← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14324

الهداية إلى أوهام الكفاية

الإسنوي

Полный текст (594 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

سائلة- لا يلتحق بدم البراغيث، وهي تلتحق به بلا شك، وكذا ونيم الذباب وبول الخفاش. انتهى. وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف في ونيم الذباب- وهو روثه- ليس كذلك، ففيه وجه: أنه لا يلتحق بدم البراغيث، حكاه النووي في ((التحقيق)) وغيره. قوله: الثالث: ما أفهمه كلام الشيخ أنه لا يلتحق بدم الاستحاضة دم القروح السيالة التي يدوم مثلها وتنزف الدماء، والتي لا تدوم. وفي الثاني خلاف حكاه الرافعي في أنه هل يلتحق بدم البراغيث فيعفى عن القليل منه، وفي الكثير وجهان، أو يلتحق بدم الأجنبي [كذا] فلا يعفى عنه مع الكثرة ومع القلة؟ وجهان. انتهى كلامه. وتعبيره بقوله: وفي الثاني خلاف، ظاهر في أن الرافعي لم يحكه في الأول، وهو الذي يدوم، وليس كذلك، وقد حكى الرافعي فيه وجهين أحدهما- وهو ما نقله عن قضية كلام الأكثرين، وصححه النووي-: أنه كالبثرات، والثاني: أنه كدم الاستحاضة، قال: وهو الأولى. قوله: ولا خلاف في العفو عن قليل دم البراغيث إلا إذا حصل ذلك بفعله، كما إذا قتل قملة أو برغوثًا ونحو ذلك، في ثوبه أو بدنه- ففي العفو عنه وجهان مشبهان بما إذا فتح الصائم فاه قصدًا غبار الطريق. ثم قال: ومثلهما جارٍ فيما لو صلى على ثوب فيه دم براغيث، أو لبس ثوبًا فيه دم براغيث. انتهى. وتعبيره بقوله: أو لبس، غير صحيح، فإن الثوب المعفو عنه الذي ذكره هو وغيره هو الثوب الملبوس بلا نزاع، وإنما صوابه أن يقول: أو حمل في كمه، فإن المتولي قد نقل المسألة هكذا، ونقلها عنه في ((شرح المهذب)) - أيضًا-: لأن البسط والحمل مستغنى عنه، ولهذا صحح النووي في ((التحقيق)) عدم العفو في المسألتين جميعًا. قوله: وقضية إطلاق الشيخ العفو عن القليل من دم الكلب والخنزير، وبعض المتأخرين استثناه وقال: إنه نص على استثنائه الأئمة، لما خص به من التغليظ. انتهى كلامه. وهو يشعر بأنه لم يقف على نقل في ذلك، والاستثناء المذكور قد رأيته مجزومًا به في كتاب ((المقصود)) للشيخ نصر المقدسي، وفي ((البيان)) للعمراني، ونقله النووي في ((شرح المهذب)) عن ((البيان))، وذكر مثله في ((التحقيق)) وقال: إنه لم ير لغير العمراني تصريحًا بموافقته ولا مخالفته.

стр. 107

قوله: الثالث: أن ((سلس البول)) و ((دم الاستحاضة))، معطوف على ((اليسير من سائر الدماء))، لأنه أقرب مذكور، وهو يفهم عدم العفو عما كثر من ذلك، وليس الأمر كما أفهمه كلامه في سلسل البول ودم الاستحاضة، بل العفو شامل للقليل منه والكثير، وحينئذ يتعين أن يكون معطوفًا على قوله: ((دم البراغيث)). انتهى كلامه. وما ذكره من كونه معطوفًا على ((اليسير)) ... إلى آخره، يقتضي عكس ما يحاوله من إفهام العفو عن القليل دون الكثير في سلسل البول والاستحاضة، ويصير دالًا على العفو مطلقًا- كما هو الصواب- ويظهر ذلك بما إذا قدرته في موضع ((اليسير))، لأن هذا هو شأن المعطوف، بل الصواب- على هذا التقدير الذي يريده- أن يقول: إنه معطوف على ((سائر)). وهو الذي ذكره النووي في ((لغات التنبيه)) جازمًا به فقال: ((وسلس البول)) و ((الاستحاضة)) مجروران عطفًا على ((سائر)). هذا كلامه، وهو غلط، لأن الحكم بخلافه، فيتعين عطفه على ((دم البراغيث))، لاسيما أنه واضح فصيح. قوله: قال الإمام: لأنه صح أنه- ﵊ نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريقة وبطن الوادي، والحمام، وظهر الكعبة، وأعطان الإبل. وقد أخرج هذا الخبر بمعناه الترمذي، ولكن في بعض رجاله مقال. انتهى. اعلم أن هذا الخبر المذكور قد اشتمل على ((بطن الوادي))، مع أنه لم يقع في رواية الترمذي، بل ولا يعرف عن غيره- أيضًا- والذي ذكره هو وغيره عوضًا عنه: ((المقبرة)). قوله: وإن اشتبه عليه ثوب طاهر وثوب نجس اجتهد، وصلى فيما غلب على ظنه طهارته، ولا يجب عليه عندنا إعادة الاجتهاد لصلاة أخرى، وقال القاضي الحسين والمتولي: إنه يجب عليه أن يعيد الاجتهاد ثانيًا، وهو الذي صححه الرافعي والنووي. انتهى. وهذا الكلام الذي نقله عن الرافعي والنووي غلط: أما الرافعي فلم يذكر المسألة في كتبه بالكلية، وأما النووي فذكرها في ((شرح المهذب)) و ((التحقيق))، وصحح عدم وجوب الإعادة، وعبر بـ ((الأصح))، ولم يذكر في غير ذلك ما يخالفه. قوله: اعلم أن المصنف قد ذكر في هذا الباب ألفاظًا: منها: في حديث البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ ركع في قبل البيت ركعتين، وقال: ((هذه القبلة)). انتهى.

стр. 108

قبل بضم القاف والباء، ويجوز إسكان الباء، واختلفوا في معناه: فقيل: مقابلها، وقيل: ما استقبلك منها، أي: بوجهها، ويؤيده رواية ابن عمر في ((الصحيحين)) في هذا الحديث: ((فصلى ركعتين في وجه الكعبة)). ومنها: الكنيسة- بفتح الكاف وكسر النون المخففة وبالسين المهملة- هي الأعواد المرتفعة على المحمل، المعدة لأن يوضع عليها السترة التي تستر الراكب وتقي من الحر والبرد، يقال: كنس الظبي يكنس- كضرب يضرب- إذا دخل في كناسه، وهو موضعه من الشجر. ومنها: الصبي العرم: هو بعين مهملة مفتوحة وراء مكسورة، قال الجوهري: صبي عارم، أي: شرس الخلق، يعني سيء الأخلاق كثير الخلاف، ومراد الفقهاء: من لا تركن النفس إلى إخباره. ومنها: عتبة بن غزوان الصحابي باني البصرة، فأما ((عتبة)) فبعين مهملة مضمومة بعدها تاء مثناة ساكنة، وأما ((غزوان)) فبغين معجمة مفتوحة وزاي معجمة ساكنة. قوله: وقد اقتضى كلام الشيخ وجوب الاستقبال في أمور، منها: صلاة الجنازة في الحضر والسفر، لأنها فرض كفاية، وعليه نص في ((الأم))، ومنه يؤخذ أنه لا يجوز فعلها على الراحلة، إذ لو جاز لم يشترط فيها الاستقبال، وهو الصحيح، والغزالي وجهه بأن معظم أركانها القيام، ومقتضاه: أنه لو تمكن من القيام عليها أنه يجوز، وقد قال الإمام: الظاهر أنه يجوز، وإن قال في الفريضة: إنه لا يجوز مطلقًا. انتهى. واعلم أن المعروف في حكاية النص المذكور في الجنازة إنما هو في منع فعلها على الراحلة، كذا حكاه الرافعي وغيره في كتاب التيمم، وحكاه المصنف- أيضًا- هنالك كذلك، ثم علله الرافعي وغيره بما ذكره من كون معظم أركانها هو القيام، ثم استنبطوا من ذلك جواز فعلها عليها قائمًا إذا تمكن منه، وقياسه: تجويز المشي- أيضًا- إلى القبلة وإلى غير القبلة، وأما الذي ذكره من كون النص في الاستقبال حتى يلزم امتناع فعلها على الراحلة فعلى العكس، ويقتضى- أيضًا منع الأداء قائمًا، وليس كذلك. واعلم أنه قد وقع هنا في ((شرح المهذب)) تصحيح امتناع المشي، وفي ثبوت ما قاله نظر، والغالب أنه وهم، ويدل عليه أنه لما صححه قال: كما تقدم في التيمم. وليس له ذكر هناك. قوله: والمحكى عن نصه في ((الأم)): أنه لا يجوز فعل المنذورة على الراحلة

стр. 109

والأصحاب قالوا: هو جواب على أن النذر كواجب الشرع كما هو الصحيح، أما إذا قلنا: إنه كجائزه، فيجوز على الراحلة كما في النفل. ثم قال: وفي ((الرافعي)) حكاية وجه آخر: أنه إن أوجبها بالأرض لا يصليها على الراحلة، وإن أوجبها وهو راكب أجزأه فعلها على الدابة. انتهى. وحكاية هذا الوجه غلط، وعزوه إلى الرافعي غلط- أيضًا- فإن الرافعي إنما نقله عن الكرخي من أصحاب أبي حنيفة، ولهذا قال: ولك أن تعلم المسألة بالحاء. فتوهم المصنف أنه الكرخي الشافعي، ذاهلًا عما قاله الرافعي بعده، فأثبته وجهًا. قوله: ومنها- أي: ومن الصلوات التي دل كلام الشيخ على أنه لا يجوز فعلها على الراحلة-: ركعتا الطواف، وذلك ظاهر إذا قلنا: إنهما فرض، أما إذا قلنا: إنهما: سنة، فقد قال الرافعي والمتولي والفوراني: إنه يجوز فعلهما على الراحلة. والذي رأيته لغيرهم: أنه لا يجوز- أيضًا- لفقد السير حال الإتيان بهما مع كونه في البلد، والأصحاب متفقون على أنه لا يجوز للمسافر وهو في البلد أن ينتقل على الدابة في حال سكونه. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن الذي ذكره في تقرير المنع من فقدان السير عجيب جدًا، فإن ركعتي الطواف لا يشترط فعلهما في مكة، بل يجوز فعلهما فيما شاء من الأمكنة أو الأزمنة، كما صرح به هو وغيره في كتاب الحج، فقول من قال: إنه لا يجوز وهو في البلد، صحيح، وذلك لفقدان السير، وقول الرافعي وغيره: إنه يجوز إذا كان مسافرًا، صحيح- أيضًا- فتخيله أن ذلك اختلاف، عجيب جدًا، وقد جزم في ((شرح المهذب)) بالجواز على القول بالنفلية مع اطلاعه وتتبعه للخلاف. الأمر الثاني: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في حال السكون عجيب- أيضًا- فقد ذكر هو قبل ذلك بدون الورقة ما يخالفه فقال: أما إذا لم يكن المقيم سائرًا فقد افهم كلام بعضهم أنه لا يجوز بلا خلاف على مذهب الإصطخري، وكلام الإمام كالصريح في أنه لا يشترط على هذا المذهب أن يكون سائرًا، كما لا يشترط ذلك في المسح على الخف يومًا وليلة في الحضر، وإن كان الترخص بالمسح شرع، إعانة للسائر على مقاصده. قوله: قال بعضهم: إنما صحت صلاة الصف الطويل، لأنه لم يتعين الخارج منه عن السمت. وإلى هذا يميل كلام ابن الصباغ، لأنه قال- بعد حكاية صحة صلاة

стр. 110

الصف الطويل-: وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف، فأما مع الاستواء فلا تمكن المحاذاة، وإنما طريقه الظن، وإذا لم يتعين المخطئ فلا يجب على أحد القضاء. قلت: وقول ابن الصباغ: وهذا لعمري يكون مع تقوس الصف، مؤذن بأن محل الكلام إذا كان بمكة، وإلا فلا معنى للتقوس. انتهى. وهذا الذي ذكره من أنه لا معنى للتقوس عجيب جدًا، وكلام ابن الصباغ على عمومه، فإن الصف الطويل الخارج عن مكة متى لم يتقوس، وإلا خرج بعضه عن المحاذاة قطعًا كما في مكة. قوله: وقد قال الأصحاب: إنه إذا كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل خلقي كالجبال والتلال جاز له الاجتهاد عند فقد المخبر- كما سنذكره- وإن كان الحائل طارئًا كالبناء فهل يلزمه طلب اليقين، أو يجوز له الاجتهاد كما لو كان الحائل خلقيًا؟ فيه وجهان، قال في ((المهذب)) و ((التتمة)): إن ظاهر المذهب منهما: الثاني. وهو المختار في ((التهذيب)) و ((المرشد))، وقال القاضي أبو الطيب: إنه أشبه بالصواب. وقال الغزالي: إنه بعيد. انتهى كلامه. وما حكاه عن القاضي أبي الطيب من جواز الاجتهاد لمن هو بمكة- سواء كان الحائل خلقيًا أو حادثًا- قد نقل عنه بعد ذلك بدون صفحة عكسه، فقال: وقال أبو الطيب: إن من كان بمكة ففرضه طلب اليقين، سواء كان الحائل أصليًا أو طارئًا، ومن كان خارجًا عنها: فإن كان مكيًا ففرضه- أيضًا- طلب اليقين كيف كان الحائل، وإن كان غريبًا: فإن كان الحائل أصليًا ففرضه الاجتهاد، وإن كان حادثًا ففيه الوجهان. هذه عبارته، وهو كما ذكرناه، أعني على عكس المتقدم، وقد راجعت كلام القاضي فوجدته موهمًا. قوله: ولو انهدم البيت- والعياذ بالله تعالى- ولم يبق من جدرانه شيء شاخص، فالواجب: أن يستقبل جميع العرصة، فلو وقف بوسط العرصة واستقبل باقيها لم يصح، وعن ابن سريج أنه يصح، وهو خلاف النص، قال الإمام: ولا شك أن تخريج ابن سريج يجري فيما لو صلى على ظهر الكعبة. وهذا منه دال على أن ابن سريج إنما نص على الجواز في العرصة، وكذا حكاه بعضهم، وصرح في ((التهذيب)) عنه بنفي الجواز على ظهر الكعبة، والفرق لائح، إذ لا شيء عند انهدامها يستقبل غير العرصة، فقام بعضها مقام كلها، كما قام بعض بناء البيت مقام كله، ومع بقائها لا يستقبل عرصتها، فلذلك امتنعت الصلاة على ظهرها من غير شاخص. انتهى كلامه.

стр. 111

وهذا النقل المذكور عن ((التهذيب)) غلط، ففي التهذيب عن ابن سريج: أنه يجوز، فقال ما نصه: ولو صلى على ظهر الكعبة لا يجوز، إلا أن يكون بين يديه شيء من بناء الكعبة مثل مؤخرة الرحل، وقال ابن سريج: يجوز وإن لم يكن بين يديه شيء من بناء البيت إذا وقف بحيث يمكنه السجود، وبه قال أبو حنيفة: كما لو صلى على أبي قبيس. هذا كلام البغوي، وهو صريح فيما قلناه، وقد نقله النووي في ((شرح المهذب)) على الصواب. نعم، وقع في بعض نسخ ((الرافعي)) ذلك، فقال: وصرح في ((التهذيب)) بنفي الجواز عنه. هذه عبارته، فتبعه عليها المصنف، فغلط، وفي بعضها: بنقل الجواز، وهذه هي الصواب، ولم يصرح البغوي بخلاف ابن سريج في الواقف في العرصة، فاعلمه، فإن النووي قد غلط في ((شرح المهذب)). قوله: واعلم أنا حيث جوزنا الصلاة في الكعبة فصلاة النفل فيها أفضل منها خارجها، وكذا الفرض إن لم يرج جماعة، فإن رجاها فخارجها أفضل، قاله في ((الروضة))، وفيه نظر، لأن من قاعدة الشافعي: أنه إذا دار الأمر بين إدراك فضيلة وبين بطلان العبادة على اعتقاد غيره كان ترك الفضيلة إذا حصلت العبادة مجمعًا عليها أولى، دليله مما ستعرفه في القصر ونحوه. انتهى كلامه. وهذا السؤال قد ذكره النووي لما ذكر هذا الحكم، وأجاب عنه فقال في ((شرح المهذب)): فالجواب: أنه إنما يستحب الخروج من خلاف محترم، وهو الخلاف في مسألة اجتهادية، أما إذا كان الخلاف مخالفًا لسنة صحيحة كما في هذه المسألة فلا حرمة له، ولا يستحب الخروج منه، لأن صاحبه لم تبلغه هذه السنة، وإن بلغته فهو محجوج بها. هذه عبارته. قوله: والغزالي مال إلى أنه لا يشترط فيمن يقلده العدالة، لأنه قال: قلد مكلفًا مسلمًا عارفًا بأدلة القبلة، وهو ما ادعى في ((التتمة)) أنه المذهب. وقول الغزالي: قلد مكلفًا مسلمًا، يدل على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة عنده، وفيه ما تقدم. انتهى كلامه. وما ذكره عن دلالة كلام الغزالي غلط، فإنه يدل على أنهم مخاطبون، لا على عكسه، فتأمله. قوله: وإن تقين الخطأ لزمه الإعادة في أصح القولين، لأن ما لا يسقط بالنسيان من شرائط الصلاة لا يسقط بالخطأ كالطهارة. ثم قال: والفرق بينه وبين الطهارة من الحدث والخبث: أنها أغلظ، بدليل أنه لو

стр. 112

توضأ بالإناءين، أو صلى في الثوبين اللذين وقع الاشتباه فيهما صلاتين باجتهادين- وجب عليه إعادتهما، ولو صلى إلى جهتين باجتهادين لم تجب الإعادة. انتهى كلامه. وما ذكره في الفرق من وجوب إعادتهما غلط، لأنه إذا اجتهد ثانيًا، وأداه اجتهاده إلى عكس ما أداه إليه الأول- فالمنصوص: أنه لا يستعمله بالكلية، بل يتيمم، ويجب قضاء الثانية خاصة، وقيل: لا يقضيها، وابن سريج قال: إنه يستعمله ويورده موارد الأول، ولا يعيد واحدة من الصلاتين. قوله: ثم ظاهر كلام الشيخ أن المراد بيقين الخطأ خطأ العين إذا قلنا: إنها الفرض، أو خطأ الجهة إذا قلنا: إنها الفرض، وكلام الماوردي مصرح بأن محل الخلاف إذا أخطأ من جهة إلى جهة، أما إذا أخطأ من العين إلى الجهة فلا يضره ذلك، وحكاه عند حكايته للقولين في أن الفرض العين أو الجهة عن نصه في ((الأم)). ولو ظهر له أنه انحرف عن الجهة يمينًا أو شمالًا والجهة واحدة بعد الفراغ من الصلاة فلا يضره ذلك، قاله في ((المهذب)) وغيره. انتهى كلامه. وما نقله عن الماوري من خطأ العين إلى الجهة هو الخطأ في التيامن والتياسر بعينه، إذ العين لابد أن تكون في جهة، فالجهة في كلام الماوردي: إن كان المراد بها جهة أخرى خلاف الجهة التي فيها الكعبة فهو الخطأ من جهة إلى جهة، وهو المذكور قبله، وقد جعله مغايرًا له. وإن كان المراد جهة الكعبة فهو التيامن والتياسر المذكور بعده، وقد جعله مغايرًا له- أيضًا- فثبت بطلان ما توهمه على كل تقدير، والمراد: الثاني، كما أشرنا إليه.

стр. 113

باب صفة الصلاة قوله: ومحل النية القلب. قيل: ولأجل ذلك سميت نية، لأنها تفعل بأنأي عضو في الجسد وهو القلب. انتهى. وهذا للفظ لم أقف على ضبطه. قوله: قال أبو إسحاق المروزي: إنه لابد من وصف الصلاة بكونها فرضًا، لتتميز عن صلاة الصبي والصلاة المعادة في جماعة، وقد حكاه الإمام عن صاحب ((التخليص)) - أيضًا- وقال الرافعي: إنه الأظهر عند الأكثرين. قال الرافعي عند الكلام على نية الوضوء: وهو يجري في سائر العبادات المفروضة. والبندنيجي والماوردي وغيرهما قالوا: إنه لا يجري في الحج والعمرة والطهارة، لأنه لو غير ذلك إلى نفل لانعقد بالفرض دون النفل، قال بعضهم: ووجه أبي إسحاق يجري في صلاة الجنازة والمنذورة إن قلنا: يسلك به مسلك الواجب. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما نقله عن الإمام من كونه نسب هذا الوجه إلى صاحب ((التلخيص)) سهو، فإن الإمام لم يذكر ذلك، ولا ذكره- أيضًا- صاحب ((التلخيص)) لا في ((التلخيص)) ولا في ((المفتاح)). الأمر الثاني: أن كلام المصنف صريح أو كالصريح في أن الرافعي أجرى الوجه المذكور في الطهارة، ولهذا استثناها من كلامه كما استثنى الحج والعمرة، وهو غلط، فإن الرافعي صرح بعكسه، فقال: والأولى ألا نجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات، بل نعتبرها للتمييز، ولو كان الاعتبار على وجه القربة لما جاز الاقتصار على أداء الوضوء وحذف الفريضة، لأن الصحيح أنه يشترط التعرض للفرضية في الصلاة وسائر العبادات، وقد نصوا على أنه لو نوى أداء الوضوء كفاه، بل كان يلزم أن يجب التعرض للفريضة وإن نوى رفع الحدث أو الاستباحة. هذا لفظ الرافعي.

стр. 114

الأمر الثالث: أن ما نقله عن بعضهم من جريانه في صلاة الجنازة، واقتضى كلامه استغرابه- هو المجزوم به في ((الرافعي)) في موضعه. قوله: وقد اعترض الرافعي على اشتراط الفرضية فقال: إن عنى بالفريضة في هذا المقام كونها لازمة على المصلي بعينه وجب ألا ينوي الصبي الفريضة بلا خلاف، والأئمة لم يفرقوا بين الصبي والبالغ، بل أطلقوا الوجهين. وإن عنى بها كون الصلاة من الصلوات اللازمة على أهل الكمال: فمن نوى الظهر أو العصر فقد تعرض لإحدى الصلوات اللازمة على أهل الكمال، وكونها ظهرًا أخص من كونها صلاة لازمة عليهم، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم. وإن عنى بها شيئًا آخر فليلخصه أولًا، ثم يبحث عن لزومه. قال: وبهذا كان التعرض للصلاة مغنيًا عن التعرض للفريضة ونحوها من الأوصاف. انتهى كلامه. وما نقله عن الرافعي في آخر كلامه غلط، فإن الرافعي عبر بقوله: ولهذا كان التعرض للصلاة مغنيًا عن التعرض للعبادة. هذه عبارته، وهو استدلال على أن الأخص يغني عن الأعم، فتوهم المصنف أن المراد استنتاج عدم اشتراط الفريضة، فأتى بها عوضًا عن العبادة، وعبر بقوله: وبهذا أغني، بالباء عوضًا عن اللام، وذهل عن تعبيره هو: بالصلاة، فإن الصلاة لا تغني عن الفريضة قطعًا. قوله: وبعضهم ينسب إلى الشيخ أبي حامد وجوب التعرض للقضاء، ويسكت عن التعرض للأداء، وقد حكاه البندنيجي هكذا عن نص الشافعي في ((الأم))، ولم يحك غيره. انتهى. وما نقله عن البندنيجي من أن الشافعي نص عليه ليس كذلك، فقد راجعت كلام البندنيجي من النسخة التي كان المصنف ينقل منها، فلم أر فيه نسبة ذلك إلى الشافعي، بل لم ينقل عن الشافعي في هذه المسألة شيئًا بالكلية. نعم، ذكر ما نسبه المصنف إلى الشيخ أبي حامد من وجوب نية القضاء، وسكت عن الأداء، وكلامه يقتضي عدم وجوب نيته، ونص الشافعي في ((الأم)) يدل على الاكتفاء بتعيين المكتوبة، وقد قنله عنه في ((المطلب)). قوله: لأن فعل النفل المطلق قبل الصبح وقبل صلاة الفجر لا يجوز على وجه، وبعد صلاة الصبح لا يجوز بلا خلاف. انتهى. وما ادعاه من عدم الخلاف غريب، فإن الكراهة حيث تثبت في الأوقات المكروهة هل هي للتحريم أو للتنزيه؟ على وجهين مشهورين.

стр. 115

قوله: وقيل يجزئ: الأكبر الله، لأنه ينطلق عليه اسم التكبير، والذي اختاره القاضي أبو حامد وأبو علي الطبري والماوردي والإمام: أنه لا يجزئ، وقال البندنيجي: إنه المذهب. ولم يحك القاضي الحسين غيره، لأن فيه تغيير ما ورد به الشرع من الترتيب، وقال في ((الشامل)): إن الشيخ أبا علي علله بأنه قدم النعت على المنعوت وهو لا يجوز، وأن بعض الأصحاب رد عليه ذلك وقال: هو جائز، كقوله: الخالق الله. قال بعضهم: والتعليل والرد كلاهما فاسد، فإن ((الأكبر الله)) ليس بنعت ولا منعوت، وإنما هو مبتدأ وخبر، ولأن اسم ((الله)) معرفة و ((الأكبر)) نكرة، ولا تنعت معرفة بنكرة. ثم قال: وهذا الخلاف هل يجري في ((الله أكبر))؟ فيه طريقان ... إلى آخره. واعلم أن تعبيره بالشيخ أبي علي فيما نقله عن ((الشامل)) غلط، فإن المراد بهذا اللفظ إنما هو السنجي، وليس له ذكر هنا، وإنما المذكور هنا أبو علي الطبري، ولهذا عبر في ((الشامل)) بقوله: وقال أبو علي في ((الإفصاح)). وهذا أقدم من الأول، وقد رأيت ما نقل عنه في تصنيفه المذكور، فتوهم المنصف أنهما واحد فصرح به، وتعبيره- أيضًا- في تتمة ما نقله في ((الشامل)) عن ((الإفصاح)) بقوله: وهو لا يجوز، ليس كذلك- أيضًا- بل إنما عبر بقوله: وذلك بعيد في العربية. هذه عبارته في ((الإفصاح))، ومنه نقلت. نعم، عبر في ((الشامل)) في النقل عنه بقوله: فلا يقدم، فتصرف فيه، وعبر بما نقلته عنه. وما ذكره- أيضًا- من أن ((الأكبر)) نكرة ... إلى آخره غلط فاحش، وكأن هذا القائل ذكره في ((أكبر)) العاري عن لام التعريف، فالتبس على المصنف، وكلام المصنف في هذا كله عجيب ساقط سببه الكلام فيما لا يحسنه، أو نقله عمن هو بهذه الصفة. قوله: ولا خلاف في أنه إذا قال: الله هو أكبر، أو: الله أكبار- أنه لا تنعقد صلاته، لأن ((أكبار)) جمع ((كبر)) وهو الطبل. وهل يستحب أن يمد التكبير، أو يجذمه وهو قطع التطويل؟ فيه وجهان في ((التتمة)). انتهى. المراد باللفظ الأول: أن يأتي بهاء واحدة، ويمدها حتى تصير بمنزلة الضمير المنفصل. والكبر- بكاف وباء موحدة، مفتوحتين- قال ابن الأثير: هو الطبل ذو الرأسين، وقيل: هو الذي له وجه واحد. والجذم- بجيم وذال معجمة- هو القطع.

стр. 116

قوله- نقلًا عن الشيخ أبي حامد-: ويرفع يديه مع التكبير حذو منكبيه، فإذا انقضى التكبير حط يديه، لأن الرفع كان لأجله وقد زال. ثم قال: وما ذكره الشيخ هو المحكي في ((تعليق)) البندنيجي عن نصه في ((الأم)). وقيل: ينبغي أن يفرغ من رفع يديه مع فراغ التكبير، كما بدأ برفعهما معه، لأ الرفع لأجل التكبير، وهذا ما حكاه في ((المهذب))، وقال: إن سبق بيديه أثبتهما مرفوعتين حتى يفرغ من التكبير، نص عليه في ((الأم))، وعن أبي إسحاق وأبي علي: أنه يكون انتهاء الرفع مع انتهاء التكبير، وهو خلاف النص. انتهى كلامه. وحاصل هذا الكلام اشتماله على ثلاثة أوجه في زعم المصنف، وأن ما قاله الشيخ في ((التنبيه)) ونص عليه الشافعي مغاير للوجهين الأخيرين، وهو سهو، فإن الثاني هو عين الثالث، وهو واضح لا يحتاج إلى تأمل. ولنا وجه: أنه يستحب انتهاء التكبير مع انتهاء الإرسال، فراجعت لأجل ذلك كتاب ((الإفصاح)) لأبي على الطبري و ((المهذب)) للشيخ، وكلام أبي إسحاق، لاحتمال أن يكون المصنف قد أراد هذا الوجه ولكن حصل له غلط في التعبير، فرأيت- أيضًا- مقالة الجميع متحدة على وفق ما نقله المصنف عنهم. ثم إن كلام الشيخ في ((التنبيه)) لا ينافي ما ذكره في ((المهذب)) حتى يعده وجهًا آخر، بل الظاهر أنه هو، لاسيما أن دعوى اتفاق كلامه أولى من اختلافه، فآل الأمر إلى أن ما زعمه من أن المذكور ثلاثة أوجه في الحقيقة وجه واحد، فسبحان من لا يسهو! تنبيه: ذكر المصنف هنا ألفاظًا: منها: قبيصة بن هلب، فأما قبيصة: فبقاف مفتوحة ثم باء موحدة مكسورة بعدها ياء ثم صاد مهملة. وهلب: بهاء مضمومة ولام ساكنة ثم باء موحدة. ومنها: أن أبا طالب العشاري روى في ((الأفراد)) عن بعض الصحابة ... إلى آخره. العشاري: بعين مهملة مضمومة ثم شين معجمة. ومنها: الرسع: براء مضمومة ثم سين مهملة ساكنة وغين معجمة، وهو ما رق من المنكب واتصل بالذراع، ويقال فيه: الرصغ، بالصاد، قاله الجوهري. قوله: وفي ((التتمة)) حكاية طريقة أخرى: أن كل سورة آخر آيها بالياء والترادف مثل البقرة غيرها فالبسملة منها آية كاملة، وكل سورة آخر آيها على نمط آخر مثل سورة ((اقتربت)) فالبسملة منها بعض آية، اعتبارًا لآخر الآيات. انتهى. والصواب المذكور في ((التتمة)) هو لفظ ((الرديف))، فتحرف على المصنف،

стр. 117

والرديف الواقع بعد الياء قد يكون نونا كما في آخر البقرة، وقد يكون طاء كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤]. قوله: وقد رأى النبي ﷺ رجلًا يسرع في القراءة، فقال: ((هذا كهذ الشعر؟!)) أو قال: ((كهذا الأعراب)). انتهى. والهذ- بهاء مفتوحة وذال معجمة مشددة: شدة العجلة. قوله: والمذهب الأول، يعني أن القراءة اليسيرة والذكر اليسير يقطعان الولاء إذا كان أجنبيين. ثم قال: فإن قيل: نص الشافعي على أن تخلل الكلام اليسير بين الإيجاب والقبول في العقود لا يؤثر في قطع الولاء، فإنه قد نص على أنه إذا خالع زوجتيه، ثم ارتدتا، ثم قبلتا وعادتا إلى الإسلام- صح الخلع، فما الفرق؟! هذا لفظه. وما ادعاه من دلالة النص على ما قاله عجيب، فإن الردة لا تستلزم القول، بل تحصل- أيضًا- بالفعل كإلقاء المصحف في القاذورات وغير ذلك، وليس في عبارة الشافعي أنهما ارتدتا لفظًا، وحينئذ فلا يصح مدعاه. قوله: وكلام بعضهم يوهم أن في تكرار بعض الفاتحة عمدًا خلافًا في البطلان، وهذا لم أعثر عليه في شيء من كتب الأصحاب، بل الذي رأيته فيها عدم الإبطال وحكاية الخلاف في الإتيان بكلها، وقد تردد الشيخ أبو محمد في تكرار بعض الآية. انتهى ملخصًا. والذي أنكره لم يحك في ((البيان)) غيره فقال: إنه الذي يقتضيه القياس. ولم يزد عليه. وما نقله عن الشيخ أبي محمد- أيضًا- كاف في إثبات الخلاف، وقد عد الغزالي الحروف ركنًا من أركان الفاتحة، وهو يقتضي عد الآية من أركانها بطريق الأولى، ولنا خلاف مشهور في تكرار الركن القولي. قوله: وفي وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية قولان، أصحهما: نعم. ثم قال بعد ذلك: أما إذا كان مأمومًا في صلاة سرية فإنه يقرأ الفاتحة قولًا واحدًا. انتهى. وما ادعاه من نفي الخلاف ليس كذلك، فقد حكى الرافعي وجهًا: أنه لا يجب عليه. قوله: ويستحب أن يقرأ في العصر والعشاء من أوساط المفصل، ووجهه: أن

стр. 118

العصر هي الثانية من صلاتي جميع النهار، كما أن العشاء هي الثانية من صلاتي جميع الليل. انتهى كلامه. وما ذكره في العصر مخالف لمذهبنا، فإن مذهبنا أنها ثالثة، إذ النهار عندنا من الفجر. قوله: فإن قيل: هذا يعارضه ما روي عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بطوال الطويلتين؟ قال: قلت: ما طوال الطويلتين؟ قال الأعراف. أخرجه أبو داود والبخاري مختصرًا. انتهى كلامه. وتعبيره بقوله: طوال الطويلتين، غلط منه في الموضعين، وكيف يتصور أن يكون في السورتين الطويلتين سور طوال، بل صوابه- وهو المذكور في الحديث-: ((طولى)) على وزن ((فعلى)) بضم الأول، وهو ((أفعل)) تفضيل تأنيث ((الأطول)) من ((الطويلتين))، قال ابن أبي مليكة والطويلتان: الأعراف والمائدة. قوله: ولو قدر على من يلقنه الفاتحة في الصلاة، قال القاضي الحسين في ((فتاويه)): لا يجب عليه ذلك، وله أن ينتقل إلى البدل. انتهى كلامه. وحاصله: أن القاضي يقول: لا يجب على المصلي أن يتلقن، وليس كذلك، فإن الذي دلت عليه عبارة القاضي إنما هو عدم وجوب تلقين الحافظ للمصلي، فقال ما نصه: مسألة: إذا كان لا يحسن الفاتحة، فشرع في الصلاة، فجاء رجل، فجعل يلقنه الفاتحة حرفًا حرفًا، فصلى- صحت صلاته، ولكن لا يلزم ذلك، فلو صلى بالبدل يجوز. هذه عبارته، وعوده إلى الحافظ أسرع إلى الفهم وأقرب إلى مدلول اللفظ وإلى القياس، فكيف يتصور أن يقول قائل: لا تجب على المصلي القراءة إذا أجاب الحافظ إلى التلقين، مع أنه قادر على أداء الفرض بالفاتحة؟! وبالجملة فهو غير ما ذكره المصنف لو فرضنا صحة التزامه. قوله: وإذا كان يحسن آية ففيه قولان: أحدهما: يقرؤها، ثم يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدر الفاتحة. والثاني: يكرر ذلك سبعًا. واستدل ابن الصباغ للأول بما رواه أبو داود قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزئني في صلاتي، فقال: ((قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إليه إلا الله، والله أكبر))، قال: هذا لله، فما لي؟

стр. 119

قال: ((تقول: اللهم، اغفر لي، وارحمني، وارزقني، واهدني، وعافني))، قال: وفي هذا الذكر: ((الحمد لله))، ولا يتعذر عليه أن يقول: رب العالمين، ولم يأمره النبي ﷺ بتكريرها. قلت: وفي هذا الاستدلال نظر من وجهين، أحدهما: أن المأمور به في الخبر بعض آية، والنزاع إنما هو فيما إذا كان يحسن آية، وما دونها لا يجب عليه أن يأتي به، إذ لا إعجاز فيه. انتهى كلامه. وهذا الرد الذي ذكره ذهول عجيب وغفلة، فإن ابن الصباغ قد دفع هذا بقوله: ولا يتعذر عليه أن يقول: رب العالمين. يعني أن من كان يحفظ هذا الذكر إذا لقنه لا يتعذر عليه حفظ باقي الآية بالضرورة، وهو: رب العالمين. قوله: ثم اختلفوا، فقال البغوي: لا يشترط الترتيب بين البدل والأصل، وكيفما قرأ جاز. وقال القاضي الحسين والمتولي والأئمة- كما قال الإمام-: إنه إن كان يحسنها من الفاتحة وجب الترتيب، فإن كانت أول الفاتحة أتى بها، ثم بالذكر، وإن كانت من آخرها أتى بالذكر ثم بها، وإن كانت في وسطها أتى بالذكر أولًا عما قبلها ثم بها، ثم بالذكر عن الباقي. قلت: وعلى هذا لو كان يحسن الآية من غير الفاتحة ينبغي أن ينظر في عدد حروفها إذا قلنا باعتبار عدد الحروف، فإن وافقت آية من أول الفاتحة أو وسطها أو آخرها قدرناها بدلها، وأتى بالذكر بدلًا عما بقي، وإن لم تكن حروفها قدر حروف آية منها بل أقل فيظهر أن يتخير في تقديم الذكر وتأخيره، ويجوز أن يتعين تقديم الآية، لأنها أقرب إلى الأصل. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن البغوي من ذهابه إلى عدم وجوب الترتيب غلط، فإن البغوي حكاه وجهًا ضعيفًا، وصحح وجوب الترتيب فقال: وإن كان يحسن النصف الأول من الفاتحة فيقرؤه، ثم يأتي بالبدل عن النصف الثاني، وإن كان يحسن النصف الثاني فيأتي عن النصف الأول بالبدل، ثم يقرأ النصف الثاني مراعاة للترتيب، وقيل: لا يجب الترتيب بين البدل والأصل. هذه عبارته في ((التهذيب)). الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه بحثًا غير مستقيم، بل الصواب الجاري على القواعد أنه يتعين البداءة بقراءة الآية، لأنها أصل حقيقة بالنسبة إلى الذكر، والقاعدة: أن الأصل إذا لم يكف لا ينتقل إلى البدل إلا بعد إكمال ما قدر عليه من الأصل، بدليل القدرة على بعض الماء، وقدرة المضطر على لقمة من الحلال، فإنه لا

стр. 120

ينتقل إلى التراب والميتة إلا بعد استعمالهما. قوله: وإذا انتقل إلى الذكر فهل يتعين أن يقول: سبحان الله، والحمد لله ... إلى آخره؟ فيه وجهان، أرجحهما عند الرافعي وغيره: أنه لا يتعين. ثم قال ما نصه: وعلى هذا يشترط أن تكون حروف ما يأتي به من الذكر بقدر حروف الفاتحة، لأنه لا يمكن اعتبار قدر الآي إلا بذلك، وحكى الرافعي وجهًا: أنه لا يشترط وعلى هذا يأتي بسبعة أنوع من الذكر، ويقام كل نوع مقام آية، وهذا ما حكاه في ((التهذيب))، قال الرافعي: وهو أقرب تشبيهًا لمقاطع الأنواع مقام الآيات. انتهى كلامه. ومقتضاه: أن الرافعي رجح عدم اشتراط استيفاء الحروف، وأن الأنواع السبعة إنما تشترط إذا لم يشترط استيفاء الحروف، وليس كذلك، بل صحح الرافعي أنه لابد من استكمال حروف الفاتحة، ثم ذكر أن الأقرب اشتراط الأنواع السبعة مع ذلك- أيضًا- ويتضح ذلك كله بمراجعة كلام الرافعي. ثم إن تعبيره في آخر كلامه بقوله: مقام الآيات، غير مستقيم، بل عبر الرافعي بقوله: بغاية الآيات، فكأنها تحرفت عليه. قوله: وسلك الرافعي طريقًا آخر فقال: يشترط أن تكون حروف الأذكار معادلة بحروف الفاتحة، ويعد الحرف المشدد من الفاتحة بحرفين من الذكر، ولا يراعي في الذكر الترتيب، وهل يشترط أن تكون كلمات الذكر معادلة لعدد آيات الفاتحة؟ فيه وجهان. انتهى كلامه. وما حكاه عن الرافعي من الجزم باشتراط استكمال الحروف، وأن في الكلمات وجهين- غلط منه على الرافعي، وكذلك بقية الكلام- وهو الكلام المتعلق بالتشديدات- ليس له ذكر أيضًا في ((الرافعي)). قوله: وفي الحديث: ((التكبير جزم))، ثم قال: وقال الرافعي: لفظ ((الإنحناء)) إشارة إلى أنه لو انخنس، وأخرج ركبتيه وهو ماثل منتصب- لم يكن ذلك ركوعًا. انتهى. قال ابن الأثير في ((غريب الحديث)): أراد بالجزم: أنه لا يمد ولا يعرب آخره، بل يسكن. وأما الماثل فمعناه: الواقف، يقال: مثل بين يديه- بفتح المثلثة- مثولًا، فهو ماثل، ويقال- أيضًا-: مثل، إذا التصق بالأرض، وهو من الأضداد كما قاله الجوهري. قوله: ويكره التطبيق، وهو أن يطبق يديه ويجعلهما بين ركبتيه، لأنه نهى عن ذلك

стр. 121

بعد أن كان يفعل- رواه أبي- وأنه يضرب فاعله بالأكف على الركب. رواه البخاري. انتهى. واعلم أن هذا الحديث قد رواه البخاري ومسلم- أيضًا- عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: صليت إلى جنب أبي، فطبقت بين كفي، ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي، وقال: كنا نفعله فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب. وقوله في هذا الحديث: إلى جنب أبي، يعني: والدي، وهو سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص: مالك. وقد صرح في ((المهذب)) بذلك فقال: ولا يطبق، لما روي عن مصعب بن سعد ابن أبي وقاص قال: صليت إلى جنب سعد بن مالك، فجعلت يدي بين ركبتي وبين فخذي وطبقتهما، فضرب بيدي وقال: اضرب بيدك على ركبتيك، وقال: يا بني، إنا كنا نفعل هذا، فأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب. هذا كلام ((المهذب))، وإذا تأملت ما ذكرناه علمت أن المصنف توهم أن المراد بقوله: أبي، ليس هو: والدي، وأنه مضموم الأول، مصغر، وهو: أبي بن كعب، فصرح بما ذكره، وهو غلط. ثم إنه خلط- أيضًا- في كيفية رواية الضرب، والصواب ما تقدم. قوله: ورواية أبي حميد في وصف ركوعه: ((فيصهر ظهره غير مقنع رأسه ولا صافح بخده)). انتهى. يقال: صهر ظهره- بفتح الصاد المهملة وفتح الهاء المخففة- أي: ثناه وعطفه. وأقنع رأسه، أي: رفعه، ومنه قوله تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم:٤٣] وأما ((صافح)) فبصاد مهملة وبالفاء والحاء المهملة- أيضًا- ومعناه: أنه غير مبرز صفحة خده ولا مائل في أحد الشقين. قوله في الركوع: وقال القاضي الحسين والماوردي: ومن العلماء من قال: ينبغي أن يقول ذلك خمسًا، ليقوله المأموم ثلاثًا. وقد حكاه الروياني وجهًا لنا، ولم يذكر في ((الحلبة)) - كما قيل- غيره. انتهى كلامه. وهذا النقل عن الروياني ليس بصحيح، فإنه في ((البحر)) إنما حكى ذلك عن الثوري فقال: وحكى الطحاوي عن الثوري أنه قال: ينبغي أن يقول الإمام: سبحان ربي العظيم، خمسًا، حتى يدرك من خلفه ثلاثًا. هذا لفظه، وأما في ((الحلية)) فإنه لم يذكر أن ذلك مستحب، بل ذكر أن الإمام لا تستحب له الزيادة على الخمس فقال: ولا يزيد الإمام على خمس تسبيحات، للتخفيف على المأمومين. هذه عبارته. قوله: ويرفع رأسه قائلًا: سمع الله لمن حمده، وعن ابن كج: أنه يبتدئ بقوله: سمع

стр. 122

الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا انتهى أخذ في رفع الرأس واليدين، انتهى كلامه. وحاصل ما ذكره أن ابن كج يقول بأنه لا يأخذ في رفع الرأس واليدين إلا بعد فراغ ((سمع الله لمن حمده))، وهو غلط، فإن المصنف- ﵀ لم ينقله من كتاب ابن كج، ولهذا قال: وعن ابن كج. والرافعي- ﵀ قد وقف عليه، وهو من جملة المصنفات التي غالب نقل الرافعي منها، ولا نعلم وصول الكتاب إلى مصر، وقد عبر- أعني الرافعي- بقوله: لأن القاضي ابن كج ذكر أنه يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا ابتدأ به أخذ في رفع الرأس واليدين. هذه عبارته، ولا شك أن المصنف أخذه من الرافعي فتحرف عليه. قوله: وأدنى السجود: أن يباشر بجبهته المصلى، لما روى مسلم وغيره عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا. أي: لم يزل شكايتنا. انتهى كلامه. واعلم أن مسلمًا لم يتعرض لقوله: ((في جباهنا وأكفنا))، وإنما خرج أصل الحديث ولفظه عن خباب قال: أتينا رسول الله ﷺ فشكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: أفي الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجيلها؟ قال نعم. انتهى لفظ مسلم. نعم، روى هذه الزيادة البيهقي بإسناد حسن- كما قاله النووي في ((الخلاصة)) - قال والحديث المذكور منسوخ، لأمره ﷺ بالإبراد بالظهر. قوله: وهذا التصوير مؤذن بصحة ما قاله بعض الشارحين لهذا الكتاب: أنه لا خلاف في أنه لا يجزئه أن يضع جبهته على الأرض ويمد [يديه] ورجليه، لأنه لا يسمى سجودًا، فإن السجود في اللغة: التطامن، ومنه قولهم للبعير إذا تطامن ليركبه راكبه: قد سجد. انتهى كلامه. وهذه المسألة التي أشعر كلامه باستغرابها قد ذكرها الرافعي- ﵀ وجزم بها، واستدل بها لمسألة أخرى، وقال في ((شرح المهذب)): لا يجزئه بلا شك. وقد ذكر المسألة في ((التتمة)) - أيضًا- ثم قال: إلا أن يكون به علة لا يمكنه السجود إلا هكذا. قوله: وفي مباشرة المصلى بالكف قولان، أصحهما: أنه لا يجب، لأنه- ﵊ صلى في مسجد ابن عبد الأشهل وعليه كساء ملتحف به، يضع يديه عليه، يقيه برد الحصا. رواه ابن ماجه. انتهى. وتعبيره بقوله: ابن عبد الأشهل، تحريف، وصوابه: بنى، وهي قبيلة من الأنصار معروفة.

стр. 123

قوله: وفي ((أبي داود)): ((كان إذا سجد لو مرت بهمة لنفذت))، وفيه عن ابن عباس: ((رأيت بياض إبطه وهو مجخ)) أي: مخو. انتهى. البهمة- بباء موحدة مفتوحة ثم هاء ساكنة-: هي الأنثى من صغار المعز، وتقع في نسخ الكتاب: بهيمة- بزيادة الياء- وهو تحريف. والمجخي: بجيم ثم خاء مشددة. والمخوى- بالخاء المعجمة- من ((التخوية))، وهو رفع اليد عن الجنب والبطن عن الفخذ. قوله: فإن قال معه: اللهم، لك سجدت، وبك آمنت ... إلى آخره. اعلم أن الشيخ قد ذكر قبل قوله: فإن قال معه ... إلى آخره- ويقول: سبحان ربي الأعلى، ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال. وقد أسقطه المصنف، وأدى إسقاطه إياه إلى اعتقاد أن الشيخ لم يذكره، وإلى عدم ذكر ما يعود عليه الضمير المذكور في لفظ ((معه)). نعم، قد وقع التعرض لشيء من ذلك في الكلام على الركوع، لكنه لا يكون عذرًا في الإسقاط، للأمرين اللذين ذكرتهما، ولأنه لم يتعرض هناك لذكرها ثلاثًا، فهو سهو بلا شك. قوله: ويجلس بين السجدتين مفترشًا. ثم قال: وعن رواية أبي علي في ((الإفصاح)) حكاية قول آخر: أنه يجلس على صدور قدميه. وروى البويطي عن الشافعي: أنه يجلس على عقبيه، وتكون صدور قدميه على الأرض، لأن العبادلة- وهم عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير- كانوا يفعلون ذلك بين السجدتين، وهذا هو الإقعاء، والمشهور من مذهب الشافعي: أن الإقعاء فيها مكروه. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما ذكره هاهنا في تفسير العبادلة قد خالفه في باب الديات فقال: ودية المرأة على النصف من دية الرجل، روي عن العبادلة: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، ﵃. هذه عبارته، فأسقط منهم ((عبد الله بن الزبير)) وجعلهم ثلاثة، والذي ذكره في الجنايات قلد فيه الرافعي، والرافعي قلد الزمخشري في ((المفصل))، فإنه ذكره كذلك في أوائله في الكلام على ((علم الغلبة)). الأمر الثاني: أن إدخال ابن مسعود فيهم، خلاف المعروف، فإن المعروف عند العلماء أن العبادلة أربعة آباؤهم صحابيون، وهم: ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو ابن العاص.

стр. 124

قال النووي بعد تفسيره بهؤلاء الأربعة: إن ((صحاح)) الجوهري قد وقع فيها الإتيان بـ ((ابن مسعود))، عوضًا عن ((ابن [عمرو بن] العاص))، قال: وهو غلط نبهت عليه، لئلا يغتر به، كذا قاله في ((تهذيب الأسماء واللغات)) في ترجمة ابن الزبير، والذي قاله النووي غلط عجيب، فإن الجوهري قد ذكر ((ابن العاص)) ولم يذكر ((ابن مسعود)). نعم، على الجوهري انتقاد من وجه آخر، وهو أنه أخرج ((ابن الزبير)) منهم وجعلهم ثلاثة فقط، فقال في آخر الكلام على لفظ ((عبد)) ما نصه: والعبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص. هذا لفظه. قوله: ويقبض الخنصر والبنصر، ويرسل المسبحة، وفي الإبهام والوسطى ثلاثة أقوال: أشهرها: أنه يقبضهما- أيضًا- وعلى هذا فقيل: يضع الإبهام على وسطاه، وقيل: يضعهما بجنب الأصابع الثلاثة. كذا حكاه القاضي الحسين في ((تعليقه)). ثم قال: وقيل: إنه يقبضه كأنه عاد ثلاثة وخمسين في وجه، وفي وجه: كأنه عاد ثلاثة وعشرين، والأخيران هما المذكوران في غيره. والقول الثاني: يقبض الوسطى ويرسل الإبهام مع المسبحة، قاله في ((الإملاء))، وعلى هذا: هل يضع السبابة على الإبهام كأنه عاد تسعة وعشرين، أو يرسلهما غير متراكبين؟ فيه وجهان. والقول الثالث: أن يحلق الإبهام مع الوسطى، وعلى هذا: فيحلق برأسيهما، وقيل: يضع أنملة الوسطى بين عقدتى الإبهام. وقد خرج الترمذي أحاديث تدل لكل منها، وهي تدل على أنه- ﵊ كان يفعل كذا مرة وكذا أخرى، ولأجله قال بعض الأصحاب- كما قال الروياني في ((تلخيصه)) -: إنه يتخير فيها، وهو المذكور في ((الشامل)) وغيره، كما قاله الرافعي، ومفهوم كلام الأكثرين: أن الخلاف في الأفضل. انتهى ملخصًا. فيه أمران: أحدهما: أن ما اقتضاه كلامه من حصول أربعة أوجه، تفريعًا على القول الأول، ودعوى أن الوجهين الأخيرين هما المذكوران في غير ((تعليق)) القاضي الحسين- غريب جدًا، فإن المستفاد من جميع ما ذكره وجهان لا غير، والأخيران تفسير للأول، والرافعي ممن صرح بذلك- أيضًا- فقال: وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان:

стр. 125

أحدهما: أنه يضعها على إصبعه الوسطى كأنه عاقد ثلاثة وعشرين. وأظهرهما: أنه يضعها تحت المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين. هذه عبارته، وأما هذا الناقل عن القاضي الحسين فقد غلط فيه عليه، فإن عبارة القاضي: وماذا يفعل بالأصابع؟ فيه أقوال: أحدها: يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل السبابة. وماذا يفعل بالإبهام على هذا القول؟ وجهان: أحدهما: يضعها على وسطاه. والثاني: على بطن الكف بجنب الثالثة. وقيل: إنه يقبضها كأنه عاد ثلاثة وعشرين في وجه، وفي وجه: كأنه عاد ثلاثة وخمسين. والقول الثاني: يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل السبابة، ويحلق الإبهام والوسطى. هذه عبارته، فقوله: وجهان، لم يذكر أنهما مع قبض الإبهام كما قاله المصنف، بل تعبيره بقوله: وقيل: إنه يقبضها، صريح في أن الوجهين الأولين مع بسطها، وحينئذ فيكون مع إرسال المسبحة وجهان، وهما المذكوران في كلام المصنف بعد ذلك، ومع ضمها وجهان- أيضًا- وهو واضح. نعم، عبر القاضي بالأقوال، ولم يذكر إلا قولين. الأمر الثاني: أن ما توهمه من التنافي بين ما نقله الإمام وما نقله عن الرافعي غريب- أيضًا- بل القائلون بأن الكل سنة قائلون بأن الخلاف في الأفضل منها، وقد صرح النووي في ((شرح المهذب)) بذلك، بل لا يمكن القول بخلافه، لأنهم إذا قالوا: الكل سنة، والخلاف ثابت عندهم وعند غيرهم- لم يبق للخلاف محل إلا بيان الأفضل، والرافعي لم يعبر بالتخيير كما عبر المصنف، فإنه لما ذكر الخلاف عبر بقوله: ثم قال ابن الصباغ وغيره: كيفما فعل من هذه الهيئات فقد أتى بالسنة. هذه عبارته، ولو ذكر المصنف أن مفهوم كلام الأكثرين أن الخلاف في السنة لكان تصحيحه ممكنًا، وإلا فما ذكره غير منتظم بالكلية. قوله: نقلًا عن الشيخ-: والواجب منه خمس كلمات، وهي: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. هذا ما رأيته فيما وقفت عليه من ((التهذيب))، وقد حكاه الإمام عن رواية الصيدلاني، وأن العراقيين ذكروه، غير أنهم

стр. 126

نقصوا كلمة واحدة، وهي: ((أشهد)) في المرة الثانية، وقال الرافعي: إن الذي حكاه العراقيون عن نص الشافعي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسوله، وتابعهم القاضي الروياني، وكذا صاحب ((التهذيب))، إلا أنه نقل: ((وأشهد أن محمدًا رسوله))، وأن الصيدلاني وابن كج تبعا العراقيين، إلا أنهما أسقطا لفظ ((وبركاته)). انتهى ملخصًا. وما ادعاه من أن الرافعي نقل ذلك عن هؤلاء بالضمير مع ((الرسول)) عوضًا عن الظاهر حتى يقال: وأن محمدًا رسوله، ولا يجب أن يقال: رسول الله- ليس كذلك، فإن المذكور في ((الشرحين)) عنهم إنما هو الظاهر مطابقًا لما نقله المصنف عنهم قبل ذلك. نعم، وقع في ((الروضة)) في هذا الوهم، فكأن المصنف قلدها في النقل عن الرافعي. واعلم أنه قد تلخص من مجموع ما ذكرناه امتناع الضمير عند الجمهور، وقد صرح النووي في ((شرح المهذب)) وغيره بذلك، لكن ينبغي أن يعلم أن الضمير قد ثبت مع زيادة ((العبد)) في التشهد الوارد في الصحيح من رواية ابن مسعود وأبي موسى، ولم يقع الظاهر إلا في رواية ابن عباس. وقد اتفق العلماء على جواز التشهد بالروايات الثلاث كما قاله النووي في ((شرح مسلم)) في أول باب التشهد، فلزم من ذلك استثناء هذه الصورة، واختصاص محل الخلاف بما عداها، فتفطن له. قوله: لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: أو لا أهدى إليك هدية؟! إن رسول الله ﷺ خرج علينا فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فيكف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم، صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)). انتهى كلامه. واعلم أن البخاري قد أخرج هذا الحديث في آخر باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، ولفظه فيه: ألا أهدي إليك هدية سمعتها من رسول الله ﷺ ؟! فقلت: بلى، فأهدها لي، فقال: سألنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله علمنا كيف نسلم؟ قال: ((قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آلي محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد

стр. 127

مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد)). هذا لفظ رواية البخاري، وفيه مغايرة من وجوه، منها: ذكر ((إبراهيم)) مع ((الآل)) في ((الصلاة))، وكذلك في ((البركة)). قوله: قال الماوردي: والدعاء بأمر مباح، وقال بعض أصحابنا: المباح: أن يدعو بما يجوز أن يطلب من الله- تعالى- وأما ما يجوز أن يطلب من المخلوقين فلا يجوز، وإذا سأله بطلت صلاته. كذا حكاه ابن يونس ومن بعده من الشارحين، ولم أره في مشاهير الكتب، بل الرافعي حكاه عن بعض أصحاب أبي حنيفة. انتهى كلامه. وإنكاره لذلك غريب، فقد حكاه الروياني في ((البحر)) والشاشي في ((الحلية)) والعمراني في ((البيان))، وذكر الرافعي في آخر كلامه قريبًا منه فقال: ويجوز أن يعلم بالواو- أيضًا- لأن الإمام حكى في ((النهاية)) عن شيخه أنه كان يتردد في مثل قوله: اللهم، ارزقني جارية حسناء، صفتها كذا، ويميل إلى المنع منه، وأنه يبطل الصلاة. هذا لفظه، وكأنه مثال للوجه المتقدم. قوله في حديث مسلم: ((كأنها أذناب خيل شمس)) ... وفي الحديث- أيضًا-: ((جزم السلام سنة)) قال الترمذي: حسن صحيح. انتهى. أما ((الشمس)): فبإعجام الشين الأولى وضمها وإهمال الثانية، جمع ((شموس))، تقول: شمس الفرس- بفتح الميم- شموسًا وشماسًا، أي: منع ظهره، فهو شموس- بالفتح- وبه شماس، ورجل شموس: صعب الخلق، والعامة تقوله بالصاد. وأما ((الجزم)) فبالجيم والزاي المعجمة، وقد تقدم الكلام عليه في التكبير. قلت: حديث ((جزم السلام)) يأتي بعد. قوله: ثم نية السلام على الحاضرين في التسليمتين ثابتة في حق المنفرد، وأما الإمام فينوي ذلك في حق من على يمينه وشماله إذا تأخر سلامهم على سلامه، كما قال القاضي الحسين وغيره: إن المستحب ألا يسلم المأموم الأولى حتى يسلم الإمام الثانية، أما إذا سلم الأولى عقب سلام الأولى- كما قال في ((التتمة)): إنه المستحب- فكلام بعضهم يشير على أنه ينوي بالثانية الرد على من على يساره والسلام على الملائكة والجن، والجمهور على أنه لا فرق. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن القاضي الحسين من استحباب تأخر سلام المأموم عن تسليمتي الإمام محله في المأموم الذي هو على يسار إمامه خاصة، فإن كان على

стр. 128

يمينه فالمستحب عنده: أن تكون الأولى عقب الأولى كما يفعله غالب الناس، وإن كان محاذيًا له فهو بالخيار بين الأمرين، كذا جزم به في هذا الباب من ((تعليقه)) فقال: فأما المأموم: فإن كان على يمين الإمام، فإذا سلم الإمام عن يمينه سلم، وينوي الخروج من الصلاة والرد على الإمام والسلام على من عن يمينه من الملائكة ومسلمي الجن والإنس، وإذا سلم عن يساره لم تجب نية الخروج من الصلاة، وإنما ينوي السلام على من على يساره، ومن على يسار الإمام المستحب له ألا يسلم إذا سلم الإمام عن يمينه حتى يسلم عن يساره، ليمكنه الرد عليه إذا سلم عن يمينه، ومن خلف الإمام يستوي في حقه اليمين واليسار: فإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن اليمين، وإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن اليسار، وإنما ينوي الرد عليه إذا سلم عين اليمين، أن التيامن مستحب في كل شيء هذا لفظه، وهو كما ذكرته لك، وهو يراعي الرد على الإمام بالأولى، فلهذا قال: إن من على اليمين يسلم الأولى عقب الأولى ويرد بها وإن كان غير مواجه للإمام، وحاصله أن الأمرين عنده على السواء، أي: فعل الأولى عقب الأولى وعقب الثانية، بدليل المحاذي، وإنما يترجح أحدهما إذا كان فيه الرد على الإمام بالأولى. نعم، قد صحح النووي في ((التحقيق)) ما نقله المصنف عن القاضي. الأمر الثاني: أن ما نقله عن بعضهم من استحباب رد الإمام على من على يساره، تفريعًا على طريقة المتولي- هو الموافق للقواعد ولكلامهم، ودعواه أن الجمهور على أنه لا فرق حتى يقتصر الإمام- أيضًا- على الحاضرين ولا ينوي الرد، ممنوع، والمطالبة قائمة بقائله أو ناقله، ويدل على فساده أنه ادعاه في المأمومين- أيضًا- فقال: إن المأموم لا يرد على الإمام على طريق الجمهور، وعلى الطريق الأخرى: يرد عليه بالثانية إن كان على يمينه، وبالأولى إن كان على يساره، مع أن الرافعي جازم بهذا الكلام، بل قد ذكر المصنف عقب هذا الكلام ما يعكر عليه فقال: وإن كان خلف الإمام، قال في ((الأم)): هو كما لو كان على يسار الإمام، فإن نوى السلام على إمامه في الأولى، وإلا نواه في الثانية. ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار: إن شاء رد على الإمام عن يمينه، وإن شاء رد عليه عن يساره. هذا كلامه، وهو جازم بأنه يرد، والمأموم المحاذي قسم من أقسام المأمومين. قوله: قال الأصحاب: وينبغي للإمام بعد فراغه من الدعاء ألا يثبت مكانه، بل يثب، لأنه جاء في الحديث: ((إذا لم يقم إمامكم فانخسوه))، وهذا يدل على أن الجميع

стр. 129

محبوسون إلى أن يقوم الإمام. ثم إذا وثب أقبل على الناس بوجهه، واختلف أئمتنا في أنه من أي قطر يميل: فمنهم من يقول: يفتل يده اليسرى ويجلس على الجانب الأيمن من المحراب، ومنهم من يقول- وهو القفال-: يفتل يده اليمنى ويجلس على الجانب الأيسر. وقال الإمام إذا لم يصح في هذا نقل فلست أرى في ذلك إلا التخيير، ثم ينصرف في أي جهة شاء. واستحباب قيامه عقب الدعاء، محله إذا لم يكن ثم نسوة، فإن كان فيستحب له أن يجلس، كيما يخرجن. انتهى كلامه. وحاصله: أن الإمام يستحب له إذا لم يكن ثم نسوة أن يمكث بعد السلام للدعاء، فإذا فرغ منه وثب قائمًا، ثم جلس، ويستقبل الناس، على الخلاف في كيفية الاستقبال. وهذا المجموع على هذا الترتيب لم يقل به أحد، ولا معنى له- أيضًا- وقد قال النووي في ((شرح المهذب)): قال الشافعي والأصحاب- ﵏: يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه إذا لم يكن خلفه نساء. هكذا قاله الشافعي في ((المختصر))، واتفق عليه الأصحاب، وعللوه بعلتين: إحداهما: لئلا يشك هو أو من خلفه هل سلم أم لا. والثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة فيقتدي به. أما إذا كان خلفه نساء فيستحب أن يثبت بعد سلامه، ويثبت الرجال قدرًا يسيرًا يذكرون الله- تعالى- حتى ينصرف النساء، ويستحب لهن أن ينصرفن عقب سلامه. هذا كلامه. هذا كلامه، فذكر أن الانتقال عن مكانه عقب السلام، على خلاف ما ذكره المصنف من كونه عقب الدعاء، ولم يتعرض هنا للدعاء إلا فيما إذا كان معه نسوة، إلا أنه- أعني النووي- ذكر قبل ذلك أنه يستحب الذكر والدعاء عقب الصلاة لكل مصل، وهو معارض لما ذكرناه عنه. ثم قال بعده: فرع: إذا أراد أن ينفتل في المحراب، ويقبل على الناس بالذكر والدعاء وغيرهما- قال البغوي: فالأفضل أن ينفتل عن يمينه. قال وفي كيفيته وجهان: أصحهما: يدخل في يساره في المحراب ويمينه إلى الناس، ويجلس على يسار المحراب. والثاني: يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس، ويجلس على يمين المحراب. وقال الإمام: إن لم يصح في هذا تعبد فلست أري فيه إلا التخيير. هذا كلامه، وقد

стр. 130

ذكر الماوردي كلامًا هو أقرب إلى جميع ما سبق، فقال: إذا فرغ الإمام من صلاته: فإن كان من صلى خلفه رجالًا لا امرأة وثب ساعة سلم، ليعلم الناس فراغه من الصلاة، ولئلا يسهو فيصلي، وإن كان معه رجال ونساء ثبت قليلًا، لينصرف النساء، فإذا انصرفن وثب، فإذا الإمام: فإن كانت صلاة لا ينتفل بعده كالصبح والعصر استقبل القبلة ودعا، وإن كانت صلاة ينتفل بعدها كالظهر فيختار له أن ينتفل في منزله، ويستحب للمأموم ألا يتقدم إمامه، ويخرج معه أو بعده. هذا كلامه، وهو حسن جامع لجميع ما سبق، إلا أنه يوهم اختصاص الذكر والدعاء بالصبح والعصر، وليس كذلك. قوله: في التشهد الأول: ويصلي على النبي ﷺ وحده في أصح القولين. ثم قال: ولا يصلى في الآخر، لأن مبناه على التخفيف، روى ابن عباس ((أنه- ﵊ كان يجلس في الركعتين كأنه يجلس على الرضف حتى يقول)) رواه أبو داود، والرضف: الحجارة المحماة. انتهى كلامه. وهذا الحديث ليس كما قال المصنف من كونه من رواية ابن عباس، بل الذي في ((أبي داود)) وغيره إنما هو روايته عن ابن مسعود. و ((الرضف)): بالضاد المعجمة الساكنة وبالفاء. قوله: وهل يقرا السورة في الركعتين الأخيرتين؟ فيه قولان: أحدهما. لا. قال: وهذا ما نقله البويطي عن الشافعي والمزني- كما قال أبو الطيب- وقاله في القديم. انتهى لفظه بحروفه. والمفهوم منه أن البويطي نقله- أيضًا- عن المزني، وليس كذلك، بل المراد- وهو الذي قاله أبو الطيب-: أن البويطي والمزني نقلاه عن الشافعي. قوله: وقد روى الدارقطني بسنده عن أنس بن مالك قال: ((ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا))، وقد رأيت في كلام بعض الشراح أن مسلمًا خرج هذا الخبر، وبعضهم نسبه إلى رواية الإمام أحمد في ((مسنده)). انتهى. فأما نسبة هذا الحديث إلى ((مسند)) أحمد فصحيحه، وأما إلى مسلم فلا. نعم، الحديث صحيح صححه الحاكم والبيهقي وغيرهما. قوله: ((قنت رسول الله ﷺ شهرًا يدعو على أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية)) رواه أبو داود. انتهى. رعل: براء مهملة مكسورة وعين ساكنة مهملة- أيضًا- بعدها لام، وذكوان: بذال معجمة مفتوحة بعدها كاف ساكنة، وعصية: بعين وصاد مهملتين، أصله مصغر ((عصا)).

стр. 131

قوله: وإن نزلت بالمسلمين نازلة قنتوا في جميع الفرائض، وفي قول: لا يجوز. ثم قال ما نصه: أما إذا لم تنزل نازلة فمفهوم كلام الشيخ: أنه لا يجوز، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه، والغزالي في ((الوسيط)) عن المراوزة، ولم يحك في ((المهذب)) غيره، وعليه نص في ((الأم))، وقال في ((الإملاء)): إن شاء قنت، وإن شاء ترك. حكاه البندنيجي، وهو يقتضي أنه غير مستحب ولا مكروه، قال الرافعي: وهو قضية كلام أكثر الأئمة، ومنهم من يشعر إيراده باستحبابه في جميع الصلوات، قال في ((الروضة)): والأصح استحبابه. انتهى كلامه. فيه أمور: أحدها: أن ما حكاه عن ((الوسيط)) من النقل عن المروازة غلط، فإنه لا ذكر له في هذه المسألة، وإنا نقل مقابلة عن العراقيين، ثم عبر عن هذا بقوله: وقيل. وقد بين في ((البسيط)) قائله وأنه الشيخ أبو محمد. الثاني: أن ما حكاه عن ((المهذب)) من عدم الجواز ليس كذلك- أيضًا- فإنه قال: وأما رفع اليد في القنوت فالذي يقتضيه المذهب: أنه لا يرفع. ثم قال: وأما غير الصبح من الفرائض فلا يقنت فيه من غير حاجة، وإن نزلت بالمسلمين نازلة قنتوا. هذا لفظه، فقوله: فلا يقنت، يحتمل نفي الاستحباب ونفي الجواز على السواء، ويدل عليه: أنه ذكر مثل ذلك في الرفع كما تقدم، والمراد عدم الاستحباب قطعًا، فتلخص أنه لم يثبت التحريم عن أحد ممن نقل عنه سوى الشيخ أبي محمد. الأمر الثالث: أن ما نقله- ﵀ عن الرافعي من أن قضية كلام الأكثرين: أن القنوت في غير النازلة لا يستحب ولا يكره- لغط عجيب، بل في ((الرافعي)): أن قضية كلامهم: أنه لا يجوز، وكذلك- أيضًا- ما نقله عن النووي من تصحيح استحبابه في الحالة التي يتكلم فيها- وهي حالة عدم النازلة- غلط أيضًا، فإنه إنما خالف الرافعي فصحح طريقة القائل بأن الخلاف في استحبابه، وحينئذ فيكون الأصح عنده: أنه إن نزلت نازلة استحب القنوت، وإلا فلا يستحب، لأن الصحيح عنده من الخلاف في أصل القنوت هو هذا التفصيل، والصحيح: أن ذلك الخلاف في الاستحباب، فيلزم ما قلناه. وقد لخص النووي كلام الرافعي، فراجعه يتضح لك ما ذكرته، والعجب هنا من المصنف، فإنه غير كلام الرافعي والنووي تغييرًا فاحشًا، وإن كان في اختصار النووي استدراك نبهت عليه في ((المهمات)).

стр. 132

باب فروض الصلاة قوله: وكلام القاضي أبي الطيب يقتضي عدهما شرطين- يعني النية والتكبير- لأنه قال: في الصلاة الرباعية خمس وأربعون خصلة، ثمان منها قبل الدخول وهي: الطهارة عن الحدث، وطهارة البدن والثوب والبقعة التي يصلي عليها من النجس، وسترة العورة، والعلم بدخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية، والتكبير. ولم أر لغيره من أصحابنا خلافًا في أن التكبير ليس بشرط. انتهى كلامه. واعلم أن الخلاف في كون التكبير شرطًا أم ركنًا ثابت، صرح به الروياني في ((البحر)) فقال: فرع: التكبير عندنا من الصلاة، نص عليه في ((الأم))، وقال بعض أصحابنا: بالفراغ منه يدخل فيها. وهذا غير صحيح، بل يجب أن يدخل في الصلاة بأول التكبير. هذا لفظه. الأمر الثاني: أن القاضي أبا الطيب قد ذكر المسألة بعد خمس أوراق من أول باب صفة الصلاة من ((تعليقه))، وصرح بأن التكبير من الصلاة فقال: مسألة: عندنا: أن تكبيرة الإحرام من الصلاة، وبه قال الكافة. وقال أبو حنيفة: ليست من الصلاة. هذا لفظه، ثم قال: واحتج من نصره بأشياء، منها: أنا أجمعنا على أنه لو بقي من آخر التكبير حرف واحد لم يكن مصليًا في تلك الحالة. قال: والجواب عنه: أنا نقول: لا يمتنع أن يكون حال التكبير غير مصل، ويكون التكبير من الصلاة. انتهى كلامه. وهذاتصريح بأنه من الصلاة، وما نقله عنه المصنف قد ذكره بعد ذلك بكراريس كبيرة في أول باب أقل ما يجزئ من عمل الصلاة، ولا منافاة بينهما، لأنه لما لم يدخل إلا بتمامة أطلق عليه أنه قبل الصلاة. قوله: وقد قال الماوردي في كتاب الإيمان: إنها إنما تكون نية عند اقترانها بالفعل، فإن تجردت عن الفعل كانت قصدًا. انتهى كلامه. وما نقله هنا عن الماوردي قد نقل عنه في باب صفة الوضوء ما يخالفه فقال: والماوردي قال: إنها- يعني النية- قصد الشيء مقترنًا بفعله، فإن قصده وتراخى عنه

стр. 133

فهو عزم، كذا قاله في كتاب الأيمان. هذا كلامه. قوله: ونية الخروج من الصلاة، قيل: تجب، وقيل: لا تجب. ثم قال ما نصه: التفريع: إن قلنا بالأول فلا يختلف المذهب في أنها ركن. انتهى. وما ذكره من عدم الاختلاف باطل، فقد رأيت في ((العمد)) للفوراني حكاية وجهين في أنها ركن أو شرط، وكذلك في ((الإبانة)) له- أيضًا- فقال في أول الباب الخامس في صفة أعمال الصلاة ما نصه: اختلف أصحابنا في السجدة الثانية والنية واستقبال القبلة ونية الخروج، هل هي من الأركان؟ فعلى وجهين. هذه عبارته. قوله: فإن أوجبناها لم نشترط تعيين الصلاة، لأنها قد تعينت بالشروع، وعلى الوجهين: لو عين في نيته صلاة غير التي هو فيها عمدًا بطلت صلاته، قال القاضي الحسين: لأنه أبطل ما هو فيه بنية الخروج عن غيره. نعم، لو فعل ذلك سهوًا: فعلى الأول يسلم ثانيًا ويسجد للسهو، وعلى الثاني: لا. وفي ((الرافعي)): أن القول بالبطلان عند التعمد مفرع على القول بالوجوب، أما إذا قلنا: لا يجب، فلا يضر الخطأ في التعيين. انتهى كلامه. وأوله وآخره يقتضي استغراب ما نقله عن الرافعي من كونه لا يضر الخطأ، أي: تعيين خلاف ما هو عليه إذا لم نوجب النية، وأنه منفرد بذلك، وهو عجيب، فإن الأكثرين قالوا بهذه المقالة، فقد رأيته في ((شرح التلخيص)) للقفال، و ((التهذيب)) للبغوي، ((العدة)) لأبي علي الطبري و ((البيان)) للعمراني. نعم، صححه صاحب ((البحر))، فتبعه عليه، ومعظم الكتب لم تتعرض للمسألة: كـ ((النهاية)) و ((الحاوي)) و ((الشامل)) و ((التتمة)) و ((الاستذكار)) وكتب الفوراني والغزالي وابن عصرون. واعلم أن ما ذكره من كونه إذا فعله ناسيًا يسجد للسهو ويسلم، لا شك أن محله إذا لم يطل الفصل، وقد رايته مصرحًا به في ((العدة)) للطبري و ((شرح التلخيص)) للقاضي الحسين، ورأيت في ((شرح التلخيص)) - أيضًا- لأبي عبد الله الختن- بالخاء المعجمة- أن الساهي لا يحتاج إلى السجود ولا لإعادة السلام، قال: لأنه فرض أتى به في موضعه، وإنما سها في نيته، فلم يضر كما لو اعتقد أن الثانية ثالثة. قوله: وقد ذكر الجيلي أن الخلاف في وجوب النية في السلام ينبني على أنه من الصلاة أم لا؟ قال: وفيه قولان: فإن قلنا: إنه منها، أوجبناها، وإلا فلا، والذي رأيته فيما وقفت عليه: أنه من الصلاة عندنا، مع حكاية الخلاف في وجوب النية. انتهى. وهذا الخلاف الذي قد ذكر أنه لم يقف عليه قد ذكره صاحب ((الذخائر)).

стр. 134

قوله: وسننها أربع وثلاثون. ثم قال: ووضع الأنف في السجود، لأن اسم ((السجود)) يصدق بدونه، وقد تقدم في وجوبه وجه. انتهى. واعلم أن المقابل للمشهور إنما هو قول لا وجه، كذا حكاه في ((البيان))، ونقله كذلك النووي في ((الروضة)) و ((شرح المهذب))، وكلام المصنف هناك مضطرب: فذكر أولًا ما يوهم أنه وجه، ثم صرح عقبه بأن صاحب ((الزوائد)) - يعني العمراني- حكاه قولًا. قوله: وقد ذكر في ((المهذب)) سنة أخرى، وهي الاعتماد على الأرض عند القيام، ولم يعدها هنا، وإن كان قد ذكرها في الباب قبله، وكذا ذكر فيه ترتيل القراءة، ولم يعدها هاهنا لأنه لا يختص بالصلاة. انتهى كلامه. وهو موهم إيهامًا ظاهرًا أن الشيخ لم يذكر في الباب قبله زيادة على هاتين السنتين، مع أنه ذكر أمورًا فيه وفي غيره، منها: مد التكبير إلى أن يقوم، ومنها: تطويل السورة وتقصيرها، والالتفات في السلام، ومنها: السواك- كما ذكره في بابه- والأذان والإقامة، على أن الشيخ قد ذكر أمورًا أخرى، وتكلف المصنف في إدراجها بجعلها صفات لبعض ما صرح به الشيخ أو معطوفًة تقديرًا. قوله: وإن كان المتروك ثلاث سجدات جعل سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة وسجدة من الرابعة، ويأتي بركعتين، لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل ما بقي منها، وتنجبر الثالثة بالسجدة التي في الرابعة، ويبطل ما أتى به بعدها، وحينئذ فتكمل له ركعتان، فتبقى عليه ركعتان، فيأتي بهما، ويستجد للسهو. انتهى كلامه. واعلم أنه يتصور ترك الأولى وغيرها: إما بسجوده فيها على كور عمامته، أو لنزول عصابته على وجهه، أو غير ذلك من فوات الشروط: كترك الطمأنينة. إذا تقرر هذا، فالصواب أنه يلزمه ركعتان وسجدة، فإن أسوأ الأحوال: أن يكون المتروك هو السجدة الأولى من الركعة الأولى والسجدة الثانية من الركعة الثانية وواحدة من الرابعة، وإنما قتلنا: إنه الأسوأ، وذلك لأنا لم قدرنا أنه ترك السجدة الأولى من الركعة الأولى امتنع حسبان الجلوس الذي بعدها، لأنه ليس قبله سجدة، ولكن بعده سجدة محسوبة، فيبقى عليه من الركعة الأولى الجلوس بين السجدتين والسجدة الثانية. ولما قدرنا أنه ترك السجدة الثانية من الركعة الثانية لم يمكن أن يتكمل بسجدتها الأولى الركعة الأولى، لفقدان الجلوس بين السجدتين قبلها. نعم، بعدها جلوس محسوب،

стр. 135

فيحصل له من الركعتين ركعة إلا سجدة، فيكملها بسجدة من الثالثة، وحينئذ فتفسد الثالثة، لأن القيام إليها كان قبل كمال التي قبلها، ثم ترك واحدة من الرابعة، فتبقى عليه ركعتان وسجدة، فيسجد ثم يأتي بركعتين. وهذا العمل كله واضح، وهو أمر عقلي لا شك فيه. فإن قيل: إذا قدرنا- كما قلتم- أنه ترك السجدة الأولى فيلزم بطلان الجلوس الذي بعدها، وحينئذ فلا يكون المتروك ثلاث سجدات فقط- قلنا: هذا خيال فاسد، فإن المعدود تركه إنما هو المتروك حسًا، وأما المأتي به في الحس، ولكن يبطل شرعًا، لسلوك أسوأ التقادير- فلا يحسب في تصوير المسألة، إذ لو قلنا بهذا لكان يلزم في كل صورة، وحينئذ فيستحيل قولنا: ترك ثلاث سجدات فقط أو أربعًا، لأنا إذا جعلنا المتروك من الركعة الأولى هو السجدة الثانية- كما قاله الأصحاب- فيكون قيام الركعة الثانية وركوعها وغير ذلك مما عدا السجود باطلًا، وهكذا في الركعة الثالثة مع الرابعة، وحينئذ فلا يكون المتروك هو السجود فقط، بل أنواعًا أخرى من الأركان، وكذا ترك السجدة الواحدة لا يتصور- أيضًا- على هذا الخيال، وإنما ذكرت هذا الخيال الباطل، لأنه قد يختلج في صدر من لا حاصل له، وإلا فمن حق هذا السؤال ألا يدونه مصنف، ولا يورده منصف، وإيراده في الحقيقة مشعر بعدم فهم مورده لهذه القاعدة، ومن حقه أن يشرح المسألة على شيخ يفهمه إياها. قوله: وإن كان أربع سجدات جعل سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة وسجدة كذا من الرابعة، ويأتي بسجدة وركعتين، لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية ويبطل باقيها، ومعه قيام الثالثة وركوعها والرفع منه، فيأتي بسجدتين تتم بهما، وتكون ثانية له، فتبقى عليه ركعتان. انتهى كلامه بحروفه. وهو غلط، فإنه قد ذكر- أولًا- أنه يلزمه سجدة وركعتان، ثم شرع في تعليله، فقرر فيه أنه يلزمه ركعتان وسجدتان، والصواب ما ذكره- أولًا- من وجوب سجدة واحدة مع الركعتين، لا ما ذكره ثانيًا من وجوب سجدتين، وهو واضح. قوله: أما إذا تذكرها- يعني السنة- بعد فوات محلها، كما إذا تذكر أنه ترك رفع اليدين في تكبيرة الإحرام بعد فراغها. انتهى كلامه. لم يذكر- ﵀ جواب ((أما))، وأبقى السؤال بلا جواب، وكأنه أراد أن يقول: فلا يعود إليها، أو: فلا يأتي بها- وما كان في معناه- فنسيه.

стр. 136

باب صلاة التطوع قوله: أفضل عبادات البدن الصلاة، ووجهه: قوله- عليه الصلاة السلام-: ((استقيموا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)) رواه أبو داود. ورأيت في كلام بعضهم: ((استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)) انتهى كلامه. وهذا اللفظ الذي أورده في معرض الاستغراب قد رواه ابن ماجه في ((سننه)) في كتاب الوضوء، والبيهقي فيه، وفي فضائل الصلاة، قبيل استقبال القبلة، روياه من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص، ومن حديث ثوبان، لكن في رواية ابن ماجه عن عبد الله: ((أن من خير أعمالكم))، أعني بإثبات ((من)) وكذلك في بعض روايات البيهقي، وإسناد رواية عبد الله فيه ضعف، وإسناد رواية ثوبان جيد، لكنه من رواية سالم بن أبي الجعد عن ثوبان، وقد قال أحمد بن حنبل: إن سالمًا لم يسمع من ثوبان. وذكره مالك في ((الموطأ)) مرسلًا معضلًا، فقال: بلغني أن النبي ﷺ قال كذا وكذا. إلا أنه أتى بـ ((لن)) عوضًا عن ((لا)) في ((يحافظ)). واستقيموا، معناه: ألزموا طريق الاستقامة. ولن تحصوا، أي: تطيقوا الاستقامة في جميع الأعمال، وقيل: لن تحصوا ما لكم في الاستقامة من الثواب العظيم. قوله: ولأنه تلو الإيمان الذي هو أفضل القرب، وأشبه به، لاشتمالها على نطق باللسان وعمل بالجنان واعتقاد بالقلب. انتهى. وهذا التعبير غفلة عجيبة، فإن ((الجنان)) هو ((القلب))، والصواب أن يقول- كما قاله غيره-: وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان. والمراد بالأركان: الأعضاء. قوله: وأفضل التطوع ما شرع له الجماعة. ثم قال: فإن قيل: قد روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)) رواه مسلم- فجوابه: أنه محمول على النوافل المطلقة، لقيام الإجماع على أن رواتب الفرض أفضل منها ... إلى آخره.

стр. 137

وما ادعاه من الإجماع غريب، ففي ((الرافعي)) عن أبي إسحاق المروزي: أن صلاة الليل أفضل من الرواتب. وقال في ((الروضة)) و ((شرح المهذب)): إنه قوي: للحديث المذكور. قوله: وفي الوتر وركعتي الفجر قولان، أصحهما: أن الوتر أفضل، لأن أبا حنيفة يقول بوجوبه، ولم يختلف أحد في عدم وجوب ركعتي الفجر. انتهى. وما ادعاه من عدم الاختلاف في ركعتي الفجر ليس كذلك، فقد ذهب الحسن البصري إلى وجوبهما، كذا نقله النووي في ((شرح المهذب)) عن القاضي عياض عنه. قوله: ولأنها- يعني ركعتي الفجر- تبع لصلاة الصبح، والوتر تبع للعشاء، والصبح آكد من العشاء، لأنها الصلاة الوسطى عند الشافعي، فوجب أن يكون متبوعها أوكد من متبوع العشاء. انتهى. وتعبيره بـ ((المتبوع)) سهو في الموضعين، والصواب التعبير بـ ((التابع)) فيهما. قوله: ويدل على عدم وجوب الوتر قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلو كان الوتر واجبًا لم يكن فيها وسطى، لأن الستة لا وسط لها، كذا قاله الماوردي. وقوله- ﵊: ((كتب على ثلاث- ولم تكتب عليكم-: الضحى والأضحى، والوتر))، ولأنه- ﵊ كان يوتر على الراحلة كما ثبت في ((الصحيحين))، وروى مسلم أنه- ﵊ كان يسبح على الراحلة، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة. فإن قيل: لا دلالة فيه، لأن الوتر كان واجبًا على النبي ﷺ قلنا: أجاب ابن الصلاح بأن المراد: أن ما وجب على العموم لا يجوز أداؤه على الراحلة، والوتر ليس كذلك. انتهى ملخصًا. وما ذكره أولًا عن الماوردي استدلال غلط، كما تقدم في الكلام على الصلاة الوسطى، وأما ما ذكره أخيرًا فذهول عن المنقول، فإنه- ﵊ إنما كان يصلي الوتر على الراحلة في السفر، والوتر لم يكن واجبًا عليه إلا في الحضر، كذا ذكره الحليمي في ((شعب الإيمان)) والشيخ عز الدين في ((القواعد))، والقرافي في ((شرح المحصول)) و ((شرح التنقيح)). قوله في الحديث: ثم خرج ليلة في رمضان، فرأى الناس قزعًا في المسجد فمن واحد يصلي، ومن اثنين يصليان، ومن ثلاثة يصلون ... إلى آخره. اعلم أن المشهور في الحديث: فرأى الناس أوزاعًا. والأوزاع- بالزاي المعجمة-: هم المتفرقون، من قولهم: وزعه على الناس، أي: فرقه، والمصنف قد ذكره كما يراه،

стр. 138

فيجوز أن يكون بالقاف من ((القزع)) المقول على السحاب وعلى الشعر، وهو القطع المتفرقة. وذكر قوله في الحديث- أيضًا-: من تعار من الليل ... إلى آخره. تعار: بتاء مفتوحة بنقطتين من فوق، ثم عين مهملة، وبالراء المشددة. يقال: تعار الرجل من الليل، إذا استيقظ من نومه مع صوت، قاله الجوهر. ثم ذكر المصنف- أيضًا- نعيم بن هبان: فأما نعيم فبضم النون، وأما ((هبار)): فكتبه المصنف بالنون في آخره، وهو غلط، بل بالراء على كل حال، ثم اختلفوا فقيل: إنه بالهاء والباء الموحدة المشددة، وقيل: إنه بالهاء- أيضًا- ولكن بالميم المشددة، وقيل: إنه بالحاء المكسورة والميم المخففة. قوله- فيما إذا جمع مصلي الوتر بين أكثر من ركعتين-: وقد تلخص من ذلك أن له أن يقتصر على تشهد واحد بلا خلاف، وهل تجوز الزيادة على التشهد الواحد؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا، والثاني: نعم، فيتشهد ما شاء، والثالث- وهو الأصح-: يجوز بتشهدين، ولا تجوز الزيادة عليهما. انتهى كلامه. وما ادعاه من نفي الخلاف في الاقتصار على تشهد واحد ليس كذلك، بل فيه وجه مشهور مذكور حتى في ((الرافعي)): أنه لابد من تشهدين. قوله: ثم المشروع من القنوت هنا هو ما ذكرناه في الصبح، لرواية أبي داود عن الحسين بن علي قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر ((اللهم، أهدني فيمن هديت ...)) إلى آخره. والذي ذكرته عن المصنف من كون الراوي هو الحسين بالتصغير هو كذلك في خطه، وهو خطأ، فإن روايه إنما هو الحسن مكبرًا لا مصغرًا، كذا هو في كتب الحديث وغيرها، وقد وقع له نظير هذا بعينه- أي التباس الحسين بالحسن- في باب العدد، ويأتي هناك التنبيه عليه، إن شاء الله تعالى. قوله: فإذا فرغ من القنوت فالمستحب أن يقول: ((سبحان الملك القدوس، رب الملائكة والروح))، لما روي في خبر أبي أنه- ﵊ كان يقول ذلك ثلاث مرات، ويطيل في آخره. انتهى كلامه. وما ذكره من كونه يقول ذلك بعد القنوت ذكره صاحب ((البحر))، فقلده فيه المصنف، وهو سهو، فإن المنقول للأصحاب والوارد في الحديث إنما هو بعد الفراغ من الوتر.

стр. 139

قوله: روى مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا عبد الله، لا تكن مثل فلان كان يقول الليل فترك قيام الليل))، وروى البخاري ومسلم- أيضًا- عنه ... إلى آخره. واعلم أن المصنف قد عبر بقوله: عن عبد الله بن عمر- أعني بغير واو- كما نقلناه عنه، فيقتضي أن يكون عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو غلط صريح، وإنما هـ عبد الله ابن عمرو بن العاص.

стр. 140

باب سجود التلاوة قوله: وقيل: إنه لا يسن للمستمع السجود إلا إذا سجد القارئ، وقياس هذا: أن القارئ لو كان محدثًا أو صبيًا أو كافرًا لا يسجد، وقد حكاه في ((البيان)) وجهًا. ولو كان القارئ في الصلاة والمستمع خارج الصلاة، وسجد القارئ- فإنه يستحب للمستمع أن يسجد معه على الأصح، وبه جزم القاضي الحسين، وفيه وجه عن رواية صاحب ((البيان)): أنه لا يسجد. انتهى كلامه. وما ذكره من كون صاحب ((البيان)) قد حكاه وجهًا ليس كذلك، بل جزم به في المسألتين وجعله مذهبنا، فإنه جعل المسألتين معًا من الخلافيات بيننا وبين أبي حنيفة، وقد نقله عنه الرافعي على الصواب. قوله: ولو وسجد إمامه، ولم يعلم المأموم بذلك حتى رفع الإمام رأسه من السجود- فلا يجوز له أن يسجد، كما لو جلس إمامه للتشهد الأول وقام ولم يعلم، أو قنت ولم يعلم. ثم قال: نعم، لو أراد هذا أن ينوي مفارقته ليسجد ليس له ذلك، بخلاف ما لو نوى مفارقته ليأتي بالتشهد أو القنوت، والفرق: أنهما من أبعاض الصلاة، فتركهما يوجب نقصانًا في الصلاة، ولا كذلك سجود التلاوة. ولو لم يسجد الإمام فلا يسجد المأموم، وفي ((الذخائر)) وجه: أنها لا تبطل. قال بعضهم: وينبغي أن يخرج على الخلاف في المفارقة، وقد تقدم الفرق. انتهى كلامه. وما ذكره من أن سجدة التلاوة لا تلتحق بالتشهد ونحوه، للفرق المذكور- قد جزم في باب سجود السهو بخلافة نقلًا عن البغوي، ذكر ذلك في الكلام على قول الشيخ: ((وإن ترك فعلًا مسنونًا))، وستعرف لفظة هناك. قوله: وهي أربع عشرة سجدة. ثم قال: والدليل على هذه السجدات- ما عدا السجدة الأخيرة في ((الحج)) وسجدات المفصل- الإجماع، كما قال بعضهم. وفي الأخير في ((الحج)) ما أسلفناه

стр. 141

من حديث عقبة بن عامر. قال أبو إسحاق: وقد أدركنا الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين. وإنما ذكر هذا، لأن حديث عقبة في رجاله ابن لهيعة ومشرح بن هاعان، ولا يحتج بحديثهما. انتهى. ودعوى الإجماع مردودة، فقد رأيت في ((تعليق)) القاضي الحسين ما نصه: وقال علي- ﵁: ((عزائم السجود أربع: في ((الم تنزيل))، و ((حم)) السجدة، والنجم، وسورة ((اقرأ باسم ربك)). هذا كلامه، ورأيت في ((الإنابة)) للفوراني مثله، أيضًا. والمراد بـ ((أبي إسحاق)) هنا هو السبيعي، منسوب إلى جد له يقال [له]: السبيع، بسين مفتوحة مهملة، ثم باء موحدة مكسورة، بعدها ياء بنقطتين من تحت، ثم عين مهملة. واقتصار المصنف على كنيته غريب. تنبيه: ذكر المصنف ألفاظًا: منها: مشرح، وهو بميم مكسورة، وشين معجمة ساكنة، وراء مهملة مفتوحة، وحاء مهملة. ومنها: هاعان: بهاء وعين مهملة. ومنها في الحديث: تشزن الناس للسجود، أي: استعدوا- هو بتاء مفتوحة، ثم شين معجمة مفتوحة- أيضًا- بعدها زاي معجمة مشددة، ثم نون. ومنها: أنه رأى نغاشيًا، فسجد لله. والنغاشي، قيل: إنه ناقص الخلقة، وقيل: هو مختلط العقل. انتهى. والنغاشي: بنون مضمومة، ثم غين وشين معجمتين، وفي آخره ياء مشددة للنسب. ويروى أيضًا بحذف الياء على وزن ((اللغات)) و ((الغراب)). قال ابن الأثير بعد ذكره لهاتين الروايتين: هو القصير جدًا، الناقص الخلق، الضعيف الحركة. والحديث رواه البيهقي بإسناد ضعيف ومرسل. ومنها: أن عمر سجد عند فتح اليرموك، وعلي عند رؤية ذي الثديين قتيلًا بالنهروان. أما ((اليرموك)) فبياء مفتوحة مثناة من تحت، وراء مهملة ساكنة، وبالكاف: اسم لموضع بالشام كانت فيه واقعة عظيمة بين المسلمين والروم، انتصر فيه المسلمون. وأما ((الثدية)) فبالثاء المثلثة، تصغير ((الثدي)): وهو الذي يرتضع منه الطفل، ودخلت الثاء وإن كان مذكرًا كأنه أراد: قطعة من ثدي، وقيل: هو تصغير لـ ((الثندوة))،

стр. 142

بحذف النون، وهو رأس الثدي المسمى بالحلمة. ويروى: ((ذو اليدية)) بالياء المثناة من تحت، تصغير ((اليد)). ذكره جميعه ابن الأثير في ((النهاية))، وذكر المصنف الكلمة على أنها مثناة. قوله: ومن سجد في غير الصلاة كبر للإحرام رافعًا يديه، ثم يكبر للسجود، ويكبر للرفع. ثم قال: وفي قول الشيخ: للإحرام، دليل على أمرين: أحدهما: اشتراط النية، إذ لا إحرام بدونها، وهو مما لا خلاف فيه بين الأصحاب. والثاني: أنه يكون في حال استقراره قبل هويه إلى السجود إما قائمًا أو جالسًا. وكلامه من بعد يدل عليه، أيضًا. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في اشتراط النية ليس كذلك، ففي ((الوسيط)) عدم اشتراطها، وممن نقله عنه الرافعي، وقد حكاه الإمام- أيضًا- وجهًا، وصرح بحكايته- أيضًا- الرافعي في آخر المسألة، فقال في كلامه على لفظ ((الوجيز)) ما نصه: في أقل سجود التلاوة أربعة أوجه: أحدها: أن الأقل سجدة بواجباتها في صلب الصلاة لا غير. والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد. والثالث: مع التحرم والتحلل لا غير. والرابع: مع التحرم لا غير. وجعل- أي الغزالي- أولها أصحها، وهو متأيد بما حكى عن الشافعي أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام. هذه عبارته، وقد صرح المصنف وغيره بأن الساجد للتلاوة في الصلاة لا يحتاج إلى نية بالاتفاق، وذلك يزيد ما قلناه إيضاحًا. الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من إيجاب الإحرام قبل الهوي غير مستقيم، لأن السجدة نافلة، والنوافل لا يجب فيها ذلك. قوله في المسألة: والتكبير في حال التحريم من تخريج ابن سريج، وقال الرافعي: إنه من تخريج أبي إسحاق. انتهى. وما نقله عن ابن سريج صحيح، فقد قال القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)): إن ابن سريج خرج ذلك في الركوع، وإن أبا إسحاق خرجه في السجود. وأما ما نقله عن الرافعي من كون التخريج المذكور لأبي إسحاق فغلط، ليس له في ((الرافعي)) ذكر بالكلية، وقد تقدم من كلام القاضي ما يدفعه أيضًا.

стр. 143

قوله: من سجد للتلاوة في الصلاة كبر للسجود وللرفع منه. ثم قال: وعن أبي هريرة: أنه لا يكبر لهذا السجود ولا للرفع منه، حكاه عنه هكذا الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وغيرهما، ورأيت فيما وقفت عليه من ((الحاوي)) أنه قال: يسجد من غير تكبير، ويرفع مكبرًا. ورأيت في ((تعليق)) القاضي الحسين عنه: أنه لا يكبر لرفع الرأس منه، وسكت عن التكبير للسجود. ثم قال بعد ذلك في الكلام على السجود في غير الصلاة ما نصه: ومذهب ابن أبي هريرة جار هنا- أيضًا- فلا يكبر للسجود ولا للرفع منه، صرح به أبو الطيب عنه. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن ((الحاوي)) عن ابن أبي هريرة ليس كذلك، بل فيه عنه عدم التكبير فيهما، موافقًا لما نقله عنه الشيخ أبو حامد وغيره، فقال: والوجه الثاني- وهو قول أبي علي بن أبي هريرة-: يسجد غير مكبر، ويرفع غير مكبر. هذه عبارته. الأمر الثاني: أن ما نقله عن أبي الطيب- أيضًا- ليس الأمر فيه كذلك، فإنه لم يتعرض لخلاف بالكلية فيما إذا سجد في الصلاة، لا عن ابن أبي هريرة ولا عن غيره، وأما في خارج الصلاة فقال ما نصه: وقال ابن أبي هريرة: يسجد من غير تكبير لإحرام ولا لغيره. هذا لفظه في ((تعليقته))، وهو الكتاب الذي ينقل عنه المصنف.

стр. 144

باب ما يفسد الصلاة قوله: إذا أحدث في صلاته بطلت صلاته، لقوله- ﵊: ((إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ، وليعد صلاته)) رواه أبو داود، وقال الترمذي: إنه حسن. ولا فرق في ذلك بين أن يفعله قصدًا أو سهوًا. ومن هنا يظهر لك أن ما يقع في بعض النسخ من تقييد البطلان بالحدث عامدًا لا صحة له. ثم قال: وإن سبقه الحدث ففيه قولان ... إلى آخره. وما ذكره من فساد التعبير بالعمد عجيب فاسد، فإن المعتمد للحدث قد يكون عالمًا بكونه في الصلاة، وقد يكون ساهيًا، وفي كلا الحالين تبطل صلاته بلا خلاف، وإنما القولان إذا سبقه الحدث، وكأنه يوهم أن تعمد الحدث مقابله وقسيمه سهو الصلاة، وليس كذلك. وقوله في الحديث: ((فسا)) هو بفتح الفاء وبعدها سين مهملة ثم ألف، أي: أخرج الريح، تقول منه: فسا فسوًا، والاسم: الفساء، بالمد. قوله: ويجب على المصلي إجابة النبي ﷺ ولا تبطل بها الصلاة، وقيل: إنها لا تجب وتبطل الصلاة بها. ثم قال: وألحق به أبو إسحاق إنذار الأعمى والصغير ونحوهما من الوقوع فيما يهلكه إذا لم يمكن الإنذار بغير الكلام، وهو الأصح في ((الحاوي)) واختيار جماعة، وقيل: إن ذلك لا يجب عليه، ولو فعله بطلت صلاته، كذا قاله في ((المهذب))، وغيره جزم بالوجوب وقال بالبطلان عند الإنذار، وفرق بين ذلك وبين إجابة النبي ﷺ بأنه قد لا يقع فيما يخاف عليه الهلاك، وجزم به البندينجي، وقال الرافعي: إنه الأصح عند الأكثرين. انتهى كلامه. وما نقله من حكاية خلاف في الوجوب غلط، وعزوه ذلك إلى ((المهذب)) غلط- أيضًا- فإن حاصل ما فيه إنما هو الجزم بالوجوب وحكاية الخلاف في البطلان، وقد صرح النووي في ((شرحه)) بذلك فقال: وجب الكلام بلا خلاف، وهل تبطل صلاته؟ فيه الوجهان. هذه عبارته.

стр. 145

قوله: أما لو تنحنح لامتناع القراءة إلا به فلا خلاف في أنها لا تبطل. انتهى. أطلق المسألة، وصورتها في القراءة الواجبة، كما قاله في ((شرح المهذب)) و ((التحقيق))، وسكت عن حكم المستحبة، والقياس تخريجها على الخلاف في الجهر، والأصح فيه: أنه ليس بعذر. قوله: وإن خطا ثلاث خطوات، أو ضرب ثلاث ضربات متواليات- بطلت صلاته، للإجماع على أن العمل الكثير يبطلها دون القليل، وليس لذلك ضابط، فرجع فيه إلى العرف، والعرف يعد الثلاث المتواليات كثيرة. ثم قال: وما ذكره الشيخ من البطلان بالثلاثة هو طريقة الشيخ أبي حامد، ولم يخالف منطوقها أحد من الأصحاب. نعم، مفهومها يقتضي أن الخطوة والخطوتين والضربة والضربتين لا تبطل، وبه صرح الشيخ في الباب بعده. انتهى كلامه. وما ادعاه من الاتفاق على البطلان بالثلاثة ليس كذلك، فإن لنا وجهًا حكاه الرافعي والمصنف وغيرهما: أن الكثير ما يسع زمانه ركعة، والقليل: ما لا يسع، ولا شك أن الثلاثة تنقص عن الركعة، والذي أوقع المصنف فيما وقع فيه: أن الرافعي ادعى ذلك، وأخرج القائل بالركعة، فذهل عنه وادعى التعميم، فراجعه. قوله: وإن أكل عامدًا بطلت صلاته، لأنه يعد معرضًا عن الصلاة، ومنهم من لاحظ فيه كونه فعلًا ففرق بين القليل والكثير، قال الرافعي: والمرجع فيه على هذا قلة وكثرةً إلى العرف. وأفهم كلامه أن كلامهم عائد إلى قلة المأكول وكثرته، والذي يظهر على هذه الطريقة: أن يكون النظر إلى قلة الفعل والمضغ وكثرته. انتهى كلامه. وما نقله عن الرافعي من أن كلامه يفهم أنه راجع إلى المأكول لا إلى الأكل غير صحيح، لأن الرافعي إنما فرضه في الأكل خاصة، وليس فيه ما يوهم اعتبار المأكول بالكلية، فراجع كلامه تجده كذلك. ثم إن الرافعي قد نص على أن مجرد المضغ إذا كثر يبطل وإن لم يصل بسببه شيء إلى الجوف، لأنه فعل من الأفعال، فإذا كان الرافعي يبطل بالفعل الكثير عند عدم وصول شيء إلى الجوف بالكلية، فبطريق الأولى مع حصول شيء. قوله: ولا يدخل فيها وقد حضر العشاء ونفسه تتوق إليه، لقوله ﷺ : ((إذا قرب العشاء وقد حضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب)) رواه البخاري ومسلم. انتهى كلامه. والتقييد بقوله: ((قبل أن تصلوا صلاة المغرب)) من تفردات مسلم، ولم يروه البخاري.
следующие страницы →