← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ضبط لها في عدد. وأما أقدار التشهدات في صلاة الوتر فحقها أن يقتصر فيها على ما ورد في الأخبار، ويجوز أن يتشهد فيها تشهدين في الأخيرة، وما قبلها؛ لورود الخبر بذلك. روى مسلم عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة؛ فيذكر الله ويحمده، ويدعو، [ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يقوم فصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويحمده ويدعو]، ثم يسلم تسليماً يسمعنا". وفي "الإبانة" حكاية وجه آخر: أنه لا يجوز أن يزيد على التشهد الأخير، وما روي من الجلسة؛ فإنه كان يسلم عند كل جلسة. وقد تلخص من ذلك أن له أن يقتصر على تشهد واحد بلاخلاف، وعليه تدل رواية مسلم، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يوتر منها بخمس لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة، ويسلم".

стр. 1262

وهل تجوز الزيادة على الواحد.؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: [لا]، وهو ما حكيناه [عن الفوراني. قال الإمام: وهو ردئ لا تعويل عليه. والثاني: نعم، فيتشهد ما شاء، وهو ما حكيناه] عن روايته، ورواية البغوي معه، وهو ضعيف أيضاً. والثالث -وهو الأصح-: يجوز بتشهدين، ولا تجوز الزيادة عليهما. وهذا كله إذا اقتصر على إحدى عشرة ركعة فما دونها؛ فلو زاد عليها؛ فبلغها ثلاث عشرة بتسليمة واحدة، قال في "الإبانة": جاز، بلا خلاف. وعليه تدل أخبار صحاح؛ منها: ما رواه زيد بن خالد الجهني أنه قال: "لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة؛ فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين [طويلتين]، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما [ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما]، ثم أوتر؛ فذلك ثلاث عشرة ركعة"، خرجه مسلم. ومنها: ما أسلفناه عن عائشة، ﵂. وكلام الجمهور والشيخ يقتضي أنه لا تجوز الزيادة على إحدى عشرة؛ كما لا تجوز الزيادة على ركعتي الفجر ونحوهما؛ ولأجل ذلك جعل مجلي في المسألة وجهين، وهما مأخوذان -أيضاً- من كلام الإمام؛ لأنه قال: وفي بعض التصانيف أنه يجوز بثلاث عشرة، ولا ينبغي أن يعتمد ذلك. قال: وهذا التردد في الإتيان بثلاث عشرة هل نقل عن رسول الله ﷺ أم لا؟ ولا جرم قال في "الوسيط": إن النقل متردد في ثلاث عشرة، وبما ذكرناه عن كتاب مسلم ينتفي التردد. وقد قال بعضهم: إنه لم يرد أن النقل [تردد في أنه-﵇-أوتر بها

стр. 1263

أو لا؛ لأنه قد صح أنه أوتر بها، وإنما أراد أن النقل] عن الأصحاب تردد في أن أكثره إحدى عشرة [أو ثلاث عشرة: فالشيخ أبو حامد وابن كج ومن تابعهما قالوا: أكثره: إحدى عشرة]، والبغوي وآخرون قالوا: غايته ثلاث عشرة؛ وهذا وإن أمكن حمل كلام الغزالي عليه، فلا يمكن حمل كلام الإمام عليه، والظاهر أن الغزالي اتبع الإمام. ثم الذين قالوا بأن أكثره ثلاث عشرة، قالوا: لو زاد عليها، ففي صحة إيتاره وجهان: وجه المنع- وهو الأظهر-: أنه سنة مؤكدة؛ فيتبع في حدها التوقيف؛ كركعتي الصبح وغيرهما. ووجه الجواز: أن اختلاف فعل رسول الله ﷺ يدل على فتح الباب. قال: وأدنى الكمال ثلاث ركعات؛ لأن سنتها أن يوتر شفعاً قبلها، وأقل شفع اثنان، وأقل وتر واحدة، وقد روى النسائي، عن أبي بن كعب "أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، يقرأ في الأولى ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وقال الترمذي في حديث عائشة: "وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين.

стр. 1264

قال: بتسليمتين؛ لأن في ذلك زيادة تكبير وسلام. وأيضاً فقد روى مسلم، عن ابن عمر: أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ وأنا بينه وبين السائل؛ فقال: يا رسول الله، كيف صلاة الليل؟ فقال: "مثنى مثنى؛ فإذا خشيت الصبح، فصل ركعة، واجعل آخر صلاتك وتراً"، والوتر من صلاة الليل، وهذا أظهر في "الوجيز" وعند البغوي، وقال القاضي الحسين: إن عليه الأكثرين، ومنهم: الصيدلاني؛ كما قاله غيره. وقيل: إنها موصولة أفضل؛ لأن الركعة الفردة ليست بصلاة عند قوم؛ فليحترز عن شبهة الخلاف، وصار هذا كما قلنا: إن الأفضل ألا يقصر إلا في سفر يبلغ مسيرته ثلاثة أيام؛ تحرزاً عن الخلاف، وهذا ما اختاره الشيخ أبو زيد، وعليه أهل مسجده إلى الآن. قال القاضي الحسين: وهو قول قديم، والقائلون بالأول قالوا: إنما يصير الشافعي إلى الخروج عن شبهة الخلاف؛ إذا لم يؤد [إلى ارتكاب محظور أو

стр. 1265

مكروه، وهذا يؤدي] إليه؛ [لأنه يخالف] فيه قول رسول الله ﷺ وفعله؛ فإنه يرى أن يجلس بعد الأولى، وبعد الثالثة. وقيل: إن كان الموتر إماماً، فالأفضل في حقه وصلها؛ لتقع صلاة من خلفه صحيحة، مع اختلاف مذاهبهم، وهذا ما حكاه الرافعي عن رواية الموفق بن طاهر، عن الخضري والشريف ناصر، وقال: [إن] الروياني عكسه، فقال: أنا أصل إذا كنت منفرداً، وإذا كانت في جماعة أفصل؛ كي لا يتوهم خلل فيما صار إليه الشافعي، وهو صحيح ثابت بلا شك. ثم إذا قلنا بوصلها، فهل يؤثر أن يكون بتشهدين في الثانية والثالثة، أو بتشهد واحد في الأخيرة؛ كي لا يشبه المغرب؟ فيه وجهان؛ اختار الروياني منهما الثاني. وقال صاحب "التهذيب": والأكثرون أنه إن شاء فعل ذلك، وإن شاء فعل هذا. وإطلاق التخيير يقتضي التسوية. وعن القاضي الحسين أنه لا يجوز أن يوتر بثلاث بتشهدين وتسليمة واحدة؛ كالمغرب، [وربما يقول]: ببطلان صلاته إذا تعمد ذلك؛ كذا حكاه بعضهم. ورأيت في "تعليقه" أن القفال قال: إذا جلس بعد الثانية متعمداً، بطلت صلاته، وإن كان ساهياً، فعليه سجود السهو؛ لقوله ﵇: "لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس، أو سبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب" أخرجه الدارقطني، وقال: كل رواته ثقات. وقد أفهم كلام الشيخ أن الركعة الفردة لا تكون أفضل من الثلاث، بل قد حكينا عن القاضي أبي الطيب أنها مكروهة، وقال: إن الواحدة أقل أجراً من الثلاث.

стр. 1266

وفي "الرافعي" أن الثلاث الموصولة أفضل من ركعة فردة لا شيء قبلها، أم هي أفضل من الثلاث الموصولة؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها -وبه قال القفال-: أن الثلاث الموصولة أفضل منها؛ لزيادة العدد. والثاني: أن الركعة الفردة أفضل؛ لمواظبة الرسول ﷺ عليها. قال الإمام: وعلى هذا القائل، يقال: إذا أوتر بإحدى عشرة [ركعة] وأوتر بركعة فردة-فالركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة. والثالث: الفرق بين المنفرد والإمام؛ كما سبق. وعبارة الغزالي في "الوسيط" تنبو عن جعل الركعة الفردة التي لا شيء قبلها أفضل من ثلاث موصولة، وحكاية هذا الوجه على نعت آخر؛ فإنه قال: في الأفضل أربعة أوجه: أحدها: أن ثلاثاً موصولة أفضل؛ فإن الركعة الفردة ليست بصلاة عند قوم. والثاني: أن ركعة فردة أولى من ثلاث موصولة، بل من إحدى عشرة موصولة؛ لأنه صح مواظبته ﷺ على الفردة في آخر التهجد. والثالث: أن ثلاثاً مفصولة بسلامين أفضل من ثلاث موصولة، ولكن الواحدة ليست أفضل من ثلاث موصولة. والرابع: التفصيل بين أن يكون إماماً أو منفرداً. فقوله: "إن ركعة فردة أولى من ثلاث موصولة، بل من إحدى عشرة [ركعة] موصولة؛ لأنه صح مواظبته ﷺ على الفردة في آخر التهجد"-مؤذن مع ما أسلفناه من مذهبه أن وتر رسول الله ﷺ غير تهجده؛ بأن محله إذا قدم على الركعة الفردة تهجداً لم يقصد به الوتر، دون ما إذا لم يأت قبلها بشيء أصلاً، وفارق هذا الوجه الوجه الصائر إلى أن الثلاث المفصولة أفضل من ثلاث موصولة؛ لأن قائله يصور المسألة بما إذا قصد بالركعتين قبل الركعة الوتر؛ ولهذا التفات على ما أسلفناه في أنه ماذا ينوي بالشفع قبل الوتر. ويؤيد ذلك أن المتولي حكى عن القفال أنه قال: كل أحد يعلم أن الثلاث من

стр. 1267

الجنس أفضل من واحدة منه. زاد الروياني: ولكن صورة المسألة في رجل صلى ركعتين بنية النفل، وأوتر بعدها بركعة، وآخر صلى بنية الوتر ثلاث ركعات، أو في رجل صلى عشر ركعات، وأوتر بواحدة، وآخر صلى إحدى عشرة بنية الوتر وعلى ذلك ينطبق قول البغوي: ليس المراد من قولنا: إن الوتر بواحدة أفضل، أن يقتصر على ركعة واحدة، بل المراد أن إفرادها عما قبلها أفضل من وصلها بما قبلها. قال الإمام: ثم كل هذه الترددات بين الثلاث الموصولة، وبين الركعة الفردة، أو الثلاث المفصولة؛ فأما الزيادة على الثلاث، فلا يؤثرها من طريق الفضيلة أحد من الأئمة، وإنما يحمل فعل الشارع فيه على الجواز، لا على الأولى. وهذا اللفظ إن أجرى على ظاهره، كان فيه نظر؛ لأن الروياني قال في "تلخيصه": إن الخمس أفضل من الثلاث، وقياسه أن تكون السبع أفضل من الخمس، والتسع أفضل من السبع، وبه صرح في "التتمة" والقاضي أبو الطيب. قال: يقرأ في الأولى-بعد الفاتحة: ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و"المعوذتين" لما ذكرناه من خبر أبي بن كعب، وعائشة، وقد روى الترمذي، عن علي قال: "كان النبي ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ فيهن بتسع سور من المفصل، يقرأ في كل ركعة بثلاث سور؛ آخرهن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وفي حديث أبي بكر البزار: يقرأ في الأولى ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ﴾ و ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ و ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ﴾ وفي الركعة الثانية ﴿وَالْعَصْرِ﴾ و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الركعة الثالثة ﴿تَبَّتْ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".

стр. 1268

قال: ويقنت في الأخيرة منها؛ أي: بعد الرفع من الركوع؛ كما نص عليه في حرملة في النصف الأخير من رمضان؛ لما روي عن ابن عمر أنه قال: "السنة إذا انتصف الشهر من رمضان أن يلعن الناس الكفرة في الوتر بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، وقد فعله أُبَيِّ" أي-لما جمع عمر الناس عليه؛ ليصلي بهم التراويح، ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك. والقنوت بعد الرفع من الركوع، قد حكاه القاضي أبو الطيب، عن شيوخهما، مع وجه آخر يعزى إلى ابن سريج: أنه يقنت [فيه] قبل الركوع؛ لأنه جاء في رواية أبي بن كعب التي أسلفناها: "وكان يقنت قبل الركوع". قال: والقياس [يقتضي] أن يخالف بين الفرض والنفل، كما فرقوا في الخطبتين؛ فجعلوهما في الفرض-وهو: الجمعة-قبل الصلاة، وفي النفل بعد الصلاة؛ وهو: العيدان، وغيرهما. وعن "البيان" أن بعض متأخري الأصحاب قالوا: يتخير بين التقديم والتأخير، وأنه إذا قدم كبر بعد القراءة، ثم قنت. وقال في التتمة: إذا قلنا. يقنت قبل الركوع، يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة من غير تكبير. وقد قيل: إن القنوت في الوتر لا يختص بالنصف الآخر من شهر رمضان، بل يجوز في جميع السنة؛ حكاه في "المهذب" عن أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا؛ لظاهر خبر أبيِّ. وقد حكاه الرافعي عن أبي الفضل بن عبدان، وأبي منصور بن مهران، وأبي الوليد النيسابوري من أصحابنا، وهو ضعيف. قال الروياني: بل كلام الشافعي يدل على كراهته في [غير] النصف الأخير؛ فضلاً عن استحبابه، وخبر أبيِّ قد قال أبو داود: إنه غير صحيح، وقد

стр. 1269

كان أبيَّ لا يقنت إلا في النصف الأخير. ثم إذا قلنا: إنه يقنت في جميع السنة؛ فتركه، [قال الروياني]: فلا يسجد للسهو-على وجه-بخلاف ما لو تركه في النصف الأخير، يسجد. قال: وهذا اختيار مشايخ طبرستان، وهو حسن. ثم المشروع من القنوت هاهنا ما ذكرناه في الصبح؛ لرواية أبي داود، عن الحسين بن علي قال: "علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في [قنوت] الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وأنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت"، وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن. قال في "الشامل": قال القاضي أبو الطيب: كان شيوخنا يقولون بعده: "اللهم عذب كفرة أهل الكتاب، والمشركين الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويدعون معك إلهاً، لا إله إلا أنت، تباركت وتعاليت عما يقول الظالمون علواً كبيراً، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم [عليه] وتوفهم على ملة رسولك، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واجعلنا برحمتك منهم، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". فإذا فرغ من القنوت، فالمستحب أن يقول: "سبحان الملك القدوس رب

стр. 1270

الملائكة والروح"؛ لما روي في خبر أبي: "أنه-﵇-كان يقول ذلك ثلاث مرات، ويطيل في آخره". وقال صاحب "التلخيص" وغيره من الأئمة-ومنهم القاضي الحسين-: يستحب أن يقول فيه-مع قنوت الصبح- ما كان عمر يقوله: "اللهم إنا نستعينك [ونستغفرك] ونستهديك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد-أي: نسرع- نرجو رحمتك، ونخشى عذابك؛ إن عذابك بالكافرين ملحق". [بكسر الحاء؛ يعني: لاحق. قال الأصمعي: لا يجوز غيره، وحكاه عن أبي عبيد؛ كذا قاله الماوردي في صفة الصلاة]. وهل يستحب الجهر بالقنوت، ورفع اليدين فيه؟ [فيه] ما في قنوت الصبح؛ قاله الرافعي قال: "ويصلي الضحى"؛ لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] قال ابن عباس: ﴿وَالإِشْرَاقِ﴾: صلاة الضحى. كذا قاله المحاملي في "اللباب". وروى أبو هريرة وأبو ذر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنها صلاة الأوابين". قال: "ثماني ركعات"؛ لما روى مسلم، عن أم هانئ قالت: "ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح؛ فوجدته يغتسل، وابنته تستره بثوب؛ قالت: فسلمت عليه؛ فقال: من هذه؟ فقلت: أم هانئ بنت أبي طالب؛ فقال: مرحباً بأم هانئ.

стр. 1271

[قالت] فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفاً في ثوب واحد، قالت: وذلك ضحى". وفي رواية: "لا أدري أقيامه فيها أطول، أم ركوعه، أم سجوده؟ كل ذلك منه متقارب". قال في "الحاوي": وهذا آخر ما روي عنه من فعل الضحى، وأنه واظب على ذلك إلى أن مات. وفيه نظر؛ لأن أبا داود روى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي ﷺ صلى الضحى غير أم هانئ؛ فإنها ذكرت أن النبي ﷺ يوم [فتح مكة] اغتسل في بيتها وصلى ثماني ركعات؛ فلم يره أحد صلاهن بعد"، وأخرجه البخاري ومسلم. وفي "الذخائر" عن "تهذيب" نصر المقدسي: أن المستحب أن يصليها باثنتي عشرة ركعة؛ لما روى أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له قصراً في الجنة من ذهب".

стр. 1272

قال: وأدناها ركعتان؛ لما روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد". وروى مسلم- أيضاً-أنه-﵇ قال: "يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك كله ركعتان يركعهما من الضحى"، وهذا الحديث في الدلالة على المدعى أمس؛ لأنه يقتضي أن الضحى أكثر من ركعتين. والسلامي: مضمومة السين، مفتوحة الميم: عظام الأصابع والأكف والأرجل، هذا أصله، ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله، وهي كما جاء في "صحيح مسلم" عن عائشة "ثلاثمائة [وستون مفصلاً، وحينئذ فمعنى الحديث: يصبح على كل عضو ومفصل من بدن ابن آدم] صدقة؛ قاله الجوهري.

стр. 1273

وإذا [عرفت أن أدناها ركعتان، وأكملها ثمانية]، عرفت أن ما بينهما في الرتبة الوسطى، وقد روى مسلم عن معاذة أنها سألت عائشة: "كم كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء". وروى النسائي، عن علي بن أبي طالب قال: "كان رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس-يعني: من مطلعها-قيد رمح، أو رمحين؛ كقدر صلاة العصر من مغربها، صلى ركعتين، ثم أمهل حتى إذا ارتفع الضحى صلى أربع ركعات". وروى النسائي أيضاً عن نعيم بن هبار، عن رسول الله ﷺ عن ربه -تعالى- قال: " [يا ابن] آدم صل أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره". ووقت صلاة الضحى يدخل بزوال الوقت المكروه، ويدوم إلى الزوال؛ قاله مجلي، وغيره. قال بعضهم: ولم يتعرض الشيخ لذكر الوقت؛ اكتفاء بما أعطاه لفظ "الضحى". وفي "المهذب": [أن] وقتها يدخل إذا أشرقت الشمس، وعليه تدل الآية. وهو متقارب؛ لأن إشراقها يكون بعد ارتفاعها. قال بعض الأصحاب: والمستحب أن يصليها على قدر ما يمضي ربع النهار؛ لتكون على نظير العصر في [النصف] الثاني، وهذا ما أورده الماوردي، لكنه لم يذكر هذه العلة، وقد روى مسلم، عن زيد بن أرقم قال: "خرج رسول الله ﷺ على أهل قباء وهم يصلون؛ فقال: صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال". ومعنى "ترمض"، أي: حين يشتد الحر عليها؛ مأخوذ من "الرمض"، وهو شدة حر الحجارة؛ لكثرة حر الشمس. وقد أفهمك قول الشيخ: "ويصلي الضحى ثماني ركعات" أن هذا حكم

стр. 1274

منفصل عما قبله، وليست هي من السنن التابعة للفرائض، بل هي مستحبة. وقد فهم بعضهم ضد ذلك؛ فقال مؤاخذاً للشيخ: ولم أر [أن] أحداً من أصحابنا قال: إن الضحى من السنن الراتبة؛ لأنه ﵇ لم يواظب عليها مواظبته على توابع الفرائض من الوتر وغيره؛ فإن أبا سعيد الخدري. قال: "كان –﵇ يصلي الضحى حتى نقول: لايدعها، ويدعها حتى نقول: لا يصليها". رواه الترمذي. وليس الأمر كما ظنه، بل الشيخ أراد أن يذكر أن فعلها مستحب، وتركه ﵇ لها قد بينت عائشة ﵂ سببه؛ روى مسلم عنها قالت:"ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به؛ خشية أن يعمل به الناس؛ فيفرض عليهم". فإن قيل: كيف يجمع بين هذا، وبين ما تقدم من روايتها: "أنه ﵇ صلاها أربعاً"؟ قيل: يحمل ما سبق على أنها علمت صلاته بإخباره، أو إخبار غيره. وقد يكون معنى قولها: "ما رأيته يصلي سبحة الضحى" تعني: معلناً بها. قال: "ويقوم [شهر] رمضان"؛ لقوله-﵇:"من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه"، وما سنذكره من الخبر يدل على

стр. 1275

مشروعية قيامه أيضاً. والشيخ في هذه التسمية متبع لقوله ﵇: "من قام رمضان". والمراد بالقيام: صلاة التراويح، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يصلون بتسليمتين، ثم يتروحون ساعة. قال: "بعشرين ركعة في الجماعة"؛ لأن الصحابة أجمعت على ذلك في زمن عمر ﵃ وقد كان النبي ﷺ صلاها في المسجد ليلتين، أو ثلاثاً، ولم ينقل كم صلى، ثم تركها؛ خشية أن تفرض على أمته، حين كثروا وازدحموا، ولم يصلها رسول الله ﷺ في بقية عمره، ولا أبو بكر في زمن خلافته، وكذلك عمر في صدر [من] خلافته، ثم خرج في ليلة من رمضان فرأى الناس قزعاً في المسجد؛ فمن واحد يصلي، ومن اثنين يصليان، ومن ثلاثة يصلون؛ فقال: "لو جمعتهم على إمام واحد"، فجمعهم على إمام واحد؛ فوظف عليهم عشرين ركعة، وأمم عليهم أبي بن كعب، وأجمع الصحابة معه على ذلك.

стр. 1276

وروي عن علي -كرم الله وجهه-[أنه] قال: "نور الله قبر عمر؛ كما نور مساجدنا"، وكان فعل عمر ذلك لأمنه مما حذره رسول الله ﷺ من فرضها؛ لأنه لا فرض بعد وفاته ﵇ وقد قال الإمام في آخر الباب: إنه روى بعض من يعتمد في رواية غريبة "أن رسول الله ﷺ صلى التراويح عشرين ليلة، ولم يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير". قلت: وأغرب من ذلك ما حكاه الماوردي، أن أبي بن كعب كان بعد ترك رسول الله ﷺ الخروج في الليلة الثالثة أو الرابعة- كما حكاه غيره-في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وأول خلافة عمر، يجمع الناس في مسجد رسول الله ﷺ ويصلي بهم العشر الأول، والعشر الثاني، ويتخلى لنفسه [في العشر الثالث] إلى أن قررها عمر، وجمع الناس عليها. قال: وكان السبب فيه ما روي أن الناس كانوا يصلون في المسجد؛ فإذا سمعوا قراءة طيبة سعوا؛ فقال عمر: قد جعلتم القرآن أغاني؛ فجمعهم على أبي؛ فصارت سنة قائمة، ثم عمل بها عثمان، وعلي، والأئمة من سائر الأعصار، وهي من أحسن سنة سنها إمام. فإن قيل: أهل المدينة يصلونها ستاً وثلاثين [ركعة]، أو تسعاً وثلاثين، وهم أعلم بفعل الصحابة فيها؛ فما وجه عدولكم عن ذلك؟ قيل: قد بين الشافعي مستندهم في ذلك؛ فقال: "أدركت أهل المدينة يصلون تسعاً وثلاثين ركعة، وذاك أن أهل مكة كانوا إذا صلوا ترويحة، وهي أربع ركعات، طافوا طوفة، إلا في الأخيرة، وأهل المدينة كانوا ينافسونهم في العبادات، ولم يكن عندهم شيء يطوفون به؛ فجعلوا بين كل ترويحتين أربع ركعات؛ فيجيء من ذلك ست عشرة ركعة، وثلاث ركعات الوتر، يكون الكل تسعاً

стр. 1277

وثلاثين ركعة؛ فأما غير أهل المدينة؛ فلا يجوز لهم أن يجاروا أهل مكة، ولا ينافسوهم؛ لأن الله-تعالى-فضلها على سائر البلاد. وقد قيل: بل [كان] السبب في ذلك أن عبد الملك بن مروان كان له تسعة أولاد؛ فأراد أن يصلي جميعهم بالمدينة؛ فقدم كل واحد منهم فصلى ترويحة؛ فصارت ستاً وثلاثينن والوتر ثلاث. وقيل: بل كان السبب أن تسع قبائل حول المدينة سارعوا إلى الصلاة، واقتتلوا، فقدمت كل قبيلة من صلى بهم ترويحة، ثم صارت سنة. والأول: أصح. فإن قيل: قد قال الشافعي: "فأما قيام شهر رمضان، فصلاة المنفرد أحب إلي منه"؛ وهذا يدل على أن فعلها فرادى أفضل عنده، وهو مخالف لقوله-﵇:"صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة"، ومخالف لما أجمع عليه الصحابة فيها. قيل في جوابه: قد اختلف الأصحاب في مراده: فمنهم من قال: لم يرد الشافعي أنها لا تفعل في جماعة؛ فإنه نص في "البويطي" على أن فعلها في جماعة أفضل، وإنما أراد أن صلاة المنفرد في الوتر وركعتي الفجر أحب إلى من صلاة التراويح في جماعة؛ وهذا قول ابن سريج، وأبي إسحاق، وغيرهم، وبه يندفع السؤال. ومنهم من قال: [مراده]: أن فعلها فرادى أفضل، وزعم أنه نص عليه في القديم، لكن يشترط ألا يخاف الكسل عنها في بيته، ويقرأ أكثر مما يقرؤه إذا صلاها في جماعة، وكانت الجماعة لا تتعطل بغيبته؛ لأنها من صلاة الليل. قال الماوردي: [وبهذا] قال أكثر أصحابنا: وهو الأصح في "الإبانة". ومنهم من قال بظاهره مطلقاً حكاه القاضيان: أبو الطيب، وابن كج، والإمام -رحمهم الله تعالى- لأنه ﵇ كان يصليها منفرداً، وقال: " [أفضل]

стр. 1278

صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". قال القاضي أبو الطيب: وهو خطأ؛ لإجماع الصحابة عليها. واعلم أن الشيخ سكت عن أمرين لابد من معرفتهما، وسكوته عنهما؛ لأن العرف ظاهر في أحدهما، وكلامه دال على الثاني: فالأول: كونه يصليها ركعتين ركعتين، وهذا مما لم يختلف فيه [، صرح الرافعي وغيره، وحينئذ]؛ فلو صلاها أربعاً بتسليمة واحدة، لم يصح؛ لأن الباب باب اتباع، ولم يرد ذلك؛ قاله القاضي الحسين. والثاني: وقتها، وهو كوقت الوتر سواء، يدخل بصلاة العشاء، ويدوم إلى طلوع الفجر على الأصح. وهل يجوز أن تفعل قبل صلاة العشاء؟ فيه خلاف، والأصح: لا، وقد صرح به القاضي الحسين في "الفتاوي". والذي يدل من كلام الشيخ على أن وقتها كوقت الوتر قوله من بعد: "ويوتر بعدها في الجماعة". وقد يقال: إن كلام الشيخ دال على أنه يجوز فعلها بعد المغرب؛ لأنه عبر عنها بالقيام، والقيام هو صلاة الليل، والليل يدخل بغروب الشمس، [وبه صرح مجلي، فقال: إن وقتها يدخل من غروب الشمس،] ويستمر إلى طلوع الفجر، وقد جرت العادة بفعلها بعد صلاة العشاء، وإن فعلها قبل ذلك، جاز، وكان حسناً، واتبعه في ذلك أبو إسحاق والعراقي في التعليق على "المهذب". والمشهور الأول. قال: ووتر بعدها في الجماعة؛ لأن أبي بن كعب كان يفعل ذلك بمحضر الصحابة، وكان يجهر بالقراءة فيه، والجهر بالقراءة في الوتر سنة في رمضان وغيره، وادعى الماوردي وغيره الإجماع عليه عند الإتيان بثلاث مفصولة،

стр. 1279

وجعلوه حجة على من قال: إن الثلاث مع الفصل صلاة واحدة؛ إذ لو كان كذلك، لما جره في الآخرة منها، والله أعلم. قال: إلا أن يكون له تهجد؛ فيجعل الوتر بعده؛ لقوله ﷺ : ["اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" أخرجه البخاري ومسلم، وقال-﵇]-: "صلاة الليل مثنى مثنى؛ فإذا أحس أحدكم الصبح فليوتر بركعة".

стр. 1280

وروى مسروق قال: "قلت لعائشة: في أي وقت من الليل كان رسول الله ﷺ يوتر؟ فقالت: كان يوتر [في] أول الليل، وفي وسطه، وفي آخره، [ثم أوتر] عند موته في آخر الليل" أخرجه الترمذي. وقيل: الأولى أن يوتر قبل أن ينام، ثم يقوم، ويتهجد؛ لقول أبي هريرة: "أمرني رسول الله ﷺ أن أوتر قبل أن أنام" أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان أبو بكر يوتر قبل أن ينام، ثم يقوم ويتهجد، [وعمر ينام قبل أن يوتر، ويقوم ويتهجد]، ويوتر؛ فترافعا إلى رسول الله ﷺ فقال: "هذا أخذ

стр. 1281

بالحزم -يعني: أبا بكر- وهذا أخذ بالقوة. يعني: عمر"، وقد روي عن عثمان مثل [ما] فعل أبو بكر، [وعن علي وعبدالله بن مسعود مثل ما فعل عمر". قال في "الوسيط": واختار الشافعي-﵁-فعل أبي بكر]، [وعبارة الإمام]: وميل الشافعي إلى حزم أبي بكر. ولفظ القاضي الحسين: المختار -عندنا- فعل الصديق- ﵁ لأنه أبعد من الآفة، وأحوط لأمر العبادة، وعلى هذا إذا قام وتهجد -لا يحتاج إلى إعادة الوتر؛ لقوله ﵇:"ولا وتران في ليلة" رواه الترمذي. وقد روي عن ابن عمر: "أنه كان يوتر قبل أن ينام، فإذا قام صلى ركعة، وجعل وتره شفعاً، وتهجد، ثم أعاد الوتر"، ويسمى ذلك: نقض الوتر. وقد

стр. 1282

اختاره بعض أصحابنا، ولم يورد القاضي الحسين غيره. وقال الإمام: إنه لم يقل به إلا بعض المصنفين، وهو خطأ غير معدود من المذهب، وعلته أنه-﵇ قال: "لا وتران في ليلة"، وهذا يؤدي إلى أن يكون فيها ثلاثة؛ إذ الماضي لا يصير شفعاً وقد تم. [وقيل]: الأولى في حق من طمع أن يقوم في آخر الليل أن يؤخر الوتر، وفي حق من لم يطمع أن يوتر قبل أن ينام؛ لقوله ﵇:"من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم من آخره فليؤخر" رواه مسلم. وهذا ما حكاه في "الذخائر"، والذي أورده القاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ: ما ذكره الشيخ. وقال في "الذخائر": إنه اختيار الشيخ أبي حامد؛ لأن النبي ﷺ قال في قصة الشيخين: "وهذا أفضل"، يعني: ما فعل عمر.

стр. 1283

وقد أفهم كلام الشيخ أن من لا تهجد له في رمضان ولا غيره، المستحب له تعجيل الوتر، وهو الظاهر؛ عملاً بقوله ﵇، [وقد سئل: أي الأعمال أفضل؟ -قال: "الصلاة لميقاتها"]. وقد حكى المتولي في أن الأفضل تعجيل الوتر في أول الليل أو تأخيره؟ فيه وجهان، [ويشهد للتأخير ما أخرجه مسلم من رواية [ابن] عمر وابن عباس: أنهما سعا النبي ﷺ يقول: "الوتر ركعة من آخر الليل". وقال الشيخ أبو حامد: إن وقت الاختيار له أول الليل، وفي آخر وتقه قولان؛ كما في قوت الاختيار لصلاة العشاء، حكاهما البندنيجي وأبو الطيب. قال: ومن فاته من هذه السنن الراتبة شيء، قضاء في أصح القولين. الإشارة بقوله: هذه السنن، يحتل أن تكون إلى ما قدم ذكره من حين قال: "والسنة أن يواظب على السنن الراتبة ... " إلى هنا، وأما ما تقدم على ذلك فلم يدخل في كلامه؛ ألا ترى أنه تعرض في "باب صلاة العيد" إلى قضائها، وقال في باب "صلاة الكسوف": إنها لا تقضي، وفي باب "صلاة الاستسقاء": إنهم إذا سقوا قبل الصلاة صلوا شكرا، أي: ولا يكون قضاء؟! وهو في ذلك موافق للأصحاب؛ فإنهم متفقون على أن صلاة الكسوف والاستسقاء لا تقضين ولو قلنا: إن الإشارة تعود إلى ما ذكره من أول الباب إلى هنا -لاقتضى طرد الخلاف فيها، ويحتمل أن يعود إلى ما ذكره من أول الباب، وصلاة الكسوف والاستسقاء تخرج بقوله: "الراتبة"؛ فإنها ليستا براتبتين، وإنما تفعلان بسبب حادث غير مستقر، وعلى هذا يكون قد كرر حكاية الخلاف في قضاء صلاة العيد في باب صلاة العيد؛ لأجل ما سنذكره من الزيادة في التفريع.

стр. 1284

ثم إذا تقرر ذلك عدنا إلى توجيه القولين، ووجه القضاء: قوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها"، وقوله ﵇:"من نام عن وتره فليصله إذا أصبح" رواه الترمذي، وقد تقدم أنه-﵇-قضى الركعتين بعد الظهر بعد صلاة العصر، لما شغله عنهما الوفد.

стр. 1285

وقد روى [رجاء بن مرجّي] في "سننه بإسناده، والترمذي: "أن النبي ﷺ قال: من لم يصلّ ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس-فليصلهما"، ولأنها صلاة مؤقتة بوقت؛ فإذا فات وقتها قضيت؛ كالفرائض، وهذا القول نص عليه في الجديد، وهو أحد قولي القديم؛ كما قال أبو حامد. ومقابله-وهو ما نص عليه في القديم-: أنها لا تقضي، وكذا في "المختصر" هاهنا؛ حيث قال: وإن فاته الوتر حتى يصلي الصبح، لم يقض، وإن فاته ركعتا الفجر حتى يصلي الظهر، لم يقض؛ لأنها صلاة نفل فلا تقضي؛ كصلاة الاستسقاء والكسوف. وحكى الإمام ومن تبعه قولاً آخر: أن ما تبع الفرائض لا يقضي، وما لا يتبعها، بل هو مستقل بنفسه-كالضحى، العيد-فيقضي. وعن أبي إسحاق القطع بالقضاء في الكل. وقول الشافعي: "لا يقضي"، أي: وجوباً، وقصد به الرد على أبي حنيفة؛ حيث قال: يقضي الوتر بعد طلوع الشمس، ويعيد الصبح؛ بناء على أصله في أن الوتر واجب، وأن الترتيب في القضاء واجب، وألا فهو يقضي استحباباً عنده.

стр. 1286

ويحتمل أن يكون مراده: لا يقضي على سبيل التأكيد، وهذا ما حكاه ابن الصباغ عنه، وقد ادعى الماوردي أن هذه الطريقة هي الصحيحة، وهي التي عليها عامة الأصحاب، واختارها القاضي أبو الطيب مستدلاً بقول الشافعي في سنة الصبح: يفعلها ما لم يصل الظهر، ولو كانت تسقط بالفوات لسقطت بطلوع الشمس. التفريع: إن قلنا: تقضي، فإلى متى تقضي؟ أما صلاة العيد فسيأتي الكلام فيه. وأما توابع الفرائض فقد حكى المراوزة فيها ثلاثة أقوال: أصحها: أبداً، وهو ما حكاه العراقيون عن نصه في الجديد، حتى إنها تفعل في الوقت المكروه؛ لعموم قوله-﵇: "فليصلها إذا ذكرها". ورواية أبي سعيد الخدري: أنه ﵇ قال: "من نام عن الوتر، أو نسيه فليصله إذا ذكره، أو إذا استيقظ" أخرجه الترمذي. والثاني: أن فائتة النهار تقضي في بقية ذلك النهار، وفائتة الليل تقضي في بقيته، وهذا ما حكاه المسعودي عن القديم. وإذا قلنا به، قضيت ركعتا الفجر في جميع النهار. والثالث: أنها تقضي ما لم يدخل وقت صلاة أخرى ويصلها؛ فإذا دخل ولم يصلها لم يفت وقت قضائها، وإن فات وقت أدائها؛ كذا قاله الإمام وغيره. وقيل: إن ركعتي الفجر تقضي ما لم [يدخل وقت صلاة الظهر؛ فإذا دخل فلا تقضي، وإن لم] يصل الظهر، وهو ظاهر النص، [كما] حكاه الماوردي وغيره، وهو بناء على أنها تفوت بفعل الصبح أو بطلوع المس، كما تقدم. وإن قلنا: لا تقضي؛ فإذا أتى بها كانت نافلة مطلقة، حتى إنها لا تجوز في الوقت المكروه، ويكون في انعقادها فيه الخلاف الآتي. ولبعضهم احتمال في انعقادها في غير وقت الكراهة أيضاً؛ بناء على ما إذا تحرم بالظهر قبل الزوال: هل تنعقد نفلاً [أو تبطل؟].

стр. 1287

قال: ويسن التهجد. التهجد في اللغة: اسم لدفع النوم بالتكلف، والهجود: هو النوم، يقال: هجد، إذا نام، وتهجد: إذا أزال ذلك النوم؛ كما يقال: حرج، إذا أثم، وتحرج، إذا تورع عن الآثام. [وهو] في الاصطلاح: صلاة التطوع في الليل بعد النوم؛ لأنها تؤدي بعد الهجود، وهو النوم؛ كذا قاله القاضي الحسين. وقال في "الحاوي": إن التهجد من الأضداد، يقال: تهجدت، إذا سهرت، وتهجدت: إذا نمت. والأصل في استحبابه قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]. وقد كان واجباً، فنسخ، وبقي الاستحباب، قال الله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الإسراء: الآية٧٩]. وقال-﵇: "أفضل الصلاة- بعد الفريضة- صلاة الليل"رواه مسلم. وعن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن في الليل ساعة لا يوافقها رجل مسلم، يسأل الله -تعالى- خيراً من [أمر] الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة" رواه مسلم. وروى الترمذي، عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله -[قال]: "من تعارض من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبرن ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رب اغفر لي- أو قال: ثم دعا-استجيب له؛ فإن عزم فتوضأ، ثم صلى قبلت صلاته". قال: وهذا حديث حسن صحيح غريب.

стр. 1288

وقال-﵇: "يعقد الشيطان على قافية أحدكم، إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة؛ فأصبح نشيطاً طيب النفس، وألا أصبح خبيث النفس كسلان" أخرجه البخاري. قال: والنصف الأخير [من الليل] أفضل من النصف الأول، أي: من أراد أن يقوم نصف الليل فقط، فالنصف الأخير في حقه أفضل من الأول؛ لقوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ١٧] وقال- عز من قائل-: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] فحث على الاستغفار [في الأسحار]، وقال تعالى: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] والسحر في النصف الأخير؛ فهو شامل لمحل الرحمة والمغفرة والتنجية. قال: والثلث الأوسط، أي: لمن أراد قيام ثلث الليل فقط، أفضل من الأول والأخير؛ قال الشافعي: لأن الغفلة فيه أكثر، والعبادة فيه أثقل، وقد قال ﵇: "ذاكر الله في الغافلين كشجرة خضراء [بين أشجار] يابسة". فإن قيل: قد روى مسلم، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا-﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير،

стр. 1289

فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له؟! " وفي طريق آخر: "حتى ينفجر الفجر"، وهذا يدل على أن الثلث الأخير أفضل، مع أن فيه السحر، وفيه ما تقدم ذكره. قيل في جوابه: قد روى النسائي، عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : "إن الله – يمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمر منادياً ينادي، فيقول: هل من داع فيستجاب له، هل من مستغفر فيغفر له، هل من سائل فيعطي" وهذه زيادة مقبولة، وكون السحر اشتمل على ما ذكرناه؛ لأنه وقت الغفلة، والغفلة في الثلث الأوسط أكثر؛ كما تقدم. نعم، يشكل ما ذكرناه بما رواه مسلم [والبخاري] عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، [وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً"؛ ولهذا قال في "المرشد": إذا أراد أن يجزئ الليل ثلاثة أجزاء، فالأفضل أن ينام نصفه، ويقوم ثلثه وينام سدسه.

стр. 1290

ثم ما المعنى بالنزول المنسوب إلى الله -تعالى- في الخبر الأول؟ قيل: المراد به: معنى يصح إضافته [إلى الله تعالى] يجب الإيمان به، وإن لم نعلمه مع نفي [التشبيه] والانتقال الذي هو من عوارض الأجسام؛ فإن لفظ "النزول" لا يختص بالانتقال؛ كما لا يفهم من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦] بل "النزول" لفظ مشترك في اللغة يطلق على الانتقال؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [الفرقان: ٤٨] وبمعنى الخلق؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وبمعنى الإعلام؛ كقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] و ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وبمعنى النزول كما يستحقه، وبمعنى القول؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: سأقول، وبمعنى الإقبال، وإذا كان اللفظ مستعملاً بمعان عديدة؛ فيتعين حمله على ما يصح في وصف الباري. فمن ذلك الإقبال بالرحمة والعطف، ويحتمل أن يراد به ظهور فعله بأمره؛ فأضيف إليه؛ كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَاتِيَهُمْ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ﴾ [البقرة:٢١٠]. قيل: معناه: أن يأتيهم عذاب الله، وهذا هو الأظهر، ويدل عليه الخبر [الأخير] الذي ذكرناه عن رواية النسائي. وقد أفهم كلام الشيخ أنه لا يؤثر له قيام كل الليل، وبه صرح غيره. وفي "المهذب" قال: إنه مكروه، وعليه دلت السنة؛ روى مسلم، عن عبد الله ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الله لا تكن مثل فلان؛ كان يقول الليل فترك قيام الليل"، وروى البخاري ومسلم عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ :

стр. 1291

"ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت: نعم. قال: فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لنفسك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً"، ولأن الإنسان قد لا يطيق ذلك؛ فيمل، وهو منهي عنه. روت عائشة-أنه-﵇-كان يقول: "خذوا من الأعمال ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا"، وكان يقول: "أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قل" رواه البخاري ومسلم. [قال الأصحاب: وقوله: "لا يمل حتى تملوا" من مجاز المقابلة؛ فإن الله -تعالى- لا يوصف بالملال؛ فإنه عليه محال. ويستحب إذا قام في الليل أن ينظر إلى السماء ويقرأ الخواتم من آل عمران؛ فإنه-﵇-فعل ذلك، كما أخرجه البخاري ومسلم]. وكذا ينبغي أن يقول ما ثبت في "صحيح مسلم": أنه ﵇ يقول إذا استيقظ من نومه: "اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض.

стр. 1292

ومن فيهن، أنت الحق، ووعدك الحق، وقولك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت؛ فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت، وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت"، وما رواه الترمذي، عن عبادة بن الصامت، عنه-﵇ قال: "من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ... " إلى آخره؛ وقد ذكرناه [من قبل]. قال: وتطوع الليل أفضل من تطوع النهار؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل: ٦] والناشئة: هي الطائفة التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض، ووطئاً، أي: أشد موافقة لما يراد في العبادة من الخشوع والإخلاص والانقطاع عن رؤية الخلائق، وقال ﵇: "أفضل الصلاة بعد الفرض صلاة الليل"؛ ولهذا قال العلماء: إن الليل مطية العابدين، وواحة المجتهدين. قال الأصحاب: ويستحب له إذا فاته شيء مما يصليه في أحدهما أن يأتي به في الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢].

стр. 1293

قال: وفعله في البيت أفضل من فعله في المسجد؛ لقوله ﵇: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة" رواه أبو داود. ورواية البخاري ومسلم: "فعليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا [الصلاة] المكتوبة" والمعنى فيه: أنها أبعد عن الرياء. وروي أنه ﵇ قال: "صلاة في مسجدي [هذا] أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا، وأفضل من هذا كله ركعتان يصليهما المرء في جوف بيته، لا يطلع عليهما إلا الله "؛ كذا قاله القاضي

стр. 1294

الحسين، وتبعه الإمام.

стр. 1295

...............................................................................

стр. 1296

....................................................................................

стр. 1297

وهذا ما ذكره الأصحاب هاهنا، وقد قال القاضي أبو الطيب في "كتاب النذور" عند الكلام فيما لو نذر أن يصلي ركعتين في الكفر: إنه لو أخفى صلاة النافلة في المسجد كان أفضل من صلاتها في البيت؛ لأن القصد من صلاتها في البيت: الإخفاء، وهل الأفضل في الصلاة المنذورة فعلها في المسجد أو في البيت؟ فيه وجهان في "التتمة" في باب النذر. واعلم أن الضمير في قوله: "وفعله في البيت ... " إلى آخره، يعود إلى التطوع في الليل والنهار، وهو يفهم أن الرواتب ليست كذلك، بل فعلها في المسجد أفضل، ويدل عليه قول القاضي أبي الطيب في باب صلاة العيد: إن الشخص إذا دخل المسجد، والإمام يخطب للعيد، وقلنا: إنه يقدم تحية المسجد-فإذا فرغ الإمام من الخطبة صلى العيد في المسجد؛ لأن المساجد أفضل البقاع، نعم لو كان دخوله، والإمام في الخطبة إلى المصلي، فإنه يجلس؛ فإذا فرغ الإمام من الخطبة- تخير بين أن يصلي العيد في بيته، أو في المصلى.

стр. 1298

وكلام غيره يفهم أن الرواتب في ذلك كالنفل. قال: والأفضل أن يسلم من كل ركعتين؛ لأنه ﵇ سئل كيف صلاة الليل؟ فقال: "مثنى مثنى" أخرجه مسلم. ولأبي داود: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". قال: "فإن جمع ركعات بتسليمة واحدة، أو تطوع بركعة واحدة- جاز"؛ لقوله-﵇: "الصلاة خير موضوع؛ فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر". وقد روى أبو داود، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: "أربع قبل الظهر، لا يسلم فيهن، يفتح لهن أبواب السماء".

стр. 1299

وحديث عائشة السالف دال على جمع أكثر من ذلك، وقد ثبت جواز إفراد ركعة في الوتر وغيرها بالقياس عليها، وقد روي عن ابن عمر أنه صلى ركعة، ثم خرج من المسجد؛ فقيل له في ذلك؛ فقال: هو تطوع؛ فمن شاء زاد، ومن شاء نقص. ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد نوى ركعات، أو ركعة من أول الصلاة، أو أطلق نية الصلاة ثم اقتصر على ركعات أو ركعة؛ على المذهب المشهور. وعن المسعودي: أنه يجوز أن يجمع بين ثلاث عشرة ركعة بتسليمة واحدة، وهل يجوز أن يزيد؟ فيه وجهان. وفي "الذخائر" أن أبا الفتح سليم قال في "تقريبه": لو نوى عدداً من النوافل لا تجوز الزيادة عليه، ولم يحك سواه، ويجوز عند عقده الصلاة بركعة أن يبلغها ما شاء، لكن بشرط أن ينوي ذلك قبل الزيادة؛ فلو قام عامداً، ولم يقصد الزيادة بطلت، ولو كان ساهياً سجد للسهو. نعم، لو أراد في هذا القيام أن يزيد على ما نواه فينبغي أن يجلس، ثم يقوم من جلوس قاصداً للزيادة.

стр. 1300

وقيل: لا يرجع ويتمادى، وسيأتي الكلام فيه في باب: سجود السهو. وكذا يجوز أن ينوي عدداً، ثم يقتصر منه على بعضه؛ بشرط أن ينوي الاقتصار قبل السلام؛ فإن سلم ولم يقصد التحلل: فإن كان سهواً سجد للسهو، وإن كان عمداص فقد حمله الأئمة على الكلام عمداً. وفي "الزوائد": أن الطبري ذكر في "عدته" أنه إذا أحرم بست ركعات، أو ثمان، وسلم من اثنتين عامداً-بطلت صلاته؛ على أحد الوجهين، وإن سلم ناسياً أتمها، وسجد للسهو؛ على أحد الوجهين، ذكره شيخنا. [ثم ما ذكرناه] من جواز الزيادة والنقص في النفل المطلق، أما الراتب فقد قال الإمام: إنه لو زاد في ركعة الفجر ثالثة بطلت؛ لمخالفته وضع الشرع. قال: ويجوز أن يقال: تنقلب تطوعاً، أو تبطل؛ فعلى خلاف سبق في مواضع. فرع: إذا جمع ركعات بتسليمة واحدة، وتشهد واحد- جاز، بل حكى صاحب "البيان" وجهاً: أنه لا يجوز إلا ذلك، ولا تفريع عليه. قال القاضي الحسين: وحينئذ يسن له أن يقرأ السورة في كل ركعة، سواء كان المنوي أربع ركعات أو ستاً؛ لأن كل قومة شرعت فيها الفاتحة لا يتقدمها جلوس تشهد، يسن فيها السورة، ولو أراد أن يأتي بتشهدين: فإن كان المنوي أربع ركعات أتى بالأول بعد الركعتين، والثاني آخر صلاته؛ فلو ترك الأول سهواً، قال الإمام: لم يسجد للسهو؛ لأن بعضية هذا التشهد لا تظهر في النفل؛ فكذلك لو تركه قصداص بعد ما نواه، وإن كان المذهب أن تارك التشهد الأوسط من الفريضة قصداً يسجد. وفي هذه الحاية قرأ السورة في الركعتين الأوليين، وهل يقرؤها في الأخيرتين؟ قال في "التتمة": فيه وجهان؛ بناء على القولين في الركعتين الأخيرتين من الفرائض. وإن كانت الصلاة المنوية ست ركعات أتى بالأول بعد الرابعة، والآخر آخر صلاته؛ لأن التشهد الأخير لا يجوز أن يسبقه أكثر من ركعتين. ولو صلى سبعاً جعل الأول في السادسة، والآخر في السابعة.
следующие страницы →