← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ومعنى: "لا ينفع ذا الجد منك الجد"، أي: لا ينفع ذا النسب في الدنيا نسبه في الآخرة. أو لا ينفع ذا الحظ في الدنيا حظه في العقبى، وإنما ينفعه العمل وطاعتك. وهذا ما صححه النواوي. و"الجد" مرفوع فاعل "ينفع"، أي: لا ينفع الجد صاحبه. و"ذا الجد" مفعوله، وهو بفتح الجيم؛ على الصحيح، ورواه جماعة قليلة بكسر الجيم؛ وهو: الإسراع في الهرب، أي: لا ينفعه هربه منك. وقيل: المعنى-على هذه الرواية-: لا ينفع ذا الاجتهاد في العمل منك اجتهاده، إذا لم يسبق له سابقة خير، إنما النجاة بفضل الله ورحمته. قال الأزهري: "ومنك" هاهنا بمعنى: عندك. [ثم ظاهر] كلام الشيخ أنه لا فرق في ذلك بين الإمام والمنفرد، وهو ما حكاه البندنيجي. وقال الإمام: يحتمل أن يختص هذا بالمنفرد، أما الإمام فإنه مأمور بالتخفيف؛ فيقتصر على أدنى الكمال، وهو الموافق لما حكيناه عن غيره في الركوع، وهذا ما أورده الرافعي، وقال في "الحاوي": إنه المختار. قال: ثم يكبر، ويهوي ساجداً؛ لخبر أبي هريرة السابق، وهو يقتضي أنه يمد التكبير إلى السجود، وهو الجديد. ومقابله وهو القديم: أنه لايمده، بل يحذفه؛ لما تقدم من الخبر أيضاً. ولا يستحب فيه رفع اليدين؛ لما تقدم من خبر ابن عمر. ويهوي؛ بفتح الياء؛ أي: يقع، قال الله -تعالى-: ﴿تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١]، ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١]. والسجود أصله: التطامن، والميل. وقيل: أصله: الخضوع، والتذلل، وسمي سجود الصلاة: سجوداً؛ لأنه غاية الخضوع. قال: فيضع ركبتيه، ثم يديه؛ لما روى وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله

стр. 1122

صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه.

стр. 1123

أخرجه أبو داود، والتمذي، وقال: إن حسن غريب، لا نعرف واحداً رواه غير شريك. قال الخطابي: هو أصح مما رواه النسائي، عن أبي هريرة؛ انه ﵇ قال: "إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يبرك برك البعير".

стр. 1124

وقد قيل: إنه منسوخ؛ لأن أبا سعيد الخدري قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين؛ فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين. قال: ثم جبهته، وأنفه؛ لما روى أبو سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ رئي على جبهته وعلى أرنبته أثر طين من صلاة صلاها بالناس. رواه أبو داود، وأخرجه البخاري، ومسلم بنحوه أتم منه. قال: وأدنى السجود: أن يباشر بجبهته المصلى؛ لما روى مسلم [وغيره] عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا؛ فلم يُشْكِنَا، أي: لم يزل شكايتنا. والرمضاء: [الرمل] المتوقد من شدة [حر] الشمس. وقيل: لابد مع السجود على الجبهة من السجود على الأنف؛ لقوله عليه

стр. 1125

السلام: "لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض"، رواه الدارقطني عن ابن عباس، وهذا ما حكاه في "الزوائد" قولاً عن رواية أبي زيد. والمشهور في الكتب: الأول؛ لأنه ﵇ سجد على جبهته على قصاصة الشعر، وهو حيث ينتهي بنانه من مقدمه أو مؤخره، وضم القاف أفصح لغاته، ومعلوم أن من سجد على ذلك لا يكون أنفه على الأرض. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: الاكتفاء بإمساس الجبهة المصلى؛ إذ به يصدق اسم المباشرة؛ كما هو مذكور في باب ما ينقض الوضوء، وليس ذلك بكاف، بل لابد معه من إرخاء الرأس على المصلى؛ لأنه جاء عنه ﵇ أنه [قال]: "لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء ... " إلى أن قال: "فيسجد؛ فميكن جبهته". قال همام: وربما قال: "جبهته من الأرض؛ حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي"، أخرجه أبو داود؛ فلو حصل الإمساس مع حمل الرأس عنه لم يجزئه؛ للخبر. وزاد الشيخ أبو محمد، فقال: إذا كان السجود على شيء محشو بقطن ونحوه، فلابد من التحامل عليه؛ ليظهر أثر السجود. وهو معنى ما ذكره البغوي، والقاضي الحسين. وقال الإمام: إنه يكفي الإرخاء أيضاً، بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل، وإليه الإشارة بقول عائشة: "رأيت رسول الله ﷺ في سجوده كالخرقة البالية"، وهذا ما أورده في "الوسيط".

стр. 1126

الثاني: إيجاب مباشرة المصلى بجميع الجبهة، وهو وجه حكاه ابن القطان؛ لظاهر قوله ﵇: "إذا سجدت فمكن جبهتك من الأرض"، لكن المذهب أنه يكفيه أن يسجد على بعضها؛ لما روي عن جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ يسجد على جبهته على قصاص الشعر. رواه تمام في "زوائده"، ومع هذا يشكل قول الشافعي في "الأم": "وإن سجد على بعض جبهته، كرهته، وأجزأه"؛ لأنه ﵇ لا يفعل مكروهاً، وإن فعل المباح، وترك الأولى [مرة]؛ لبيان الجواز.

стр. 1127

نعم، لو سجد على جبينه- وهو جانب الجبهة-لم يجزئه. وقد أفهم كلام الشيخ أنه لو كان على جبهته شيء يمنع مباشرتها المصلى-لم يجزئه، وهو كذلك، إلا أن يكون عليها عصابة؛ لمرض، أو جرح؛ فنه يجزئه، ولا إعادة عليه؛ حكاه البندنيجي. وقيل: عليه الإعادة. قال الماوردي: وهو مخرج من المسح على الجبائر، وليس بصحيح. ثم ما ذكره [من مجرد] الاكتفاء بمباشرة الجبهة للمصلى مقيد بشرطين: أحدهما: ألا يكون المصلى متصلاً [به] اتصالاً يتحرك بحركته، [فلو صلى على طرف عمامة، وهي تتحرك بحركته لم يصح، وإن لم تتحرك بحركته]- جاز؛ نص عليه الشافعي؛ قاله أبو الطيب. وقال القاضي الحسين: لا يجزئه في الحالين؛ كما في النجاسة. الثاني: ألا تكون أعاليه- في حالة سجوده- على المصلى أعلى من أسافله، ويتصور ذلك بأن يسجد على مخدة، أو ربوة، ونحو ذلك؛ فلو كانت، لم يصح. وإن كانت أسافله- في حال سجوده- أعلى من أعاليه- صح. وإن استوت الأسافل، والأعالي-فوجهان؛ أظهرهما: عدم الصحة أيضاً، وهو المذكور في "الوجيز"، و"التهذيب". ثم هذا في حق المتمكن من ذلك، أما من به علة تمنعه من التنكيس، أو الاستواء-فلا يلزمه، لكن هل يجب عليه وضع شيء؛ ليسجد عليه، أو يكفيه الإيماء؟ فيه وجهان: أظهرهما -عند الغزالي-: الوجوب. ومقابله: أشبه بكلام الأكثرين؛ كما قال الرافعي. ولا خلاف في أنه إذا عجز عن وضع الجبهة على المصلى، وقدر على وضعها على وسادة، مع مراعاة هيئة التنكيس: أنه يلزمه ذلك.

стр. 1128

ولو عجز عن الانحناء أشار بالرأس، ثم بالطرف. والمراد بالمصلى: ما يصلي عليه من أرض، أو ثوب، أو حصير، ونحو ذلك، والأصل في جواز ذلك ما رواه أنس قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا الثوب من شدة الحر في مكان السجود. أخرجه البخاري، ومسلم. قال: وفي وضع اليدين [والركبتين]، والقدمين- أي: أطراف أصابع القدمين -قولان- أي: منصوصان في "الأم". أحدهما: يجب؛ لقوله ﵇:"أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء: على الجبهة وأشار بيده إليها- واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين، ولا أكف الثوب، ولا الشعر" أخرجه البخاري، ومسلم، عن رواية ابن عباس، وفي رواية عن النبي ﷺ قال: "أمرت، وربما قال: أمر نبيكم أن يسجد على سبعة آراب"

стр. 1129

أخرجاه أيضاً. وهذا القول اختاره في "المرشد"والشيخ أبو علي، وقال البندنيجي: إنه المذهب. وأبو الطيب: إنه ظاهر المذهب، وعليه عامة الفقهاء، وإذا قلنا به، فلا يكفي وضع ظهر الكف، والواجب ما ينطلق عليه الاسم من بطنها. والثاني: لا يجب؛ لأن الله -تعالى- أفرد الجبهة في ذكر السجود؛ فقال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح:٢٩]، وقال: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وقال ﵇: "إذا سجدت؛ فمكن جبهتك من الأرض" وإفرادها بالذكر يدل على أنها مخالفة [لما عداها، ولأنه لو وجب السجود عليها مع القدرة، لوجب الإيماء إليها عند العجز؛ كما] في الجبهة؛ ولأن المقصود منه [وضع] أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام، وذلك خصيص بالجبهة، وذلك نهاية الخضوع. والأمر في الحديث محمول على الاستحباب. وهذا القول نص عليه في "الإملاء" أيضاً، واختاره البغوي، وقال الرافعي: إنه الأظهر، ومنهم من قطع به في الركبتين والقدمين، واقتصر على إجراء القولين في الكف، ويشهد له ما رواه أبو داود، عن ابن عمر رفعه، وقال: "اليدان تسجدان كما يسجد الوجه؛ فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفع فيلرفعهما" وأخرجه النسائي. ثم ظاهر [كلام] الشيخ أنه لو لم يعتمد على شيء من اليدين والركبتين والقدمين على القول بعدم وجوبه، بل اقتصر على وضع جبهته على الأرض- أنه يجزئه، وعليه ينطبق قول البندنيجي: [إنا] إذا قلنا: لا يجب السجود على

стр. 1130

ذلك؛ فالواجب وضع الجبهة فقط، ولو تمكن من وضعها دون سائر الأعضاء أجزأ ذلك، وكيفما شاء وضع هذه الأعضاء مكشوفة، ومستورة، وضع راحتيه، أو [وضع] ظهر كفيه، وقد حكاه في "الروضة" عن الشيخ أبي حامد، وصاحب "العدة"، وقال: إن ذلك مصَّور بما إذا رفع الركبتين والقدمين، ووضع ظهر الكفين، أو حرفهما؛ فإنه في حكم رفعهما. وهذا التصوير مؤذن بصحة ما قاله بعض الشارحين لهذا الكتاب: [أنه] لا خلاف في أنه لا يجزئه أن يضع جبهته على الأرض، ويمد يديه ورجليه؛ لأنه لا يسمى: سجوداً؛ فإن السجود في اللغة: التطامن، ومنه قولهم للبعير إذا تطامن؛ ليركبه راكبه: قد سجد. قال: وفي مباشرة المصلى بالكف قولان؛: أي: منصوصان في "الأم" في موضعين: أصحهما: أنه لا يجب؛ لأنه ﵇ صلى في مسجد ابن عبد الأشهل، وعليه كساء ملتف به يضع يديه عليه؛ يقيه برد الحصا. رواه ابن ماجه.

стр. 1131

ولأن ذلك لا يكشف إلا لحاجة؛ فلم يجب في حال السجود؛ كالقدم. ومقابله: أنه يجب؛ لقول خباب: "فلم يُشْكِنَا"؛ وهذا ما اختاره في "المرشد"، وإذا قلنا به، كفاه مباشرته بجزء من باطن الكف؛ كما قلنا في الجبهة. والقائلون بالأول قالوا: المراد من قوله: "فلم يشكنا" أي: في مجموع الوجه، واليدين، أو لم يشكنا بالإبراد بالجمعة الواجب حضورها. واقتصار الشيخ على ذكر الخلاف [في مباشرة المصلى بالكف، يعرفك أنه لا يجري في كشف الركبتين والقدمين، وهو كذلك، ولا خلاف] فيه، بل المستحب- كما قال البندنيجي في الركبتين- أن [يكتي بسترهما]، وإن قلنا: إنهما ليستا من العورة، والرجلان [إن كانتا في الخف، فلا يستحب نزعهما]. وإن كانتا في نعلين؛ فيستحب نزعهما، ويكشف عن موضع السجود، فيباشر به المصلى. قال: والمستحب أن يجافي-أي: يباعد-مرفقيه عن جنبيه رواه أبو حميد؛ كما ذكرناه في أول الباب. وروى ابن بحينة أنه ﵇ "كان إذا سجد، فرج بين يديه حتى يرى بياض إبطيه] رواه البخاري ومسلم. قال: ويقلّ بطنه عن فخديه؛ لما روى أبو داود أنه ﵇: "كان إذا

стр. 1132

سجد لو مرت بهيمة لنفذت". وعن ابن عباس قال: أتيت النبي ﷺ من خلفه؛ فرأيت بياض إبطيه، وهو مجخ، وقد فرغ، رواه أبو داود، والمجخي: المخوي، ورواية مسلم: "أنه ﵇ كان إذا سجد خوى" أي: جخ. ويستحب في السجود- وراء ما ذكره الشيخ- أمور: أحدها: أن يفرج رجليه؛ لأن أبا حميد الساعدي رواه؛ قال في "المهذب": وكذا ينبغي أن يفرج بين فخذيه؛ نص عليه. قال أبو الطيب: قال أصحابنا: يكون بينهما قدر شبر. الثاني: أن يوجه أصابع رجليه نحو القبلة في السجود، ويوجههما إلى القبلة؛ [نقله المزني. وصورة ذلك: أن يضع أصابع رجليه؛ بحيث تكون رءوسهما قبالة القبلة]؛ حكاه أبو الطيب. ويدل عليه رواية أبي داود، عن أبي حميد الساعدي: "أن النبي ﷺ كان يفتخ أصابع رجليه إذا سجد". والفتخ بخاء معجمة: تعويج الأصابع. ورواية البخاري: "استقبل بأطراف رجليه القبلة".

стр. 1133

وفي "النهاية": أن ما ذكره المزني يحتاج إلى تأمل، والذي صححه الأئمة أن يضع أطراف الأصابع على الأرض، ولا يرسلها في صوب القبلة. الثالث: أن يضم أصابع يديه بعضها إلى بعض، ويضم الإبهام إليها، ويستقبلهما إلى القبلة. قال الغزالي: ولا يؤمر بضمها مع النشر إلا هاهنا. وفي حديث أبي داود: "أنه ﵇ كان إذا سجد، ضم أصابعه، وجعل يديه حذو منكبيه. الرابع: أن يرفع مرفقيه، ويعتمد على راحتيه؛ لقول وائل بن حجر: "فإذا سجد وضع يديه [غير مفترش]، ولا قابضهما". رواه البخاري. الخامس: أن يرفع ظهره، ولا يحدودب، ولفظه في "الأم": "يرفع ظهره، ولا يعمد رفع وسطه عن أسفله وأعلاه". [قال: وتضم المرأة بعضها إلى بعض؛ لأنه أستر لها، والخنثى في هذا المعنىكالمرأة]. قال: فإن قال معه: "اللهم لك سجدت، ولك أسلمت، وبك آمنت، أنت ربي، سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره- أي: منفذهما- فتبارك الله أحسن الخالقين- كان أكمل؛ لأن عليًّا- كرم الله وجهه- روى أن النبي ﷺ كان يقوله، أخرجه البخاري.

стр. 1134

ورواية أبي داود: "الذي خلقه؛ فأحسن صورته، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين"، وبها قال في "المرشد". قال البندنيجي: وقد حكى الشافعي في بعض كتبه أنه كان يقول: "سجد وجهي حقّاً حقّاً، عبوديةورقّاً". وقال في "المهذب": "إنه لو قال: سبوح قدوس رب الملائكة والروح- فهو حسن؛ لما روي عن عائشة أنه ﵇ كان يقوله في ركوعه وسجوده". والسبوح والقدوس: اسمان من أسماء الله تعالى- معناهما: التنزيه البليغ، وجاء [على] وزن "فُعُّول"، قيل: ولا يعرف على هذا البناء سواهما، وغرابة الوزن فيهما تنبيه على اختصاص الله -تعالى- بالمذكور. وقوله: "تبارك الله" أي: تعالى، والبركة: العلو، والنماء؛ حكاه الأزهري عن ثعلب. وقال ابن الأنباري: تبرك العباد بتوحيده وذكر اسمه. وقال ابن فارس: معناه: ثبت الخير عنده. وقيل: تمجد، وتعظم. [قال الخليل]: وقيل: استحق التعظيم. وقوله: "أحسن الخالقين" أي: المصورين المقدورين. قال: وإن سأل الله -تعالى- في سجوده ما يشاء، [أي: من أمر الدين والدنيا]، كان حسناً؛ لقوله ﵇: "وأما السجود، فأكثروا فيه من الدعاء؛

стр. 1135

فقمن أن يستجاب لكم" أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد". وقال مجاهد: ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. وقد روى مسلم أنه ﵇ كان يقول في سجوده: "اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، آخره وأوله، علانيته، وسره". ثم ظاهر نصه في "الأم" أنه لا فرق-في ذلك-بين الإمام والمنفرد. وقال في "الإملاء": لايزيد الإمام على ما ذكرناه من الدعاء؛ كذا قاله البندنيجي. وقال الرافعي: إن ما ذكرناه في فصل الركوع: أن المستحب للإمام ماذا وللمنفرد ماذا-يعود كله ههنا. قال: ثم يعرف رأسه؛ لقوله ﵇ للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل جالساً". وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من السجود، لم يسجد حتى يستوي قاعداً، أخرجه البخاري [ومسلم].

стр. 1136

قال: مكبراً؛ لحديث أبي هريرة السالف. قال: ثم يجلس مفترشاً [أي: يفرش] رجله اليسرى؛ أي: فيجعل ظهرها على الأرض، ويجلس عليها؛ لما ذكرناه من خبر أبي حميد الساعدي في أول الباب. قال: وينصب اليمنى؛ أي: قدمه اليمنى؛ فيضع بطون أصابعها على الأرض، ويستقبل بها القبلة؛ لما روى البخاري ومسلم عن أبي حميد الساعدي في صفة صلاته ﷺ قال: "فإذا جلس في الركعتين- جلس على رجله اليسرى، ونصب [اليمنى، وإذا كانت الجلسة التي فيها السلام-قدم رجله اليسرى ونصب] الأخرى، وقعد على مقعدته"؛ فثبت بهذا أن السنة في جلوس السلام التورك، وفيما عداه الافتراش. وعن الخطابي أنه قال: الأحاديث الثابتة في صفة صلاة رسول الله ﷺ عن أبي حميد، ووائل بن حجر: أنه قعد بين السجدتين مفترشاً قدمه اليسرى. وعن رواية أبي علي في "الإفصاح" حكاية قول آخر: أنه يجلس على صدور قدميه. [وروى البويطي، عن الشافعي أنه يجلس على عقبه، وتكون صدور قدميه] على الأرض؛ لأن العبادلة-وهم: عبد الله بن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير- كانوا يفعلون ذلك بين السجدتين، وهذا هو الإقعاء. والمشهور من مذهب الشافعي أن الإقعاء فيها مكروه؛ لقول عائشة: "كان

стр. 1137

رسول الله ﷺ ينهى عن عقبة الشيطان والإقعاء". وقال ﵇ لعلي: "لا تُقْعِ بين السجدتين". و [قيل] في تسير الإقعاء غير ذلك، وقد ذكرناه في [باب] صلاة المريض. قال: ويقول: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وارزقني"؛ لماروت أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول في جلوسه بين السجدتين: ["اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني، وارزقني، واهدني إلى الطريق الأقوم"، ورواية ابن عباس عن النبي ﷺ أنه كان يقول بين السجدتين]: "اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني،

стр. 1138

وعافني، وارزقني" رواه أبو داود، وروى غير ذلك. قال الأصحاب: والشافعي لم يذكر ما يقوله بين السجدتين، وأي شيء قاله من الذكر فهو حسن. قال: ثم يسجد الثانية -للإجماع- مكبراً؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة: أنه [كان] يكبر في [كل] خفض ورفع، ويقول: "أنا أشبهكم [صلاة رسول الله ﷺ ] ". قال: ثم يرفع رأسه-للإجماع-مكبراً؛ لحديث أبي هريرة. ولا يرفع يديه في هذا التكبير على المذهب؛ لحديث ابن عمر. وقيل: إنه يرفع يديه عند قيامه من السجود، ومن التشهد؛ [لأن عليّاً روى أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند القيام من التشهد]،وهذا ما يعزى إلى أبي بكر بن المنذر، وأبي علي الطبري. وأجاب القائلون بالمذهب بأن ما رواه على يحتمل أن يكون منسوخاً؛ لترك

стр. 1139

الصحابة العمل به. قال: ويجلس جلسة الاستراحة في أصح القولين؛ لما روى ابن الحويرث: أنه رأى [رسول الله] ﷺ إذا كان في وتر من صلاته-لم ينهض حتى يستوي جالساً، رواه البخاري. ولأنه رفع من سجود؛ فوجب أن يكون القعود فيه مشروعاً؛ كالرفع من السجدة الأولى، وهذا ما نقله المزني. ومقابله: أنه لا يجلس؛ لما روى وائل بن حجر أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من السجود استوى قائماً، وقال ﵇ للمسىء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم قم حتى تعتدل قائماً". ولأن هذه الجلسة لو كانت مستحبة لكان لها ذكر مشروع، ولما أجمعنا على أنها لا ذكر فيها، دل على أنها غير مستحبة؛ كذا قاله الطحاوي، وهذا القول رواه الربيع، عن المزني؛ [كما] قال أبو الطيب. وقال البندنيجي: إن الشافعي نص على ثلاث جلسات في الصلاة: جلستي التشهد، والجلسة بين السجدتين، ولم يذكر هذه، [و] لكن المزني ثقة. قال الأصحاب: والعمل بالخبر الأول أولى؛ لاشتماله على زيادة، وما ذكره الشيخ طريقة في المذهب، عليها عامة الأصحاب. وقال أبو إسحاق: ليست المسألة على قولين، بل على حالين: فإن [كان] المصلي كبيراً ضعيفاً، جلس للاستراحة، وإن لم يحتج إليه، قام من غير جلوس.

стр. 1140

ثم جلسة الاستراحة من الركعة الأولى، أو من الثانية؟ قال الشيخ أبو حامد: الذي يجيء على قول الشافعي: أنها من الثانية؛ لأنه يبتدئ التكبير بعد الفراغ من الأولى. قال بعضهم: وهو بعيد؛ لأن الجلوس لا يعهد في ابتداء الركعة. وقال مجلي: يحتمل أن يكون من الأولى؛ تبعاً للسجود. وقال ابن الصباغ: ليست من واحدة منهما، وإنما هي للفصل كالتشهد الأول، وهو الصحيح. ثم الجلوس فيها يكون مفترشاً؛ لأن يتعقبه قيام. وحكى الماوردي وجهاً آخر: أنه يجلس فيها على صدور قدميه غير مطمئن. وقال في "التتمة": يكون قدرها بقدر الجلسة بين السجدتين، ويكره أن يزيد على ذلك، ويضع يديه على فخذيه، قريبة من ركبتيه، منشورة الأصابع. قال الإمام: ولو انعطف أطرافهما على الركبة، فلا بأس، ولو تركهما من جانبي فخذيه، كان كإرسالهما في القيام. قال: ثم ينهض قائماً معتمداً على يديه؛ لما روي عن مالك بن الحويرث: أنه أراهم صلاة رسول الله ﷺ ، فلما نهض، اعتمد على الأرض بيديه. قال الشافعي: ولأنه أشبه بالتواضع، وأعون للمصلي، وأحرى ألا ينقلب. قال في "الوسيط": ويضع يديه، كما يصنع العاجن؛ لأنه روى عنه ﷺ ذلك، وهي بالنون، وتُصحَّفُ بالزاي المعجمة.

стр. 1141

قال: ويمد التكبير إلى أن يقوم؛ كي لا يخلي ركناً من ذكر، وهذا هو الجديد؛ كما تقدم. والقديم: أنه لا يمده. ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في مد التكبير إلى القيام بين أن نقول: يجلس للاستراحة، أو لا. وبه صرح البندنيجي عن المذهب. وحكى عن أبي إسحاق أنه قال: هذا إذا لم يجلس للاستراحة؛ فإن جلس لها، كان انتهاؤه مع انتهاء الجلوس، ثم يقوم غير مكبر؛ لأن التكبير للرفع، لا للقيام؛ بخلاف القيام بعد التشهد؛ فإنه للقيام، لا للجلوس. قال البندنيجي: وليس بشيء. ونقل العجلي وجهاً [ثالثاً]: أنه يرفع غير مكبر، ويبتدئ التكبير جالساً، ويمده حتى يقوم، ويحكي هذا عن اختيار القفال. وقال الماوردي: إن هذا مفرع على قولنا: [إنه يجلس غير مفترش، وإن قول

стр. 1142

أبي إسحاق مفرع على قولنا]: إنه يجلس مفترشاً. ولم يحك سواهما، وكذلك الإمام والصيدلاني، والغزالي [في "الوسيط]، وأعرضوا عن ذكر المذهب الذي هو الأظهر عند الجمهور. والقاضي الحسين حكى الأوجه كلها، وقال: [إن للشافعي] ما يدل على الوجه الذي اختاره القفال؛ لأنه قال في صلاة العيد: ويكبر في الركعة الأولى سبعاً، سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية خمساً، سوى تكبيرة القيام عن الجلوس. فأضاف التكبيرة إلى القيام. ومن قال بالأولين أول النص، وقال: إنما أضافه إلى القيام؛ لقربه من الجلوس. ولا خلاف في أنه لا يكبر تكبيرتين: تكبيرة للرفع، وتكبيرة للقيام؛ كي لا يوالي بين تكبيرتين في الصلاة، وهو غير مشروع، وخالف التكبير حين يرفع من السجدة الثانية في الركعة الثانيةن ويكبر حين يقوم من التشهد؛ لأن التشهد يفصل بين التكبيرتين. قال: ثم يصلي الركعة الثانية، مثل الأولى؛ هكذا نص عليه في "المختصر". ووجهه في الفروض خلا ما استثناه منها، قوله ﵇ للمسيء في صلاته: "ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، وفي بعض السنن-وهو قراءة السورة-ما سلف من الأخبار؛ وفي باقيها القياس. قال: إلا في البنية؛ لأنها تراد للعقد، وقد انعقدت [، و] في معناها تكبيرة

стр. 1143

الإحرام، ورفع اليدين فيها. قال: والاستفتاح؛ لأنه للافتتاح، والتعوذ؛ [لأنه يراد] للدخول في القراءة، وقد دخل فيها في الركعة الأولى. وما ذكره في التعوذ هو ما ذكره الماوردي، و [نقل] عن ابن سيرين أنه يتعوذ في كل ركعة، وقال: إنه خطأ؛ لأن ما قبل القراءة من الدعاء محله الركعة الأولى؛ كالاستفتاح. وقد حكى غيره قول ابن سيرين قولاً للشافعي، وهو ظاهر نصه في "المختصر"؛ فإنه قال [فيه ما ذكرناه] ولم يستثن شيئاً، وبعضهم ذكر ذلك وجهاً للأصحاب، وعليه جرى القاضي الحسين، والإمام، ومن تبعه، وقال: إن الأول مأخوذ من قوله: "لو ترك التعوذ في الركعة الأولى يقضيه في الثانية"، ولو كان يسن عنده في الثانية على جهة الأصل؛ لما سماه قضاء. وعن نصه في "الأم": "أنه إن تعوذ في كل ركعة، فحسن، ولا آمره به في [كل ركعة؛ كما آمره به في] الركعة الأولى"،وقد أخذ به بعض الأصحاب، وقال: هو مستحب في كل ركعة، وفي الأولى أشد استحباباً. قال الرافعي: وسواء أثبتنا الخلاف في المسألة، أو لم نثبته؛ فالأظهر أنه ستحب في كل ركعة. وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري، وإمام الحرمين، والروياني، وغيرهم. ولا خلاف في أنه إذا تركه في أول ركعة أتى به في ثاني ركعة؛ بخلاف دعاء الاستفتاح، وبه يبطل ما أبطل به الماوردي مذهب ابن سيرين. ثم ظاهر كلام الشيخ –﵀ أن القراءة في الركعة الثانية مثلها في الركعة الأولى، وهو ما حكاه البندنيجي، وقال في "المهذب": إنه ظاهر نصه في "الأم" أيضاً. ووجهه: ما سلف من خبر أبي سعيد الخدري وغيره. وعن الماسرجسي من أصحابنا أنه يستحب أن تكون السورة في الركعة الأولى

стр. 1144

أطول من الثانية، ولا سيما في الفجر؛ ليدركه القاصد، ويشهد له ما روى البخاري ومسلم عن أبي قتادة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين [الأوليين] بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً، [وكان يطيل في الركعة الأولى من الظهر ويقصر في الثانية، وكذلك في الصبح. وفي رواية: قال]: وكان يطيل في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الغداة. وفي رواية: فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. وهذا الوجه صححه القاضي أبو الطيب، وقال: إن به قال أصحابنا الخراسانيون. والقائلون بظاهر النص قالوا: خبر أبي قتادة [يحمل على أنه أحس بداخل، ويحتمل أن يكون أبو قتادة] أراد إطالة القيام؛ فإن القيام في الأولى أطول؛ لأجل دعاء الاستفتاح. وعلى كل حال فالمستحب أن تكون السورة التي في الركعة الثانية بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى، لا قبلها؛ قاله المتولي، وصاحب "المرشد"، وغيرهما؛ فلو اتفق أنه قرأ في الأولى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ففي الثانية يبدأ بالبقرة، ولو قرأ سورة قبل ذلك -جاز، ولو أعاد: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ جاز؛ فإن أبا داود روى عن معاذ بن عبد الله الجهني: أن رجلاً من جهينة أخبره انه سمع رسول الله ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ﴾ في الركعتين

стр. 1145

كلتيهما، قال: ولا أدري أسها رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمداً؟ قال: وإن كان في صلاة هي ركعتان، جلس بعد الركعتين متوركاً، يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى-أي: القدم اليمنى-ويخرجها من تحته، ويفضي بوركه- أي: الأيسر-إلى الأرض؛ لما قدمناه من رواية أبي حميد الساعدي. ثم هذا إذا لم يكن عليه سجود سهو؛ فإن كان، فهل يجلس متوركاً؛ لأنه آخر صلاته، أو مفترشاً؛ لأنه يعقبه حركة السجود؛ فشابه الجلسة بين السجدتين؟ فيه وجهان، المذكور منهما في "الإبانة": [الثاني]، وقد حكاه الإمام، عن الأئمة، والروياني في "تلخيصه" عن القفال، وقال: إنه حسن، لكنه خلاف ظاهر المذهب. قال: ويضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويقبض أصابعه إلا المسبحة؛ فإنه يشير بها متشهداً؛ لرواية ابن عمر: أن رسول الله ﷺ وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى. ورواية مسلم عنه: "أن النبي ﷺ وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، [وعقد ثلاثاً وخمسين، وأشار بالسبابة. وعن ابن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة، جعل قدمه اليسرى بين فخذيه وساقيه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى] وأشار بإصبعه". أرجه مسلم.

стр. 1146

وهذا أشهر الأقوال، وإذا قلنا به، ففي كيفية قبض أصابع يده اليمنى وجهان: أحدهما: يضع الإبهام على وسطاه، والثلاثة مقبوضة. والثاني: يضعها على بطن الكف، بجنب الأصابع الثلاثة. كذا حكاه القاضي الحسين، ثم قال: وقيل: إنه يقبضها؛ كأنه عاقد ثلاثة وخمسين فيوجه، وفي وجه: كأنه عاقد ثلاثة وعشرين. وهذان الأخيران هما المذكوران في غيره، واستدلوا للأول برواية ابن عمر التي ذكرناها، وللأخير بأن ابن الزبير رواه. قال بعضهم: واصطلاح المتقدمين في عقد الثلاثة كالتسعة عند أهل مصر من غير تركيب الخنصر [على البنصر]. والقول الثاني: أنه يقبض ثلاثة أصابع، ويبسط السبابة والإبهام؛ قاله في "الإملاء"؛ لأن أبا حميد الساعدي رواه؛ كذا قاله أبو الطيب. وعلى هذا هل يضع السبابة على الإبهام؛ كأنه عاقد تسعة وعشرين، أو يرسلهما غير متراكبين؟ فيه وجهان: والقول الثالث: أنه يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى حلقة؛ رواه وائل بن حجر. وفي كيفية التحليق وجهان: أحدهما: يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام.

стр. 1147

وأصحهما: أنه يحلق بينهما برأسيهما. وما ذكرناه من الأحاديث في ذلك، كلها خرجها الترمذي، وهي تدل على أنه ﵇ كان يفعل كذا مرة، وكذا أخرى؛ ولأجله قال بعض الأصحاب- كما قال الروياني في "تلخيصه": إنه يتخير فيها، وهو المذكور في "الشامل"، وغيره؛ كما قال الرافعي. ومفهوم كلام الأكثرين أن الخلاف في الأفضل.

стр. 1148

وأصح الأقوال على [هذا] ما ذكره الشيخ، وهو الذي نقله المزني، والربيع، والبويطي؛ لان رواته أفقه من رواة غيره. وإشارته بالسبابة على الأقوال كلها، ويكون قصده بها التوحيد والإخلاص عند كلمة الإثبات؛ وهي: "إلا الله"؛ كذا قاله القاضي الحسين، والإمام، وغيرهما. وقال بعضهم: إنه يشير بها من أول كلمة الإثبات، وهي "إلا" من قوله: "أشهد أن لا إله إلا الله"، وعزاه إلى رواية الإمام. والذي رأيته في "النهاية": الأول. وهل يحرك السبابة، أم لا؟ فيه وجهان: أصحهما في "الحاوي"، وغيره: لا، وهو ما ادعى الروياني أنه المذهب؛ لرواية عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها، أخرجه أبو داود. واحتج القائل بمقابله [بما روي] أنه ﵇: كان يحرك الأصابع في الصلاة مَرْغََمَةً للشيطان. قال البندنيجي: وليس بشيء. قال: ويبسط اليد اليسرى على الفخذ اليسرى؛ لما ذكرناه من خبر ابن عمر، ﵁.

стр. 1149

قال الرافعي: وينبغي أن يجعلها قريبة من طرف الركبة؛ بحيث تسامت رءوسها، وهل يضم أصابعها، أو يفرقها؟ فيه وجهان: الذي أورده المحاملي، والبندنيجي، وأبو الطيب، والمتولي: الأول، وقال الروياني: إنه [الذي] نص عليه. والذي حكاه ابن الصباغ، والغزالي-تبعاً لإمامه-: الثاني، وقالا: يفرقها تفريقاً مقتصداً. فرع: لو كان مقطوع اليد اليمنى، وضع اليسرى منشورة، ولا يشير بها؛ لأنه لو فعل ذلكن ترك سنة في محلها؛ لأجل سنة في غير محلها، وصار هذا كما نقول: لو ترك الرمل في الأشواط الأول لا يأتي به في الأخيرة. قال: [الشيخ رحمة الله عليه]: ويتشهد؛ فيقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علنا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله"، هكذا رواه الشافعي بسنده، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ وأنه كان يعلمنا ذلك؛ كما يعلمنا السورة من القرآن -يعني: الفاتحة- وقد رواه عنه الترمذي كذلك، لكنه قال فيه: "السلام عليكن السلام علينا" بإثبات الألف واللام فيهما، وقال: إنه حسن صحيح. ورواية أبي داود عنه أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد؛ كما يعلمنا القرآن، وكان يقول: "التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى

стр. 1150

عباد الله الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله" وأخرجه مسلم، وفي رواية له: "وأشهد أن محمداً عبده ورسوله". قال الشيخ أبو حامد: وإثبات اللف واللام في السلام وحذفهما واحد؛ لأن التنوين يقوم مقامهما. قال بعضهم: وفيه نظر؛ لأن التنوين مصحوب فيه بالتنكير وإرادة واحد من جنس، والألف واللام في اسم الجنس تفيد إرادة الطبيعة المشتركة. وما ذكره الشيخ هو الذي ذكره البندنيجي، والإمام [عن رواية الصيدلاني، وشيخه، وصححه. وما حكيناه عن الشيخ أبي حامد يقتضي أن إثبات الألف واللام] وحذفهما في قوله: "السلام عليك، السلام علينا"، في الفضيلة سواء. وقد حكى الإمام وراء ذلك، عن رواية العراقيين، عن الشافعي-طريقين في الأفضل: أحداهما: أن يقول ما ذكره الشيخ إلا قوله: "سلام علينا"، فإنه يثبت الألف واللام فيها فقط. والثانية: أنه يثبت الألف واللام في قوله: " [سلام عليك]، سلام علينا"، لكنه يسقط لفظة: "أشهد"، من المرة الثانية؛ فيقول: "وأن محمداً رسول الله". قال: والطريقان مردودان عند المراوزة. وحكى العراقيون عن بعض الأصحاب أن الأفضل أن يقول: "باسم الله، وبالله، التحيات المباركات ... " إلى آخره؛ لأنه روي ذلك عن جابر بن عبد الله.

стр. 1151

وفي "التتمة": أن بعض أصحابنا استحب أن يقول: "باسم الله خير الأسماء"؛ [لأنه] روي ذلك عن عمر. وحجة المذهب -وهو ما ذكره الشيخ- ما روى أبو موسى الأشعري "أنه ﵇ كان أول ما يتكلم به عند القعدة: [التحيات لله". ورواية أبي داود عنه أنه ﷺ قال: "فليكن من أول قول أحدكم:] التحيات الطيبات [لله] ... " إلى آخره. قال في "المهذب": وذكر التسمية غير صحيح عند أهل الحديث. وهو في ذلك مقتف لابن المنذر؛ فنه قال: ليس في الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ ذكر التسمية. فإن قيل: قد روى مسلم [عن] ابن مسعود [أنه] قال: كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله ﷺ : السلام على الله، السلام على فلان؛ فقال لنا رسول الله ﷺ : "إن الله هو السلام؛ فإذا قعد أحدكم في الصلاة؛ فليقل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا،

стр. 1152

وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، و [أشهد] أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء". وروي عن عمر أنه كان يعلم الناس على المنبر: "التحيات لله الزاكيات،، الصلوات الطيبات لله". وقال الشافعي: وكنا صبياناً في المكتب، ونحن نعلمه. فلم رجحتم رواية ابن عباس على ذلك؟! قيل: أما تقديمها على ما كان عمر يعلمه: فلأن أثر ابن عباس أسنده، والعمل بما كان ﵇ يفعله أولى من فعل الصحابي. وتقديمه على خبر ابن مسعود؛ [لأن ابن عباس من متأخري الصحابة، وابن مسعود] من متقدميهم، وحديثه متقدم يدل على ذلك ما جاء في بعض الطرق عنه: "كنا قبل أن يفرض علينا التشهد، نقول: كذا ... " إلى آخره، وإذا كان كذلك؛ فالمتأخر يقضي به على المتقدم. وفي لفظ ابن عباس ما يدل على ضبطه لفظ رسول الله ﷺ فإنه قال: "كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن"، وفي روايته زيادة:"المباركات"، والأخذ بالزيادة أولى، وهي تقرب من نظم القرآن، قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]. فإن قيل: فيما ذكره ابن مسعود زيادة الألف واللام، والإقرار بالعبودية.

стр. 1153

قيل: التنوين يقوم مقام الألف واللام، على أن السلام الوارد من الله -تعالى- في القرآن كله منون من غير ألف ولام، إلا [في] قوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، على أنه يجوز أن يكون من قول هارون وموسى، وقوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [مريم: ٣٣] سلام من عيسى على نفسه، لا من الله؛ فلا حاجة إلى استثنائه. وأما الإقرار بالعبودية: فمقابله التصريح باسم الله. وقد استحب بعض أصحابنا الجمع بين الروايات؛ فقال: الأفضل أن يقول: "التحيات المباركات الزاكيات والصلوات الطيبات لله"؛ ليكون آتياً بما اشتملت عليه الروايات. والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين: أنه لا يستحب، نعم هو جائز. قال: والواجب منه خمس كلمات؛ وهي: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا على عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله"؛ لأن هذا يأتي على معنى الجميع، وهو المتفق عليه في [جميع] الروايات، وما عداه مسكوت عنه في بعض، أو تابع لغيره. وهذا ما رأيته فيما وقفت عليه من "التهذيب"، وقد حكاه الإمام، عن رواية الصيدلاني، [وأن العراقيين] ذكروه، غير أنهم نقصوا كلمة واحدة وهي: "أشهد" في المرة الثانية؛ فقالوا: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله"، وهذا ما حكاه القاضي الحسين أيضاً، وعليه تدل رواية النسائي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك. [قال] الإمام: والذي ذكروه من الإسقاط أمثل، وأليق بذكر الأقل. وقال الرافعي: إن الذي حكاه العراقيون عن نص الشافعي: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسوله"، وتابعهم القاضي الروياني،

стр. 1154

وكذا صاحب "التهذيب"، إلا أنه نقل: "وأشهد أن محمداً رسوله"، وأن الصيدلاني والقاضي ابن كج [تبعا العراقيين] بما حكاه عنهم، إلا في لفظة: "وبركاته"؛ فإنهما أسقطاها، وقالا: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. والمذكور في "المهذب"، و"الشامل"، و"التتمة"، و"تلخيص" الروياني إسقاط لفظة "وبركاته" ولفظة "أشهد" في المرة الثانية. وقال في "الأم": إنه [إذا] اقتصر على ذلك [كره وأجزأه]. كذا حكاه الروياني في "تلخيصه". وقد أوجه ابن سريج؛ فاعتبر الأقل من حيث المعنى؛ فقال: الواجب: "التحيات لله، سلام عليك أيها النبي، سلام على عباد الله الصالحين، أشهد أن

стр. 1155

لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" كذا حكاه عنه الإمام، والقاضي الحسين، والمتولي. وقال القاضي [الحسين]: إن الشافعي اعتبر أقل ما ورد في الأخبار، وابن سريج اعتبر المعنى؛ فلما وجد الرحمة داخلة في السلام، حذفها، ولما وجد قوله: "سلام علينا" داخلاً، في قوله: "على عباد الله الصالحين" حذفها. قال: ويلزمه أن يقول حيث نظر إلى المعنى: سلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين، ولا يقول: سلام على عباد الله الصالحين. وحكى عن الحليمي أنه قال: ولو حذف "الصالحين" على هذا، جاز؛ لأن مطلق اسم "العباد" يقع على عباد الله الصالحين؛ فانصرف ذكر "العباد" إليهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] ونظائره. وقد حكى [الإمام عن] بعض المصنفين أنه عزا [هذا القول] إلى ابن سريج أيضاً، وكذا رأيته في "الإبانة" و"تلخيص" الروياني، قال [الإمام]: وهو غلط. وقد آذن إتيان الشيخ بهذه الكلمات من غير حرف عطف يدل على الترتيب والتعقيب أن ذلك غير واجب، وهو في عدم وجوب الترتيب موافق لما نص عليه في "الأم"، ولم يحك العراقيون والروياني غيره، وقاسوه على الترتيب في الخطبة؛ لأن نظمها غير معجز، وبهذا خالف الفاتحة. وقال في "التتمة": إن الترتيب واجب؛ فلو تركه لم يعتد به، وهو ماصدر به القاضي الحسين كلامه. ثم حكى الأول قولاً عن الشافعي. والماوردي حكى الخلاف في المسألة وجهين: وكلام الغزالي يميل إلى ترجيح الأول؛ حيث قال: لو قدم المؤخر منه، ولم يخل بالمعنى؛ فهو قريب من قوله: "عليكم السلام"، والنص فيه الإجزاء. وقد صرح في "التتمة" أيضاً بوجوب التعقيب في كلماته، وهو قياس ما سلف

стр. 1156

في قراءة الفاتحة. وقوله: "ويتشهد فيقول ... " إلى آخره مؤذن أيضاً بأن كلماته متعينة، وهو ما حكاه الغزالي، والقاضي الحسين. ويتعين الإتيان بذلك بالعربية عند القدرة؛ كما قلنا في التكبير، وعند العجز يجب عليه التعلم؛ كالتكبير أيضاً؛ فإن [ضاق عليه] الوقت عن التعلم، وكان يحسن ذاكراً غيره بالعربية-أتى به، وإن كان لا يحسن ذكراً غيره- أتىبه بالعجمية، وألا صلى على حسب حاله، ولا إعادة عليه. قال البندنيجي: ويستحب للإمام أن يرتله؛ بحيث يعلم أن من في لسانه ثقل ممن خلفه قد أتى به؛ فإن حدره كره، وأجزأ. ويستحب أن يسر به؛ وكذا سائر الأذكار في حال الجلوس إلى السلام؛ قاله البندنيجي؛ وحجته قول ابن مسعود: "من السنة إخفاء التشهد"، رواه أبو داود. والتحيات: جمع "تحية"، وهي الملك؛ قاله أبو عمرو بن العلاء. قيل: وهو الأقرب؛ لأن أصله أن الملك كان يحيا؛ فيقال [له]: عمت صباحاً، وأبيت اللعن، ولا يقال ذلك لغيره؛ ولذلك قال زهير: وكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه يريد: إلا أنه لم يصر ملكاً؛ فسمي ذلك: تحية؛ لما كانت التحية لا تكون لغير [الملوك، فجا ءالشرع فأمر بالتحية لله]؛ [لأن الملك حقيقة لا يكون لغير الله. وقال ابن قتيبة: وجمعت؛ لأن كل واحد من ملوكهم كان له تحية يحيا بها،

стр. 1157

فقيل لنا: قولوا: التحيات لله]. وقيل: إنها البقاء الدائم، واستدل له الماوردي بما [ذكرناه من قول زهير. وقيل: إنها العظمة؛ قاله ابن عباس. وقيل: إنها سلام الخلق على الله]؛ قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]؛ قاله محمد بن زهير. وقيل: إنها السلامة من الآفات وجميع وجوه النقص. والمباركات: الثابتات الناميات. والصلوات: قيل: إنها الصلوات الخمس؛ قاله ابن عباس، وتبعه ابن المنذر، وآخرون من أصحابنا. وقيل: كل الصلوات. وقيل: [كل العبادات، أي: فلا يستحقها غير الله تعالى. وقيل: إن المراد منها الدعاء. وقيل: الرحمة. وقيل]: السنة. والطيبات: الأعمال الصالحة. وقيل: الثناء على الله تعالى. وقيل: ما طاب من الكلام. وقيل: الكلمات الخمس التي قلنا: إنها تتعين بدلاً عن الفاتحة -على رأي- وسميت: طيبات؛ لأنها تطيب [بطيب قائلها؛ بخروجه عن دنس العيب، ودنس الكفر، ودنس الشرك، ودنس العلائق، والتكبر، والتجبر، والاقتدار. قال العلماء: الأصل في هذه الكلمات: "التحيات والمباركات والصلوات والطيبات لله، كما جاء في الصحيح، في غير هذه الرواية، ولكن حذفت الواو في هذه الرواية؛ تخفيفاً كما حذفت في اليمين في قوله: "الله لأفعلن"، وفي قولك: "أكلت خبزاً سمناً تمراً"، ومثله قول الشاعر، وهو الأخفش، كما قال

стр. 1158

القاضي أبو الطيب: كيف أصبحت كيف أمسيت مما يزرع الود في فؤاد الغريم وأراد: وكيف أمسيت. والسلام، قيل: معناه: اسم السلام عليك، وهو الله. وقيل: من: سلم الله عليك تسليماً، واسمه : السالم؛ لأنه المسلم للعباد، أو على عباده الصالحين؛ أو لأنه ذو السلامة من كل نقص. والعباد: جمع "عبد"، قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف من العبودية، ولا اسم [للمؤمن أتم] من الوصف بالعبودية؛ ولهذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ ليلة المعراج، وكانت أشرف أوقاته ﷺ في الدنيا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء:١] وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] والصالحون: جمع صالح؛ وهو: القائم بما عليه من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد. وقد سبق بيان معنى "الشهادة" و"الرسول" [في باب: الأذان]. ولا يقوم قوله: "أعلم" مقام [قوله]: "أشهد" على أحد الوجهين في "تعليق" القاضي أبو الطيب. ومقابله موجه بأن معناهما [واحد]، وهذا الوجه جار في الشهادة عند القاضي وعند شهود الفرع من شهود الأصل؛ كما ستعرفه. قال: ثم يصلي على النبي ﷺ -أي: وجوباً- لقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [الأحزاب:٥٦]، فأمر بالصلاة عليه، وأجمعنا على أنه لا يجب في غير الصلاة؛ فثبت أنه في الصلاة؛ كذا قاله الأصحاب. وقال الشافعي: أوجب علينا أن نصلي على النبي ﷺ ، وأولى الأحوال أن

стр. 1159

تكون في الصلاة. فإن قيل: الآية تقتضي ذلك [مرة] في العمر، والدعوى وجوبها في كل صلاة. قلنا: لأصحابنا في [أن] الأمر هل يقتضي التكرار؟ وجهان: فإن قلنا: يقتضيه، ارتفع السؤال. وإن قلنا: لا يقتضيه، فجوابه: أن السنة تثبت وجوب التكرار؛ قال ﵇: "لا صلاة إلا بطهور والصلاة [عليَّ] ". وروى الترمذي، عن فضالة بن عبيد قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته؛ فلم يصل على النبي ﷺ فقال: "عجل هذا"، ثم دعاه؛ فقال له، ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء". قال: وهو حسن صحيح، وسنذكر من بعد ما يدل عليه أيضاً، على أن الخلاف مع أبي حنيفة، وهو يمنع وجوبها عليه بحال، [والآية] حجة عليه. قال: فيقول: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"؛ لما روى البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة؛ فقال: أو لا أهدي.

стр. 1160

إليك هدية: إن رسول الله ﷺ خرج علينا؛ فقلنا: يا رسول الله، الله قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد [كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد] كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". ومراد القائل: قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ أن الله تعالى أمرنا بهما في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وقد عرفنا كيفية السلام عليك؛ أي: بما قلته في التشهد؛ فكيف نصلي عليك؟ فكان قول النبي ﷺ : قولوا كذا، بياناً لذلك. وقد روى أبو مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد ابن عبادة؛ فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله؛ فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت
следующие страницы →