن جاوز الخمسة عشر فلا تمييز، وفيما تحيضه من أول الدم الأحمر قولان يأتيان في الكتاب، وابتداء دورها الحادي والثلاثون على القولين، فإن حيضناها يومًا وليلة أمرت بترك الصلاة أحدًا
стр. 75
وثلاثين يومًا، وإن حيضناها ستًا أو سبعًا أمرت بترك الصلاة ستًا وثلاثين أو سبعًا وثلاثين. انتهى ملخصًا.
وهذا الذي ذكره في غاية الترك قلد فيه غيره، ومقتضاه: أنه لا يتصور الترك زيادة على ذلك، وهو غريب، فقد تؤمر بالترك في أضعاف هذه المدة: كما إذا رأت صفرة، ثم شقرة، ثم حمرة، ثم سوادًا بلا ثخانة ولا رائحة كريهة، ثم سوادًا بأحدهما، ثم سوادًا بهما معًا، ونحو ذلك، وأقام كل دم خمسة عشر- فإنها تترك في كل واحد، للمعنى الذي قالوه، وهو كونه أقوى من غيره.
قوله: وإذا قلنا: إن المبتدأة ترد إلى عادة العشيرة، فاختلفت عادتهن- تعينت الست، لوقوع الاتفاق عليه، ولو زادت على السبع ردت إلى السبع.
ثم قال: وحكى الإمام عن شيخه عند اتفاق عادتهن ومجاوزتها السبع أنه قال: يحتمل أن تثبت لها تلك العادة بعينها، ولا تختص بالست والسبع.
قال: وهذا الذي ذكره حسن ولكني لم أره لغيره، وعندي: إنما ذكره مخرجًا [كذا]، وإنا أبدى وجهًا من الاحتمال. انتهى كلامه.
والذي ذكره في آخره كلام عجيب لا يفهم منه شيء، أو يفهم منه غير المراد، وسببه إسقاط حرف وتقديم كلمة، فإن الإمام قال: وعندي أنه ما ذكره وجهًا مخرجًا. هذه عبارته، ومعناه: أنه لم يذكر ما ذكر على أنه وجه مخرج.
قوله: وهذه المرأة- أي الناسية للعادة والوقت- تسمى بالمتحيرة: إما لتحيرها في شأنها، أو لتحير الفقيه في أمرها. انتهى كلامه.
وهو غلط سقط منه شيء، وصوابه الذي قاله الرافعي وغيره: أنها تسمى متحيرة، لتحيرها، ومحيرة- بكسر الياء- لتحير الفقيه في أمرها. فكل اسم له علة، فنسي أحد الاسمين، وجمع بين العلتين.
قوله: واغتسالها يكون بعد دخول الوقت على الأصح، وقيل: لو وجد دخوله، وانطبق آخره على أول الوقت- جاز. انتهى.
وهذا الوجه لم يحكه المصنف على وجهه، فإن قائله يشترط- أيضًا- انطباق أول الصلاة على آخر الغسل، كما صرح به الأصحاب، حتى الرافعي فقال: وفي وجه: لو وقع غسلها قبل الوقت، وانطبق أول الوقت وآخر الغسل- جاز. هذه عبارته.
قوله- فيما إذا كان على المتحيرة صوم يومين، وأرادت قضاءهما-: إنها تصوم
стр. 76
ستة أيام من ثمانية عشر يومًا: ثلاثة في أولها، وثلاثة في آخرها، فتبرأ ذمتها منها، لأن الدم إن كان قد طرأ في أثناء اليوم الأول منها انقطع في مثله من السادس عشر، وسلم لها السابع عشر والثامن عشر. قال: ولا يختص الخروج عن العهدة بصوم الثلاث في أول الثمانية عشر متواليات، وكذلك في آخرها، بل لو صامت يومين في أول المدة، ويومين في آخرها، ويومين فيما بين ذلك، سواء كانا متصلين باليومين الأولين أو باليومين الأخيرين أو مفردين عنهما- خرجت عن العهدة.
ثم قال ما نصه: وضابط هذا: أن تعرف ما عليها من صوم وتصومه مثله بعد استكمال خمسة عشر يومًا من أول صومها الأول، وتصوم يومين فيما بين الصومين، مثاله: إذا كان عليها ثلاثة أيام صامتها في أي وقت شاءت، وصامت يومين بعدها إلى تمام خمسة عشر يومًا، وتصوم ثلاثة أيام عقب الخمسة عشر، فتخرج عما عليها بيقين. انتهى كلامه.
وهذا الضابط الذي ذكره غلط فاحش، والعمل المتفرع عليه في المثال المذكور غلط- أيضًا- فإن الصواب فيما إذا أرادت أن تصوم مثله: أنها تصومه بعد استكمال ستة عشر، لا كما قاله من كونه بعد خمسة عشر، فإذا كان عليها صوم ثلاثة كما مثله هو، فصامتها في أول الشهر مثلًا، وصامت بعدها يومين- فإنها تصوم الثلاثة الباقية بعد ستة عشر، فتصوم السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، فعلى تقدير أن يطرأ الدم في أثناء اليوم الأول، فيقطع في أثناء السادس عشر- فتصح لها الثلاثة التي بعده، وأما على ما قاله المصنف من كونها تبتدئ بالسادس عشر فلا يصح لها يومان، فيبقي عليها يوم، فلا تبرأ ذمتها، وهذا واضح، وسبب الوهم: أن الرافعي ذكر أنها تضعف مع عليها وتزيد يومين، ثم لها حينئذ طريقان:
إحداهما: أن تصوم نصف المجموع متواليًا متى شاءت، والنصف الآخر بعد استكمال خمسة عشر من صومها.
والطريقة الثانية: ما حاول المصنف ذكره.
وقد الرافعي الطريقة الأولى، فسها المصنف منها إلى الثانية، فعبر بـ ((الخمسة عشر)).
قوله: نعم، يتصور أن تخرج عن عهدة اليومين بخمسة أيام لكن من تسعة عشر يومًا، فتصوم يومًا، وتفطر يومًا، وتصوم الثالث، ثم تصوم- أيضًا- السابع عشر من اليوم الأول والتاسع عشر منه، وفيما بين الرابع والسادس عشر تصوم اليوم الخامس،
стр. 77
وضابط هذا: أن تعرف ما عليها من صوم، فتصوم يومًا وتفطر يومًا، إلى أن تستوفيه، ثم تترك الصوم ثمانية عشر يومًا من أول صيامها، فتصوم يومًا وتفطر يومًا قدر ما صامت وأفطرت من أول المدة، وتصوم يومًا آخر فيما بين آخر فطرها بعد صيامها الأول والسادس عشر منه، مثاله: إذا كان عليها صوم ثلاثة أيام تصومها من أحد وعشرين يومًا، فتصوم يومًا، وتفطر ثانية، وتصوم ثالثه، وتفطر رابعه، وتصوم خامسه، فيحصل لها صيام ثلاثة أيام قدر ما عليها، وتصوم السابع عشر من أول يوم صامته والتاسع عشر منه، والحادي والعشرين منه، وذلك قدر ما صامته أولًا، وتصوم فيما بين اليوم السادس من أول صيامها واليوم السادس عشر منه يومًا آخر، فتخرج عن العهدة. انتهى كلامه.
وهذه القاعدة التي أطلقها واقتضى كلامه اطرادها في جميع ما عليها، ليست كذلك، بل إنما تأتي إلى تمام سبعة أيام، وأما من الثامن فصاعدا فالأمر فيه كما قالوه من زيادة يومين على الضعف، ولا تتأتى البراءة بزيادة يوم كما ذكره الدرامي ونقله عنه في ((شرح المهذب)).
قوله: ولو كان رمضان ناقصًا والشهر الآخر تامًا: فعلى قياس الشافعي- وهو بطلان خمسة عشر يومًا من الكامل- لا يخفى الحكم، وعلى الطريقة المشهورة- وهو بطلان ستة عشر يومًا- فيحصل لها منهما سبعة وعشرون يومًا، والباقي عليها يومان. وقال في ((المهذب)): يلزمها قضاء يوم واحد. فمن الناس من خطأه، ومنهم من أجراه على ظاهره- وهو صاحب ((البيان)) - فقال: الشهر الهلالي لا يخلو في الغالب عن طهر كامل، فيحصل أربعة عشر يومًا كالكامل، وبعضهم يحكي عنه غير هذه العبارة، وهو: أن الشهر الهلالي لا يخلو عن طهر صحيح، إما متفرقًا وإما متتابعًا، فإذا كان الشهر تسعة وعشرين يومًا فلابد من وجود طهر كامل، فيدخل النقص على أكثر الحيض، لأنه يجوز نقصه، ولا يدخل على أقل الطهر، لأنه لا يجوز نقصه، قال بعضهم: هذا لا يصح، ومحل المنع فيه ما ادعاه من أن الشهر الهلالي لا يخلو من طهر صحيح، والمسلم: أنه لا يخلو عن طهر صحيح إنما هو الدور إذا كان ثلاثين يومًا، لا الشهر الناقص. قلت: وهذا لا يقدح في قول العمراني، لأن مراده أن الشهر الهلالي لا يخلو عن طهر كامل وحيض عند الشافعي، ولذلك اكتفى في عدة المتحيزة بثلاثة أشهر، ووافقه جمهور أصحابه ... إلى أخر ما ذكره.
وهذا الذي قاله- ﵀ ليس بشيء، لأن التفريع على قول الاحتياط،
стр. 78
والشافعي وغيره يجوزون خلو الشهر الواحد عن الطهر الكامل بلا شك، واعتذروا عن الاعتداد بثلاثة أشهر بأن الصبر إلى سن اليأس حرج شديد، لأنه لا يرغب فيها إذ ذاك، فاكتفينا بالأشهر، لأن الغالب اشتمالها على ثلاثة أطهار، وقد ذكر المصنف هذا كله هناك، ولو استحضر المصنف هنا ما قالوه هناك لم يذكر ما ذكر.
قوله: فإن كان الذي عليها متتابعًا بنذر أو غيره، فإن كان بقدر ما يقع فيه في شهر صامته على الولاء، ثم مرة أخرى قبل السابع عشر، ثم مرة أخرى من السابع عشر، مثاله: عليها يومان، تصوم يومين متواليين والسابع عشر والثامن عشر، وتصوم بينهما يومين متتابعين. ولو كان عليها شهران متتابعان صامت مائة وأربعين يومًا على التوالي، أربعة أشهر لستة وخمسين يومًا، وعشرين يومًا لأربعة أيام. انتهى كلامه.
وهذا الضابط الذي ذكره ومثل له باليومين قد استدرك عليه الدرامي، وتبعه صاحب ((الحاوي الصغير)) فقال: محله إلى آخر اليوم السابع فقط. قال: وشرطه: أن يقع الصوم المتوسط بعد الثالث من صومها الأول وقبل السادس عشر، فتترك يومًا بعد الصوم الأول وهو الرابع في مثالنا، ويومًا قبل الأخير وهو السادس عشر في المثال المذكور، ثم تصوم بينهما، وحاصله: أنها تصوم مرتين متفرقتين في خمسة عشر، والمرة الثالثة من سابع عشر صومها الأول، وأما الثامن إلى آخر الرابع عشر فطريقها فيه: أن تصوم ستة عشر يومًا مع قدر المتتابع متواليًا، والخمسة عشر فاصعدًا حكمها يعلم مما ذكره في الشهرين.
قوله: ويحرم عليها الصلاة، ويسقط عنها فرضها، للإجماع، ويدل على السقوط ما رواه مسلم: ((أن معاذة سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقال: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكن أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)). ويحرم عليها الصوم، للإجماع، ومفهوم خبر عائشة يدل عليه. انتهى.
والخبر الذي نقله عن عائشة لا يدل بمنطوقه ولا بمفهومه على الترك، فإن العبادة قد يشرع فعلها ومع ذلك يجب قضاؤها لخلل فيها، وذلك كثير جدًا. سلمنا دلالة الخبر على الترك، لكن لا يدل على تحريم فعله وهو المدعى.
قوله: ثم ليس لتحريم الصوم عليها معنى معقول كما قال الإمام، ويدل عليه أن عائشة لما سئلت عن الفرق عدلت إلى النص، وقد قيل: المعنى فيه: أن يضعفها. انتهى كلامه.
стр. 79
وما ذكره هنا من الاستدلال بقصة عائشة سهو، فإن عائشة إنما سئلت عن الفرق بالنسبة إلى القضاء لا بالنسبة إلى الأداء، وقد تقدم لفظه قريبًا، فراجعه.
قوله: والصحيح عند الجمهور: أن الحائض ليست مخاطبة بالصوم في حال الحيض.
ثم قال بعد ذلك: قال بعضهم: وفائدة الخلاف تظهر إذا قلنا: إنه يجب التعرض للأداء والقضاء في النية. انتهى كلامه.
ومعناه: أنا إن قلنا بوجوبه عليها نوت القضاء، وإلا نوت الأداء، فإنه وقت توجه الخطاب عليها، وهذه الفائدة التي نقلها عن بعضهم وأقرها قد رأيتها مصرحًا بها في كتاب ((الذخائر)) بالتقرير الذي ذكرته والتعليل، والذي قاله غير صحيح، فإنه لا يلزم من كونه وقت توجه الخطاب أن يكون أداء، بل هو قضاء على كل حال، لخروج وقته الأصلي، بدليل من استغرق الوقت بالنوم مثلًا فإن الصلاة التي يفعلها بعد ذلك قضاءٌ بلا نزاع، حتى أول العلماء قول النبي ﷺ : ((فإن ذلك وقتها))، على وقت الفعل.
ورأيت لبعض الفضلاء- ممن قدم إلى ديار مصر بعد وفاة صاحب ((الذخائر)) بقليل- تصنيفًا قد شرع فيه في الرد على ((الذخائر))، فوضع على الربع الأول منها مجلدة لطيفة أبدى فيها مناقشات وتصحيفات وغير ذلك وقت لمصنفها، إلا أن فيه تعصبًا بينًا وتحاملًا غالبًا أنبأ عن شدة حسد- نعوذ بالله من ذلك- وهذا الموضع من جملة المواضع التي تكلم فيها، فقال في أثناء كلامه عليه: وكيف نقول إذا نوت الأداء؟ هل نقول: أداء صوم شهر رمضان، أو: أداء صومٍ ما، غير مضاف إلى ((رمضان))، وكل منهما لا يمكن صحته، ولقائل أن يجيب عن هذا المنع بما ذكره في القسم الأول والتزام صحته.
قوله: وقد أفهم كلام الشيخ أن التيمم لا يقم مقام الغسل في إباحة ما ذكرناه إذا وجد شرطه، ولا شك في أنه يقم مقامه. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم الخلاف فيه ليس كذلك، فإن التيمم الواقع في الحضر في هذه الحالة فيه وجهان مشهوران نقلهما المصنف في آخر باب التيمم عن القاضي الحسين والخوارزمي:
أحدهما: أنه يقوم مقام الغسل في إباحة هذه الأشياء كما في السفر.
والثاني: أنه لا يحل به غير الفرض، فتحرم معه قراءة ما زاد على الفاتحة وما في معناها من النوافل، وفي الفاتحة وجهان.
стр. 80
قوله: إذا عرفت ما هو النفاس فأقله- كما قاله الشيخ-: مجة، أي: دفعة، وهي بضم الميم، مأخوذة من: مججت الماء، إذا رميت به من فيك، فكأن الرحم يرمي بالدم رمية واحدة ثم ينقطع. انتهى كلامه.
وما ذكره من كونها بضم الميم غلط، بل صوابه الفتح، وتعبيره بقوله: فكأن الرحم يرمي بالدم رمية واحدة، يدل عليه- أيضًا- فإن المرة من مصدر الثلاثي تكون بفتح الأول، وعادة المصنف أن يأخذ هذه الأشياء من ((لغات التنبيه)) للنووي، وقد وقع فيها على الصواب.
قوله: وفي ((ابن يونس)) تبعًا لـ ((المهذب)): أن المزني قال: أكثر النفاس أربعون يومًا. ولم أره في غيرهما منسوبًا إليه، بل تفاريعه التي تأتي تدل على موافقة المذهب. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن المزني قد ذكره- أيضًا- الشاشي في ((الحلية)) والعمراني في ((البيان)) وابن أبي عصرون في ((الانتصار)).
قوله: أما إذا لم يخرج بعد الولد دم، ورأته بعد ذلك، ولم ينته النقاء إلى أقل الحيض: فهل يكون ابتداء النفاس من وقت الولادة، أو من وقت رؤية الدم؟ فيه وجهان في ((النهاية))، والمذكور منهما في ((تعليق)) القاضي الحسين: الثاني. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن القاضي سهو، فإنه إنما ذكر ذلك فيما إذا انقطع دم النفاس، ثم عاد قبل خمسة عشر أو بعدها، وقد تفطن المصنف في ((المطلب)) للصواب ونبه على خطأ المذكور هنا.
قوله: فيما إذا عبر دم النفاس الستين-: إن حكمه حكم الحيض في الرد إلى التمييز إن كانت مميزة، وإلى العادة إن كانت معتادة، وإلى الأقل أو الغالب- على اختلاف القولين- إن كانت مبتدأة.
ثم قال: والتعليل السالف في رد المبتدأة إلى أقل الحيض يقتضي ألا يجعل للمبتدأة في النفاس إذا أطبق بها الدم نفاسٌ أصلًا، بناء على أنه لا أقل للنفاس، فإنه يحتلم أن تكون ذات جفوف ... إلى آخر ما قال.
واعلم أن ما قاله- ﵀ لا يستقيم، لأن الذي يقول: لا أقل للنفاس، يقول: أقله لحظة، كما حكاه هو قبل هذا في الكلام على أقله، نقلًا عن الماوردي، وصرح به الرافعي حيث قال: فإن رددناها إلى الأقل فنفاسها لحظة. مع قوله: إنه لا
стр. 81
حد لأقل النفاس.
قوله: وما ذكره الشيخ في الأحوال الثلاثة هو المذهب، ووراءه وجهان:
أحدهما: أن الدم إذا جاوز الستين كانت الستون نفاسًا، وما زاد استحاضة.
والثاني: أن النفاس ستون، وما زاد عليها حيض بشرطه.
ثم قال: ومحل هذا الوجه- كما قال الماودري- فيمن لم تكن مبتدأة بالحيض والنفاس، أما المبتدأة بهما فلا خلاف في أن ما جاوز الستين استحاضة. نعم، هل يكون نفاسها الستين أو ما سلف؟ فيه الخلاف، وكلام الرافعي كالصريح في أن الخلاف في المعتادة والمبتدأة [كذا]، لأنه لما ذكر أن ظاهر المذهب ما ذكره الشيخ قال: وفيه وجهان آخران، أحدهما: أن الستين نفاس، وما زاد استحاضة، بخلاف ما في نظيره من الحيض، لأن الحيض محكوم به ظاهرًا لا قطعًا، فجاز أن ينتقل عنه إلى ظاهر آخر، والنفاس مقطوع به أو الولادة معلومة، والنفاس هو الدم الخارج بعد الولادة، فلا ينتقل عنه إلى غيره إلا بقين، وهو مجاوزة الأكثر. فعلى هذا: نجعل الزائد استحاضة إلى تمام طهرها المعتاد، والمردود إليه في المبتدأة، أي: من أكثر الطهر، أو غالبه، أو أقله، على ما مر، ثم ما بعده حيض. انتهى كلامه.
وما ادعاه- ﵀ من دلالة كلام الرافعي على الخلاف غلط فاحش، سببه: التباس وجه بوجه، فإن الذي حكى هو عن الماوردي نفي الخلاف فيه عن المبتدأة، ورأيته أيضًا في كلامه- إنما هو الوجه القائل بأن الزائد حيض، والوجه الذي دل كلام الرافعي على التسوية فيه بين المبتدأة وغيرها إنما هو القائل بأن الزائد استحاضة، فتأمله.
قوله: وعليه يدل قوله- ﵊: ((فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصل)) كما رواه أبو داود. وتستثفر: بتاء معجمة باثنتين من فوق مفتوحة، وسين مهملة ساكنة، وتاء مفتوحة بثلاث ساكنة، وفاء مكسورة، وراء مهمة، ومعناه: أن تجعل المرأة على قبلها خرقة أو غيرها، والقطن أمس، لأنه جاء في حدث حبيبة بنت جحش أنه- ﵊ قال لها: ((أنعت لك الكرسف، فإنه يذهب الدم)). انتهى كلامه بحروفه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن تعبيره في ضبط ((تستثفر)) بقوله: وتاء مفتوحة بثلاث ساكنة، وهم سقط منه شيء، وصوابه أن يقول: وتاء مفتوحة مثناة، ثم ثاء مثلثة.
стр. 82
الأمر الثاني: أن تعبير بقوله: حبيبة بنت جحش، تحريف، إنما هي: حمنة، بحاء مهملة مفتوحة، ثم ميم ساكنة، ثم نون مفتوحة.
قوله: ووضوء المستحاضة يبيح الصلاة ولا يرفع الحدث على المذهب، فعلى هذا: لا يجزئها إلا نية استباحة الصلاة كما في التيمم، وقيل: إنه يرفع الحدث، وقياسه: أن تصح بنية رفع الحدث فقط، ولم أره، وقيل: يرفع الحدث الماضي دون المستقبل والمقارن، فعلى هذا: تنوي رفع الحدث للماضي والاستباحة للمقارن والمستقبل، وبه قال القفال، وغلطه الإمام. انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه لم ير أحدًا يقول بالصحة فيما إذا نوى رفع الحدث فقط، غريب جدًا، فقد حكاه الرافعي والنووي في باب صفة الوضوء من كتبهما حتى في ((المحرر)) و ((المنهاج))، بل حكى الرافعي هذا الوجه مع قولنا: إن وضوءها لا يرفع الحدث، وعلله بأن الرفع يتضمن الاستباحة.
قوله: فرع: إذا كان من به سلس البول لو صلى قائمًا سال بوله، وإن صلى قاعدًا استمسك- فهل المستحب أن يصلي قائمًا أو قاعدًا؟ فيه وجهان، أصحهما في ((الروضة)) و ((الكافي)): الثاني، ولا يعيد على الوجهين معًا. انتهى.
واعلم أن حكاية الوجهين في الاستحباب ليس له ذكر في ((الروضة)) ولا في ((الكافي)) ولا في أصوله كـ ((التهذيب)) و ((تعليقه)) القاضي حسين و ((فتاويه))، ولم أر من قاله غير المصنف، بل كلامهم يقتضي أنهما في الإيجاب، وكذلك كلام ((التحقيق)) و ((شرح المهذب)).
стр. 83
باب إزالة النجاسة
قوله: قلنا: قد قال به- أي: بنجاسة مني الآدمي- صاحب ((التلخيص)) تخريجًا، كما قاله القاضي الحسين وغيره، والماوردي قال: إن الكرابيسي حكاه عن القديم، وفي ((التتمة)) حكاه عن الشافعي ولم يقيده بالقديم، وأنه يكفي فيه الفرك، وسوى بين رطبه ويابسه. انتهى كلامه.
وما حكاه عن ((التتمة)) من كونه لم يقيد هذا القول بالقديم، وأن الفرك فيه كاف- كلاهما غلط، فقد قال في ((التتمة)) ما نصه: ويحكى عن القديم قول آخر- وهو مذهب مالك-: أن المني نجس، رطبًا كان أو يابسًا، ويجب غسله في الأحوال كلها. هذا لفظه بحروفه.
قوله: وفي ((التتمة)) حكاية وجه: أن القيء إذا لم يتغير يكون طاهرًا، وهو بعيد. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن صاحب ((التتمة)) لم يحكه وجهًا، بل جزم به.
الثاني: أن دعواه بعده ليس كذلك، ففي كتب المذهب- حتى ((الروضة)) وهذا الكتاب نفسه- أن البهيمة إذا أكلت حبًا ثم ألقته صحيحًا: فإن كانت صلابته باقية، وهو الذي لو زرع لنبت- كان طاهر العين، فيغسل ويؤكل، وإلا يكن نجسًا، وقياسه كذلك في القيء، بل أولى، لأن الخارج من الدبر أسوأ من الخارج من الفم، وحينئذ لو شب ماء وتقيأه فإنه يطهر بمكاثرته، وإن كان حبًا ونحوه غسله وأكله بالشرط المتقدم.
قوله: نعم، لو ماتت الدجاجة ونحوها وفي جوفها بيض ففي نجاسته ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان قويًا فهو طاهر، وإن كان ضعيفًا رخوًا فنجس.
ثم قال ما نصه: والقاضي الحسين والغزالي قالا: إن لم يتصلب فنجس، وإن تصلب فوجهان. وعليه جرى الرافعي. انتهى كلامه.
وما حكاه عن الرافعي من متابعتهما على هذه الطريقة غلط، فإن المذكور في
стр. 84
شرحيه ((الكبير)) و ((الصغير)) إنما هو الجزم بالوجه الثالث، ولم يذكر هذه الطريقة ولا غيرها مما يقتضي خلافًا.
قوله: واستدل غير الماوردي على نجاسة الخنزير بأنه أسوأ حالًا من الكلب، فإنه يجب قتله، ولا يجوز الانتفاع به، بخلاف الكلب. انتهى.
وهذا الذي ذكره من وجو بقتله خلاف المنقول، فإن منقول المذهب هو الاستحباب، حتى جزم به النووي في ((شرح المهذب)) هنا، وكذلك العمراني في ((البيان)).
قوله: وفي نجاسة الجزء المبان من الآدمي طريقان.
ثم قال: وطرد- أعني الرافعي- الخلاف في المبان من السمك والجراد ومشيمة الآدمي، وصحح القول بطهارة الجميع، والمذكور في ((تعليق)) أبي الطيب والبندنيجي و ((التتمة)): نجاسة الجميع. انتهى كلامه.
وما ذكر عن ((التتمة)) غلط، فإن المذكور فيها: أنها طاهرة في أصح القولين، كبعض الآدمي، ذكر ذلك في الباب الثاني في الماء النجس.
قوله: فرع: إذا رأى شعرًا ولم يعلم أنه طاهر أم نجس، فإن علم أنه شعر مأكول اللحم فهو طاهر، وإن علم أنه شعر غير مأكول فهو نجس، وإن شك فيه قال الماوردي: ففي طهارته وجهان من اختلاف أصحابنا في أصول الأشياء: هل هي على الحظر فيكون نجسًا، أو على الإباحة فيكون طاهرًا؟ وهذا فيه نظر، لأن الخلاف المذكور مفرع على القول بمسألة الحسن والقبح، ونحن لا نقول به. انتهى كلامه.
وما ذكره من أن الخلافة المذكور مفرع على الحسن والقبح كلام عجيب، فإنه لا ارتباط بينهما ولا مناسبة بالكلية، وكأنه لما سمع أن الأصوليين تنزلوا وسلموا للمعتزلة قاعدة التحسين والتقبيح، ومع ذلك لم يجزموا بحكم العقل فيه، بل حكوا فيه خلافًا لأصحابنا ولغيرهم- توهم أنه مفرع عليه. وليس كذلك، فإن مدرك الخلاف هاهنا إنما هو أدلة سمعية وأقيسة شرعية، لا التحسين والتقبيح العقلي، وذلك واضح عند أهل المعرفة بهذا الشأن.
قوله: ومن النجاسات: شعر الميتة، وعشر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته، ولبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي.
ثم قال: وظاهر قول الشيخ: وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حال حياته، يقتضي إدخال شعر الآدمي وإن قلنا بطهارة جثته ... إلى آخر ما قال.
стр. 85
وما ذكره من شموله ليس كذلك، لأن الاستثناء والصفة ونحوهما إذا تعقبت جملًا عادت إلى الكل عند الشافعي، والشيخ قد قال بعده: غير الآدمي.
قوله: وما تنجس بذلك.
ثم قال: وعدول الشيخ عن قوله: وما لاقى ذلك، إلى ما ذكره، لأنا مع الملاقاة قد لا نحكم عليه بالنجاسة، وذلك في صور:
إحداها: الماء الكثير.
والثانية: القليل إذا وقع فيه ما لا يدركه الطرف.
والثالثة: إذا وجدت الملاقاة بين جافين. انتهى.
أهمل مع هذه الثلاث مسائل أخرى:
الأولى: ما لا نفس له سائلة.
ثانيها: الهرة إذا أكلت فأرة ونحوها، ثم غابت وولغت.
ثالثها: اليسير من الشعر الذي حكمنا بتنجيسه فلا ينجس الماء القليل، كما نقله في باب الأواني من ((الروضة)) عن الأصحاب.
قال: ولا يختص الاستثناء بشعر الآدمي في الأصح.
رابعها: الحيوان إذا كان على منفذه نجاسة، ثم وقع في الماء، فإنه لا ينجسه على الأصح، كما قاله الرافعي في شروط الصلاة.
خامسها: الصبي على التصوير المذكور في الهرة، كما ذكره ابن الصلاح في ((فتاويه)).
سادسها: الدخان النجس.
وقد أشار إليها المصنف بعد ذلك.
قوله: وإذا دبغ جلد الميتة جاز بيعه على الجديد، والقولان جاريان في إجارته، وفي أكله إذا كان مما يؤكل.
ثم قال ما نصه: وفي ((تعليق)) القاضي الحسين: أنا إذا قلنا: لا يجوز بيعه، فلا يحل أكله، وفي إجارته وجهان، وإن قلنا: يحل بيعه، تجوز إجارته، وفي حل أكله وجهان. انتهى كلامه.
وهذا التفصيل المذكور هنا قد ذكره الماوردي في ((الحاوي))، ولم يذكره القاضي حسين، وقد نبه عليه المصنف بخطه في حاشية الكتاب.
قوله: إذ الولوغ يختص بما إذا كان في الإناء شيء، أما إذا لم يكن فيه شيء فيقال:
стр. 86
لحس الإناء، والشرب أعم من الولوغ، فإن كل شرب ولوغ، ولا يلزم العكس. انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره من كون الشرب أعم سهو، وإنما هو أخص، وتعليله الذي ذكره يدل عليه، فإنه ضابط الأخص.
قوله: ووجهه في الكلب قوله- ﵊: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب))، وفي رواية: ((إحداهن))، أخرجه مسلم عن أبي هريرة، ﵁. انتهى كلامه.
واعلم أن رواية ((إحداهن)) لم ترد في رواية أبي هريرة، ولا خرجها- أيضًا- مسلم، وإنما الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: ((أولاهن))، ثم رواه- أيضًا- من ثلاث طرق أخر عن أبي هريرة- أيضًا- ولم يذكر فيه: ((أولاهن)) ولا غيرها، بل اقتصر على الغسل سبع مرات. نعم، رواها- أعني ((إحداهن)) - الدارقطني من رواية علي، وقد نبه النووي على ذلك- أيضًا- في ((شرح المهذب)) فقال: رواية ((إحداهن)) غريبة لم يذكرها البخاري ومسلم ولا أصحاب الكتب المعتمدة، إلا الدارقطني، فإنه رواها من رواية علي. وذكر نحوه في كتاب ((الخلاصة))، وتقع في كتب الفقه: ((أخراهن)) بالخاء المعجمة والراء، ولم أرها في شيء من كتب الحديث باللفظ الذي ذكروه. نعم، روى الشافعي والدارقطني: ((أخراهن)) أو ((أولاهن))، وهي صحيحة كما قاله في ((شرح المهذب))، وروى مسلم- أيضًا-: ((وعفروه الثامنة))، وهي في المعنى كرواية ((أخراهن))، على ما قرره الأصحاب.
قوله: ولا خلاف في أنه إذا وقعت في الإناء بعد الولوغ نجاسة كفاه غسله سبع مرات، بل لو وقعت قبل غسل السابعة كفته. انتهى كلامه.
وما ادعاه من نفي الخلاف تبع فيه النووي في ((شرح المهذب))، وليس كذلك، فقد حكى الرافعي في ((الشرح الصغير)) وجهًا: أن السبع لا تكفي، بل لابد من غسل ثامنة لأجل تلك النجاسة، فقال: ولا فرق بين أن يصيب الموضع نجاسة أخرى، كما إذا ولغ الكلب في الإناء ووقع فيه خمر، أولا يصيب، وفي وجهٍ: يغسل لتلك النجاسة، ثم لنجاسة الكلب. هذا لفظه.
قوله: وقد أبعد بعض الأصحاب فحكى قولًا: أن الجارية ملحقة بالغلام في النضح، لقول الشافعي: ولا يبين لي فرق بين الصبي والصبية.
ثم قال: والمذهب المشهور: الأول، ومراد الشافعي: أنه لا يبين لي بينهما فرق من
стр. 87
جهة المعنى وإن فرقت السنة بينهما. انتهى كلامه.
وما ذكره من رد القول وحمله على المحمل المذكور ذهول عن زيادة في آخر كلام الشافعي، فإنه قال: ولا يبين لي في بول الصبي والجارية فرق من السنة الثابتة، ولو غسل بول الجارية كان أحب إلي، احتياطًا، وإن رش عليه ما لم تأكل الطعام أجزأ، إن شاء الله تعالى. هذا لفظه، نقله عنه البيهقي في ((سننه)) وابن الصلاح في ((مشكله)).
قوله: والدهن هل يمكن تطهيره أم لا؟ فيه خلاف.
ثم قال: والزئبق متفق على عدم إمكان غسله، قال القاضي حسين: لأنه لا يتقطع عند ملاقاة الماء على الوجه الذي يتقطع عند إصابة النجاسة. انتهى كلامه.
وما ذكره من الاتفاق غريب، فقد ذكر جماعة من الطريقين- أعني العراقيين والخراسانيين- ما يخالف ذلك:
فقال الشيخ أبو علي السنجي في ((شرح التلخيص)) والمحاملي في ((اللباب)) والبغوي في ((التهذيب)) وغيرهم: إنه إن لم يتقطع بعد إصابة النجس طهر بصب الماء عليه، وإن تقطع فكالدهن.
ورأيت- أيضًا- هذا التفصيل في ((التخليص)) لابن القاص وفي ((شرحه)) للقفال، وكذلك- أيضًا- ((شرحه)) للقاضي حسين، وفي ((عقود المختصر من نقاوة المعتصر)) للغزالي، إلا أنهم جزموا فقالوا: إن لم يتقطع طهر، وإن تقطع فلا.
قوله: وفي ((الحاوي)) و ((التتمة)) وجه نسبه الإمام إلى صاحب ((التلخيص)): أنه لا يعفي عن اللون الذي تعسر إزالته مطلقًا. انتهى.
واعلم أن المتولي إنما حكى الوجه في أنه لا يطهر، ثم صرح في آخر كلامه بأنه نجس معفو عنه، وأما ((النهاية)) فالذي نقله أيضًا إنما هو عدم الطهارة، ولا يلزم منه عدم العفو.
стр. 88
كتاب الصلاة
قوله: والصلاة في اللغة: هي الدعاء، وفي الشرع: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، بشرائط. سميت بذلك، لاشتمالها على الدعاء ... وقيل: سميت بذلك، لأن المصلى إذا قام بين يدي الله- تعالى- في الصلاة أصابه من خشيته ما يستقيم به اعوجاجه، مأخوذ من ((التصلية))، يقال: صليت العود، إذا لينته بالنار، فسهل تقويمه من الاعوجاج. قال النووي: هذا فيه غباوة ظاهرة من قائله، لأن لام الكلمة في ((الصلاة)) واو، وفي ((صليت)) ياء، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف؟! انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله النووي، ونقله عنه المصنف، وارتضاه- كلام عجيب وغباوة ظاهرة، فإن المشدد تقلب فيه الواو ياء نحو: زكيت المال، وصليت الظهر. والظاهر أن النووي توهم أنه مأخوذ من قولهم: صليت اللحم- بالتخفيف- صليًا، كرميت رميًا: إذا شويته، ذاهلًا عن كون ((التفعلة)) - كـ ((التزكية)) و ((التصلية)) - إنما هي مصدر للمعتل المشدد لا للمخفف، أو لم يحط بهذه القاعدة علمًا.
قوله: ويؤمر الصبي بالصلاة لسبع، ويضرب على تركها لعشر.
ثم قال: وما ذكره الشيخ من السن في الحالين هو المشهور، ولم يورد البندنيجي غيره، وقال القاضي أبو الطيب من أصحابنا، من قال: لا يتقدر بمدة، بل متى حصل تمييز أمرناه وضربنا.
ثم قال: وعلى الأول: هل يكون الأمر والضرب في أثناء السنة أو بعدها؟ فيه وجهان حكاهما الجيلي. انتهى.
وما حكاه عن الجيلي ليس مطابقًا لما فيه، لا في الأمر بالنسبة إلى السابعة ولا في الضرب بالنسبة إلى العاشرة، فإنه قد قال: وهل يؤمر بذلك إذا دخل في السبع أو عند استكمال السبع؟ فيه وجهان، وكذا قوله: ((اضربوهم لعشر))، هل هو تحديد أم لا؟ فيه وجهان. هذه عبارته، وحاصل الوجهين في الأمر: أنه هل يكون بابتداء السنة أو بانتهائها؟ وتعبير المصنف بـ ((الأثناء)) غير مطابق ولا منضبط، ولعله أراد التعبير بـ ((الابتداء)) فسبق القلم إلى ((الأثناء)).
стр. 89
وأما الخلاف في كون العشرة للتحديد أم لا فغير ما نقله عنه المصنف بالكلية، فإن المفهوم من مقابل التحديد إنما هو التقريب، وكونه للتحديد أو التقريب متجه، لأن الضرب سببه احتمال البلوغ، وفي كون سن إمكان البلوغ تحديدًا أو تقريبًا، خلافٌ مشهور.
قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن امتنع من فعلها جاحدًا لوجوبها، أي: منكرًا لوجوبها، وهو غير معذور، بأن كان قد تقدم إسلامه وخالط المسلمين- كفر.
ثم قال بعد ذلك: أما من كان حديث عهد بالإسلام، وقد نشأ في بادية بعيدة- فيعرف أن الصلاة واجبة عليه، فإن أصر على الإنكار كان حكمه من نشأ في الإسلام. انتهى كلامه.
وكان الصواب أن يقول: أو قد نشأ، بلفظ ((أو)). واعلم أن ((الجحد)) في اللغة عبارة عن الإنكار بعد الاعتراف، وأما ((الإنكار)) فأعم، فقول المصنف: أي منكرًا ... إلى آخره، مجموعة تفسير لـ ((الجحد)) لا لفظ ((منكر)) فقط، فاعلمه.
قوله: ثم إذا ضربنا له، أي: لتارك الصلاة، مدة، فقتله فيها قاتل- قال صاحب ((البيان)): لم يأثم، ولا ضمان عليه كقاتل المرتد. انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب ((البيان)) من عدم الإثم غلط، ففي ((البيان)) الجزم بعكسه، فإنه قال: تجب استتابته ثلاثًا، فقتله قاتل قبل الثلاث- أثم، ولا يجب ضمانه كالمرتد. هذه عبارته. ثم إنه لا يتأتي القول به، لما فيه من قطع المدة التي رأى الإمام ضربها له، ولما فيه من الافتيات عليه، فإن قتله موكول إليه، بل لو قتله بعد المدة أثم- أيضًا- للمعنى الثاني، إلا أن يكون إمامًا.
стр. 90
باب مواقيت الصلاة
قوله: والأصل في ذلك وغيره من مواقيت الخمس: ما روى ابن عباس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أمني جبريل عند باب البيت مرتين: فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم. فلما كان الغد: صلى بي الظهر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إلى فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين)) رواه أبو داود، وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. انتهى.
واعلم أن الواقع في رواية أبي داود والترمذي إنما هو: ((عند البيت)) أعني بإسقاط لفظ ((الباب)) على خلاف ما ذكره.
والشراك- بشين معجمة مكسورة وراء مهملة-: أحد سيور النعل التي من فوقه.
قوله: نقلًا عن القاضي الحسين-: فإن قيل: يجوز الجمع بين المغرب والعشاء تقديمًا، ومن شرط صحة الجمع: أن يقع أداء الصلاتين في وقت إحداهما، وذلك يدل على أن أول قوت المغرب يمتد أكثر مما وصفتم- قلنا: لا نسلم أن من شرط صحة الجمع ما ذكرتم، بل من شرط صحته أن تؤدى إحدى الصلاتين في وقتها، ثم توجد الأخرى عقيبها. قلت: وأيضًا: فالصلاتان في الجمع كالصلاة الواحدة، وقد تقدم أن المغرب تجوز استدامتها، فكذا ما جعل في معناها. انتهى موضع الحاجة من كلامه ملخصًا.
والجواب الذي نقله عن القاضي وارتضاه جواب باطل، وممن نبه عليه النووي في ((شرح المهذب))، فإنه نظير من جمع بين الظهر والعصر في آخر وقت العصر بحيث وقعت الظهر قبل غروب الشمس، والعصر بعد الغروب، وهو لا يجوز.
وأما الجواب الذي ذكره هو من عند نفسه فمردود، لأن المد في سائر الصلوات
стр. 91
يجوز بلا كراهة- أيضًا- كما ذكره الرافعي، وحينئذ فيلزم جواز الجمع- أيضًا- في الصورة المتقدمة التي منعناها بلا كراهة- أيضًا- وهو باطل بالاتفاق، بل الجواب الصحيح: أن الوقت المذكور يسع الصلاتين بزيادة، خصوصًا إذا كانت الشرائط عند الوقت مجتمعة، فإن فرضنا ضيقه عنهما، لأجل اشتغاله بالأسباب- امتنع الجمع، لفوات شرطه: وهو وقوع الصلاتين في وقت إحداهما، كما يمتنع الجمع في غير المغرب- أيضًا- عند فوات هذا الشرط، وقد أورد نظير هذا في آخر صلاة المسافر على وجه أضعف مما ذكرناه هاهنا، فراجعه.
قوله: وقد اختاره- أي: اتساع وقت المغرب- ابن المنذر والزبيري وابن خزيمة والخطابي والبيهقي والغزالي في ((الإحياء)) والبغوي في ((التهذيب)).
وقال النووي وغيرهم: وهو الصواب.
وقال الرافعي: إن به الفتوى. وكذا قال الروياني: به أفتى انتهى كلامه.
وهذا النقل الذي نقله عن الرافعي ليس الأمر فيه كذلك، فإن الرافعي إنما نقله عن طائفة معينة فقال: واختار طائفة من الأصحاب القول الأول ورجحوه، وعندهم أن المسألة مما يفتى فيها على القديم. هذه عبارته.
قوله: وقد ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن صلاة الصبح هي الوسطى، لأن الله تعالى قد بين فضلها في آية أخرى فقال: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨].
قال المفسرون: تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، ولأنها بين صلاتين ليلتين وصلاتين نهاريتين وصلاتين تجمعان وتقصران، وهي لا تقصر ولا تجمع.
ثم قال في آخر الكلام: إنها العشاء، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتين يجهر فيهما وصلاتين لا تقصران. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما استدل به من شهود ملائكة الليل والنهار فيها فإنه بعينه ثابت في العصر، كما دل عليه الحديث الصحيح المعروف: ((كيف تركتم عبادي؟ قالوا تركناهم يصلون وجئناهم يصلون)).
الثاني: أن ما استدل به للعشاء من كونها بين صلاتي ليل غير مستقيم، فإن صلاة الصبح من صلوات النهار، وقد ذكره هو قبل ذلك كذلك.
الثالث: أن تفسير ((الوسطى)) بمعنى: المتوسط بين شيئين أو أشياء، فاسدٌ، كما نبه
стр. 92
عليه شيخنا أبو حيان في ((تفسيره))، لأن ((وسطى)) تأنيث ((أوسط)) بمعنى ((الأفضل)) أو ((الأعدل)) ونحوه، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨]، أي: أعدلهم. نعم، ((الوسط)) معناه: ((المتوسط))، ولكن مؤنثه: ((المتوسطة))، لا ((الوسطى)).
قوله: وإذا أخر الإحرام إلى أن بقي مقدار لا يسع الفرض حرم إن جعلنا الصلاة قضاء، وإن جعلناها أداء جاز عند العراقيين، واختار الإمام المنع، وجزم به في ((التهذيب)). انتهى.
وما حكاه عن الإمام صحيح مذكور في هذا الباب، لكنه قد خالف ذلك في باب المستحاضة، فجزم بالجواز، فقال: الثانية: إذا وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضه خارجه فالصلاة مقضية أو مؤداة؟ فيه خلاف: فإن قلنا: مؤداة، فيجوز في حال الاختيار تأخير الصلاة إلى هذا الحد، حتى لو لم يقع في الوقت إلا مقدار تكبيرة جاز، وكانت الصلاة مؤداة. هذا لفظه.
قوله: فرع آخر: يجوز أن يعتمد على صياح الديك المجرب إصابته، كما قاله القاضي الحسين في ((تعليقه))، وتبعه في ((التتمة))، وعن ((فتاويه)) حكاية وجهين فيه. انتهى كلامه.
وما نقله عن ((فتاوى)) القاضي من حكاية خلاف ليس كذلك، فإن الذي فيها إنما هو الجزم بالاعتماد.
قوله: والأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت، لقوله- ﵊: ((أول الوقت الأول من الصلاة رضوان الله، والوقت الأخير عفو الله)).
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ... وعن ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ فقال: ((الصلاة لوقتها))، وفي رواية: ((الصلاة لأول وقتها)). متفق عليه. انتهى كلامه.
فيه أمور:
أحدها: أن ما نقله هنا عن الترمذي غلط منه عليه، فإن الترمذي لم يتكلم على الحديث بالكلية، بل رواه ولم يتعقبه بشيء.
وقال البيهقي: روي من طرق كلها ضعيفة.
وقال ابن القطان: إن فيه يعقوب بن الوليد المدني وهو كذاب.
الثاني: أن زيادة لفظ ((أول)) في صدر الحديث ليست في ((الترمذي))، ولا معنى لها أيضًا.
стр. 93
الثالث: أن هذا الاتفاق الذي ذكره في آخر كلامه محله الصلاة لوقتها، وأما الرواية التي هي موضع الحاجة، وذكر الاتفاق عقبها- فليست في ((الصحيحين)) ولا في أحدهما، بل ذكر النووي في ((الخلاصة)) أنها ضعيفة، إلا أن الأمر على خلاف ما ذكر النووي، سببه: ذهول من طريق إلى طريق، فإن الرواية المذكورة صحيحة رواها ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))، وقال الحاكم، والبيهقي في ((الخلافيات)): إنها على شرط الشيخين.
وأما الحديث الأول الذي نقل عن الترمذي تحسينه فضعيف.
قوله: وقد أفهم قول الشيخ: إلا الظهر في الحر لمن يمضي إلى جماعة، فإنه يبرد بها- أمورًا.
ثم قال: الثاني: أنه لا فرق في ذلك بين البلاد الحارة والمتوسطة والباردة، وهو وجه حكاه الماوردي، والإمام حكاه عن شيخه في البلاد المعتدلة. انتهى كلامه.
وما حكاه عن الماوردي من استحباب الإبراد في البلاد الباردة على وجه، ليس كذلك، فإن الذي حكاه عن بعضهم إنمنا هو اطراده في كل بلد شديد الحر، فقال: والثاني: أن ذلك وارد في كل البلاد إذا كان الحر فيها شديدًا. هذه عبارته، فذهل عن آخر الكلام.
قوله: وذكر الغزالي والقاضي وغيرهما أن الذي يبرد يؤخر إلى أن يصير للحيطان ظل يمشي فيه.
ثم قال: والشيخ أبو علي في ((شرح التلخيص)) حده بأن يحصل ذلك ولا تخرج الصلاة بسبب ذلك عن نصف الوقت.
قلت: وهذا يظهر أن يكون تفريعًا منه على أن وقت الفضيلة لا يمتد إلى نصف الوقت، إذ لو كان كذلك لم يكن الإبراد مستثنى. انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره بحث فاسد، فإن التأخير إلى هذا الوقت في الإبراد مطلوب، وإذا قلنا بأن وقت الفضيلة يمتد إلى هذا الوقت لا نقول باستحباب التأخير إليه، بل التقديم مستحب بلا خلاف، فيصح ممن قال بأن الإبراد إلى نصف الوقت أن يقول بأن وقت الفضيلة يمتد إلى نصفه أيضًا.
ووجه استثناء الإبراد: أن التأخير إلى هذا الوقت فيه- أي في الإبراد- مطلوب، بخلاف غيره، وهذا واضح جلي.
قوله: وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض أو نفساء، أو أفاق مجنون أو مغمى عليه، قبل طلوع الشمس بركعة- لزمهم الصبح، وإن كان بدون ركعة ففيه قولان.
стр. 94
ثم قال: ثم المعتبر من الركعة ماذا؟ المشهور: أنها المشتملة على أقل ما يجزئ، وهل يشترط فيها زمن الرفع من الركوع والسجود كما هو في إدراك الجمعة، أو يكتفي بإدراك القيام والقراءة والركوع فقط ما في إدراك المسبوق الركعة؟ هذا لم أر للأصحاب تصريحًا به، والقياس على الجمعة يقتضي إلحاق ما نحن فيه بها، وكلام الإمام الآتي يقتضى خلافه.
وعن الشيخ أبي محمد أن المعتبر ركعة من العقد والهوي من غير قيام وقراءة، نظرًا إلى ركعة المسبوق. انتهى كلامه.
وما ذكره من احتمال الاكتفاء بإدراك القيام والقراءة والركوع دون ما بعده، وقياس ذلك على إدراك المسبوق الركعة- كلام عجيب، فإنه صريح في أن هذه الثلاثة وحدها كافية في إدراك المسبوق الركعة دون الإتيان بما بعدها من الرفع والسجود، وهذا واضح البطلان، فإنه لابد في إدراكه مما بعد هذه الثلاث، وأما هذه الثلاث فلا تشترط، بل الشرط فيها هو الركوع فقط، وأما القيام والقراءة فلا، ولهذا قاس الشيخ أبو محمد مقالته على ركعة المسبوق، فالتردد الصحيح إما هو بين الركعة الكاملة وبين مقالة الشيخ أبي محمد.
قوله: وإن كان ذلك- أي: زوال العذر- قبل الغروب لزمهم الظهر بالمقدار الذي يجب به العصر، وفي قولٍ: لابد من زيادة أربع ركعات، ليتصور الفراغ من واحدة والشروع في أخرى، وتلك الأربع في مقابلة الأولى، وقال أبو إسحاق في مقابلة صاحبة الوقت. ويبنى على ذلك ما إذا زال العذر في آخر وقت العشاء، فإن جعلنا الأربع هناك في مقابلة الثانية فلابد منها- أيضًا- هاهنا، وإن جعلناها في مقابلة الأولى اكتفينا هنا بثلاث لأجل المغرب. وقد حكي عن صاحب ((الإفصاح)): أنه يلزمه الظهر والعصر بإدراك مقدار أربع ركعات من وقت العصر، والمغرب والعشاء بمقدار ثلاث ركعات، وقياس ما سبق عن الشيخ أبي محمد من تعلق الإدراك بركعة المسبوق: أن نعتبر ركعتين فقط وإن كان مقيمًا، اعتبارًا بصلاة المسافر، وحينئذ فنعتبر على هذا القول ثلاثًا إن قلنا بالخمس، وركعتين وتكبيرة إن قلنا بالأربع مع التكبيرة، وركعتين فقط إن قلنا بالأربع فقط.
ثم قال: وإذا تأملت ما ذكرناه من قول ووجهن وولدته، وأردت أن تعرف ما قيل فيما تدرك به الصلاة عند زوال المانع في آخر وقتها من قول ووجه- قلت: في الصبح ثمان مقالات: تدرك بمقدار بعض تكبيرة بذلك ومقدار طهارة بتكبيرة، بذلك
стр. 95
وطهارة ركعة مسبوق، بذلك وطهارة ركعة تشتمل على أقل ما يجزئ، بذلك وطهارة، وفي الظهر هذا الخلاف إذا زال المانع في آخر وقته، وإن زال في آخر وقت العصر، ففيما تدرك به العصر هذا الخلاف، وفيه مع الظهر عشرون قولًا ووجهًا: الثمانية السالفة.
والتاسع: بإدراك ركعتين فقط، تركيبًا من طريقة الصيدلاني وصاحب ((الإفصاح)) كما سلف.
والعاشر: بذلك وقدر طهارة.
والحادي عشر: بإدراك أربع ركعات.
والثاني عشر: بذلك وطهارة.
والثالث عشر: بإدراك أربع ركعات وبعض تكبيرة.
والرابع عشر: بذلك وطهارة.
والخامس عشر: بإدراك أربع ركعات وتكبيرة.
والسادس عشر: بذلك وطهارة.
والسابع عشر: بإدراك خمس ركعات إحداها ركعة مسبوق.
والثامن عشر: بذلك وطهارة.
والتاسع عشر: بإدراك خمس ركعات مشتملة على أقل ما يجزئ.
والعشرون: بذلك وطهارة. انتهى كلامه.
واعلم أن ما ذكره من كونه يتحصل في الظهر والعصر عشرون، ليس كذلك، بل يتحصل مما حكاه ثمانية وعشرون قولًا ووجهًا، وهي الثمانية المذكورة في الصلاة الواحدة، وكل منها- أي من الثمانية- مع أربع ركعات في قول صارت ستة عشر، وكل من الثمانية- أيضًا- مع ركعتين، وهو الذي مال إليه الإمام، اعتبارًا بصلاة المسافر- صارت أربعة وعشرين، ويجيء مما نقله عن ((الإفصاح)) مع ما مال إليه الإمام أربعة أخر: أحدها: ركعتان فقط، ثانيها: ركعتان وطهارة. ثالثها: بأربع ركعات فقط، رابعها: بذلك وطهارة. والحاصل أن التاسع في كلامه- وهو الركعتان فقط، تركيبًا من طريقة الصيدلاني وصاحب ((الإفصاح)) - يجيء منه عشرة أقوال، أهمل منها ثمانية وهي: بعض التكبيرة، والتكبيرة الكاملة، وركعة مسبوق، والركعة الكاملة، كل من هذه الأربعة مع الطهارة ودونها.
قوله: وفي المغرب وحدها ما سلف في الصبح وحده إن زال العذر في وقتها،
стр. 96
وإن زال في وقت العشاء ففيما تدرك به العشاء ما سلف فيما يدرك به العصر وحده، وفيها مع المغرب- على طريقة الشيخ- ما سلف في الظهر مع العصر، وعلى الطريقة المشهورة اثنتا عشرة مقالة: يدركهما بثلاث ركعات، بذلك وزمن طهارة, بثلاث ركعات وبعض تكبيرة، بذلك وطهارة بثلاثة ركعات وتكبيرة، بذلك وطهارة بأربع ركعات إحداها ركعة مسبوق، بذلك وطهارة بأربع ركعات متساوية، بذلك وطهارة، وبهذه يحصل فيما يدرك به المغرب والعشاء اثنان وثلاثون قولًا ووجهًا. انتهى كلامه.
وما ذكره في المغرب مع العشاء من أنه يأتي فيها على الطريقة المشهورة اثنا عشر قولًا، سهو، فإنه إنما يأتي فيها عشرة أقوال، خاصة وقد عدها هو كذلك، فتأمل ما ذكره. ثم إنه بنى على هذا السهو الذي وقع فجعل الجملة اثنين وثلاثين، وإنما هي- بمقتضى ما ذكره ثلاثون فقط. ثم إنه في المغرب والعشاء يزداد على اثنين وثلاثين- بسبب قول صاحب ((الإفصاح)) - وجهان وهما: ثلاث ركعات بطهارة، وثلاث بلا طهارة. وإن ركبته مع قول أبي إسحاق واحتمال الإمام زادت أربعة أخرى وهي: أربع ركعات بطهارة، وأربع بغير طهارة، وركعتان بطهارة، وركعتان بدونها. لكن اعتبار الركعتين في المغرب والعشاء لا وجه له.
واعلم أن هذا النقل الذي ذكره عن صاحب ((الإفصاح)) في المسألة السابقة، ثم فرع عليه هنا وهناك ما فرع- ليس بنقل صحيح، بل المذكور فيه اعتبار أربع ركعات في المغرب والعشاء كما في الظهر والعصر، والحاصل اعتبار مقدار الثانية فقط. ثم إنه حكاه قولًا، ولم يرتضه، ولم يرده، فإنه حكى قولين، فذكر الأول.
ثم قال: والثاني: أنه لا يكون مدركًا بأربع ركعات، فإذا أدرك أربع ركعات فقد كملت بنفسها، فجاز أن تكون الأخرى تابعة لها فأما أن يكون مدركًا للثانية- وهي لم تكمل بنفسها بالإدراك- فلا معنى له. هذا لفظه، ومن ((الإفصاح)) نقلت، ولم يذكر غير ذلك مما يتعلق بما نحن فيه، وما ذكره حكمًا وتعليلًا هو عين ما ذكرته لك، وكأن هذا الناقل الذي نقل عنه المصنف قد اغتر بقوله: للثانية. وقد استغربت لفظه قبل هذا فوجدته يريد بـ ((الثانية)) غير صاحبة الوقت، ولا يستقيم هنا غير ذلك.
стр. 97
باب الأذان
قوله: وحكى القاضي أبو الطيب والمروازة وجهًا: أن الإمامة أفضل منه، وقال القاضي أبو الطيب والغزالي: إنه الصحيح. وكذا الرافعي، ورجحه الروياني- أيضًا- وحكاه عن نص الشافعي في كتاب الإمامة، وعلله بأن الإمامة أشق. انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن الروياني ليس كذلك، فإن الذي رجحه الروياني في ((البحر))، وحكاه عن نص الشافعي في كتاب الإمامة- هو وجه آخر ذكره المصنف بعد هذا، وهو أنه إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان، وأما ترجيح الإمامة مطلقًا فإنه لم يختره، بل قال: ومن أصحابنا ... إلى آخره.
قوله: وقد نص الشافعي في ((الأم)) على كراهة الإمامة فقال: أحب الأذان، لقول رسول الله ﷺ : ((غفر الله للمؤذنين))، وأكره الإمامة، للضمان وما على الإمام فيها. انتهى كلامه.
وما نقله هنا عن الشافعي قلد في نقله النووي كما دل عليه كلامه قبل هذا، والنووي قلد فيه جماعة، وليس هذا النقل على وجهه، بل له تتمة دالة على خلاف ما يدل عليه هذا اللفظ لم يذكرها المصنف ولا الذين قلدهم في نقله، فإن الشافعي قد قال عقب هذا الكلام المنقول عنه من غير فصل ما نصله: وإذا انبغى أن يتقي ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإن فعل رجوت أن يكون أحسن حالًا من غيره. هذا لفظه، وهو يدل على عدم كراهة الإمامة في هذه الحالة، بل على استحبابها.
وقد نقل هذا النص على الصواب جماعة منهم صاحب ((الشامل)).
ثم قال بعد نقله: وهذا يدل على أنه إذا كان يقوم بحقوق الإمامة وما يجب فيها كانت أفضل. وكذلك قال في ((البحر)): فيما ذكروه من لفظ الشافعي خلل، ولم يذكروا تمام الكلام، فإنه قال كذا وكذا ... ثم ذكر ما أسلفته.
قوله: والإقامة إحدى عشرة كلمة معروفة.
ثم قال: ووراءه أقوال عزيت إلى القديم: أحدها: أنها عشر كلمات، وذلك بألا يكرر لفظ الإقامة، والثاني: تسع كلمات، ما ذكرناه قبله غير أنه لا يكرر لفظ التكبير
стр. 98
في آخرها، ليكون قد رد الإقامة إلى شطر الأذان، والثالث: ثمان كلمات، ما ذكرناه غير أنه لا يكرر التكبير في الأول- أيضًا- وفي قولٍ اختاره ابن خزيمة من أصحابنا: أنه إن رجع في الأذان ثني الإقامة- أي: جميع ألفاظها- وإلا أفرادها. انتهى كلامه.
وتعبيره في آخره بقوله: وإلا أفردها، مقتضاه: إفراد الجميع، وهو مقتضى كلام الرافعي و ((الروضة))، وليس كذلك، بل يثني في هذه الحالة لفظ التكبير في الأول والأخير، ولفظ الإقامة- أيضًا- فيجعلها أحد عشر، كذا نبه عليه في ((شرح المهذب)).
قوله: وقد ذكرنا أنه يجوز الأذان لكل صلاة ما دام وقت اختيارها باقيًا. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من عدم الجواز بعد ذلك عجيب مخالف لكلامهم، وكأنهم عبروا بالمشروعية اختيارًا، فتوهم المنع بعده.
قوله: ويستحب أن يرتل الأذان ويدرج الإقامة، لما روى أبو داود عن جابر أن النبي ﷺ قال: ((يا بلال، إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر))، وروي: ((وإذا أقمت فاحذم)).
قال أبو عبيد: الرواية بالحاء. ويكره البغي وهو التطريب، وقيل: أن يرفع صوته حتى يجاوز المقدار. انتهى.
يقال: حدر، إذا أسرع، وكذلك: حذم، بالحاء والذال المعجمة والميم في آخره. والبغي: بباء موحدة مفتوحة بعدها غين معجمة ساكنة، وهي تطلق على المعاني المعروفة كالفساد والتكبر ونحوهما، وتطلق على ما ذكره المصنف. قال الأزهري: البغي: هو أن يكون في رفع صوته يحكي كلام الجبابرة والمتكبرين. وقال صاحب ((الحاوي)): البغي: تفخيم الكلام والتشادق فيه.
قوله: وعن ((البحر)): أنه يحرم الأذان على الجنب وإن كان يصح، والمذكور في ((تلخيص)) الروياني وغيره اختصاص ذلك بما إذا كان الأذان في المسجد. انتهى كلامه.
والنقل المذكور عن ((البحر)) غلط، بل الذي فيه- أيضًا- إنما هو تقييده بالمسجد على وفق ما نقله المصنف عن ((التخليص)).
قوله: وقول الشيخ: ويستحب أن يؤذن على طهارة، يفهم كراهة أذان المتيمم، وإن استباح بتيممه الصلاة، لأنه على غير طهر عند الشافعي، ولا شك في أنه كالمتطهر بالماء. انتهى كلامه.
وما ادعاه من كون التيمم ليس بطهارة، وأن الشافعي قد قاله عجيب، بل الذي
стр. 99
نص عليه الشافعي، وكذا الأصحاب غير الإمام: أنه طهارة، وجاء به الحديث الصحيح كما سبق إيضاحه في أوائل الكتاب. ولاشك أنه التبس عليه، فتوهم من كونه لا يرفع الحدث أنه ليس بطهارة، ثم إنه لا يلزم من كون الشيء مستحبًا أن يكون تركه مكروهًا.
قوله: وأن يؤذن على موضع عال، لأنه قد روي أن الذي رآه عبد الله بن زيد حين أذن طلع على جذم حائط أو على نشزٍ من الأرض. انتهى.
الجذم- بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة-: هو الأصل، والنشز- بفتح الشين-: هو المرتفع، قال تعالى: ﴿فَانشُزُوا﴾ [المجادلة:١١] أي: ارتفعوا.
وهذا الحديث رواه البيهقي بإسناد صحيح، إلا أنه لم يذكر ((النشر)). قوله: ويستحب أن الذي يقيم هو الذي أذن، فإن أذن جماعة فالأول هو المستحق إن كان راتبًا، فإن لم يكن لم يستحق التقديم في أصح الوجهين في ((الوسيط)).
ثم قال: وحيث قلنا: يستحق شخص التقدم في الإقامة، فأقام غيره، أو أقام من لم يؤذن- ففي الاعتداد بإقامته وجهان حكاهما المسعودي: المشهور منهما- وهو الذي أورده-: الاعتداد، ومقابله: أنه لا يعتد به، تخريجًا من قولنا: إنه لا يجوز أن يخطب واحد يوم الجمعة ويصلي غيره. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن الأول- أيضًا- أولى إذا كانا معًا غير راتبين كما قاله الرافعي وغيره، وكلام المصنف أولًا وآخرًا يدفعه.
الأمر الثاني: أن هذا الخلاف الذي حكاه تخريجًا مما إذا خطب واحد وأم آخر إنما يستقيم في المسألة الثانية، وهو ما إذا أقام غير من لم يؤذن، فأما في المسألة الأولى، وهو ما إذا أذنا وقلنا باستحقاق واحد، فأقام غيره- فلا. وقد صرح بالخلاف كما ذكرته صاحب ((البيان)) وصاحب ((التتمة)) وغيرهما.
وتعبيره بقوله: الاعتداد، بعد التعبير بقوله: أورده- وقع هكذا في النسخ، أي: بإسقاط الفاعل وهو المورد.
تنبيه: وقع هنا ذكر الصدائي، وهو منسوب إلى ((صداء))، بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين وبالمد، يصرف ولا يصرف، وهو حي من اليمن.
قوله: ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه يلتفت في الحيعلة في الأذان والإقامة، وهو المشهور، وعليه العمل، وحكى الإمام أن بعض المصنفين ذكر مرة أن الالتفات غير
стр. 100
محبوب في الإقامة، قال: وهو غير صحيح، وفي ((التتمة)) و ((الرافعي)): أنه إن كان الجمع كثيرًا التفت يمينًا وشمالًا فيها، وإلا فلا. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الرافعي ليس بصحيح، بل حاصل ما ذكره الجزم بالاستحباب فيما إذا كثروا، وتصحيحه- أيضًا- عند عدم الكثرة، فراجعه.
وأما ((التتمة)) ففيها التفصيل الذي ذكره المصنف، إلا أنه لم يعبر بكثرة الجمع، بل بكبر المسجد.
قوله: ويستحب أن يجعل المؤذن إصبعيه في صماخي أذنيه، لما روى البخاري ومسلم عن أبي جحيفة قال: رايت بلالًا يؤذن ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه)). انتهى كلامه.
وهذه الزيادة التي ساق الحديث لأجلها- وهي جعل الإصبعين في الصماخين- لم يخرجها البخاري ومسلم: فأما مسلم فلم يذكرها بالكلية، وأما البخاري فإنه ذكر الحديث بدونها، ثم ذكرها بعد ذلك تعليقًا- أي: من غير رواية عن أحد- ولم يجزم بها- أيضًا- فقال: ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعيه في أذنيه. هذا لفظه. نعم، رواها الترمذي وصححهما، ولفظه: عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: رأيت بلالًا يؤذن، ويدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعيه في أذنيه ... إلى آخر الحديث.
ثم قال الترمذي: إنه حسن صحيح.
قوله: وقد أفهم كلام الشيخ أنه يقول عند الحيعلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، مرة واحدة أو أربع مرات، والمذكور في ((تلخيص)) الروياني أنه يقول ذلك مرتين: مرة عند قول المؤذن: حي على الصلاة، ومرة عند قوله: حي على الفلاح، لأنه ظاهر السنة. قال: ويحتمل خلاف ذلك. انتهى كلامه.
وما ذكره عن الروياني في ((التخليص)) إن كان ثابتًا كما قاله فقد خالفه في ((الحلية))، فإنه نقل في المسألة وجهين، وصحح الأربع فقال: والاختيار: أن يقول في الأذان: لا حول ولا قولة إلا بالله، أربع مرات، وفي الإقامة مرتين في أصح الوجهين. هذا لفظه، وذكر في ((البحر)) عن بعضهم أنه يقول مرتين، ولم يصرح برده ولا باختياره.
قوله: وتقيم المرأة ولا تؤذن، أي: لا يستحب لها الأذان، فلو خالفت وأذنت كره، كذا قاله في ((المهذب)) والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ في إمامة المرأة، وقال ابن
стр. 101
الصباغ هنا: إن الشافعي قال: إنه لا يكون مكروهًا. وقال في رواية البويطي: يكون محمودًا. انتهى.
واعلم أن الذي قاله الشافعي من عدم الكراهة إنما قاله عند عدم الرفع، وممن نقله عنه هكذا [النووي] في ((شرح المهذب))، والذي قاله الشيخ في ((المهذب)) إنما فرضه عند الرفع، فإنه قال: ويكره للمرأة أن تؤذن، لأنها في الأذان ترفع الصوت. هذه عبارته قوله: في الحديث: بـ ((هوى من الليل)).
الهوي: القطعة، وهو بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء، وضم الهاء لغة.
قوله: ولو كان الجمع في وقت الثانية، وبدأ بالثانية- أذن لها وأقام، ثم أقام للأولي ولم يؤذن، وقال الماوردي: يؤذن للثانية، وهل يؤذن للأولى؟ فيه ثلاث أقوال، لأنه قد أبطل الجمع بتقديمها فصارت كالفائتة. قال الإمام: ولا يعهد أن يوالي بين أذانين إلا في صورة واحدة على خلاف فيها، وهي ما إذا قضى فائتة قبل الوقت، فأذن لها على القول باستحبابه، فلما فرغ منها دخل الوقت، فأراد أن يصلي الحاضرة- فإنه يؤذن لها. قلت: وعلى طريقة الماودري لا ينحصر في ذلك. انتهى كلامه.
قد أهمل المصنف مسألة متفقًا عليها ذكرها في ((الروضة))، وهي إذا أخر المؤداة إلى آخر وقتها، فدخل الفرض الآخر عقب فعلها، فإنه يؤذن لهما قطعًا.
стр. 102
باب ستر العورة
قوله: فإن قيل: الستر لا يختص وجوبه بالصلاة، فوجب ألا يكون شرطًا فيها كالنظر إلى المحرمات- فجوابه: أنا لا نسلم أنه لا يختص بالصلاة: أما على قولنا: إنه لا يجب في الخلوة، فظاهر، وأما على قولنا: إنه يجب في الخلوة، فهو يجوز في حال دخول الخلاء وحلق العانة ونحو ذلك، وبه يظهر أنه يختص بالصلاة. انتهى كلامه.
وهذا البحث الذي ذكره عجيب: فأما دعواه أن اختصاصها بالصلاة واضح إذا لم نوجب الستر في الخلوة فذهول عن وجوب الستر بين الناس، وأما دعواه الاختصاص- أيضًا- مع القول بإيجاب ذلك، فأغرب، فإن الوجوب كما هو ثابت في حال الصلاة فهو ثابت- أيضًا- في الخلوة عند عدم الحاجة وبين الناس مطلقًا، فأين الاختصاص؟!
قوله: ويكفي المتخذ من الجلود والرقوق والخرق والورق المصنوع والمخلوف والليف، وما لا يلبس أصلًا كالماء الكدر والطين والتراب والدنان الضيقة الرأس والحفرة في الأرض، لأن ذلك يستر البشرة، وهو كذلك عند الأصحاب إلا الماوردي، فإنه قال: إذا قلنا بوجوب الستر في الخلوة، فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن الماء يقوم مقام التراب في ستر عورته.
والثاني: لا، لما روي أنه- ﵊ نهى أن ينزل بغير مئزر، وقال ((إن للماء لسكانا)).
وتعليل الوجه الأول يؤذن بأن محل الخلاف إذا كان الماء كدرًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من اتفاق الأصحاب على ذلك، وأنه لم يخالف إلا الماوردي في الماء الكدر- عجيب، فقد ذرك الروياني في ((البحر)) وجهين- أيضًا- وكذلك الشاشي في ((الحلية))، وزاد على ذلك فصحح بطلان الصلاة. ونقل في ((البحر)) - أيضًا- عن ابن أبي أحمد- يعني ابن القاص- أن الماء لا يكفي ولو كان
стр. 103
ساترًا للبشرة، ذكره في شروط الصلاة، ونقل الرافعي عن القفال أنه لا يكفي، وهو أجل من الماوردي وأقدم منه. ثم إن المصنف قد نقل بعد هذا بنحو ورقة عن القاضي الحسين حكاية وجهين فيه وفي الطين- أيضًا- وهذا يدل على قدم الخلاف.
الأمر الثاني: أن كلام الماوردي صريح في أن الممتنع إنما هو النزول في النهر ونحوه لأجل سكانه، وليس فيه تعرض للماء من حيث هو، كمن أخذ ماء وجعله في إجانة وفسقية ونحوهما.
و ((المصنوع)) في كلام المصنف هو بالصاد المهملة والنون، وأشار به إلى الورق الذي يكتب فيه، وأشار بـ ((المخلوق)) إلى ورق الشجر.
قوله: تنبيه: قول الشيخ: وهو شرط في صحة الصلاة، يفهم أنه شرط مطلق، وقوله من بعد: فإن لم يجد صلى عريانًا، ولا إعادة عليه- يدل على أنه شرط عند القدرة، أما مع العدم فلا. نعم، إذا قلنا: يصلي عاريًا ويعيد، كان شرطًا مطلقًا. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من دعوى الشرطية على القول بوجوب الإعادة غلط، فإن القول بوجوب الإعادة لا يخرجها عن كونها صحيحة، فكيف تكون السترة في هذه الحالة شرطًا في الصحة؟!
قوله: وقد اختار هذا ابن بنت أبي أحمد، أي: ابن القاص. انتهى.
اعلم أن لفظ ((البنت)) هنا غلط، فإن المذكور اسمه أحمد، ويكنى أبوه به، فيقال له: ابن أبي أحمد، كذا ذكره الأصحاب، وأوضحته في كتاب ((الطبقات)).
قوله: وروي: أن جابرًا صلى في داره ورداؤه على المشجب.
اعلم أن ((المشجب)) - بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة، بعدها جيم مفتوحة ثم باء موحدة- هو الخشبة التي تعلق عليها الثياب، قال الجوهري.
قوله: وأورد بعضهم على الشيخ سؤالًا، وأجاب عنه فقال: قوله: إن المستحب أن يصلى الرجل في ثوبين قميص ورداء، يفهم أن الثوبين ليس بشرط، فأي فائدة لقوله بعد ذلك: فإن اقتصر على ستر العورة جاز؟! وأجاب بقوله ... إلى آخر ما ذكره
وما ادعاه من الإفهام عجيب لا أدري ما سببه، ونتبرع فنقول: بينهما واسطة، ولهذا أن الإمام أحمد لا يوجب الثوبين، ولا يجوز الاقتصار على سائر العورة، بل يوجب وضع شيء على العاتق ولو حبلًا.
قوله: فإن وجد ما يكفي إحدى السوئتين ستر القبل، وقيل: الدبر، وعلى هذا: الخنثى المشكل يتخير، وفي المسألة وجه ثالث: أنه يتخير بين القبل والدبر.
стр. 104
ثم قال: وقيل: إن ستر القبل في حق الرجل أولى، والدبر في المرأة أولى، حكاه القاضي وصاحب ((الروضة)). انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن المذكور في ((الروضة)) إنما هو عكس هذا الوجه، وقد صرح به هكذا القاضي الحسين في كتاب التيمم، فقال: إن كان الواجد امرأة سترت القبل، وإن كان رجلًا ستر به الدبر، لأن دبر الرجل وفرج المرأة أكبر في الغلظ في أعين الناظرين من الفرج الآخر. هذا كلامه، وذكر مثله- أيضًا- في أثناء شروط الصلاة، ثم إنه أيضًا اختاره.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في الخنثى يقتضي أنه يتخير بين القبل والدبر، تفريعًا على أنه يتعين الدبر في حق غيره، وهذا ظاهر الفساد، بل الصواب تفريعه على الأول، وحينئذ ينحصر التخيير في القبلين، وهكذا ذكره الرافعي، وجعل محل التخيير إذا لم يجد إلا ساتر أحد القبلين خاصة، فإن وجد ما يسترهما تعين عليه ذلك، وهو واضح، وقد القول فيه في الكتاب المسمى ((إيضاح المشكل من أحكام الخنثى المشكل))
قوله: وأطلق أبو مجالد البصري، وهو من متأخري الأصحاب ... إلى أخره.
صوابه: أبو مخلد، بسكون الخاء المعجمة وفتح اللام.
стр. 105
باب طهارة البدن والثوب وموضع الصلاة
قوله: وإن أصاب أسفل الخف نجاسة، فمسحه على الأرض بحيث أزال عين النجاسة، وصلى- ففيه قولان، الجديد: أنه لا يجزئه.
ثم قال: وقد أفهم كلام الشيخ أمورًا، أحدها: أن الخف لا يطهر على القول الأول، والأصحاب مطبقون عليه، وهو نظير قوله: إن المحل بعد الاستنجاء بالحجر نجس وإن جازت الصلاة قبل غسله. انتهى كلامه بحروفه.
ودعواه إطباق الأصحاب على عدم الطهارة باطلة، فقد رأيت للجرجاني في كتابه المسمى بـ ((الشافي)) فيه خلافًا فقال: فصل: ومنها: النجاسة تصيب أسفل الخف ولا يجب غسلها بالماء، لما فيه من لحوق المشقة وعموم البلوي، ولكنه يدلكها بالأرض، فإذا أزال عينها طهر على أحد القولين، للحاجة، وقيل: لا يطهر بالدلك قولًا واحدًا، ولكنه يعفى عن أثرها بعد الدلك على أحد القولين، للحاجة، وهو الأصح، ولا يعفى عنه على القول الآخر حتى يغسل بالماء كالثوب النجس. هذا لفظه بحروفه.
قوله: قال- يعني الشيخ-: وإن صلى وفي ثوبه دم البراغيث، أو اليسير من سائر الدماء أو سلس البول أو دم الاستحاضة- جازت صلاته، لأن ذلك يتعذر الاحتراز منه.
ثم قال: وقد أفهم كلام الشيخ أمورًا، أحدها: أن البدن ليس كالثوب في العفو عما ذكره، وهذا وإن أمكن توجيهه بما سنذكره عن القاضي في الفرق بين دم البراغيث وغيره، لكن المنقول: أن البدن في ذلك كالثوب إذا صادفه ذلك ابتداء. انتهى كلامه.
وحاصله: أنه ليس في المذهب مقالة موافقة لما أفهمه كلام الشيخ من عدم العفو في البدن، وليس كذلك، فقد حكاه الجرجاني في ((التحرير)) وجهًا- أي: في الدم- وفرق بأن تكرر الغسل في الثوب يبليه، فعفي عنه فيه، بخلاف البدن.
قوله: الثاني: أن دم القمل والبق والبعوض والزنابير، ونحو ذلك مما ليس له نفس
стр. 106
سائلة- لا يلتحق بدم البراغيث، وهي تلتحق به بلا شك، وكذا ونيم الذباب وبول الخفاش. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف في ونيم الذباب- وهو روثه- ليس كذلك، ففيه وجه: أنه لا يلتحق بدم البراغيث، حكاه النووي في ((التحقيق)) وغيره.
قوله: الثالث: ما أفهمه كلام الشيخ أنه لا يلتحق بدم الاستحاضة دم القروح السيالة التي يدوم مثلها وتنزف الدماء، والتي لا تدوم. وفي الثاني خلاف حكاه الرافعي في أنه هل يلتحق بدم البراغيث فيعفى عن القليل منه، وفي الكثير وجهان، أو يلتحق بدم الأجنبي [كذا] فلا يعفى عنه مع الكثرة ومع القلة؟ وجهان. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: وفي الثاني خلاف، ظاهر في أن الرافعي لم يحكه في الأول، وهو الذي يدوم، وليس كذلك، وقد حكى الرافعي فيه وجهين أحدهما- وهو ما نقله عن قضية كلام الأكثرين، وصححه النووي-: أنه كالبثرات، والثاني: أنه كدم الاستحاضة، قال: وهو الأولى.
قوله: ولا خلاف في العفو عن قليل دم البراغيث إلا إذا حصل ذلك بفعله، كما إذا قتل قملة أو برغوثًا ونحو ذلك، في ثوبه أو بدنه- ففي العفو عنه وجهان مشبهان بما إذا فتح الصائم فاه قصدًا غبار الطريق.
ثم قال: ومثلهما جارٍ فيما لو صلى على ثوب فيه دم براغيث، أو لبس ثوبًا فيه دم براغيث. انتهى.
وتعبيره بقوله: أو لبس، غير صحيح، فإن الثوب المعفو عنه الذي ذكره هو وغيره هو الثوب الملبوس بلا نزاع، وإنما صوابه أن يقول: أو حمل في كمه، فإن المتولي قد نقل المسألة هكذا، ونقلها عنه في ((شرح المهذب)) - أيضًا-: لأن البسط والحمل مستغنى عنه، ولهذا صحح النووي في ((التحقيق)) عدم العفو في المسألتين جميعًا.
قوله: وقضية إطلاق الشيخ العفو عن القليل من دم الكلب والخنزير، وبعض المتأخرين استثناه وقال: إنه نص على استثنائه الأئمة، لما خص به من التغليظ. انتهى كلامه.
وهو يشعر بأنه لم يقف على نقل في ذلك، والاستثناء المذكور قد رأيته مجزومًا به في كتاب ((المقصود)) للشيخ نصر المقدسي، وفي ((البيان)) للعمراني، ونقله النووي في ((شرح المهذب)) عن ((البيان))، وذكر مثله في ((التحقيق)) وقال: إنه لم ير لغير العمراني تصريحًا بموافقته ولا مخالفته.
стр. 107
قوله: الثالث: أن ((سلس البول)) و ((دم الاستحاضة))، معطوف على ((اليسير من سائر الدماء))، لأنه أقرب مذكور، وهو يفهم عدم العفو عما كثر من ذلك، وليس الأمر كما أفهمه كلامه في سلسل البول ودم الاستحاضة، بل العفو شامل للقليل منه والكثير، وحينئذ يتعين أن يكون معطوفًا على قوله: ((دم البراغيث)). انتهى كلامه.
وما ذكره من كونه معطوفًا على ((اليسير)) ... إلى آخره، يقتضي عكس ما يحاوله من إفهام العفو عن القليل دون الكثير في سلسل البول والاستحاضة، ويصير دالًا على العفو مطلقًا- كما هو الصواب- ويظهر ذلك بما إذا قدرته في موضع ((اليسير))، لأن هذا هو شأن المعطوف، بل الصواب- على هذا التقدير الذي يريده- أن يقول: إنه معطوف على ((سائر)). وهو الذي ذكره النووي في ((لغات التنبيه)) جازمًا به فقال: ((وسلس البول)) و ((الاستحاضة)) مجروران عطفًا على ((سائر)). هذا كلامه، وهو غلط، لأن الحكم بخلافه، فيتعين عطفه على ((دم البراغيث))، لاسيما أنه واضح فصيح.
قوله: قال الإمام: لأنه صح أنه- ﵊ نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريقة وبطن الوادي، والحمام، وظهر الكعبة، وأعطان الإبل. وقد أخرج هذا الخبر بمعناه الترمذي، ولكن في بعض رجاله مقال. انتهى.
اعلم أن هذا الخبر المذكور قد اشتمل على ((بطن الوادي))، مع أنه لم يقع في رواية الترمذي، بل ولا يعرف عن غيره- أيضًا- والذي ذكره هو وغيره عوضًا عنه: ((المقبرة)).
قوله: وإن اشتبه عليه ثوب طاهر وثوب نجس اجتهد، وصلى فيما غلب على ظنه طهارته، ولا يجب عليه عندنا إعادة الاجتهاد لصلاة أخرى، وقال القاضي الحسين والمتولي: إنه يجب عليه أن يعيد الاجتهاد ثانيًا، وهو الذي صححه الرافعي والنووي. انتهى.
وهذا الكلام الذي نقله عن الرافعي والنووي غلط: أما الرافعي فلم يذكر المسألة في كتبه بالكلية، وأما النووي فذكرها في ((شرح المهذب)) و ((التحقيق))، وصحح عدم وجوب الإعادة، وعبر بـ ((الأصح))، ولم يذكر في غير ذلك ما يخالفه.
قوله: اعلم أن المصنف قد ذكر في هذا الباب ألفاظًا:
منها: في حديث البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ ركع في قبل البيت ركعتين، وقال: ((هذه القبلة)). انتهى.
стр. 108
قبل بضم القاف والباء، ويجوز إسكان الباء، واختلفوا في معناه: فقيل: مقابلها، وقيل: ما استقبلك منها، أي: بوجهها، ويؤيده رواية ابن عمر في ((الصحيحين)) في هذا الحديث: ((فصلى ركعتين في وجه الكعبة)).
ومنها: الكنيسة- بفتح الكاف وكسر النون المخففة وبالسين المهملة- هي الأعواد المرتفعة على المحمل، المعدة لأن يوضع عليها السترة التي تستر الراكب وتقي من الحر والبرد، يقال: كنس الظبي يكنس- كضرب يضرب- إذا دخل في كناسه، وهو موضعه من الشجر.
ومنها: الصبي العرم: هو بعين مهملة مفتوحة وراء مكسورة، قال الجوهري: صبي عارم، أي: شرس الخلق، يعني سيء الأخلاق كثير الخلاف، ومراد الفقهاء: من لا تركن النفس إلى إخباره.
ومنها: عتبة بن غزوان الصحابي باني البصرة، فأما ((عتبة)) فبعين مهملة مضمومة بعدها تاء مثناة ساكنة، وأما ((غزوان)) فبغين معجمة مفتوحة وزاي معجمة ساكنة.
قوله: وقد اقتضى كلام الشيخ وجوب الاستقبال في أمور، منها: صلاة الجنازة في الحضر والسفر، لأنها فرض كفاية، وعليه نص في ((الأم))، ومنه يؤخذ أنه لا يجوز فعلها على الراحلة، إذ لو جاز لم يشترط فيها الاستقبال، وهو الصحيح، والغزالي وجهه بأن معظم أركانها القيام، ومقتضاه: أنه لو تمكن من القيام عليها أنه يجوز، وقد قال الإمام: الظاهر أنه يجوز، وإن قال في الفريضة: إنه لا يجوز مطلقًا. انتهى.
واعلم أن المعروف في حكاية النص المذكور في الجنازة إنما هو في منع فعلها على الراحلة، كذا حكاه الرافعي وغيره في كتاب التيمم، وحكاه المصنف- أيضًا- هنالك كذلك، ثم علله الرافعي وغيره بما ذكره من كون معظم أركانها هو القيام، ثم استنبطوا من ذلك جواز فعلها عليها قائمًا إذا تمكن منه، وقياسه: تجويز المشي- أيضًا- إلى القبلة وإلى غير القبلة، وأما الذي ذكره من كون النص في الاستقبال حتى يلزم امتناع فعلها على الراحلة فعلى العكس، ويقتضى- أيضًا منع الأداء قائمًا، وليس كذلك.
واعلم أنه قد وقع هنا في ((شرح المهذب)) تصحيح امتناع المشي، وفي ثبوت ما قاله نظر، والغالب أنه وهم، ويدل عليه أنه لما صححه قال: كما تقدم في التيمم. وليس له ذكر هناك.
قوله: والمحكى عن نصه في ((الأم)): أنه لا يجوز فعل المنذورة على الراحلة
стр. 109
والأصحاب قالوا: هو جواب على أن النذر كواجب الشرع كما هو الصحيح، أما إذا قلنا: إنه كجائزه، فيجوز على الراحلة كما في النفل.
ثم قال: وفي ((الرافعي)) حكاية وجه آخر: أنه إن أوجبها بالأرض لا يصليها على الراحلة، وإن أوجبها وهو راكب أجزأه فعلها على الدابة. انتهى.
وحكاية هذا الوجه غلط، وعزوه إلى الرافعي غلط- أيضًا- فإن الرافعي إنما نقله عن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، ولهذا قال: ولك أن تعلم المسألة بالحاء. فتوهم المصنف أنه الكرخي الشافعي، ذاهلًا عما قاله الرافعي بعده، فأثبته وجهًا.
قوله: ومنها- أي: ومن الصلوات التي دل كلام الشيخ على أنه لا يجوز فعلها على الراحلة-: ركعتا الطواف، وذلك ظاهر إذا قلنا: إنهما فرض، أما إذا قلنا: إنهما: سنة، فقد قال الرافعي والمتولي والفوراني: إنه يجوز فعلهما على الراحلة. والذي رأيته لغيرهم: أنه لا يجوز- أيضًا- لفقد السير حال الإتيان بهما مع كونه في البلد، والأصحاب متفقون على أنه لا يجوز للمسافر وهو في البلد أن ينتقل على الدابة في حال سكونه. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن الذي ذكره في تقرير المنع من فقدان السير عجيب جدًا، فإن ركعتي الطواف لا يشترط فعلهما في مكة، بل يجوز فعلهما فيما شاء من الأمكنة أو الأزمنة، كما صرح به هو وغيره في كتاب الحج، فقول من قال: إنه لا يجوز وهو في البلد، صحيح، وذلك لفقدان السير، وقول الرافعي وغيره: إنه يجوز إذا كان مسافرًا، صحيح- أيضًا- فتخيله أن ذلك اختلاف، عجيب جدًا، وقد جزم في ((شرح المهذب)) بالجواز على القول بالنفلية مع اطلاعه وتتبعه للخلاف.
الأمر الثاني: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في حال السكون عجيب- أيضًا- فقد ذكر هو قبل ذلك بدون الورقة ما يخالفه فقال: أما إذا لم يكن المقيم سائرًا فقد افهم كلام بعضهم أنه لا يجوز بلا خلاف على مذهب الإصطخري، وكلام الإمام كالصريح في أنه لا يشترط على هذا المذهب أن يكون سائرًا، كما لا يشترط ذلك في المسح على الخف يومًا وليلة في الحضر، وإن كان الترخص بالمسح شرع، إعانة للسائر على مقاصده.
قوله: قال بعضهم: إنما صحت صلاة الصف الطويل، لأنه لم يتعين الخارج منه عن السمت. وإلى هذا يميل كلام ابن الصباغ، لأنه قال- بعد حكاية صحة صلاة
стр. 110
الصف الطويل-: وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف، فأما مع الاستواء فلا تمكن المحاذاة، وإنما طريقه الظن، وإذا لم يتعين المخطئ فلا يجب على أحد القضاء. قلت: وقول ابن الصباغ: وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف، مؤذن بأن محل الكلام إذا كان بمكة، وإلا فلا معنى للتقوس. انتهى.
وهذا الذي ذكره من أنه لا معنى للتقوس عجيب جدًا، وكلام ابن الصباغ على عمومه، فإن الصف الطويل الخارج عن مكة متى لم يتقوس، وإلا خرج بعضه عن المحاذاة قطعًا كما في مكة.
قوله: وقد قال الأصحاب: إنه إذا كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل خلقي كالجبال والتلال جاز له الاجتهاد عند فقد المخبر- كما سنذكره- وإن كان الحائل طارئًا كالبناء فهل يلزمه طلب اليقين، أو يجوز له الاجتهاد كما لو كان الحائل خلقيًا؟ فيه وجهان، قال في ((المهذب)) و ((التتمة)): إن ظاهر المذهب منهما: الثاني. وهو المختار في ((التهذيب)) و ((المرشد))، وقال القاضي أبو الطيب: إنه أشبه بالصواب. وقال الغزالي: إنه بعيد. انتهى كلامه.
وما حكاه عن القاضي أبي الطيب من جواز الاجتهاد لمن هو بمكة- سواء كان الحائل خلقيًا أو حادثًا- قد نقل عنه بعد ذلك بدون صفحة عكسه، فقال: وقال أبو الطيب: إن من كان بمكة ففرضه طلب اليقين، سواء كان الحائل أصليًا أو طارئًا، ومن كان خارجًا عنها: فإن كان مكيًا ففرضه- أيضًا- طلب اليقين كيف كان الحائل، وإن كان غريبًا: فإن كان الحائل أصليًا ففرضه الاجتهاد، وإن كان حادثًا ففيه الوجهان. هذه عبارته، وهو كما ذكرناه، أعني على عكس المتقدم، وقد راجعت كلام القاضي فوجدته موهمًا.
قوله: ولو انهدم البيت- والعياذ بالله تعالى- ولم يبق من جدرانه شيء شاخص، فالواجب: أن يستقبل جميع العرصة، فلو وقف بوسط العرصة واستقبل باقيها لم يصح، وعن ابن سريج أنه يصح، وهو خلاف النص، قال الإمام: ولا شك أن تخريج ابن سريج يجري فيما لو صلى على ظهر الكعبة. وهذا منه دال على أن ابن سريج إنما نص على الجواز في العرصة، وكذا حكاه بعضهم، وصرح في ((التهذيب)) عنه بنفي الجواز على ظهر الكعبة، والفرق لائح، إذ لا شيء عند انهدامها يستقبل غير العرصة، فقام بعضها مقام كلها، كما قام بعض بناء البيت مقام كله، ومع بقائها لا يستقبل عرصتها، فلذلك امتنعت الصلاة على ظهرها من غير شاخص. انتهى كلامه.
следующие страницы →