← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقد روى عن عائشة- ﵂ وأم سلمة أنهما أمتا نسوة، ووقفتا وسطهن. قال الإمام في باب اختلاف نية الإمام والمأموم: فإن قيل: هلا قدمتم استحباب الجماعة فيما قدمتموه في باب الأذان في الاختلاف في أذانهن [وإقامتهن؟]. قلنا: في الأذان إظهار وترك للستر، وليس في إقامة الجماعة ذلك؛ فلو خفضت المرأة صوتها- أي: في الأذان- كان [تركا لمقصوده]. قلت: هذا فرق بين الأذان والصلاة جماعة، وبه يحصل الفرق بين الجماعة والإقامة؛ لأن السنة أن يقيم المؤذن. ثم فضيلة جماعة النساء هل تساوي فضيلة جماعة الرجال، أو هي دونها؟ قال الماوردي: في باب إمامة النساء، ومن تبعه: فيه وجهان، أظهرهما: الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. والذي أورده أبو الطيب مقابله. قلت: ويمكن أخذ الوجهين من أنها فرض كفاية أو سنة: فإن قلنا: إنها فرض كفاية، رجحت جماعة الرجال على جماعة النساء؛ لأنها تسقط فرضاً في الجملة. وإن قلنا: إنها سنة، فيجوز أن يقال بالاستواء، ويجوز أن يقال بالترجيح أيضاً. وأما حضورهن المساجد، فالشواب المستحب لهن ترك ذلك، والستر، ولزوم

стр. 1472

البيت لهن؛ لقوله ﵇: "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها" أخرجه أبو داود. وحجرتها: صحن بيتها. والمخدع: بضم الميم وكسرها: البيت [الذي] في جوف البيت تخبئ المرأة فيه ثيابها. ولو خالفن، وحضرن المسجد، كره لهن، وصح اقتداؤهن بالإمام، سواء نوى الإمام بهن أو لا. والعجائز لا يكره لهن الخروج لذلك؛ لقوله ﵇: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" وبالحالين يحصل الجمع بين الخبرين. وقد روي أنه- ﵇ كره للنساء الخروج إلى الجماعة إلا أن تكون عجوزاً في منقلها، والمنقل: الخف. وقيل: المندل، وهوب كسر الميم، قاله الهروي وقال في "الصحاح": إنه

стр. 1473

بفتحها، والوجه الكسر، لولا أنها وردت في الحديث. وأشار النبي ﷺ بذلك إلى [أنها في] خروجها تكون مبتذلة، وأنها لو تشبهت بالشواب كره لها ذلك [بلا خلاف]. ثم حيث نفينا الكراهة قال الإمام: والذي رأيته للأئمة أنه لا يترجح خروجها على لزومها بيتها؛ فإنه يتعارض في حقها رعاية الستر، وإقامة الجماعة مع الرجال؛ فيخرج على تعارض الأمرين نفي الكراهة في الحضور، واستواء الأمرين. قال: وأقل الجماعة، [أي]: التي تحصل بها السنة، وسقوط الفرض اثنان: إمام، ومأموم؛ لقوله ﵇: "الاثنان فما فوقهما جماعة" [رواه ابن ماجة] وروى أبو موسى الأشعري قال: جاء رجل، وقد صلى رسول الله ﷺ فقال: "أيكم يتجر على هذا؟ "؛ فقام رجل فصلى معه.

стр. 1474

قال الترمذي: هذا حديث حسن. ولا فرق في ذلك بين أن يصلي الشخص مع زوجته، أو ولده، أو رقيقه، نص عليه في "الأم". وفي "الزوائد" [للعمراني] أن صاحب "الفروع" ذكر أن أقل الجماعة [في الصلاة] ثلاثة يؤمهم أحدهم؛ فأما اثنان يؤم أحدهما صاحبه، فقد توقف الشافعي فيه في موضع، وقطع في آخر بأنه جماعة. وقد حكاه الروياني في "تلخيصه" عن بعض الأصحاب، وقال: إنه غلط. فإن قيل: المشهور من مذهب الشافعي أن أقل الجماعة ثلاثة؛ فما الفرق على هذا؟ قيل: الفرق أن الحكم [على الاثنين] بالجماعة حكم شرعي، مأخذه التوقيف الشرعي، وأقل الجمع بحث لغوي [مأخذه اللسان]. قال: ولا تصح الجماعة حتى ينوي المأموم الائتمام؛ لأن التبعية عمل؛ فافتقر إلى النية؛ لعوم قوله ﵇: "لا عمل إلا بنية". ويكفيه أن يقتدي بالمتقدم من القوم، وإن لم يعرف عينه. قال الإمام: وهو الأولى؛ فلو عين شخصاً، وكان الإمام غيره، نظرت: فإن لم يوجد مع التعيين إشارة؛ مثل: أن نوى الصلاة خلف زيد؛ فإذا هو عمرو- لم تصح بلا خلاف، واستبعد الإمام تصوير ذلك من غير ربط بمن في المحراب، وقال: إنه في غاية العسر، أو يعلم [أنه]؛ يعني: من حضر، ومن [سيركع بركوعه ويسجد بسجوده؛]. وإن وجد مع [ذلك] التعيين إشارة؛ مثل: أن نوى الاقتداء بزيد هذا؛ فإذا هو عمرو- فالمنقول عدم الصحة أيضاً. [و] قال الإمام: يتجه أن يتخرج فيه وجه آخر: أنه يصح؛ نظراً إلى

стр. 1475

الإشارة؛ كما إذا قال: بعتك هذه الشاة؛ [فإذا هي] رمكة؛ فإنه يصح على وجه؛ ولأجل ذلك أثبت الغزالي في المسألة وجهين. وهذه المسألة من المسائل التي [لا] يشترط فيها التعيين، بل أصل الشيء، وإذا عين، و [أخطأ، ضر] ومثله: ما إذا نوى التكفير عن الظهار، وكان عليه كفارة يمين، أو الصلاة على زيد؛ فإذا هو عمرو، أو الزكاة عن ماله الغائب، وكان تالفاً- لا يجزئه، ولو أطلق لأجزأه. ويقوم مقام نية الائتمام نية الصلاة في جماعة، أو مأموماً؛ كما قاله مجلي. وقد أفهم من كلام الشيخ أمرين: أحدهما: صحة صلاة المأموم وإن لم ينو الائتمام، بل تابعه في الأفعال من غير نية؛ إذ لو كان عنده أنه لا يصح- لكان بالبيان أولى. والذي جزم [به] الغزالي، و [أبو نصر] المقدسي [في "تهذيبه"]: البطلان، وحكى القاضي الحسين، والمتولي في باب النية للصلاة وجهين في البطلان. قال الطبري في "عدته": وهما مذكوران في طريقة العراق؛ وطريقة القفال، والخراسانيين من أصحابنا: البطلان. وقال في "الذخائر": إن هذا يحتاج إلى تفصيل؛ فيقال: إن تابعه في الأفعال، وأخل بشيء [من ترتيب صلاته الواجب عليه؛ لأجل المتابعة- بطلت، وإن أخل بسنة، أو لم يخل بشيء] [من ذلك؛] فإن انتظر في القيام، أو السجود، أو الركوع، مع ترك اشتغاله بالذكر؛ فينبغي أن يكون [على] القولين في السكوت الطويل، وأولى بالبطلان؛ لانتفاء الإخلاص، وإن انتظره مع الاشتغال بالأذكار؛ فقد أشرك في عبادته؛ فينبني على انتظار الإمام في الركوع إذا أحس بداخل.

стр. 1476

قال: وينبغي أن يبطل هاهنا قولاً واحداً على قول الفوراني؛ لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى. الثاني: أن الجماعة تصح وإن لم ينو الإمام [الإمامة]، وهو ما ادعى القاضي الحسين في باب صفة الصلاة أنه المذهب؛ فإنه قال ثَمَّ: الصحيح [من المذهب] أنه لا [يلزمه نية] الجماعة؛ لأنه مستقل بالفعل؛ فلا يحتاج إلى النية؛ بخلاف المأموم؛ فإنه تابع؛ فافتقر إلى قصد الإتباع. قال: وقال الأستاذ [الإمام] أبو إسحاق: إنه ينوي الجماعة؛ لأنه أحد ركني الجماعة؛ فيلزمه نية الجماعة؛ كالمأموم. والفرق ما تقدم. نعم يستحب له أن ينوي؛ للخروج من الخلاف؛ لأن الإمام أحمد يوجب ذلك [ويقول:] ولو لم ينو لبطلت [صلاة المأمومين] خلفه. وقد حكاه العبادي في "الزيادات" وجهاً لبعض أصحابنا، وعزاه في "الحاوي"- قبيل باب صلاة الجماعة وصفة الأئمة- إلى أبي إسحاق، وهو فاسد؛ لما سنذكره من خبر ابن عباس، وجابر، وجبار بن صخر في باب صفة الأئمة. وعلى المشهور هل يحصل له فضيلة الجماعة؛ إذا لم ينوها؟ قال الغزالي: لا. قال مجلي: وهذا لم أره لغيره. ويحتمل أن يقال: تحصل؛ لأن أصل نية الإمام غير واجبة، ومعنى كونه إماماً وجود القدوة [به]، وقد وجدت؛ فينبغي أن يحصل له فضيلة الجماعة، ويشهد لذلك أن المأمومين يكثر أجرهم بكثرة العدد، وليس لهم نية في ذلك. وقد حكى في "التتمة" في حصول فضل الجماعة وجهين، وبنى عليهما ما لو لم ينو الإمامة في الجمعة، هل تصح [له]، أم لا؟ إن قلنا: يحصل له

стр. 1477

فضيلة الجماعة، صحت له، وإلا فلا. ولا خلاف على المذهب في أنه إذا نوى الإمامة بزيد، وكان عمراً أنه لا يضر؛ لأن [أصل النية ليست] بشرط في حقه، بخلاف نية الائتمام. قال: وفعلها فيما كثر فيه الجمع من المساجد [أفضل]، لرواية أبي داود في أثناء حديث أنه ﵇ قال: "وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله ". وهذا مخصوص عندنا بما إذا لم يكن إمام الجماعة [الكثيرة] مبتدعاً، ولا حنفياً، فإن كان، وصححنا الصلاة خلفه- كما ستعرفه- فالصلاة في المسجد القليل الجماعة أفضل بالاتفاق، وهل الأفضل صلاته منفرداً، أو مع الحنفي في جماعة؟ فيه خلاف سنذكره. ولا فرق فيما [ذكره الشيخ] بين أن يكون المسجد الكثير الجمع قريباً من الشخص، أو بعيداً منه. وقيل: إنها في مسجد الجوار أولى، مع قلة الجماعة فيه؛ قاله المسعودي، وغيره. قال الإمام: وهو غير سديد؛ فإن صح النقل فيه فيشبه أنه قد يحظر

стр. 1478

قصد الجماعة الكثيرة لغيره؛ فيؤدي ذلك إلى تعطيل مسجد الجوار، ولعل ذلك في مسجد السكة-[أي: التي يسكنها]- فأما إذا كان على طريقه، وكان أقرب من المسجد المشهور، فلا ينقدح الوجه الضعيف في هذه الصورة. وفي "التهذيب" أنه يصلي في مسجد الجوار، ثم يلحق بالمسجد الأكثر جماعة؛ فيصلي معهم أيضاً؛ ليحوز الفضيلتين. والذي أورده العراقيون: الأول، وأيده أبو الطيب بأن الشافعي- ﵁ كان ببغداد بالقرب منه مسجد لا يغلس فيه، وبالبعد مسجد يغلس فيه بالصلاة، وكان يمضي إلى المسجد الذي يغلس فيه، ويترك المسجد الذي لا يغلس فيه. قال: فإن كان [في] جواره مسجد ليس فيه جماعة، [أي]: وبصلاته فيه تحصل الجماعة، كان فعلها في مسجد الجوار أفضل؛ لما في ذلك من عمارة مسجد الجوار وإحيائه بالجماعة. قال الروياني في "تلخيصه": وفيه وجه آخر: أن فعلها في المسجد [الأكثر] جماعة أولى بكل حال، وهو غلط. أما إذا كان لو صلى في مسجد الجوار صلى وحده، فقد قال في "التهذيب" تبعاً للقاضي الحسين: الأولى أن يصلي منفرداً، ثم يدرك [مسجد] الجماعة؛ فيصلي معهم. وعلى هذا يمكن إجراء لفظ الشيخ على ظاهره، ولا يعارضه ما ذكرناه من قبل من أنه إذا صلى في بيته صلى في جماعة، وإذا صلى في المسجد صلى منفرداً- أن صلاته في بيته أولى؛ لأن ذلك يمكن حمله على غير مسجد الجوار، أو على مسجد أقيمت الجماعة فيه [قبل حضوره إليه، والله أعلم. فرع: إذا كان بجواره مسجدان استوت الجماعة فيهما، فإن كان يسمع النداء

стр. 1479

من أحدهما فصلاته فيه أولى، وإن كان يسمعه منهما]، فإن كان أحدهما [أقرب من الآخر] إليه؛ فصلاته فيه أولى، وإلا تخير؛ قاله الروياني. والجوار: بكسر الجيم وضمها. قال: وإن كان للمسجد إمام راتب، كره لغيره [إقامة] الجماعة فيه- أي: بغير إذنه- لما فيه من الإيحاش وإيذاء القلوب، وهذا ما نص عليه في "الأم". وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الإمام الراتب قد صلى فيه أو لا، وإذا لم يصل بين أن يخاف [فوات] فضيلة [أولي الوقت، أو آخره [أو لا]. وللأصحاب فيما إذا كان الإمام قد صلى [فيه في جواز إقامة جماعة ثانية- فيه]- خلاف، والمنصوص: الكراهة. قال الشافعي- ﵁: لأنه روي هذا عن بعض السلف. ثم قال: وأحسب الكراهة في حق قوم يعادون الإمام الراتب؛ فكره ذلك؛ لأنه يؤدي إلى العداوة وإلى الاختلاف؛ [فيفقد] مقصود الجماعة. وحكى الروياني في "تلخيصه" وجهاً عن أبي إسحاق: أنه يجوز من غير كراهة؛ كما لو لم يكن للمسجد إمام راتب، واختاره ابن المنذر. وقيل: إنه يكره أيضاً في المسجد الذي لا إمام له راتب، ولا مؤذن؛ حكاه القاضي الحسين. والوجهان ضعيفان، والمذهب: الكراهة عند وجود الإمام الراتب، وعدمها عند عدمه. وكذا لا يكره إقامة جماعة بعد الجماعة في مسجد [في موضع] لا

стр. 1480

يسمع [فيه] جيرانه لضيق المكان؛ قاله البندنيجي، والروياني. ثم محل الخلاف السابق إذا كان [المسجد] في غير ممر الناس، ولم تجر العادة فيه [بتكرار الجماعات]، أما إذا كان كذلك، فلا [تكره]. قال في "المهذب": [لأنه لا يحمل التكرار فيه على الكياد]. وقال في "الذخائر": إن بعض أصحابنا استحب إقامة الجماعة ثانية فيه. ولو كان الإمام تأخر عن الحضور وإقامة الجماعة [فيه]، قال القاضي أبو الطيب وغيره: إن كان [بيته] قريباً؛ [أي]: بحيث لو أراد الحضور لم يفتهم إذا صلى بهم فضيلة أول الوقت- كما نص عليه في "الأم"- بعثوا إليه حتى يحضر، أو يستنيب؛ وإن كان موضعه بعيداً؛ بحيث لا يدرك أن يصلي بهم في أول الوقت، أو لم يحضر: فإن لم يخافوا فتنة في صلاتهم جماعة فيه قدموا واحداً منهم، وإن خافوا الفتنة انتظروه إلى أن يخافوا فوت الصلاة، ثم يقدموا واحداً [منهم] يصلي بهم. قيل: والأصل في ذلك أنه ﵇ لما مضى إلى صلح بني عمرو بن عوف قدم الصحابة أبا بكر الصديق- ﵁ فصلى بهم.

стр. 1481

وروي أنه ﵇ في غزوة تبوك تأخر عن صلاة الصبح؛ لحاجة، فتقدم عبد الرحمن بن عوف، فصلى ركعة، ثم أتى النبي ﷺ وصلى خلفه الركعة الثانية، فلما سلم قال: "أحسنتم". وجه الدلالة منه: أنهم كانوا آمنين منه ﷺ . قال: ومن صلى منفرداً، ثم أدرك جماعة يصلون، استحب له أن يصليها معهم؛ لما روى الترمذي عن يزيد بن الأسود قال: شهدت مع رسول الله ﷺ [حجة الوداع]؛ فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف؛ فلما قضى صلاته وانحرف فإذا هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه؛ فقال: علي بهما"، فأتي بهما ترعد فرائصهما؛ فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟! " قالا: يا رسول الله [إنا] [كنا] قد صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إن صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة؛ فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة".

стр. 1482

قال: وهو حسن [صحيح]. ورواية أبي داود: "إذا صلى أحدكم [في رحله]، ثم أدرك الإمام، ولم يصل، فليصل معه؛ فإنها له نافلة". والفرائص: جمع "الفريصة"، وهي لحمة في وسط الجنب قريبة من القلب ترتعد عند الفزع؛ قاله الخطابي. وهذا الخبر كالمصرح بأنه لا فرق في الصلاة المعادة بين أن تكون مما يكره الصلاة بعدها، أو لا؛ لأنه نص في الصبح وهو مما تكره الصلاة بعده؛ فغيرها أولى، وهذا ما يقتضيه كلام الشيخ، وهو المذكور في "الشامل"، و"الحاوي"، و"تعليق" القاضي الحسين، وغيرها. [و] في "المهذب" أن أبا إسحاق حكى عن بعض [الأصحاب] أنه لا يعيد صلاة الصبح والعصر، ويعيد ما سواهما؛ لأن الصلاة بعد الصبح والعصر مكروهة بغير سبب. وحكى الإمام [عن شيخه أنه] حكى في درسه و"تعليقه" وجهاً عن بعض الأصحاب: أنه لا يعيد الصبح والعصر؛ لما ذكرناه، وكذا المغرب؛ لأنها وتر النهار، ويعيد الظهر والعشاء. والوجهان ضعيفان باتفاق الأصحاب؛ للخبر، بل قال الإمام- فيما حكاه عن رواية شيخه: [إني] لا أعتد به. وعلى كل حال: إذا أعاد الصلاة في جماعة؛ حيث استحببناه، فأي الصلاتين فرضه؟ فيه قولان: الجديد- وهو الصحيح-: أنه الأولى، والثانية نفل. والقديم- كما قال أبو إسحاق-: أن الله تعالى يتقبل أيتهما شاء. وقال القاضي الحسين: إنه قول مخرج، وقد قيل: إنه مذكور في "الإملاء"، ولم

стр. 1483

يورد في "الوجيز" سواه، ووراء القولين وجهان: أحدهما حكاه الإمام عن رواية شيخه عن بعض الأصحاب-: أن الفرض الثانية؛ لأنه استحب له إعادة الفريضة؛ ليكملها بالجماعة، ولو كانت نفلاً لما حصل فيها الكمال؛ فتبين بالآخرة أن الأولى وقعت نفلاً، وبعضهم نسب هذا إلى القديم أيضاً. قال الإمام: وهو مزيف، لا أعده من المذهب. وبعضهم يقول: إنه ليس بشيء؛ لأجل أنه [يخالف الخبر]. وقد قال في "الذخائر": إنه موافق للخبر؛ لأن أبا داود روى عن يزيد بن عامر قال: جئت والنبي ﷺ في الصلاة، [فجلست، ولم أدخل معهم في الصلاة، فانصرف علينا رسول الله ﷺ ]؛ فرأى يزيد جالساً؛ فقال: "ألم تسلم يا يزيد؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: "فما منك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ " فقال: إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أن قد صليتم. قال: "إذا جئت إلى الصلاة فوجدت [قوماً من الناس يصلون]؛ فصل معهم وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة"، وهذه مكتوبة. والثاني- حكاه في "التتمة"، ولم أره في غيرها-: أن كلتا الصلاتين فرض؛ لأن الخطاب سقط بالأولى، وكانت فرضاً، وقد فاتت صفة الجماعة فيها، فأمرناه بإعادتها، وليس يمكن إعادة الصفة وحدها؛ فحكمنا بأن الجميع فرض. التفريع: إن قلنا بما عدا الجديد، نوى بالثانية الفرض؛ [فلو نوى الظهر مثلاً، ولم يتعرض للفرضية- كان كمن [ترك نية الفرضية] في] الصلاة

стр. 1484

المقامة من غير إعادة، وفي وقوعها عن الفرض وجهان: فإن قلنا: لا تقع عن الفرض، فهل تبطل]، أو تنقلب نفلاً؟ فيه الخلاف المشهور. وإن قلنا بالجديد، حكى الإمام عن الصيدلاني تردداً في كيفية نيته: أحدهما: أنه ينوي بها [النفل. والثاني: أنه ينوي] الفرض، واختاره، وادعى في التتمة أنه الصحيح. والرافعي [قال:] إن به قال الأكثرون. قال الإمام: وهو هفوة من الصيدلاني؛ فإن أمره بنية الفرض مع القطع بأن الصلاة [التي يقيمها] ليست فريضة محال. وقد حكى الروياني في "تلخيصه" الوجهين، ووجهاً ثالثاً ذكره في "الإبانة" أيضاً: أنه يتخير بين أن يطلق النية وبين أن ينوي الفرض، واختار الإمام أنه ينوي الظهر، أو العصر، أو نحو ذلك؛ كما ينوي الصبي؛ فإن نية الفريضة- ولا فريضة- محال؛ كما قدمناه. ولو نوى النفل، ولم ينو الظهر أو العصر؛ [بعد أن يصير بالجماعة] الثانية مستدركاً لما فات من الجماعة في صلاة الظهر والعصر، وقال القاضي الحسين: إنه على القول الجديد والقديم معاً ينوي إعادة ما صلى، أو نفل ما صلى؛ لأنا إن قلنا: الثانية نفل؛ فهو يريد [أن يكتسب بها فضل] الفريضة المؤداة، وهو فضيلة الجماعة؛ فكان فضيلة الجماعة منها؛ فتلحق بالأولى، وبقيت [هي] نفلاً. قال الشيخ أبو علي: وعلى القولين يجوز أن يصلي الصلاتين بتيمم واحد. قال مجلي: وهذا إنما يتجه على القول القديم إذا قلنا: إن من نسي صلاة من الخمس، يصليها بتيمم واحد، دون ما إذا قلنا: لابد من خمسة تيممات.

стр. 1485

[قلت:] وعلى القول بأن الثانية هي الفرض، لا يحتاج إلى الإعادة، وعلى القول بأنهما فرض [يقرب الشبه من] صلاة من الخنمس. قال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: ولو كانت الصلاة [المعادة مغرباً]، وقلنا بالجديد: إن المعادة نفل زاد فيها حال الإعادة [ركعة]؛ فإن الأحب في النوافل أن تكون شفعاً. وهذا ما حكاه القاضي الحسين لا غير، وقال الإمام: إنه حسن بالغ. ثم قال: لكنه مع القول بأنه ينوي بالثانية الفرض- كما اختاره- خبط وخروج عن الضبط؛ فإن المغرب لا يكون أربع [ركعات]. وقد أفهم قول الشيخ: "وإن صلى منفرداً ... " إلى آخره، أنه لو صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة يصلون-[لا يستحب له أن يصليها معهم، كيف كانت] وهو وجه حكاه الشيخ أبو محمد، وغيره، وصححه الصيدلاني، والغزالي، وصاحب المرشد؛ لأن أبا داود روي عن سليمان- يعني: مولى ميمونة- قال: أتيت ابن عمر- ﵄[على] البلاط، وهم يصلون؛ فقلت: [ألا] تصلي معهم؟ قال: قد صليت؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تصلوا صلاة [في يوم] مرتين".

стр. 1486

والبلاط: موضع مبلط بالحجارة بين المسجد والسوق، بالمدينة، [شرفها الله تعالى]. ولأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة، [وقد حصلت له، ولو قيل بالإعادة، لقيل: إنه يعيدها في جماعة] ثانية وثالثة ورابعة، وهو مخالف لما كان عليه الأولون. [وخبر يزيد بن الأسود مختص بحالة الانفراد؛ تدل عليه الرواية الأخرى؛ فعلى هذا: إذا [أعاد] الظهر أو العشاء، كانت نفلاً وجهاً واحداً]، وإذا أعاد الصبح، أو العصر، [كان فاعلاً] مكروهاً، وإذا أعاد المغرب، قال في "التتمة": فالصحيح أنها كإعادة الظهر، وفيه وجه: أنه يكره إعادتها. [وعلى الصحيح يأتي قول الصيدلاني إنه يضيف إليها ركعة أخرى. وبه صرح الرافعي وغيره، و] قال الروياني: إن القفال قال به، وإنه قيل: إنه ظاهر المذهب، وإنه لا يضم إليها شيئاً. وقيل: إنه لا يستحب له الإعادة في الصبح والعصر [والمغرب]، أما الصبح والعصر؛ فلنهيه ﵇ عن الصلاة بعدهما، وأما المغرب؛ فلأنها وتر النهار. ويستحب في الظهر والعشاء؛ إذ التنفل بعدهما جائز؛ [حكاه القاضي الحسين. وقيل: إنه لا يستحب له إعادة الصبح والعصر، واستحبوا إعادة ما سواهما]؛ حكاه ابن الصباغ، والماوردي. وهذا والذي قبله مفرعان على المذهب [في أنه] إذا صلى منفرداً الصبح والعصر والمغرب، يستحب إعادتها [في جماعة، أما إذا قلنا في هذه الصورة: لا يعيد ذلك، فها هنا أولى. وقيل: يستحب إعادة ما صلاها] في جماعة كيف كان؛ لأنه ﵇ صلى في خوف الظهر؛ فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو؛ فصلى

стр. 1487

ركعتين، ثم سلم، [فانطلق الذين صلوا معه، فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين ثم سلم]، أخرجه أبو داود، والنسائي، وقصة معاذ مشهورة، وقد أنكر النبي ﷺ التطويل دون الإعادة؛ فثبت في الظهر والعشاء استحباب ذلك، وقيس باقي الصلوات عليهما، ولا نظر إلى أن الصلاة بعد الصبح والعصر مكروهة؛ لأن ذلك إذا لم يكن ثم سبب، [وها هنا سبب]، وهو حيازة فضيلة الجماعة. قال ابن الصباغ: وهذا [أشبه بكلام] الشافعي؛ لأنه أطلق، ولم يفصل. وقال الرافعي: إنه الأصح عند عامة الأصحاب. وقال القاضي الحسين: يحتمل أن يقال: إن كانت الجماعة [الثانية] أكثر، وإمامهم أروع، وأهدى لأركان الصلاة، وشرائطها، وهيئاتها- يستحب له أن يعيد الصلاة التي صلاها مع الجماعة؛ لأنه يكتسب زيادة فضيلة [الجماعة التي] لم تحصل له في الأولى، [وإن كانت الجماعة الثانية مثل الأولى] أو دونها، لا يستحب، وهذا ما صححه في "الكافي"، والله أعلم. وقد اتفق الكلام على أن من رأى شخصاً يصلي منفرداً؛ لسبق الجماعة له استحب [له] أن يصلي معه، وإن كان قد صلى في جماعة؛ لورود الخبر بذلك. قال: ويعذر في ترك الجماعة- أي: على [كل] قول- المريض؛ لقوله ﵇: "من سمع النداء، فمل يجبه؛ فلا صلاة له إلا من عذر". قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف، أو مرض".

стр. 1488

ولأنه ﵇ ترك الجماعة، واستناب أبا بكر- ﵁ لمرض حصل له. قال في "الحاوي": وهو وفاق. قال الرافعي: ولا "يشترط] فيه أن يبلغ مبلغاً يجوز القعود في الفريضة، ولكن المعتبر أن تلحقه مشقة؛ مثل ما يلقاه الماشي في المطر؛ قاله في "النهاية". قال: ومن تأذى بالمطر؛ لما روى مسلم، عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فمطرنا؛ فقال: "ليصل من شاء في رحله". وروى أبو داود عن أسامة بن عمير: "أنه شهد النبي ﷺ زمن الحديبية في يوم الجمعة؛ فأصابهم مطر، لم يبتل أسفل نعالهم؛ فأمرهم أن يصلوا في رحالهم"؛ وفي تأويل النعال أربعة أوجه: أحدها: التي يمشي فيها، والثاني: أنها وجه الأرض؛ حكاه القاضي الحسين وغيره، والثالث: أنها الأقدام. [والرابع: أنها الحجارة الصغار تكون في الطريق، فإنها تسمى: النعال؛ حكاه والذي قبله الماوردي]. قال الصيدلاني: ويستحب أن يقول المؤذن في أذانه وقت المطر بعد الحيعلتين: "الصلاة في الرحال".

стр. 1489

قال الإمام: وهو مشكل؛ فإنه لم يصح فيه [شيء] ثبت عن رسول الله ﷺ ، وتغيير الأذان بشيء يثبت في أثنائه من غير نقل فيه صحيح بعيد عندي، وليس في ذكره بعد الأذان ما يفوت مقصود النداء. والقاضي الحسين قال: إن منادي رسول الله ﷺ كان يقول ذلك بعد الحيعلتين موضع التثويب. وقيل: كان يقوله بعد الفراغ من الأذان؛ فإن صح ذلك، كان حجة لما قاله الإمام، لكن في "مسلم" أن ابن عباس- ﵁ قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ فلا تقل: حي على الصلاة، [لكن] قل: صلوا في بيوتكم. قال: وكأن الناس استنكروا ذلك؛ فقال: أتعجبون من ذا؟! قد [فعل هذا] من هو خير منه. إن الجماعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم؛ فتمشوا في الطين [والدّحض]. والدحض: من أدحضت الثوب؛ إذا غسلته؛ [كني به] عن المطر. قال: والوحل، أي: الذي لا يؤمن معه التلويث؛ لأنه أشد من المطر [في الأذى]. وحكى المراوزة وجهاً آخر: أنه بمجرده ليس بعذر ما لم ينضم إليه المطر،

стр. 1490

وعليه ينطبق قوله في "الوسيط": والمطر مع الوحل عذر فيها. ومثل ذلك قاله القاضي الحسين في الجمعة. وعلى هذا فالفرق بينه [وبين] المطر: أن الوحل [له أمد] ينتظر، ولا كذلك المطر. والأظهر عند الإمام: الأول، وإن لم يتفاحش الوحل. قال: والريح الباردة في الليلة المظلمة؛ لما روى البخاري ومسلم، عن ابن عمر- ﵄ قال: أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح؛ فقال ﵇: "ألا صلوا في الرحال". أما الريح الباردة في النهار فليست بعذر في تركها عند الجمهور.

стр. 1491

وحكى مجلي وجهاً آخر: أنها عذر فيها. قال: ومن له مريض يخاف ضياعه؛ أي: قريباً كان، أو أجنبياً، أو قريب يخاف موته؛ لأن ذلك يسقط حضور الجمعة؛ كما ستعرفه؛ فالجماعة أولى؛ ولأن المشقة في ذلك فوق مشقة المطر، وهي تجوز الترك. قال: ومن حضره الطعام ونفسه تتوق إليه؛ لما روى مسلم، عن أنس بن مالك- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قرب العشاء، وحضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم". وروى أيضاً عن عائشة- ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا صلاة بحضرة الطعام، ولا [و] هو يدافع الأخبثين". وهذه المسألة مصورة في الحاوي وغيره بما إذا حضر الطعام عشاء، أو غداء، ونفسه تتوق إليه، وكان [بحيث] إذا تشاغل بأكل تمرة، أو تمرتين، أو لقمة، أو لقمتين فاتته الجماعة- فإنه يعذر بذلك، ويكمل [أكله] إذا لم يخش منه فوات الوقت. أما إذا كان لا يفوته مع تناول اللقمة واللقمتين الجماعة؛ فلا تسقط عنه؛ لأن سورة الجوع قد انكسرت بتناول ذلك؛ فلا يُتِمّ طعامه حتى يصلي. قال الإمام: اللهم إلا أن يكون مما يستوفي في دفعة واحدة؛ كالسويق واللبن يشرب. والحكم فيما إذا لم [يكن بحضرة] الطعام، وكانت نفسه تتوق إليه- كما لو حضره؛ لوجود المعنى، وهو [ترك] الخضوع المطلوب في الصلاة، وإنما أراد الشيخ التبرك بالخبر. قال: أو يدافع الأخبثين؛ لخبر عائشة- ﵂ السابق، وليس

стр. 1492

المراد أن يجتمعا، بل المراد [أنه] متى وجد أحدهما، كان عذراً، والحكم فيما لو كان يدافع الريح كذلك. ومدافع الغائط يقال له: حاقب، ومدافع البول يقال له: حاقن؛ قاله في "الغريبين"، ومدافع الريح يقال له: حازق؛ حكاه القاضي الحسين. قال: أو يخاف ضرراً في نفسه؛ مثل: أن يخاف من ظالم، أو [فوت] القافلة، والسير معهم، ونحو ذلك، أو ماله؛ أي: مثل: أن يكون قد نسي باب داره مفتوحاً، وإذا رجع لغلقه [فاتته] الجماعة، أو كان يحرس متاعه، ولا يتمكن أن يمضي ويتركه، أو كان له مال؛ فخرج في طلبه [ولو لم يبتدر ذلك لفات]، ونحو ذلك. والأصل فيه: قوله ﵇ في الحديث السابق: "خوف، أو مرض"، وقد دخل فيما ذكرناه من عليه دين، وهو معسر عن وفائه، ويخاف أن يحبس عليه، وهل يدخل في قول الشيخ: "أو يخاف ضرراً [في نفسه] " من [عليه] قصاص ويخشى أن يمسك؛ فيستوفي منه، أم لا؟ فيه كلام استوفيناه في باب صلاة الجمعة. وقد ألحق الأصحاب بهذه الأعذار غيرها: فمنها: ما إذا كان [قد أكل ما له] رائحة كريهة، وعجز عن دفع ذلك: كالثوم والبصل قبل الطبخ؛ لقوله ﵇: "من أكل من هاتين الشجرتين، فلا يقربن مصلانا" يعني: الثوم والبصل، أما إذا [كان قد] أمتهما طبخاً، وأكلهما، لم يكن ذلك عذراً في الترك. ومنها: الحر الشديد، عده ابن الصباغ منها، وصورته: أن تقام [الجماعة]

стр. 1493

في وقت الحر من غير إبراد. قال في "الكافي": ولم يكن في طريقه كن يمشي فيه إليها. والقاضي أبو الطيب جعل شدة الحر عذراً في تأخير [الجماعة]، لا في تركها؛ للخبر المشهور. ومنها: البرد الشديد؛ كما قاله في "التهذيب"، ولم يفرق فيه بين الليل والنهار. ومنها: أن يخاف إذا حضر وانتظر إقامة الصلاة أن يغلبه النوم؛ قاله الروياني وغيره. ومنها: أن يكون عارياً في بيته؛ قاله الفوراني والغزالي. قال الرافعي: ولا فرق في ذلك بين أن يجد ما يستر عورته، أو لا. وهذا يندرج تحت قول الشيخ: "أو يخاف ضرراً في نفسه". ومنها: حصول الزلزلة؛ كما قاله الماوردي. واعلم أن هذه الأعذار؛ كما تنفي الحرج عن التارك تحصل له فضيلة الجماعة وإن صلى منفرداً؛ إذا كان قصده الجماعة [لولا العذر؛ للأخبار] الواردة في ذلك؛ قاله الروياني في "تلخيصه"، ويشهد له ما رواه أبو داود، عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا- أعطاه الله [مثل] أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً". أخرجه النسائي. ثم حصر الأصحاب الأعذار فيما ذكرناه مفهم أن الرق ليس بعذر في ترك الجماعة. وفي "تعليق" القاضي الحسين في باب كفارة [يمين] العبد بعد أن يعتق أن للسيد [أن] يمنع [عبده] من حضور الجماعات، إلا ألا يكون له معه شغل، أو يقصد تفويت الفضيلة عليه [فحينئذ] لا يجوز له منعه منها.

стр. 1494

قال: ومن أحرم منفرداً، ثم نوى متابعة الإمام؛ أي: من غير أن يقطع صلاته- جاز في أحد القولين؛ لأن النبي ﷺ أحرم بأصحابه، ثم ذكر أنه جنب؛ فقال لهم: "كونوا كما أنتم"، ودخل واغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء، واستأنف الإحرام، وبقي القوم على إحرامهم. فملا سبقوه بالإحرام، ولم يأمرهم باستئنافه؛ فقد خرجوا بعلمهم بجنابته من الإمامة؛ ودل [ذلك] على صحة صلاة من سبق الإمام ببعض الصلاة. وقال الإمام: إن وجه الاستدلال منه أنا علمنا أنهم أنشأوا اقتداء جديداً؛ فإن اقتداءهم الأول لم يكن [صحيحاً. وفيه نظر؛ لأن ظهور الإمام محدثاً لا يقدح في كون صلاة المأمومين] جماعة على الأصح؛ كما ستعرفه. [و] لأن أبا بكر [الصديق] صلى بالناس عند ضعف رسول الله ﷺ [بأمره]؛ فلما وجد النبي ﷺ خفة خرج يتهادى بين [اثنين] العباس وعلي، والقوم في الصلاة؛ فوقف عن يسار أبي بكر، وصلى بالناس، وأبو بكر يبلغ عنه. ووجه الدلالة منه: أن أبا بكر [صار] مأموماً بعدما كان إماماً، والإمام في حكم المنفرد؛ [لأنه لا يتبع غيره. ولأنه لما جاز أن يكون منفرداً ثم يكون إماماً بأن يأتي من يقتدي به- جاز أن يكون منفرداً]، ثم يكون مأموماً؛ لأن الجماعة تتوقف على المأموم كما تتوقف على الإمام.

стр. 1495

وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب وصاحب "التهذيب" و"الكافي" عن الجديد، والشيخ في "المهذب" عن القديم والجديد. وقال البندنيجي: إنه نص عليه في القديم و"الأم" و"المختصر"، ولفظه فيه: ويصلي الرجل، وقد صلى مرة مع الجماعة كل صلاة؛ فالأولى فريضة، والثانية سنة، وهو الأصح عند الجمهور. واقتصر القاضي الحسين والصيدلاني والغزالي على نسبته إلى القديم وأن المزني اختاره، [و] عن بعضهم القطع به. ومقابله: أنه لا يجوز؛ لقوله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبر فكبروا" فأمر بالتكبير بعد تكبير الإمام، وهذا كبر قبل تكبير الإمام؛ ولأن في صحة ذلك تضادّاً للأحكام؛ من حيث إنه كان يسجد لسهو [نفسه] دون من اقتدى به، وقد انعكس ذلك، وقد كان في ابتداء الإسلام إذا حضر المسبوق سأل من في الصلاة عما فاته، فيشيرون بالأصابع إلى أعداد الركعات التي فاتت؛ فيبتدر إلى فعل ما فاته، ثم يصل صلاته بصلاة الإمام فيما يصادفه من بقية صلاته؛ فدخل [معاذ] يوماً [وكان] مسبوقاً؛ فاقتدى وصلى ما وجد، ثم قام لما سلم رسول الله ﷺ ، فقضى ما فاته؛ [ثم لما] تحلل رسول الله ﷺ [عن صلاته] قال: "إن معاذاً سن لكم سنة حسنة؛ فاتبعوها، وأكد ذلك بقوله: "فما أدركتم؛ فصلوا، وما فاتكم فأتموا، أو: فاقضوا"؛ ولأجل ذلك قال الشافعي- رضي الله

стр. 1496

عنه- في "الكبير"- كما قال الإمام-: إن جعل [صلاة] الانفراد جماعة كان في ابتداء الإسلام، ثم نسخ. أي: ولا يجوز العمل بالمنسوخ، وهذا القول حكاه القاضي أبو الطيب عن نصه في "الإملاء" والقديم؛ لأنه قال في "الإملاء": ولا يجوز أن يبتدئ الصلاة لنفسه، ثم يأتم بغيره، وهذا منسوخ. وقال في القديم: إذا افتتح الصلاة فرداً، ثم جاء الإمام، وأحرم بالصلاة؛ فمن الناس من قال: يضم صلاته إلى صلاة الإمام. وعندي: أنه لا يجوز، ومن أجاز هذا، أجاز الصلاة بإمامين، ومن لم يجز الصلاة بإمامين، لم يجزه. وعني بالإمامين: مسألة الاستخلاف. والقاضي الحسين والصيدلاني والغزالي قالوا: إنه نص عليه في الجديد. ولا بعد في ذل؛ لأن "الإملاء" معدود من الجديد. وعن بعضهم القطع به، حكاه القاضي الحسين؛ فإنه حمل قوله في "المختصر": "وكرهت أن يفتتحها صلاة انفراد، ثم يجعلها صلاة جماعة" على كراهة التحريم، والصحيح أنها على القولين. واختلف الأصحاب في أنهما أصلان بأنفسهما، أو [مبنيان] على غيرهما: فمنهم من قال: إنهما أصلان، وهو الأصح في "تلخيص" الروياني وغيره. ومنهم من قال: إنهما مبنيان على القولين. [وهؤلاء اختلفوا: فمنهم من قال: هما مبنيان على القولين] في الاستخلاف هل يجوز، أم لا؟ وهذا يعضده قول الشافعي- ﵁ في القديم: "من أجاز هذا، أجاز الصلاة بإمامين، ومن لم يجز الصلاة بإمامين، لم يجزه". وقال القاضي الحسين [بناء] على ما نقله: إن هذا لا يصح؛ لأن جواز الاستخلاف قول جديد، وجواز جعل صلاة الانفراد جماعة قول قديم، ولا

стр. 1497

يجوز بناء القديم [على الجديد]. ومنهم من قال: هما مبنيان على أنه إذا أخرج نفسه من الجماعة هل يجوز، أم لا؟ ووجه البناء: أنه يصلي بعض صلاته مع الإمام دون بعض. [وقال القاضي [الحسين:] هذا لا يصح أيضاً؛ لأن المسبوق تصح صلاته، وقد فعل بعض صلاته مع الإمام، دون بعض]؛ لأن المسبوق يخرج من صلاة الإمام بغير فعله، وذلك [بسلام الإمام]؛ فجاز أن يخرج بنفسه؛ بخلاف [ما لو صلى] بصلاة الإمام؛ فإنه لا يحصل بالشروع من غير فعله وقصده. وإذا ثبت ضعف هذين القولين، تعين الأول، وهو أنهما أصلان بأنفسهما، واختلف الأصحاب في محلهما على ثلاث طرق، حكاها القاضي أبو الطيب وغيره: إحداها: إذا لم يختلف [ترتيب] صلاة الإمام والمأموم؛ بأن يكون [قد] تابعه قبل أن يركع في الأولى أو الثانية، وهي أولى الإمام، أما إذا اختلف بأن تابعه في الثانية، وهي أولى [الإمام]، فلا يجوز قولاً واحداً؛ لأن الشافعي- ﵁ نص على المنع بعد الركعة في القديم؛ فقال: إذا صلى ركعة، ثم جاء الإمام؛ شفعها بركعة وقطع، وقال قائل: يدخل مع الإمام، ويعتد بما مضى، ولسنا نقول به، وأطلق الجواز في الجديد، وأطلق المنع في "الإملاء". وهذه الطريقة تنسب إلى أبي إسحاق. [والثانية: أن محلهما إذا اختلف الترتيب، أما إذا لم يختلف فيجوز قولاً

стр. 1498

واحداً، وقد نسبت إلى أبي إسحاق] أيضاً. وقال ابن الصباغ: إن القاضي أبا الطيب اختارها. والثالثة: طرد القولين في الجميع، وهي التي اقتضاها إطلاق الشيخ هنا، وقال البندنيجي: إنها ظاهر المذهب. وقال في "المهذب"، و"التهذيب"، و"التتمة"، و"الكافي": إنها الصحيحة. قال ابن الصباغ: وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب مع التي قبلها لا غير. [و] الأولى حكاها الشيخ أبو حامد مع الثالثة لا غير. ثم إذا قلنا بالجواز، وجب على المأموم أن يتابع الإمام في ترتيب صلاته؛ كالمسبوق، [ثم] إن كان قد سبق الإمام بركعة؛ فإذا قام الإمام إلى الإتيان بها، فلا يتابعه فيه؛ فإن تابعه، بطلت صلاته، ثم هو بالخيار بين أني خرج نفسه من صلاة الإمام ويتشهد ويسلم، وبين أن يطول الدعاء في التشهد حتى يفرغ الإمام ويسلم؛ لأن مفارقة الإمام بالعذر جائزة؛ كما ستعرفه، والانتظار بعذر جائز؛ فإن رسول الله ﷺ انتظر الطائفة الثانية في صلاة ذات الرقاع؛ لتأتي، وقعد [في] أثنائها؛ لتتم صلاتها، مع أنه ليس بتابع لغيره، والتابع أولى. وبالجملة فمتابعة الإمام من غير قطع الصلاة التي يحرم بها منفرداً مكروهة؛ كما هو ظاهر نصه في "المختصر". وقد أطلق الشيخ في "المهذب" القول بأنه إذا أحرم منفرداً، ثم أدرك جماعة يصلون: أن المستحب [له] أن يقطع الصلاة، ويبتدئها في الجماعة. وقال في "المختصر": أحب له أن يكمل ركعتين ويسلم، تكونان له نافلة، ويبتدئ الصلاة معه. ونصه في القديم الذي حكيناه من قبل يوافقه، وجمهور الأصحاب عليه؛ وقالوا: يستحب له أن يتجوز فيهما، وهذا إذا كانت [الصلاة] ثلاثية أو رباعية،

стр. 1499

ووجدت الجماعة قبل تمام الركعتين، ولو وجدت بعد قيامه إلى الثالثة، أتمها. ومحل ذلك إذا لم يخف خروج الوقت عليه لو قطع الصلاة وصلى معهم؛ فإن خاف ذلك، لم يجز، [القطع]؛ قاله في "التتمة"؛ لأن مراعاة الوقت فرض عين، والجماعة سنة، أو فرض كفاية، ولو قطع الصلاة حيث قلنا: يستحب أن يتمها ركعتين ويسلم، قال في "الحاوي": جاز. وقال في "الكافي": إنه غير مستحب. وقال في "التهذيب": إنه مكروه. وفي "التتمة": لا خلاف [في] أنه لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. والقاضي الحسين قال: يستحب له أن يتمها ركعتين، ثم يسلم، ثم قال: وفيه ثلاث مسائل: إحداها: أن يسلم من [كل] ركعتين من غير أن يغير نيته الأولى؛ فتبطل صلاته. والثانية: أن يترك نية الفريضة، ولا يغير نية الأصل فتصح صلاته نافلة وترتفض الفريضة. والثالثة: أن يغير نية الفرض إلى النافلة، وظاهر النص: أنها تنقلب نافلة، ولا تبطل، وقد ذكرنا في نظائرها قولين [فيخرج] في هذه المسألة قول آخر: أنها تبطل، وقد حكاه في "التتمة" أيضاً، والأصح هو الأول، وبه جزم البندنيجي، ونسبه إلى نصه في "الأم" أيضاً. وقال: إنه في غير هذه الصورة إذا نوى الفرض، [ثم قلبه] إلى نفل مطلق، هل يصح، أو يبطل؟ فيه طريقان: إحداهما: القطع بالبطلان. والثانية: أن في المسألة قولين:

стр. 1500

أحدهما: هذا؛ قاله في بعض كتبه. والثاني: يصح؛ قاله في "الأم"، ونقله المزني. وعكس ابن الصباغ؛ فقال: إن الذي نص عليه في "الأم" البطلان، وها هنا الجواز. والأصح- كما قال، وكذا الماوردين وأبو الطيب-: البطلان؛ لأن النفل لم ينوه في جميع صلاته، وما نص عليه في "الإبانة" ليس بقول آخر في المسألة، وإنما أجازه للحاجة إلى إدراك الجماعة. ولا خلاف [في] أنه لو نقل الفرض إلى فرض آخر، لا يجوز، وكذا لو نقله إلى نافلة راتبة؛ كما قال البندنيجي وغيره، ولم يحرم بالظهر قبل الزوال، جزم الماوردي ها هنا بصحة النفل. وقال القاضي أبو الطيب: إنه لا يختلف المذهب في ذلك. لكنه صور المسألة بما إذا ظن دخول الوقت، ثم تبين أنه لم يدخل. فرعان: أحدهما: إذا كان الشخص في جماعة، وحضرت جماعة أخرى، وأحرموا بتلك الصلاة؛ فهل يجوز أن يدخل فيها، ويترك الأولى؟ قال في "التتمة": [إنه] على المسألتين، وقد ذكرناهما. وأراد أن ذلك مفرع على ما إذا أحرم منفرداً، ثم نوى متابعة إمام- هل يجوز، أم لا؟ وعلى ما إذا أحرم مع الإمام، ثم أخرج نفسه من الجماعة، هل يجوز أم لا؟ فإن قلنا: لا يجوز لم يجز ها هنا. وإن قلنا: يجوز، كان كما لو أحرم منفرداً، ثم نوى متابعة إمام، وقد سلف. الثاني: لو أحرم منفرداً بفائتة ما، ثم حضر من يصلي صلاة الوقت في جماعة، لا يجوز أن يسلم من ركعتين؛ ليصلي معهم؛ لأنه إن أراد أن يصلي تلك الفائتة التي يقطعها معهم فقد أراد خلاف الأفضل؛ لأن الأفضل ألا يصلي فائتة خلف من يصلي صلاة الوقت؛ للخروج من خلاف العلماء، وهذا ما حكاه

стр. 1501

في "التتمة"، ونسبه البغوي إلى القاضي الحسين. وإن أراد أن يصلي معهم صلاة الوقت؛ فكذلك؛ فإنه لا يجوز أن يقطع فريضة لمراعاة مصلحة فرضية أخرى. نعم، لو كان قد شرع في الفائتة ظانّاً أن الوقت متسع، ثم زال الغيم، وظهر ضيق الوقت عن الصلاتين- فيستحب أن يقطع الفائتة، ويصلي صلاة الوقت؛ قاله القاضي الحسين في "الفتاوى" ونقله عنه في "التهذيب". قال: ومن أحرم مع الإمام؛ أي: في غير الجمعة، ثم أخرج نفسه من الجماعة؛ لعذر، وأتم منفرداً- جاز؛ لأن الطائفة الأولى في صلاة ذات الرقاع فارقت النبي ﷺ وأتمت لنفسها، وهي مفارقة بعذر. قال: وإن كان لغير عذرن ففيه قولان: أصحهما: أنه يجوز؛ لما روي أن معاذ بن جبل- ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يصليها بقومه، وكان عادته إذا افتتح سورة لا يقطعها حتى يتمها؛ فأخر النبي ﷺ العشاء ليلة؛ فصلى معه، ثم عاد على قومه؛ فصلى بهم؛ فشرع في سورة البقرة فأخرج رجل نفسه من صلاته؛ فلما سلم معاذ، أخبر بذلك؛ فقال: نافق الرجل؛ فبلغ [ذلك] الرجل قول معاذ؛ فغاظه ذلك، وقال: والله لأغدون إلى رسول الله ﷺ وأخبره بصنيع معاذ؛ فجاء في الغد إلى النبي ﷺ ، وقص عليه القصة؛ فلم يقل شيئاً حتى دخل معاذ؛ فلما دخل [معاذ] قال له: "أفتان أنت يا معاذ؟ أين أنت من سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ...﴾، فما رُئِي رسول الله ﷺ في موعظة أشد منه فيها.

стр. 1502

وجه الدلالة [منه]: أنه ﵇ أنكر على معاذ، ولم ينكر على الرجل، ولا أمره بإعادة الصلاة، ولو بطلت [الصلاة، لأمره بها؛] ولأنه تبرع بالاقتداء، والتبرع بالصلاة لا يلزم بالشروع؛ فكذا في وصفها، وهذا ما نص عليه في الجديد، والشيخ في تصحيحه متبع لسائر الأصحاب، وحكى الروياني والرافعي: أن الإصطخري قطع به. ومقابله- وهو القديم-: أنه لا يجوز؛ لقوله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه". ولأن صلاة الجماعة تخالف صلاة الانفراد في الأحكام؛ فلا يجوز الانتقال من إحداهما إلى الأخرى؛ كما لا يجوز أن ينتقل من الظهر إلى العصر، وقد رأيت في "تعليق" البندنيجي: أن الإصطخري قطع به. وهذه الطريقة هي الطريقة المشهورة الصحيحة، ووراءها طريقان: إحداهما: أن المفارقة إن كانت بغير عذر فلا يجوز قولاً واحداً، وإن كانت بعذر فقولان؛ حكاهما القاضي الحسين والبغوي. والثانية: إجراء القولين في الحالين، وهذه الطريقة تحكي عن اختيار الحليمي. [ثم إن العذر المجوز] لذلك على الطريق الأول ما يجوز بسببه ترك الجماعة، هكذا قاله الإمام، وألحق بذلك ما إذا ترك الإمام سنة مقصودة كالتشهد [الأول] والقنوت. وأما إذا لم يصبر؛ لطول القراءة؛ لضعف، أو شغل، قال الرافعي: وعن الشيخ أبي محمد ما ينازع في الأخير؛ لأن صاحب "البيان" حكى عنه أنه جعل انفراد الرجل عن معاذ [انفراداً] من غير عذر.

стр. 1503

[قلت]: وهذا ما اقتضاه كلام غيره؛ حيث جعلوا حديث معاذ حجة لأحد القولين في المفارقة بغير عذر. وفي "الذخائر": أن من الأصحاب من حكى قولين في أن ترك القنوت هل يكون عذراً في المفارقة، أم لا؟ وأن المأموم لو شك بعد ركوع الإمام: هل أتى هو بالقراءة، أم لا- هل يكون [عذراً] في المفارقة، أم لا؟ فيه قولان. فرع: لو كان في جماعة، فانتقل إلى جماعة أخرى- قال بعضهم: جاز على القول الذي يجوز المفارقة بغير عذر؛ لأنه إذا جاز أن ينتقل إلى نقصان؛ فإلى زيادة أولى. قلت: هذا ظاهر إن قلنا: إن القولين في جواز الانتقال من الانفراد إلى الجماعة مبنيان على القولين في الانتقال من الجماعة إلى الانفراد، أما إذا قلنا: إنهما أصلان، فيشبه أن [يكون] القول بالجواز من جماعة إلى جماعة مفرعاً على القول الصحيح في جواز الانتقال من الانفراد إلى الجماعة، وحيث جاز فهو من جماعة إلى جماعة غير مستحب، ومن جماعة إلى انفراد مكروه، [و] الانتقال من الجماعة إلى الانفراد لا يجوز؛ ولو كان في الركعة الثانية. قال: وإن أحدث الإمام، [أي:] في أثناء الصلاة؛ فاستخلف مأموماً-

стр. 1504

جاز في أصح القولين؛ لأن أكثر ما فيه أن القوم يصلون بعض صلاتهم خلف من لم يكن إماماً لهم في ابتداء صلاتهم، وهذا لا يمنع صحة الصلاة؛ لقصة أبي بكر- ﵁ لأنه أم الناس في ابتداء صلاتهم، و [أمَّهُ و] أمهم رسول الله ﷺ في باقيها، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وقد وافق الشيخ على تصحيحه كل الأصحاب. قال: إلا أنه لا يستخلف إلا من لا يخالفه في ترتيب الصلاة؛ حفظاً لنظام صلاة المأمومين، ومراده بذلك- والله أعلم-: ألا يستخلف إلا من علم كيفية صلاة الإمام، وما صلى منها؛ فإنه إذا استخلف من لا يعرف ذلك؛ بأن كان مسبوقاً، لم يمكنه المشي على ترتيبها، وهذا أحد القولين؛ كما حكاه صاحب "الكافي" وغيره. ومقابله: أنه يجوز غير أنه إذا صلى ركعة رقب لقوم، فإن هموا بالقيام، قام، وإلا قعد؛ كالإمام إذا سبح به القوم. وقد حكى القولين هكذا في "العدة" عن رواية صاحب "التلخيص"؛ فإن الشيخ أبا علي قال: إنهما لابن سريج، وإنما القولان إذا سبح القوم ينبهونه على السهو، وهو لا يذكر هل يقلدهم؟ قولان: أحدهما: لا، بل يبني على يقينه. والثاني: [أن المنبهين إن كانوا] جمعاً كثيراً؛ بحيث لا يقع [لهم الغلط]، قلدهم؛ [لأجل قصة] ذي اليدين. قال: والصحيح من وجهي ابن سريج: الجواز. قلت: والذي أجاب به القاضي الحسين في "الفتاوى" مقابله؛ ويتعين حمل كلام الشيخ عليه، وإلا فمتى استخلف مأموماً [مسبوقاً أو غير مسبوق]، وجب [عليه] أن يمشي على ترتيب [صلاة] إمامه على المذهب؛ كما

стр. 1505

سنذكره، ولا حاجة مع ذلك إلى قوله "إلا [أنه] لا يستخلف إلا من لا يخالفه في ترتيب الصلاة"، ولما عرف بعض الشارحين ذلك، وضاق عليه الأمر، قال: الصواب أن يقول: فاستخلف إنساناً. ويشبه أن يكون هذا عين الخطأ؛ إذ لو كان كذلك، لاختص محل [ذلك بغير صلاة الجمعة]؛ لما ستعرفه [أنه لا يجوز أن يستخلف] في صلاة الجمعة إلا مأموماً، وكلام الشيخ الآتي صريح في أن ما ذكره جار في الجمعة وغيرها؛ فافهم ذلك. والقول الثاني الذي سكت عنه الشيخ: أنه لا يجوز أن يستخلف؛ لأنه ﵇ لما ذكر أنه جنب؛ لم يستخلف، وقال: "مكانكم"، ودخل واغتسل، وخرج، وصلى بهم، ولو كان يجوز لفعله؛ ولأنه لا يجوز الاتئمام بشخصين معاً في صلاة واحدة، [فكذا على] التعاقب فيها، وهذا ما نص عليه في القديم، و"الإملاء". وأجاب المنتصرون للأول عن الخبر بأن رواية البخاري له صريحة في أنه لم يكن قد أحرم بعد، وإنما ذكر ذلك قبل التحرم؛ فلا حجة فيه، وإن كان ذلك بعد إحرامه فليس فيه أكثر من أنه لم يستخلف، وذلك جائز عندنا، وأما أن الاستخلاف لا يجوز، فليس في الخبر ما يدل عليه، على أنه لو كان فيه ما يدل لقلنا: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الاستخلاف؛ فإن استخلاف أبي بكر- ﵁ كان في [اليوم] الذي مات فيه رسول الله ﷺ . والفرق بين ذلك وبين ما إذا اقتدى باثنين معاً: أنه لا يمكنه متابعتهما، وها هنا يمكنه [ذلك]. ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في جريان القولين [بين] أن يكون ذلك في الجمعة، وغيرها، وبه صرح الجمهور، وحكى الإمام وغيره أن منهم من خصص القولين بصلاة الجمعة؛ فإن الجماعة ركن [فيها]، ويشترط فيها شرائط لا يشترط منها شيء في سائر الصلوات؛ فيليق بها اشتراط اتحاد الإمام، ويجوز في غير الجمعة قولاً واحداً.

стр. 1506

التفريع: على المشهور: إن قلنا: يمنع الاستخلاف؛ فإن كان حدث الإمام في غير الجمعة، أتم المأمومون لأنفسهم فرادى، وإن كان في الجمعة؛ فهل يجوز للمأمومين أن يتموا لأنفسهم صلاتهم، ظهراً، أو جمعة؟ قال القاضي أبو الطيب والمتولي: فيه قولان: أحدهما- نقله المزني في "المختصر" عن الشافعي- ﵁: أنه يجوز إن كان حدث الإمام في الثانية، ولا يجوز إن كان في الأولى؛ لقوله ﵇: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى". وقد قيل: إن من هذا القول خرج المزني: أن القوم لو انفضوا في الركعة الثانية، أتمها الإمام جمعة؛ كما ستعرفه في موضعه. والقول الثاني نقله المزني في "جامعه الكبير": أنه يجوز، سواء أكان حدثه في [الركعة] الأولى أو الثانية؛ لأن المعنى الذي لأجله منعنا الإمام من الاستخلاف هو أن حكم صلاته باق لم يبطل، وإن كان حكمها باقياً، جاز لهم أن يتموها جمعة؛ كما لو كان حدثه بعد أن صلى ركعة. وقد قيل: إن المزني خرج منه قولاً فيما إذا انفض القوم عن الإمام في الأولى: أنه يتمها جمعة، والقولان هكذا حكاهما ابن الصباغ عن رواية أبي إسحاق، وملخصهما: أنه إذا [كان] حدثه في الثانية، أتموها جمعة [قولاً واحداً، وإن كان في الأولى، فهل يتمونها جمعة،] أو ظهراً؟ [قولان. وعكس الماوردي ذلك؛ فقال: إن كان حدثه في الأولى، أتموها ظهراً،] لا

стр. 1507

يختلف فيه مذهب الشافعي، وسائر أصحابه، وإن كان في الثانية، فمذهب الشافعي: أنهم يتمونها ظهراً، وعلى قياس مذهب المزني في مسألة الانفضاض، يتمونها جمعة. ويجيء من مجموع النقلين في المسألة ثلاثة أقوال، حكاها مجلي: أحدها: أنهم يتمونها جمعة، كيف كان الأمر. والثاني: يتمونها ظهراً، كيف كان الأمر، وهذا إذا ضاق الوقت عن إمكان إعادة الخطبة والصلاة؛ فإن أمكن أعيدت. والثالث: إن كان حدثه في الأولى، أتموها ظهراً إن ضاق الوقت، وإن كان في الثانية، أتموها جمعة، وهذا ما أورده البندنيجي والبغوي. قال الإمام: إن الأصحاب قطعوا بما إذا كان حدثه في الثانية أنهم يتمونها جمعة، وإن كان في الأولى؛ فهل يتمونها ظهراً، أو نفلاً، أو تبطل؟ فيه خلاف يأتي مثله في مسألة الزحام ونظائرها. ثم قال: وكان شيخي يقول: قد ذكرنا في مسألة الانفضاض قولاً: أن القوم إذا انفضوا في الركعة الأولى، وبقي الإمام وحده- أن الجمعة تصح، وعلى هذا لا يمتنع أن نقول: إذا بطلت صلاة الإمام في الركعة الأولى، وزال [الإمام] عنهم- كان كانفضاضهم عن الإمام، فإذا كان الإمام يتم الجمعة، [فأولى أن يتم المأمومون]، وإن جرى الانفضاض في الركعة [الأولى]، فكذلك القوم يتمون الجمعة وإن زال إمامهم في الركعة الأولى، وهذا قياس حسن، غير أن قياسه: أن صلاة الإمام إذا بطلت في الركعة الثانية ألا يتم المأمومون الجمعة على قول؛ [بناء] على أن الانفضاض لو حصل في الركعة الثانية، لا يتمها الإمام جمعة، وقد قال الأصحاب: إنهم يتمونها جمعة، ووافقهم شيخي، وعندي [أنه] يقتضي طرد القياس؛ إذ لا يكاد يظهر فرق؛ فإن الإمام ركن الجماعة في حق المقتدين؛ كما أن القوم ركن الجماعة في حق الإمام، وليس كانفراد المسبوق بركعة؛ فإنه قد صحت الجمعة للإمام والجمع؛ فأثبت للمسبوق إدراك الجمعة على طريق التبعية لأقوام صحت جمعتهم.

стр. 1508

قلت: وأنت إذا تأملت ما ذكره من التخريجين، عرفت أن ما قاله شيخه هو الذي نقله المزني في الجامع الكبير عن الشافعي، وما قاله الإمام هو عين ما حكاه الماوردي عن النص؛ فلا يحتاج إلى التخريج، ثم فيما قاله شيخه نظر من وجه آخر، وهو: أنا قد حكينا أن القول بصحة جمعة الإمام [إذا انفض القوم بجملتهم في الأولى مخرج من هنا؛ فكيف يخرج من الفرع أصله؟! نعم ستقف في باب صلاة الجمعة على أن القول بصحة جمعة الإمام] مع انفضاضهم في الأولى منصوص للشافعي، وحينئذ يستقيم التخريج منه إلى هنا لو عدم النص فيه، وأما تخريج الإمام، وقوله: "إنه لا يكاد يظهر بين المسألتين فرق"، فالأصحاب صرحوا به في كتاب الجمعة، وسنذكره ثم- إن شاء الله تعالى- فإن قلنا: يجوز الاستخلاف، جاز أن يستخلف في غير الجمعة من كان معه قبل حدثه من أول الصلاة، أو في آخرها، ويجب عليه أن يمشي على ترتيب صلاة إمامه؛ فيجلس؛ للتشهد [في موضع تشهد إمامه، ويقنت حيث يقنت، وإن لم يكن ذلك محلاً لتشهده] وقنوته؛ قاله ابن الصباغ. فإذا تمت صلاة المأمومين، قام إلى تتمة صلاته، وقنت في موضع قنوته، وتشهد في موضع تشهده، ويخير القوم بين أن ينتظروه حتى يسلم بهم، وبين أن ينووا المفارقة [ويسلموا، وبين أن يقدموا واحداً منهم، ليسلم بهم؛ أي: بعد نية المفارقة]. وحكى مجلي في جواز انتظارهم له خلافاً، والمشهور: الأول. وفي "زوائد" العمراني أن القاضي سليم قال في "فروعه": إنه لا يجب على المستخلف أن يمشي على ترتيب صلاة مستخلفه، بل على ترتيب صلاة نفسه، وهو في حكم إمام منفرد، وهل يشترط أن ينوي المأموم الاقتداء بالخليفة، أم لا؟ الجمهور على عدم الاشتراط. قال في "الكافي": وهو الأصح. وأشار بذلك إلى وجه حكاه في "التهذيب": أنه يشترط ذلك.

стр. 1509

قلت: ولا يبعد أن يكون قائله هو الصائر إلى أن الخليفة يمشي على ترتيب صلاة نفسه. وهذا كله فيما إذا كان الاستخلاف في غير الجمعة، أما إذا كان في الجمعة فيجوز أن يستخلف من كان معه في الركعة الأولى، سواء كان حدثه في الثانية، أو [في] الأولى، لكن [هل] يشترط أن يكون قد سمع الخطبة؟ فيه قولان حكاهما الصيدلاني وغيره: أحدهما: لا، وهو ما نص عليه في "الأم". والثاني: نعم، وهو ما حكاه القفال وغيره عن نصه في "البويطي". والأصح الذي لم يورد العراقيون سواه: الأول. وهل يجوز أن يستخلف من لم يكن معه في الأولى؟ فيه خلاف صرح به الشيخ؛ حيث قالك وقيل: لا يجوز أن يستخلف في صلاة الجمعة إلا من كان معه في الركعة الأولى. ووجهه: أنه إذا لم يكن معه في الأولى دار بين أن يكون قد اقتدى بالإمام بعد ركوعه في الثانية، أو قبله، وأيّاً ما كان؛ ففرضه الظهر، أما في الأولى، فظاهر، وأما في الثانية؛ فلأنه لم يدرك معه ركعة تامة، والجمعة لا تدرك بركعة ناقصة؛ كما ستعرفه في مسائل الزحام، وإذا كان كذلك، فالجمعة لا تصح خلف من يصلي الظهر؛ كما سيأتي. وهذا القول حكاه المراوزة، وعبارتهم في حكايته: أنه هل يجوز أن يستخلف من لم يكن معه في الأولى؟ ذلك [ينبني] على أنه هل يجوز أن يستخلف في الأولى من كان معه فيها قبل الركوع، لكنه لم يسمع الخطبة؟ وفيه ما تقدم: فإن قلنا: لا يصح [ثمّ]، لم يصح هاهنا. وإن قلنا: يصح ثم، [فهاهنا] قولان، وهذا يجوز أني كون مرادهم به ما إذا كان من لم يدرك الأولى، لم يسمع الخطبة؛ إذ هو الغالب، أما إذا كان قد سمعها، لكنه لحقه وسوسة؛ فلم يدرك الإمام إلا في الثانية؛ فلا يجيء فيه إلا قولان من غير ترتيب، ويجوز أن يقولوا: مأخذ الترتيب عندنا [أنا] إذا شرطنا

стр. 1510

في المستخلف [في الأولى] أن يكون قد سمع الخطبة؛ فكأنا نشترط فيه أن يدرك كل واجبات الجمعة مع الإمام، وإذا كان كذلك؛ فهو إذا لم يدرك الأولى مع الإمام، وأدرك الثانية، و [قد] سمع الخطبة- لم يدرك كل واجباتها معه، وحينئذ يأتي الترتيب والله أعلم. قال: والمنصوص: أنه يجوز أن يستخلف في الجمعة [في] الثانية من لم يكن معه في الأولى؛ لأنه باستخلافه ناب منابه، ولو استمر لصحت القدوة؛ فكذا من ناب منابه، وإن لم توجد فيه الشرائط؛ ألا ترى أن الإمام في الجمعة لو أحرم بأربعين سمعوا الخطبة، ولحقهم أربعون لم يسمعوها؛ فأحرموا معه، ثم انفض الذين سمعوا الخطبة، وبقي من لم يسمعها- لم يقدح ذلك في صحة الجمعة؛ لأن بإحرامهم معهم، انسحب عليهم حكمهم؛ فكذا هنا. وقد أفهم كلام الشيخ أن المنصوص الجواز، سواء أدرك المستخلف الإمام قبل الركوع في الثانية، أو أدركه في الركوع، أو أدركه بعد الرفع منه؛ لأن من لم يدرك الأولى، يتنوع حاله إلى ذلك، وهو فيما إذا أدرك الركعة الثانية منصوصه في "الأم"؛ لأنه قال فيه: "ولو أحدث في الركعة الأولى؛ فاستخلف من أحرم معه، صح، ثم إذا صلى المستخلف منها ركعة؛ فلما قام إلى الثانية أحدث، واستخلف من أدرك الركعة الثانية، وأشار إليهم أن يسلم بهم أحدهم، وقام هو؛ فأتمها ظهراً"؛ ولأجل هذا جزم القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما بصحة استخلافه فيها. وأما إذا كان المستخلف لم يحرم مع الإمام إلا بعد الرفع من الركوع؛ فالجواز في هذه الصورة محكى في "المهذب" و"تعليق" أبي الطيب وغيرهما وجهاً عن بعض الأصحاب، ونسبه البندنيجي إلى الشيخ أبي حامد، وأبداه ابن الصباغ احتمالاً لنفسه؛ أخذاً من نصه في "الأم" في المسألة قبلها؛ لأنه لما صح استخلافه؛ مع أنه التزم إتمام صلاته ظهراً، دل هذا منه على أنه يجوز أن يستخلف في الثانية من يصلي الظهر، ومن أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع يصلي ظهراً؛ فوجب صحة استخلافه.
следующие страницы →