← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

يكمل؟ هي على ما مضى. فإن قلنا بقول أبي إسحاق، كان التكميل بالسجدة الثانية. وكذا إن قلنا بمقابله، ولم يكن قد جلس بين السجدتين، و [قلنا]: إن القيام [لا] يقوم مقامها، [وإن كان قد جلس بين السجدتين، وقلنا: إن القيام يقوم مقامها] فالذي حصلت به التكملة السجدة الأولى، ولا فرق في ذلك بين أن يقصد الساهي بسجوده في الثاني السجود للركعة الثانية، أو لا. وقال أبو إسحاق: إنما تتم الركعة الأولى بالسجود في الثانية؛ إذا لم يقصد به السجود فيها؛ فإن قصد به السجود للثانية، فلا تتم به؛ لأن نية الصلاة مستدامة، وقد حدثت نية أخرى حقيقة تخالف تلك النية؛ فكانت الحقيقة مغلبة، وهذا في "تعليق" القاضي الحسين و"تلخيص" الروياني منسوب إلى ابن سريج، وانه استشهد له بنص الشافعي، على أنه لو هوى إلى السجود؛ فسقط على الأرض؛ إن نوى الاعتماد على الأرض، لا يحسب له عن فرض السجود. قال الروياني: وهو صحيح، والذي عليه الجمهور: الأول. قالوا: ونظيره ما لو نوى التنظيف في أثناء الوضوء بعد عزوب النية حقيقة، لا حكماً، وذلك لا يؤثر، لكن لأبي إسحاق أن يمنع في مسالة الوضوء أيضاً، ويتمسك فيها بظاهر ما نقله المزني؛ فإنه قال: يجزئه ما لم يحدث نية أن يتبرد، أو يتنظف. فإن قيل: إذا حصل التذكر لترك سجدة من الأولى، وهو في سجود الثانية: [لم] لا أبطلتم الأولى، وجعلتم السجود لثلانية؛ كما قلتم فيما إذا زوحم عن السجود في الجمعة في الأولى حتى ركع الإمام في الثانية؛ فإنه يتابعه على قول، ويحسب الركوع عن الركعة الثانية، لا عن الأولى، على قول؟ قلنا: إنما حسبنا الركوع عن الركعة الثانية في مسألة الزحام؛ لحاجته إليه حتى

стр. 1227

لا تكون الركعة ملفقة؛ فلا يدرك بها الجمعة، ولا حاجة به هاهنا، وقد صحت الأولى؛ فكيف تلغي؟! مع أنا ثم نأمره بالركوع قصداً، وفيه إبطال لما سلف، وهاهنا ركع وسجد في الثانية وهو غير عالم بأن عليه شيئاً؛ فكان فعله سهواً؛ فصح ما يلي فعله على وجه الصحة، وهو السجود. ثم الحكم فيما لو تذكر أنه ترك ركوعاً؛ كما ذكرناه في السجود، ولو تذكر أنه ترك القراءة، فسيأتي الخلاف فيه. فإن قلنا: لا تسقط بالنسيان، كان الحكم كما في الركوع والسجود. فرع: لو تذكر [وهو] في الركوع أنه ترك قراءة الفاتحة؛ فعليه أن يعود في الحال؛ فإن تأخر ساعة، بطلت صلاته. ولو تذكر وهو قائم أنه تركها؛ فتباطأ ساعة، لا تبطل؛ لأن القيام محل القراءة؛ بخلاف الركوع؛ قاله القاضي الحسين في باب: سجود السهو. قال: فن لم يعرف معوضه، بني الأمر على أسوأ الأحوال موجباً لطلب اليقين الذي دل على اعتباره الخبر الذي سنذكره في أول سجود السهو. قال: فإن كان المتروك سجدة من أربع ركعات، جعلها –أي: قدر أنها- من غير الأخيرة، ويأتي بركعة؛ لأنه الأحوط؛ فإنه لو جعلها من الخيرة، لم يلزمه إلا سجدة [واحدة]، ويعيد التشهد وما بعده، وإذا جعلها من غير الأخيرة، لزمه ركعة؛ كما ذكر؛ لأنها إن كانت من الأولى، انجبرت بسجدة من الثانية [إما الأولى، أو الثانية؛ على الخلاف السابق، وبطل باقي الثانية]، وصح ما بعدها؛ فحصلت له الركعة الأولى؛ وصارت الثالثة ثانية، والرابعة ثالثة، وبقي عليه ركعة فيأتي بها. وإن كانت السجدة من الثانية، انجبرت بسجدة [من الثالثة وبطلت، فصارت الرابعة ثالثة، يأتي برابعة. وإن كانت السجدة من الثالثة، انجبرت بسجدة] من الرابعة، وبطلت؛ فيأتي برابعة.

стр. 1228

قال: [ويسجد للسهو]؛ لخبر ابن مسعود، وغيره، الذي سنذكره في باب سجود السهو. قال: وإن كان سجدتين، جعل واحدة من الأولى، وواحدة من الثاثلة، ويأتي بركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل باقي الثانية، وتنجبر الثالثة بسجدة من الرابعة، وتبطل الرابعة، وحينئذ تكمل له ركعتان؛ فيبقى عليه ركعتان؛ فيأتي بهما. نعم، لو علم أن السجدتين من ركعة واحدة، جعلهما من غير الأخيرة، وأتى بركعة؛ لأن هذا أسوأ الأحوال، ولو علم أنهما من ركعتين متواليتين؛ فالأحوال كلها في حقه سواء، ويلزمه ركعة كيف جعلها، وهو مما لا خلاف فيه. قال: [ويسجد للسهو]؛ لما ستعرفه.

стр. 1229

قال: وإن كان ثلاث سجدات، جعل سجدة من الأولى، وسجدة من الثالثة، وسجدة من الرابعة، ويأتي بركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل ما بقي منها، وتنجبر الثالثة بالسجدة التي في الرابعة، ويبطل ما أتى به بعدها، وحينئذ تكمل له ركعتان [فيبقى عليه ركعتان]، فيأتي بهما، ويسجد للسهو. ولو جعل واحدة من الأولى، واثنتين من الثالثة، كان الحكم كذلك، وكذا لو جعل واحدة من الأولى، [وواحدة من الثانية]، وواحدة من الثالثة- كان الحكم كذلك. قال: وإن كان أربع سجدات، جعل سجدة من الأولى، وسجدة من الثالثة، وسجدتين من الرابعة، ويأتي بسجدة، وركعتين؛ لأن الأولى تنجبر بسجدة من الثانية، ويبطل باقيها، ومعه قيام الثالثة، وركوعها، والرفع منه؛ فيأتي بسجدتين تتم بهما، وتكون ثانية له؛ فيبقى عليه ركعتان، وهذا تفريع على المذهب في أنه لا يعيد الركن الذي قبل المتروك. أما إذا قلنا: إنه يعيده-كما هو وجه مفرع على ما اختاره ابن سريج من أنه

стр. 1230

إذا قام إلى خامسة بعد التشهد الأخير يعيد التشهد-فهاهنا يلزمه أن يركع، ثم يسجد سجدتين، ويأتي بركعتين. وما ذكره الشيخ من أنه يجعل واحدة من الأولى، وواحدة من الثالثة، وثنتين من الرابعة- لا يتعين في كونه أسوء الأحوال، بل لو جعل واحدة من الأولى، وثنتين من الثالثة، وواحدة من الرابعة-كان كذلك، وكذا لو جعل واحدة من الأولى، وثنتين من الثانية، وواحدة من الرابعة، أوجعل ثنتين من الأولى، وواحدة من الثانية، وواحدة من الرابعة. وحكى الإمام عن الشيخ أبي محمد أنه كان يقول: يلزمه-إذا كان المتروك أربع سجدات من أربع ركعات-أن يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعتين أخريين؛ لاحتمال أنه ترك ثنتين من الثانية، وثنتين من الرابعة، ولو كانكذلك، لكان عليه أنيسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعة أخرى؛ فيجب أن يسجد سجدتين؛ لجواز أن يكون المتروك على وجه يقتضي ذلك، ثم لا يجزئه إلا ركعتان؛ لجواز أن يكون الترك على وجه آخر؛ فيصلي ركعتين أخريين؛ ليكون آتياً بكل ما قدر وجوبه. قال الإمام: وهذا عندي غير سديد؛ فإن السجدة الثانية التي أمر بها لا تقع وقع الاعتداد، ويعارض ما ذكره أن السجدة الثانية قد تكون زائدة، والإتيان بسجدة في غير أوانها يبطل الصلاة؛ فإذا تعارضا، تعين صرف الأمر عند الإشكال إلى ما يقدر وقوعه معتداً به. قال العجلي: ويمكن أن يجاب عن هذا: بأنا لا نعلم كون هذه السجدة زائدة [وهو المبطل بدليل أن السجدة الواحدة يجب الإتيان بها، ويحتمل أنها زائدة]. قال: ويرد على هذا: أن فيما ذكره الشيخ أبو محمد زيادة قطعاً: إما سجدة، وإما ركعة. [قال]: ويجاب عنه: بأن الزائد غير متعين، ولا يمكن ترك واحد منهما؛ كي لايكون إخلالاً بالواجب، وقد اتبع الشيخ في اقتصاره على ذكر هذه الصور الشيخ أبا حامد، والماوردي.

стр. 1231

وغيرهم ذكرها، وزاد عليها؛ فقال: ولو كان المتروك خمس سجدات من أربع ركعات، فقد قيل: الحاصل له ركعتان إلا سجدتين؛ فإن أقل أحواله أنه أتى بواحدة في الأولى وثنتين في الثانية؛ فتتم الأولى بالانية، ولم يأت للثالثة ولا للرابعة بسجود؛ فيلزمه سجدتان وركعتان. قال بعضهم: قال صاحب "الشامل": هكذا ذكره أصحابنا. ويحتمل أنه أتى بسجدة في الأولى، وسجدتين في الرابعة؛ فتتم الأولى بالرابعة، ولا يعتد فيها بقيام ولا قراءة ولا ركوع! والحاصل له- على هذا التقدير- ركعة واحدة؛ فيلزمه ثلاث ركعات. وهذا ما حكاه القاضيان: أبو الطيب، والحسين، وغيرهما، وهو المذكور في "المرشد"، وإن كان المذكور في "المهذب" الأول. ولو ترك ست سجدات لزمه ثلاث ركعات أيضاً. ولو ترك سبع سجدات لزمه سجدة، وثلاث ركعات. ولو ترك ثماني سجدات؛ بأن كان بين جبهته والمصلى حائل، لزمه سجدتان، وثلاث ركعات. ولو ترك الجلوس بين السجدتين في الأربع؛ فإن لم يكن جلس للتشهد، ولا للاستراحة. فإن قلنا: إن القيام يقوم مقامها، كان الحكم كما لو ترك من كل ركعة سجدة. وإن قلنا: لا يقوم، فقد حصل له قيام، وركوع، ورفع منه، وسجدة واحدة، وحينئذ ينظر إن كان جالساً، سجد الثانية، وتمت له ركعة، وإن كان قائماً، جلس وسجد وتمت له ركعة، ثم يأتي بثلاث ركعات، وإن كان قد أتى بالتشهد الأول، أو جلس للاستراحة مرة، أو أكثر-فلا يخفى تفريعه مما تقدم. فرعان: لو كان يصلي المغرب، فصلى أربعاً ناسياً، ثم تذكر أنه ترك من كل ركعة سجدة-حصلت له ركعتان؛ فيأتي بركعة أخرى؛ قاله في "الحاوي". ولو كان يصلي الظهر قصراً؛ فصلاها أربعاً سهواً، وتذكر أنه ترك من كل ركعة.

стр. 1232

سجدة-حصلت له ركعتان، وأجزأته؛ قاله في "التتمة". قال: وإن ذكر ذلك بعد السلام، ففيه قولان: أحدهما: [أنه] يبني على صلته ما لم يتطاول الفصل؛ لأنه ﵇ "سلم من اثنتين، وقام ومشى إلى مقدم المجلس، وجلس متفكراً؛ فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: "كل ذلك لم يكن"، وسأل النبي ﷺ [أصحابه] عن ذلك؛ فأخبروه به؛ فعاد، وأتم صلاته". ولأنه إذا لم يطل الفصل، كان في حريم الصلاة؛ فألحق بها، وهذا ما حكاه الماوردي وغيره، وعليه نص في "المختصر"، ولم يورد الجمهور غيره. وعلى هذا فلا فرق فيه بين أن يقوم من المجلس، أو لا، ولا بين أن يستدبر القبلة ويتكلم، أو لا، نعم، يشترط ألا يدوس نجاسة على المذهب في "التتمة"، وهو ما أورده القاضي الحسين؛ فإن مشى عليها، لم يبن. والفرق بين ذلكن ويبن ترك الاستقبال، والكلام: أن القبلة يجوز تركها في النافلة في السفر، ولا تبطل الصلاة بالكلام ناسياً، وتبطل على الصحيح إذا كان عليه نجاسة لم [يعلم بها] قبل الدخول في الصلاة. وليس له العود عن تذكره إلى موضع صلاته أولاً؛ لأن عوده ليس من الصلاة. قال: والثاني: يبني ما لم يقم من المجلس. هذا القول لا يوجد في الكتب المشهورة في هذه المسألة، بل هو مذكرو في سجود السهو؛ كما ستعرفه. [قال بعضهم: فيجوز أن يكون الشيخ قد أخذه من ثم؛ لما ستعرفه]، ومجلي قد حكاه في هذه المسألة، عن رواية العراقيين، عن القديم. قال: فإن ذكر بعد ذلك، استأنف؛ لأن الفصل الطويل مغير لنظم الصلاة، ثم

стр. 1233

الإشارة بـ"ذلك" يجوز أن تكون إلى المجلس، وحينئذ فلا فرق بين أن يكون الفصل قد طال، أو لم يطل؛ كما قلنا بمثله في سجود السهو. ويحتمل أن يكون عائداً إلى ما ذكر أنه حد التدارك: إما التدارك: إما قرب الفصل، أو المجلس، وهو الأقرب. وقد حكى القاضي الحسين طريقة أخرى، حاكية لقول آخر: أنه يبني [وإن تطاول] الفصل؛ كما قلنا بمثله في سجود السهو. ومنهم من يجعله قولاً مخرجاً من ثم، وبه يظهر صحة القول الذي ذكره الشيخ في اعتبار المجلس. ومنهم من قطع بأنه إذا طال الفصل لا يبني، وإن بنى في سجود السهو، والفرق: أن سجود السهو تتمة لفضيلة، لو حذف لم يضر؛ فتساهلنا فيه، ولا كذلك ما نحن فيه، والصحيح- وإن ثبت الخلاف-الأول، والوجه للثاني أصلاً، مع ما صح في مسلم أنه-﵇: "قام فدخل حجرته، ثم صلى ما نسبه"، وعلى هذا بماذا يعتبر قصر الفصل وطوله؟ فيه أقوال: أحدها-وعليه نص في "مختصر" البويطي-: أن القصير قدر ركعة معتدلة، لا طويلة ولا قصيرة. والثاني- وعليه نص في "الإملاء" كما قال أبو الطيب-: أن القصير ما دون ركعة تامة، والطويل بمقدار فعل ركعة كاملة. وعبارة البغوي: أن الشافعي قدر طول الفصل بقدر ركعة لا طويلة، ولا قصيرة. والثالث- وهو ظاهر نصه في "الأم"-: أنه يرجع فيه إلى العرف، وهو المختار في "الحاوي" و"المرشد" و"تلخيص" الروياني. وقال: إن ما نص عليه في "مختصر" البويطي تقريبٌ، لا تحديدٌ؛ وكذا نقول فيما ذكره في "الإملاء" أيضاً، ووراء ذلك أوجه: أحدها: أن حد القريب ما بين الخطبة والشروع في صلاة الجمعة، أو ما بين

стр. 1234

الصلاتين إذا أراد الجمع؛ قاله القاضي الحسين. ويقابله ما حكى عن ابن أبي هريرة: أن القصير قدر الصلاة المتروك منها ما ذكر؛ كذا حكاه ابن الصباغ عنه. والثالث -قاله المتولي، واختاره-: أن قدر ما صدر من النبي ﷺ في قصة ذي اليدين قصير، وما زاد عليه طويل. قال بعضهم: وفي هذا رد إلى جهالة؛ فإنا لانعلم قدر ذلك، وهذا الفصل هو الذي احترز عنه الشيخ بقوله أولاً: "وهو في الصلاة"، ومنه يؤخذ أن كلامه فيما إذا لم يكن المتروك تكبيرة الإحرام، ولا النية؛ إذ عند فقد واحد منهما لا يكون في صلاة، ولا بعدها، وبه صرح الأصحاب؛ حيث قالوا: لو كان الذي تذكره النية، أو تكبيرة الإحرام، استأنف قولاً واحداً. وألحق الروياني به ما إذا تذكر أنه ترك ركناً من [صلاته، ولم يعرف عينه، ومثله: ما لو تذكر أنه ترك ركناً من] ركعته، ولم يعرف [عينه، يقدر] أنه أول ركن منها، وهو الفاتحة، حتى يلزمه إعادة ما بعدها؛ قاله في "التتمة". قال: وإن ترك سنة-أي: ولم يفت محلها-فإن ذكر [ذلك] قبل التلبس بفرض، عاد إليه؛ أي: إلى ما تذكره [ندبا]. قال: وإن تلبس بفرض، لم يعد إليه؛ أي: وجوباً؛ مثاله: إذا ترك التشهد الأول، وتذكره قبل أن ينتصب قائماً، يعود إليه، وإن تلبس بالقيام، لم يعد إليه؛ لقوله ﵇: "إذا قام الإمام في الركعتين؛ فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً، فليجلس، وإن استوى قائماً، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو" رواه أبو داود.

стр. 1235

أما إذا تذكرها بعد فوات محلها؛ كما إذا تذكر أنه ترك رفع اليدين في تكبيرة

стр. 1236

الإحرام بعد فراغها. ثم ظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في الفرض الذي شرع فيه بين أن يكون فعلياً، أو قولياً، والفعلي شهد له الخبر، والقولي إن قلنا: إن تكرره مبطل كالفعلي كان في معناه، وألا فينبغي أن يعود إلى المتروك، وبه صرح القاضي أبو الطيب وغيره في صلاة العيد؛ حيث قالوا: إذا تذكر تكبيرات العيد بعد شروعه في الفاتحة، كان له العود إليها؛ على القديم. وحكى الغزالي ثم: أن من الأصحاب من طرده فيما إذا تذكر أنه ترك دعاء الاستفتاح بعد شروعه في الفاتحة، وهو بعيد، وستعرف وجه بعده. وقد أفهم كلام الشيخ أنه إذا تذكر بعد أن تلبس بسنة، يعود إليها، وهو يقتضي أنه إذا تذكر دعاء الاستفتاح بعد التلبس بالتعوذ: أنه يعود إليه. وقد صرح القاضي أبو الطيب بأنه لا يعود إليه، وعليه ينطبق قوله في "المهذب": إنه إذا ذكر قبل التلبس بغيره، عاد إليه، وإن تلبس [بغيره لم يعد إليه]. والمنع في مسألة دعاء الاستفتاح يؤخذ مما أسلفناه؛ لأن محله أول الصلاة، وقد فات، والله أعلم.

стр. 1237

باب صلاة التطوع التطوع من الطاعة، والشافعي يطلقه-كما قال القاضي الحسين-على ما عدا الفرائض من الصلوات. وقال بعضهم: إنه في اصطلاح الفقهاء: فعل ما هو قربة غير واجبة. قال في "التهذيب" و"الكافي": وكذلك النافلة. وقضية الاشتقاق: أن يكون موضوعاً لما يكسبه الإنسان باختياره من الوظائف والأوراد، وهو ما حكاه القاضي الحسين، وقال: إن السنة تطلق على ما واظب عليه رسول الله ﷺ وأن المستحب: ما فعله مرة أو مرتين، وتبعه صاحب "التهذيب"، و"الكافي". ثم الشيخ عقب باب فروض الصلاة وسننها به؛ لأنه متمم للفرائض؛ كما جاء في الخبر عنه ﵇؛ فكان كالسنة فيها، وحينئذ حسن منه أن يذكر بعده [باب] ما يفسد الصلاة وما لا يفسدها؛ مما هو مكروه فيها أو غير مكروه. قال: أفضل عبادات البدن: [الصلاة؛ أي: بعد الشهادتين]. وهذه عبارة "التهذيب" أيضاً. ووجهه قوله ﵇: "استقيموا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة". رواية أبو داود، [وغيره]. ورأيت في كلام بعضهم: "استقيموا، ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم

стр. 1238

الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن". ولأنها تلو الإيمان الذي هو أفضل القرب، وأشبه به؛ لاشتمالها على نطق باللسان، وعمل بالجنان، واعتقاد بالقلب؛ كما هي فيه؛ ولذلك سماها الله -تعالى-: "إيماناً، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: الآية ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. قال العلماء: ولأنها تجمع من القرب ما تفرق في غيرها من ذكر الله -تعالى- ورسوله ﷺ والإمساك عن الأكل والكلام، والإتيان بالقراءة والتسبيح، واللبث، والاستقبال، والطهارة، والستارة إلى غير ذلك، مما لا يخفى أنه من القرب، مع اختصاصها بمقاصد تشتمل عليها: كالركوع والسجود.

стр. 1239

واحترز الشيخ بـ "البدن" عن عبادة القلب؛ وهي: الإيمان؛ فإنه أفضل العبادات، ولا يقال في العرف: إنه من عمل البدن؛ ولذلك قال بعض الحكماء لما قيل له: أيما أصعب: تعب القلب، أو تعب البدن؟ فقال: "إنما يتعب البدن إذا تعب القلب"؛ فجعل القلب قسيماً للبدن. وقد ادعى بعضهم أنه احترز بذلك -أيضاً- عن العبادة المالية؛ فإنها أفضل من الصلاة؛ لتعدي نفعها، وفيه شيء سأذكره، وإن صح ما قاله فمنه نأخذ أن العبادة المشتملة على عمل البدن والمال أفضل من المتمحضة؛ وهي: الحج؛ لجمعها بين الأمرين، وبه صرح القاضي الحسين في أول كتاب الحج. ولأنا دعينا إليه في أصلاب الآباء؛ فكان كالإيمان الذي فعل فيه كذلك، وهذه العلة تقتضي أن الجهاد لا يلحق بالحج في هذا المعنى، والأول يقتضي أنه كهو؛ لأنه يشتمل على عمل بدن ومال، وحينئذ يكون أفضل من الصلاة. بل أقول: الخبر يدل على أنه مقدم عليه؛ روى أبو هريرة أنه-﵇-سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم جهاد في سبيل الله".قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور".

стр. 1240

وقد ادعى الماوردي في كتاب الحج: أن الطواف أفضل من الصلاة، واستدل له بأخبار ستعرفها فيه- إن شاء الله تعالى- وفي كتاب الصوم: أن الصوم أفضل أعمال القرب. وبعضهم حكى قولاً: أنه أفضل من الصلاة؛ لقوله ﵇: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، يقول الله : " [إلا الصوم؛ فإنه لي] وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وطعامه من أجلي" رواه مسلم. قال بعضهم: ومن بديع التأويل في هذه الإضافة: أنه أراد بها التنبيه على أن كل عمل ابن آدم من القرب مما يليق ببشريته، إلا ترك الأكل والاستغناء عنه؛ فإنه إنما يليق بالله . والمشهور: أن المراد: أن كل الأعمال قد يدخلها الرياء إلا الصوم. وقد قيل: إن الصلاة بمكة أفضل، والصوم بالمدينة أفضل. والصحيح ما أورده الشيخ؛ لما ذكرناه، وخبر أبي هريرة معارض بما رواه عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أيٌّ الأعمال أفضل؟ فقال: "الصلاة لأول وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أي؟ قال: "ثم

стр. 1241

الجهاد في سبيل الله" فجعل الجهاد مؤخراً عن بر الوالدين الذي هو مؤخر عن الصلاة، وهو في الحديث السالف مقدم على الحج؛ فكان تقديم الصلاة على الحج من طريق الأولى، وتركه ﵇ ذكر الصلاة فيه يحتمل أن يكون لعلمه بمحافظة السائل عليها أو علمه بفضلها، وحاجته لبيان ما سواها. ولأن الحج والجهاد، وإن اشتمل كل منهما على نوعين من العبادة فالصلاة تشتمل على أنواع-كما ذكرنا- فكان تقديمها أولى، وبهذا يقع الجواب عن الصوم أيضاً. قال: وتطوعها أفضل التطوع؛ لعموم قوله ﵇: "واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة". ولأن نسبة نفل كل عبادة إلى فرضها كنسبة نفل الصلاة إلى فرضها في تحصيل المقصود الذي شرعا له، وهو ترك اللوم أو العقاب عليه، ويؤكده أن النوافل تكمل الفرائض، وقد ثبت أن الصلاة أفضل العبادات البدنية؛ فكان تطوعها أفضل التطوعات. وإطلاق الشيخ القول بأن تطوعها أفضل التطوعات يعرفك أنه لم يحترز عن

стр. 1242

العبادة المالية؛ إذ لو كان كذلك، لقال: وتطوعها أفضل التطوعات البدنية؛ ليخرج التطوع بالمال. والإيمان لا يكون إلا واجباً؛ فلا يدخل فيما ذكره حتى يحتاج [إلى] أن يحترز عنه. قال: وأفضل التطوع ما شرع له الجماعة -[أي: تثبت له الجماعة-] لأن الشرع شبهه بالفرائض، والفرائض أفضل من التطوعات؛ لقوله –﵇: "لن يتقرب إليَّ متقرب بمثل أداء افترضته عليه" فكان ما شبه بها أقرب إليها من غيره. قال الأصحاب: ولأن الفرائض لما كانت على ضربين: ضرب فرض في جماعة وهو الجمعة، وضرب لم يفرض في جماعة وهو ما عداها، ثم وجدنا ما هو فرض في جماعة أوكد وأفضل مما لم يسن يه [الجماعة، وجب أن يكون ما سن فيه الجماعة أوكد وأفضل مما لم تسن فيه]. فإن قيل: قد روى أبو هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" رواه مسلم. فجوابه: أنه محمول على النافلة المطلقة؛ لقيام الإجماع، على أن رواتب

стр. 1243

الفرائض أفضل منها [وما سن فيه] الجماعة قد دللنا على أنه أفضل منها؛ فتعين ما ذكرناه. قال: وهو العيد، والكسوف، والاستسقاء: في هذا الفصل تنبيه على أمور: أحدها: مشروعية الجماعة فيما ذكره، ودليله يأتي في محله. والثاني: أن ذلك تطوع، وليس بفرض عين، ولا كفاية، وهو المشهور في الكسوف والاستسقاء، وأما العيد، ففيه خلاف يأتي في الكتاب، وستعرف ما فيه. وقد ادعى الماوردي هاهنا أن الخلاف في الجميع. ووجه كونها فرض كفاية بقوة سببها، وظهور قوة شرائع الإسلام فيها. قال: وعلى هذا لا يكون بعضها أفضل من بعض، وعلى الثاني وهو أنها سنة مؤكدة، وهو ما ادعي أنه مذهب الشافعي والصحيح، فهل بعضها أفضل من بعض؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لاستواء أمره ﷺ بها، وفعله لها وحثه عليها. والثاني -وهو الأظهر-: أن بعضها آكد من بعض؛ فعلى هذا أوكدها صلاة العيدين؛ لأن لها وقتاً راتباً في السنة معيناً في اليوم؛ فشابهت الفرائض، ثم تليها صلاة كسوف الشمس، ثم خسوف القمر؛ لورود القرآن بهما، وهما مجمع على سُنَّيّتهما، ثم يلي ذلك صلاة الاستسقاء؛ لأن النبي ﷺ صلاها مرة، واقتصر مرة أخرى على الدعاء، وقد اختلف في سببها؛ ولأجل هذا جرى الشيخ في التبويب على تقديم الأفضل فالأفضل، وقدم كلامه في الكسوف على الكلام في الخسوف لما جمعهما في باب واحد، وبه نبه على ما ذكره في هذا الباب كذلك. والثالث: أن قيام رمضان، وهو التراويح، وإن قيل: إنه يفعل في جماعة؛ كما

стр. 1244

سيأتي، فليست أفضل من كل النوافل التابعة للفرائض؛ كصلاة العيد ونحوها، بل الوتر وركعتا الفجر أفضل منها، وهذا ما يعزى إلى ابن سريج وأبي إسحاق وغيرهما؛ كما قال ابن الصباغ، وستعرفه، وإليه مال ابن الصباغ، ووجهه: بأنه ﵇ داوم على الوتر وركعتي الفجر، وترك قيام رمضان بعد أن فعله ليلتين أو ثلاثاً. والإمام قال: إن جميع النوافل التابعة للفرائض أفضل منه على الأصح، ولم يحك صاحب "العدة" غيره. وتشبث بعض أئمتنا بتفضيلها؛ لأن الجماعة أقوى معتبراً في التفضيل؛ كما تقدم ذكره، وعلى ذلك ينطبق ما قاله القاضي أبو الطيب: إن صلاة التراويح أفضل من جميع ما [لم] يشرع فيه الجماعة من الرواتب وغيرها. وقد أفهم كلام صاحب "الذخائر" حكاية وجه: أن صلاة التراويح أفضل من توابع الفرائض، وإن قلنا: لا يشرع فيها الجماعة، ولم أره في غيرها. قال: وفي الوتر ركعتي الفجر قولان: أصحهما: أن الوتر أفضل؛ لأن أبا حنيفة يرى وجوبه، ولم يختلف أحد في عدم وجوب ركعتي الفجر، وما اختلف في وجوبه آكد مما لم يختلف فيه، وهذا هو الجديد. ومقابله -وهو القديم، وإلخ ترجيحه يميل كلام الماوردي-: أن ركعتي الفجر أفضل؛ لقول عائشة: "إن رسول الله ﷺ لم يكن على شيء من النوافل أسرع منه إلى ركعتين قبل الصبح" أخرجه البخاري، ومسلم. وقال ﵇:"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" أخرجه مسلم.

стр. 1245

قال بعض أهل المعاني: أراد النبي ﷺ : أن الناس عند قيامهم من منامهم يبتدرون إلى معاشهم وأسباب اكتسابهم؛ فأعلمهم أن هاتين الركعتين خير من الدنيا وكل ما فيها، فضلاً عما عساه [أن] يحصل لكم منهما؛ فلا تتركوهما وتشتغلوا به. ولأنها صلاة مشهودة ومحضورة، في عدد لا يزيد ولا ينقص؛ فأشبهت الفرائض. قال الماوردي: ولأنها تتقدم على متبوعها، والوتر متأخر عن متبوعه، وما يتقدم متبوعه أولى. ولأنها تبع لصلاة الصبح، والوتر تبع للعشاء، والصبح آكد من العشاء؛ [لأنه الصلاة الوسطى عند الشافعي؛ فوجب أن يكون متبوعها أوكد من متبوع العشاء. وعن البيان] أن بعض الأصحاب قال: إن الوتر وركعتي الفجر مستويات في الفضيلة. وهو بعيد، والكل متفقون على أن الوتر وركعتي الفجر أفضل مما سواهما مما يتبع الفرائض، وعليه نص الشافعي؛ حيث قال: ولا أرخص لمسلم في ترك واحد منهما، وإن لم أوجبهما، ومن تك واحدة منهما كان أسوأ حالاً ممن ترك جميع النوافل. ثم ما يتبع الفرائض يليه في الفضل صلاة الضحى؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره؛ ولهذا ذكره الشيخ تلوها. وعن الشيخ أبي محمد: أن صلاة الضحى أفضل من توابع الفرائض؛ لاستقلالها بوقت. وهو ضعيف؛ إذ لم تنقل مواظبة النبي ﷺ عليها كمواظبته على تبع الفرائض.

стр. 1246

ثم يلي صلاة الضحى في الفضل ركعتا الطواف إذا لم نقل بوجوبهما، وركعتا الإحرام، وتحية المسجد. وترتيب الشيخ مؤذن بأن الذي يلي الضحى قيام رمضان، ثم التهجد. بل حكى ابن الصباغ وغيره عن رواية أبي إسحاق، عن بعض الأصحاب: أنا إذا قلنا: إن الوتر أفضل، فالتهجد بعده، ثم ركعتا الفجر؛ لأن الشافعي قال: "الوتر، ويشبه أن يكون التهجد، ثم ركعتا الفجر"؛ فإن معناه: ويشبه أن يكون الذي يتبع الوتر في التأكيد صلاة التهجد، ثم ركعتا الفجر. والمحققون قالوا: هذا لايصح، ومراد الشافعي: أن الوتر نفسه يشبه أن يكون التهجد، وقد صرح به في "الأم"؛ كما حكاه البندنيجي، وقصد به أن التهجد الذي أمر الله به نبيه يشبه أن يكون هو الوتر نفسه؛ لأن الوتر كان واجباً عليه، يشهد له قوله ﵇: "كتب عليَّ الوتر، وهو لكم تطوع"، ولا يقدح في ذلك قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] لأن معناه-كما قال المفسرون-: أنها تكون زيادة لك على حسناتك؛ فإن نوافل غيره تقع جبراناً لنقصان الفرائض، وكانت فرائضه-﵇-مبرأة عن النقص؛ ولأجل هذا قال بعض أصحابنا: إن المراد بالتهجد في الآية: الوتر. وقال غيره: بله هو غيره. وهو ما يفهمه كلام الغزالي في "الوسيط" في كتاب النكاح؛ حيث قال: إنه-﵇ اختص بواجبات: كالضحى، والأضحى، والوتر، والتهجد ... إلى آخره. ومن العجب أن الرافعي [قال]: ولك أن تعلم قول الغزالي: "ويشبه أن

стр. 1247

يكون الوتر هو التهجد" بالواو؛ لأن القاضي الروياني حكى أن بعضهم قال: بأن الوتر غير التهجد، وأول كلام الشافعي؛ فجعل كلام غيره سبباً لإعلام كلامه، مع أنه [هو] حكاه؛ فكان إعلامه لأجل كلامه أولى. واعلم أن الأصحاب أطلقوا القول بأن ركعتي الفجر أفضل من الوتر، أو الوتر أفضل منهما، ولم يبينوا ما أرادوا من الوتر: هل أقله، أو أكثره، أو أدنى الكمال منه؟ والذي يظهر من كلامهم أنهم أرادوا مقابلة الجنس [بالجنس]، وقد كان يقع لي أنه يختص بأدنى الكمال منه؛ لأنهم جعلوا علة ترجيح الوتر على ركعتي الفجر أنه مما اختلف في وجوبه، والذي اختلف في وجوبه ليس الأقل، ولا الأكمل؛ فإن أبا حنيفة هو القائل بوجوبه، وهو عنده ثلاث ركعات لا تجوز الزيادة عليها، ولا النقص منها: [فتعين أن يكون ذلك] محل الاختلاف في الترجيح. ثم وقع لي أنه لو كان الأمر كذلك، لاختص محله بالثلاثة الموصولة؛ كما صار إليه أبو حنيفة، وهو لا يختص؛ فظهر من ذلك أن المراد مقابلة الجنس بالجنس، ولا يبعد أن يجعل الشرع العدد القليل أفضل من العدد الكثير، مع اتحاد النوع؛ دليله القصر في السفر؛ فمع اختلافه أولى، والله اعلم. قال: والسنة أن يواظب -[أي: يداوم]- على السنن الراتبة مع الفرائض. قد تقدم أن السنة إذا أطلقت تناولت ما كان النبي ﷺ يواظب عليه، وفي ذلك كفاية عن ذكر دليل آخر، وسيأتي تفاصيل ذلك، ولا فرق في ذلك- عندنا- بين المقيم، والمسافر، قصر، أو أتم. قال: وهي ركعتا الفجر؛ لما تقدم. قال الأصحاب: ومن السنة تخفيفهما؛ لما روي عن عائشة- ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يصلي ركعتي الفجر، فيخفف فيهما، حتى أقول: [هل]

стр. 1248

قرأ فيهما بأم القرآن" رواه البخاري، ومسلم. واستحب المحاملي أن يقرأ فيهما ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لرواية مسلم، عن أبي هريرة "أن النبي ﷺ قرأ في ركعتي الفجر ﷺ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقد روى مسلم أيضاً عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ "كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ ...﴾ الآية، وفي الأخرى منهما ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ﴾ [آل عمران: ٥٢]. وهذا يدل على فتح الباب، وكذا يستحب أن يتكئ بعدهما، وقبل صلاة الصبح، أو يتكلم؛ لأنه-﵇-كان يفعل ذلك؛ [كما ثبت] في الصحيح. ويدخل وقتهما بطلوع الفجر. [قال الشيخ أبو حامد: ووقت الاختيار من [حين] طلوع الفجر] إلى أن يصلي الفريضة؛ فإذا صلى الفريضة، يعقبها وقت الجواز إلى طلوع الشمس، وليس بوقت اختيار لها؛ فإذا طلعت الشمس، خرج الوقت. وكلام الغزالي يوافقه؛ لأنه تكلم في أن النوافل إذا فاتت، هل تقضي، أم لا؟ ثم قال: أما ركعتا الفجر فتؤدي بعد صلاة الصبح، ولا تكون قضاء؛ فإن تقديمها أدب. وهذه عبارة الشيخ أبي محمد، واستحسنها الإمام، وأيد ذلك بأن الأئمة متفقون على أنها تفعل بعدها، ولو كانت تفوت بصلاة الصبح لاختلفوا فيها؛ كما اختلفوا في قضاء الفوائت، وهذا منهم مؤذن بأن غير ركعتي الفجر مما سن تقديمه على الفريضة [يفوت بفعل الفريضة حتى يكون في قضائه بعد الفريضة] ما سيأتي من الخلاف، وسنذكر ما قاله الأصحاب فيه.

стр. 1249

وقد حكى في "المهذب" وغيره وجهاً ادعوا أنه ظاهر النص: أن وقت ركعتي الفجر يستمر إلى الزوال؛ لأجل قول الشافعي- ﵁: "وإن فاتت ركعتا الفجر حتى فعل الظهر، لم تقض". وعكس هذا وجه حكاه في "التتمة" وصححه: أن وقتها يفوت بفعل الصبح؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ تأخيرها عن الفرض، وهذا قد يؤخذ مما حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم": أنه إذا دخل المسجد، وأحرم بركعتي الفجر؛ فأقيمت الصلاة، وعلم أن تفوته الجماعة [لو] أتمها، قطعها، ودخل معه، وقضاهما بعد الفريضة. قال: وأربع قبل الظهر، [وركعتان بعدها]؛ لما روى مسلم عن عبد الله [ابن شقيق] قال: "سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه؟ فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصل ركعتين؛ [وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء؛ فيدخل [بيتي] يصلي ركعتين"]. وروى النسائي، عن علي بن أبي طالب قال: "كان رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، صلى أربع ركعات قبل الظهر حين تزول الشمس؛ فإذا صلى الظهر، صلى بعدها ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات، يفصل بين كل ركعتين". قال: وأربع قبل العصر؛ لحديث علي -كرم الله وجهه- وروى أبو داود، عن ابن عمر قال: "قال رسول الله ﷺ : رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً".

стр. 1250

قال: وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لحديث عائشة. ويستحب أن يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب؛ لرواية أبي داود، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد". وإذا عددت ما ذكره الشيخ من الركعات إلى هنا بلغت ست عشرة ركعة، وهي أكثر ما حكاه في "الوسيط" عن الأصحاب، وهو وجه في المسألة لم يذكره في "المهذب"، وعزاه القاضي أبو الطيب إلى ابن القاص، والبندنيجي عزاه إلى بعض الناس، ووراءه أوجه: أحدها: أنها ثماني عشرة؛ فتضيف إلى ما ذكره الشيخ ركعتين بعد الظهر؛ فيكمل ما بعده أربعاً؛ لقوله-﵇: "من حافظ على أربع قبل الظهر، وأربع بعدها، حرمه الله على النار" رواه أبو داود والترمذي. وهذا ما حاكه ابن الصباغ، والقاضي أبو الطيب، عن أبي علي في "الإفصاح"، وقال في "المهذب": إنه الأكمل. والثاني: أنها أربع عشرة ركعة: ركعتا الفجر، وأربع قبل الظهر، وأربع بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ حكاه أبو الفتح نصر في "تهذيبه"،

стр. 1251

وهو كالذي قبله إلا فيما قبل العصر. وهذا القائل وإن لم يثبت الأربع قبل العصر سنة؛ فهو قائل بأنها مستحبة؛ لأن رسول الله ﷺ صلاها مرتين، أو ثلاثاً؛ قاله القاضي الحسين، و [إليه] أشار في "الوسيط" بقوله: ولم يواظب رسول الله ﷺ على ما قبل العصر حسب مواظبته على ركعتين قبل الظهر. والثالث: أنها اثنتا عشرة ركعة: ما ذكره الشيخ إلا الأربع قبل العصر؛ وهذا حكاه الشيخ أبو حامد في "التعليق" وغيره. والرابع: أنها عشر ركعات: ما ذكرناه قبله إلى ركعتين مما قبل الظهر، وهذا ما صدر به البندنيجي والغزالي كلامهما، وقال الرافعي: إنه قول الأكثرين، وإن صاحب "العدة" قال: إنه ظاهر المذهب. وقد حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه عن رواية البويطي في "مختصره". وقال في "المهذب" وجماعة: إنه أدنى الكمال. والخامس: أنها ثماني ركعات؛ ما ذكرناه قبله، إلا ركعتين بعد العشاء، وهذا ما رواه البويطي عن الشافعي؛ كما قاله ابن الصباغ، وعزاه الإمام وغيره إلى [أبي] عبد الله الخضري. وأنت إذا تأملت ما ذكرناه من أدلة ما ذكره الشيخ [عرفت أن ما قاله الشيخ] هو السنة؛ عملاً بما قدمناه من حقيقتها. وقول من قال: إن الأربع قبل العصر ليست بسنة؛ لأنه-﵇-لم يصلها إلا مرتين أو ثلاثاً-يعارضه "أن رسول الله ﷺ كان عمله ديمة، وإذا عمل عملاً أثبته". وأيضاً: فهو إذا أتى بما ذكره الشيخ، وركعة الوتر، كان ما أتى به من الركعات بعدد ما يأتي به من عدد الركعات المفروضة، والنوافل مكملة لما ينقص من

стр. 1252

الفرائض؛ فكان أشبه. قال الإمام: وقد استحب بعض الأصحاب ركعتين قبل المغرب؛ لرواية أبي داود عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : "صلوا قبل المغرب ركعتين"، ثم قال: "صلوا قبل المغرب ركعتين، [صلوا قبل المغرب ركعتين] لمن شاء؛ خشية أن يتخذها الناس سنة" وأخرجه البخاري بنحوه. ولمسلم: أن أنس بن مالك قال: "كنا بالمدينة؛ فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، ابتدروا السواري؛ فركعوا ركعتين؛ حتى إن الرجل الغريب ليدخل [المسجد]؛ فيحسب أن الصلاة صليت؛ لكثرة من يصليهما". وجاء في "صحيح" مسلم عن انس: "أن رسول الله ﷺ كان يرانا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس، قبل صلاة المغرب؛ فلم يأمرنا، ولم ينهنا". قال الرافعي: ومن الأصحاب من قال: [إنهما] لا تستحبان؛ لما روي عن ابن عمر: أنه سئل عنهما؟ فقال: "ما رأيت أحداً على عهد رسول الله ﷺ يصليهما".

стр. 1253

وعن عمر ﵁: "أنه كان يضرب عليهما". تنبيهات: الأول: الأربع قبل الظهر، وكذا بعده-إن أثبتناها- والأربع قبل العصر، قال النواوي في "فتاويه": تجوز بتشهد واحد، وتشهدين، والأفضل تسليمتان. قلت: ويشهد له حديث على السالف. وأيضاً ففي ذلك جمع بين ما ورد من استحباب ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وبين الحديث الآخر. الثاني: سنة الجمعة كسنة الظهر-على الصحيح- الذي لم يحك القاضي الحسين هنا غيره، ولا جرم لم يفردها الشيخ، والجمهور بالذكر؛ وعلى هذا يكون في عدد ركعاتها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها أربع: ركعتان قبلها، وركعتان بعدها. والثاني: أنها ست: أربع قبلها، وركعتان بعدها. والثالث: أنها ثمان: أربع قبلها، وأربع بعدها وهذا ما حكاه ابن القاص وغيره؛ لما روى ابن ماجه في "سننه" أنه ﵇: "كان يصلي قبلها أربعاً"، وهذا ظاهر، إذا قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور. أما إذا قلنا: إنها صلاة مستقلة بنفسها، فهو محل النظر، وقد جزم المحاملي في "اللباب" بأنها ربع بعدها بتسليمتين؛ لقوله ﵇: "إذا صليتم الجمعة، فصلوا بعدها أربعاً" أخرجه مسلم. ويشبه أن يكون هذا تفريعاً على أنها صلاة مستقلة؛ كما هو الصحيح، والخبر الذي رواه ابن ماجه إسناده ضعيف جداً.

стр. 1254

الثالث: ما يفعل من السنن قبل الفرض يدخل وقته بدخول وقت الفريضة، ويبقى إلى ذهابه، وما يفعل بعد الفريضة يدخل وقته بفعل الفريضة، ويدوم إلى أن يخرج وقتها؛ فإذا خرج كان في قضائها ما سيأتي؛ كذا حكاه في "المهذب" و"التتمة"، وهو يقتضي أن في آخر وقت سنة المغرب قولين؛ كما في صلاة المغرب، وبه صرح البندنيجي؛ حيث قال: إن وقتها يخرج بخروج وقت المغرب. وقال القاضي أبو الطيب: إن وقتها يخرج بدخول وقت العشاء، ولم يحك سواءه. وفي التتمة حكاية وجه آخر مع ما حكاه القاضي: أنه يخرج بفعل العشاء، ثم كلام البندنيجي يقتضي أن سنة الظهر [التي قبلها وبعدها يدخل [وقتها] بدخول وقت الظهر، ويخرج بخروج وقته؛ لأنه قال: ووقت سنة الظهر] دخل بالزوال، ويخرج بصيرورة ظل كل شيء مثله، وبه صرح القاضي أبو الطيب. قال: والوتر- أي: سنة راتبة تفعل بعد العشاء أيضاً-لقوله ﵇:"يا أهل القرآن أو تروا؛ فإن الله وتر يحب الوتر" أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "صلاة المغرب وتر النهار؛ فأوتروا صلاة الليل". فإن قيل: هذا أمر؛ وظاهره الوجوب؛ فينبغي أن يجب. ويؤيده ما رواه أبو داود والإمام أحمد أنه-﵇-قال: "الوتر حق؛ فمن لم يوتر، فليس منا".

стр. 1255

ورواية أبي داود، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "الوتر حق على كل مسلم؛ فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يؤثر بواحدة فليفعل". ورواية البزار أنه-﵇ قال: "الوتر واجب على كل مسلم".

стр. 1256

قلنا: صرفنا عن ذلك-إن سلم من الطعن- قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فلو كان الوتر واجباً، لم يكن لنا وسطى؛ لأن الستة لا وسط لها؛ كذا قاله الماوردي. وقوله ﵇ في قصة السائل عن الإسلام، وقد قال: هل على غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطوع"، وقوله ﵇: "كتب عليَّ ثلاث .... " الخبر المشهور. ولأنه-﵇ كان يوتر على الراحلة؛ كما رواه البخاري، ومسلم، عن رواية ابن عمر، وغيره. وروى مسلم، عن سالم، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" وحينئذ [فيحمل ما ورد دالاً على الوجوب على تأكد الاستحباب]. وما ذكرناه من أنه ﵇ أوتر على الراحلة هو ما استدل به الشافعي. قيل: ولا دلالة فيه؛ لأن الوتر واجب على رسول الله ﷺ . قال ابن الصلاح: وطريق الجواب عن ذلك أنه لو كان واجباً على المكلفين على العموم، لما جاز أداؤه على الراحلة، [كسائر الواجبات التي هي على

стр. 1257

العموم، وقد جاز أداؤه على الراحلة]؛ بدلالة فعله ﵇؛ فلا يكون واجباً على العموم، ولا أثر للنزاع في التسمية التي لا مستند لها عند التحقيق. ثم قد بينا أن كلام الشيخ يقتضي أن وقته يدخل بفعل العشاء، وبه جزم الماوردي وابن الصباغ. وقال في "التتمة": إنه لا خلاف فيه؛ لرواية أبي داود، عن خارجة بن حذافة العدوي قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "إن الله قد أمركم بصلاة وهي خير لكم من حمر النعم؛ وهي: الوتر؛ فجعلها [فيما] بين العشاء إلى طلوع الفجر" وأخرجه الترمذي، وقال: إنه غريب. وقد حكى الإمام وجهاً آخر: أنه يعتد به قبل صلاة العشاء، سواء فعله سهواً

стр. 1258

أو عمداً، وعند هذا القائل يدخل وقته بدخول وقت العشاء. وكلام غيره يقتضي أن هذا الوجه مخصوص بما إذا ظن أنه فعل العشاء؛ فصلاه، ثم بان أنه لم يفعلها؛ كمذهب أبي حنيفة. والجمهور على عدم الاعتداد به في هذه الحالة أيضاً. ثم آخر وقته [إذا طلع] الفجر؛ على المذهب. وفي "التتمة" حكاية قول آخر: أنه يخرج وقته بصلاة الصبح. قال: وأقله ركعة؛ لما ذكرناه من حديث أبي أيوب الأنصاري. قال الماوردي: وقد ظن المزني أن أقله ثلاثة من قول الشافعي في موضع: "يوتر بثلاث" وحكايته عن أهل المدينة أنهم يوترون بثلاث. قال: وليس الأمر كما ظنه، ولا يختلف مذهب الشافعي أن الوتر واحدة. والقاضي الحسين حكى عن المزني ما ذكرناه، ولم يتعرض له بنكير. ثم الركعة الواحدة هل تكون موترة لفرض العشاء، أو لغيره؟ فيه خلاف ينبني على أنه لو صلى ركعة فردة بعد الفرض بنية الوتر، هل تصح؟ وفيه وجهان، ادعى الإمام أن في كلام الشافعي إشارة إليهما: وأصحهما في "الوسيط" الصحة، وهو ظاهر النص؛ فإن ابن الصباغ وغيره حكوا عن المزني أنه قال في كتاب "اختلافه مع مالك": قلت للشافعي: أيجوز أن يوتر بواحدة ليس قبلها شيء؟ قال: نعم، والذي اختاره ما فعله النبي ﷺ وكان يصلي إحدى عشرة ركعة، يوتر [منها] بواحدة. وقد يستدل له بما روى الدارقطني عن المغيرة بن شعبة، عن قيس بن أبي حازم

стр. 1259

قال: "رأيت سعداً صلى ركعة بعد العشاء؛ فقلت: ما هذه؟ فقال [رأيت] رسول الله ﷺ يوتر بركعة؛ فعلى هذا تكون الركعة موترة للفرض؛ إن لم يتقدمها شيء". والوجه الثاني: أنها لا تصح وتراً؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري "أن رسول الله ﷺ نهى عن البتراء: أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها"؛ فعلى هذا تكون الركعة موترة لما يتقدمها من النفل؛ فإن لم يتقدمها، لم تصح وتراً. قال الإمام: وكانت له تطوعاً. قال الرافعي: وينبغي أن تكون على الخلاف فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال، هل يكون تطوعاً أم يبطل من أصله؟ وهذا أخذه من كلام الإمام، الذي سنذكره في آخر الباب. ثمّ حيث صححنا إيتاره بركعة فقد ذكرنا عن الشافعي أنه خلاف مختاره؛ ولأجله قال القاضي أبو الطيب: إن الإيتار بركعة مكروه. قال: وأكثره إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين؛ لما روى مسلم، عن عائشة- ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين [أن] يفرغ من صلاة العشاء-وهي التي يدعو الناس العتمة-إلى الفجر [إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ويوتر بواحدة، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر]، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شقه الأيمن [حتى] يأتيه المؤذن للإقامة".

стр. 1260

وعن ابن عباس قال: "بت ليلة عند ميمونة أم المؤمنين؛ فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل- أو قبله بقليل، أو بعده بقليل -استيقظ رسول الله ﷺ فجعل يمسح النوم عن [وجهه] بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم إذا توضأ فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاه المؤذن؛ فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح"، أخرجه مسلم. وعلى هذا ماذا ينوي بكل تسليمة يصليها؟ فيه أوجه: أحدها: الوتر. والثاني: سنة الوتر. والثالث: مقدمة الوتر، ثم يصير وتراص بما بعدها. قال الروياني في "تلخيصه": والأول أصحن وبه جزم في "الذخائر"؛ حيث قال: لو نوى بما يأتي به قبل الركعة الفردة سنة العشاء أو التهجد لم يكن وتراً، وإن نوى الوتر، صح، وأوترها الفردة، ولو جمع الكل بتسليمة واحدة، ونوى بها الوتر، جاز، لكنه خلاف الأفضل؛ وكذا يجوز أن يصليها تسعاً بتسليمة، وسبعاً، وخمساً، وثلاثاً، ورد ذلك عن رسول الله ﷺ بعضه فعلاً، وبعضه قولاً. وإذا جمع بين أكثر من ركعتين، فلا يزيد على تشهدين؛ على المذهب. وفي "التهذيب" "والإبانة" وجه آخر: أنه يجوز؛ كما في النافلة المطلقة وفي النافلة المطلقة وجه: أنه لا يجوز فيها الزيادة على تشهدين؛ [كما ستعرفه. والذي جزم به الإمام: أنه لا يجوز أن يتشهد] في كل ركعتين من الوتر من غير سلام؛ لأن هذه الزيادة لم تنقل، وليس كما لو أراد أن يتطوع بعشر ركعات أو أكثر بتسليمة واحدة، وأراد أن يجلس في إثر كل ركعتين؛ لأن التطوعات لا

стр. 1261

ضبط لها في عدد. وأما أقدار التشهدات في صلاة الوتر فحقها أن يقتصر فيها على ما ورد في الأخبار، ويجوز أن يتشهد فيها تشهدين في الأخيرة، وما قبلها؛ لورود الخبر بذلك. روى مسلم عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة؛ فيذكر الله ويحمده، ويدعو، [ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يقوم فصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويحمده ويدعو]، ثم يسلم تسليماً يسمعنا". وفي "الإبانة" حكاية وجه آخر: أنه لا يجوز أن يزيد على التشهد الأخير، وما روي من الجلسة؛ فإنه كان يسلم عند كل جلسة. وقد تلخص من ذلك أن له أن يقتصر على تشهد واحد بلاخلاف، وعليه تدل رواية مسلم، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يوتر منها بخمس لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة، ويسلم".

стр. 1262

وهل تجوز الزيادة على الواحد.؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: [لا]، وهو ما حكيناه [عن الفوراني. قال الإمام: وهو ردئ لا تعويل عليه. والثاني: نعم، فيتشهد ما شاء، وهو ما حكيناه] عن روايته، ورواية البغوي معه، وهو ضعيف أيضاً. والثالث -وهو الأصح-: يجوز بتشهدين، ولا تجوز الزيادة عليهما. وهذا كله إذا اقتصر على إحدى عشرة ركعة فما دونها؛ فلو زاد عليها؛ فبلغها ثلاث عشرة بتسليمة واحدة، قال في "الإبانة": جاز، بلا خلاف. وعليه تدل أخبار صحاح؛ منها: ما رواه زيد بن خالد الجهني أنه قال: "لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة؛ فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين [طويلتين]، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما [ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما]، ثم أوتر؛ فذلك ثلاث عشرة ركعة"، خرجه مسلم. ومنها: ما أسلفناه عن عائشة، ﵂. وكلام الجمهور والشيخ يقتضي أنه لا تجوز الزيادة على إحدى عشرة؛ كما لا تجوز الزيادة على ركعتي الفجر ونحوهما؛ ولأجل ذلك جعل مجلي في المسألة وجهين، وهما مأخوذان -أيضاً- من كلام الإمام؛ لأنه قال: وفي بعض التصانيف أنه يجوز بثلاث عشرة، ولا ينبغي أن يعتمد ذلك. قال: وهذا التردد في الإتيان بثلاث عشرة هل نقل عن رسول الله ﷺ أم لا؟ ولا جرم قال في "الوسيط": إن النقل متردد في ثلاث عشرة، وبما ذكرناه عن كتاب مسلم ينتفي التردد. وقد قال بعضهم: إنه لم يرد أن النقل [تردد في أنه-﵇-أوتر بها

стр. 1263

أو لا؛ لأنه قد صح أنه أوتر بها، وإنما أراد أن النقل] عن الأصحاب تردد في أن أكثره إحدى عشرة [أو ثلاث عشرة: فالشيخ أبو حامد وابن كج ومن تابعهما قالوا: أكثره: إحدى عشرة]، والبغوي وآخرون قالوا: غايته ثلاث عشرة؛ وهذا وإن أمكن حمل كلام الغزالي عليه، فلا يمكن حمل كلام الإمام عليه، والظاهر أن الغزالي اتبع الإمام. ثم الذين قالوا بأن أكثره ثلاث عشرة، قالوا: لو زاد عليها، ففي صحة إيتاره وجهان: وجه المنع- وهو الأظهر-: أنه سنة مؤكدة؛ فيتبع في حدها التوقيف؛ كركعتي الصبح وغيرهما. ووجه الجواز: أن اختلاف فعل رسول الله ﷺ يدل على فتح الباب. قال: وأدنى الكمال ثلاث ركعات؛ لأن سنتها أن يوتر شفعاً قبلها، وأقل شفع اثنان، وأقل وتر واحدة، وقد روى النسائي، عن أبي بن كعب "أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، يقرأ في الأولى ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقال الترمذي في حديث عائشة: "وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.

стр. 1264

قال: بتسليمتين؛ لأن في ذلك زيادة تكبير وسلام. وأيضاً فقد روى مسلم، عن ابن عمر: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ وأنا بينه وبين السائل؛ فقال: يا رسول الله، كيف صلاة الليل؟ فقال: "مثنى مثنى؛ فإذا خشيت الصبح، فصل ركعة، واجعل آخر صلاتك وتراً"، والوتر من صلاة الليل، وهذا أظهر في "الوجيز" وعند البغوي، وقال القاضي الحسين: إن عليه الأكثرين، ومنهم: الصيدلاني؛ كما قاله غيره. وقيل: إنها موصولة أفضل؛ لأن الركعة الفردة ليست بصلاة عند قوم؛ فليحترز عن شبهة الخلاف، وصار هذا كما قلنا: إن الأفضل ألا يقصر إلا في سفر يبلغ مسيرته ثلاثة أيام؛ تحرزاً عن الخلاف، وهذا ما اختاره الشيخ أبو زيد، وعليه أهل مسجده إلى الآن. قال القاضي الحسين: وهو قول قديم، والقائلون بالأول قالوا: إنما يصير الشافعي إلى الخروج عن شبهة الخلاف؛ إذا لم يؤد [إلى ارتكاب محظور أو

стр. 1265

مكروه، وهذا يؤدي] إليه؛ [لأنه يخالف] فيه قول رسول الله ﷺ وفعله؛ فإنه يرى أن يجلس بعد الأولى، وبعد الثالثة. وقيل: إن كان الموتر إماماً، فالأفضل في حقه وصلها؛ لتقع صلاة من خلفه صحيحة، مع اختلاف مذاهبهم، وهذا ما حكاه الرافعي عن رواية الموفق بن طاهر، عن الخضري والشريف ناصر، وقال: [إن] الروياني عكسه، فقال: أنا أصل إذا كنت منفرداً، وإذا كانت في جماعة أفصل؛ كي لا يتوهم خلل فيما صار إليه الشافعي، وهو صحيح ثابت بلا شك. ثم إذا قلنا بوصلها، فهل يؤثر أن يكون بتشهدين في الثانية والثالثة، أو بتشهد واحد في الأخيرة؛ كي لا يشبه المغرب؟ فيه وجهان؛ اختار الروياني منهما الثاني. وقال صاحب "التهذيب": والأكثرون أنه إن شاء فعل ذلك، وإن شاء فعل هذا. وإطلاق التخيير يقتضي التسوية. وعن القاضي الحسين أنه لا يجوز أن يوتر بثلاث بتشهدين وتسليمة واحدة؛ كالمغرب، [وربما يقول]: ببطلان صلاته إذا تعمد ذلك؛ كذا حكاه بعضهم. ورأيت في "تعليقه" أن القفال قال: إذا جلس بعد الثانية متعمداً، بطلت صلاته، وإن كان ساهياً، فعليه سجود السهو؛ لقوله ﵇: "لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس، أو سبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب" أخرجه الدارقطني، وقال: كل رواته ثقات. وقد أفهم كلام الشيخ أن الركعة الفردة لا تكون أفضل من الثلاث، بل قد حكينا عن القاضي أبي الطيب أنها مكروهة، وقال: إن الواحدة أقل أجراً من الثلاث.
следующие страницы →