Полный текст (9 685 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الترمذي، وقال: إنه حسن.
وقد حكى في "الروضة" قولاً غريباً: أنه لايكره السواك للصائم بعد الزوال؛
ولعل مستنده الأخذ بظاهر هذين الخبرين.
قال: والمستحب أن يستاك بعود من أراك؛ لما روى أبو زجرة: أن النبي ﷺ كان
يستاك بالأراك، تعذر عليه استاك بعراجين النخل، فإن تعذر استاك بما وجد.
وتقديم الأراك على غيره؛ [لأجل أنه] طيب الطعم والريح؛ فيقوم مقامه في ذلك
السعد والأشنان، لكن في الأراك أمر زائد عليهما، وهو أن فيه تشعيرة تظهر عند بله،
فإذا كبس باليد على الأسنان دخلت فيما بينها فأزالت ما فيه من تغير؛ فلذلك قدم.
стр. 142
قال: وأن يستاك بيابس قد ندي بالماء؛ كي لا يجرح لثته لو لم يبله، ولا يحصل
المقصود إن كان قد بلغ غاية اللين بالنقع في الماء.
واللثة - بكسر اللام وتخفيف الثاء-: لحم الأسنان، وقيل: مغرسها.
وعبارة بعضهم:"يكون عوداً بين عودين لا يابساً؛ فيجرح اللثة، ولا ليناً؛ فلا ينقي.
ولو كان أصبعه في تحصيل الإنقاء كاليابس المندى بالماء؛ ففي الاكتفاء بالاستياك
به خلاف، وأطلق أبو الطيب والبندنيجي القول بأنه لا يكفي؛ حملاً على أن الغالب
أنه لا يتأثر له في الإنقاء.
وأطلق المحاملي والقاضي الحسين القول بجوازه.
وحكى الرافعي وجهاً ثالثاً: أنه إن وجد غيره لا يجزئه، وإلا كفاه؛ لمكان الفقد.
ولا خلاف في أنه لو وضع عليه خرقة خشنة واستاك به، أجزأه؛ وكذا استياكه بكل
عين تزيل القلح؛ ولا يرد على ذلك ما إذا تمضمض بماء الغاسول ونحوه فإنه لا
يحصل سنة السواك وإن أزال القلح؛ لأنه لا يسمىى: مستاكاً. على أن الإمام قال: إنه
ليس عرباً عن احتمال بعيد.
قال: والمستحب أن يستاك عرضاً ويدهن غبا ويكتحل وتراً؛ لما روي أن النبي ﷺ
قال: " استاكوا عرضاً وادهنوا غبا واكتحلوا وتراً".
وقد روى أبو داود مرسلا قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شربتم فاشربو مصا
стр. 143
وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً".
وهل المراد: عرض الأسنان - وهو عرض الوجه - أو عرض الفم: وهو [في]
طول الوجه؟ يحتمل وجهين، لكن الذي ذكره أبو الطيب والمتولي: الأول لأنه أمكن
وأسهل.
وادعى الماوردي وجماعة أن الثاني مكروه؛ لما فيه من إيذاء اللثة أو فساد
العود.
وفي "النهاية": أنه يستاك في عرض الوجه وطوله محاولاً إزالة القلح، فإن اقتصر
على أحد الجهتين، فينبغي أن يكون في عرض الوجه.
قال ابن الصباغ: ويستحب أن يبتدئ من الجانب الأيمن - أي: من فمه - إلى
الوسط، ثم يفعل يالأيسر مثل ذلك؛ لأنه ﵇ كان يحب التيامن في
стр. 144
كل شيء.
واستحب الماوردي أن يمر الآلة على ظاهر أسنانه [وباطنها وعلى أطراف
أسنانه] وكراسي أضراسه، ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً؛ ليزول الخلوف
عنه.
والغب - كما قال ابن فارس -: أن ترد الإبل الماء يوما وتدعه يوماً؛ وبهذا
فسره الإمام أحمد في الحديث، وبه قال بعض الشارحين.
وقيل: المرادبه: أن يدهن ثم يترك على أن يجف، ثم يدهن؛ وهذا قول من فسر
الغب بالوقت بعد الوقت.
وفي "غريب" الهروي: يقال: أغب الرجل، إذا جاء زائراً بعد أيام.
والوتر في الاكتحال: أن يضع في كل عين ثلاث مرات.
وقيل: المراد: أن يكون المجموع وتراً؛ فيضع في اليمنى ثلاثاً وفي اليسرى مرتين،
والأول أصح؛ لما روى الترمذي في شمائله ﵇ أنه كانت له مكحلة
يكتحل منها كل ليلة ثلاثا في هذه وثلاثاً في هذه.
ولو خالف واكتحل شفعا حصل بعض السنة، روى أبو داود أنه - عليه
السلام -قال:" من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج".
стр. 145
قال: ويقلم الظفر، وينتف الإبط - أي: من اعتاده، وإلا فليلحقه - ويحلق العانة،
ويقص الشارب؛ [أي] ويستحب ذلك؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله -
ﷺ "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط متفق عليه.
والاستحداد: حلق العانة؛ مأخوذ من استعمال الحديد.
والإبط: بكسر الهمزة وسكون الباء.
وكما يسستحب نتف الإبط يستحب نتف الأنف أيضاً.
والأولى في قص الأظفار أن يكون مخالفا؛ فإنه ورد حديث:"من قص أظفاره
стр. 146
مخالفاً لم يرى في عينه رمداً".
وفسره أبو عبد الله بن بطة بأن يبتدئ بخنصر اليمنى، ةثم بالوسطى ثم بالإبهام،
ثم بالبنصر، ثم بالمسبحة، ثم بإبهام اليسرى، ثم الوسطى، ثم بالخنصر، ثم بالسبابة،
ثم بالبنصر.
وفي "الإحياء": انه يبتدى في اليدين بمسبحة اليمنى، ويختم بإبهامها، وفي
الرجلين بالخنصر من اليمين، ويختم بخنصر اليسرى؛ كما في التخليل.
وأما وقت وقت ذلك: فقد تعرض له الشيخ في باب هيئة الجمعة ولا يعارضه ما روى
عن أنس، قال: وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة
ألا تترك أكثر من أربعين يوماً. نعم، روى عن وصية على - كرم الله وجهه -: أن
تقليم الأظافر يكون في كل عشرة أيام، ونتف الإبط في كل أربعين يوماً، وحلق العانة
في كل عشرين يوماً ونتف الأنف في كل ثلاثين يوماً والحق الرجوع في ذلك إلى
الحاجة.
قال: ويكره القزع، [والقزع]: حلق بعض الرأس، سواء كان من [موضع]
واحدا، أو متفرقاً؛ أخذاً من قولهم للقطعة من السحاب: قزعة.
ودليل كراهته: ما روى [البخاري] عن ابن عمر قال:"سمعت رسول الله ﷺ
نهى عن القزع" وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ رأى غلاماً قد بعضه، وترك
стр. 147
بعضا، فنهاهم عن ذلك. أخرجه مسلم وفي رواية: "احلقه كله أو دعه كله".
أخرجه أبو داود
ثم النهي لأجل مافيه من التشويه، وهو دأب أهل الشطارة.
وكذا يكره نتف الشيب وخضبه بالسواد؛ كما ذكره في "التهذيب".
وفي"الحاوي" أن خضبه بالسواد حرام إلا في الجهاد.
ويجوز خضاب الشعر بالحناء، وهو سنة؛ قال ﵇: "إن أحسن ما
غيرتم به الشيب الحناء والكتم" رواه النسائي وخضابه بالحمرة والصفرة منه أيضاً.
стр. 148
واعلم أن ذكر الشيخ القزع في هذا الباب؛ لأنه مناسب لما تقدمه من الآداب،
وأدخل مأتقدمه في الباب؛ لتعلق بعضه بحديث السواك، وتعلق بعضه ببعض في
الحديث، وإلا فكراهة القزع مذكورة في "المهذب" في باب العقيقة، وثَم ذكره في
"الروضة" وتعرض لأمور [أخر]:
منها: أن حلق جميع الرأس لا بأس به لمن لا يخف عليه تعاهده ولا بأس بتركه
لمن خف عليه.
ومنها: أنه يستحب فرق جميع الرأس.
ومنها غسل البراجم, وهي عقد الأصابع ومفاصلها, يلتحق بها إزالة ما يجتمع
من الوسخ في معاطف الأذن وصماخها في الأنف وسائر البدن.
ومنها: يستحب ترجيل الشعر, وتسريح اللحية؛ ويكره تبييضها بالكبريت أو
غيره؛ استعجالا للشيخوخة, ونتفها [أول طلوعها] إيثارا للمرودة وحسن الصورة.
وكذا يكره تصفيف شعر اللحية طاقة فوق طاقة, تحسينا, والزياده فيها والنقص
منها بالزيادة في شعر العذارين من الصدغين, أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس,
ونتف جانبي العنفقة وتركها شعثة إظهارا لقلة المبالاة بنفسه, ولا بأس بترك سبالته,
وهما طرفا الشارب.
قال: ويجب الختان؛ لقوله تعالى: ﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾ [النساء: ١٢٥] ,
وإبراهيم أول من اختتن, ويروى أنه ختن نفسه بالقدوم بالتشديد: وهو الفأس,
стр. 149
وبالتخفيف: وهو اسم المكان الذي اختتن فيه.
قال الماوردي: وقد قيل: إنه اختتن وهو ابن سبعين سنة, وقيل: ثمانين, ولا يفعل
ذلك في هذا السن إلا عن أمر الله تعالى, روى البخاري في باب قوله تعالى: ﴿واتخذ
الله إبراهيم خليلا﴾ [النساء: ١٢٥] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم".
وروي أنه ﵇ قال لرجل أسلم: "ألق عنك شعار الكفر واختتن" ,
وهذا أمر, والأمر للوجوب.
وروي أنه قال - على وجه المبالغة:- "أيما رجل حج قبل أن يختتن لم يقبل
حجه".
ولأنه قطع جزء [سليم] من البدن لا يستخلف؛ تعبدا؛ فكان واجبا؛ كالقطع في
стр. 150
السرقة.
واحترزنا بالقيد الأول عن الظفر والشعر, وبالثاني عن القطع للأكِلَة؛ فإن ذلك
ليس بواجب.
وقد استدل له الجيلي بأن بقاء ما يجب قطعه يحبس النجاسة, وذلك يمنع صحة
الصلاة, وفيه نظر؛ لأن القاضي أبا الطيب ذكر أن الخصم استدل على أن ذلك سنة
بأنه أمر به حتى [لا] يجتمع تحتها بول, وهذا القدر من النجاسة لا يجب إزالته
عندنا, وإنما هو مستحب؛ فيجب أن يكون القطع مثله, فأجاب عنه, ولم يمنعه
الحكم؛ وذلك يدل على أنه عندنا كذلك, وما ذكره الشيخ هو الصحيح ووراءه
стр. 151
وجهان في "الرافعي":
أحدهما: أنه سنة مؤكدة.
والثاني: أنه واجب في حق الرجال, مستحب في حق النساء؛ وهذا قد حكاه
القاضي الحسين مع الأول.
وعن ابن كج حكاية قولين من غير تفصيل.
والذي جزم به المعظم: الأول.
وإذا قلنا به فالواجب في حق الرجال قطع الجلدة التي تواري الحشفة - ويقال
لها: القلفة, وللقطع إعذار - حتى تنكشف جميع الحشفة.
وقال الإمام: ولو بقي مقدار لا ينبسط على سطح الحشفة وجب قطعه؛ حتى لا
يبقى جلدا متجافيا.
وعن ابن كج أنه قال: عندي أنه قطع شيء من القلفة وإن قل, بشرط أن يستوعب
القطع تدوير رأسها.
والواجب في حق المرأة قطع اللحمة كما قال الرافعي، أو الجلدة - كما قال
الماوردي - التي في أعلى الفرج فوق ثقب البول وهي تشبه عرف الديك، فإذا
قطعت بقي أصلها كالنواة، ويكفي أن يقطع ما يقع عليه الاسم. وروي أنه - عليه
السلام - قال لأم عطية - وكانت تخفض النساء -: "يا أم عطية إذا خفضت فأشمي ولا
تنهكي؛ فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند الزواج" أي: لا تبالغي في القطع؛ فإنه يؤثر
стр. 152
انقطاع الشهوة؛ كما قاله القاضي الحسين، واتركي الموضع أشم، أي: مرتفعاً.
стр. 153
وقوله: "أسرى للوجه" أي: أصفى، وقيل عني به: ما يحصل لها في نفس الزوج
من الحظوة بها.
وختان المرأة يسمى: خفضاً، كما يسمى ختان الرجل إعذاراً.
ومحل الوجوب بعد البلوغ؛ لأنه واجب في البدن، وليس الصبي من أهله،
ويخالف العدة فإنها تتعلق بمضي الزمان؛ وكذا أطلقه الجمهور.
وادعى القاضي الحسين أنه لا خلاف فيه، مقتضاه أنه لا يجب إلا على الشخص
نفسه وإن كان عبداً؛ كما صرح به الأصحاب في كتاب الرهن.
وقال البغوي هنا: إن عللى السيد أن يختن عبده، أو يخلي بينه وبين كسبه حتى
يختنة نفسه.
وعبارة القاضي الحسين في باب صلاة الإمام قاعداً بقيام: " إن كان له عبد غير
مختون، فعلى مالكه أن يخلي بينه وبين كسبه زماناً يحصل فيه أجرة الختان
بالكسب، ـ وإن لم يخله يجب عليه أن يختنه من ماله؛ وكذا أجرة تعليم الفاتحة".
قال الماوردي: ويؤخذ من توجه عليه الختان في أول إمكانه، ولا يؤخر إلا بعذر؛
فإن امتنع منه ولا عذر، ختنه السلطان.
وفي "الزوائد" للعمراني أن القاضي ذكر في كتاب الختان أن الصيدلاني
стр. 154
وأبا سليمان المروزي صاحب المزني قالا: "يعصي الأب يترك ولده حتى يبلغ"، وأن
القاضي قال: "وظاهر كلام الصيدلاني أن الأب لا يجب عليه ختان ابنه قبل
البلوغ؛ لأنه [لا] يعصي إلا بترك واجب".
والمشهور، والذي جزم به الجمهور الأول، لكنهم قالوا: إنه يجوز قبل البلوغ،
وادعى القاضي الحسين أنه لا خلاف فيه، ومع جوازه فهو سنة؛ كما صرح به
الأصحاب، لكن في أي وقت؟ الذي حكاه الماوردي وأبن الصباغ: أنه يوم السابع إن
لم يكن ضعيفاً لا يحتمله؛ لما روي أنه ﵇ ختن الحسن والحسين في
اليوم السابع؛ وهذا نسبه أبو الطيب إلى ابن هرية.
وعلى هذا هل يدخل يوم الولادة في العدد؟ فيه وجها:
قال ابن أبي هريرة: نعم.
وقال الأكثرون: لا.
فلو أخر عن السابع، [قال الماوردي]: والمستحب أن يختن في الأربعين، فإن
أخر عنها، فالمستحب أن يختن في السنة السابعة؛ لأنه الوقت الذي يؤمر فيه بالطهارة
والصلاة.
وقال القاضي الحسين في "التعليق"، وهو المذكور في "التهذيب": "عندي أن وقته
بعد استكمال العشر، فأما قبله فلا يجوز بحال؛ لأنه ﵇ أمر بضربه
وتأديبه للصلاة وغيرها بعد العشر؛ فدل على أن بدنه لا يحتمل الألم قبلها، ويحتمله
стр. 155
بعدها ذكره في كتاب الحدود، وفي باب الصلاة قاعداً بقيام.
وهذا كله إذا كان البي يطيقه، فلو كان ضعبفا لا يطيقه، فيؤخر إلى الوقت الذي
يحتمله؛ حتى قال الإمام: لو كان اللرجل على خلقة من الضعف بحيث لو [ختن]
خيف عليه لم يجز أن يختن، بل ينتظر الممكن بأن يصير بحيث يغلب على الظن
سلامته لو ختن؛ وبه صرح الماوردي أيضاً؛ موجهاً له بانه لا تعبد بما يفضي إلى
التلف.
ثم كل موضع قلنا: يجوز ختانه، فيستوي فيه الأب والجد والحاكم والوصي؛
صرح الماوردي، ويكون مؤنة الختان من مال الصبي؛ كما قاله القاضي الحسين
والإمام لأنه يجب عليه بعد البلوغ.
وفي "الرافعي" وجه آخر: أنها في مال الأب، وهو في غيره منسوب للقاضي
الحسين، وقال: في "تعليقه" في باب صلاة الإمام قاعدا بقيام: إن أجرة الختان وتعليم
القرآن، إن كان للولد مال كانت في ماله، وإلا فعلى الأب.
[وقال فيه: إن ما يهدي عند ختان الولد يكون ملكا للولد، والأب يقبلها له].
فرع: الخنثى المشكل هل يجب خناته؟ المشهور نعم، فيختن الفرجين وجوبا؛ لأن
أحدهما أصلي فيجب خناته، ولا يعرف؛ فتعين ختانهما؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به
فهو واجب، وقد شبه ذلك بإتلاف الزوج البكارة؛ ليصل إبلى حقه من الوطء.
وفي "التهذيب" في كتاب النكاح: أنه لا يجوز؛ لأن الجرح على الإشكال لا
يجوز.
ثم على الأول من يتولاه؟
قال العمراني في " الزوائد": قال القاضي في كتاب الجنايات: إن كان صغيراً ختنه
الرجال والنساء على طريقة مشايخنا بخراسان: الصيدلاني والمروزي.
وعلى طريقة البندنيجي لا يختن الصغير إذا كان خنثى، لا وجوباً ولا استحباباً؛
لأنه لا يتعين المحل، وإن كان بالغاً نظر: فإن كان يحسن ذلك تولاه، وإن لم يحسن
стр. 156
ولم يمكنه؛ لعجزه أو جزعه اشترى له جارية تحسن ذلك.
فإن لم توجد جاز أن يتولاه اللرجال والنساء؛ لأنه موضع ضرورة.
ولو خلق لشخص ذكران عاملان لم يتميز الأصلي منهما من الزائد ختنا جميعاً.
واعلم أن إدراج الشيخ الختان في هذا الباب وإن ذكره الأصحاب في ذيل باب
حد الخمر؛ اتباعاً للمزني في "المختصر"؛ لأجل مارواه أبو المليح عن أبيه عن النبي
ﷺ انه قال: "عشر من الفطرة: المضمضة، والاستنشاق، وإحفاء الشارب، وإعفاء
اللحية، وقلم الأظافر، وغسل البراجم، ـ وحلق العانة، ونتف الإبط، والختان"
وقد تقدم ذكر مناسبة بقية الفطر هنا؛ فكذا بقيتها.
وكما يجب الختان يجب قطع السرة، لأنه لا يتأتى ثبوت الطعام إلا بذلك والله أعلم.
стр. 157
باب صفة الوضوء
الوضوء - بفتح الواو -: الماء، وبضمها: الفعل، وهو المثوب عليه، مشتق من
الوضاءة، وقد قيل: هما جميعاً بالفتح، وحكي ضمهما، وهو شاذ، والمشهور الأول.
قال: إذا أراد - أي: الذي ليس بمتوضئ الوضوء نوى؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم
إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦] إلى آخرها؛ لأن تقديرها: إذا قمتم إلى الصلاة،
فاغسلو للصلاة وجوهكم، كما يقال: إذا لقيت الأمير فتلبس، أي: للقائه، وإذا
لقيت العدو فتأهب أي: للقائه، وإذا رأيت العالم فقم، أي: له.
وقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين﴾ [البينة: ٥] والوضوء عبادة.
وقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىٍ ما نوى" متفق
стр. 158
عليه، والوضوء عمل لأنه طهارة موجبها في غير محلل موجبها؛ فافتقرت إلى النية
كالتيمم؛ وبهذا يخرج إزالة النجاسة.
والنية عبارة عن القصد بالقلب؛ يقول العرب: نواك الله بحفظه، [أي: قصدك
стр. 159
الله بحفظه].
وعبارة بعضهم: "أنها تصميم القلب على فعل الشيء"، والماوردي قال: إنها قصد
الشي مقترناً بفعله، فإن قصده وتراخى عنه، فهو عزم، كذا قاله في كتاب الأيمان
والقصد بالنية تمييز رتب العبادات عن العادات أو تمييز رتب العبادات.
قال: رفع الحدث، أو الطهارة للصلاة، أو الطهارة لأمر لا يستباح إلا بالطهارة:
كمس المصحف وغيره، أي: كالطواف، وسجود التلاوة، والشكر، ومس المصحف
وحمله؛ لأن ذلك عين العبادة.
واحترز بقوله: "للصلاة" عن نية مطلق الطهارة؛ [فإنها لا تكفي] عند
الجمهور؛ لترددها بين طهارة الحدث والخبث، واللغوية والشرعية.
стр. 160
وحملوا ما نقله البويطي من قول الشافعي: " لو نوى طهارة مطلقة أجزأه" على
إرادة الطهارة للصلاة أو من الحدث، والماوردي أجراه على ظاهره ولم يحك سواه،
وحكى وجهين فيما لو نوى الوضوء، ووجه المنع بأنه ينقسم إلى الوضوء عن حدث
ووضوء مجدد، واتفقوا على أنه لو نوى فرض الوضوء أو الوضوء المفروض أجزأه؛
لانتفاء ما سبق من الاحتمال.
وقد أفهم كلام الشيخ اموراً:
أحدهما: أنه لا فرق في إجزاء نية رفع الحدث بين أن يكون عليه مع الحدث
الأصغر الحدث الأكبر أو لا يكون, ولا بأن يكون ماسحاً على الخفين أو لا، فلا
خلاف في ذلك إذا لم يكن عليه غير الأصغر وليس بماسح، أمل إذا كان ماسحاً على
الخفين فالمشهور الإجزاء.
ومن الأصحاب من قال: لا يجزئه إلا نية الاستباحة كما في التيمم؛ بناء على أنه لا
يرفع الحدث عن الرجلين، وهو غريب.
ولو كان عليه مع الحدث الأصغر حدث أكبر: فإن قلنا باندراج الأصغر في الأكبر
أجزأت عنهما نية رفع الحدث، وإلا فلا تجزئ عن واحد منهما؛ قاله الماوردي.
والجمهولا أطلقوا القول بإجزاء نية رفع الحدث من غير تفصيل.
الثاني: أنه لا يحتاج مع شيء مما ذكره التعرض غلى إضافة ذلك إلى الله تعالى
والغزالي حكى في اشتراط ذلك وجهين، وهما من تخريج الإمام؛ فإنه قال:
الوضوء من القربات؛ ولذلك أوجب الشافعي النية فيه، وإذا كان كذلك انقدح ذكر
стр. 161
خلاف في أنه هل يشترط أن يضيف الوضوء إلى الله - تعالى - كما في الصلاة؟
لكن قد قطع أئمة المذهب بأنه لو نوى أداء الوضوء أو [فريضة الوضوء]
صحت نيته وارتفع حدثه؛ فالوجه أن يكتفي بما ذكر الأئمة.
قال الرافعي: ولا يجعل اعتبار النية في الوضوء على سبيل القربات؛ بل الاعتبار
التمييز.
الثالث: أن نيته على غير هذا [النحو] الذي ذكر لا تصح، وذلك يشمل
صوراً لا يسلم بعضها من نزاع:
منها: ماإذا نوى استباحة مالا يستباح إلا بالطهارة كالصلاة وغيرها؛ فإن المشهور
من المذهب إجزاؤها، ومن الأصحاب من قال: لا تجزئ؛ لأن هذه الأشياء تستباح
مع بقاء الحدث بالتيمم، وهذا يشابه قول من اشترط من أصحابنا التعرض في الصلاة
إلى الفرضية؛ احترازاً من طهر الصبي، والصحيح الأول، ويمكن أخذه من قول
الشيخ: "نوى رفع الحدث" لأنه يشمل ما إذا أتى بذلك مطابقة أو تضمناً، ونية
استبحة مالا يستباح إلا بطهارة تضمنت رفع الحدث؛ فكذلك إجزاؤه.
وأيضاً فإنه تعرض في صفة الغسل إلى أن نية الاستباحة كافية فيه، وتعرض هنا
إلى ذكر هيئة أخرى لم يتعرض لمثلها ثم؛ فكان كلامه في كل باب تنبيها على مالا يقبل
مثله في الباب الآخر.
والحكم فيما لو نوى استباحة صلاة معينة ولم يتعرض لغيرها بنفي ولا إثبات،
стр. 162
كالحكم فيما لو نوى استباحة [الصلاة. نعم، لو نوى استباحة] صلاة معينة دون
غيرها ففي صحة نيته أوجه:
أصحابها: أن الحكم كذلك، ويستبيح سائر الصلوات.
والثاني: لا؛ لمخالفة وضع النية.
والثالث: يستبيح ما عينه دون ما نفاه.
ثم لا فرق فيما إذا لم يحدد صلاة معينة - وقلنا يرتفع حدثه - بين أن يمكن
أداؤها بذلك الوضوء أم لا؛ كما حكاه الروياني في "تلخيصه" عن والده، مع وجه
آخر: أنها إذا لم يمكن تأديتها بهذا الوضوء لا تصح نيته.
ومنها: ما إذا نوى رفع الحدث الأكبر، وقد جزم الماوردي بأن ذلك يجزئ،
بخلاف ما إذا كان جنباً فنوى رفع الحدث الأصغر - لا يجزئه؛ لأنه يصح أن يرتفع
الأدنى بالأعلى دون العكس.
وفي "الرافعي" وجه: أنه [لا يجزئه] في الأولى أيضاً؛ لأنه نوى طهارة غير
مرتبة، وهو المختار في"تلخيص الروياني".
وقال القاضي الحسين: لعل الخلاف مبني على أن الحدث الأصغر يحل جميع
البدن أم لا؟ فإن قلنا: يحل، أجزأه، وإلا فلا؛ إذا كيف يصح الفرض بنية النفل؟!
وكيف كان الأمر فالصحيح الأول؛ لأن النية لا تتعلق بخصوص الترتيب نفياً
وإثباتاً.
стр. 163
وفي "التتمة": أنه يرتفع حدثه عن الوجه واليدين، وهل يرتفع عن الرأس
والرجلين؟ إن قلنا: [إن] غسل الرأس يقوم مقام مسحها، ارتفع عنها أيضاً، وإلا
فلا.
ومنها: ما إذا نوى استباحة ما يستحب فعله على الطهارة: كقراءة القرآن، وحديث
رسول الله ﷺ والعلم، وزيارة قبره ﵇ والجلوس في المسجد، والسعي
بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة - فللأصحاب في الاكتفاء بذلك وجهان:
أصحهما عند الماوردي وغيره: ما أفهمه كلام الشيخ.
وبعض المتأخرين [رجح مقابله]؛ لأن المقصود المتطهر تحصيل المستحب،
وهو لا يحصل بدون رفع الحدث؛ فكانت نية ذلك متضمنة له، وهذا ظاهر نصه؛ فإنه
قال:"لو توضأ لنافلة أو قراءة مصحف أجزأه".
والوجهان جاريان - كما قال الماوردي وغيره - فيما إذا نوى تجديد الوضوء،
وكلام المتولي يخصهما بما إذا نوى ذلك مع علمه بأنه محدث، وكلام ابن الصباغ
في أثناء فروع ابن الحداد يخصهما بما إذا نوى ذلك وهو يعتقد أنه متطهر، وادعى
في باب صفة الصلاة عند الكلام في النية: أن الأظهر ارتفاع حدثه، وفي هذه الحالة
ادعى الإمام أن المذهب أنه لا يصح وضوءه.
ومنهم من بنى الخلاف في هذه الصورة على الصورة الأولى، وأولى بألا تجزئ؛
وبهذا ينتظم في المسألة ثلاثة أوجه؛ كما حكاها القاضي الحسين، ثالثها: تصح في
стр. 164
الأولى دون الثانية، وهو اختيار القفال، والأصح في "الإبانة".
ولا خلاف في أنه إذا نوى استباحة مالا يستحب له الطهارة: كزيارة الوالدين،
وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، و [دخول السوق]- لاتصح نيته.
ومنها: إذا نوى رفع الحدث والتبرد، والذي نص عليه في البويطي الصحة، ولم
يورد الجمهور غيره؛ لأن التبرد حاصل وإن لم ينوه؛ فأشبه ما إذا نوى عند دخول
المسجد الفريضة والتحية؛ فإنه لا يضره.
وعن ابن سريج أنه لا يصح لأجل الشريك؛ كما أفهمه كلام الشيخ.
ومنها: لو نوى رفع حدث معين من بول، أومس، أو لمس، أو نوم. وللأصحاب
فيه تفصيل: فقالوا: إن لم يكن عليه غير ما نواه أجزأه ذلك، وإن كان عليه غيره؛ ففيه
ثلاثة أوجه حكاها أبو الطيب وغيره:
أصحها: أنه يجزئه.
والثاني: لا يجزئه؛ لأن المنع من الصلاة تعلق بمحل حدث على انفراده، فإذا نوى
رفع بعض الأحداث ارتفع مت نوى، وخلفه ما بقي أيضاً.
والثالث: إن كان مانواه أول الأحداث ارتفع وما بعده بارتفاعه؛ لأنه الذي صادف
الطهارة فأقسدها، وبواقي الأحداث لم تفسد الطهارة.
وإن كان الحدث الذي نوى رفعه غير الأول لم يرتفع البواقي.
وعكس ابن الصباغ ذلك، فقال: إن نوى رفع الأخير صح؛ لأنه أقرب. وإن نوى ما
قبله فلا.
وجزم الماوردي والمتولي بأنه إذا عين حدثا، ولم ينف ما عداه [ارتفع الجميع. أما
إذا نفى ما عداه]، ففي صحة نيته وجهان.
وزاد المتولي ثالثاً: أنه إن عين الأخير صحت نيته، وإن عين غيره لم تصح.
والشيخ أبو محمد عكسه، فقال: إن عين الأول صح، وإن عين غيره لم تصح.
وقد حصل في كل حالة أربعة أوجه، وإذا جمعتها جاء منها وجه خامس: أنه إن
стр. 165
عين ونفى باقي الأحداث لم تصح نيته، وإن لم ينف صحت، وارتفع الجميع.
وعلى الخلاف ينبني ما إذا غلط في التعيين من حدث إلى حدث: بأن نوى رفع
حدث البول, ولم يكن عليه إلا حدث النوم؛ كما أشار إليه الإمام بعد أن جزم القول
بارتفاع ما عليه بهذه النية, ولم يحك الجمهور سواه, ونقل المازني إجماع الجمهور
عليه.
ووجهه الإمام بأن عين الحدث لا سبيل إلى تخيل ارتفاعه, وإنما يثبت بسبب
الحدث منع - وهو الحدث على التحقيق- ثم يرتفع ذلك المنع بالوضوء, وذلك
المنع ليس جنسا معينا ولا نوعا مخصوصا, فلئن فرض غلط في التعرض لذكر
السبب, فالمقصود ارتفاع الحكم الواقع بذلك السبب, على أن هذه الصورة
شبيهة بما إذا نوى المكفر بالعتق كفارة معينة, وكان عليه غيرها؛ لأن أصل النية
لا بد منه, وتعيين النية ليس بشرط, والحكم في الكفارة أنها لا تجزئ, ولعل الفرق
بينهما أن النية هنا ليست نية القربة بل للتمييز بخلافها ثم. نعم, لو علم أن حدثه
البول, فنوى رفع حدث النوم عمدا - ففي صحة وضوئه وجهان, أصحهما: المنع؛
لتلاعبه.
ومنها: إذا فرق النية على أعضاء الوضوء. وللأصحاب فيها وجهان:
الأظهر عند الغزالي: ما أفهمه كلام الشيخ.
وعند غيره - ومنهم الماوردي-: الإجزاء، والوجهان عند بعضهم مبنيان على
جواز تفريق الوضوء، واختار الإمام ترتيبهما عليه، وقال: إن قلنا: لا يجوز تفريق
الوضوء فتبعيض النية أولى، وإلا فوجهان. والفرق أن الضوء قربة واحدة تربط حكم
أوله بحكم آخره؛ فإن من غسل وجهه لم يقض بارتفاع الحدث عن وجهه ما لم يتم
الوضوء؛ إذ لو أراد مس المصحف بوجهه المغسول لم يجد إلى ذلك سبيلا.
قلت: وإذا تأملت ما حكيناه عن القاضي الحسين وغيره عند الكلام في تفريق
الوضوء - عرفت أن الأمر عند الأصحاب كما قاله الإمام.
стр. 166
ثم الوجهان فيما إذا نوى عند غسل الوجه رفع الحدث عن الوجه، وكذا عند
تطهير باقي الأعضاء، أو عند وجود ذلك وتبقية الحدث على العضو الذي بعده فيه
- اختلف كلام المصنفين: فالذي ذكره الإمام الأول، والذي ذكره الماوردي الثاني.
قال: ويستصحب النية إلى آخر الطهارة؛ اتباعاً للأصل، فإن الدليل يقتضي وجوب
ذلك؛ فإن كل جزء من أجزاء الطهارة عمل وعبادة، لكن في ذلك مشقة؛ فطرح،
واكتفى باقترانها بأوله؛ كما في الصلاة.
ثم استصحاب النية على قسمين:
أحدهما: أن يستصحبهما ذكراً معتقداً لها، وهذا هو الذي ذكرنا أنه لا يجب إلى آخر
الصلاة، وإنما هو مستحب؛ كما قال القاضي الحسين.
وعبارة الماوردي: أنه أكمل.
نعم، إذا اقترنت النية بسنة من سنن الوضوء، قال الماوردي: فيجب استصحابها
ذكراً إلى أن يغسل جزءاً من الوجه. وهذا الكلام فيه نظر؛ لأنه حكى بعد ذلك فيما إذا
اقترنت النية بغسل الكفين أول الوضوء أو المضمضة والاستنشاق، ثم عزبت قبل
غسل جزء من الوجه - هل يكون كعزوبها بعد غسل جزء من الوجه حتى يعتد
بوضوئه، أو لا يعتد به؟ ثلاثة أوجه:
أحدهما - قاله ابن الوكيل - أنه لا يضره ذلك؛ لأنها اقترنت براتب في الوضوء؛
فأجزأت؛ كما إذا اقترنت بغسل الوجه.
والثاني - قاله أبو إسحاق - أنها إن اقترنت بغسل الكفين ثم عزبت لم تجزئه،
وإن اقترنت بالمضمضة أو الاستنشاق أجزأته؛ لأنها وجدت عند أخذه في تطهير
الوجه، فشأنه إذا اقترنت بغسله.
والثالث - قالها ابن سريج-: أنها لا تجزئه مطلقا حتى تقترن بغسل أول جزء
стр. 167
[يغسله] من الوجه؛ لأنه أول واجب يلقاه؛ كما في الصلاة.
فإذا عرفت ذلك عرفت أنه ليس واحد من الأوجه يقتضي ما قاله: أما على رأي
ابن الوكيل وأبي إسحاق فظاهر، وأما على رأي ابن سريج - وهو الصحيح-: فلأن
المعتبر عنده أن تقترن بغسل الوجه، ولا يلزم من ذلك القول بلزوم استصحابها ذكراً
من حين نوى عند سنة من سنن الوضوء إلى أن يغسل جزءاً من الوجه؛ فإنه لو نوى
عند غسل اليدين أو المضمضة أو الاستنشاق، ثم عزبت واقترنت بغسل الوجه -
كفاه؛ ولهذا قال القفال - فيما حكاه الروياني عنه:- إنه من ينوي مرتين: عند غسل
اليدين، وعند غسل الوجه.
وقد حكى الروياني وغيره فيما إذا اقرنت نيته بالمضمضة والاستنشاق، ثم
عزبت -: إن كان قد غسل جزءاً من ظاهر الوجه أجزأه، وإلا فلا، ورجحه
الروياني، وغيره ضعفه؛ لأنه لم يقصد بذلك غسل الوجه.
ومعنى عزوب النية: بعد ذكرها؛ قال الله - تعالى-: ﴿لا يعزب عنه مثقال ذرة﴾
[سبأ:٣] أي: لا يبعد، ويقال: روض عزب عن الناس، أي: بعيد.
و [القسم] الثاني: أن يستصحبها حكماً إلى آخر الطهارة، وهذا لا شك في وجوبه،
ومعناه: ألا يحدث ما يخالف ما تقدم من نيته، مثل: أن يرفض النية ويترك الوضوء، أو
يرتد - والعياذ بالله - فإذا فعل ذلك بطلت نيته في المستقبل، ولا يبطل ما مضى من
وضوئه، حتى لو أراد البناء عليه فنوى في الحال: جاز، وفيه وجه آخر حكاه ابن
الصباغ في الأولى والإمام في الثانية: أنه يبطل أيضا. قال الروياني: وليس بشيْ.
وقد أشار الإمام إلى [أن] مأخذ الخلاف جواز تفريق النية على أعضاء الوضوء،
وهذا في الردة إذا قلنا: إن الردة بعد إكمال الوضوء لا تبطله؛ كما هو في الصحيح وبه
جزم الإمام، أما إذا قلنا: تبطله - كما حكاه ابن الصباغ وجهاً في المسألة - فهاهنا
أولى.
وإذا قلنا: لا يبطل الماضي بما ذكرناه، لاحظنا قصر الزمان وطوله؛ بناء
стр. 168
على وجوب الموالاة.
فرع: طرآن قصد التبرد والتنظيف على الطهارة، هل يكون كطرآن ما ذكرناه؟ ينظر:
إن كان غافلاً حالة قصد التبرد عن الوضوء لم يجزئه ذلك الغسل عن الواجب
الوضوء؛ كما نص عليه، وبه جزم البندنيجي وغيره، وهو الأصح في "النهاية"
والرافعي، مع وجه آخر: أنه لا يؤثر ذلك.
وإن كان حال قصد التبرد ذاكراً للطهارة: فوجهان؛ كما في الابتداء، صرح بذلك
في "المهذب" وغيره، وجزم القاضي الحسين والفوراني بالإجزاء.
ومن مجموع ما ذكرناه يأتي في المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: إن غفل عن نية
الوضوء لم يصح وإلا صح هو الأصح.
والخلاف جار - كما قال القاضي الحسين - فيما إذا توضأ فغسل وجهه [ويديه]، ومسح رأسه، وزلق؛ فتوسخت رجلاه؛ فغسلهما غافلا عن نية الوضوء,
هل يقع غسلهما عن جهة الوضوء أم لا؟ والمذهب الإجزاء.
ثم حيث قلنا: إن قصد التبرد والتنظيف يمنع الاحتساب عن الوضوء - لم يعتد
بغسل ما اقترن به قصد التبرد وما بعده؛ لأن الترتيب شرط, ولا يجزئه إعادة غسل
ذلك من غير تجديد نية؛ كما صرح به ابن الصباغ وغيره, لكن هل هذا لأن قصد
التبرد أبطل النية المستصحبة في المستقبل أصلا ورأسا, أو قوي عليها؛ فكان النظر
إليه دونها من غير أن تبطل, وتكون هذه النية تقوية للأولى لا مبتدأة؟ هذا مما
للنظر فيه مجال, والأظهر الثاني, وفائدته تظهر في أنه إذا تبصر القضية وقصد غسل
ذلك عن الحدث, لا يتخرج على جواز تفريق النية.
نعم, يلاحظ طول الزمن وقصره؛ بناء على وجوب الموالاة؛ وهذا ما حكاه ... الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ.
والذي حكاه القاضي الحسين تخريجه على الوجهين في تفريق النية, وكذا حكاه
الرافعي في نظير المسألة الذي سنذكره, وقال: إن قلنا: إنه يجوز التفريق بقي
النظر في طول الفصل وعدمه: إن [اعتبرنا الموالاة] لم يحتمل طوله.
стр. 169
قلت: قد سلف منه أن الخلاف في تفريق النية مبني على القولين في الموالاة, أو
مترتب عليهما, وأولى بألا يجزئ تفريق النية؛ فكيف يستقيم مع ذلك قوله: إن قلنا:
يجوز تفريق النية ينظر إلى طول الفصل وقصره؛ نظرا إلى اعتبار الموالاة؟! فتأمله.
ولو أغفل لمعة من أعضاء وضوئه في المرة الأولى, وغسلها في الثانية أو الثالثة -
فهو قاصد غسلهما بنية النفل, وهل تؤثر في نية رفع الحدث المستصحبة؟ فيه وجهان:
حكاهما القاضي الحسين:
أحدهما: نعم؛ لأن نية النفل حاضرة, وتلك مستصحبة؛ فقويت الحاضرة,
والفرض لا يقع بنية النفل؛ كما لو ترك سجدة من صلب الصلاة وسجد للتلاوة أو
للسهو, لا تقوم مقام ما عليه.
والثاني: لا؛ لأن الغسل عن النفل إنما يقع بعد فراغ المحل عن الفرض, وفي هذه
الصورة لم يتفرغ المحل عن الفرض؛ فوقع الغسل عن الفرض. والفرق بين ما نحن
فيه ومسألة السجود: أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين وثلاثا, ونية
الصلاة لا تشتمل على سجدة التلاوة والسهو قطعا ويقينا؛ لأنها تطرأ عليها أحيانا.
وفي "الرافعي" أن الوجهين مخرجان على أصلين سلفا:
أحدهما: أن قصد التبرد إذا طرأ بعد عزوب نية الوضوء, هل يؤثر؟ وهذا اتبع فيه
الإمام؛ فإنه كذا قاله.
والثاني: أن تلك اللمعة ما صارت مغسولة بنية رفع الحدث وما في معناه, بل على
قصد التنفل؛ فيكون كما لو نوى بوضوئه ما يستحب له الطهارة, أي: لا لأجل
الحدث, كتجديد الوضوء.
قلت: وتخريج ذلك على الأصل الأول فيه نظر؛ لأن مثار الخلاف فيه مفرع على
أن مقارنة نية التبرد لنية رفع الحدث لا تؤثر, لأن التبرد يحصل بدون نية - كما
سلف- فلم يؤثر بنيته شيئا, ونية رفع الحدث لو قارنتها نية للتنفل ثانية أو ثالثة لم
تصح وجها واحدا؛ كما لو قصد [تكبيرة واحدة للإحرام] والهوي, فإذا كان مع
стр. 170
اقتران نية رفع الحدث مع نية التنفل مانعاً، فحدوث نية التنفل ونية رفع الحدث
مستصحبة أولى.
وأما تخريجه على الأصل الثاني ففيه نظر، والأولى ما قاله القاضي الحسين: أن
الخلاف في ارتفاع الحدث بنية التجديد ممن ظن أنه متطهر - مرتب على الخلاف
في هذه المسألة، فإن قلنا: لا يعتد بغسل اللمعة بالمرة الثانية أو الثالثة - فلا يرتفع
الحدث بنية تجديد الوضوء، وإلا فوجهان.
والفرق: أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين وثلاثاً نفلاً وفرضاً، وإذا
غسلها في المرة الثانية كانت مغسولة بنية موجودة من قبل، ولا كذلك في تجديد
الطهارة.
ثم حيث قلنا: لا يعتد بغسل اللمعة في المرة الثانية والثالثة، فهل يستأنف الوضوء
أم لا؟ فيه ما سلف، وهذا ما نص الرافعي فيه على ما ذكرناه من قبل.
قال: ويسمي الله - تعالى - لقوله ﵇: "لا صلاة لمن لا وضوء له
ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" [أخرجه أبو داود والترمذي.
стр. 171
والتسمية في ابتداء كل شيْ مطلوبة] حتى في الجماع، وفيه ورد خبر.
وصورة التسمية أن يقول: باسم الله.
ولو نسي التسمية عند ابتداء الوضوء وذكرها في أثنائه، أتى بها، نص عليها في
القديم؛ كما قال البندنيجي وغيره، وابن الصباغ نسبه إلا نصه في الأم.
وإن ذكرها بعد الفراغ منه، فلا يأتي بها؛ لفات محلها.
ولو ترك التسمية عمداً، فهو كما لو تركها سهواً؛ قاله في الروضة.
وللرافعي فيه احتمال مما إذا ترك القنوت ونحوه عمداً.
قال: ويغسل كفيه ثلاثاً؛ لما روى البخاري عن عثمان بن عفان أنه دعا بوضوء،
فأفرغ على يديه من إناء، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء
فتمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم
مسح رأسه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو
وضوئي هذا".
стр. 172
قال: فإن كان قد قام من النوم -[أي] في ليل أو نهار-كره أن يغمس يديه في
الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثاً؛ لما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ
قال: "إذا استبقظ احدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه؛ فإن
أحدكم لا يدري أين باتت يده؟ "، وفي بعض طرقه: "فلا يغمس يده في الإناء قبل
أن يغسلها ثلاثاً؛ فغنه لا يدري أين باتت يده" وهذه رواية الشافعي.
وفي هذا الحديث تنبيه على أن المر بذلك كان لأجل توهم النجاسة؛ لنهم كانوا
أصحاب أعمال، ويستنجون بالأحجار، وإذا ناموا جالت أيديهم، فربما وقعت على
محل النجو أو بثرات في الجسد؛ فإذا صادفت ماء قليلا نجسته.
وإذا كان هذا هو المعنى, فمن لم ينم إذا احتمل نجاسة يده, كان في معنى النائم,
ومن تحقق طهارة يده, قال الشيخ أبو حامد: هو مخير بين أن يغمسها في الإناء قبل
أن يغسلها ثلاثا, وبين أن يغسلها قبل غمسها, وهو ما حكاه أبو الطيب, والبندنيجي
وابن الصباغ.
وقال الماوردي: الذي عليه الجمهور من أصحابنا - وهو الصحيح من المذهب-
:أنه لايغمس كفيه في الإناء إلا بعد غسلهما ثلاثاً، سواء كان قد قدم من النوم أو
لم يقم؛ لأنهما استويا في سنة الغسل - وإن ورد النص في النائم - فاستويا في تقديم
الغسل على الغمس، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، واختاره الإمام، ووجهه بأن
أسباب النجاسة قد يخفي دركها عن معظم الناس؛ فيعتقد المعتقد الطهارة على وجه
يرى اعتقاده يقيناً، وليس الأمر على مل يعتقده؛ فاطردت السنة على الناس كافة، وهذا
كالعدة المنوطة بالوطء، فإنها تجب لتبرئة الرحم، وقد تجب مع القطع ببراءة
الرحم؛ تعميماً للباب.
تنبيه: طلب غسل الكفين عند القيام من النوم قبل إدخالهما الإناء: هل هو غير
طلب الثلاث المشروعة في أول كل وضوء؛ حتى إذا قام من النوم غسل ثلاثاً؛ لأجل
إدخالهما الإناء، وثلاثاً؛ لأجل افتتاح الوضوء؟ أو الثلاث عند القيام من النوم هي
стр. 173
الثلاث المطلوبة في أول كل وضوء، لكن عند القيام من النوم وما في معناه - وهي
حالة الشك في طهارة اليد - يكره ان يدخل يديه في الإناء قبل [أن يغسلهما]،
وفي غير ذلك من الأحوال التي يتحقق فيها طهارة اليد لا كراهة في إدخالها الإناء
قبل فعلها ولا بعد فعلها؟
الذي صرح به البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ الثاني، وهو المفهوم
من كلام الشيخ، وكنت أقول قبل ذلك: ينبغي أن يكون في ذلك خلاف مبني على
أصلين، أحدهما: أن غسل اليدين ثلاثاً أول الوضوء، هل هو من سننه أم [لا]؟
وفي ذلك وجهان حكاهما المراوزة. فإن قلنا: إنه من سننه, انبنى على أن المحدث إذا
كان على [بعض] أعضائه أو كلها نجاسة, وغسل ذلك مرة واحدة - هل يرتفع
حدثه ويحكم بطهارة المحل أو لا يرتفع حدثه؟ وفيه وجهان ذكرتهما في باب صفة
الغسل: فإن قلنا: تجزئ, فلا وجه إلا الاكتفاء بالثلاث مرة واحدة, وإن قلنا: لا
تجزئ, فلا وجه إلا التعدد؛ لأن غسلهما ثلاثا مع تحقق طهارتهما مستحب؛ [لأجل
الحدث, وغسلهما عند الشك في النجاسة ثلاثا مستحب]؛ لأجل الخبث؛ كما
أفهمه الخبر, وقد قلنا: إن الغسلة الواحدة لا تكفي لأمرين؛ فيتعين الإتيان بالست.
وما زلت على هذا إلى أن رأيت في كلام الإمام أن استحباب الثلاث في أول كل
وضوء ليس لأجل الحدث؛ وإنما هي لأجل توقع خبث وإن بعد, حتى لو كان يتوضأ
من قمقمه, فيستحب غسل اليدين؛ احتياطا للماء الذي يصبه على يديه وينقله إلى
أعضائه؛ فرجعت عن التخريج, واعتقدت ما صرح به الأئمة والله أعلم.
قال: ثم يتمضمض ويستنشق, لأنه ﵇ كان يفعل ذلك؛ كما
ذكرناه من قبل. والله أعلم.
قال: ثلاثا؛ لما روي عن علي - كرم الله وجهه - أنه دعا بوضوء, فتمضمض
واستنشق, فنثر يده اليسرى, فعل هذا ثلاثا, ثم قال: "هذا طهور نبي الله ﷺ " أخرجه النسائي.
стр. 174
تنبيه: المضمضة - كما قال بعضهم-: أن يجعل الماء في فيه ويديره فيه, ثم يمجه.
والاستنشاق: أن يجعله في أنفه, ويجذبه بنفسه إلى خياشيمه, ثم يستنثر.
وخبر البخاري يدل على أن الاستنثار غير داخل في حد الاستنشاق, وكذلك قال
بعضهم: المضمضة: وضع الماء في الفم وتحريكه, والاستنشاق: جعل الماء في
الأنف وتحريكه.
وقال أبو الطيب والمتولي: المضمضة: إيصال الماء إلى باطن الفم, حتى لو ملأ
فاه ماء ثم بلعه من غير أن يديره فيه, لكان قد تمضمض.
والاستنشاق: إيصال الماء إلى باطن الأنف على أي حال كان.
وفي "الحاوي": أن المضمضة جعل الماء في مقدم الفم, والاستنشاق: جعل
الماء في [مقدم] الأنف.
وبالجملة: فالاستنثار مطلوب؛ لأحاديث صحيحة وردت فيه.
واعلم أن بعضهم قال: أتى الشيخ هاهنا بـ "ثم", وعطف بالواو فيما تقدم؛ لأن
الغرض أن تجتمع النية مع التسمية مع غسل الكفين؛ لتكون النية مقارنة لهما.
قلت: وعلى هذا يعرض سؤال, وهو أن الأصحاب كافة استحبوا مساعدة اللسان
الثلب بالنطق بالمنوي, وإذا كانت النية مقارنة للتسمية وغسل الكفين تعذر
مساعدة اللسان القلب.
نعم, قالوا في الصلاة: المستحب أن ينطق بالمنوي قبل الشروع في النية؛ لتعذر
стр. 175
النطق بالمنوي حالة النية؛ لأنها تتطبق على التكبير, فإن قيل بمثل هذا هنا لم يبعد,
لكن بعضهم صرح بالفرق بين الموضعين. نعم, إتيان الشيخ بالواو بين المضمضة
والاستنشاق يعرفك أن تقديم المضمضمة على الاستنشاق ليس بشرط في تأدية السنة,
وهو [وجه] في المسألة - مع إجزائه - يشترط إذا قلنا: إنه يفصل بغرفتين؛ كما
قاله الإمام, أو بست غرفات؛ كما قال الرافعي, وجعله أظهر من الأول, والماوردي
أطلقهما وطردهما فيما إذا قدم المضمضة والاستنشاق على غسل اليدين.
قال: ويجمع بينهما في أحد القولين؛ لما روي عن علي - كرم الله وجه - في
стр. 176
وصف وضوء رسول الله ﷺ أنه تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد، ونقل مثله
عن وصف عبد الله بن زيد.
قال: بغرفة؛ لأن عبد الله بن عباس لما وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه
غرف غرفة واحدة من ماء، فتمضمض واستنشق، رواه البخاري، وهذا مانص
عليه في "الأم" ونقله المزني، ولم يحك الماوردي [على هذا غيره وعلى هذا] في
كيفية ما يفعل وجهان:
أحدهما: ياخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثاً، ثم يستنشق ثلاثاً، وهذا ما حكاه
القاضي الحسين؛ قياساً على سائر أعضاء الطهارة؛ فإنه يستكملها عضواً [عضواً].
والثاني: يأخذها فيتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يستنشق ثم
يتمضمض، ثم يستنشق، وهذا ما حكاه ابن الصباغ، وقال: إنه يقدم المضمضة.
والغرفة: بفتح الغين وضمها، وقيل: بالفتح مصدراً، وبالضم اسم للمغروف.
قال: وقيل: بثلاث غرفات، أي: فيأخذ غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يفعل
ذلك ثانية وثالثة؛ لأن عبد الله بن زيد هكذا فعل في وصف وضوء رسول الله ﷺ كما أخرجه مسلم، ولفظه: "ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف
واحدة ففعل ذلك ثلاثاً"، وهذا القول صدر به القاضي أبو الطيب كلامه
واستبعد الأول، وكذلك جعله الرافعي والمتولي أظهر.
стр. 177
قال: ويفصل بينهما في الآخر - أي: في القول الآخر - لما روى عن طلحة بن
مصرف عن أبيه عن جده، قال: رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة
والاستنشاق.
وروي أن عثمان وعلياً كذلك روياه، ولأنه أقرب إلى النظافة، وهذا القول أصح
في "الرافعي" وغيره، ومنهم من قطع به، وحمل الأول على بيان الجواز.
قال: بغرفتين، أي: فيأخذ غرفة بتمضمض منها ثلاثاً، وغرفة يستنشق منها ثلاثا؛
لأن عليا ﵁ كذلك رواه، وهذا ظاهر ما نقله البويطي، وهو
الأصح في "الرافعي".
قال: وقيل: بست غرفات: ثلاثاً للمضمضة، وثلاثاً للاستنشاق؛ لأنه أقرب إلى
النظافة وأيسر، وفيه تشبيه بسائر الأعضاء المغسولة، وهذا ما حكاه القاضي
أبو الطيب على هذه الطريقة، واختاره في "المهذب"، وهذا الخلاف في الأفضل بلا
خلاف، حتى لو تمضمض واستنشق كيف كان، أدى سنتهما.
стр. 178
قال: ويبالغ فيهما إلا أن يكون صائماً؛ فيرفق، ووجهه في الاستنشاق: ما روي
عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن ابيه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء،
قال: "أسبع الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، وإلا أن تكون صائماً" أخرجه الترمذي،
وقال: حسن صحيح.
стр. 179
وصبرة: بفتح الصاد وكسر الباء، ويقال: بإسكان الباء أيضاً
ووجهه في المضمضة: القياس على الاستنشاق، وبجامع خوف توقع الإفطار لكل
منهما.
وفي "الحاوي" إثبات الحكم في محل النص فقط، وفرق بأن المتمضمض
يتمكن من رد الماء عن وصوله إلى جوفه بأن يطبق حلقه، ولا يمكنه دفع الماء
بالخيشوم، والجمهور على الأول، وعليه جرى هو في كتاب الصيام.
و"يرفق" في كلام الشيخ برفع القاف.
والنهي عن ذلك في حال الصيام، قال أبو الطيب في كتاب الصيام: إنه نهى
تحريم، كذا رأيته فيما وقفت عليه من "تعليقه"، وتوجيهه ظاهر، والذي قاله البندنيجي
وغيره ثم أن المبالغة للصيام مكروهة، وعبارة ابن الصباغ: تركها فيهما يستحب به.
والمبالغة في المضمضة عند الماوردي: أن يجعل الماء في جميع فمه، وعند
غيره: أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك وجهتي الأسنان واللثات، مع إمرار الأصبع
عليها.
والمبالغة في الاستنشاق: تصعيد الماء بالنفس إلى الخياشيم من غير تكلف شيءٌ
فيه إضرار، مع إدخال الأصبع وإزالة ما فيه من الأذى.
والخياشيم، قال بعضهم: هي أصول الأنف، وبعضهم يقول: هي العظام الرقاق
التي فيه. وأبو الطيب يقول: هي ما علا من الأنف، واحدها: خيشوم، وهو أيبس من
اللحم وألين من العظم، وتسمى الغضاريف، واحدها: غضروف.
قال: ثم يغسل وجهه -[للآية والإجماع]- ثلاثاً؛ لما ذكرناه من فعله - عليه
السلام - الذي وصفه عثمان، وروى مسلم عن عبد الله بن زيد ذلك - أيضاً في
صفة وضوء رسول الله ﷺ .
قال: وهو مابين منابت شعر الرأس - أي المعتادة - ومنتهى اللحيين والذقن
طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضا؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وهذا [ما]
تقع به المواجهة.
стр. 180
واحترزنا بالمعتادة عن الأغم: وهو الذي أخذ الشعر جزءاً من جبهته أو كلها،
فاتصل بالحاجب.
وعن الأصلع الذي انحسر الشعر عن مقدم رأسه؛ فإنه لا اعتبار بالمنابت في حقه؛
كما أشار إليه الشافعي في "الأم" بقوله: "وليس ما جاوز من شعلر رأس الأغم
النزعتين من الرأس، ولا أصلع مقدم الرأس صلعته من الوجه"؛ وهذا ما حكاه
العراقيون وغيرهم.
وفي"تعليق القاضي الحسين" ومن تبعه حكاية وجه فيما إذا لم يتصل شعر
الأغم بحاجبيه: أن الاعتبار في حقه بمابت الشعر، وهو بعيد، والفوراني صححه،
وبعضهم يحكيه في الأغم مطلقاً.
واللحيان - بفتح اللام -: العظمان اللذان عليهما الأسنان، واحدهما: لحي، بفتح
اللام.
والذقن - بفتح الذال المعجمة والقاف -: مجتمعهما.
وعبارة القاضي أبي الطيب في حد الوجه: "أنه من قصاص الشعر إلى ما استرسل
من الذقن طولاً، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضا، ووتد الأذنين ليس من
الوجه".
قلت: فإن كان قد استعمل "إلى" [في] قوله: "إلى ما استرسل من الذقن"
بمعنى: "مع"، وأضمر: شعر الذقن - كان تقدير كلامه: من قصاص الشعر مع ما
استرسل من شعر الذقن طولاً، ومن وتد الأذن غلى وتد الأذن عرضا؛ وحينئذ يكون
هذا حدا لوجه الملتحمي؛ بناء على الصحيح في أنه يجب إفاضة الماء على ما نزل من
اللحية عن الذقن، زما ذكره الشيخ حد الوجه الذي لا شعر عليه، فهو احسن؛ لأنه
يشمل وجه الأمراد والمرأة، ووجه الملتحمي نبه من بعد على باقيه.
وإن استعمل "إلى" على بابها، ولم يضمر شيئا - فسد الحد؛ لأنه يخرج ما
استرسل من الذقن عن أن يكون من الوجه؛ إذ لغاية لا تدخل في المغيا إلا ان يريد
إدخال الغاية؛ فتصح، وهو الأقرب؛ ألا ترى إلى قوله: "ووتد الأذنين ليس من الوجه"
следующие страницы →