← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

في قراءة الفاتحة. وقوله: "ويتشهد فيقول ... " إلى آخره مؤذن أيضاً بأن كلماته متعينة، وهو ما حكاه الغزالي، والقاضي الحسين. ويتعين الإتيان بذلك بالعربية عند القدرة؛ كما قلنا في التكبير، وعند العجز يجب عليه التعلم؛ كالتكبير أيضاً؛ فإن [ضاق عليه] الوقت عن التعلم، وكان يحسن ذاكراً غيره بالعربية-أتى به، وإن كان لا يحسن ذكراً غيره- أتىبه بالعجمية، وألا صلى على حسب حاله، ولا إعادة عليه. قال البندنيجي: ويستحب للإمام أن يرتله؛ بحيث يعلم أن من في لسانه ثقل ممن خلفه قد أتى به؛ فإن حدره كره، وأجزأ. ويستحب أن يسر به؛ وكذا سائر الأذكار في حال الجلوس إلى السلام؛ قاله البندنيجي؛ وحجته قول ابن مسعود: "من السنة إخفاء التشهد"، رواه أبو داود. والتحيات: جمع "تحية"، وهي الملك؛ قاله أبو عمرو بن العلاء. قيل: وهو الأقرب؛ لأن أصله أن الملك كان يحيا؛ فيقال [له]: عمت صباحاً، وأبيت اللعن، ولا يقال ذلك لغيره؛ ولذلك قال زهير: وكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحيه يريد: إلا أنه لم يصر ملكاً؛ فسمي ذلك: تحية؛ لما كانت التحية لا تكون لغير [الملوك، فجا ءالشرع فأمر بالتحية لله]؛ [لأن الملك حقيقة لا يكون لغير الله. وقال ابن قتيبة: وجمعت؛ لأن كل واحد من ملوكهم كان له تحية يحيا بها،

стр. 1157

فقيل لنا: قولوا: التحيات لله]. وقيل: إنها البقاء الدائم، واستدل له الماوردي بما [ذكرناه من قول زهير. وقيل: إنها العظمة؛ قاله ابن عباس. وقيل: إنها سلام الخلق على الله]؛ قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]؛ قاله محمد بن زهير. وقيل: إنها السلامة من الآفات وجميع وجوه النقص. والمباركات: الثابتات الناميات. والصلوات: قيل: إنها الصلوات الخمس؛ قاله ابن عباس، وتبعه ابن المنذر، وآخرون من أصحابنا. وقيل: كل الصلوات. وقيل: [كل العبادات، أي: فلا يستحقها غير الله تعالى. وقيل: إن المراد منها الدعاء. وقيل: الرحمة. وقيل]: السنة. والطيبات: الأعمال الصالحة. وقيل: الثناء على الله تعالى. وقيل: ما طاب من الكلام. وقيل: الكلمات الخمس التي قلنا: إنها تتعين بدلاً عن الفاتحة -على رأي- وسميت: طيبات؛ لأنها تطيب [بطيب قائلها؛ بخروجه عن دنس العيب، ودنس الكفر، ودنس الشرك، ودنس العلائق، والتكبر، والتجبر، والاقتدار. قال العلماء: الأصل في هذه الكلمات: "التحيات والمباركات والصلوات والطيبات لله، كما جاء في الصحيح، في غير هذه الرواية، ولكن حذفت الواو في هذه الرواية؛ تخفيفاً كما حذفت في اليمين في قوله: "الله لأفعلن"، وفي قولك: "أكلت خبزاً سمناً تمراً"، ومثله قول الشاعر، وهو الأخفش، كما قال

стр. 1158

القاضي أبو الطيب: كيف أصبحت كيف أمسيت مما يزرع الود في فؤاد الغريم وأراد: وكيف أمسيت. والسلام، قيل: معناه: اسم السلام عليك، وهو الله. وقيل: من: سلم الله عليك تسليماً، واسمه : السالم؛ لأنه المسلم للعباد، أو على عباده الصالحين؛ أو لأنه ذو السلامة من كل نقص. والعباد: جمع "عبد"، قال أبو علي الدقاق: ليس شيء أشرف من العبودية، ولا اسم [للمؤمن أتم] من الوصف بالعبودية؛ ولهذا قال الله تعالى لنبيه ﷺ ليلة المعراج، وكانت أشرف أوقاته ﷺ في الدنيا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء:١] وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] والصالحون: جمع صالح؛ وهو: القائم بما عليه من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد. وقد سبق بيان معنى "الشهادة" و"الرسول" [في باب: الأذان]. ولا يقوم قوله: "أعلم" مقام [قوله]: "أشهد" على أحد الوجهين في "تعليق" القاضي أبو الطيب. ومقابله موجه بأن معناهما [واحد]، وهذا الوجه جار في الشهادة عند القاضي وعند شهود الفرع من شهود الأصل؛ كما ستعرفه. قال: ثم يصلي على النبي ﷺ -أي: وجوباً- لقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [الأحزاب:٥٦]، فأمر بالصلاة عليه، وأجمعنا على أنه لا يجب في غير الصلاة؛ فثبت أنه في الصلاة؛ كذا قاله الأصحاب. وقال الشافعي: أوجب علينا أن نصلي على النبي ﷺ ، وأولى الأحوال أن

стр. 1159

تكون في الصلاة. فإن قيل: الآية تقتضي ذلك [مرة] في العمر، والدعوى وجوبها في كل صلاة. قلنا: لأصحابنا في [أن] الأمر هل يقتضي التكرار؟ وجهان: فإن قلنا: يقتضيه، ارتفع السؤال. وإن قلنا: لا يقتضيه، فجوابه: أن السنة تثبت وجوب التكرار؛ قال ﵇: "لا صلاة إلا بطهور والصلاة [عليَّ] ". وروى الترمذي، عن فضالة بن عبيد قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يدعو في صلاته؛ فلم يصل على النبي ﷺ فقال: "عجل هذا"، ثم دعاه؛ فقال له، ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء". قال: وهو حسن صحيح، وسنذكر من بعد ما يدل عليه أيضاً، على أن الخلاف مع أبي حنيفة، وهو يمنع وجوبها عليه بحال، [والآية] حجة عليه. قال: فيقول: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد"؛ لما روى البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة؛ فقال: أو لا أهدي.

стр. 1160

إليك هدية: إن رسول الله ﷺ خرج علينا؛ فقلنا: يا رسول الله، الله قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد [كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد] كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". ومراد القائل: قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ أن الله تعالى أمرنا بهما في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وقد عرفنا كيفية السلام عليك؛ أي: بما قلته في التشهد؛ فكيف نصلي عليك؟ فكان قول النبي ﷺ : قولوا كذا، بياناً لذلك. وقد روى أبو مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد ابن عبادة؛ فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله؛ فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ : "قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت

стр. 1161

على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما علمتم" أخرجه مسلم. ومعنى قوله: "كما علمتم"، أي: كما سبق في التشهد من قوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". وقد ذكر الدارقطني حديث ابن مسعود، وقال فيه: [يا] رسول الله: أما السلام عليك فقد عرفناه؛ فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ ... وساق الحديث. قال: والواجب منه: "اللهم صلّ على محمد" أي: ولا يجب على الآل؛ لظاهر الآية؛ فإنه لم يذكر فيها الآل. والجواب عن قوله ﵇: "قولوا ... " إلى آخره، إنما هو "اللهم صل على محمد"؛ لأنه المسئول عنه، وقوله: "وعلى آل محمد" ليس بياناً لما سئل عنه، وإنما هو كلام مستأنف؛ فنحمله على الاستحباب. ولأنه محل يجب فيه ذكر الله ورسوله دون صحابته؛ فلا تجب الصلاة فيه على آله؛ كالأذان؛ وهذا ما حكاه الماوردي. وحكى غيره وجهاً آخر: أنها تجب؛ لقوله ﵇: "من صلى صلاةً لم يصل فيها علي ولا على أهل بيتي-لم تقبل منه" رواه الدارقطني، عن أبي مسعود الأنصاري.

стр. 1162

قال في "المهذب": والمذهب: الأول؛ للإجماع، وأما الخبر؛ ففي رجاله جابر بن زيد الجعفي. قال بعضهم: وفي دعواه الإجماع نظر مع مخالفة أحمد. وإذا قلنا بالوجوب، فالواجب " [اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. قال القاضي الحسين: وقياس قول ابن سريج أن يقول:] اللهم صل على محمد، وآله، ولا يقول: وعلى آله. وقال الرافعي: إن كلام الغزالي يشعر بأنه يجب أن يقول: وعلى آل محمد؛ لأنه ذكر ذلك، ثم حكم بأن ما بعده مسنون. والأول هو الذي ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره. وقد رأيت في "الزوائد" حكاية طريقة عن صاحب "الفروع": أن الخلاف في الصلاة على آل الرسول ﷺ جارٍ في الصلاة على إبراهيم، ﵇. وآل النبي ﷺ : الذين تحرم عليهم الصدقة، ويستحقون من الغنيمة؛ وهم: بنو هاشم، وبنو المطلب بلا خلاف عندنا. وأما الذين يصلي عليهم في التشهد، اختلف فيهم: فمن أصحابنا من قال: هم من اتبع دينه، وصدق بشريعته؛ لقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٤٦] وأراد من كان على دين فرعون. وقال أبو إسحاق، وجماعة-كما قال الروياني-: هم بنو هاشم، وبنو المطلب، قال في "التتمة": وهو مختار الشافعي. وقيل: [هم من انتسب إلى النَّضْر بن كنانة، أبي قريش. قال القاضي الحسين: وقيل: هم أصحابه، وعشيرته. وقيل:] هم الأتقياء من المسلمين؛ لأنه ﵇ سئل عن آله؛ فقال: "كل مؤمن تقي".

стр. 1163

وروي أنه قال: ["آلي [كل] من] آمن بي إلى يوم القيامة". فرع: لا يقوم قوله: "اللهم صل على النبي"، أو" [على] الرسول" مقام قوله: "اللهم صل على محمد". وهل يجزئه قوله: ["صلى الله على محمد؟ فيه وجهان؛ كما في قوله: "عليكم السلام"؛ حكاه الماوردي، وجزم الرافعي بأنه إذا قال]: "صلى الله على محمد" أو "على رسوله" جاز، وحكى وجهين فيما إذا قال: "صلى الله عليه"، ووجه الجواز: أن الكناية ترجع إلى محمد في كلمة الشهادة، قال: وهذا نظر إلى المعنى؛ أي: الذي اعتبره ابن سريج في كلمات التشهد. فائدة: كثيراً ما يقال: [قد تقرر] أن نبينا ﷺ أفضل الأنبياء؛ فكيف نسأل أن تكون الصلاة عليه كالصلاة على إبراهيم؟! قيل: إن الشافعي قال: إن الكلام ينتهي عند قوله: "اللهم صلّ على محمد"، ويستأنف: "وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم". وقال بعضهم: [إنه يمكن] أن يقال: طلب من الله تعالى له، ولآله وليسوا بأنبياء؛ مثل منازل إبراهيم، وآله، مع أن آل إبراهيم أنبياء، ومثل منازل آل إبراهيم بجملتها لا تصلح لآل محمد؛ لأن الأنبياء لهم مقامات لا يمكن أن تحصل للأتباع؛ فيختص آل محمد بما يليق بهم، ويتوفر الباقي له ﵇. أو يقال: طلب أن يحقق الله حصول رحمته ونعمته على المجموع من محمد وآله؛ كما حقق ذلك لإبراهيم ولآله، ولا يلزم من [ذلك] فضل المشبه به إبراهيم على المشبه؛ كما يقول الولد: أعطني كما أعطيت الأجانب. قال: ثم يدعو بما يجوز من أمر الدين؛ لما روى مسلم، عن أبي هريرة

стр. 1164

قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال". [وفي لفظ آخر: "إذا فرغ أحدكم من التشهد [الآخر] فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ المسيح الدجال"]. وسمي الدجال: مسيحاً؛ لأنه ممسوح إحدى العيني. وقيل: لمسحه الأرض بالطواف. قال الماوردي: والدعاء بأمر الدين مستحب. قال: والدنيا؛ لما روى مسلم في حديث عبد الله بن مسعود، الذي أسلفناه في كيفية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء". وفي رواية: "ما أحب". وفي رواية أبي داود: "فليتخير من الدعاء ما أعجبه". قال الماوردي: والدعاء بأمر الدنيا مباح. وقال بعض أصحابنا: المباح أن يدعو بما يجوز أن يطلب من الله تعالى، وأما مايجوز أن يطلب من المخلوقين فلاي جوز، وإذا سأله بطلت صلاته؛ كذا حكاه ابن يونس، ومن بعده من الشارحين، ولم أره في مشاهير الكتبن بل الرافعي حكاه عن بعض أصحاب أبي حنيفة، وكيف كان فليس بشيء.

стр. 1165

قال: والمستحب أن يدعو بدعاء رسول الله ﷺ فيقول: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت"؛ لأن علي بن أبي طالب روى أنه ﵇ كان يقول ذلك من آخر ما يقول بين التشهد والسلام. قال مسلم بن الحجاج: وفيه رواية أخرى: أنه كان يقول ذلك إذا سلم، وقد أخرجها أبو داود. وتكره قراءة القرآن في التشهد؛ كما تكره في الركوع والسجود، وإذا فعل، كان في البطلان الوجه السابق. وظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين الإمام والمنفرد، ولا شك فيه في حق المنفرد، بل قال الأصحاب: [إن] له أن يطيل الدعاء ما شاء؛ ما لم يخرجه ذلك إلى السهو عن الصلاة، وأما الإمام فيستحب له أن يدعو [دعاء أقل من قدر التشهد والصلاة على النبي ﷺ ؛ كذا حكاه عن الشافعي. وعن نصه في "الإملاء" أنه يدعو] بقدر التشهد. قال الأصحاب: وليس هذا باختلاف قول؛ لأن قدر التشهد أقل من قدر التشهد والصلاة على الرسول ﷺ وعلى آله. وحكى الإمام عن [رواية] الصيدلاني أن الإمام الأولى في حقه أن يقتصر على التشهد والصلاة، مع ذكر "الآل" وذكر "إبراهيم"، ويسلم؛ رعاية للتخفيف على من معه، ثم قال: فإن أراد الدعاء، فينبغي أن يكون الدعاء في مقداره أقل

стр. 1166

من التشهد. قال الإمام: وما ذكره من الاقتصار على التشهد لم أره لغيره. قال: ثم يسلم؛ لقوله ﵇: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، وتقرير [حصر] التحلل فيه يؤخذ مما ذكرناه في حصر التحريم في التبكير، وقد روى مسلم، عن جابر بن سمرة قال: [كنا إذا] صلينا مع [سول الله] ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله- وأشار بيده إلى الجانبين-فقال رسول الله ﷺ : "علام تومثون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه [من] على يمينه وشماله". وجه الدلالة منه: أنه جعل كفايته ذلك؛ فدل على أنها لا تحصل بدونه. ولولا حديث عائشة الذي سنذكره، لوجبت التسليمتان؛ كما هو أصح الروايتين عن أحمد. ومن الخبر يؤخذ أن السلام يجب أن يفعله وهو جالس، وبه صرح الرافعي، وصيغته الكاملة -كما قال الرافعي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لما روى أبو داود، عن وائل بن حجر قال: صليت مع النبي ﷺ فكان يسلم عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله". وغيره قال: أكمله: "السلام عليكم ورحمة الله، وأقله: السلام عليكم". فلو قال: [عليكم السلام]، النص في "الأم" الإجزاء؛ كما تقدم. وقال ابن الصباغ: إنه نص عليه في كتاب: استقبال القبلة؛ حيث قال في آخر

стр. 1167

باب السلام: [فإن قال: عليكم السلام]، كرهت ذلك، ولا إعادة عليه. وقد حكى البندنيجي هذا وجهاً عن ابن سريج، وصححه، وكذا الروياني، وقال: إنه مكروه. وفيه قول مخرج: أنه لا يجزئه من نصه على انه إذا قال: الأكبر الله، لا يجزئه. قال البندنيجي: وعليه طائفة من الأصحاب. والماوردي حكى الخلاف في المسألة قولين منصوصين، وأن القديم منهما: الصحة مع الكراهة، وأن القائل بعدم الإجزاء حمل قوله في القديم: "لا إعادة عليه"، على أن الصلاة [لا تفسد به]. ولو قال: "سلام عليكم" بالتنوين، فوجهان: المختار في "المرشد": الإجزاء كما في التشهد. قال في "الشامل": وهو الأقيس. وظاهر نصه في "الأم": المنع؛ فإنه قال: فإن نقص من هذا حرفاً، أعاد السلام. ولا جرم. قال البندنيجي: إنه المذهب. وقال أبو الطيب: إنه الصحيح، وفارق التشهد؛ لأن الشرع ورد بذلك فيه، ولم يرد به في السلام. ولو قال: "سلام عليكم" من غير تنوين، فالمشهور أنه لا يجزئه قولاً واحداً؛ قاله الروياني، والمتولي، وغيرهما. وقال القاضي الحسين: إنه يترتب على ما [إذا] أتى به التنوين، وأولى بعدم الإجزاء. ووجه الإجزاء: أن ترك التنوين لا يغير معناه، فهو كما لو قال منوناً. ولو قال: "عليكما السلام"، ففي الإجزاء وجهان في تعليق القاضي الحسين. [ولو قال::سلامي عليكم"، أو: "سلام الله عليكم"- لم يجزئه.

стр. 1168

قال القاضي الحسين]: وحيث قلنا: لا يجزئه ذلك؛ فإن تعمده بطلت صلاته، وألا أعاد السلام، وسجد للسهو. وهذا بخلاف ما لو قال: "السلام عليهم"، أو "عليه"؛ فإنه لا يجزئه أيضاً، لكن لو تعمده لا تبطل صلاته. قال الأصحاب: ويستحب ألا يمده؛ لقوله ﵇: "جزم السلام سنة"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: تسليمتين؛ لما روى ابن مسعود أنه ﵇ كان يسلم عن يمينه، وعن يساره: [السلام عليكم]، [أخرجه مسلم، ورواية النسائي [عنه] أنه

стр. 1169

عليه السلام كان يسلم عن يمينه] السلام عليك ورحمة الله: حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده الأيسر. قال: أحداهما عن يمينه؛ لما تقدم. قال بعضهم: وكان الأحسن أن يقول: أولاهما عن يمينه؛ كما جاءت السنة. [وحد] التفاته وقت التسليم فيها، وكذا في الثانية: أن يرى بياض خده؛ كما نص عليه الخبر، وهو المذكور في "المختصر"، ورواية مسلم: أنه ﵇ كان إذا سلم التفت حتى يرى بياض خده من هاهنا وهاهنا. ومن أصحابنا من قال: يلتفت حتى يرى بياض خديه من كل جانب. وهو سرف. قال الرافعي: وينبغي أن يبتدئ بها مستقبل القبلة، ثم يلتفت؛ بحيث يكون انقضاؤها مع تمام الالتفات. قال: ينوي بها الخروج من الصلاة؛ ليخرج من الخلاف الآتي. والسلام على الحاضرين؛ أي: من الملائكة، والإنس، والجن؛ ليحوز فضيلة التسليم، وقد روي أنه ﵇ كان يصلي قبل العصر أربعاً، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن معه من المؤمنين، رواه الترمذي. قال: والأخرى عن يساره؛ للخبر، ينوي بها السلام على الحاضرين؛ لما تقدم. قال الإمام: ويشترط في الاعتداد بالثانية دوام الطهارة؛ هذا هو الظاهر عندي؛ فإنها وإن كانت تقع بعد التحلل، فهي من الصلاة. ثم نية السلام على الحاضرين في التسليمتين ثابتة في حق المنفرد. وأما الإمام فينوي ذلك في حق من على يمينه وشماله، إذا تأخر سلامهم عن سلامه؛ كما قال القاضي الحسين وغيره: إن المستحب ألا يسلم

стр. 1170

المأموم الأولى حتى يسلم الإمام الثانية. أما إذا سلموا الأولى عقيب سلام الإمام [الأولى]- كما قال في "التتمة": إنه المستحب –فكلام بعضهم يشير إلى أنه ينوي بالثانية الرد على من [على] يساره، والسلام على الملائكة والجن. والجمهور على أنه لا فرق.

стр. 1171

ومنه يؤخذ أن الشخص إذا قال: السلام عليكم؛ فقال له الآخر: السلام عليكم –كان في معنى الرد في إسقاط جواب السلام، وسنذكره في باب: ما يفسد الصلاة. وإن كان المأموم خلف الإمام، فهو مخير: إن شاء نوى السلام عليه بالأولى أو بالثانية. وأما المأموم: فإن كان عن يمين الإمام- نوى بالأولى الخروج من الصلاة، والسلام على الحاضرين في صفه عن يمينه وقدامه ووراءه، ونوى بالثانية على طريقة الجمهور السلام على الحاضرين من الملائكة، والإنس، والجن. وعلى الطريقة الأخرى ينوي الرد على الإمام، والسلام على الحاضرين من المأمومين والملائكة والجن، ويشهد له ما روى جابر بن سمرة قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام، وأن يسلم بعضنا على بعض، رواه أبو داود. وإن كان [عن] يسار الإمام، نوى بالأولى الخروج من الصلاة، والسلام على الحاضرين من الإمام، والمأمومين، والملائكة، والجن، وهذا على طريقة الجمهور. وعلى الأخرى ينوي الخروج من الصلاة، والرد على الإمام، والسلام على الحاضرين، وينوي بالتسليمة الثانية السلام على الحاضرين، أو الرد على المأمومين، والسلام على الملائكة والجن. وإن كان خلف الإمام، [قال في الأم]: فهو كما لو كان على يسار الإمام؛

стр. 1172

فإن نوى السلام على إمامه في الأولى، وألا نواه في الثانية. ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار؛ إن شاء رد على الإمام عن يمينه، وإن شاء رد عليه عن يساره. واعلم: أن ما ذكره الشيخ من أنه يسلم تسليمتين هو الجديد الذي نص عليه في "الأم". وفي "المهذب" و"تعليق" البندنيجي و"الحاوي" و"التتمة" و"الإبانة" حكاية قول آخر عن القديم: أنه إن صغر المسجد، أو كبر وقل الجمع -سلم واحدة، وإن كثر الجمع، سلم تسليمتين؛ وهذا ما حكاه الغزالي، والإمام، والقاضي الحسين عن رواية الربيع، وبه يحصل الجمع بين ما ذكرناه من الخبر، وبين ما روته عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يسلم واحدة تلقاء وجهه، وكان يميل إلى الشق الأيمن شيئاً. أخرجه الترمذي، وقد أشار إليه الشافعي بقوله في القديم: بلغنا أن رسول الله ﷺ سلم واحدة [وأنه سلم اثنتين. وحكى الغزالي والإمام قولاً ثالثاً عن القديم: أنه يسلم تسليمة واحدة] ولا يسن تسليمتين. والصحيح: الأول، والحديث الوارد في التسليمة الواحدة، قال في "المهذب":

стр. 1173

إنه غير ثابت عند أهل النقل، وغيره صرح بأنه يرويه زهير بن محمد، وقد قال أبو عمرو: إن حديثه لا يصح مرفوعاً، وهو قد ضعفه ابن معين وغيره في التسليمتين. وإذا قلنا بالقديم، فالخبر يقتضي أنه يسلم واحدة تلقاء وجهه، ويميل إلى الشق الأيمن قليلاً، وكذا حكاه البندنيجي. وفي "النهاية" في باب: التكبير في صلاة الجنازة أن في بعض النصوص أنه يبتدئ التسليم ملتفتاً إلى يمينه، ويتمها ووجهه مائل إلى يساره؛ فيدير وجهه من يمينه إلى يساره في حال التلفظ بالسلام، وقد اختلف أئمتنا في ذل: فمنهم من رأى ذلك رأياً؛ فأخذ به. ومنهم من يقول: إذا كان يسلم واحدة، فإنه يأتي بها تلقاء وجهه من غير التفات. قال: وظني أني لم أذكر مثل هذا في كتاب الصلاة، ولا شك في جريانه فيه. والذي ذكره فيه هو الثاني فقط. قال: ثم يدعو؛ لما ذكرناه من رواية علي-كرم الله وجهه-أنه ﵇ كان يقول بعد السلام: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت [... إلى آخره] ". ولو أتى بالذكر بدل الدعاء، كان أولى؛ لأنه يحصل مقصوده وزيادة؛ قال ﵇: [يقول الله- ]: "من شغله ذكري عن مسألتي-أعطيته أضل ما أعطى السائلين".

стр. 1174

وقد روى عنه ﵇ أذكار مختلفة: منها: أنه كان يقول إذا سلم من صلاته بصوته الأعلى: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولا نعبد إلا إياه، وله النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، مخلصين له الدين، لو كره الكافرون" أخرجه مسلم، والشافعي في كتاب: الصلاة. وروى النسائي وأبو داود بإسنادهما أنه ﵇ قال: "من قال خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين تبكيرةً، وثلاثاً وثلاثين تسبيحة، وثلاثاً وثلاثين تحميدةً،

стр. 1175

ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير- غفرت خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر". وروى مسلم قال: كتب المغيرة إلى معاوية أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". قال: سراًّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ١١٠]، قالت عائشة: نزلت هذه الآية في الدعاء. وقال الماوردي: إن الشافعي قال: معناه: لا تجهر بدعائك جهراً يسمع، ولا تخافت به إخفاء لا يسمع. وقال غيره: معنى التخافت: ألا يسمع نفسه، وقد أثنى الله تعالى على عبده زكريا؛ فقال: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [مريم: ٣]. وهذا إذا لم يكن إماماً؛ فإن كان إماماً، فقد قال في "التتمة": إنه يجهر، [وعليه [يحمل] ما روي أنه ﵇ كان يقول بصوته الأعلى ما ذكرناه من حديث جابر]، وكلام المصنف يقتضي تخصيصه بحالة إرادة التعليم؛ ألا تراه قال: إلا أن يريد تعليم الحاضرين؛ فيجهر؛ لقصد التعليم. والمريد للتعليم إنما يكون هو الإمام، ثم جهره يكون على هذا إلى حين يتعلمون. قال الأصحاب: وينبغي للإمام-بعد فراغه من الدعاء-ألا يثبت في مكانه،

стр. 1176

بل يثب؛ لأنه جاء في الحديث: "إذا لم يقم إمامكن فانسخوه"؛ وهذا يدل على أن الجميع محبوسون إلى أن يقوم الإمام، وألا لما أمر بنخسه. ثم إذا وثب أقبل على الناس بوجهه. واختلف أئمتنا في أنه من أي قطر يميل. فمنهم من قال يفتل يده اليسرى [ويجلس] على الجانب الأيمن من المحراب. ومنهم من يقول-وهو القفال-: يفتل يده اليمنى، ويجلس على الجانب الأيسر؛ كما قلنا في الطواف: إنه يبتدئ من الحجر الأسود، وتكون يده اليسرى إلى الكعبة، واليمنى إلى الناس. وقال الإمام: إذا لم يصح في هذا نقل، فلست أرى في ذلك إلا التخيير، ثم ينصرف إلى أي جهة شاء. واستحباب قيامه عقيب الدعاء؛ إذا لم يكن ثم نسوة؛ فإن كان، فيستحب له أن يجلس كيما يخرجن؛ حتى لا يجتمعن مع الرجال حال الخروج، وكذا إذا

стр. 1177

كان فراغه من صلاة الصبح؛ فيستحب له أن يشتغل بالذكر إلى أن تطلع الشمس؛ لما روي أنه ﵇ قال: " لأن أجلس في قوم يذكرون الله من صلاة الغداة إلى أن تطلع الشمس أحب إلى من أن أعتق ثمانية من أولاد إسماعيل، دية كل واحد اثنا عشر ألفاً"؛ قاله في "التتمة". والأولى فعل النوافل بعد الصلاة في بيته؛ فإن صلاها في المسجد جاز. قال القاضي الحسين: ويتأخر عن موضعه قليلاً؛ لأن [روي ذلك عنه]، ﵇.

стр. 1178

وهذا يعارضه قول الإمام في كتاب النذور: إنه ﵇ لم ير متنفلاً في المسجد إلا في ثلاث ليال من شهر رمضان؛ فإنه صلى التراويح في المسجد. ويستحب للمأموم ألا يخرج من المسجد قبل إمامه، قاله الماوردي. قال: وإن كان في صلاة هي ثلاث ركعات أو أربع: جلس بعد الركعتين؛ [للإجماع] مفترشاً؛ لما أسلفناه من خبر أبي حميد الساعدي في صفة صلاته، ﵇. قال الأصحاب: والفرق بين الجلوس في آخر الصلاة، وبين ما عداه من الجلسات فيها أن التورك هيئة مستقر؛ فكان آخر الصلاة به أولى، والافتراش هيئة مستوفز [للحركة]؛ فكان ما قبل الآخر به أولى؛ لأنه يعقبه حركة السجود. وحمل الشافعي ما ورد من الأخبار الدالة على الافتراش، و [الأخبار] الدالة على التورك على حالين؛ كما قررناه؛ لأنه متى ورد في النفي والإثبات خبران مطلقان في واقعة، وورد فيها خبر مفصل-فالمطلقان محمولان على التفصيل لا محالة. ولا فرق في استحباب الجلوس مفترشاً بعد الركعتين بين الإمام والمأموم والمنفرد؛ لاشتراكهم في المعنى الذي ذكرناه؛ ولأجله قال الأصحاب: إن المسبوق يجلس مع الإمام إذا جلس في آخر صلاته مفترشاً، وإن كان الإمام متوركاً. [وقيل: إذا جلس الإمام في آخر صلاته متوركاً]، جلس المسبوق كذلك؛ متابعة له؛ حكاه الشيخ أبو محمد. وعن الشيخ أبي طاهر الزيادي حكاية وجه ثالث: أنه [إن] كان محل تشهد

стр. 1179

للمسبوق؛ كأن أدرك ركعتين من صلاة الإمام جلس مفترشاً، وألا جلس متوركاً؛ لأن الجلوس في هذه الحالة تمحض للمتابعة [فيتابعه] أيضاً. والأكثرون على الأول، وهو الذي نص عليه، وادعى القاضي الحسين أن كل جلسة لا يسلم عنها يفترش فيها إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا كان مسبوقاً، ويكون خليفة؛ فإنه يجلس في آخر صلاة الإمام متوركاً؛ كما يقنت في موضع قنوته، ويجهر في موضع أن يجهر. قال: وعند القفال: خليفة الإمام يراعي نظم صلاة الإمام، إلا أنه يجلس مفترشاً؛ لأنه يريد أن يقوم، والقنوت والجهر خلاف ظاهر. قال: ويتشهد؛ لقول عائشة: وكان رسول الله ﷺ يقول في كل ركعتين التحية، رواه مسلم. قال: ويصلي على النبي ﷺ وحده في أصح القولين؛ لقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦]؛ فجمع بين الصلاة والسلام، وهو يسلم عليه فيه؛ [فكذا يصلي عليه فيه؛ ولأنه أحد التشهدين؛ فشرع] فيه الصلاة؛ كالأخير، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وهو الجديد، والمختار في "المرشد". قال: ولا يصلي في الآخر؛ لأن مبناه على التخفيف، روى ابن عباس: أنه ﵇ كان يجلس في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف حتى يقوم، رواه أبو داود، والرضف: الحجارة المحماة، وهذا ما ذكره في القديم.

стр. 1180

قال أبو الطيب: وهو [ظاهر] ما نقله المزني. فعلى هذا: لا يصلي على الآل فيه، ولو صلى عليهم فيه، كان ناقلاً ركناً إلى غير محله، وفي بطلان الصلاة به الخلاف الذي سنذكره في باب سجود السهو. وكذا لو صلى على آله فيه، وقلنا: إنه فرض في التشهد الأخير. وعلى الأول هل يصلي على الآل؟ فيه الذي ذكره العراقيون، لا كما أفهمه قول الشيخ: وحده. وحكى بعض المراوزة فيه وجهين، مبنيين على وجوب ذلك في الأخير؛ [فإن قلنا: يجب، كان كالصلاة عليه، وألا فلا يأتي به. وصاحب "الفروع" جعل الخلاف في وجوبه في الأخير] مرتباً على استحبابه في الأول؛ فإن قلنا: يستحب فيه، وجب في الخير، وإلا فلا. فرع: لو أطال التشهد الأول، كره له. قال القاضي الحسين: ويجب أن تبطل صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة كالجلسة بين السجدتين، ويحتمل ألا تبطل؛ لأنه محل الدعاء. قال: ثم يصلي ما بقي من صلاته، مثل الثانية؛ لقوله عليه لسلام للمسيء في صلاته: "وافعل ذلك في جميع صلاتك"؛ وهذا دليل على الفرائض منها، وأما التكبير فدليله قول ابن مسعود وأبي هريرة: إنه ﵇ كان يكبر في كل [رفع وخفض، والباقي] نأخذه بالقياس. قال: إلا أنه [لا] يقرأ السورة بعد الفاتحة، في أحد القولين؛ لما روى

стр. 1181

البخاري ومسلم، عن أبي قتادة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب [وسورة، ويسمعنا الآية أحياناً، ويقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب]. وهذا ما نقله البويطي عن الشافعي والمزني؛ كما قال أبو الطيب، وقاله في القديم، وادعى أبو إسحاق المروزي أنه الصحيح، وقال الغزالي: إن العمل عليه. قال الرافعي: وبه أفتى الأكثرون، وجعلوا المسألة من المسائل التي يفتى فيها على القديم. قال: ويقرأ في الآخر؛ لما ذكرناه من خبر [أبي سعيد]؛ عند الكلام فيما يقرؤه في الصبح والظهر، وهذا ما نص عليه [في "الأم"]، واختاره الشيخ أبو حامد، والبغوي، وطائفة. قال بعضهم: واعلم أنه يستثني من قول الشيخ الجهر بالقراءة؛ فإنه يجهر في الأولى والثانية، دون بقية صلاته. قلت: ولا حاجة إلى استثنائه؛ لأن الشيخ بين الحل الذي يجهر فيه قبل ذلك؛ حيث قال: ويجهر الإمام والمنفرد بالقراءة في الصبح، والأوليين من المغرب والعشاء، ومع ذلك لا حاجة إلى استثنائه. نعم يحتاج أن يستثني قدر القراءة؛ إذا قلنا: إنه يقرأ السورة؛ لأن الخبر دل على أن القراءة في الركعتين الأخيرتين على النصف من المقروء في الركعتين الأوليين، وبه قال في "المرشد". وعبارة القاضي أبي الطيب: أنه لا يختلف المذهب أنه يستحب أن تكون الأخيرتان أقصر من الأوليين.

стр. 1182

وكلام الشيخ يقتضي التسوية [بينهما ويقتضي التسوية] بين الثالثة والرابعة، وهو كذلك؛ لأن القاضي أبا الطيب قال: إنه لا يختلف المذهب أيضاً في أن المستحب مساواة الثالثة للرابعة. وقال الرافعي: [إن] الوجهين في تطويل الركعة الأولى على الثانية يجريان في تطويل [الركعة] الثالثة على الرابعة. قال: ويجلس في آخر الصلاة متوركاً؛ كما إذا كانت الصلاة ركعتين، والله أعلم. قال: وإن كنا في الصبح فالسنة أن يقنت؛ لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، وقد ثبت أن الوسطى الصبح؛ فدل على أن القنوت فيها؛ لاقترانه بها، وقد روى الدارقطني بإسناده عن أنس بن مالك قال: "ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا". وقد رأيت في كلام بعض الشراح أن مسلماً خرج هذا الخبر، وبعضهم نسبه إلى رواية الإمام أحمد في "مسنده".

стр. 1183

فإن قيل: قد روت أم سلمة: أنه ﵇ نهى عن القنوت في الفجر، وعن أنس: أنه ﵇ قنت شهراً وترك. رواه مسلم. قلنا: يحمل ذلك على الدعاء على الكفار؛ جمعاً بين الأحاديث، وحديث أم سلمة ضعيف عند أهل الحديث. ثم القنوت في اللغة: الدعاء بالخير والشر، يقال: قنت فلان على فلان؛ إذا دعا عليه، وقنت له: إذا دعا له بالخير، لكن صار القنوت بالعرف مستعملاً في دعاء مخصوص. قال: بعد الرفع من الركوع [في الركعة الثانية]؛ أي: وبعد فراغه من الذكر الراتب عقيب الرفع؛ كما قال البندنيجي، وهو قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد" كما قاله الماوردي وغيره؛ لما روى البخاري بإسناده، عن أبي هريرة أنه قال: "والله لأنا أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ وكان يقنت بعد الركوع. وروى أبو داود، عن أنس، أنه سئل: هل كان رسول الله ﷺ يقنت في الصبح؟ فقال: نعم؛ فقيل له: قبل الركوع، أو بعده؟ قال: بعده.

стр. 1184

وروى مسلم، عن أبي هريرة أنه ﵇ قنت بعد الركوع. فرع: لو قنت قبل الركوع، فهل يعتد به؟ [فيه وجهان] في "الحاوي"؛ أظهرهما: لا، ويعيده، وعلى هذا هل يسجد للسهو؟ فيه وجهان. وقال القاضي الحسين: لو قنت قبل الركوع، [هل تبطل صلاته] أم لا؟ فيه وجهان، سيأتي أصلهما. ولا خلاف في أنه إذا دعا بعد القراءة، ولم يرد القنوت- لا سجود عليه. قال: فيقول -أي: المنفرد-: "اللهم اهدني فيمن هديت، عافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت"؛ لأن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت ... " إلى آخره: قال الترمذي: وهو حديث حسن

стр. 1185

صحيح، لا يعرف عن النبي ﷺ [في القنوت] شيء أحسن منه. وكذلك قال الإمام: إن المقدار الثابت في كلمات القنوت ما نقله المزني في "المختصر"، وهي هذه الكلمات الثماني التي ورد بها الخبر، ولم يزد في "المرشد" عليها. وقال في "الشامل": إن بعض الناس زاد: "ولا يعز من عاديت، ولك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك" ولا بأس به. وقال الشيخ أبو حامد: إنه حسن. وقال القاضي أبو الطيب: قوله: "ولا يعز من عاديت"، ليس بحسن؛ لأن العداوة لا تضاف إلى الله، سبحانه. ورُدَّ عليه ذلك بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [البقرة:٩٨]. والذي رأيته في "تعليقه": أنه لا يستحب له أن يقول: "ولا يعز من عاديت"؛ لأن قوله: "لا يذل من واليت" يغني عنها؛ ولأن الأمر لم يرد بها. وهذا فيه

стр. 1186

نظر؛ لأنه لا يظهر من قوله: "ولا يذل من واليت" [ذلك]، وقد ادعى القاضي الحسين أنه جاء في بعض الروايات في الخبر المذكور "ولا يعز من عاديت"، وفي بعض الآثار: "ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ربنا ونتوب إليك". وزاد في التتمة على ما قاله القاضي أبو الطيب فقال: لا يستحب له أن يزيد على الكلمات [الثمان]؛ فلو زاد عليها؛ لا تبطل صلاته؛ لأن المحل محل الذكر. وقال القاضي الحسين: [إنه] إذا طول القنوت على العادة كان مكروهاً، ويحتمل-عندي- أن يقال: تبطل؛ لأنها قومة قصيرة مدها بالذكر الممدود؛ كالجلسة بين السجدتين، والاعتدال في الركوع. ويحتمل الفرق؛ لأنها محل الدعاء. أما الإمام-فيقول: "اهدنا" نص عليه في "الأم"، [وهذا يؤخذ من قول الشيخ: "ويؤمن المأموم على الدعاء"؛ إذ لو لم يأت به بصيغة الجمع، لما كان لتأمين المأموم فائدة ترجع إليه]. ولو خص نفسه بالدعاء، جاز؛ إلا أنه ترك المستحب؛ لخبر ورد فيه. ثم ظاهر كلام الشيخ تعين كلمات القنوت التي ذكرها، وهو ما ادعى بعض الناس: أنه المذهب؛ فلا يجزئه غيره، ولو ترك منه كلمة، سجد للسهو. وعبارة الإمام من حيث المعنى الذي يجب القطع به: تعين الكلمات الثماني المنقولات عن الحسن، ولا يقوم غيرها مقامها؛ لأنه [شبيه] بالتشهد الأول؛ فإنهما من الأبعاض؛ ولأجل ذلك قال في "الوسيط": وكلماته متعينة. وفي "فتاويه": أنه لو عدل عن الدعاء المشهور في القنوت إلى غيره، أو أتى ببعضه –لزمه سجود السهو. والمنقول عن العراقيين أنه لا يتعين له ذكر.

стр. 1187

وإن قنت بما روي عن عمر؛ وهو ما سنذكره في باب: صلاة التطوع- كان حسناً؛ قاله في "المهذب"، وحكاه في "المهذب" عن [نص] الشافعي، قوال: إنه لو جمع [ينه] وبني قنوت الحسن، كان حسناً. نعم: إن أراد الاقتصار على أحدهما؛ فقنوت الحسن أولى. وما قاله العراقيون من عدم التعين سنذكره عن القفال في باب ما يسد الصلاة، وهو المنقول عن "فتاويه" أيضاً، ولم يورد القاضي الحسين غيره، وكذا الماوردي، [و] قال: إنه لو قرأ آية فيها دعاء كآخر البقرة ونحوها، أجزأه في تأدية السنة، وإن قرأ ما لا يتضمن دعاء؛ كآية الدين-فوجهان. قال: ويصلي على النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]: قال المفسرون: أي: لا أذكر [إلا وتذكر] معي. قال في "المهذب": ولأنه نقل ذلك في رواية الحسن بن علي. قال بعضهم: وقد أخرجه [أبو] عبد الله النيسابوري في "سننه". ولأنه دعاء، وقد روي عن عمر أن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد يها شيء حتى تصلي على نبيك. ولا يقول هذا إلا توقيفاً وهذا هو المشهور. وقد قيل: إنه لا يشرع فيه، وهو ما أورده القاضي الحسين؛ فإن فعله، كان كما لو قرأ الفاتحة في التشهد. قال: ويؤمن المأموم على الدعاء؛ لما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقنت، ونحن نؤمن خلقه، ولأن التأمين يجري مجرى الدعاء، وقد قيل: إنه

стр. 1188

دعاء؛ كما تقدم؛ ولذلك قال ابن الصباغ: إنه ينبغي أن يتخير في ذلك. وحكى المراوزة وجهين: أحدهما: أنه يؤمن. والثاني: يشاركه فيه؛ قياساً على سؤال الرحمة، والاستعاذة من النار. وهذا إذا جهر، وسمع المأموم صوته؛ فإن كان قد أسر، أتى المأموم به. وإن كان قد جهر، لكن المأموم لم سمع، فهل يؤمن، أو يقول كما يقول؟ حكى المراوزة فيه وجهين؟ كما تقدم مثلهما في قراءة السورة، ويأتي في الذكر والإمام يخطب إذا كان المأموم بعيداً لا يسمع الخطبة، وقياس مذهب العراقيين في ذلك أن يأتي به هاهنا. قال: ويشاركه في الثناء؛ [إذلا] يمكن تحصيل مقصوده بالتأمين؛ ولذلك حمل الأصحاب ما رواه ابن عباس على الدعاء. قال ابن الصباغ: وهذا لا يحفظ عن الشافعي فيه شيء، إلا أنه قال: "وإذا قرأ الإمام آية رحمة، سألها، وكذلك المأموم"؛ فشرك بينهما في الدعاء، وهذا مثله. وفي "الرافعي" حكاية وجه عن رواية الروياني وغيره: أن المأموم يؤمن في كل كلمات القنوت، والأصح: الأول. وقد أفهمك كلام الشيخ أن الإمام يجهر [به]، وهو ما ادعى البغوي-تبعاً للقاضي الحسين-أنه الأصح، وقال: إن من سننه في حق المنفرد الإسرار، وهذه الطريقة حكاها الماوردي أيضاً. وأطلق البندنيجي القول بأن المصلى يجهر به، وطرده في القنوت في جميع الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة؛ إذا قلنا بالقنوت فيها. والغزالي أطلق القول بأن الأصحاب اختلفوا في الجهر به، وكذا الفوراني. قال الغزالي: والظاهر أنه مشروع. فرع: هل يرفع يديه فيه؟ قال في "المهذب": لا نص فيه، والذي يقتضيه المذهب: أنه لا يرفع. وهو ما

стр. 1189

حكاه أبو الطيب في بعض كتبه، واختاره القفال والبغوي؛ قياساً على سائر الأدعية في الصلاة. وقال القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، وابن الصباغ، والغزالي، والروياني في "الحلية": إنه يستحب فيه الرفع، وهو الذي حكاه القفال، عن أبي زيد المروزي، وصححه في "التتمة"، و"المرشد"؛ لأنه منقول عن جماعة من الصحابة، وقوله ﵇ الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه: "إذا دعوت، فادع ببطون كفيك، ولا تدع بظهورهما؛ فإذا فرغت، فامسح بهما وجهك" –يدل عليه. ولأنه دعاء في حالة ليس فيها هيئة مسنونة؛ فاستحب فيه الرفع؛ كخارج الصلاة؛ وعلى هذا قال الجيلي: ففي كيفية الرفع وجهان.

стр. 1190

أحدهما: يرفع بطن كفه نحو السماء؛ لظاهر الخبر، وهو ما ذكره القاضي أبو الطيب. والثاني: يرفع ظهر كفه. قال: وهكذا الحكم في كل دعاء. ومنهم من قال فيه: إن كان يسأل الله -تعالى- مغفرة ورحمة، وما هو من أمور الآخرة -فيجعل بطن كفه [إلى السماء]، وإن دعاه رهبة وخوفاً، جعل ظهر كفه نحو السماء. وكيفما قلنا: إنه يرفع؛ فيستحب أن يمسح وجهه بكفيه؛ لما ذكرناه؛ ولأنه سنة الدعاء. قال ابن الصباغ [وغيره]: ولا يستحب مسح غير الوجه، بل يكره. وقال الروياني، والبغوي: إن أصح الوجهين أنه لا يمسح بهما وجهه أيضاً، وهو اختيار القفال. فرع: إذا صار القنوت شعاراً للروافض، فهل يترك؟ فيه خلاف ذكرته عند الكلام في تسطيح القبر. والرافعي نسب هاهنا وجه المنع إلى رواية أبي الفضل بن عبدان، عن [ابن] أبي هريرة، وهو المذكور في "الوسيط" ثَمَّ. قال: وإن نزلت بالمسلمين نازل، قنتوا في جميع الصلوات؛ أي: الفرائض؛ لما روى ابن عباس قال: "قنت رسول الله - شهراً متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة الصبح، وفي دبر كل صلاة؟ إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة يدعو على أحياء من سليم على رعل،

стр. 1191

وذكوان، وعصية، ونؤمن [من] خلفه" أخرجه أبو داود.

стр. 1192

وروى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة أنه قال: "إني لأشبهكم صلاة بصلاة رسول الله ﷺ "، وكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخرة، ويدعو للمسلمين، ويلعن الكافرين". وروي عن علي "أنه قنت في المغرب"، وبه وقع الرد على الطحاوي؛ حيث قال: إن القنوت في غير الصبح لم يقل به أحد إلا الشافعي. وحكى المراوزة قولاً: أنه لايجوز القنوت [في غير الصبح] بسبب النازلة. وحكى ابن يونس طريقة أخرى: أنه لا يقنت السرية، ويقنت في الجهرية. وإذا قلنا بالصحيح -فإيراد "الوسيط" يشعر بأنه [يسر في الصلوات السرية]، وهو ما حكاه البندنيجي، [و] في الجهرية الخلاف في قنوت الصبح. قال الرافعي: وإطلاق غيره يقتضي [طرد] الخلاف في الكل. أما إذا لم تنزل نازلة، فمفهوم كلام الشيخ أنه لايجوز، وهو ما حكاه الإمام عن شيخه، والغزالي في "الوسيط" عن المراوزة، ولم يحك في المهذب غيره، وعليه نص في "لأم"، وقال في "الإملاء": إن شاء قنت، وإن شاء ترك؛ فإن النبي ﷺ قنت فيها وترك، ولا يقال في هذا ناسخ ولا منسوخ؛ حكاه البندنيجي، وهو يقتضي أنه غير مستحب، ولا مكروه. قال الرافعي: وهو قضية كلام أكثر الأئمة. ومنهم من يشعر إيراده باستحبابه [في جميع الصلوات. قال في "الروضة": والأصح: استحبابه]، [وصرح به] صاحب

стр. 1193

"العدة"، ونقله عن نص الشافعي في "الإملاء". وعلى الأول: فقد قال بعضهم: إن اختصاص الصبح بالقنوت عند فقد النازلة؛ لكونها أشرف؛ فإنها الوسطى؛ كما تقرر، ويدخل وقتها والناس في غفلة، ويشرع في أذانها التثويب، ويجوز الأذان لها قبل الفجر، وهي أخصر صلوات الفريضة في كل يوم، فكانت بالزيادة أليق من غيرها من الصلوات، والله أعلم.

стр. 1194

باب فروض الصلاة وسننها لما ذكر الشيخ في الباب قبله صفة الصلاة عل الكمال من غير تمييز لفرض فيه من السنة-احتاج إلى رسم هذا الباب؛ لبيان ما هو الفرض من ذلك؛ ليفعله المصلي حتماً إن كان يعرفه، ويتعلمه وجوباً إن كان يجهله؛ [كما دل عليه] قوله في الباب قبله: "ومن لا يحسن التبكير بالعربية، بكر بلسانه، وعليه أن يتعلم"، وبه صرح الإمام عند الكلام في التكبير؛ فقال: ومما يتعلق بتمام القول في ذلك أن من أسلم، فعليه أن يبتدر تعليم شرائط الصلاة وأركانه، ويعرف ما هو سنة؛ ليتخير في فعله وتركه، وأيضاً لتصح نيته؛ كما أسلفناه. وقد فعل مثل ذلك في الوضوء والحج، ولم يصنع كذلك في الغسل؛ لأن مضمون واجبه يحصره كلمتان؛ [فما رأي] أن يفرد صفته بباب، وتفصيله بباب آخر. ثم "الفروض": جمع "فرض"، وأصله في اللغة: التقدير، يقال: فرض الخياط الثوب: إذا قدره، [و] لما كانت هذه الأمور مقدرة في الصلاة، سميت: فروضاً. وقيل: أصله الحز في القدح وغيره، والقدح- بكسر القاف والحاء المهملة-: السهم إذا قوم واستوى قبل أن ينصل ويراش، فإذا ركب فيه النصل والريش فهو سهم؛ فلما كانت هذه الأشياء لازمة للصلاة ملازمة الحز للقدح سميت: فروضاً. وبعضهم يعبر عنها بالأركان، ويقول: الصلاة تشتمل على شرائط وأركان وأبعاض وهيئات: فالشرائط ست، وهي: الطهارة عن الحدث، والطهارة عن الخبث في البدن والثوب، وموضع الصلاة على الجديد، وستر العورة، والعلم بدخول الوقت،

стр. 1195

أو ظنه، واستقبال القبلة في حال الأمن في الفرض دون النافلة في السفر؛ كما سلف. وقيل: إنه ركن؛ حكاه الإمام عن صاحب "التلخيص"، ولم يذكر في "المهذب" في صفة الصلاة غيره. قال الإمام: وهو الأقرب؛ من حيث إن الطهارة تتقدم على الصلاة، وستر العورة لا يختص وجوبه بالصلاة؛ فلم تكن أركاناً، بل هي شرائط، ووجوب استقبال القبلة يختص بالصلاة، ولا يجب تقدمه على عقدها، وهذا ما استحسنه القفال. وحكى القاضي الحسين أن بعض أصحابنا [قال] بمثله في الطهارة والستارة، وهو بعيد. والسادس: الإسلام، فنه لابد من تقدمه على العبادة، ولو زال في أثنائها بالردة، بطلت. والأركان: ما عده الشيخ فروضاً، وستتضح [مع] ما يتعلق بها. والأبعاض والهيئات: هي ما عبر الشيخ عنها بالسنن وسنبينها. وقد حاول بعضهم عبارة فارقة بين الشرط والركن في الصلاة؛ فقال: الشرط: ما يتقدم عليها، ويجب استدامته إلى آخرها، والركن: ما لا يتقدم عليها، ولو تركه عمداً بطلت صلاته، ولو تركه سهواً لزمه العود إليه، ولا ينجبر بالسجود، وإليه يميل كلام الإمام؛ حيث جعل القول بأن استقبال القبلة ركن أقرب؛ لكونه لا يجب تقدمه عليها؛ بخلاف الطهارة والستارة. وقال الرافعي: إنه يرد على هذا ترك الكلام والفعل الكثير، وسائر المفسدات؛ فإنها لا تتقدم على الصلاة، وهي معدودة من الشروط دون الأركان. وظن أن هذا لا جواب عنه؛ فقال: ولك أن تفرق بين الركن والشرط بعبارتين: إحداهنا: أن تقول: الأركان: المفروضات اللاحقة التي أولها التكبير، وآخرها
следующие страницы →