Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
ولو كان مأموماً في صلاة يجهر فيها الإمام، فأسر، أو يسر فيها فجهر- فهل
стр. 1087
يكون الحكم كما لو جهر، أو أسر؟ مقتضى كلام الشيخ [أنه] كذلك؛ فلا يقرأ السورة في الأولى، ويقرأ الفاتحة، على الصحيح، ويقرأ في الثانية السورة والفاتحة قولاً واحداً، وهو وجه [حكاه المتولي وغيره، وادعى القاضي الحسين أنه الأظهر. وفيه وجه] آخر بالعكس من ذلك.
واعلم: أن بعضهم قال: إن كلام الشيخ يوهم أن الخلاف في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم يجري في الأخيرة من المغرب، والأخيرتين من العشاء، فلو قال: في ركعة يجهر فيها الإمام، لكان أحسن.
قلت: هذا الوهم وهم؛ لأن الشيخ يتكلم في الركعة الأولى فقط؛ يدل عليه قوله من بعد: ثم يصلي الركعة الثانية مثل الأولى، إلا في كذا، وإذا كان
стр. 1088
كذلك، فقوله: " [فإن كان] في صلاة يجهر فيها [الإمام]، لم يقرأ السورة"، أي: في الركعة التي يتكلم فيها، وفي الفاتحة-أي: فيها-قولان، والله أعلم.
قال: والمستحب أن تكون السورة في الصبح والظهر من طوال المفصل؛ لأنه –﵇ "قرأ في الصبح بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ كما رواه مسلم.
قال الترمذي: "وكان ذلك في الركعة الأولى، وقرأ فيها "الواقعة"،وقرأ فيها "تنزيل السجدة"، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ في يوم الجمعة" ورواية ابن عباس: أنه قرأ فيها سورة "الجمعة" و"المنافقون"،وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ "كان يقرأ في صلاة الظهر، في الركعتين الأوليين، في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخيرتين قدر خمس عشرة آية- أو قال: نصف ذلك-وفي العصر، في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخيرتين قدر النصف من ذلك".
وعن أبي سعيد-في رواية أخرى-قال: حزرنا قيامه-﵇-في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، قدر ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ "السجدة"، وحزرنا قيامه في الأخيرتين قدر النصف منذ ذلك، وحزرنا
стр. 1089
قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخيرتين من الظهر، وفي الأخيرتين من العصر على النصف من ذلك" أخرجه أبو داود، ومسلم.
وهذا يمنع أن يكون ما جرى في الأوليين من الظهر نصفين؛ إذ لو كان كذلك، لزم أن يكون قد قرأ في كل ركعة من الأخيرتين من العصر أقل من الفاتحة.
وروى أبو داود عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ سجد في صلاة الظهر، ثم قام، فركع، فرأينا أنه قرأ: تنزيل السجدة" وهذه الأخبار تدل على المدعى.
وقد استحب الماوردي أن تكون السورة في الظهر، أقصر من السورة في الصبح قليلاً؛ لأن ما ورد عنه-﵇-يدل على ذلك، روى مسلم، عن جابر بن سمرة: "أنه ﵇-كان يقرأ في الظهر بـ ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الصبح بأطول من ذلك"، وما ذكره هو ما أورده الرافعي.
قال: وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، أما العصر؛ فلما ذكرناه، وأما العشاء؛ فلأن النبي ﷺ قال لمعاذ في القصة المشهورة: "اقرأ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [كما أخرجه مسلم، وكان عثمان قرأ في العشاء بأوساط المفصل]، وجمع بين العشاء والعصر؛ لشبهها بها؛ لأنها الثانية من صلاتي
стр. 1090
جميع النهار؛ [كما أن العشاء هي الثانية من صلاتي جميع الليل].
قال: وفي المغرب من قصار المفصل؛ لما روى [أن] ابن عمر ﵁ قال: "إن النبي ﷺ كان يقرأ في المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: الآية١] " أخرجه ابن ماجه.
وقد روي عن أبي بكر "أنه كان قرأ فيها بقصار المفصل".
وكذلك روي عن أبي موسى الأشعري، ولا وجه لذلك إلا الاتباع.
فإن قيل: هذا يعارضه ما روي عن مروان بن الحكم قال: "قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ [في المغرب] بطولي الطويلتين؟! قال: قلت: ما طولي الطوليين؟ قال: الأعراف" قال-[أي]: ابن جريج-: وسألت أنا ابن أبي مليكة، فقال لي من قبل نفسه: "المائدة والأعراف" أخرجه أبو داود، والبخاري مختصراً.
стр. 1091
قلنا: لا معارضة بين ما ذكرناه وهذا؛ لأن ما ذكرناه يقتضي الحالة الدائمة، ومثله: ما روي عن جابر قال: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم ننصرف إلى دورنا في بني سلمة، ونحن نرى موقع النبل"، ولا يجوز أن يستوعب النبي ﷺ إحدى الطويلتين، وهما-على المشهور- "الأنعام" و"الأعراف" في قدر ذلك الزمان مع ترتيل القراءة، وما قاله زيد بن ثابت لا يقتضي أنه-عليه السالم-كان يداوم عليه؛ فيجوز أن يكون فعله بياناً للجواز ثم لو ثبتت المعارضة فإما أن نقول: يسقط الخبران؛ لتعارضهما، أو نجمع بينهما، فنقول: قرأ شيئاً من "الأعراف" قبل نزول جميعها، أو الآية المذكورة فيها قصة الأعراف، وكذلك القول في سورة "الأنعام"، وقد اختصر البندنيجي ما ذكرناه، قال في الدليل على ما ذكرناه: إنه صح في [كل] ذلك خبر عن رسول الله ﷺ .
قال الإمام: ولعل السبب فيه: أن وقت الصبح طويل، والصلاة ركعتان فحسن تطويلهما، ووقت [صلاة] المغرب ضيق؛ فشر فيها القصار، وأوقات صلاة الظهر والعصر، والعشاء [طويلة، ولكن الصلوات] كاملة الركعات؛ فتعارض ذلك عليه؛ [فرتب عليه] التوسط.
ثم المفصل من سورة "الحجرات" إلى [آخر الختمة].
وقيل: من "قاف".
стр. 1092
وقيل: من "القتال".
وقيل: "من "الجاثية".
سمي: مفصلاً؛ لكثرة الفصول بين سوره.
وقيل: لقلة المنسوخ فيه.
وطوال المفصل، مثل: "الحجرات"، و"قاف"، و"الذاريات"، و"الطور"، و"الواقعة"، و"المرسلات".
وأوساط المفصل: كـ"الجمعة" و"المنافقون".
وقصار المفصل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ كذا قاله البندنيجي، وغيره.
وقال بعضهم: إن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ من أقصر المفصل: وقصار المفصل، كـ"العاديات" ونحوها.
و"السورة" بلا همز، وبالهمز؛ لأن سور البلد-بلا همز-سمي: سوراً؛ لارتفاعه، وسؤر الطعام والشراب-: [بقيته]-مهموز، وسورة القرآن أشبهتهما، فجاز فيها الهمز، وتركه.
وما ذكره الشيخ بيان للأكمل في حق الإمام؛ فلا يستحب له الزيادة على ذلك في حق من لا يؤثرون التطويل؛ لقصة معاذ، [أما] المنفرد؛ فيطيل ما شاء إلا في المغرب؛ فإنه والإمام سواء؛ لتعلق ذلك بالوقت؛ كذا قاله الإمام.
ولو خالف الإمام أو المنفرد، فقرأ في الصبح [والظهر] من أوساط المفصل، أو قصاره، قال في "الشامل": قال أصحابنا: لا يكون خارجاً عن السنة؛ لما روى عمرو بن حريث قال: "كأني أسمع صوت رسول الله ﷺ في صلاة الغداة، فقرأ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير:١٥] ".
стр. 1093
وروى أبو داود بإسناده، عن رجل من جهينة "أنه سمع رسول الله ﷺ [يقرأ في الصبح: إذا زلزلت".
وروى-أيضاً-عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنه قال: "ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا وقد سمعت رسول الله ﷺ ] يؤم الناس بها في الصلاة المكتوبة".
قال: ويجهر الإمام والمنفرد بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء.
أما جهر الإمام في ذلك فبالإجماع المستفاد من نقل [الخلف عن السلف].
والخلف -بفتح اللام- من يتبع السلف، ويقوم مقامهم في الفضل والخير؛ فإن خلفوهم بشر؛ فهم خلف- بإسكان اللام -قال الله تعالى-: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩].
وأما جهر المنفرد؛ فلأنه غير مأمور بالإنصات؛ فأشبه الإمام.
ولا يجهر المأموم اتفاقاً، جهر إمامه أو أسر، والإسرار فيما عدا [ما] ذكره الشيخ من الصلوات المفروضة سنة، كالجهر فيما ذكرناه؛ قال ﵇:"إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار، فارجموه بالبعر" رواه أبو حفص بإسناده.
стр. 1094
وما روي أنه-﵇-قال: "صلاة النهار عجماء" فقد قال الدارقطني: إنه من قول الفقهاء.
ويستثني من ذلك صلاة الجمعة والعيدين، والاستسقاء؛ لأخبار وردت، تأتي في أبوابها.
قال المتولي، والقاضي الحسين: وقد كان الجهر مشروعاً في كل الصلوات في ابتداء السنة، إلا أن المشركين كانوا يسبون القرآن ومن أنزله؛ إذا سمعوا النبي ﷺ يقرأ؛ فأمر النبي ﷺ بالإسرار في الظهر والعصر، والجهر في المغرب والعشاء، والصبح؛ لاشتغالهم في هذه الأوقات بالأكل في منازلهم.
وقد قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء:١١٠] دال على ذلك؛ فإن معناه: [ولا تجهر في جميع الصلوات، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾، أي: لا تسر في الجميع ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾، أي: اجهر في البعض، وأسرَّ في البعض.
стр. 1095
وقيل: معناه]: لا تجهر جهراً بليغاً، ﴿وَلا تُخَافِتْ بِهَا﴾ أي: لاتخفض خفضاً بليغاً، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، أي: بين الجهر والسر ﴿سَبِيلاً﴾ فإن خير الأمور أوسطها.
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أنه لا فرق في الإمام والمنفرد بين الرجل والمرأة، وبه صرح البندنيجي وغيره.
وقالوا: يكون جهرها دون جهر الرجال، وذلك في موضع لا أجانب فيه من الرجال، فإن كان فيه منهم -قال القاضي أبو الطيب-: فالمستحب لها الإسرار.
وقال الماوردي: إنها تسر في جميع الصلوات جماعة وفرادى؛ لأن صوتها عورة.
ولعل مراده: أنها لاتجهر جهر الرجال، كما قلناه.
والقاضي الحسين قال [هنا]: السنة أن تخض صوتها في الصلوات كلها، سواء قلنا: إن صوتها عورة، أو ليس بعورة.
قال: ولأصحابنا في صوتها وجهان:
أحدهما: أنه عورة؛ فعلى هذا لو رفعت صوتها في الصلاة، بطلت صلاتها.
والثاني: لا، وهو الأصح؛ لأن العورة: ما يشاهد، ويمسن ويستمتع بها؛ وعلى هذا فمنعها من الجهر؛ لخوف الفتنة، كما تمنع من كشف وجهها، نعم، لا نأمرها بالإسرار [كإسرار] الرجل في صلاة السر، بل لها أن تجهر [أدنى جهر]، بحيث تسمع نفسها قليلاً، وإن كان حولها محارم فلا بأٍن أن تسمعهم.
وقال في باب الأذان: [إنه لا يجوز] للمرأة أن تجهر في صلاة الجهر، ولا أن ترفع صوتها بالتكبير.
الثاني: أنه يجهر بقراءة الفاتحة والسورة، وهو مما لا خلاف فيه، وحينئذ فيجهر بالبسملة يهما؛ لأنها منهما كما قررناه، وقد صح من رواية
стр. 1096
علي، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة ﵃ أن رسول الله ﷺ كان يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾.
وروى أنس بن مالك أن معاوية لما قدم المدينة، صلى صلاة جهر، فقرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾، ولم يجهر بها في السورة، فناداه المهاجرون والأنصار من كل مكان: أسرقت الصلاة يامعاوية، أين ﴿بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيِمِ﴾.
قال الماوردي وغيره من أصحابنا: فدل هذا الإنكار منهم على الإجماع في الجهر بها.
стр. 1097
واعترض بعضهم على دعوى الإجماع، وقال: من أين لهم أن كل الصحابة كانوا حضوراً في ذلك المجلس؟! فإنه يجو أن يكون فيهم من لم يحضر، وهو الظاهر.
وجوابه: أن مبادرتهم إنكار تدل على أنه مجمع عليه؛ إذ لو لم يكن كذلك، لما أنكروه؛ إذ المختلف فيه لا ينكر على فاعله على الصحيح، خصوصاً إذا كان مجتهداً.
ولأنها من القرآن؛ فاستحب الجهر بها؛ كسائر [آي] القرآن.
وفي "الزوائد": أن صاحب "الفروع" حكى عن أبي علي بن أبي هريرة: أنه يسر في البسملة فيما يجهر فيه؛ فيخالف أهل البدع.
الثالث: أنه لا فرق في الجهر في الصبح والمغرب والعشاء، والإسرار في الظهر والعصر بين أن تفعل في وقتها، أو في غير وقتها، ليلاً، أو نهاراً.
وقد حكى المتولي وغيره وجهين: في أن الاعتبار في الجهر والإسرار بوقت الأداء، أو القضاء، حتى إذا قضى الظهر ليلاً يجهر، والعشاء نهاراً يسر.
وأصحهما في "التهذيب": أن الاعتبار بحالة القضاء.
وقال المتولي: إنه ظاهر المذهب.
والمذكور في "الحاوي"، و"المرشد" مقابله؛ لأن القضاء لا يزيد على الأداء.
والوجهان-عند القاضي الحسين-ينبنيان على أنه إذا قضى صلاة في أيام التشريق، فاتته في غيرها-هل يكبر [خلفها]؟ وفيه قولان.
وذكر البندنيجي طريقة أخرى، فقال: صلاة الليل إذا فاتت، إن قضاها نهاراً أسر؛ [حكاه أبو ثور عن نص الشافعي، وإن قضاها ليلاً جهر. وصلاة النهار أي وقت قضاها أسر].
وحيث قلنا: إنه يجهر فيما يقضيه نهاراً من صلاة الليل؛ فينبغي أن يكون جهره دون جهره بالليل.
الرابع: أنه لا يجهر في النوافل ليلاً كان أو نهاراً.
стр. 1098
وغيره ضبط ما يجهر فيه، ويسر، فقال: جميع الصلاة الواقعة في الليل فرضاً أو سنة يجهر فيها، إلا صلاة الجنازة على وجه؛ لأن الغالب أنها تفعل نهاراً؛ فغلب، ولأنه لا يسن فيها قراءة السورة؛ فكانت كالركعتين الأخيرتين من العشاء.
وأما الصلاة في النهار، فما لانظير لها في الليل، وهي الجمعة، والعيدان، والاستسقاء؛ لأنه يشرع فيه الصوم، فالسنة الجهر فيها، وما لها نظير من صلاة الليل، وهي: الظهر، والعصر، والكسوف، والنوافل المطلقة، والمقيدة، فالسنة الإسرار فيها.
ونظير الظهر والعصر من صلاة الليل العشاء، ونظير الكسوف الخسوف، والنوافل بالنوافل.
الخامس: أنه لايستحب الجهر بدعاء الاستفتاح، والتعوذ، ولاخلاف في [ذلك في] دعاء الاستفتاح، وأما التعوذ، فقد قال الشافعي في "الأم": "كان ابن عمر يتعوذ في نفسه، وكان أبو هريرة يجهر، فأيهما فعل جاز".
وقال في "الإملاء": يجهربه، وإن أخفاه، جاز. فأخذ الأصحاب بذلك، وجعلوا في المسألة قولين:
أحدهما: يتخير فيه.
والثاني: يجهر؛ لأنه تبع للقراءة؛ فجرى مجراها؛ كما في التأمين؛ وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، والقاضي الحسين، والإمام.
وغيرهم قالوا في المسألة قولين:
أحدهما -وهو الجديد-[لا يجهر به أصلاً.
والثاني -وهو القديم]-: أنه يجهر [به] في الجهرية.
وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أقوال: يجهر، يسر، يتخير بينهما.
والذي اختاره في "الإفصاح": الإسرار، كما في دعاء الاستفتاح، [وهو المذكور في "الحاوي"،و"المرشد".
стр. 1099
وقد ادعى الجيلي: أن الخلاف المذكور جارٍ في دعاء الاستفتاح]، والمشهور الأول.
فرع: إذا لم يجهر في الأوليين من العشاء، لا يجهر في الأخيرتين منها؛ لان الإسرار فيهما سنة، فلا يترك لسنة أخرى في غير محلها؛ حكاه في "الوسيط" في باب صفة الحج.
ثم حد الجهر أن يسمع من حوله، وحد الإسرار أن يسمع نفسه من غير علة.
وقول الشيخ: "والأوليين من المغرب والعشاء" بتكرير الياء المثناة من تحت، وكذلك جاء تثنية المؤنث.
قال: ومن لا يحسن الفاتحة-أي: بالعربية-وضاق [عليه] الوقت عن التعلم-قرأ بقدرها من غيرها؛ أي: إن كان يحفظه، ولا يأتي بها بالعجمية إن قدر.
ووجه كونه لا يأتي بها بالعجمية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [يوسف:٢]، فأخبر أن القرآن عربي.
وقال ﵇: "أحبوني لثلاث: لأني عربي، ولأن القرآن عربي، و [لأن] كلام أهل الجنة عربي".
стр. 1100
وإذا ثبت أنه عربي، كان فيه دليل على أن العجمي ليس بقرآن؛ فلا يأتي به.
ولأن الإتيان به بالعجمية فرع فهم المراد منه، ولا غاية له، وخالف التكبير؛ حيث يأتي به العاجز عنه بالعربية بالعجمية؛ لأن معناه مفهوم، والآتي به بالعجمية يكبر، وخالف الخطبة بالعجمية، وكذا النطق بكلمة الشهادة؛ إذا جوزناها بالعجمية؛ كما هو الصحيح؛ لأن المقصود من الخطبة: الإعلام، ومن النطق بالشهادتين: الإخبار عما في الضمير، وهو يحصل بها، ولا كذلك القرآن؛ فإن المقصود منه: لفظه، ومعناه؛ فلا تقوم لغة أخرى مقامه.
ووجه كونه يقرأ بقدرها من غيرها: أنه لو لم يحسن شيئاً-لزمه أن يأتي بالذكر؛ كما سنذكره، والقرآن أقرب إلى الفاتحة منه؛ لأن نظمهما معجز؛ فتعين.
ثم ما المراد من القدر؟ هل هو [قدر] الآي [والحروف]، أو قدر الآي فقط؟ فيه قولان، أو وجهان؛ كما حكاه البندنيجي:
أحدهما -وهو ما نقله المزني-: الأول؛ لأن بذلك يتحقق أنها قدرها؛ ولأن الفاتحة مشتملة على آي وحروف، ولابد من الإتيان بعدد الآي، حتى لو قرأ
стр. 1101
آية طويلة بقدر كل آي الفاتحة- لا تجزئه؛ فكذا لابد من عدد الحروف.
والثاني-ذكره في استقبال القبلة من "الأم"، حيث قال-:يجب عليه قدر سبع آيات قصاراً كن أو طوالاً، وسواء [قرأ بهن] من سورة واحدة أو سور.
ووجهه القياس على قضاء رمضان؛ فإنا نعتبر فيه الأيام [دون الساعات].
والراجح: هو الأول، والفرق بين ما نحن فيه، والصوم: أن الواجب منه يختلف طولاً وقصراً؛ بحسب الزمان؛ فلذلك لم نعتبره في قضائه، ولا كذلك الواجب من القراءة؛ فإنه [لا] يختلف؛ فاعتبرنا المساواة في بدله.
ولأن مراعاة قدر الزمان في رمضان يشق، ولا كذلك مراعاة قد رالحروف.
وعلى هذا يكفي أن يكون [جملة] عدد حروف السبع عدد حروف الفاتحة، ولا يشترط أن [تكون حروف] كل آية بقدر حروف كل آية [من الفاتحة]؛ حتى يجوز أن نجعل آيتين مقام آية من الفاتحة.
وقيل: يجب أن يكون عدد حروف كل آية قدر حروف الآية من الفاتحة، أو أطول منها، ويحكي هذا عن الشيخ أبي محمد، وهو بعيد.
ثم الحرف المشدد من الفاتحة يعد بحرفين.
فرع: لو كان لا يحسن الآيات إلا متفرقات، أتى بهن.
وإن كان يحسن آيات متفرقات، وآيات مجتمعات، وكل منها بحيث تجزئ عن الفاتحة؛ فظاهر النص في "الأم": أنه يجزئه أيها شاء، والذي كان الشيخ أبو محمد يقوله، وتبعه الإمام: أنه يتعين عليه الإتيان بالمجتمعات؛ لأن للنظم تأثيراً عظيماً في الإعجاز، وعلى ذلك جرى الرافعي وغيره موجهين ذلك بأن المتواليات أشبه بالفاتحة.
وأما النص؛ فيمكن حمله على الحالة الأولى.
أما إذا لم يضق الوقت عن التعليم فلا يقرأ بقدرها من غيرها، بل يجب عليه أن يتعلم، وهذا يؤخذ من قول الشيخ [في] التكبير: إنه يجب عليه أن يتعلم؛
стр. 1102
لأنه إذا وجب مع أنه يأتي بمعناه بلسانه؛ فلأن يجب تعلم الفاتحة، وهو لا يأتي بها بلسانه أولى.
فلو لم يتعلم مع القدرة، أوجبنا عليه إعادة كل صلاة واجبة صلاها بدون الفاتحة إلى أن يتعلم.
وقيل: إلى أن يشرع في التعلم؛ حكاه الماوردي، وتبعه الروياني.
والحكم فيما إذا لم يمكنه التعلم، وأمكنه أن يقرأ من مصحف يشتريه، أو يستأجره، أو يستعيره كذلك، حتىلو كان في الليل، كان عليه مع ذلك تحصيل ضوء عند الإمكان.
ولو قدر على من يلقنه الفاتحة في الصلاة، قال القاضي الحسين في فتاويه: لا يجب عليه ذلك، وله أن ينتقل إلى البدل.
ولو لم يكن في البلد إلا مصحف واحد، وكان لا يمكنه التعلم إلا منه، فلا يجب على مالكه إعارته؛ وكذا لو لم يكن إلا معلم واحد، لا يلزمه التعليم على ظاهر المذهب؛ كما لو احتاج إلى سترة في الصلاة ومعه ثوب، أو احتاج إلى الوضوء ومع غيره ماء.
قال: وإن كان [يحسن] آية-أي: [فقط]-من الفاتحة، أو غيرها- ففيه قولان؛ أي: منصوصان في "الأم" كما قاله البندنيجي، وغيره حكاهما وجهين:
أحدهما: يقرؤها، ثم يضيف إليها من الذكر [ما يتم به قدر الفاتحة؛ لأنه لو
стр. 1103
كان لا يحسن شيئاً من القرآن يأتي بالذكر] عن جميعها؛ كما ستعرفه؛ فلأن ينوب عن بعضها أولى، ونظيره ما إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لوضوء أو غسل؛ فإنه ستعله، ويتيمم عن المفقود؛ لأنه لو عدم جميعه تيمم، وهذا ما صححه في "المهذب"، و"الحاوي"، و"تلخيص" الروياني، واستدل له ابن الصباغ بما رواه أبو داود قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئاً من القرآن؛ فعلمني ما يجزئني في الصلاة؛ فقال: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، قال: هذا لله فما لي؟ قال: تقول: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني، واهدني، وعافني".
قال: وفي هذا الذكر "الحمد لله"، ولا يتعذر عليه أن يقول: رب العالمين، ولم يأمره النبي ﷺ بتكرارها.
قلت: وفي هذا الاستدلال نظر من وجهين:
أحدهما: أن المأمور به في الخبر بعض آية، والنزاع إنما هو فيما إذا كان يحسن آية، وما دونها لا يجب عليه أن يأتي به؛ إذ لا إعجاز فيه.
стр. 1104
ثم لو صح ما قاله، للزم ألا يجب عليه قراءة الآية إذا كان يحفظها، بل ينتقل إلى الذكر، ولا خلاف في أنه يجب.
والثاني: أنه يكرر ذلك سبعاً؛ لأنه أقرب إلى الباقي من الذكر؛ فيتعين الإتيان به؛ كما إذا أحسن غيرها من القرآن؛ فإنه لا يعدل للذكر، ويتركه.
والخلاف جارٍ -كما حكاه البندنيجي، والشيخ في "المهذب"،وغيرهما-فيما إذا كان يحسن آية من الفاتحة، وباقي القرآن، هل يكررها سبعاً، أو يأتي بها، ويكمل من القرآن؟
قال الإمام: ولو كان يحسن آيتين مثلاً- ففي التكرار احتمال يجوز أن يقال: لو كررهما أربعاً، كفى؛ فإنه أتى بالسبع، وزاد. فليتأمل الناظر ذلك؛ فإنه محل النظر.
ولا خلاف في تعين الإتيان بالآية؛ إذا كان لا يحسن غيرها من الذكر، وقد تقدم في نظير المسألة من التيمم؛ وهي: إذا وجد بعض ما يكفيه من التراب-هل يكون في استعماله القولان يما إذا وجد بعض ما يكفيه من الماء، [أو يجب] قولاً واحداً؛ كما نحن فيه؟ في طريقان.
كأن الفرق أنه هنا لا يجب عليه الإعادة عند العجز عن كل البدل؛ فاحتيط [بالإتيان بالمقدور عليه، ولا كذلك في التيمم؛ فإنه عند العجز عن [كل] البدل يصلي، ويعيد-على الصحيح- فلا ضرورة] في الإتيان ببدل ناقص.
ثم إذا قلنا بأنه يقرأ الآية، ويأتي بالذكر؛ فظاهر كلام الشيخ أنه يأتي بالآية أولاً، ثم بالذكر، سواء كانت الآية في أول الفاتحة، أو وسطها، أو آخرها، وهو ما اقتضاه كلامه في "المهذب" أيضاً؛ لأنه قال: إن كان يحسن آية وغيرها قرأ الآية، ثم يقرأ ست آيات من غيرها.
وغيره من الأصحاب اختلف كلامهم:
فقال البغوي: لا يشترط الترتيب بين البدل، والأصل، وكيفما قرأ جاز.
وقال القاضي الحسين، والمتولي، والأئمة- كما قال الإمام-: إنه إن كان
стр. 1105
يحسنها من الفاتحة وجب الترتيب؛ فإن كانت أول الفاتحة أتى بها، ثم بالذكر، وإن كانت من آخرها أتى بالذكر، ثم بها، وإن كانت في وسطها أتى بالذكر أولاً عما قبلها، ثم بها، ثم بالذكر عن الباقي.
قال الإمام: وعلة الترتيب هاهنا ليست علة الترتيب في الفاتحة؛ لأن الترتيب يراعى في الفاتحة؛ حفظاً لنظمها المعجز، وليس بين البدل وما يأتي به من الفاتحة [نظم يرعى.
قلت: وعلى هذا لو كان يحسن الآية من غير الفاتحة] ينبغي أن ينظر في عدد حروفها؛ إذا قلنا باعتبار عدد الحروف، فإن وافقت آية [من] أول الفاتحة، أو وسطها، [أو] آخرها- قدر أنها بدلها، وأتى بالذكر بدلاً عما بقي. وإن لم تكن حروفها قدر حروف آية منها، بل أقل-فيظهر أنه يتخير في تقديم الذكر [وتأخيره]، ويجوز أن يتعين تقديم الآية؛ لأنها أقرب إلى الأصل، والله أعلم.
стр. 1106
قال: وإن لم يحسن شيئاً من القرآن، لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] للخبر السابق؟
قال: ويضيف إليه كلمتين من الذكر؛ لتكمل الكلمات سبعاً؛ كعدد آي الفاتحة.
ولأنه لو أتى بالبدل من القرآن، أتى بسبع آيات؛ فالذكر أولى، وهذا قول أبي إسحاق؛ كما قاله أبو الطيب، وعلى هذا فالأولى أن يضيف إليه ما روي في بعض الأخبار: "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن"؛ وهذا القول لم يحك الشيخ أبو حامد غيره، ولم يذكر في "المهذب" غيره.
وقيل: لا يلزمه أن يضيف إلى الكلمات الخمس شيئاً آخر؛ لأنه-﵇ اقتصر حين سئل عن بيان ما يجزئ في الصلاة على ذكر ذلك، وهذا قول أبي علي الطبري، واختاره القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والروياني، وهو الأصح، وخالف ما إذا كان البدل قرآنا؛ لأنه من الجنس؛ فاعتبر المقدار، وهذا بدل من غير الجنس؛ فيجوز أن يكون ون أصله؛ كالتيمم مع الوضوء والغسل.
قال: وقيل: يجوز هذا وغيره؛ أي: لا يتعين ذكر للبدل، بل سائر الأذكار فيه سواء؛ لأن القرآن بدل عن الفاتحة، والذكر بدل عن القرآن، وغير الفاتحة من القرآن لا يتعين؛ فكذا بدله؛ كذا قاله القاضي أبو الطيب.
ولأنه لا مزية لبعض الذكر عن بعض من حيث النظم؛ وهذا ما يحكي عن أبي إسحاق المروزي، ونسبه الروياني في "تلخيصه" إلى أبي علي بن أبي هريرة.
وهو على تقدير صحة النسبة الأولى فيما حكيناه عنه من أنه يضيف إلى الذكر المذكور [في] الخبر كلمتين من الذكر-محمول على [ما] إذا أراد أن يأتي به.
وقد صحح عدم تعيين الذكر الرافعي، والروياني في "تلخيصه"، ولم يحك الإمام عن المراوزة غيره.
وأمره-﵇-الأعرابي بالذكر المخصوص محتمل؛ لأنه كان
стр. 1107
يحفظه، ولا يحفظ سواه؛ ولذلك لم يكرره عليه؛ وعلى هذا يشترط أن تكون حروف ما يأتي به من الذكر بقدر حروف الفاتحة؛ لأنه [لا] يمكن اعتبار قدر الآي إلا بذلك.
وحكى الرافعي وجهاً آخر: أنه لا يشترط، وعلى هذا يأتي بسبع أنواع من الذكر، ويقام كل نوع مقام آية، وهذا ما حكاه في "التهذيب".
قال الرافعي: وهو أقرب تشبيهاً لمقاطع الأنواع مقام الآيات.
وهل الأدعية المحضة كالأثنية؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد.
قال الإمام: والأشبه أن ما يتعلق من الأدعية بأمور الآخرة كالأثنية، دون ما يتعلق بالدنيا.
وسلك الرافعي طريقاً آخر؛ فقال: يشترط أن تكون حروف الأذكار معادلة لحروف الفاتحة، ويعد الحرف المشدد من الفاتحة بحرفين من الذكر، ولا يراعي في الذكر التشديدات.
وهل يشترط أن تكون كلمات الذكر معادلة لعدد آي الفاتحة؟ فيه وجهان.
стр. 1108
ويشترط ألا يقصد بالذكر المأتي به شيئاً سوى البدلية؛ كما إذا استفتح أو تعوذ على قصد إقامة سنتهما.
ولا يشترط قصد البدلية فيهما، ولا في غيرهما من الأذكار في أظهر الوجهين.
قال: فإن لم يحسن شيئاً، وقف بقدر القراءة: لأنه كان يجب عليه- في حال قدرته على القراة-أمران:
أحدهما: القيام.
والثاني: القراءة.
فإذا فات أحدهما بقي الآخر.
ومثل هذا: التشهد الأول، والقنوت؛ إذا كان لا يحسنهما يمكث بقدرهما؛ ولهذا عد الأصحاب القنوت، والقيام له، والتشهد، والجلوس له مما يسجد لكل منها عند السهو؛ كما ستعرفه.
فإن قلت: القيام إنما وجب لأجل القراءة، والقراءة قد سقطت؛ فوجب أن يسقط ما وجب لأجلها.
قلنا: القيام وجب عندنا لنفسه وعينه، وبه صرح الإمام في صلاة المريض، وإن كان قد قال -عند الكلام في المسبوق-: إنه إنما وجب تبعاً للقراءة، والصحيح: ما ذكرناه.
فرع: لو تعلم الفاتحة في الصلاة، فهل يجب عليه قراءتها؟ نظر:
فإن كان ذلك قبل [الشروع في القراءة، وجب بلا خلاف.
وإن كان بعد] الركوع، فلا يجب في تلك الرجعة بلا خلاف.
وإن كان بعد الشروع في البدل، وقبل استكماله، فهل يتمه، أو يقطعه؟ فيه
стр. 1109
وجهان؛ حكاهما الروياني، والإمام، والفوراني:
أحدهما: أنه يتمه؛ كما إذا قدر على العتق في الكفارة بد الشروع في البدل.
والثاني: لا وهو المشهور، ولم يحك الرافعي سواه.
وعلى هذا فهل يستأنف الفاتحة، أو يأتي نها بقدر ما بقي من الذكر؟ فيه وجهان؛ أصحهما- في "التتمة"، وغيره-: الأول؛ كما لو قدر على الماء قبل فراغ تيممه؛ فعلى هذا لو لم يتعلم إلا بعد الفراغ من الذكر، وقبل [الشروع في] الركوع؛ فهل يستأنف، أو لا؟ فيه وجهان؛ أصحهما-عند الروياني-نعم؛ كما لو قدر على الماء بعد الفراغ من التيمم؛ لأن محل القراءة باقٍ، وهذا ما أورده الماوردي، [والقاضي أبو الطيب] في باب: صلاة الإمام قاعداً بقيام.
وأظهرهما في "الرافعي" الثاني.
ومنهم من قطع به؛ لأن البدل قد تم، وتأدى به الفرض؛ فأشبه ما لو أتى المكفر بالبدل، ثم قدر على الأصل، أو صلى بالتيمم، ثم قدر على الماء.
والفوراني شبه الخلاف في هذه الحالة والحالة [التي] قبلها بالخلاف فيما إذا انقطع المطر بعد [فراغ] صلاة العصر، وقد جمع في وقت الظهر.
[فرع آخر]: الأخرس عليه أن يحرك لسانه بقصد القراءة؛ لأن القراءة تتضمن نطقاً، وتحريك اللسان؛ فالقدر الذي تعذر جعلناه عفواً، وما يقدر عليه لابد له من الإتيان به؛ قاله في "التتمة"، وحكاه الإمام عن رواية العراقيين عن النص، ثم قال: وهو مشكل؛ فإن التحريك بمجرده لا يناسب القراءة، ولا يدانيها؛ فإقامته بدلاً بعيد.
ثم يلزم -على قياس ما ذكروه- أن يلزموا التصويت من غير حروف، مع تحريك اللسان، وهذا أقرب من التحريك المجرد.
وبالجملة لست أرى ذلك بدلاً عن القراءة، ثم إذا لم يكن بدلاً، فالتحريك الكثير ملحق بالفعل الكثير، وسنذكره.
стр. 1110
قال: ثم يركع؛ لقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] وقوله ﵇ للمسيء في صلاته: "ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" وهو إجماع.
قال: مكبراً؛ لما روى أبو هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ويكبر حين يركع، ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" حين يرفع صلبه من الركوع، ويقول وهو قائم: "ربنا لك الحمد" ثم يكبر حين [يهوى، ثم يكبر حين يرفع رأسه، يفعل ذلك في صلاته كلها، وكان يكبر حين] يقوم لاثنين من الجلوس، رواه مسلم، والبخاري.
وكان أبو هريرة يكبر في كل خفض، ورفع، ويقول: "أنا أشبهكم بصلاة رسول الله ﷺ ". رواه البخاري.
قال: رافعاً يديه؛ لما روى ابن عمر: أنه ﵇ كان يرفع يديه حذو منكبيه؛ إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد"، وكان لا يفعل ذلك في السجود. رواه مسلم، والبخاري.
وهكذا يرفعهما إذا صلى جالساً، أو مضجعاً.
ثم في كيفية الرفع الخلاف السابق [في كيفيته في] تكبيرة الإحرام، وهو جار في الرفع من الركوع أيضاً؛ قال الرافعي.
والذي ذكره الجمهور هاهنا أنه يرفع ذلك حذو منكبيه.
قال الأصحاب: ويستحب أن يكون ابتداء التكبير مع ابتداء الرفع، وهل يمد التكبير إلى آخر الركوع؛ كي لا يخلو فعل من أفعال الصلاة عن ذكر، وكذا في
стр. 1111
سائر تكبيرات الانتقالات؟ فيه قولان:
الجديد الأول، وهو مختار البغوي.
ووجه الثاني- وهو القديم-: [الحذر من التغيير]،وقد روي أنه ﵇ قال: "التكبير جزم".
قال: وأدنى الركوع أن ينحني؛ أي: القادر المعتدل الخلقة؛ حتى تبلغ يداه ركبتيه -أي: لو أراد ذلك -بدون إخراج الركبتين، أو انخناس؛ لأنه بدونه لا يسمى راكعاً حقيقة؛ فحمل الأمر عليه، وما دونه يسمى: انحناء.
قال الرافعي: وفي لفظ "الانحناء" إشارة إلى أنه لو انخنس، وأخرج ركبتيه، وهو مائل، أو نتصب- لم يكن ذلك ركوعاً، وإن صار بحيث لو مد يده، لنالت راحتاه ركبتيه؛ لأن نيلهما ركبتيه لم يكن بالانحناء.
قال الإمام: لو خرج الانحناء بهذه الهيئة، وكان التمكن من وضع الراحتين على الركبتين بهام جميعاً-لم يعتد بما جاء به ركوعاً أيضاً.
ولا فرق في ذلك بين أن يقدر عليه بنفسه، أو لا يتمكن منه إلا بمعين، أو الاعتماد على شيء، أو بأن ينحني على شيء.
وإن لم يقدر، انحنى القدر المقدور عليه؛ فإن عجز، أومأ بطرفه عن قيام.
وهذا حد ركوع القائم، أما القاعد، فحد ركوعه مذكور في باب صلاة المريض.
فرع: لو قرأ في صلاته آية سجدة؛ فهوى ليسجد للتلاوة، ثم بدا له [بعد] ما بلغ حد الراكعين أن يركع- لم يعتد بذلك ركوعاً؛ لأنه لم يقطع
стр. 1112
القيام؛ لقصد الركوع، بل يجب عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع؛ قاله البغوي، ومثله ما سنذكره في الباب بعده.
قال: والمستحب أن يضع يديه على ركبتيه، ويفرق أصابعه؛ لما روى البخاري، ومسلم في حديث [أبي] حميد الساعدي في صفه صلاته ﵇ قال: "ثم ركع، فوضع يديه على ركبتيه؛ كأنه قابض عليهما".
وفي رواية: "ويفرج بين أصابعه".
فلو كان بإحدى يديه علة، أو كانت مقطوعة- وضع الأخرى، وينصب ركبتيه.
[والغزالي والإمام قالا: إنه] يترك الأصابع على حالها منشورة نحو القبلة.
ويكره التطبيق؛ وهو: أن يطبق يديه، ويجعلهما بين ركبتيه؛ لأنه نهى عن ذلك بعد أن كان يفعل؛ رواه أبو حميد، وأنه [يضرب فاعله بالأكفّ] على الركب، رواه البخاري.
стр. 1113
قال: ويمد ظهره وعنقه؛ لان النبي ﷺ كان يمد ظهره، وعنقه.
قال الراوي: حتى لو صب على ظهره ماء لركد؛ [يعني]: لاستواء ظهره.
ورواية أبي حميد: "فيهصر ظهره، غير مقنع رأسه، ولا صافح بخده".
قال الشافعي في القديم: ويجعل [رأسه] وعنقه حيال [ظهره].
وقال في "الإملاء" ولا يتبازخ، ولا يجعل ظهره محدودياً.
والتبازخ: أن يخرج صدره، ويطأطئ ظهره؛ يكون كالتبزُّخ.
والمحدودب: أن يعلي وسط ظهره، وعبارة الشيخ تنظم اللفظين.
قال: الأصحاب: ويستحب-مع ذلك-أن ينصب ساقيه.
قال: ويجافي مرفقيه عن جنبيه؛ لما روي عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا ركع- وضع يديه على ركبتيه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه.
قال: وتضم المرأة بعضها إلى بعض؛ لأنه أستر لها، والخنثى في هذا المعنى كالمرأة.
стр. 1114
قال: ويقول: سبحان ربي العظيم؛ لما روى أبو داود أنه ﵇ لما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال: "اجعلوها في ركوعكم"، ولما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١] قال: "اجعلوها في سجودكم".
قال بعضهم: والمعنى في جعل وصفه بالعظمة في الركوع: أنه لم يعبد [به] غيره، وعن حذيفة: أنه صلى مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما مرّ بآية رحمة إلا وقف عندها يسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها؛ متعوذاً. أخرجه مسلم، وغره بنحوه مختصراً، ومطولاً.
قال: ثلاثاً، وذلك أدنى الكمال، وهذا لفظه في المختصر، ووجهه ما روى ابن مسعود أنه ﵇ قال: "إذا ركع أحدكم؛ فقال: سبحان ربّي العظيم ثلاث مرات؛ فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد [فقال في سجوده]
стр. 1115
سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه".
رواه الترمذي، وقال: إن إسناده غير متصل؛ لأنه يرويه عون عن ابن سعود، ولم يلقه.
ولو اقتصر على قوله [مرة]:سبحان ربي العظيم في الركوع، وسبحان ربي الأعلى في السجود-كان مؤدياً لأصل السنة؛ قاله في "التتمة"، إلا أن المستحب ألا ينقص عن الثلاث.
ولو قال في كل مرة من الثلاث: "وبحمده"، كان حسناً؛ لأن عقبة بن عامر روى أنه ﵇ كان يقول ذلك [ثلاثاً] في الركوع والسجود، [رواه أبو داود].
والقراءة فيه مكروهة؛ وكذا في السجود؛ لقوله ﵇: "ألا إني نهيت أن أقرأ راكعاً، أو ساجداً، أما الركوع؛ فعظّموا فيه الرب، وأما السجود فابتهلوا فيه بالدعاء؛ فقمن أن ستجاب لكم" أخرجه مسلم، وقوله: "فقمن" بفتح الميم
стр. 1116
وكسرها؛ ومعناه: جدير، وحقيق، قال القلعي: والصواب هاهنا: الفتح لا غير؛ لأنه مصدر، ويقال: فقمين، بالياء، قال الجوهري: من فتح أراد المصدر؛ فلا يثني، ولا يجمع، ولا يؤنث؛ ومن كسر أراد الصفة؛ فيصح تثنيته، وجمعه.
وقد قيل: لو قرأ في غير القيام [الفاتحة] [عامدا]، بطلت صلاته؛ كما ستعرفه في باب: سجود السهو.
قال: فإن قال [مع ذلك]: اللهم لك ركعت، [وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت] ربي، خشع لك سمعي، وبصري، وعظامي، وشعري، وبشري، وما استقل به [قدمي] لله رب العالمين- كان أكمل.
قال الشافعي: لأنه حدثني إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان يقوله.
[وفي] رواية أبي داود، عن [علي، عن] النبي ﷺ أنه كان يقول: "اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، وعظمي، ومخّي، وعصبي"؛ وهذا ما استحبه في "المرشد".
قال بعضهم: وسبب الاختلاف في ذلك وأمثاله: اختلاف طرق الأحاديث، مع تقارب المعنى.
стр. 1117
وقد قيل: إن أكمل الكمال أن يقول: سبحان ربي العظيم خمساً، أو سبعاً؛ كذا حكاه ابن يونس.
وقال الماوردي: إن أكمل الكمال أن يقول ذلك إحدى عشرة مرة، أو تسعاً.
ثم ظاهر [كلام الشيخ] أنه لا فرق في ذلك بين الإمام والمأموم، [والمنفرد]، وهو ما حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"، ولفظه: وأحب ألا يقصر عن هذا إماماً كان، أو منفرداً، وهو تخفيف، لا تثقيل.
وقال الماوردي، والمتولي، والقاضي الحسين، وغيرهم: إن هذا مختص بالمنفرد، أما إذا كان إماماً، فلا يستحب له الزيادة على الثلاث حذراً من التطويل على المأمومين، إلا أن يؤثره.
قال القاضي الحسين، والماوردي: ومن العلماء من قال: ينبغي أن يقولها خمساً؛ ليقولها المأموم ثلاثاً، وقد حكاه الروياني وجهاً لنا، ولم يذكر في "الحلية" -كما قيل- غيره.
قال: ثم يرفع رأسه؛ لقوله ﵇ للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل قائماً".
وقالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع، لم يسجد حتى يستوي قائماً" رواه مسلم.
стр. 1118
قال: قائلاً: سمع الله لمن حمده؛ لحديث أبي هريرة السالف.
وعن ابن كج أنه يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده، وهو راكع، ثم إذا انتهى، أخذ في رفع الرأس واليدين.
ومعنى "سمع الله لمن حمده": أجاب الله حمد من حمده، وقد جاء مثله في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥]، أي: اسمعوا مني سمع طاعة وإجابة، والعرب تقول: اسمع دعائي، أي: أجبه.
وقيل: معناه: غفر له.
ولو قال: لك الحمد ربنا، أو من حمد الله سمع له -قال الشافعي في "الأم"-: أجزأه؛ لأنه أتى باللفظ والمعنى. والأول أولى.
والإمام يجهر بذلك؛ ليسمع من خلفه؛ كما في التكبير، والمأموم يسر به؛ قاله الماوردي.
قال: ويرفع يديه؛ أي: مع صلبه؛ لحديث ابن عمر.
قال: فإذا استوى قائماً-قال: ربنا لك الحمد ملء السموات و [ملء] الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد؛ لما روى عبد الله بن أبي أوفى أنه ﵇ كان إذا رفع ظهره قال ذلك، رواه مسلم، وفي رواية: "ربنا ولك
стр. 1119
الحمد" بإثبات الواو.
ولذلك قال في "الأم": وإذا أتى بها كان أحب إلي؛ كذا حكاه البندنيجي، وحينئذ فتكون الواو مزيدة.
[قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عنها؟، فقال: هي مزيدة]، تقول العرب: "بعني هذا الثوب [بكذا وكذا]؛ يقول: نعم، وهو لك"، وتقديره: نعم هو لك.
وقال بعضهم: يمكن أن يقال: ليست مزيدة، ويكون المعنى فيه: أن قوله: "سمع الله لمن حمده" ثناء وجب على حمد الله -تعالى- فكأنه قال: دعوتني إلى حمدك، وحمدتك يا رب لدعوتك إليه؛ فتكون الواو عاطفة لإحدى الجملتين على الأخرى.
وقيل: هي عاطفة على جملة مضمرة؛ كأنه قال: ولك الحمد على ما وفقتنا إليه من القول الحسن، والعمل الصالح؛ قاله في "الغريب".
ولو قال: "اللهم ربنا لك الحمد"، جاز أيضاً؛ لان أبا سعيد الخدري رواه، أخرجه مسلم.
قال: وذلك أدنى الكمال؛ أي: أخصر ذكر كامل، شرع في الاعتدال، وفيه تنبيه على [أن] ما دونه ليس من الكمال في شيء.
ومعنى قوله: "ملء السموات، وملء الأرض" أي: أحمدك حمداً يملأ ذلك.
وقوله: "وملء ما شئت من شيء بعد"؛ كالكرسي، وما غمض عن إدراك عبادك؛ قال الله -تعالى-: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [البقرة:٢٥٥]
стр. 1120
وقيل: ثوابه يملأ السموات والأرض، وما شئت من شيء بعد.
وقيل: ذكر ذلك على سبيل التمثيل، والتقريب؛ أي: لو كان بدل هذا القول أجراماً، لملأت ذلك.
وفي "ملء السموات" ومثله لغتان: النصب، والرفع، والنصب أشهر، وممن حكاهما ابن خالويه، وصنف في المسألة.
قال: فإن قال معه: "أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد: كلنا لك عبد، لامعطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" كان أكمل؛ لأن أبا داود روى ذلك، عن رواية أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ وأخرجه مسلم، إلا أن الرواية: "أحق ما قال العبد" بالألف، "وكلنا لك عبد" بإثبات الواو.
قال النواوي: وما ذكره الشيخ هو المذكور في معظم كتب الفقه، وهو صحيح من حيث المعنى، ولكن الذي [ثبت] عن رسول الله ﷺ ما ذكرناه، قال: وتقديره حينئذٍ: أحق ما قال العبد: لا مانع لما أعطيت ... إلى آخره، واعترض بينهما: "وكلنا لك عبد"؛ ولهذا الاعتراض نظائر في القرآن، وغيره.
وعلى تقدير حذف الألف؛ فـ"حق ما قال العبد"، خبر لمبتدأ تقديره: ما قال العبد حق، لا باطل.
وقوله: "أهل الثناء" منصوب على النداء.
قيل: ويجوز رفعه؛ على تقدير: أنت أهل الثناء، والمشهور النصب.
و"الثناء" ممدود، وهو بتقديم الثاء موضوع للمدح، وما يقال من أنه ورد في الذم، فهو شاذ مؤوّل على إقامة الذم مقام المدح، والنثا؛ بتقديم النون مقصور يستعمل في المدح والذم معاً.
والمجد: العظمة، والرفعة.
وقوله: "كلنا لك عبد" فيه إشعار بأنه من كانت هذه صفته، كان الانقياد إليه والخضوع واجباً.
стр. 1121
ومعنى: "لا ينفع ذا الجد منك الجد"، أي: لا ينفع ذا النسب في الدنيا نسبه في الآخرة.
أو لا ينفع ذا الحظ في الدنيا حظه في العقبى، وإنما ينفعه العمل وطاعتك. وهذا ما صححه النواوي.
و"الجد" مرفوع فاعل "ينفع"، أي: لا ينفع الجد صاحبه.
و"ذا الجد" مفعوله، وهو بفتح الجيم؛ على الصحيح، ورواه جماعة قليلة بكسر الجيم؛ وهو: الإسراع في الهرب، أي: لا ينفعه هربه منك.
وقيل: المعنى-على هذه الرواية-: لا ينفع ذا الاجتهاد في العمل منك اجتهاده، إذا لم يسبق له سابقة خير، إنما النجاة بفضل الله ورحمته.
قال الأزهري: "ومنك" هاهنا بمعنى: عندك.
[ثم ظاهر] كلام الشيخ أنه لا فرق في ذلك بين الإمام والمنفرد، وهو ما حكاه البندنيجي.
وقال الإمام: يحتمل أن يختص هذا بالمنفرد، أما الإمام فإنه مأمور بالتخفيف؛ فيقتصر على أدنى الكمال، وهو الموافق لما حكيناه عن غيره في الركوع، وهذا ما أورده الرافعي، وقال في "الحاوي": إنه المختار.
قال: ثم يكبر، ويهوي ساجداً؛ لخبر أبي هريرة السابق، وهو يقتضي أنه يمد التكبير إلى السجود، وهو الجديد.
ومقابله وهو القديم: أنه لايمده، بل يحذفه؛ لما تقدم من الخبر أيضاً.
ولا يستحب فيه رفع اليدين؛ لما تقدم من خبر ابن عمر.
ويهوي؛ بفتح الياء؛ أي: يقع، قال الله -تعالى-: ﴿تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١]، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١].
والسجود أصله: التطامن، والميل.
وقيل: أصله: الخضوع، والتذلل، وسمي سجود الصلاة: سجوداً؛ لأنه غاية الخضوع.
قال: فيضع ركبتيه، ثم يديه؛ لما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله
стр. 1122
صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.
стр. 1123
أخرجه أبو داود، والتمذي، وقال: إن حسن غريب، لا نعرف واحداً رواه غير شريك.
قال الخطابي: هو أصح مما رواه النسائي، عن أبي هريرة؛ انه ﵇ قال: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يبرك برك البعير".
стр. 1124
وقد قيل: إنه منسوخ؛ لأن أبا سعيد الخدري قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين؛ فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين.
قال: ثم جبهته، وأنفه؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ رئي على جبهته وعلى أرنبته أثر طين من صلاة صلاها بالناس. رواه أبو داود، وأخرجه البخاري، ومسلم بنحوه أتم منه.
قال: وأدنى السجود: أن يباشر بجبهته المصلى؛ لما روى مسلم [وغيره] عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا؛ فلم يُشْكِنَا، أي: لم يزل شكايتنا.
والرمضاء: [الرمل] المتوقد من شدة [حر] الشمس.
وقيل: لابد مع السجود على الجبهة من السجود على الأنف؛ لقوله عليه
стр. 1125
السلام: "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض"، رواه الدارقطني عن ابن عباس، وهذا ما حكاه في "الزوائد" قولاً عن رواية أبي زيد.
والمشهور في الكتب: الأول؛ لأنه ﵇ سجد على جبهته على قصاصة الشعر، وهو حيث ينتهي بنانه من مقدمه أو مؤخره، وضم القاف أفصح لغاته، ومعلوم أن من سجد على ذلك لا يكون أنفه على الأرض.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: الاكتفاء بإمساس الجبهة المصلى؛ إذ به يصدق اسم المباشرة؛ كما هو مذكور في باب ما ينقض الوضوء، وليس ذلك بكاف، بل لابد معه من إرخاء الرأس على المصلى؛ لأنه جاء عنه ﵇ أنه [قال]: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء ... " إلى أن قال: "فيسجد؛ فميكن جبهته".
قال همام: وربما قال: "جبهته من الأرض؛ حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي"، أخرجه أبو داود؛ فلو حصل الإمساس مع حمل الرأس عنه لم يجزئه؛ للخبر.
وزاد الشيخ أبو محمد، فقال: إذا كان السجود على شيء محشو بقطن ونحوه، فلابد من التحامل عليه؛ ليظهر أثر السجود. وهو معنى ما ذكره البغوي، والقاضي الحسين.
وقال الإمام: إنه يكفي الإرخاء أيضاً، بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل، وإليه الإشارة بقول عائشة: "رأيت رسول الله ﷺ في سجوده كالخرقة البالية"، وهذا ما أورده في "الوسيط".
следующие страницы →