Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
وأصحهما في "الحاوي" و"الشامل"، وهو المذهب في تعليق البندنيجي: أن عليه أن يتابعه؛ لأن المأموم يترك الفرض؛ لاتباع إمامه؛ كما لو رفع عن الركوع قبل إمامه؛ فإنه يعود، ويركع معه، وإن كان قد أسقط فرض الركوع.
والوجهان في الجواز، لا في الوجوب، وهذه طريقة الإمام؛ فإنه حكى الوجهين، ثم قال: ولم يوجب أحد الركوع؛ فنه لو قام قصداًن وترك متابعة إمامه في التشهد-لم يقض ببطلان صلاته، وكان في حكم من تقدم على إمامه بركن؛ فانتظره فيه حتى لحقه.
وطريقة الشيخ أبي حامد ومن تبعه: أنهما في الوجوب حتىلو لم يعد-على القول به-بطلت صلاته.
ويجيء من مجموع الطريقين ثلاثة أوجه، ذكرت مثلها في باب صلاة الجماعة، والمذكور منها في "التهذيب" في هذه المسألة هاهنا الوجوب.
ولو كان الإمام قد انتصب قائماً قبل المأموم ثم عاد الإمام إلى الجلوس جاهلاً-قال في الشامل: فالذي يقتضيه المذهب أن المأموم [لا يرجع؛ لأن المأموم] وإن لم يكن قد انتصب؛ فهو يجب علهي الانتصاب؛ لانتصاب الإمام، ولا معنى لمتابعته في فعل لا يعتد به، وهل ينتظره قائماً؟
قال القاضي أبو الطيب: نعم.
وقال القاضي الحسين: لا ينتظره قائماص؛ لأن اتظاره فعل لا يعتد به مع طوله؛ فلينو مفارقته، ويتم صلاته لنفسه.
ولو كان الإمام والمأموم قد انتصبا جميعاً قياماً، ثم عاد الإمام؛ فلا يتابعه في العود؛ لأجل ما ذكرناه، ويفارقه، ولا فرق بين أن يعلم المأموم أنه عاد إلى ذلك عامداً، او ساهياً، وصرح به القاضي أبو الطيب، والبندنيجي، وغيرهما.
وحكى البغوي في أن المأموم إذا جهل حاله، فهل يجوز أن ينتظره قائماً؛ حملاً على أنه عاد ناسياً؟ فيه وجهان، تقدم مثلهما في التنحنح، وهذا [منه]
стр. 1437
يدل على أنه لو عرف أنه عاد ساهياً، لا يفارقه؛ فحصل في المفارقة عند عوده ساهياً، وجهان.
أما إذا ترك الإمام فعلاً مسنوناً، وانتقل عنه إلى فرض خرج به من الصلاة؛ كما إذا ترك سجود السهو، وسلم؛ فقد ذكرنا أن المأموم يأتي به، وكذا إذا ترك افمام التسليمة الثانية- يأتي بها المأموم؛ إذ لا مخالفة. وقد استثنى بعضهم هذه الصورة من كلام الشيخ، ولا حاجة إليه؛ لأنه لا شيء بعد السلام يتابعه فيه، وليس السلام بفعل؛ حتى يندرج في كلام الشيخ.
فرع: إذا ترك الإمام القنوت؛ لأنه لا يراه؛ فإن علم المقتدي أنه لو قنت سبقه الإمام بالسجود على التفصيل المشهرو فيه؛ فلا يقنت، وإن علم أنه لا يسبقه، وإن قنت؛ فهل يؤثر [له] القنوت؟ فيه قولان كالقولين في تكبيرات العيد، حكاه الإمام في باب تكبير صلاة الجنازة.
قلت: ويشبه أن يكون مأخذ الخلاف أن النظر في الأفعال في الصلاة إلى اعتقاد امام، أوالمقتدي، وفيه خلاف يأتي في باب: صفة الأئمة.
فإن قلنا: النظر إلى اعتقاد الإمام، فلا يقنت؛ كما لو كان المأموم لايراه أيضاً، وألا فيقنت، وحينئذ يظهر أن يقال: إن الإمام لو كان يعتقد مشروعية القنوت، لكنه تركه قصداً، أو سهواً، وتمكن منه المأموم من غير مخالفة له فعله قولاً واحداً؛ لتوافق الاعتقادين.
وأطلق الغزالي والرافعي القول: بأنه لا بأس بانفراده بالقنوت إذا لحقه على القرب.
والقاضي الحسين في باب صلاة المسافر أطلق القول بأن مصلي الصبح، لو اقتدى بمن يصلي الظهر قصراً أو إتماماً، وقنت هو انه تبطل صلاته؛ لأن المتابعة فرض، والقنوت نفل، ولعل ذلكمصرو بحالة المخالفة، وهو الظاهر، ثم قال: ولو أخرج نفسه من متابعته، ثم قنت-جاز.
قال الغزالي: ولا بأس بانفراده بجلسة الاستراحة؛ كما لا بأس بزيادتها في غير موضعها.
стр. 1438
قال: وسجود السهو سنة؛ لأنه ينوب عن المسنون دون المفروض، والبدل في الأصول على حكم مبدله، أو أخف؛ فلما كان المبدل مسنوناً- وجب أن يكون البدل مسنوناً؛ ولأنه سجود يثبت فعله؛ بسبب حادث في الصلاة؛ فوجب أن يكون [مسنوناً]؛ كسجود التلاوة وقد قال ﵇: "كانت الركعة والسجدتان نافلة [له] ".
فإن قيل: قوله ﵇: "وليسجد سجدتين" أمر، وظاهره الوجوب، وهو جبران نقص في عبادة؛ فوجب أن يكون واجباً؛ كما في الحج.
قيل: صرفنا عن الظاهر من الخبر ما ذكرناه من الخبر، وأما الحج فإنما
стр. 1439
وجب جبرانه؛ لكونه بدلاً من واجب، وليس كذلك سجود السهو.
قال: فإن ترك جاز؛ لأن السنة يجوز تركها، ثم هو سجدتان بينهما جلسة، يسن في هيئتها الافتراش، وبعدهما إلى أن يسلم يتورك.
قال الرافعي: وكتب الأصحاب ساكتة عن الذكر فيهما، وذلك يشعر بأن المحبوب فيهما هوالمحبوب في سجدات صلب الصلاة.
قلت: بل صرح في "التتمة" بأنهما كسجدتي الصلاة في الذكر، ووضع الجبهة على الأرض، والطمأنينة، والتسبيح، وإطالة الذكر حتى يرفع منهما.
قال الرافعي: وسمعت بعض الأئمة يحكي أنه يستحب أن يقول فيهما: "سبحان من لا ينام، ولا يسهو"، وهو لائق بالحال.
قال: ومحله قبل السلام؛ أي: وبعد التشهد الأخير والصلاة فيه على النبي ﷺ [وعلى] آله؛ لحديث معاوية بن الحكم، وابن بحينة، وقد تقدما في الباب.
وقد روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: "إذا صلى أحدكم؛ فلم يدر كم صلى؟ زاد أو نقص؛ فليسجد سجدتي السهو، [وهو جالس]، ثم يسلم".
ولأنه سجود عن سبب وقع في صلاته؛ فوجب أن يكون محله في الصلاة؛ قياساً على سجود التلاوة؛ ولأنه جبران الصلاة؛ فوجب أن يكون محله في الصلاة؛ كمن نسي سجدة منها.
قال: وقال في موضع آخر: إن كان السهو زيادة، فمحله بعد السلام؛ لأنه ﵇ في قصة ذي اليدين- سجد بعد السلام؛ كما رواه ابن بحينة؛ لأن ذلك بسبب النقص؛ فدل على اختلاف محله؛ لاختلاف سببه؛ ولأن سجود السهو جبران؛ فإاذ كان لنقصان اقتضى أن يكون قبل السلام؛
стр. 1440
لتكمل به الصلاة، وإن كان لزيادة أوقعه بعد السلام؛ لكمال الصلاة، وهذا ما أشار إليه الشافعي في كتاب "اختلافه مع مالك"، وهو المنقول عن مالك، والمزني-﵏-واختاره ابن المنذر.
فإذا قلنا به، وكان قدسها سهوين: أحدهما: زيادة، والآخر: نقصان.
قال في "التتمة": يسجد قبل السلام؛ لأنه صحيح بالاتفاق؛ فإن الذين ذهبوا إلى أنه بعد السلام في الزيادة قالوا بصحته قبله، وأما السجود بع السلام؛ فمختلف فيه؛ فإن الذين قالوا بأنه قبل السلام إذا سجد بعده لا يصح سجوده. وهذا فيه كلام يأتي.
قال: والأول أصح؛ لما ذكرناه، وسجوده-﵇-في قصة ذي اليدين بعد السلام؛ لأنه نسي السهو، ثم ذكره بعد السلام، فأتى به إذ ذاك، والزيادة نقص من حيث المعنى؛ كما في الأصبع الزائد، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون قبل السلام؛ كالنقص المحقق.
فإن قيل: قد روي [أنه] ﵇ [قال]: "لكل سهو سجدتان بعد السلام". وروي أن ابن مسعود سها في صلاته؛ فسجد سجدتي السهو بعد السلام، وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ . وهذان يقتضيان أن محله بعد السلام، زيادة كان أو نقصاناً؛ ولأن السلام من الصلاة؛ فوجب أن يكون سجوده للسهو بعده؛ كسائر أركان الصلاة.
стр. 1441
قيل: ما ذكره من الأخبار منسوخ؛ لقول الزهري: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ السجود قبل السلام. ولا يقول الزهري ذلك إلا عن سماع من الصحابة.
ويؤيده ما رواه ابن المنذر بإسناده: أنا أبا هريرة كان يأمر بسجدتي السهو قبل السلام، وهو راوي قصة ذي اليدين، وسائر أفعال الصلاة لايخرج بها منها؛ ولذلك قلنا: يأتي بالسجود بعدها، ولا كذلك السلام؛ فإنه يخرج به من الصلاة.
وقد حكى عن القديم قول آخر: أنه يتخير بين تقديمه على السلام وتأخيره عنه، زيادة كان السهو أو نقصاناً؛ لتقابل الأخبار.
وما ذكره الزهري فلا حجة فيه؛ لان الفعل لا يدل على نفي جواز الأول.
قال الروياني في "تلخيصه": وهذا أخذ من قول المزني: سمعت الشافعي يقول: إذا كانت سجدتا السهوبعد السلام تشهد لهما، وإن كانتا قبل السلام كفاه التشهد الأول.
وقال الطبري: إن أبا علي ذكر هذا في "الشرح" من تخريج الأصحاب، وأن الشافعي أشار إليه في القديم، ونقله المزني إلى "الجامع الكبير"، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أقوال، ثم هي في الجواز ... والاعتداد به، أو [في] الاستحباب؟ فيه وجهان في "النهاية":
أصحهما-عند بعضهم- الأول، وادعى الإمام، والرافعي: أنه المشهور بين الأصحاب، قال الإمام: وعليه التفريع.
والذي حكاه الماوردي: الثاني، وادعى أنه [لا] خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون، وهذه الطريقة حكاها ابن كج أيضاً، وحينئذ يكون التقديم أفضل في قول، والتأخير أفضل عند السهو بالزيادة دون النقصان.
والثالث: أن التقديم والتأخير في الفضل سواء، زيادة كان السهو، أو نقصاناً، كذا صرح به الإمام.
стр. 1442
وقد أفهم كلام الشيخ أنه على القولني لا يتشهد بعد السجود؛ إذ لو كان يشرع عنده لذكره، وما حكيناه عن رواية المزني سماعاً من الشافعي صريح في أنه إن كان نيل السلام لا يتشهد بعده، وإن كان بعد السلام تشهد، وقد حكى هذا النص أيضاً القاضي الحسين.
واتفق الأصحاب على العمل به [فيما] إذا كان السجود قبل السلام، بل ادعى الماوردي أنه لا خلاف فيه بين العلماء، وأما إذا كان السجود بعد السلام، فقد اختلف الأصحاب فيه:
فمنهم من عمل بظاهر النص فيه أيضاً، وقال: الشافعي قصد بذلك بيان حكمة المسألة. وهذا اختيار أبي زيد؛ كما قال الرويانين وقال الماوردي: إنه مذهب الشافعي، وجماعة الفقهاء.
فعلى هذا يتشهد بعد سجوده، ويسلم، سواء كنا ممن يرى سجود السهو بعد السلام، أو كان ممن لا يراه؛ فأخره قصداً.
وقيل: إنه يتشهد أولاً، ثم يسجد، ثميسلم؛ قاله ابن سريج، ويعزي إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
والحناطي أثبت هذا الخلاف قولين.
ومنهم من قال: إنما أجاب الشافعي بما ذكره؛ تفريعاً على قوله: إن السجود للزيادة بعد السلام.
قلت: وهذه الطريقة ادعى البندنيجي والروياني أنها المذهب؛ حيث قالا: كل موضع قلنا: إنه يسجد قبل السلام فأخره إلى ما بعده، عامداً، أو ساهياً-المذهب: أنه يسلم عقيبه، ولا يتشهد.
وقال ابن الصباغ: إن قائلها أبو علي صاحب "الإفصاح" وأبو غسحاق، وصححاها، وتنسب الأولى إلى صاحب "التلخيص".
ومنهم من قال: [إن] هذا من الشافعي تفريع على مذهب غيره، وإذا كان كذلك، فلا يتشهد لهما.
стр. 1443
والإمام اختصر هذا التطويل، وقال: إذا قلنا: إن سجود السهو بعد السلام، كان حكمه في السجود والتشهد، كحكمه في سجدة التلاوة خارج الصلاة، وقد تقدم.
وأنت إذا تأملت ما حكيناه عن البندنيجي وغيره، عرفت أنه تفريع على أن الخلاف في السجود قبل السلام أو بعده، في الاستحباب، لا في الاعتداد به.
أما إذا قلنا بالطريقة الأخرى، وأنه قبل السلام؛ فإذا أخره إلى ما بعد السلام قصداً، فقد فوته على نفسه؛ كما ستعرفه.
قال: فإن لم يسجد حتى سلم، ولم يطل الفصل، سجد؛ لما قدمناه من خبر ابن مسعود عند الكلام في زيادة الركوع سهواً.
قال: وإن طال، ففيه قولان؛ أصحهما: أنه لا يسجد؛ لأنه جبران للصلاة، وما اكن من أحكام الصلاة لا يصح فعله بعد تطاول الزمان؛ فسجود السهو أولى؛ ولأنه لا يجوز أن يقع بين أفعال الصلاة فصل طويل؛ فلا يجوز أن يتأخر الجبران عنها، وهذا كالتسليمة الثانية، فإنها، وإن كانت خارجة عن الصلاة؛ فالشرط ألا تتراخى عن التسليم الأول، وهذا ما نص عليه في الجديد، وهو أحد قوليه في القديم.
ومقابله-وهو الثاني في القديم-: أنه يسجد؛ لأنه جبران لنقص حصل في العبادة؛ فلا يؤثر فيه [طول] الزمان؛ كجبران الخلل الواقع في الإحرام؛ فعلى هذا. أي [وقت] فعله وقع موقعه.
وعلىلأول: فالمرجع في [طول] الصل وقصره إلى العرف.
وحكى البندنيجي والمحاملي وغيرهما قولاً آخر عن القديم: أنه لا يسجد بعد قيامه من المجلس، ويسجد إذا لم يقم، والجديد أن الرجوع إلى العرف؛ كام ذكرناه.
وقد حاول افمام ضبط العرف؛ فقال: إذا مضى زمان يغلب على الظن أنه أضرب عن السجود؛ قصداً، أو نسياناً؛ فهذا فصل طويل، وألا فليس ذلك بفصل طويل. ثم
стр. 1444
قال: هذا إذا لم يفارق المجلس؛ فإن فارقه، ثم تذكر على قرب من الزمان؛ فهذا محتمل عندي؛ لأن الزمان قريب، لكنا إن نظرنا إلى العرف فمفارقة المجلس تغلب على الظن الإضراب عن السجود؛ لطول الزمان، والذي قاله المحاملي تفريعٌ على أن المرجع إلى العرف أنه لا يضره مفارقة المسجد واستدبار القبلة.
قلت: ويشهد له قصة الخرباق.
وقد أضرب بعضهم عن الكلام هاهنا في بيان طول الفصل وقصره، وأحاله على الكلام في آخر باب فروض الصلاة وسننها من هذا الكتاب، ومستنده في ذلك أن القاضي الحسين لما حكى القولين عند [طول] الفصل وقصره كما ذكرناه قال: وهذان القولان كالقولين فيما [إذا] تذكر عبد السلام أنه ترك فرضاً من الصلاة هل يبني، أو يستأنف؟
[ومنهم من قال: القولان هاهنا، وثم يستأنف] قولاً واحداً.
والفرق: أن سجود السهو تتم الصلاة دونه؛ لأنه ليس بفرض، وإنما هو سنة، بخلاف الأركان.
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين:
أحدهما: أن ما ذكره من السجود عند قرب الزمان فالقولان عند طوله مفرعان على أن محله قبل السلام، وبذلك قيده الشارحون لكلامه، ولا يظهر للتقييد معنى؛ فإنا إذا قلنا: إن محله بعد السالم إذا كان السهو زيادة، ولم يطل الزمان -سجد في وقت السجود، وإن طال، ففيه القولان، صرح بهما البندنيجي، وغيره، والإمام حكاهما وجهين عن رواية الصيدلاني، تفريعاً عل الطريقة
стр. 1445
المشهورة بزعمه أن الخلاف في الاعتداد بالسجود، وقال: [إنا إذا] قلنا بفوات السجود تنزل منزلة سجود التلاوة إذا فات، وقد ذكرنا قولين في أنها هل تقضي، أم لا؟ فيجري القولان في سجود السهو لا محالة، وحينئذ يكون حاصل ما قيل في المسألة تفريعاً على هذه الطريقة ثلاثة أوجه، أو قولان [ووجه]:
أحدها: يأتي به عند طول الفصل أداء.
والثاني: يأتي به قضاء.
والثالث: لا يأتي به أصلاً.
الأمر الثاني: أنه لا فرق- فيما ذكره- بين أن يكون [عدم] سجوده قبل السلام عمداً أو سهواً، وهو كذلك إذا قلنا بأن الخلاف في أنه قبل السلام أو بعده عند الزيادة، في الاستحباب، لا في الاعتداد؛ كما هي طريقة الماوردي، وبه صرح، وكذا البندنيجي، وكلام البندنيجي والروياني وغيرهما السابق يعضده؛ كما أسلفنا التنبيه عليه. أما إذا قلنا: إن الخلاف في الاعتداد به؛ كما ادعى الإمام أنها الطريقة المشهورة، وأن عليها نفرع.
فإن قلنا: إن محله بعد السلام، فقد تقدم حكمه، ويعود الخلاف في أنه هل يتشهد، أو لا؟ وإذا قلنا: يتشهد؛ فهل قبل السجود، أو بعده؟ فيه الوجهان، وبهما صرح في "البيان" و"الزوائد" في هذه الحالة.
وإن قلنا: قبل السلام؛ فإن سلم عامداً، فقد فوت على نفسه السجود، وإن كان سلامه [قد] صدر، وهو ساه عن السهو؛ فهل يحكم بفوات السجود، أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن سجود السهو سنة، والسلام فرض قد جرى محللاً؛ فلا يعود إلى سنة قبله، وهذا ما مال إليه الإمام، والغزالي في "الفتاوي".
والصحيح: أنه يسجد، وبه قطع الجمهور، وعليه نص الشافعي؛ لأن النبي ﷺ [صلى خمساً وسلم] ثم عاد وسجد.
стр. 1446
وعلى هذا فهل يحكم بعوده للصلاة إذا سجد، مع طول الفصل، أو قصره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ بدليل أنه لا يجب عليه إعادة السلام والعود إلى الصلاة لو لم يرد السجود، وهذا أرجح عند البغوي.
ومقابله منسوب إلى أبي زيد، وهو الأصح عند القفال والإمام، وبه قطع الغزالي في "الفتاوى". وسلامه الأول- على هذا- موقوف: فإن عن له أن يسجد تبينا أنه لم يخرج [به] من الصلاة، وإن عن له ألا يسجد تبينا أنه وقع موقعه؛ هكذا أبداه الإمام احتمالاً لنفسه، بعد أن قال: إنه رأى في أدراج كلام الأئمة تردداً في أنه هل يعيد السلام؟
قلت: ومقتضى وجوب الإعادة أنه لو لم يتذكر إلا بعد طول الفصل أن تبطل، وقد استشعره من بعد. وقال: [الوجه] القطع في هذه الصورة بصحة التحلل.
ثم فائدة الخلاف تظهر فيما إذا أحدث بعد سجوده، وقبل سلامه ثانياً، أو كان يصلي الجمعة؛ فخرج الوقت قبل السلام، أو مسافراً؛ فوصل إلى وطنه أو نوى الإتمام قبل السلام.
فإن قلنا: إنه عاد إلى الصلاة، بطلت صلاته عند الحدث، وأتمها ظهراً فيما إذا خرج الوقت، وكذا الإتمام إذا كان قد نوى القصر، ونحو ذلك.
قال القاضي الحسين: وعلى الوجهين ينبني إعادة التشهد.
فإن قلنا: إنه عاد إلى الصلاة [لم يعده، وإلا أعاده.
وغيره قال: إن قلنا: إنه لا يعود إلى الصلاة]، فهل يتشهد، أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما: أنه لا يتشهد؛ كذا حكاهما الرافعي، وصاحب "الزوائد" عن رواية الطبري، وأنهما كالوجهين في سجود التلاوة خارج الصلاة، وهذا عين ما حكيناه عن الإمام من قبل.
قال الرافعي: وقد بنى الأصحاب على الوجهين في أنه هل يعود إلى الصلاة أم
стр. 1447
لا أنه هل يكبر للافتتاح، أم لا؟ إن قلنا: إنه يعود إلى الصلاة فلا، وإلا كبر.
وقضية كلام الإمام أن يأتي فيه الوجه الذي سبق في سجود التلاوة.
قال في "التهذيب": والصحيح أنه يسلم، سواء قلنا: يتشهد، أم لا.
ولا خلاف في أنه إذا سلم عامداً، وقلنا: إنه يسجد بعده؛ فسجد؛ لا يعود إلى الصلاة، صرح به الرافعي، والإمام، وفقهه ظاهر، وكلام الفوراني قد يوهم إجراء الخلاف فيه؛ لأنه قال: لو ترك السجود للسهو، وسلم ناسياً: إن لم يتطاول الزمان فإنه يتشهد، ويسجد استحباباً، وإن تطاول فهل يعود؟ فعلى قولين، ولو سلم عامداً، وترك سجود السهو؛ فهل يعود إلى السجود؟ فعلى وجهين: فإن قلنا: يعود على السجود؛ فهل يعود إلى حكم الصلاة حتى لو أحدث في هذه الحالة تبطل صلاته، أو لا؟ فعلى وجهين، وهل يتشهد مرة ثانية؟ إن قلنا: يعود إلى الأول، فلا يتشهد، وإن قلنا: لا يعود، يتشهد.
فإن قلت: كلام الفوراني هذا مصرح بأنه إذا سلم عامداً هل يسجد، أم لا؟ فيه وجهان، وهما محكيان في غيره- أيضاً- منسوبان إلى رواية الطبري، وقد جزمتم القول بأنه إذا سلم عامداً، فقد فوت السجود على نفسه.
قلنا: بل نحن قد حكينا الوجهين أيضاً، لكن بالترتيب والبناء، وذلك لا يخفى على متأمل. والله أعلم.
***
стр. 1448
باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها
وهي خمسة أوقات، إنما ذكر الشيخ الأوقات، ولم يقتصر على قوله: وهي خمسة؛ ليعرفك أنه ليس القصد بالساعات الساعات الفلكية، بل مجرد الزمن، ولو اقتصر على قوله: وهي خمسة، لابتدر الذهن إلى الساعات الفلكية؛ كما هو مذهبهم في قوله ﵇: "من راح في الساعة الأولى .. " الخبر المشهور.
قال: عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند الاستواء حتى تزول، وعند الاصفرار حتى تغرب، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر.
الأصل في الثلاثة: الأول ما روي عن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي [فيهن، أو نقبر فيهن] موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين تقوم قائمة الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب"، أخرجه مسلم.
ومعنى "تضيف"، أي: تميل، ومنه سمي الضيف: ضيفاً؛ لأن المضيف يميله إليه.
وقيد رمح، أي: قدر رمح، وهو بكسر القاف.
стр. 1449
والاستواء وقت وقوف الظل، قبل الانقلاب إلى جانب المشرق.
وفي "النهاية" حكاية وجه: أن وقت الكراهية يزول بطلوع قرص الشمس بكماله. والخبر الذي سنذكره يرد عليه، واتفقوا على أن ابتداءه من حين [بدو] بوادر الإشراق.
وهذه الثلاث ساعات الكراهة فيها متعلقة بالوقت من أجل ما اشتمل عليه، قال ﵇: "إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان؛ فإذا ارتفعت، فارقها؛ فإذا استوت، قارنها؛ فإذا زالت فارقها؛ فإذا دَنَتْ للغروب، قارنها؛ فإذا غربت، فارقها" رواه الشافعي- ﵀ بإسناده.
стр. 1450
وقرن الشيطان: جنده من الجن، الذين يصرفهم في أعماله، وينهضهم في مرضاته في هذه الأوقات.
وقيل: هم حزبه من الإنس الذين يعبدون الشمس، ويسجدون لها في هذه الأوقات، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [مريم: ٧٤]، وقال ﵇: "خيركم القرن الذي أنا فيه".
وقيل: إنه قرن الرأس، وأراد به [أن] الشيطان يضم قرنه إلى الشمس،
стр. 1451
ويلصق ناصيته [بها] في هذه الأوقات حتى إن: من عبد الشمس، وسجد لها، كان عابداً للشيطان ساجداً له.
وقد جاء في رواية أخرى: "قرني الشيطان" فعلى الأول والثاني يكون المراد الأولين والآخرين من أمته، وعلى الثاني يكون معناه: ناحيتي رأسه، وقد تضمن الخبر المذكور علة المنع.
وقيل: إن علة المنع في وقت الطلوع أن يكون قويّاً على صلاة الضحى، وفي وقت الغروب أن يقوى على قيام الليل، وفي وقت الاستواء القائلة والاستراحة.
قال: وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر؛ لقوله ﵇: "لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس" أخرجه البخاري ومسلم.
وقد روى مسلم حديثاً جامعاً للأوقات الخمسة عن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: "صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل؛ فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة؛ فإن حينئذ تسجر جهنم؛ فإذا أقبل الفيء فصل؛ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار".
стр. 1452
قال الفقهاء: والنهي في الوقتين الأخيرين متعلق بفعل الصبح والعصر، إن قدمه اتسع وقت الكراهة، وإن أخره تضيق، ولا يكره قبل فعلهما.
وقيل: يكره التنفل بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح بما عدا ركعتي الفجر، حكاه القاضي أبو الطيب، وغيره وجهاً عن الأصحاب.
وقال الروياني في تلخيصه: إنه ليس بشيء.
وادعى ابن الصباغ أنه ظاهر كلام الشافعي، ولم يذكر كلامه، لكنه قال عند الكلام في سجود التلاوة: إن الشافعي قال: يجوز له السجود إذا تلا السجدة بعد صلاة الفجر، وعند الزوال، وبعد العصر، وبعد طلوع الفجر.
قال تبعاً للقاضي أبي الطيب: وهذا يدل على أن الصلاة من غير سبب في هذه الأوقات تكره، وهذا الوجه لم يحك المتولي غيره، وهو المختار في "المرشد".
وقال الترمذي: إنه مما أجمع أهل العلم عليه؛ لرواية ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين" قال: وهو غريب.
стр. 1453
وعلى هذا تكون الأوقات التي تتعلق الكراهة [فيها] بالفعل أيضاً [ثلاثة].
وحكى الرافعي وجهاً آخر: أنها [تكره بعد ركعتي الفجر، ولا تكره بعد الفجر، وقبل ركعتي الفجر.
وعلى هذا] تكون الكراهة المتعلقة بالفعل ثلاثة أيضاً، والذي حكاه الشيخ هو ما أورده الماوردي.
ثم النهي عن ذلك نهي تحريم؛ قاله ابن يونس، وعليه ينطبق قول القاضي الحسين: إنه لو صلى في الوقت المكروه، وحكمنا بصحة الصلاة- فلا يصير ذلك سبباً متجهاً له فيما بعد في ذلك الوقت؛ لأن الأول معصية، وفعل المعصية لا يجلب الطاعة.
وادعى الروياني في "تلخيصه" انعقاد الإجماع على عدم تحريم فعل الصلاة
стр. 1454
في ذلك الوقت؛ وبذلك يحصل في التحريم وجهان أشار إليهما الإمام؛ حيث قال هو وغيره: لو صلى فيها؟ فهل تنعقد، أو لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كصوم يوم العيد، وهو الأصح.
والثاني: تنعقد؛ كالصلاة في الحمام؛ فإنه لا خلاف في انعقادها.
قال الإمام: وهذا القائل النهي عنده كراهة في الباب.
وكلام غيره يقتضي أن الخلاف في الصحة مع القول بالتحريم؛ لأنهم فرقوا على قول الصحة بين ذلك وبين صوم يوم العيد؛ بأن الأوقات المكروهة قابلة للفعل؛ فإنه يجوز فيها فعل ما له سبب، وقد استقصيت الكلام في ذلك في باب صلاة العيد.
ولو نذر الصلاة فيها، ففيه خلاف ذكرته في باب النذر.
قال: ولا يكره فيها ما لها سبب؛ أي: من الصلوات؛ كصلاة الجنازة؛ لقوله ﵇: "يا علي ثلاثة لا تؤخرها .. " وعد منها: "الجنازة إذا حضرت".
قال ابن المنذر- ﵀: والإجماع منعقد على جوازها بعد الصبح،
стр. 1455
وبعد العصر؛ فنقيس باقي الأوقات عليهما.
فإن قيل: خبر عقبة بن عامر يدل على الكراهة فيها؛ لأنه نهى عن الدفن فيها، وهو عقيب الصلاة.
قلنا: الخبر محمول على توخي الدفن في هذه الأوقات على أنه لا يلزم من الدفن في الوقت المكروه الصلاة فيه.
قال: وسجود التلاوة؛ لأنه يفوت بالتأخير؛ فهو أولى من صلاة الجنازة.
قال: وقضاء الفائتة؛ لما روي أنه ﵇ رأى قيس بن فهد يلي ركعتين بعد الصبح؛ فقال: "ما هاتان الركعتان يا قيس؟ " فقال: ركعتا الفجر لم أكن صليتهما؛ فسكت، ولم ينكر عليه.
وقوله ﵇: "من نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها" يدل عليه.
وروي أنه ﵇ صلى ركعتين بعد العصر؛ فسئل عن ذلك؛ فقال: "أتاني ناس من عبد القيس بإسلام قومهم؛ فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر؛
стр. 1456
فهما هاتان" أخرجه البخاري ومسلم بمعناه، ولما قضاهما ﵇ بعد العصر داوم عليهما، وهل يجوز مثل ذلك لواحد منا حتى إذا قضى فائتة في الوقت المكروه يصلي مثلها في ذلك الوقت من غير سبب؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ اقتداء به.
والثاني: لا. قال البغوي: وهو الأصح؛ لأن ذلك ليس بسبب، وأما النبي ﷺ فكان التزم أنه إذا فعل شيئاً داوم عليه، وغيره ما التزم ذلك.
وصلاة الكسوف ملحقة بصلاة الجنازة، بل هي أولى؛ فإنها معرضة للفوات.
والصلاة المنذورة ملحقة بسجود التلاوة؛ وكذا تحية المسجد؛ لأنه منشأ السبب في الكل؛ فلا يكره، اللهم إلا أن يكون دخوله؛ لأجل الصلاة، فإن في الكراهة في حقه وجهين حكاهما العراقيون والقاضي الحسين، وجزم الإمام بعدم الكراهة، وقاسه على ما إذا قصد تأخير قضاء الفائتة إلى ذلك الوقت؛ فإنه لا يكره، وهذا فيه نظر؛ لأن المتولي قال: إن الصلوات التي لها أسباب إنما لا يكره إقامتها في هذه الأوقات إذا اتفقت فيها؛ فلو قصد تأخيرها؛ ليفعلها في هذه الأوقات كره.
ومنهم من حكى الوجهين على الإطلاق عند الدخول، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: إن دخل ليصلي التحية لا غير، كره، وإلا فلا.
والمنع المطلق منها منسوب في "تلخيص" الروياني إلى البصريين من أصحابنا، والصيدلاني نسبه إلى أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا، موجهاً له بأن التحية ليست مقصودة في نفسها؛ فإن قضاء الفائتة يقوم مقامها.
والوجهان جاريان فيما إذا توضأ في هذه الأوقات ليصلي ركعتي شكر.
وقد أفهم كلام الشيخ أن ركعتي الإحرام في هذه الأوقات مكروهة؛ لأنه لما حكم بكراهة الصلاة فيها، ثم قال: "ولا يكره فيها [ما] لها سبب؛ كصلاة
стр. 1457
الجنازة .. " إلى آخره- فقوله: كصلاة الجنازة وكذا، [يقتضي] اختصاص السبب بما هو مثل ذلك، وكل ما ذكره سببه متقدم عليه، وركعتا الإحرام سببهما متأخر عنهما، [وهو الإحرام؛ فلم يكن داخلاً في قوله، وهذا ما ادعى الإمام اتفاق الطرق عليه؛ لأن سببهما متأخر عنهما]، وحصوله غيب؛ فلا يجوز الإقدام عليهما؛ ليوقع السبب، فلا تلتحقان بما تقدم سببه.
وقال الروياني: إن من أصحابنا من حكى عن الشافعي أنه قال في كتاب الحج: إنه يجوز ذلك؛ لأنها صلاة لها سبب. وهذا ما أورده البندنيجي في كتاب الحج، وقد ورد في الخبر ما يدل عليه لو صح.
قال الروياني: وهو غلط ظاهر لا يصح عن الشافعي، وقد أشار البغوي إلى هذا الوجه بقوله: لا يجوز على الأصح.
وصلاة الاستخارة ملحقة فيما نحن فيه بركعتي الإحرام؛ كما صرح به الإمام.
فإن قلت: إن راعيت ما ذكره الشيخ من التمثيل؛ فينبغي أن تقول بكراهة صلاة الاستسقاء والعيدين في الأوقات المكروهة؛ لأن سببهما غير متقدم عليهما، بل مقارن لهما.
قلت: أما صلاة العيد، فعند الشيخ أن وقتها يدخل بعد زوال وقت الكراهة؛ كما [ستعرفه؛ فلا] يجوز فعلها قبله عنده بحال. ولو قلت: إن وقتها يدخل بطلوع الشمس؛ كما صار إليه جماعة؛ فهي كصلاة الاستسقاء، وحينئذ فلي أن أقول بالكراهة فيهما، وهو ما جزم به ابن الصباغ في باب صلاة الكسوف؛ [موجهاً ذلك بأنهما لا يختصان بالوقت المنهي عنه، وخالفتا صلاة الكسوف]؛ لأنه يخاف انجلاؤها، لكنه قال ها هنا: إن صلاة العيد لا تكره في الوقت المكروه؛ كصلاة الكسوف، وبه جزم البندنيجي والروياني.
وقضية ذلك: أن يطرد في صلاة الاستقساء، وبه صرح الماوردي فيهما، وكذلك القاضي أبو الطيب في "تعليقه" هاهنا، وحينئذ يكون في كراهة صلاة الاستسقاء، والعيد إن قلنا بدخول وقته بطلوع الشمس في الأوقات المكروهة- وجهان، وقد حكاهما الإمام في صلاة الاستسقاء؛ موجهاً قول من قال بالكراهة- وهو ما
стр. 1458
ذكره القاضي الحسين- بأن وقتها لا يفوت. قال: والأكثرون على جوازها، [ويَرِدُ على [من] منع، قضاء الفوائت؛ فإن وقتها متسع، ولم يمنع ذلك جوازها] في هذه الأوقات.
قال: ولا يكره شيء من الصلوات في هذه الساعات بمكة؛ لما روى جبير بن مطعم أنه ﵇ قال: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحداً يطوف بهذا البيت، ويصلي أي ساعة [شاء] من ليل أو نهار" أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقوله ﵇: "لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس إلا بمكة. قاله ثلاثاً" رواه الدارقطني، عن أبي ذر.
стр. 1459
قال الماوردي: وهذا ما اختاره أبو إسحاق وجمهور أصحابنا، وهو الأصح. ووافقه الروياني على ترجيحه.
وقيل: إنها تكره؛ لعموم الأخبار السالفة، والصلاة المذكورة في هذا الخبر المراد بها ركعتا الطواف، وهذا ما نسبه الماوردي إلى أبي بكر الشاشي، وهو القفال الكبير.
وقال الروياني: إنه اختيار ابن سريج.
قال الإمام: وهذا بعيد؛ لأن الطواف سببهما فلا حاجة إلى أن تخصص بالاستثناء، ثم الطواف بالبيت صلاة، ولو كرهت الصلاة بها، لكره.
ثم كلام الشيخ يصرح بأن مسجد مكة وبيوتها فيما ذكره على السواء، وهو المذكور في "الشامل" وغيره نصاً.
стр. 1460
وفي "التتمة" و"الحاوي" وجه: أنه يختص بمسجدها؛ لحديث جبير بن مطعم، وحديث أبي ذر.
قال الدارقطني في رواية عبد الله الموصلي: وهو ضعيف.
قال الماوردي: والخلاف في سائر الحرم كالخلاف في بيوت مكة.
وعلى هذا يكون الشيخ قد عبر بمكة عن كل الحرم؛ كما فعله مرة أخرى؛ حيث قال: "أو يدخل مكة لحاجة"، كما ستعرفه في الحج، وهو في ذلك متبع لابن عباس؛ فإنه قال: "لا يدخل أحد مكة إلا محرماً".
قال: ولا عند الاستواء يوم الجمعة؛ لما روى أبو سعيد الخدري "أنه ﵇ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة" رواه أبو داود.
وظاهر كلام الشيخ هذا يفهم أمرين:
стр. 1461
أحدهما: أن ذلك لا يختص بمن حضر الجمعة؛ [كما هو ظاهر الخبر، وهو وجه للأصحاب، ادعى في "التهذيب" و"الكافي" أنه الأصح.
وقيل: إنه يختص بمن حضر الجمعة]؛ لطرد النعاس.
قال البندنيجي: وهو الأقيس.
وقال أبو الطيب: إنه الأصح.
وقال ابن الصباغ: إنه المذهب.
وقيل: يختص بمن غلبه النعاس؛ فيصلي ركعتين يدفع بهما النعاس، حكاه في "الوسيط"، وتبعه ابن يونس، ولم أره في غيرهما.
وهل يكون حكم ركعتي الإحرام في وقت الاستواء يوم الجمعة، كغيرها؟ فيه وجهان في "الزوائد" عن المسعودي؛ لأن سببهما بعد يوم الجمعة.
الثاني: أن باقي الأوقات فيه، كهي في غيره، وهو المذهب.
وقال أبو علي في "الإفصاح": يحتمل أن يستثني جميع النهار؛ لأنه روي أن النار تسجر في هذه الأوقات [إلا] في يوم الجمعة.
ومنهم من وجهه بأن فيه ساعة الإجابة؛ فرخص في الصلاة فيها؛ لطلبها.
واعلم أن في "الحاوي" شيئاً قد يستنكر؛ فلذلك أخرته إلى آخر الباب، وهو أن صلاة الجمعة لا يكره فعلها في الأوقات المكروهة.
ووجه استنكاره: أنها لا تقضي، ووقتها يدخل بعد الزوال، ويخرج بدخول وقت العصر، وذلك ليس من أوقات الكراهة.
وجوابه: أن وقت أدائها قد يكون في وقت الكراهة، وذلك يفرض فيما إذا جوزنا الجمع بعذر المطر في وقت الثانية؛ فيصلي العصر، ثم الجمعة بعدها؛ فإنها لا تكره، وإن كانت بعد فعل العصر، والله أعلم.
стр. 1462
باب صلاة الجماعة
الأصل في مشروعية الجماعة في الصلوات الخمس- قبل الإجماع- من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢] فأمر بالجماعة في حال الخوف والشدة؛ ففي غيرها أولى.
ومن السنة ما سنذكره من الأخبار، وقد كان النبي ﷺ مدة مقامه بمكة ثلاث عشرة سنة، لا يصلي جماعة؛ لأن أصحابه كانوا مقهورين متفرقين، فلما هاجر إلى المدينة، أقام الجماعة، وواظب عليها.
قال: والجماعة سنة في الصلوات الخمس؛ لما روى أبو هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة" [أخرجه مسلم].
стр. 1463
وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" أخرجه البخاري، ومسلم.
ووجه الدلالة منهما على السنة أن لفظة "أفضل" موضوعة فيما لأحدهما مزية فيما شاركه فيه، وسأذكر من الأخبار في الباب ما يدل عليه أيضاً.
ولأن الجماعة فضيلة في الصلاة لا تبطل بتركها؛ [فلم] تكن واجبة فيها؛ كالتكبيرات والتسبيحات.
وهذا ما حكاه أبو علي في "الإفصاح" عن بعض الأصحاب؛ كما حكاه أبو الطيب.
وقال الماوردي: إن به قال ابن أبي هريرة، وسائر أصحابنا، واختاره الغزالي، والبغوي.
стр. 1464
قال: وقيل: هي فرض على الكفاية؛ للآية؛ [فإنه أمره] بالجماعة في حال الخوف؛ ففي حال الأمن أولى، والأمر للوجوب.
وعن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ : [يقول:] "ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا [قد استحوذ] عليهم الشيطان؛ فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية" أخرجه أبو داود، [والنسائي].
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " [لقد] هممت أن آمر [ناساً أن يجمعوا] حزماً من حطب، ثم آتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فأحرقها عليهم" قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف، الجمعة عني، أو غيرها؟ قال: [صمّتا] أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يرويه عن النبي ﷺ ما ذكر جمعة، ولا غيرها. أخرجه مسلم، والترمذي مختصراً.
والأخبار والآثار [الدالة] على ذلك كثير، ولا جرم صار إليه ابن سريج، وأبو إسحاق.
قال الماوردي وجماعة من أصحابنا، وهم الأكثرون؛ كما قال ابن الصباغ، كقول الشافعي- ﵁ في "المختصر" ها هنا: "ولا أرخص لمن قدر
стр. 1465
على صلاة [الجماعة] في ترك إتيانها إلا من عذر، وإن جمع في بيته، أو مسجد وإن صغر أجزأ عنه".
قال القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب"، وغيرهم: قد نص عليه الشافعي- أيضاً- في كتاب الإمامة.
والقائلون به يحملون الأدلة السالفة على ما إذا كان ثم عذر من مرض أو نحوه، أو على صلاة النافلة.
стр. 1466
[وعلى هذا] قال [الشيخ]: فإن اتفق أهل بلد على تركها من غير عذر، قوتلوا؛ لأن هذا شأن فروض الكفايات [وعلى هذا] إذا عطله من توجه عليه قوتل؛ لأنه آثم، والمقاتل لهم هو الإمام، أو نائبه دون آحاد الرعية.
أما إذا قلنا بالأول، فقد أطلق البندنيجي والماوردي وابن الصباغ وغيرهم القول بأنهم لا يأثمون، ولا يقاتلون، [وقد] تركوا خيراً كثيراً، وأجراً عظيماً.
وفي "الرافعي" حكاية وجهين في المقاتلة؛ كما سيأتي مثلهما في العيد؛ إذا قلنا: إنه سنة.
واعلم أن ما ذكرناه في حكاية لفظ الشيخ هو الموجود في أكثر النسخ، وقال النواوي: إن الذي ضبطناه عن نسخة المصنف: "وقيل: هي فرض على الكفاية؛ إن اتفق أهل بلد على تركها من غير عذر، قوتلوا"؛ بحذف الفاء، والحكم لا يختلف.
وفي "تعليق" القاضي الحسين، والتتمة: أن أبا سليمان الخطابي خرج قولاً للشافعي: أنها فرض عين من كلام له في الكبير، وذلك أنه تلا آيتين: إحداهما: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً﴾ [المائدة: ٥٨]، والثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾ الآية [الجمعة: ١١]، ثم قال: ويحتمل أن اله قصد به الرد على المنافقين، وزجرهم عما هم عليه. ويحتمل أن [الذي] قصد [به] التحذير لمن ترك الجماعة، وهذا القول قد اختاره أبو ثور، وابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة من أصحابنا؛ كما قال الرافعي، والصحيح أنه ليس في المسألة إلا ما ذكره الشيخ، بل ادعى الماوردي أنه لا يختلف مذهب الشافعي وسائر أصحابه: أنها ليست فرضاً على الأعيان؛ إذ لو كان كذلك، لكانت شرطاً كالجمعة.
стр. 1467
ثم هذا الخلاف إذا فعلت الخمس في وقتها؛ فإن فعلت قضاء خارج الوقت، فلا يتأتى القول بأنها فرض عين، ولا كفاية، بل الجماعة فيها سنة قولاً واحداً؛ لأن في الصحيح أن رسول الله ﷺ صلى بأصحابه [الصبح] جماعة حين فاتتهم الصلاة في الوادي.
وما أطلقه الرافعي فيما إذا أقيمت الصلاة، وهو في قضاء فائتة، لا يقتصر على ركعتين من أن الفائتة لا تشرع فيها الجماعة محمول على أنه لا يصليها في جماعة خلف من يصلي أداء؛ لأن صلاة الفائتة عندنا لا تستحب خلف من يصلي أداء؛ كما قاله المتولي وغيره للخروج من خلال العلماء في صحة ذلك.
واحترز الشيخ بقوله: "في الصلوات الخمس" عن المنذورة؛ فإن ما ذكره لا يجري فيها، صرح به الرافعي في أثناء باب الأذان، وغيره هنا، وعلته ظاهرة؛ فإنه لا شعار يظهر في إقامتها؛ بخلاف الخمس.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أموراً:
أحده: أن بعض أهل البلد لو أقاموا الجماعة [فيه]، لم يقاتلوا، وحصل تأدية الفرض، وهو ما يفهمه كلام الصيدلاني أيضاً؛ فإن الإمام حكى عنه أنه قال: إذا فعله قوم، سقط الفرض عن الباقين، ولاشك في ذلك إذا ظهر به الشعار، وذلك يختلف باختلاف البلاد؛ فإن كان البلد صغيراً، كفى أن يظهر في موضع واحد، وإن كان كبيراً، قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي والفوراني: وجب إقامتها في كل محلة منه، فلو تعطلت محلة، كان كتعطل البلد.
وعبارة الماوردي- فيما إذا كان البلد واسعاً-: لا تسقط بإقامتها في مسجد واحد؛ لعدم ظهورها وانتشارها حتى تقام في عدة مساجد تظهر بها
стр. 1468
الجماعة وتنتشر؛ فيسقط الفرض عن الباقين، ويجوز أن يصلوا منفردين.
والمحكي عن الشيخ أبي حامد [أنه قال:] حد الظهور [فيها] إن كانت قرية [فيها] عشرون، أو ثلاثون رجلاً- أن تقام في مسجد واحد، وإن كانت قرية عظيمة؛ فبأن تقام في كل طرف منها، وإن كانت مثل بغداد فبأن تقام في كل محلة منها.
وكلام الإمام قريب من كلام الماوردي، وعطف عليه [أنه] لا يضر مع ظهور الشعائر تخلف معظم أهل البلد [عن] إقامتها؛ كما في الصلاة على الموتى، نعم لو كان [يحضر في كل مسجد] اثنان أو ثلاثة؛ بحيث [لا يبدون للمارِّين]؛ فلا يحصل ظهور الشعائر بهذا. ثم قال: ولا يبعد أن [يقال: لا] يعتبر في القرى الصغيرة من البلاد إظهارها [إذا استقلت البلد بإظهارها]؛ ولهذا اختصت الجمعة بالبلاد والقرى [الكبيرة].
قلت: وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن خبر أبي ذر الذي هو دليل على هذا القول يرد عليه.
الثاني: أن إظهارها في القرى التي لا تقام بها الجمعة أولى؛ كي لا تتعطل عن إظهار شعار فيها، وهل يكفي إقامتها في البيوت؟
الأظهر- كما حكاه الروياني في "تلخيصه" عن بعض الأصحاب-: أنه يكفي؛ لأن الشافعي- ﵁ قال: "وإن جمع في بيته أجزأه"، وهذا ما حكاه القاضي الحسين.
وقال أبو إسحاق- كما حكاه البندنيجي وغيره عنه-: لا يكفي؛ إذا اتفقوا على ذلك، وألا يخرجوا إلى المساجد؛ فلا يسقط الفرض عنهم. وظاهر هذا أنه لا فرق [فيه] بين أن يشتهر بذلك الشعار أو لا، لكن القاضي أبو الطيب حكى [وجهاً] عنه: أنه قال: [إن] هذا إذا كانت المحلة [التي] صليت
стр. 1469
فيها الجماعة في البيوت، والأسواق، [غير ظاهرة، فإن كانت ظاهرة كفى في تحصيل السنة وإسقاط الواجب]. وهذا قريب مما حكاه ابن الصباغ، وإليه يرشد قول الماوردي: إذا كان البلد واسعاً لا يكتفي بإقامتها في المنازل والبيوت؛ لعدم ظهورها وانتشارها.
وحكى الروياني في "تلخيصه" وجهاً آخر: أنه لا يكفي في إسقاط فرضها إقامتها في البيوت، وقال: إنه الأصح.
وبالجملة فصلاة الفرض في المسجد جماعة أفضل منها في البيت؛ لقوله ﵇: "خير صلاة [المرء] في بيته إلا المكتوبة".
نعم لو كان إذا صلى في بيته صلى في جماعة، وإذا صلى في المسجد صلى وحده، كانت صلاته في بيته في الجماعة أولى؛ قاله الأصحاب عند الكلام في القرب من البيت في الطواف في كتاب الحج.
ولو كانت الجماعة في بيته أكثر من الجماعة في المسجد، قال في "الحاوي": الجماعة اليسيرة في المسجد أفضل منها في المنزل.
وقال القاضي أبو الطيب: الصلاة مع الجماعة الكبيرة في بيته أفضل؛ كما حكاه في كتاب الاعتكاف.
وأفضل الصلاة في المساجد [الثلاثة:] الصلاة في المسجد الحرام، ثم بعده مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى؛ قاله في "التتمة".
[وآكد الصلوات في الجماعة الصبح والعشاء، قال في "التتمة"]: وآكدهما صلاة الصبح؛ قاله في الروضة، وهو في يوم الجمعة آكد منه في غيره؛ لورود الأخبار الصحاح في ذلك.
الأمر الثاني: أن أهل البوادي إذا اتفقوا على تركها، لا يقاتلون، وأبدى الإمام
стр. 1470
فيهم لنفسه احتمالين، الذي جزم به في "الكافي" منهما: أنهم كأهل القرى؛ لأنه قال: لو امتنع أهل البادية أو [قرية أو] محلة، أو قبيلة على تركها؛ قوتلوا. وهذا [ما] يدل عليه خبر أبي ذر.
والمسافرون لا يتعرضون لهذا الفرض بلا شك، [كما] قاله الإمام.
وهذا الحكم فيما إذا قل عدد الساكنين في البلد؛ فإنهم وإن أظهروا الجماعة فلا يحصل بهم ظهور الشعار؛ لأن الإنسان في نفسه بصلاته لا يتعرض لهذا الفرض، وإنما المرعي فيه أمر كلي عائد إلى شعائر الإسلام.
الثالث: اختصاص ما ذكره من أن الجماعة سنة أو فرض كفاية بالرجال، أو فرض الكفاية الذي هو [من] الشعائر إنما يخاطب به الرجال، وهذا ما ذكره القاضي الحسين في باب [إمامة النساء]؛ حيث قال: إقامة الجماعة لا تشرع للنساء؛ حيث تشرع للرجال؛ فإنها فرض كفاية على الرجال، أو سنة مؤكدة، ليست بفريضة، ولا سنة على النساء؛ كما أن النساء لا يسن لهن الأذان، ولا يشرع لهن الإقامة.
وقال غيره: لا خلاف عندنا أنها [لا] تكون فرضاً بالنسبة إليهن، وهي مستحبة لهن في بيوتهن؛ لأنه ﵇ أمر [أم] ورقة بنت نوفل أن تتخذ لها مؤذناً، وأن صلي في دارها، كما خرجه أبو داود، والترمذي.
стр. 1471
وقد روى عن عائشة- ﵂ وأم سلمة أنهما أمتا نسوة، ووقفتا وسطهن.
قال الإمام في باب اختلاف نية الإمام والمأموم: فإن قيل: هلا قدمتم استحباب الجماعة فيما قدمتموه في باب الأذان في الاختلاف في أذانهن [وإقامتهن؟].
قلنا: في الأذان إظهار وترك للستر، وليس في إقامة الجماعة ذلك؛ فلو خفضت المرأة صوتها- أي: في الأذان- كان [تركا لمقصوده].
قلت: هذا فرق بين الأذان والصلاة جماعة، وبه يحصل الفرق بين الجماعة والإقامة؛ لأن السنة أن يقيم المؤذن.
ثم فضيلة جماعة النساء هل تساوي فضيلة جماعة الرجال، أو هي دونها؟
قال الماوردي: في باب إمامة النساء، ومن تبعه: فيه وجهان، أظهرهما: الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
والذي أورده أبو الطيب مقابله.
قلت: ويمكن أخذ الوجهين من أنها فرض كفاية أو سنة:
فإن قلنا: إنها فرض كفاية، رجحت جماعة الرجال على جماعة النساء؛ لأنها تسقط فرضاً في الجملة.
وإن قلنا: إنها سنة، فيجوز أن يقال بالاستواء، ويجوز أن يقال بالترجيح أيضاً.
وأما حضورهن المساجد، فالشواب المستحب لهن ترك ذلك، والستر، ولزوم
стр. 1472
البيت لهن؛ لقوله ﵇: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" أخرجه أبو داود.
وحجرتها: صحن بيتها.
والمخدع: بضم الميم وكسرها: البيت [الذي] في جوف البيت تخبئ المرأة فيه ثيابها.
ولو خالفن، وحضرن المسجد، كره لهن، وصح اقتداؤهن بالإمام، سواء نوى الإمام بهن أو لا.
والعجائز لا يكره لهن الخروج لذلك؛ لقوله ﵇: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وبالحالين يحصل الجمع بين الخبرين.
وقد روي أنه- ﵇ كره للنساء الخروج إلى الجماعة إلا أن تكون عجوزاً في منقلها، والمنقل: الخف.
وقيل: المندل، وهوب كسر الميم، قاله الهروي وقال في "الصحاح": إنه
стр. 1473
بفتحها، والوجه الكسر، لولا أنها وردت في الحديث.
وأشار النبي ﷺ بذلك إلى [أنها في] خروجها تكون مبتذلة، وأنها لو تشبهت بالشواب كره لها ذلك [بلا خلاف].
ثم حيث نفينا الكراهة قال الإمام: والذي رأيته للأئمة أنه لا يترجح خروجها على لزومها بيتها؛ فإنه يتعارض في حقها رعاية الستر، وإقامة الجماعة مع الرجال؛ فيخرج على تعارض الأمرين نفي الكراهة في الحضور، واستواء الأمرين.
قال: وأقل الجماعة، [أي]: التي تحصل بها السنة، وسقوط الفرض اثنان: إمام، ومأموم؛ لقوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" [رواه ابن ماجة] وروى أبو موسى الأشعري قال: جاء رجل، وقد صلى رسول الله ﷺ فقال: "أيكم يتجر على هذا؟ "؛ فقام رجل فصلى معه.
стр. 1474
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
ولا فرق في ذلك بين أن يصلي الشخص مع زوجته، أو ولده، أو رقيقه، نص عليه في "الأم".
وفي "الزوائد" [للعمراني] أن صاحب "الفروع" ذكر أن أقل الجماعة [في الصلاة] ثلاثة يؤمهم أحدهم؛ فأما اثنان يؤم أحدهما صاحبه، فقد توقف الشافعي فيه في موضع، وقطع في آخر بأنه جماعة.
وقد حكاه الروياني في "تلخيصه" عن بعض الأصحاب، وقال: إنه غلط.
فإن قيل: المشهور من مذهب الشافعي أن أقل الجماعة ثلاثة؛ فما الفرق على هذا؟
قيل: الفرق أن الحكم [على الاثنين] بالجماعة حكم شرعي، مأخذه التوقيف الشرعي، وأقل الجمع بحث لغوي [مأخذه اللسان].
قال: ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم الائتمام؛ لأن التبعية عمل؛ فافتقر إلى النية؛ لعوم قوله ﵇: "لا عمل إلا بنية".
ويكفيه أن يقتدي بالمتقدم من القوم، وإن لم يعرف عينه.
قال الإمام: وهو الأولى؛ فلو عين شخصاً، وكان الإمام غيره، نظرت:
فإن لم يوجد مع التعيين إشارة؛ مثل: أن نوى الصلاة خلف زيد؛ فإذا هو عمرو- لم تصح بلا خلاف، واستبعد الإمام تصوير ذلك من غير ربط بمن في المحراب، وقال: إنه في غاية العسر، أو يعلم [أنه]؛ يعني: من حضر، ومن [سيركع بركوعه ويسجد بسجوده؛].
وإن وجد مع [ذلك] التعيين إشارة؛ مثل: أن نوى الاقتداء بزيد هذا؛ فإذا هو عمرو- فالمنقول عدم الصحة أيضاً.
[و] قال الإمام: يتجه أن يتخرج فيه وجه آخر: أنه يصح؛ نظراً إلى
стр. 1475
الإشارة؛ كما إذا قال: بعتك هذه الشاة؛ [فإذا هي] رمكة؛ فإنه يصح على وجه؛ ولأجل ذلك أثبت الغزالي في المسألة وجهين.
وهذه المسألة من المسائل التي [لا] يشترط فيها التعيين، بل أصل الشيء، وإذا عين، و [أخطأ، ضر] ومثله: ما إذا نوى التكفير عن الظهار، وكان عليه كفارة يمين، أو الصلاة على زيد؛ فإذا هو عمرو، أو الزكاة عن ماله الغائب، وكان تالفاً- لا يجزئه، ولو أطلق لأجزأه.
ويقوم مقام نية الائتمام نية الصلاة في جماعة، أو مأموماً؛ كما قاله مجلي.
وقد أفهم من كلام الشيخ أمرين:
أحدهما: صحة صلاة المأموم وإن لم ينو الائتمام، بل تابعه في الأفعال من غير نية؛ إذ لو كان عنده أنه لا يصح- لكان بالبيان أولى.
والذي جزم [به] الغزالي، و [أبو نصر] المقدسي [في "تهذيبه"]: البطلان، وحكى القاضي الحسين، والمتولي في باب النية للصلاة وجهين في البطلان.
قال الطبري في "عدته": وهما مذكوران في طريقة العراق؛ وطريقة القفال، والخراسانيين من أصحابنا: البطلان.
وقال في "الذخائر": إن هذا يحتاج إلى تفصيل؛ فيقال: إن تابعه في الأفعال، وأخل بشيء [من ترتيب صلاته الواجب عليه؛ لأجل المتابعة- بطلت، وإن أخل بسنة، أو لم يخل بشيء] [من ذلك؛] فإن انتظر في القيام، أو السجود، أو الركوع، مع ترك اشتغاله بالذكر؛ فينبغي أن يكون [على] القولين في السكوت الطويل، وأولى بالبطلان؛ لانتفاء الإخلاص، وإن انتظره مع الاشتغال بالأذكار؛ فقد أشرك في عبادته؛ فينبني على انتظار الإمام في الركوع إذا أحس بداخل.
следующие страницы →