Полный текст (9 685 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وصف وضوء رسول الله ﷺ أنه تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد، ونقل مثله
عن وصف عبد الله بن زيد.
قال: بغرفة؛ لأن عبد الله بن عباس لما وصف وضوء رسول الله ﷺ ذكر أنه
غرف غرفة واحدة من ماء، فتمضمض واستنشق، رواه البخاري، وهذا مانص
عليه في "الأم" ونقله المزني، ولم يحك الماوردي [على هذا غيره وعلى هذا] في
كيفية ما يفعل وجهان:
أحدهما: ياخذ غرفة يتمضمض منها ثلاثاً، ثم يستنشق ثلاثاً، وهذا ما حكاه
القاضي الحسين؛ قياساً على سائر أعضاء الطهارة؛ فإنه يستكملها عضواً [عضواً].
والثاني: يأخذها فيتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يستنشق ثم
يتمضمض، ثم يستنشق، وهذا ما حكاه ابن الصباغ، وقال: إنه يقدم المضمضة.
والغرفة: بفتح الغين وضمها، وقيل: بالفتح مصدراً، وبالضم اسم للمغروف.
قال: وقيل: بثلاث غرفات، أي: فيأخذ غرفة يتمضمض منها ويستنشق، ثم يفعل
ذلك ثانية وثالثة؛ لأن عبد الله بن زيد هكذا فعل في وصف وضوء رسول الله ﷺ كما أخرجه مسلم، ولفظه: "ثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض واستنشق من كف
واحدة ففعل ذلك ثلاثاً"، وهذا القول صدر به القاضي أبو الطيب كلامه
واستبعد الأول، وكذلك جعله الرافعي والمتولي أظهر.
стр. 177
قال: ويفصل بينهما في الآخر - أي: في القول الآخر - لما روى عن طلحة بن
مصرف عن أبيه عن جده، قال: رأيت رسول الله ﷺ يفصل بين المضمضة
والاستنشاق.
وروي أن عثمان وعلياً كذلك روياه، ولأنه أقرب إلى النظافة، وهذا القول أصح
في "الرافعي" وغيره، ومنهم من قطع به، وحمل الأول على بيان الجواز.
قال: بغرفتين، أي: فيأخذ غرفة بتمضمض منها ثلاثاً، وغرفة يستنشق منها ثلاثا؛
لأن عليا ﵁ كذلك رواه، وهذا ظاهر ما نقله البويطي، وهو
الأصح في "الرافعي".
قال: وقيل: بست غرفات: ثلاثاً للمضمضة، وثلاثاً للاستنشاق؛ لأنه أقرب إلى
النظافة وأيسر، وفيه تشبيه بسائر الأعضاء المغسولة، وهذا ما حكاه القاضي
أبو الطيب على هذه الطريقة، واختاره في "المهذب"، وهذا الخلاف في الأفضل بلا
خلاف، حتى لو تمضمض واستنشق كيف كان، أدى سنتهما.
стр. 178
قال: ويبالغ فيهما إلا أن يكون صائماً؛ فيرفق، ووجهه في الاستنشاق: ما روي
عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن ابيه قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء،
قال: "أسبع الوضوء، وبالغ في الاستنشاق، وإلا أن تكون صائماً" أخرجه الترمذي،
وقال: حسن صحيح.
стр. 179
وصبرة: بفتح الصاد وكسر الباء، ويقال: بإسكان الباء أيضاً
ووجهه في المضمضة: القياس على الاستنشاق، وبجامع خوف توقع الإفطار لكل
منهما.
وفي "الحاوي" إثبات الحكم في محل النص فقط، وفرق بأن المتمضمض
يتمكن من رد الماء عن وصوله إلى جوفه بأن يطبق حلقه، ولا يمكنه دفع الماء
بالخيشوم، والجمهور على الأول، وعليه جرى هو في كتاب الصيام.
و"يرفق" في كلام الشيخ برفع القاف.
والنهي عن ذلك في حال الصيام، قال أبو الطيب في كتاب الصيام: إنه نهى
تحريم، كذا رأيته فيما وقفت عليه من "تعليقه"، وتوجيهه ظاهر، والذي قاله البندنيجي
وغيره ثم أن المبالغة للصيام مكروهة، وعبارة ابن الصباغ: تركها فيهما يستحب به.
والمبالغة في المضمضة عند الماوردي: أن يجعل الماء في جميع فمه، وعند
غيره: أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك وجهتي الأسنان واللثات، مع إمرار الأصبع
عليها.
والمبالغة في الاستنشاق: تصعيد الماء بالنفس إلى الخياشيم من غير تكلف شيءٌ
فيه إضرار، مع إدخال الأصبع وإزالة ما فيه من الأذى.
والخياشيم، قال بعضهم: هي أصول الأنف، وبعضهم يقول: هي العظام الرقاق
التي فيه. وأبو الطيب يقول: هي ما علا من الأنف، واحدها: خيشوم، وهو أيبس من
اللحم وألين من العظم، وتسمى الغضاريف، واحدها: غضروف.
قال: ثم يغسل وجهه -[للآية والإجماع]- ثلاثاً؛ لما ذكرناه من فعله - عليه
السلام - الذي وصفه عثمان، وروى مسلم عن عبد الله بن زيد ذلك - أيضاً في
صفة وضوء رسول الله ﷺ .
قال: وهو مابين منابت شعر الرأس - أي المعتادة - ومنتهى اللحيين والذقن
طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضا؛ لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، وهذا [ما]
تقع به المواجهة.
стр. 180
واحترزنا بالمعتادة عن الأغم: وهو الذي أخذ الشعر جزءاً من جبهته أو كلها،
فاتصل بالحاجب.
وعن الأصلع الذي انحسر الشعر عن مقدم رأسه؛ فإنه لا اعتبار بالمنابت في حقه؛
كما أشار إليه الشافعي في "الأم" بقوله: "وليس ما جاوز من شعلر رأس الأغم
النزعتين من الرأس، ولا أصلع مقدم الرأس صلعته من الوجه"؛ وهذا ما حكاه
العراقيون وغيرهم.
وفي"تعليق القاضي الحسين" ومن تبعه حكاية وجه فيما إذا لم يتصل شعر
الأغم بحاجبيه: أن الاعتبار في حقه بمابت الشعر، وهو بعيد، والفوراني صححه،
وبعضهم يحكيه في الأغم مطلقاً.
واللحيان - بفتح اللام -: العظمان اللذان عليهما الأسنان، واحدهما: لحي، بفتح
اللام.
والذقن - بفتح الذال المعجمة والقاف -: مجتمعهما.
وعبارة القاضي أبي الطيب في حد الوجه: "أنه من قصاص الشعر إلى ما استرسل
من الذقن طولاً، ومن وتد الأذن إلى وتد الأذن عرضا، ووتد الأذنين ليس من
الوجه".
قلت: فإن كان قد استعمل "إلى" [في] قوله: "إلى ما استرسل من الذقن"
بمعنى: "مع"، وأضمر: شعر الذقن - كان تقدير كلامه: من قصاص الشعر مع ما
استرسل من شعر الذقن طولاً، ومن وتد الأذن غلى وتد الأذن عرضا؛ وحينئذ يكون
هذا حدا لوجه الملتحمي؛ بناء على الصحيح في أنه يجب إفاضة الماء على ما نزل من
اللحية عن الذقن، زما ذكره الشيخ حد الوجه الذي لا شعر عليه، فهو احسن؛ لأنه
يشمل وجه الأمراد والمرأة، ووجه الملتحمي نبه من بعد على باقيه.
وإن استعمل "إلى" على بابها، ولم يضمر شيئا - فسد الحد؛ لأنه يخرج ما
استرسل من الذقن عن أن يكون من الوجه؛ إذ لغاية لا تدخل في المغيا إلا ان يريد
إدخال الغاية؛ فتصح، وهو الأقرب؛ ألا ترى إلى قوله: "ووتد الأذنين ليس من الوجه"
стр. 181
لما كان مراده عدم الدخول بينه؛ وحينئذ يكون قد حد وجه الأمراد، ويجوز على هذا
أن يجعل حد الوجه الذي تقع به المواجهة كيف كان.
ثم إن عليه [عليه] شعر، فهل يجب غسل ما تحته؟ يأتي الكلام فيه ويمكن
حمل كلام الشيخ على هذا أيضاً.
وما ذكره الشيخ من الحد يدخل في الوجه أشياء، ويخرج منه أشياء:
فمن الأول: الجبهة، والجبينان، ولا خلاف في ذلك، والجبهة: موضع السجود،
والجبينان: جانباها. ومنه: الصدغان؛ لأنهما في موازاة ما دون الأذنين؛ وهذا ظاهر
نصه في "البويطي"؛ فإنه قال: "إن كان أمرداً غسل صدغيه، وإن كان ملتحياً أمر الماء
على الصدغ وما خلف الصدغ إلى الأذنين". وقد قال يه بعض الأصحاب ولم يحك
القاضي الحسين غيره، وقال الماوردي: إنه قياس قول أبي إسحاق في مواضع
التحذيف - كما سنذكره - وإن قياس قول ابن سريح وابن أبي هريرة فيهما أنهما من
الرأس، وهذا ما حكاه البندنيجي لا غير، وحمل نصه في البويطي على إرادة العذار.
وعن أبي الفياض البصري وجمهور البصريين أن ما علا من الصدغين عن
الأذنين من الرأس، وأسلفهما - وهو ما انحدر عن رأس الأذنين - من الوجه.
ومنه: داخل العين، ولا خلاف [في] أنه لا يجب غسله ولا هو سنة.
نعم، قال الشيخ أبو حامد: إنه يستحب. وحكاه عن "الأم"؛ لأن ابن عمر كان
يفعله، وقال سائر الأصحاب: لا يستحب؛ لما يلحقه من المشقة، ويناله من الضرر،
وقد روى أبي أمامة أن النبي ﷺ توضأ فمسح بأصبعه ما في عينيه، ولو كان غسل
стр. 182
العين مسنونا أو مستحبا لفعله، اختياراً لنفسه أو بيانا لغيره.
ومن الثاني: النزعتان، وهما ما انحسر من الشعر من جانبي الناصية، ولا خلاف في
أنهما من الرأس.
ومنه: مواضع التحذيف، وهو الشعر الداخل إلى الجبين ما بين ابتداء العذار
والنزعة كذا قاله البندنيجي، وابن الصباغ زاد فيه: أنه الداخل إلى الجبين من جانب
الوجه، والماوردي قال: إنه الشعر النابت في أعالي الجبهة ما بين بسيط الرأس
منحدراً إلى الوجه. وللأصحاب في مواضع التحذيف وجهان:
أحدهما - قاله إبو إسحاق:- أنها من الرأس؛ كما أفهمه كلام الشيخ، وهو
الصحيح في "الشامل" و"تعليق أبي الطيب"، و"التهذيب".
وقال القاضي: إن نص الشافعي في "الإملاء" يومئ إليه.
والثاني-: قاله ابن سريج وابن أبي هريرة:- أنها من الوجه؛ لأنه تقع بها المواجهة؛
وهذا ما اختاره البندنيجين وحكاه الإمام عن نص الشافعي؛ وبهذا يحصل فيها قولان.
قال: وإن كان عليه شعلر خفيف لزمه غسل ما تحته؛ لأن المواحهة واقعة بالبشرة؛
فوجب غسلها.
وكلام الشيخ قد يفهم أنه لا يجب عليه غسل الشعر الخفيف، وقد قال الماوردي:
إنه كما يجب عليه غسل ما تحته، يجب عليه غسله - أيضاً - حتى لو أخل بشيء من
стр. 183
واحد منهما لم يجزئه، وعلى هذا [يكون] سكوت الشيخ عنه؛ [لأن الغالب] أن
الشعر ينغسل بغسل ما تحته من البشرة، أو يحمل ما ذكره الشيخ من حد الوجه على
حده كيف كان؛ لأنه حينئذ يدخل فيه ماوقعت به المواجهة من الشعر كما سلف.
قال: وإن كان عليه شعر كثيف لم يلزمه غسل ما تحته، أي: بل الواجب إفاضة
الماء على [ظاهر الشعر] فقط؛ لأنه ﷺ غسل وجهه بغرفة، وتوضأ بما لا يبل
الثرى، وقد كان ﷺ كثير الشعر، عظيم اللحية، ومن المعلوم أن ذلك لا يصل
إلى ما تحت شعره؛ فدل على الاكتفاء بالإفاضة على الظاهر، ولأنه باطن دونه حائل
معتاد؛ فلا يجب غسله كداخل الفم.
وعن المزني أنه قال في "المنثور": إنه يجب علينا إيصال الماء إلى البشرة التي
تحت الشعر الكثيف.
قال البندنيجي فظن بعض أصحابنا أنه حكاه عن الشافعي، وليس الأمر كما
стр. 184
ظن. نعم، بعضهم حكى ذلك قولاً عن القديم، وهو غريب.
فلو كان عليه شعر خفيف وكثيف، غسل ما تحت الخفيف دون الكثيف،
والماوردي [خص] ذلك بما إذا تميز أحدهما عن الآخر، فإن لم يتميز وجب
غسل ما تحت الجميع؛ لما في ذلك من المشقة، وقيل: إنه يجب غيل ما تحت
الجميع مطلقا، قال الإمام الرافعي: وهو المذكور في "التهذيب".
قال العراقيون: والمراد بالخفيف: ما ترى البشرة من تحته, والكثيف: ما لا ترى من
تحته, وهذا ما يشعر به النص, وعليه الأكثرون.
وبعض المراوزة يقول: إن الخفيف: ما لا يشق إيصال الماء إلى البشرة تحته,
والكثيف: ما يشق معه ذلك.
قال الرافعي: ورأيت الشيخ أبا محمد والمسعودي وطبقة المحققين يقربون كل
واحدة من العبارتين من الأخرى, ويقولون: إنهما راجعتان إلى معنى واحد. قال:
وبينهما تفاوت مع التقارب الذي ذكروه؛ لأن لهيئة النبات وكيفية الشعر من
السبوطة والجعودة تأثيرا في الستر ووصول الماء.
стр. 185
وقد حكى القاضي الحسين مع الوجه الأول وجها آخر: أن المرجع فيهما إلى
العرف.
قال: ويستحب أن يخلل الشعور, أي: يستحب أن يخلل الشعر الكثيف؛ لأنه -
﵇ كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك, ثم شبك لحيته بأصابعه من
تحتها, رواه ابن ماجه, وروى ابن عباس أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته, قال
البخاري: وهذا أصح حديث في الباب. ولا جرم قال الترمذي: إنه حسن صحيح.
стр. 186
والشعر بفتح العين وإسكانها.
قال: إلا الحاجب. وهو معروف, وحده القاضي الحسين بأنه الشعر النابت على
طرف الجبهة, والشارب: وهو الشعر الذي على الشفة العليا, والعنفقة: وهي الشعر
الذي على الشفة السفلى, والعذار: وهو الخط الممتد من الصدغ على العظم الذي
يحاذي وتد الأذن, وبينه وبين وتد الأذن بياض.
قال: فإنه يجب غسل ما تحتها. هذا استثناء من قوله: "وإن كان عليه شعر كثيف
لم يلزمه غسل ما تحته", ووجه وجوب ذلك: أن الغالب في هذه الشعور الخفة,
وكثافتها نادرة, ولا ينظر إلى النادر, لكن لك أن تقول: ما يندر وقوعه, لكنه إذا
وقع دام - ينزل منزلة العذر العام؛ ألا ترى [إلى] قولهم الذي حكاه الإمام: إن
المريض إذا حصلت له حالة منعته من الصلاة قاعدا, فإنه يصلي على جنب, ولا
يجب عليه القضاء - وإن كان ذلك معدودا عندهم من الأعذار النادرة - لأنه إذا وقع
دام؛ فألحق بالصلاة قاعدا؛ لأنه من الأعذار العامة.
وإذا كانت هذه القاعدة مستقرة فما نحن فيه من هذا القبيل؛ فينبغي أن يلحق
به, ولا جرم ذهب بعض الأصحاب إلى أنه لا يجب غسل منابت ما ذكرناه إذا كثف؛
كما لا يجب غسل ما تحت اللحية الكثيفة.
وأعرض بعض المراوزة عن التعليل بما ذكرناه, وقال: إنما وحب غسل ما
تحت هذه الشعور؛ لأن بياض الوجه يحيط بها.
وقال لأجل ذلك: وإذا كثف شعر العنفقة واتصل بشعر اللحية, لا يجب غسل ما
تحتها؛ لفقد إحاطة بياض الوجه بها في هذه الحالة, والذي ذكره العراقيون العلة
الأولى.
стр. 187
وكما يجب غسل ما تحت هذه الشعور, يجب غسلها أيضا؛ كما ذكرنا مثيله
من قبل؛ وقد صرح به هنا ابن الصباغ.
وقد أفهم القول بإيجاب غسل ما تحت هذه الشعور إذا كثفت أمورا:
أحدها: إيجاب غسل ما تحت الأهداب إذا كثفت.
الثاني: إيجاب غسل ما تحت لحية المرأة؛ لأن كثافة الأهداب ونبات للحية للمرأة
أندر من كثافة شعر الحاجبين ونحوهما, وبالمفهوم الذي ذكرناه صرح الأصحاب.
وقال القاضي أبو الطيب والحسين: حلق لحية المرأة أحب إلي من إبقائها؛ كي لا
تشبه الرجال.
وما تحت لحية الخنثى المشكل يجب غسله إذا لم تترجح الذكورة بنبات اللحية؛
لاحتمال أنوثته.
والثالث: أن ما لا يجب غسل ما تحته إذا كثف من الشعور, شعر اللحية
والعارضين لا غير, والعارضان: الشعر النابت تحت العذارين على اللحيين. وعبارة
القاضي الحسين: "أنهما الشعر النابت على منبت الأسنان العليا".
قال: وفيما نزل من اللحية عن الذقن قولان, أي: نص عليهما في "الأم":
أحدهما: يجب إفاضة الماء على ظاهره؛ لأنه تقع به المواجهة؛ فأشبه ما قابل
حد الوجه, وقد روي أنه ﵇ رأى أعرابيا غطى لحيته في الصلاة؛ فقال:
"اكشف عن لحيتك؛ فإنها من وجهك", وهذا ما ينطبق عليه حد الوجه في
"المختصر"؛ فإنه قال فيه: يغسل من منابت شعر رأسه إلى أصول أذنيه, ومنتهى
اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه. وهو الأصح باتفاق متأخري الأصحاب.
стр. 188
والثاني: لا يجب؛ لأن الفرض إذا تعلق بما يوازي محل الفرض اختص بما يحاذيه
كشعر الرأس والخفين في المسح؛ وهذا كما اختاره المزني.
والقولان جاريان في إفاضة الماء على ما خرج من العارض عن حد الوجه؛ كما
صرح به أبو الطيب وغيره.
قال الرافعي: وهو يجري فيما خرج من حد الوجه من الشعور الخفيفة كالسبال.
ومنهم من قطع في السبال بإيجاب غسلها، والأول أظهر.
وعن الزيبري أن الشافعي ذكر قولين فيما خرج عن حد الوجه من الشعر:
أحدهما: أنه يجب إفاضة الماء على ظاهره.
والثاني: [أنه] يمسحه.
قال أبو الطيب: وهذه الحكاية خطأ في المسح، ويقرب منها ما حكاه الزبيري
عن العراقيين: أنا إذا أوجبنا [إفاضة الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية الكثيفة،
فقد أوجبنا] إمرار الماء على الوجه البادي من الطبقة العليا؛ فهل يجب إيصال
الماء إلى الوجه الآخر من تلك الطبقة؟ فيه وجهان، أحدهما: يجب؛ حتى تصير
الطبقة مستوعبة ظاهراً وباطناً.
قال الإمام: وهذا خطأ محض، ولا ينبغي أن يعد من المذهب.
فرع: إذا حلق الشعر الذي لا يجب غسل ما تحته [بعد إفاضة الماء عليه - لا
стр. 189
يجب غسل ما تحته]، وكذا في الشعر إذا حلق بعد المسح عليه، لا يعيد المسح
على الرأس، بخلاف ما إذا ظهرت الرجل من الخف بعد المسح، والفرق: أن الشعر
هنا أصل؛ بدليل أنه لو غسل ما تحته فقط، لم يجزئه؛ على الأصح - كما ستعرفه -
والخف بدل؛ بدليل أنه لو غسل ما تحته فقط أجزأه.
وعن ابن خيران إلحاق شعر الرأس بالخف، وهو بعيد.
قال: ثم يغسل يديه؛ للآية - وهو إجماع - ثلاثاً؛ لأن رسول الله ﷺ غسلهما ثلاثاً، كما تقدم ذكره عن رواية البخاري ورواية مسلم عن عثمان في وصف وضوء
رسول الله ﷺ أنه غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك.
قال: ويجب إدخال المرفقين في الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾
[المائدة:٦] , واختلفت طرق الأصحاب في كيفية الاستدلال منها:
فذهب المعظم- ومنهم: الرافعي- إلى أن "إلى" فيها بمعنى "مع"؛ كما في
قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢] , وقوله: ﴿وإذا خلوا إلى
شياطينهم﴾ [البقرة: ١٤] , وقوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: ٥٢] ,
وقوله: ﴿ويزدكم قوة إلى قوتكم﴾ [هود: ٥٢]؛ ويدل على أن هذا هو المراد: ما روى
стр. 190
عن أبي هريرة أنه توضأ فغسل وجهه وأسبغ الوضوء, ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع
في العضد, ثم غسل يده اليسرى حتى أشرع في العضد, ثم مسح رأسه, ثم غسل
رجله اليمنى حتى أشرع في الساق, ثم غسل اليسرى حتى أشرق في الساق, ثم قال:
"هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ" وأشرع: أي دخل فيها, ومنه: أشرع بابا إلى الطريق, أي: فتحه إليه؛ ذكره الجوهري؛ وهذا الطريق في الاستدلال قد حكاه
الإمام عن معظم العلماء.
قلت: وفيه نظر؛ لأن الناس اختلفوا في أن اليد تطلق حقيقة على ماذا؟ فالمشهور
أنها إلى المنكب, وهو ما حكاه القاضي أبو الطيب هنا, ونسبه في كتاب السرقة إلى
الخوارج, واختار أنها تتناول الكفين مع الأصابع دون ما زاد عليها؛ بدليل قوله تعالى:
﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦] , قال: ولو كان اسم "اليد" يقع على المناكب,
لكان استثناء ما زاد على المرفق بحرف الاستثناء؛ لأن العرب تنقص بحرف الاستثناء,
وتزيد بحرف الغاية, فلما قال: ﴿إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦] دل [ذلك] على أن
هذه زيادة على ما يتناوله الاسم, وليس بنقصان, وأنه يجري مجرى قولهم: "سرت
من الكوفة إلى البصرة".
فعلى المذهب الأول لا يحسن هذا التأويل؛ لأنه يصير التقدير: وأيديكم مع
المرافقو واليد اسم لجميعها إلى الآباط والمناكب, وهذا قد أشار إليه الزجاج
стр. 191
وقال: ينبغي على هذا أن يقال: إنه اقتطع المرفقين من اليد, وأدخلهما في الغسل.
وعلى المذهب الثاني لا تصير الآية مقتضية لغسل ما بين الكف والمرفق؛ لأن
الواجب غسله الكف, والأصابع والمرفق.
ومنهم من قال: في الآية محذوف, والتقدير: اغسلوا أيديكم, وأنزلوا الغسل
إلى المرافق, وهذا قول من يجعل اليد إلى المنكب.
ومنهم من يقول: ما بعد"إلى" إذا لم يخالفه في الجنس: تارة ينتهي إليه، وتارة
ينتهي به؛ فالآية مجملة، وقد نبه ﷺ على المراد منها بفعله الذي ذكرناه، ورواية البزار
عن وائل بن حجر قال: "شهدت النبي ﷺ وأتي بإناء فيه ماء فأكفأه على يمينه ... "
وساق الحديث إلى أن قال: "ثم أدخل يمينه في الماء فغسل بها ذراعه اليمنى حتى
جاوز المرفق ثلاثا، ثم غسل يساره بيمينه حتى جاوز المرفق ثلاثا، ثم مسح على
رأسه ثلاثا، وظاهر أذنيه ثلاثا، وظاهر رقبته - وأظنه قال: وظاهر لحيته ثلاثا -[ثم
غسل بيمينه قدمه اليمنى ثلاثا،] وفصل بين أصابعه [أو قال خلل بين أصابعه]،
ورفع الماء حتى جاوز الكعب، ثم رفعه في الساق، ثم فعل باليسرى مثل ذلك":
تنبيه: المرافق: جمع مرفق، وفيه لغتان: كسر الميم مع فتح الفاء، وعكسه، وهو
مجمع عظم الساعد وعظم العضد؛ وهذا ما حكاه البندنيجي وغيره من العراقيين.
وقيل: إنه عظم الساعد فقط وحكاه بعضم عن رواية الربيع، واختاره في
"التهذيب". وفائدة الخلاف تظهر لك من بعد.
فروع:
أحدها هل يجب إدخال ما طال من الأظفار في الغسل؟ فيه طريقان:
стр. 192
منهم من قال: نعم؛ لندرته؛ وهذا قول ابن أبي هريرة، واختاره في "المرشد".
ومنهم من قال: فيه قولان؛ كالمسترسل من اللحية.
الثاني: إذا خلق له يد زائدة أو أصبع زائدة، أو سلعة في محل الفرض - وجب
غسل ذلك، ولو خلق ذلك في غير محل الفرض لم يجب غسله إلا أن يحاذي شيءٌ
منه شيئا من محل الفرض؛ فيجب غسل المحاذي فقط.
وفي "الشامل" و "الحاوي" وغيرهما حكاية وجه: أنه لا يجب؛ اعتباراً بمنبته.
قال الرافعي: وقد صار إلى تقريره كثير من المعتبرين، وحملوا النص على ما إذا
التصق شيءٌ من ذلك بمحل الفرض.
والراجح عند كثير من الأصحاب الأول، وبه جزم البندنيجي والإمام؛ وهذا
بخلاف ما إذا انقشطت جلدة من العضد وتدلت، ولم ينقلع معها شيء من جلد محل
الفرض: لا يجب غسل شيء منه، سواء قابل محل الفرض أو لا؛ لأن اسم اليد لا يقع
عليها. نعم، لو انقلع [معها] شيء من محل الفرض، وتدلى من محل الفرض -
وجب غسل الجميع؛ كما لو كان-المنقشط جلد محل الفرض فقط ولم ينفصل.
ولو كان المنقشط جلد محل الفرض مع شيء من جلد العضد، وتدلى من
стр. 193
العضد - لم يجب غسل شيء منه.
نعم، لو التصق ما انقلع من محل الفرض بالعضد، قال الماوردي والإمام:
وجب غسله.
وقال ابن الصباغ: إنه لا يجب، والبندنيجي حكاه عن نصه في "النهاية" إلى العراقيين، وقال: إنه غلط.
ولو انكشطت جلدة من العضد، والتصقت بشيء من محل الفرض - صار
الملتصق كجلد محل الفرض؛ فيجب غسله والله أعلم.
قال: فإن كان أقطع من فوق المرفق - أي: ولو من المنكب، كما قاله البندنيجي -
استحب له أن يمس الموضوع ماء؛ لأنه روى عن ابن عباس استحبابة، ولكيلا يخلو
العضو عن طهارة، وهذا علة أبي إسحاق المروزي، وهي تشبه باستحباب إمرار
الموسى على رأس من لم يكن له شعر في الحج.
قال أبو الطيب: ومنهم من يوجه ذلك بأنه كان يستحب له [غسل] ذلك عند
بقاء اليد؛ لقوله ﵇ "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من إسباغ
الوضوء! فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله", وقال أبو هريرة: سمعت
خليلي ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" رواهما مسلم.
وإذا كان هذا مستحبا عند بقاء العضو بقي بعد قطعه.
قال بعضهم: وقد أفهم قول الشيخ: "فإن كان أقطع ... استحب", أنه لا يستحب
ذلك لغير الأقطع, وهو متبع للمزني في ذلك, لكنه مستحب؛ لما ذكرناه, وابن الصباغ
حكاه عن بعض الأصحاب وسيأتي الكلام فيما هي الغرة في الباب بعد, إن شاء الله
تعالى.
ويمس الموضع ماء: هو بضم الياء وكسر الميم، وماء: منصوب، والمراد
بالإمساس - هاهنا-: الغسل، أما إذا كان مقطوعا من المرفق بأن فك عظم الساعد.
стр. 194
من عظم العضد-: [فقد أفهم كلام الشيخ أنه يجب غسل طرف عظم العضد] كما
أفهمه قول الربيع عن الشافعي: إنه لو كان أقطعهما فوق المرفقين، فلا فرض عليه
فيهما. [والذي نقله المزني أنه لا يجب؛ فإنه قال: إذا كان أقطعهما من المرفقين، فلا
فرض عليه فيهما]. واختلف الأصحاب في ذلك على طريقين - ومنهم من قال:
قولان-:
أحدهما: عدم الوجوب؛ كما نقله المزني، ويحكى عن القديم أيضاً.
والثاني: أنه يجب؛ كما أفهمه كلام الربيع، وهو الأصح.
وقد قيل: إن القولين على هذه الطريقة مبنيان على أن المرفق اسم لماذا؟ فإن قلنا:
اسم لعظم الساعد فقط، لم يجب غسل عظم العضد.
وقيل: بل مبنيان على أن غسل عظم العضد وجب تبعاً أو مقصوداً؛ فعلى الأول
لا يجب غسله؛ لزوال المتبوع، وعلى الثاني يجب؛ كما لو بقى شيءٌ من عظم
الساعد.
ولم يظهر لي فرق بين الطريقين من حيث المعنى.
ومن الأصحاب من قطع بوجوب غسله، ونسب المزني إلى الإخلال بالنقل
وترك بعض اللفظ؛ وهذه طريقة العراقيين والماوردي، وقال الإمام: إن الوجه
القطع بها.
قال: ثم يمسح رأسه؛ للآية، فيبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب باليدين إلى قفاه، ثم
يردهما إلى المكان الذي بدأ منه؛ لما روى مسلم عن عبد الله بن زيد في وصف
وضوء رسول الله ﷺ : "فمسح رأسه، فأقبل بيديه وأدبر".
وفي رواية: "فأقبل بهما وأدبر: بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما
حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه".
стр. 195
قال الأصحاب: والمعنى في ذلك إيصال البلل إلى جميع الشعر؛ لأن منابت
الشعر مختلفة:
منها: ما يكون وجهه إلى مقدم الرأس.
ومنها: من يكون وجهه إلى مؤخرها، فبالذهاب تبتل بواطن القسم الأول وظاهر
الثاني، وبالرد تبتل ظواهر الأول وبوواطن الثاني؛ وبهذا فارق ما نحن فيه السعي: حيث
عددنا الإقبال والإدبار مرة، وعددنا الذهاب والإياب في السعي مرتين، على
الصحيح؛ لأن المقصود قطع المسافة، وهي منقطعة في كل مرة.
وكيفية البداءة والمسح: أن يأخذ الماء بكفيه، ثم يرسله، ويلصق طرف إحدى
سبابتيه بالأخرى، ثم يضعهما على مقدم رأسه، ويضع إبهاميه على صدغيه.
قال الصيدلاني والقفال: وإنما يستحب [الرد] إذا لم يكن شعره محلوقا ولا
طويلاَ، فإن كان، لم يستحب، فلو فعله في هذه الحالة، قال في "التهذيب": لم يحسب
مرة ثانية؛ لأن الماء قد صار مستعملاً.
قال: ويفعل ذلك ثلاثا؛ لخبر وائل بن حجر، ورواية أبي داود والنسائي عن علي:
أنه توضأ ثلاثا ثلاثا، ومسح رأسه ثلاثا، وغسل رجليه ثلاثا، وقال: [هذا وضوء رسول
الله ﷺ ].
وروى أبو داود من حديث عثمان: أنه ﵇ مسح رأسه ثلاثا.
قال: وأحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، وقد جاء في
стр. 196
رواية لمسلم في وصف عبد الله بن زيد وضوء رسول الله ﷺ [أنه مسح رأسه مرة واحدة، وكذا روى عن علي في وصف وضوء النبي ﷺ ] ولا جرم
استحب بعض أصحابنا المسح مرة واحدة.
وقيل: إن أبا عيسى الترمذي حكاه في "جامعه" عن الشافعي، والمشهور من
مذهبه، وبه جزم الجمهور - ماذكره الشيخ.
قال: ثم يمسح أذنيه: ظاهرهما، وباطنهما؛ [لما روى أبو داود عن المقدام بن
معديكرب في صفة وضوء النبي ﷺ قال: "مسح بأذنيه: ظاهرهما وباطنهما]، وأدخل أصابعه في صماخي أذنيه"، وظاهر الأذن: مما يلي الرأس، وباطنها: مما
يلي الوجه.
قال: بماء جديد؛ لما روى ابن وهب بسنده عن عبد الله بن زيد قال: [رأيت رسول
الله ﷺ يتوضأ، فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه]، ذكره أبو عبد الله الحاكم في علوم الحديث، قال عبد الحق: وهو حديث تفرد به اهل مصر.
стр. 197
قال بعضهم: ونبه الشيخ بقوله: [بماء جديد] على أنهما ليسا من الرأس [حتى
يمسحا بمائه].
قال: ثلاثا؛ لما ذكرناه من خبر وائل بن حجر؛ فإنه نص في مسح الظاهر على
الثلاث، والباطن بالقياس، وقد قيل: [لا] يستحب في مسحهما التكرار؛ كما قيل به
في مسح الرأس.
وكيفية المسح: أن يضع إبهامه على ظاهر الأذن، ويمرها نحو العلو، ويمسح باطن
الأذن بالمسبحة؛ لأن ابن عباس ﵁ ذكر في وصف وضوء رسول الله
ﷺ أنه مسح باطنهما بالسبابتين، وظاهرهما بإبهاميه، أخرجه النسائي.
وقد حكى الإمام عن شيخه: أنه يلصق كفيه بعد ذلك مبلولتين بالأذن؛ استظهاراً.
قال: ويأخذ لصماخيه ماء جديداً؛ لأن الصماخ من الأذن كالفم من الوجه، وإذا
أراد ذلك أدخل خنصريه فيهما بعد بلهما، والرافعي قال: إنه يدخل سبابتيه فيهما،
ويفعل ذلك ايضاً ثلاثاً؛ وهذا ما حكاه الماوردي عن البصريين، وان البويطي حكاه
عن الشافعي، ولم يحك ابن الصباغ غيره.
وعن البغدادين من أصحابنا: انه يدخل [أصبعيه] في صماخيه بماء الأذنين،
وقد حكاه الرافعي قولاً في المسألة، ولعله المراد به ما حكاه القاضي الحسين
والإمام؛ فإنهما قالا: إنه يمسح ظاهر اذنيه وباطنهما بماء جديد، وكيفيته أن يدخل
سبابتيه في صماخي أذنيه، ويمر إبهاميه على ظاهرهما.
قال الماوردي: وليس في أعضاء الطهارة عضوان لا يستحب تقديم الأيمن
منهما في تطهيره إلا الأذنين؛ فإن مسحهما معاً أسهل، وألحق بعضهم بهما
الخدين. نعم، الذي لا يمكنه غسلهما ولا مسح الأذنين معاً - كالأقطع -
стр. 198
يبدأ بالأيمن منهما.
وقد حكى عن ابن سريج أنه كان يغسل أذنيه مع الوجه، ويمسحهما مع الرأس،
ويفردهما بالمسح احتياطا؛ فإن من العلماء من أوجب غسلهما، ومنهم من أوجب
مسحهما، ومنهم من استحب إفرادهما [بالمسح] ويقال: إن ابن عمر كان يفعل
ذلك.
قال: ثم يغسل رجليه؛ للآية على قراءة النصب؛ فإنها تكون معطوفة على
المنصوب ولا يضر الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمسح الرأس؛ كما لم
يضر ذلك في قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه‘قل قتال فيه كبير وصد
عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام﴾ [البقرة ٢١٧]؛ فإنه عطف "المسجد
الحرام" على "الشهر الحرام".
ثم لو قيل بمنع ذلك، لقلنا: ذلك منصوب بفعل مضمر، والتقدير: وامسحوا
برءوسكم، واغسلوا أرجلكم؛ كما قيل بمثل ذلك في قولهم [من الرجز]:
علفتها تبناً وماء باردا
أو [من الكامل]:
. ... .... ... ..... ... متقلداً سيفاً ورمحا
أو نقول: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم
وامسحوا برءوسكم، والتقديم والتأخير في الكتاب كثير؛ كما ستعرفه في باب التيمم.
فإن قيل: قراءة الخفض تدل على وجوب مسحهما؛ لأن العطف يكون على مسح
الرأس ولا جائز أن يكون خفضاً على الجوار؛ كقولهم: "جحر ضب خرب"؛ لأن
стр. 199
ذلك ضعيف لا يجري مثله في كلام فصيح، وقراءة النصب تجعلها معطوفة على
موضع الجار والمجرور؛ فانتفت الدلالة بها على إيجاب الغسل.
قلت في جوابه: لا نسلم أن الخفض على الجوار غير جائز في الكتاب العزيز،
ألا ترى إلى قوله - تعالى-: ﴿كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾ [ابراهيم:١٨]
فخفض العاصف وإن كان مرفوعاً؛ لأنه [من] صفة الريح لا من صفة اليوم،
و"الريح" مرفوع، واليوم المخفوض، لكن لما كان مجاوراً لليوم أعطاه إعرابه وإن لم
يكن صفته؛ وكذا قوله تعالى: ﴿عذاب يوم أليم﴾ [هود:٢٦]؛ فإن "أليم" وصف
للعذاب؛ كذا قال الأول: الماوردي، والثاني: أبو الطيب، وقال: إنه [لا] حجة لمن
قال: إن الخفض على الجوار إنما يكون بغير واو؛ لأنه جاء مخفوضاً مع العطف
بواو.
ولئن سلمنا أنها معطوفة على مسح الرأس، فلا يدل على وجوب المسح؛ لأن
العرب قد تعطف الشيء على الشيء إذا كان بينهما اشتراك ما؛ كقولهم [من الرجز]:
علفتها تبناً وماءً باردا
و:
متقلدا سيفاً ورمحاً
والماء لا يعلف، والرمح لا يتقلد، لكن بينهما اشتراك في التغذي والحمل، وكذا
هنا بين الرأس والرجل اشتراك في استعمال الماء.
وبعضهم يقول: إنما جاز ذلك؛ لأن العرب تسمى خفيف الغسل: مسحاً؛ فتقول:
"تمسحت للصلاة".
قال بعضهم: ولعل السر في التعبير عن غسل الرجلين بالمسح في الآية - النهي
عن الإسراف في الماء للابتداء فيهما بالصب دون غيرهما.
وأما جعل قراءة النصب معطوفة على موضع الجار والمجرور: فغير جائز؛ لأنه لا
يجوز ترك العطف على المفعول المصرح به، ويعطف على غيره، مع ان ذلك ضعيف
لم يرد مثله في الكتاب العزيز، قال ابن الصباغ: وقد دلت السنة على ما ذكرناه؛ فتعين.
стр. 200
قال ثلاثاً؛ لأن عثمان وعلياً ذكرا ذلك في وصف وضوء رسول الله ﷺ .
قال: ويلزمه إدخال الكعبين في الغسل؛ لقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ [المائدة:٦]
أي: مع الكعبين؛ بالنقل عن أئمة التفسير.
وقد نقل عن المبرد أنه قال: الحد إذا كان من جنس المحدود دخل الحد في
المحدود؛ كقولهم: "بعت الثوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف"، وإن كان من غيره
لم يدخل؛ كقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة:١٨٧]، والحد هنا من
جنس المحدود؛ فدخل فيه.
قال: وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم؛ لما روى النعمان بن بشير
أن النبي ﷺ قال:"أقيموا صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم. فرأيت الرجل من
يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وكعبه بكعبه"، رواه البخاري، وإنما يلصق الكعب
بالكعب إذا كان ماذكرناه، دون ما قاله الشيعة ومحمد بن الحسن: إنه الذي عند
معقد الشراك.
стр. 201
وقد حكى عن [أبي] عبد الله الزبيري من أصحابنا أنه قال: الكعب - في لغة
العرب-: ما قاله محمد بن الحسن، وإنما عدل الشافعي عنه بالشرع. وأنكر سائر
أصحابنا ذلك، بل الكعب - لغة-: ما ذكرناه.
وقد حكى الرافعي عن ابن كج وغيره وجهاً: أن الكعب هو الذي فوق مشط
القدم، ولعل مراده هنا-: ما ذكرناه.
والناتئان: بالهمزة.
والمفصل: بفتح الميم وكسرها أيضاً، واحد المفاصل، [والساق بلا همز
وبالهمز].
قال: ويخلل بين أصابعه؛ لما روى الترمذي مرفوعا إلى ابن عباس أن رسول الله
ﷺ قال: "إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك"، وعن عاصم بن لقيط عن أبيه أن النبي ﷺ قال: " إذا توضأت فأسبع الوضوء وخلل بين الأصابع" أخرجه الترمذي وأبو داود، والأول صريح في استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين،
والثاني يحتمل ذلك؛ فوجب أن يحمل عليه، وقد صرح بوفق الأول ابن كج، فقال:
يستحب فيهما التخليل، والجمهور مصرحون باستحبابه في الرجلين، وسكوت عنه
في اليدين.
وكيفية تخليلها من الرجلين: أن يدخل خنصره من اليد االيسرى في باطن القدم،
يبدأ بالخنصر من الرجل اليمنى، ويختم بالخنصر من الرجل اليسرى.
стр. 202
وعن أبي طاهر الزيادي أنه يخلل ما بين كل أصبع من أصابع رجليه بأصبع من
أصابع يديه؛ ليكون بماء جديد.
وقال الإمام: لست أرى لتعيين اليد اليمنى أو اليسرى في ذلك أصلا إلا
الاستنجاء؛ فإنه ﵇ نهى عن الاستنجاء باليمين، وليس تخليل
الأصابع مشابهاً له؛ فلا حرج على المتوضئ استعمل اليمين أو اليسار.
وإذا خلل بين أصابع اليدين، قال الرافعي: فالذي يقرب من الفهم أن يشبك بين
الأصابع.
قال: ويستحب إذا فرغ من الوضوء أن يقول -[وهو مستقبل القبلة]-:"أشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شؤيك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"؛ لأن عمر روى أن
النبي ﷺ قال:"من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله صادقاً من قلبه فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء" أخرجه مسلم، وزاد الترمذي فيه: "اللهم اجعلني من التوابين
стр. 203
واجعلني من المتطهرين"، وكذلك استحب ابن الصباغ الإتيان بهذه الزيادة.
وزاد الرافعي عليها في الاستحباب: "سبحانك اللهم وبحمدك، [أشهد أن] لا
إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
وهذا الفصل من الشيخ مؤذن بأنه لا يستحب أن يأتي في أثناء الوضوء بذكر.
стр. 204
وقد وردت دعوات مأثورة صرح غيره باستحبابها، وهي أن يقول عند غسل الوجه:
"اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، وعند غسل اليد اليمنى: "اللهم
أعطني كتابي بيمينى، وحاسبني حساباً يسيراً"، وعند غسل اليسرى: "اللهم لا تعطني
كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري"، وعند مسح الرأس: "اللهم حرم شعري وبشري
[على] النار"، وروى "اللهم احفظ رأسي وما حوى، وبطني وما وعى"، وعند
مسح الأذنين: "اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، وعند غسل
الرجلين: "اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام".
قال: وألا ينفض يديه؛ لقوله ﷺ : " إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم؛ فإنها مراوح الشياطين"؛ قاله الماوردي والرافعي، ولأنه كالمتبرم من العبادة.
قال بعضهم: ويستثنى من ذلك نفض اليد عند مسح الرأس والأذنين والرقبة؛ فإنه
стр. 205
يستحب إذاً أن يترشش عليه. وهذا فيه نظر؛ لأن المستحب في هذه الأحوال ان
يرسل يديه لا أن ينفضهما؛ فما ذكره الشيخ على عمومه، وعليه اقتصر الرافعي.
[ثم] إذا خالفونفض يديه لم يكن مكروها؛ لما روى عن ميمونة: أنه ﷺ
اغتسل، فأتيته بالمنديل فلم يأخذه، وجعل ينفض الماء بيديه. متفق عليه.
قال: ولا ينشف أعضاءه؛ لما [ذكرناه من خبر ميمونة، وقد] روى أن أم سلمة
ناولت رسول الله ﷺ ثوباً؛ ليتنشف به من وضوئه فأبى، وقال: "إني أحب أن أبقي علي وضوئي".
وقد قيل إن ترك التنشيف غير مستحب، وفعله غير مستحب أيضاً؛ فيكون فعله
وعدمه سيين.
وقيل: إن التنشيف مستحب؛ لما فيه من الاحتراز عن الغبار.
والذي حكاه العراقيون ما ذكره الشيخ.
وإذا قلنا به، فهل يكون مكروهاً أو فاعله تاركاً للأولى؟ فيه وجهان في "التتمة"،
والظاهر من كلام الشافعي منهما - كما حكاه الإمام عن العراقيين - الثاني،
ويشهد له ما روى ابن المنذر بإسناده عن قيس بن سعد قال: "أتانا رسول الله ﷺ فوضعنا له غسلاً فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية فالتحف بها، وكأني أنظر إلى أثر
الورس على عكنه.
стр. 206
وفي "الرافعي" وجه ثالث عن القاضي الحسين: أنه يكره في الصيف دون الشتاء،
لعدم البرد.
قال: ولا يستعين في وضوئه بأحد؛ لما روى أن أبا بكر هم بصب الماء على يد
رسول الله ﷺ فقال: "لا أحب أن يشاركني في وضوئي أحد"، وروى أن المقول
له عمر حين أراد صب الماء على يده، ﵇.
وقيل: إن القائل عمر.
قال بعضهم: وفي كلام الشيخ رمز إلى أنه لو أمر غيره بغسل أعضائه، فالكراهة أشد
وإن صح الوضوء؛ كالغسل المنوي تحت الماء وإن لم يوجد منه سوى النية.
قال: وإن استعان به جاز، أي: من غير كراهة؛ لأن المغيرة بن شعبة أعان النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 207
في [وضوئه]؛ لضيق كم جبة كانت عليه؛ كما ستقف عليه في باب المسح على
الخفين.
وروى عن صفوان بن عسال قال: "صببت على رسول الله ﷺ في السفر
والحضر"، وروى أن أسماء والربيع بنت معوذ صبتا الماء على يديه.
وفي "تعليق القاضي الحسين" في باب الوكالة: أن الاستعانة بالغير في الطهارة، هل
تكره؟ فيه وجهان حكاهما غيره هنا، وأصحهما: لا؛ وهذا في حق من يمكنه ألا يستعين.
أما من لا يقدر على الوضوء إلا بالاستعانة - كالأقطع - فإنه يجب عليه أن
يستعين، "لو بأجرة المثل إن وجدها فاضلة عن كفايته وكفاية من تلزمه كفايته ليومه
وليلته وقضاء ديونه، فإن لم يجد صلى وأعاد؛ كمن لم يجد ماء ولا ترابا؛ لأن عدم
وجدان معين نادر.
وقد أفهم ما ذكره الشيخ في الباب أنه لا يستحب معه شيء آخر، وللأصحاب
خلاف في استحباب مسح الرقبة بعد مسح الأذنين:
فمنهم من قال: هو مستحب؛ لقوله ﷺ : "إنه أمان من الغل".
ومنهم من قال: هو أدب.
وعلى الوجهين يبني أنه هل يمسحها بماء جديد أو بماء الأذن؟ فإن قلنا: إنه
مستحب مسحها بماء جديد، وإلا مسحها بماء الأذن؛ كذا حكاه الإمام عن شيخه،
واقتصر عليه الرافعي.
والقاضي الحسين قال: إذا قلنا: إنه سنة، اكتفي فيه بماء الأذنين. ومال الروياني
стр. 208
إلى أنه يمسحها بماء جديد.
وقد بقي من الآداب أن يبدأ في غسل الوجه بأعلاه؛ لأنه ﷺ كان يفعله، وهو
أسهل. ويبدأ في غسل اليدين والرجلين بأطراف الأصابع إن كان يغسل بنفسه، وإن
كان غيره يصب عليه غسل من مرفقه وعقبه إلى أطراف الأصابع.
وأن يضع الإناء عن يمينه إن كان يغترف منه، وإن كان يقلب على يده منه
وضعه على يساره.
وسيكون لنا عود إلى شيء من ذلك الباب بعده, إن شاء الله تعالى.
стр. 209
باب فروض الوضوء وسننه
الفرض والواجب مترادفان عندنا، والمراد به- هنا-: الركن لا المحدود في
كتب الأصول بأنه الذي يذم تاركه شرعاً، ولو على بعض الوجوه، إذ حكم الصبي ... فيه كالبالغ.
قال وفروض الوضوء ستة: النية، لما تقدم، ومن هنا يظهر لك أن الكافر لا يصح ... وضوءه، لأنه ليس من أهل النية، وفيه وجه ستعرفه في "باب صفة الغسل" ... وهو مفرع على الصحيح في أنه إذا ارتد بعد الوضوء لا يبطل، وأما إذا قلنا: يبطل، فلا يصح في حال الكفر بلا خلاف.
قال: عند غسل الوجه، أي: عند ابتداء غسل شيء من الوجه، لتكون مقترنة ... بأول العبادة، واحتجنا إلى ما ذكرناه من التقدير، لأن استمرار النية إلى تمام غسل ... الوجه ليس بشرط، حتى لو نوى عند أول شيء غسله منه وعزبت قبل تمام غسله ... لم يضره، بخلاف النية في الصلاة، فإنه يشترط أن تقترن بكل التكبيرة، لأن أول التكبيرة ترتبط إفادته بتكميلها، وغسل بعض الوجه لا يتوقف مقصودهعلى تكميله، وما ذكره ... الشيخ تفريع على الصحيح في أنه لو نوى عند غسل سنة من سنن الوضوء، ثم عزبت ... نيته قبل غسل شيء من الوجه- لم يعتد بها، ووراءه ما سلف من الأوجه.
والوجه الصائر إلى الاكتفاء باقترانها بغسل الكفين- إذا قلنا: إنه من سنن ... الوضوء- جار فيما إذا اقترن بالسواك، وقلنا: إنه من سننه، كما صرح به الأئمة, لكن ... لك أن تقول: ذاك وجه معزي إلى ابن سريج, وابن سريج يرى أنه لا بد من اقترانها بالوجه كما سلف.
ثم على ما ذكره الشيخ إذا اقترنت نيته بغسل الوجه لا يناله ثواب ما يتقدمه من ... السنن لخلوه عن النية.
стр. 210
وفي"الحاوي" وجه آخر: أنه يناله، كما لو نوى صوم التطوع في أثناء النهار، وقد ... أبداه الإمام احتمالاً لنفسه، ثم فرق بأن الصوم في حكم الخصلة الواحدة، والوضوء ... يشتمل على أركان متغايرات، فالانعطاف فيها أبعد.
واحتاج الشيخ هنا إلى بيان وقت النية، لأنه لم يذكره في الباب قبله, بل أفهم ... كلامه أن المستحب أن تكون أول ما يشرع في الوضوء.
قال: وغسل الوجه للكتاب والسنة والإجماع كما سلف, وهذا الفرض إنما ... يتحقق وجوده إذا غسل جزءا من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك, وحينئذ ... يجب ذلك, إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وقد صرح به المتولي وغيره.
قال: وغسل اليدين مع المرفقين، لما تقدم، وغسل جزء من العضد لا بد منه، لما ... ذكرناه.
ولو كان عليهما شعر كثيف لزمه غسل ما تحته، لأن ذلك نادر، صرح به القاضي ... الحسين وغيره.
وقد تقدم الكلام فيما إذا نبت له إصبع زائد أو كف وتدلت له جلدة. ولو انقلع من ... محل الفرض شيء، وجب غسل ما ظهر منه.
نعم، لو كان ذلك بعد الغسل لا يلزمه غسل ما ظهر، كما إذا حلق الشعر بعد ... المسح عليه، أو قص الظفر فظهر من اللحم شيء كان مستترا به.
قال: ومسح القليل من الرأس، لأنه إذا فعله صدق عليه أنه مسح رأسه عرفاً، ... وتنزلت الآية عليه، كما تنزل قول القائل: فلان قبل رأس اليتيم، أو: مسحها، أو ... : ضرب رأس فلان – على بعضها، ولأن الآية وإن دلت بظاهرها على أنها [آلة] يمسح بها، فالإجماع على أن المراد: مسحها هي، وحينئذ تكون الباء في الآية للتبعيض، وإلا لم يكن لها فائدة، ويدل على ذلك أن السنة تثبت أن الاستيعاب غير واجب، فإن المغيرة بن شعية روى أن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى عمامته، وفي رواية: بمقدم رأسه، والتقدير بجزء لا يهتدي إليه إلا بتوقيف، ولم يوجد، فتعين أن يكون الواجب مسمى المسح من غير تقدير.
стр. 211
فإن قيل: الشرع قد قدره بالناصية، إذ لم يرد أن النبي ﷺ مسح على أقل منها، والرواية الأخرى محمولة عليها، فينبغي أن يتقدر بها، ويكون فعله – ﵇ – مبيناً للمراد من الآية، وقد اختار هذا صاحب "التهذيب".
قيل: فعل رسول الله ﷺ لم يخرج مخرج البيان، إذ لم ينقل تعقبه لوقت الحاجة إليه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولأنه لو كان بياناً لتعين المسح على الناصية، والخصم يجوز] مسح [قدرها من الرأس.
فإن قيل: صيغة الأمر بمسح الرأس] في الوجه [في التيمم واحدة، وقد أوجبتم تعميم الوجه بالمسح.
قيل: هو في التيمم بدل مغسول كله، لأجل الضرورة، ولا ضرر في التعميم، فوجب كالأصل، والمسح على الرأس هنا أصل، فكان مستقلا بحكمه.
واحترزنا بقولنا: "لأجل الضرورة" عن المسح على الخفين، فإنه جوز للحاجة، وقيد عدم الضرر يخرجه أيضاً، لأن استيعاب مسحه يضر به.
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً:
أحدها: أن المسح على الشعر بدل، لأنه قد جعل الفرض مسح القليل من الرأس، ... والشعر ليس برأس حقيقة، ويوافق هذا المفهوم ما حكاه الإمام ومن تبعه عن ابن ... خيران: أنه لو مسح على الشعر، ثم حلقه استأنف المسح على الرأس، كما لو مسح ... على الخف، ثم ظهرت الرجل.
والعراقيون نسبوا هذا المذهب لابن جرير الطبري وهو صاحب مذهب، ... وجزموا بأنه لا يستأنفه، وأن الشعر أصل كبشرة الرأس، ويدل عليه أنه لو كان بعض ... بشرة الرأس ظاهرا وعلى بقيتها شعر, فمسح على الشعر – أجزأه.
стр. 212
وفي "زوائد" العمراني أن الفقيه أبا بكر بن جعفر قال: لو مسح شعر رأسه،
ثم حلقه قبل الفراغ من الطهارة – وجب عليه إعادة المسح، وغسل القدمين؛ لأن
المتوضىء مالم يفرغ. في حكم من لم يتوضأ؛ بدليل: أنه لو لبس الخف قبل كمال
الطهارة، لا يمسح عليه.
ثم على المشهور يحمل كلام الشيخ على إرادة مايسمى رأساً؛ فإن الشعر يسمى
به؛ فإنه مأخوذ مما رأس وعلا، وليس في هذا إلا أن فيه جمعاً بين إرادة الحقيقة
والمجاز بلفظ واحد، وذلك جائز عند بعض أصحابنا، وحس هنا؛ لأن فيه تنبيهاً
على أنه لو مسح على الشعر الخارج عن الرأس – وإن كان منتبه فيها – لا يجزىء،
وهو مما لا خلاف فيه.
نعم، اختلفوا فيما لو مسح على شعر خرج عن منبته، ولم يتعد حد الرأس: هل
يجزئه أم لا؟ والصحيح: الإجزاء.
ووجه المنع: أنه زائل عن منبته؛ فشابه الخارج عن الرأس.
ومن القسم الأول: ما إذا كان شعره أجعد على الرأس، وإذا مد خرج بالمد عن
стр. 213
سمت الرأس، فمسح على القدر الذي لو مد خرج عن سمتها.
والقاضي الحسين قال: إنه كذلك إذا مده، ومسح على الطرف الخارج، أما إذا لم
يمده، بل مسح عليه، وهو على الرأس، ففي الأجزاء وجهان، أصحهما: المنع.
الأمر الثاني: أن المسح إذا كان على الشعر لا يتقدر بثلاث شعرات؛ لأن ما دونها
بعض الرأس، وهو الذي نص عليه الشافعي، واختاره البغداديون من أصحابنا.
وعن صاحب "التلخيص": أنه يتقدر بثلاث شعرات، كما في حلق الرأس في
الحج، واختاره البصريون من أصحابنا.
قال الرافعي: وقد أفهم كلام بعض النقلة احتمالاً في اعتبار قدر ذلك – أيضا -
في المسح على البشرة.
والقائلون بالأول فرقوا بأن المسح متعلق بالرأس في الآية، والشعر ليس متعيناً له؛
ولذلك لو مسح على محل لا شعر فيه، أجزأه؛ بخلاف الحلق؛ فإنه منصرف إلى
الشعر إجماعاً، و"الشعر" اسم جمع؛ فلا يصدق على أقل من ثلاث.
واختار صاحب "الحاوي" مذهباً لنفسه، وقال: الحق أن يكون المعتبر المسح
بأقل شيء من أصبعه [على أقل شيء [من رأسه؛ لأنه أقل ما يقتصر عليه في
العرف، وما دونه خارج عن حد العرف، فامتنع أن يكون حدا.
الثالث: أنه لو أدخل يده تحت شعره، ومسح البشرة، أجزأه، وهو ما حكاه القاضي
الحسين والمتولي، وصدر به الرافعي كلامه.
قال القاضي: وهذا بخلاف الوجه، فإنه لو غسل البشرة وترك الشعر، لم يجزئه؛
стр. 214
لأن اسم الوجه لما يواجه به الإنسان غيره، وذلك يقع على ظاهر الشعر. والرأس:
اسم لما رأس واعتلى، وهذا واقع على الكل.
الرابع: أنه لو غسل الرأس بدلاً عن المسح، لم يجزئه؛ لأنه لا يسمى مسحاً.
ومن طريق الأولى: إذا قطر الماء عليه ولم يجر، وكذا إذا وضع يده مبلولة على
الشعر ولم يمرها؛ لفقد حقيقة المسح، وهو وجه في المسائل محكي في الثانية
والثالثة عن اختيار القفال.
لكن الصحيح في الكل – وهو المذكور في أكثر الكتب – الإجزاء، بل ادعى
الإمام في الأولى: الوفاق عليه.
نعم، لا يستحب، وهل يكره؟ فيه وجهان: أظهرهما عند العراقيين وصاحب
"الروضة": لا، ومقابله: هو ما حكاه الإمام عن الأكثرين.
الخامس: أنه لا فرق في الإجزاء بين أن يمسح بيده، أو بخرقة مبلولة أو خيشة،
ونحو ذلك، وهو مما لا خلاف فيه.
قال: وغسل الرجلين مع الكعبين؛ لما ذكرناه، وتعميمهما واجب، حتى لو كانت
أصابعهما أو بعضهما ملتفة، لا يمكن إيصال الماء إلى باطنها إلا بالتخليل -
وجب، وعليه حمل قوله- ﵇: "خللوا بين أصابعكم؛ كي لا يخلل الله
بينها بالنار".
стр. 215
نعم، لو كانت ملتصقة خلقة، لا يجب تفريجها، بل لا يستحب، ولو فرجها بعد
الطهارة، لم يجب غسل ما ظهر إذا لم يحدث نجاسة، وكذا الكلام في أصابع اليدين.
ثم هذا الفرض مخصوص بغير لابس الخف [في مدة المسح، أما لابس
الخف]، فغسل الرجلين ليس فرضا متعينا في حقه؛ لما ستعرفه.
قال: والترتيب - على ماذكرناه- للكتاب، والسنة، والقياس:
أما الكتاب: فظاهر الآية، ووجه الدلالة منها: إذا قلنا: إن "الواو" للترتيب – كما
следующие страницы →