← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

التفريع: على المشهور: إن قلنا: يمنع الاستخلاف؛ فإن كان حدث الإمام في غير الجمعة، أتم المأمومون لأنفسهم فرادى، وإن كان في الجمعة؛ فهل يجوز للمأمومين أن يتموا لأنفسهم صلاتهم، ظهراً، أو جمعة؟ قال القاضي أبو الطيب والمتولي: فيه قولان: أحدهما- نقله المزني في "المختصر" عن الشافعي- ﵁: أنه يجوز إن كان حدث الإمام في الثانية، ولا يجوز إن كان في الأولى؛ لقوله ﵇: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى". وقد قيل: إن من هذا القول خرج المزني: أن القوم لو انفضوا في الركعة الثانية، أتمها الإمام جمعة؛ كما ستعرفه في موضعه. والقول الثاني نقله المزني في "جامعه الكبير": أنه يجوز، سواء أكان حدثه في [الركعة] الأولى أو الثانية؛ لأن المعنى الذي لأجله منعنا الإمام من الاستخلاف هو أن حكم صلاته باق لم يبطل، وإن كان حكمها باقياً، جاز لهم أن يتموها جمعة؛ كما لو كان حدثه بعد أن صلى ركعة. وقد قيل: إن المزني خرج منه قولاً فيما إذا انفض القوم عن الإمام في الأولى: أنه يتمها جمعة، والقولان هكذا حكاهما ابن الصباغ عن رواية أبي إسحاق، وملخصهما: أنه إذا [كان] حدثه في الثانية، أتموها جمعة [قولاً واحداً، وإن كان في الأولى، فهل يتمونها جمعة،] أو ظهراً؟ [قولان. وعكس الماوردي ذلك؛ فقال: إن كان حدثه في الأولى، أتموها ظهراً،] لا

стр. 1507

يختلف فيه مذهب الشافعي، وسائر أصحابه، وإن كان في الثانية، فمذهب الشافعي: أنهم يتمونها ظهراً، وعلى قياس مذهب المزني في مسألة الانفضاض، يتمونها جمعة. ويجيء من مجموع النقلين في المسألة ثلاثة أقوال، حكاها مجلي: أحدها: أنهم يتمونها جمعة، كيف كان الأمر. والثاني: يتمونها ظهراً، كيف كان الأمر، وهذا إذا ضاق الوقت عن إمكان إعادة الخطبة والصلاة؛ فإن أمكن أعيدت. والثالث: إن كان حدثه في الأولى، أتموها ظهراً إن ضاق الوقت، وإن كان في الثانية، أتموها جمعة، وهذا ما أورده البندنيجي والبغوي. قال الإمام: إن الأصحاب قطعوا بما إذا كان حدثه في الثانية أنهم يتمونها جمعة، وإن كان في الأولى؛ فهل يتمونها ظهراً، أو نفلاً، أو تبطل؟ فيه خلاف يأتي مثله في مسألة الزحام ونظائرها. ثم قال: وكان شيخي يقول: قد ذكرنا في مسألة الانفضاض قولاً: أن القوم إذا انفضوا في الركعة الأولى، وبقي الإمام وحده- أن الجمعة تصح، وعلى هذا لا يمتنع أن نقول: إذا بطلت صلاة الإمام في الركعة الأولى، وزال [الإمام] عنهم- كان كانفضاضهم عن الإمام، فإذا كان الإمام يتم الجمعة، [فأولى أن يتم المأمومون]، وإن جرى الانفضاض في الركعة [الأولى]، فكذلك القوم يتمون الجمعة وإن زال إمامهم في الركعة الأولى، وهذا قياس حسن، غير أن قياسه: أن صلاة الإمام إذا بطلت في الركعة الثانية ألا يتم المأمومون الجمعة على قول؛ [بناء] على أن الانفضاض لو حصل في الركعة الثانية، لا يتمها الإمام جمعة، وقد قال الأصحاب: إنهم يتمونها جمعة، ووافقهم شيخي، وعندي [أنه] يقتضي طرد القياس؛ إذ لا يكاد يظهر فرق؛ فإن الإمام ركن الجماعة في حق المقتدين؛ كما أن القوم ركن الجماعة في حق الإمام، وليس كانفراد المسبوق بركعة؛ فإنه قد صحت الجمعة للإمام والجمع؛ فأثبت للمسبوق إدراك الجمعة على طريق التبعية لأقوام صحت جمعتهم.

стр. 1508

قلت: وأنت إذا تأملت ما ذكره من التخريجين، عرفت أن ما قاله شيخه هو الذي نقله المزني في الجامع الكبير عن الشافعي، وما قاله الإمام هو عين ما حكاه الماوردي عن النص؛ فلا يحتاج إلى التخريج، ثم فيما قاله شيخه نظر من وجه آخر، وهو: أنا قد حكينا أن القول بصحة جمعة الإمام [إذا انفض القوم بجملتهم في الأولى مخرج من هنا؛ فكيف يخرج من الفرع أصله؟! نعم ستقف في باب صلاة الجمعة على أن القول بصحة جمعة الإمام] مع انفضاضهم في الأولى منصوص للشافعي، وحينئذ يستقيم التخريج منه إلى هنا لو عدم النص فيه، وأما تخريج الإمام، وقوله: "إنه لا يكاد يظهر بين المسألتين فرق"، فالأصحاب صرحوا به في كتاب الجمعة، وسنذكره ثم- إن شاء الله تعالى- فإن قلنا: يجوز الاستخلاف، جاز أن يستخلف في غير الجمعة من كان معه قبل حدثه من أول الصلاة، أو في آخرها، ويجب عليه أن يمشي على ترتيب صلاة إمامه؛ فيجلس؛ للتشهد [في موضع تشهد إمامه، ويقنت حيث يقنت، وإن لم يكن ذلك محلاً لتشهده] وقنوته؛ قاله ابن الصباغ. فإذا تمت صلاة المأمومين، قام إلى تتمة صلاته، وقنت في موضع قنوته، وتشهد في موضع تشهده، ويخير القوم بين أن ينتظروه حتى يسلم بهم، وبين أن ينووا المفارقة [ويسلموا، وبين أن يقدموا واحداً منهم، ليسلم بهم؛ أي: بعد نية المفارقة]. وحكى مجلي في جواز انتظارهم له خلافاً، والمشهور: الأول. وفي "زوائد" العمراني أن القاضي سليم قال في "فروعه": إنه لا يجب على المستخلف أن يمشي على ترتيب صلاة مستخلفه، بل على ترتيب صلاة نفسه، وهو في حكم إمام منفرد، وهل يشترط أن ينوي المأموم الاقتداء بالخليفة، أم لا؟ الجمهور على عدم الاشتراط. قال في "الكافي": وهو الأصح. وأشار بذلك إلى وجه حكاه في "التهذيب": أنه يشترط ذلك.

стр. 1509

قلت: ولا يبعد أن يكون قائله هو الصائر إلى أن الخليفة يمشي على ترتيب صلاة نفسه. وهذا كله فيما إذا كان الاستخلاف في غير الجمعة، أما إذا كان في الجمعة فيجوز أن يستخلف من كان معه في الركعة الأولى، سواء كان حدثه في الثانية، أو [في] الأولى، لكن [هل] يشترط أن يكون قد سمع الخطبة؟ فيه قولان حكاهما الصيدلاني وغيره: أحدهما: لا، وهو ما نص عليه في "الأم". والثاني: نعم، وهو ما حكاه القفال وغيره عن نصه في "البويطي". والأصح الذي لم يورد العراقيون سواه: الأول. وهل يجوز أن يستخلف من لم يكن معه في الأولى؟ فيه خلاف صرح به الشيخ؛ حيث قالك وقيل: لا يجوز أن يستخلف في صلاة الجمعة إلا من كان معه في الركعة الأولى. ووجهه: أنه إذا لم يكن معه في الأولى دار بين أن يكون قد اقتدى بالإمام بعد ركوعه في الثانية، أو قبله، وأيّاً ما كان؛ ففرضه الظهر، أما في الأولى، فظاهر، وأما في الثانية؛ فلأنه لم يدرك معه ركعة تامة، والجمعة لا تدرك بركعة ناقصة؛ كما ستعرفه في مسائل الزحام، وإذا كان كذلك، فالجمعة لا تصح خلف من يصلي الظهر؛ كما سيأتي. وهذا القول حكاه المراوزة، وعبارتهم في حكايته: أنه هل يجوز أن يستخلف من لم يكن معه في الأولى؟ ذلك [ينبني] على أنه هل يجوز أن يستخلف في الأولى من كان معه فيها قبل الركوع، لكنه لم يسمع الخطبة؟ وفيه ما تقدم: فإن قلنا: لا يصح [ثمّ]، لم يصح هاهنا. وإن قلنا: يصح ثم، [فهاهنا] قولان، وهذا يجوز أني كون مرادهم به ما إذا كان من لم يدرك الأولى، لم يسمع الخطبة؛ إذ هو الغالب، أما إذا كان قد سمعها، لكنه لحقه وسوسة؛ فلم يدرك الإمام إلا في الثانية؛ فلا يجيء فيه إلا قولان من غير ترتيب، ويجوز أن يقولوا: مأخذ الترتيب عندنا [أنا] إذا شرطنا

стр. 1510

في المستخلف [في الأولى] أن يكون قد سمع الخطبة؛ فكأنا نشترط فيه أن يدرك كل واجبات الجمعة مع الإمام، وإذا كان كذلك؛ فهو إذا لم يدرك الأولى مع الإمام، وأدرك الثانية، و [قد] سمع الخطبة- لم يدرك كل واجباتها معه، وحينئذ يأتي الترتيب والله أعلم. قال: والمنصوص: أنه يجوز أن يستخلف في الجمعة [في] الثانية من لم يكن معه في الأولى؛ لأنه باستخلافه ناب منابه، ولو استمر لصحت القدوة؛ فكذا من ناب منابه، وإن لم توجد فيه الشرائط؛ ألا ترى أن الإمام في الجمعة لو أحرم بأربعين سمعوا الخطبة، ولحقهم أربعون لم يسمعوها؛ فأحرموا معه، ثم انفض الذين سمعوا الخطبة، وبقي من لم يسمعها- لم يقدح ذلك في صحة الجمعة؛ لأن بإحرامهم معهم، انسحب عليهم حكمهم؛ فكذا هنا. وقد أفهم كلام الشيخ أن المنصوص الجواز، سواء أدرك المستخلف الإمام قبل الركوع في الثانية، أو أدركه في الركوع، أو أدركه بعد الرفع منه؛ لأن من لم يدرك الأولى، يتنوع حاله إلى ذلك، وهو فيما إذا أدرك الركعة الثانية منصوصه في "الأم"؛ لأنه قال فيه: "ولو أحدث في الركعة الأولى؛ فاستخلف من أحرم معه، صح، ثم إذا صلى المستخلف منها ركعة؛ فلما قام إلى الثانية أحدث، واستخلف من أدرك الركعة الثانية، وأشار إليهم أن يسلم بهم أحدهم، وقام هو؛ فأتمها ظهراً"؛ ولأجل هذا جزم القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، وغيرهما بصحة استخلافه فيها. وأما إذا كان المستخلف لم يحرم مع الإمام إلا بعد الرفع من الركوع؛ فالجواز في هذه الصورة محكى في "المهذب" و"تعليق" أبي الطيب وغيرهما وجهاً عن بعض الأصحاب، ونسبه البندنيجي إلى الشيخ أبي حامد، وأبداه ابن الصباغ احتمالاً لنفسه؛ أخذاً من نصه في "الأم" في المسألة قبلها؛ لأنه لما صح استخلافه؛ مع أنه التزم إتمام صلاته ظهراً، دل هذا منه على أنه يجوز أن يستخلف في الثانية من يصلي الظهر، ومن أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع يصلي ظهراً؛ فوجب صحة استخلافه.

стр. 1511

وقال في "الحاوي": إن الجواز في هذه الصورة، قال الأكثرون: إنهم حكوه عن النص. وإذا صح ذلك، صح ما قاله الشيخ: إن الجواز مطلقاً هو المنصوص، وعلى هذا فلا خلاف في أن المأمومين الذين أدركوا مع المستخلف ركعة قبل حدثه يتمون صلاتهم جمعة، وهل يكون المستخلف مدركاً للجمعة؟ إن كان إحرامه بعد رفع الإمام رأسه من الركوع فلا، وإن كان قبل الركوع أو فيه، فالذي حكاه القاضي أبو الطيب، والماوردي أن يكون مدركاً للجمعة؛ لأنه أدرك مع الإمام الركوع؛ فأدرك به الجمعة؛ كالمسبوق، وكما لو استخلف في الأولى من أدرك معه الركوع فيها؛ فإنه لا خلاف في أن صلاته جمعة؛ كما قاله القاضي الحسين، مع أنه لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة؛ فإذا أتم الركعة وتشهد- قام وأتى بركعة أخرى وتخير القوم في انتظاره، ومفارقته، وتقديم من يسلم بهم؛ كما سبق مثله في غير الجمعة. وقال في "الذخائر": [إن في جواز] انتظارهم له الخلاف السابق أيضاً. والمشهور: الأول، وهذا ما حكاه البندنيجي عن الأصحاب، وابن الصباغ والمتولي عن أكثرهم. ثم قالوا: وظاهر النص أنه لا يكون مدركاً للجمعة، بل يتمها ظهراً، وأشاروا بذلك إلى ما حكيناه عن الإمام، وبعضهم صرح به، وقد أخذ به المراوزة، وقالوا: لا يكون مدركاً للجمعة بلا خلاف؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة تامة من الجمعة، وهو ما اختاره ابن سريج، وصححه الرافعي وغيره، وفرقوا بين ما نحن فيه وبين المسبوق بفرقين: أحدهما- قاله أبو حامد-: أن المسبوق تبع لإمامه، وإمامه قد حصلت له الجمعة كاملة مع الجماعة؛ فتبعه فيها، ولا كذلك هاهنا؛ فإن المستخلف والمستخلف لم يكمل لواحد منهما الجمعة مع الجماعة. والثاني- أشار إليه الإمام-: أن المسبوق إذا أدرك مع الإمام الركوع، وكمل معه الركعة، حصلت له ركعة كاملة [تحسب له، وها هنا لم يدرك معه ركعة كاملة]؛ [فلم تحسب] له من الجمعة، ويشهد لذلك أن من أدرك الإمام في الركوع، وزوحم عن

стр. 1512

السجود حتى سلم الإمام، [لا يكون] مدركاً للجمعة، وفرقوا بين ما نحن فيه، وبين ما إذا استخلف في الأولى من كان معه فيها بفرقين: أحدهما- قاله القاضي الحسين-: أنه إذا استخلفه في الأولى، تأكد إدراكه؛ بأن توقف صحة جمعة القوم على صلاة الإمام؛ فصار [الإمام] ركناً في صحة جمعتهم؛ فلهذا يحصل له الجمعة، بخلاف الركعة الثانية؛ فإنه لم يتأكد إدراكه؛ فإنه لم تتوقف صحة جمعة القوم على صلاة الإمام؛ [فإنهم] لو صلوا وحداناً، جاز؛ فالإمام في حقهم، وعدمه سواء؛ فلهذا قلنا: لا يصير مدركاً للجمعة. والثاني- قاله المتولي-: أنه إذا استخلفه في الأولى، حصل له مع الجماعة ركعتان؛ فكان الحكم بإدراك الصلاة جمعة من طريق الحقيقة، لا من طريق الحكم، والبناء على صلاة الغير، وها هنا هو منفرد في إحدى الركعتين؛ فلابد أن يوجد ما يمكن البناء عليه، وخالف المسبوق بركعة بما ذكرناه. وقد حكى الرافعي عن رواية صاحب "التلخيص" وجهاً فيما إذا استخلف من أدركه في الركعة الأولى أنه يصلي الظهر [أيضاً]] والقوم يصلون الجمعة. وأوهم كلام الرافعي: أنه لا فرق [فيه] بين أن يكون حدثه في الأولى أو الثانية، وإن صح فيما إذا كان حدثه في الثانية كان في غاية الإشكال، والمشهور الأول. ثم إذا قلنا بظاهر النص الذي جزم به المراوزة، فأدركه مسبوق في الركعة الأخيرة التي استخلف فيها في الركوع؛ فهل يكون ذلك المسبوق مدركاً للجمعة، أم لا؟ فيه خلاف مبني على أن المستخلف هل يتم صلاته نفلاً، أو ظهراً؟ وفيه خلاف خرجه ابن سريج على أصلين: أحدهما: أن من نوى [الأول لو بقى في الصلاة، ولكنه في نفسه مدرك للجمعة؛ لما ذكرناه، وعلى هذا من يؤدي] الجمعة، ولم تحصل له هل تقع صلاته نفلاً، أو ظهراً؟ وفيه قولان. والثاني: أن المتحرم بالظهر قبل فوات الجمعة ممن لا عذر له؛ هل ينعقد ظهره، أو ينقلب نفلاً؟ فيه قولان، والوجه: الترتيب؛ فيقال: إن قلنا: إذا نوى

стр. 1513

الجمعة، ولم تحصل [له] تنعقد صلاته ظهراً، انبنى على أن من لا عذر له إذا صلى لظهر قبل فوات الجمعة؛ هل تصح ظهره، أم لا؟ فإن قلنا: تصح، أتمها ظهراً، وغلا أتمها نفلاً، وإنما كان كذلك؛ لأنه كان يمكنه ألا يقبل الاستخلاف؛ فهو المفوت على نفسه الجمعة بغير عذر. وعن بعض الأصحاب القطع بالصحة هاهنا، [وإن لم تصح صلاة الظهر قبل فوات الجمعة؛ لأنه هاهنا] معذور؛ حيث استخلفه الإمام، وإن تقدم هو؛ لأنه لا يمنع من الإمامة؛ فإذا تقدم، صارت الجمعة في حقه؛ كالفائتة؛ فصح ظهره، وهذا ما صححه الروياني، وقال الرافعي: إنه [الأظهر] عند الأكثرين. قال الإمام: [فإن قلنا]: إن صلاته تكون ظهراً، أدرك المسبوق الجمعة؛ إذا أدرك [معه] الركوع، وأتم الصلاة. قال في "التهذيب": ولا يتخرج فيه الوجه المذكور في أن الجمعة لا تصح خلف من يصلي الظهر؛ لأنه صلى ركعة خلف من يراعي صلاة الإمام؛ بخلاف مصلي الظهر. وإن قلنا: إنها تقع نفلا، انبنى على [أن] المتنفل هل يجوز أن يكون إماماً في الجمعة؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يجوز أن يكون إماماً في الجمعة، كان مدركاً أيضاً، وإلا فلا؛ لأن الجماعة شرط في إدراك الجمعة؛ فإذا لم يجز أن يكون الإمام متنفلاً؛ فقد انتفت الجماعة؛ فلا يكون مدركاً. فإن قيل: هذا يقدح في اقتداء المأمومين غير هذا المسبوق به، وقد قلتم بالجواز؛ إذ هذا تفريع على جواز استخلافه. قيل في جوابه: إنما جاز اقتداء المأمومين به الذين ليسوا بمسبوقين، مع أنهم يتمون صلاتهم جمعة؛ لأنهم أدركوا مع الإمام المستخلف الركعة الأولى، ولو انفردوا بالثانية لكانوا مدركين للجمعة؛ فليست الجماعة شرطاً في حقهم؛ فلا يمتنع أن يقتدوا فيها بمتنفل؛ كما يشرع الاقتداء في سائر الفرائض بالمتنفل.

стр. 1514

فإن قيل: [قد قيل:] إن من نوى الجمعة، ولم [تصح تبطل] صلته على وجه، وكذا من تحرم بالظهر قبل فوات [الجمعة] ولا عذر له، لا تصح صلاته [ظهراً، ولا نفلاً على وجه؛ فهلا فرعتم عليه؟ قلنا: لو فرع على ذلك، لامتنع استخلافه؛ إذ به تبطل صلاته]، والتفريع على صحة استخلافه؛ فلذلك امتنع التخريج عليه. وبالجملة: فظاهر نص الشافعي في "الأم" أن المستخلف يتم صلاته ظهراً، وقد حكي عنه أنه نص على [أن] المسبوق؛ إذا أدركه في الركوع في الثانية، وأتمها معه، يكمل صلاته جمعة، وأن القفال تعجب منه. ووجهه الإمام وغيره: بأن المستخلف يجري على ترتيب صلاة الإمام؛ فكأنه هو في حق المقتدين؛ فهو حال محل الأول لو بقي في الصلاة، ولكنه في نفسه غير مدرك للجمعة؛ [لما ذكرناه]، والله أعلم. تنبيه: كلام الشيخ يقتضي أموراً بالتصريح، والتلويح: الأول: أنه لا يشترط في استخلاف الإمام أن يكون [قبل] حدثه، بل يجوز بعد تعمده الحدث، ومع سبقه من طريق الأولى؛ لأنه معذور، وقصد الشيخ بهذا اللفظ التنبيه على مذهب أبي حنيفة؛ فإنه قائل بعدم الجواز عند تعمد الحدث، وبه عند سبق الحدث؛ بناءً على أصله في أن سبق الحدث لا يبطل الصلاة، وتعمده يبطل صلاته وصلاة المأمومين خلفه، و [قد] قال القاضي الحسين في الكرة الثانية في دروسه: عندي أنه إذا أحدث متعمداً، لا يجوز له الاستخلاف؛ كما صار إليه أبو حنيفة؛ لأن صلاته قد بطلت، ولا يجوز البناء على صلاة باطلة، ولو سبقه الحدث، لم تبطل صلاته على القديم؛ فيجوز له الاستخلاف. [وقيل: [إن الشافعي] جوز الاستخلاف] على قوله الجديد،

стр. 1515

وسبق الحدث على هذا القول يبطل الصلاة؛ فكيف يستقيم هذا البناء؟ وهذا السؤال قد تعرض له الإمام في "النهاية"، وإن لم يذكر مذهب القاضي، وقد أجاب عنه القاضي بأن قال: [من] هنا يستنبط [أن] للشافعي قولاً في الجديد: أن سبق الحدث لا يبطل الصلاة؛ كذا رأيته في "تعليقه". قلت: ويجوز أن يكون لهذه الطريقة التي اختارها [القاضي مأخذٌ آخر، وإن قلنا بأن سبق الحدث يبطل صلاة الإمام علي] الجديد: وهو أن صاحب "التلخيص" حكى قولاً للشافعي: أن الإمام إذا تعمد الحدث، بطلت صلاة من خلفه دون ما إذا سبقه الحدث؛ كما صار إليه أبو حنيفة، وحينئذ لا يرد السؤال، والله أعلم. فرع: هل يجوز الاستخلاف قبل الحدث؟ قال أبو حاتم مُلْقِي أبي العباس بن سريج: نعم، إذا أحس بالحدث. وقد سئل الشيخ أبو محمد عنه، فجعل الإحساس عذراً، وقال: متى حضر إمام هو أفضل منه، أو حاله أكمل من حاله يجوز استخلافه؛ كذا قاله الرافعي في باب صلاة المسافر عند رعاف الإمام، وسنذكره فيه- إن شاء الله تعالى- مع شيء يتعلق بما نحن فيه. الثاني: اختصاص جواز الاستخلاف بالإمام؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، وقد قال الأصحاب كافة: إنه يجوز للمأمومين أن يستخلفوا واحداً منهم يتم بهم الصلاة؛ إذا لم يستخلف الإمام قبل استخلافهم أحدهم، ولو تقدم واحد منهم من غير استخلاف، قال الإمام: ففيه احتمال عندي من جهة أنه من القوم؛ فتقديمه نفسه كتقديمه [آخر. وهذا] ما صححه بعضهم، وهو يؤخذ من ظاهر نصه في "المختصر"؛ فإنه قال: وإن أحدث الإمام في صلاة الجمعة؛ فتقدم رجل بأمره، أو بغير أمره، وقد [كان] دخل مع الإمام قبل حدثه؛ فإنه يصلي بهم ركعتين. ولو استخلف الإمام شخصاً، والقوم غيره، قال الإمام: فليس عندي في هذه المسألة نقل، والمسألة محتملة، ولعل الأظهر أن المتبع من يستخلفه القوم؛ فإن الإمام قد بطلت صلاته، وإنما يستخلف بعلقة إمامة كانت وزالت، والقوم باقون

стр. 1516

في الصلاة؛ فهم أولى بالاستخلاف. ولو تقدم شخصان معاً، قال القاضي الحسين: ليس لهم أن يقتدوا بواحد منهما، ولا يجوز لبعضهم أن يقتدي بواحد، وللبعض بالآخر؛ لأن الإمام الأصل واحد؛ فيجب أن يكون الخليفة واحداً، و [قد] ذكر في الكرة الثانية أنه في صلاة الجمعة لا يجوز، وفي سائر الصلوات يجوز؛ لأن الجمعتين لا تقامان في بلد واحد، بخلاف سائر الصلوات، وهذا ما أورده في "الكافي". الثالث: اختصاص جواز استخلاف [الإمام] بالمأموم، دون من لم يكن مأموماً معه. قال الرافعي: وهذا ما أطلق جماعة من الأئمة اشتراطه، ولاشك في أن ما ذكره من التفاريع في الجمعة وغيرها يختص بما إذا كان المستخلف مأموماً، أما إذا كان غير مأموم، فقد قال الإمام: [إنه] إن كان في غير الجمعة فتقديم الإمام له ليس باستخلاف، والمتقدم ليس خليفة، وإنما هو عاقد صلاة نفسه، جار على ترتيبها، وقد انقطعت قدوة المقتدين بإمامهم؛ فإن اقتدوا بهذا الرجل، فسبيلهم كسبيل منفردين يقتدون في أثناء الصلاة برجل، وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف، وإن كان في الجمعة: فإن كان حدثه في الركعة الأولى، ففي صحة الظهر لهذا المتقدم قولان؛ فإن قلنا: لا تصح، ففي صحة صلاته نفلاً وبطلانها قولان؛ فإن لم نصححها أصلاً، فلاشك أنه لا يصح الاقتداء به، وإن صصحناها، فقد انقطعت قدوة القوم؛ فلا جمعة لهم؛ فإنهم لم يدركوا ركعة مع إمام الجمعة، فلم تصح الخلافة على هذه الصورة في حق [هذا] الرجل، وهل تنقلب صلاتهم نفلاً، أو تبطل؟ فيه الخلاف؛ فإن صحت، ونووا الاقتداء بهذا المتقدم، كانوا كما لو نوى القدوة في أثناء الصلاة. وفي "تلخيص" الروياني: أنا إذا حكمنا بصحة صلاة هذا المستخلف ظهراً، جاز استخلافه؛ لأن الشافعي جوز الجمعة خلف الصبي في أحد القولين، وصلاته نافلة؛ فإذا جازت خلف من يصلي نافلة، جازت خلف من يصلي الظهر. قال:

стр. 1517

وهذا خلاف النص. وإن كان حدثه في الركعة الثانية، وفرعنا على المشهور في أنا إذا منعنا الاستخلاف يتم المأمومون صلاتهم- والحالة هذه- جمعة؛ فلو تقدم الدخل، ونوى الجمعة، فقد نقول: لا تصح صلاة المتقدم؛ [فلا يصح اقتداؤهم به؛ فإن اقتدى القوم به مع العلم بذلك- بطلت صلاتهم، وأن تصح صلاة المتقدم]؛ [فلا تصح صلاته ظهراً]، أو نفلاً؛ فالقوم قد انقطعت قدوتهم، ولم يصح الاستخلاف؛ فإن اقتدوا به، كان هذا اقتداء طارئاً على الصلاة، بعد ثبوت جمعة الانفراد، وفي جواز ذلك الخلاف السابق. هذا ما ذكره الإمام، وكلام العراقيين، والماوردي يوافقه ويخالفه: أما موافقته له ففي منع استخلافه في صلاة الجمعة غير مأموم، قال الماوردي: ولا يختلف في ذلك. وأما مخالفته له ففي غير الجمعة؛ فإنهم قالوا: يجوز أني ستخلف فيها من أحرم بعد حدثه، والفرق بينها وبين الجمعة: أنه لما صح أداء الفرض منفرداً، [صح استخلاف من لم يعلق صلاته بصلاته، ولما لم يصح أداء الجمعة منفرداً]، لم يصح استخلاف من لم يعلق صلاته بصلاته، لكنه لا يستخلف إلا من لا يخالفه في ترتيب صلاته؛ مثل: أن يكون حدث الإمام في الركعة الأولى قبل الركوع أو في الركعة الثالثة، فاستخلف من شرع في الصلاة، والمعنى في ذلك: صيانة صلاة المأمومين عن اختلال الترتيب؛ فلو كان حدث الإمام في الثانية أو في الرابعة؛ فاستخلف من شرع في الصلاة- لا يجوز؛ لأنه لا يلزمه أن يمشي على ترتيب صلاة المستخلف؛ لأنه لم يلزمها، بل يمشي على ترتيب صلاة نفسه، وذلك يقتضي المخالفة؛ وهي: تمنع القدوة. قلت: ويشهد لذلك أن النبي ﷺ لما قدم فوجد عبد الرحمن بن عوف صلى ركعة من الصبح صلاها خلفه؛ فلما سلم، صلى أخرى، ولم يتقدم؛ لأنه لو تقدم إماماً، لاقتضى المخالفة، وفي واقعة أبي بكر تقدم؛ لأن ترتيب صلاته لم

стр. 1518

يخالف [ترتيب] صلاتهم. [الأمر] الرابع: أن استخلاف الإمام جائز، غير واجب، ولاشك أنه كذلك، نعم هل يجب على القوم أن يستخلفوا من يتم بهم الصلاة؟ قال الأصحاب: إن كان ذلك في غير الجمعة، فلا يجب، وإن كان في الجمعة؛ فإن كان في الركعة الأولى، وجب؛ غذ عليه ترتيب إدراك الجمعة، ولو أرادوا أن ينفردوا، لم تصح جمعتهم، وإقامة الجمعة واجبة عليهم؛ فتعين الاستخلاف. قال الإمام: ثم ينبغي أن يجري الاستخلاف على القرب؛ بحيث لا يطول الفصل؛ فإن فعلوا ركناً على الانفراد، ثم استخلفوا، لم يجز، وإن طولوا الركن الذي هم فيه، ثم استخلفوا بعد طول الزمان، ففي المسألة احتمال. قال: وهذا تفريع على ما ذكره الأصحاب من أنهم لو لم يستخلفوا [في الركعة الأولى، لا يتمون الصلاة جمعة، يعنيك على القول بمنع الاستخلاف] كما سبق. قال: والذي حكيته عن شيخي في تخريج ذلك على الانفضاض لا تفريع عليه. قلت: ولو فرع عليه، لاقتضى القياس وجوب الاستخلاف أيضاً هاهنا؛ لأن الإمام في مسألة الانفضاض لا سبيل له إلى استدراك ما فات من الخلل؛ فلا جرم حسن التخريج منه إلى القوم عند حدث الإمام، وقد منعنا الاستخلاف؛ لأن القوم- أيضاً- لا سبيل لهم إلى استدراك الخلل. أما إذا جوزنا الاستخلاف، فهم سبيل من استدراكه [بالاستخلاف]؛ فيجب. ولو كان حدث الإمام في الثانية، فلا يجب عليهم؛ إذ سبب وجوبه في الأولى أنهم لم يدركوا مع الإمام ركعة، فأما إذا صلوا ركعة؛ فلو انفردوا وقد فسدت صلاة الإمام، لصحت جمعتهم؛ فلا يلزمهم الاستخلاف. قال الإمام: بل لو استخلف الإمام، فهم بالخيار: إن شاءوا تابعوه، وإن شاءوا انفردوا، ولو اقتدى بعضهم، وانفرد آخرون؛ جاز. قلت: وهذا فيه نظر؛ لأن الإمام حكى عن الأصحاب أن الإمام إذا استخلف، استمرت صلاة المأمومين، ولا حاجة بهم إلى تجديد نية الاقتداء بالخليفة؛ فإن

стр. 1519

فائدة الاستخلاف تنزيل الخليفة منزلة الإمام الأول حتى كأنه هو، ولو استمرت الإمامة من الأول لم يكن [لتجديد نية الاقتداء معنى، ولو انقطعت القدوة من الأول، لكان الظاهر] من القياس: انقطاع الجمعة، وهذا مع القول بأنه لا يجب على المأمومين متابعة الخليفة، مما لا يجتمعان. وجوابه: أنا نحمل كلامه في عدم اشتراط النية على ما إذا كان الاستخلاف في الأولى؛ ألا ترى إلى قوله: إن القدوة لو انقطعت من الأول، لكان الظاهر من القياس انقطاع الجمعة؟! وانقطاع الجمعة إنما يكون عند انقطاع القدوة في الركعة الأولى دون الثانية. نعم، ما قاله من عدم وجوب الاستخلاف في الثانية يظهر أنه قاله تفريعاً على ما حكاه عن الأئمة في أن حدث الإمام إذا كان في الثانية، وقد منعنا الاستخلاف، يتم القوم صلاتهم جمعة. أما إذا قلنا: إنهم يتمونها ظهراً؛ كما حكيناه عن رواية الماوردي عن المذهب- فيظهر أن يلزمهم الاستخلاف أيضاً؛ كما لو كان حدثه في الأولى؛ فاعلم ذلك. قال: ويستحب للإمام أن يخفف في الأذكار؛ أي: كالتسبيح في الركوع والسجود والتشهد؛ بحيث لا يزيد على أدنى الكمال، ولا ينقص. والأصل في ذلك رواية مسلم عن أبي هريرة أنه ﵇ قال: "إذا أم أحدكم بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم الكبير والضعيف والمريض، وإذا صلى وحده فليطل كيف شاء". وروى مسلم أيضاً، عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطول بنا؛ فما رأيت رسول الله ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ؛ فقال: "أيها الناس، إن منكم منفرين؛ فأيكم أم الناس أم الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة".

стр. 1520

قال: إلا أن يعلم من حال المأمومين أنهم يؤثرون التطويل؛ أي: بأن يكونوا في موضع غير مطروق، أو في سفر، وفهم منهم ذلك؛ فحينئذ يطول حتى يأتي بأعلى الكمال؛ لأن العلة في التخفيف انتفت، ولو كان بعضهم يؤثر التطويل دون بعض، قال الجيلي: راعى الأكثر، ويحتمل أن يقصر مطلقاً. قلت: وهو الذي يدل عليه الخبر؛ قال ﵇: " [إني] لأدخل في الصلاة أريد أن أطول فيها؛ فأسمع بكاء الصبي؛ فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه"، أخرجه البخاري. قال القاضي الحسين في "تعليقه": وحيث يستحب له التطوير، فالمستحب له أن يطول القراءة في القيام، والقيام فيها أشد استحباباً من القيام في سائر الأركان، وهل يكون جميع قيامه فرضاً، أو قدر الفاتحة فقط؟ فيه وجهان. واحترز الشيخ بقوله: "في الأذكار" عن التخفيف في القراءة؛ فإنه غير مستحب، بل المستحب فيها ما تقدم، وهو في الصبح والظهر من طوال

стр. 1521

المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساط المفصل، وفي المغرب من قصار المفصل؛ كما قال القاضي الحسين. أما المنفرد فإنه يزيد ما شاء. وقوله: "يخفف في الأذكار" يعرفك أنه لا يترك شيئاً منها، ويندرج في ذلك طلب الرحمة عند قراءة آية المغفرة، والتعوذ عند قراءة آية العذاب، ونحو ذلك؛ لأن النبي ﷺ كان يفعله، وقد صرح بذلك القاضي الحسين، عند الكلام في صلاة القاعد. فإن قلت: قد قال الشافعي عقيب ذكره الخبر الذي ذكرناه في أول الباب: "ومعنى التخفيف: أن يقصر الأذكار؛ فيذكر ما لابد منه، ويطيل الأفعال؛ فيأتي بها على الكمال"، فقوله: "فيذكر ما لابد منه"، يوهم أنه يترك الأذكار. قلت: مراده: بما لابد منه في إدراك الفضيلة، ألا ترى إلى قوله: "يقصر الأذكار"؟! والله أعلم. قال: وإذا أحس الإمام بداخل، وهو راكع، استحب له أن ينتظره في أصح القولين؛ لما روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ أبصر

стр. 1522

رجلاً يصلي وحده؛ فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا؛ فيصلي معه" وأخرجه الترمذي، ولفظه: "أيكم يتجر على هذا" وقال: حديث حسن. وفيه: فقام رجل يصلي معه. وهذا يدل على أن الصلاة لأجل إتمام صلاة أخيه فضيلة. وروي: أنه ﵇ صلى إلى جنب الحسن عند قدميه؛ فلما سجد، ركب الحسن ظهره؛ فأطال السجود؛ فلما فرغ، قيل له: أطلت السجود؛ فقال ﷺ : "إن ابني ركبني؛ فأطلت؛ ليقضي وطره"؛ فإذا جاز الانتظار لحاجة غير الصلاة، فلحاجة الصلاة أولى. ويشهد له أيضاً انتظاره ﵇ في صلاة ذات الرقاع، وهذا ما نقله القاضي [أبو الطيب] في تعليقه عن حكاية أبي إسحاق في شرحه عن الجديد. قال: ويكره في [القول الآخر]؛ لقوله ﵇: "إذا أم أحدكم بالناس، فليخفف". ولأنه يأتي بجزء من صلاته؛ لأجل الآدمي، وهو مأمور بالإخلاص، وألا يشرك بعبادة ربه أحداً. قالا لإمام: ولأنه لو أقيمت الصلاة، لم يحل له انتظار من لم يحضر، لا يختلف فيه المذهب؛ فلألا يجوز ذلك [في] وسط الصلاة أولى، وهذا ما

стр. 1523

اختاره المزني والإمام، وقال صاحب "الفروع": إنه الصحيح. والقائلون بالأول قالوا: محل ما ذكرناه [إذا قصد بانتظاره وجه الله تعالى بنفع الآدمي، وذلك لا يقدح في العبادة؛ دليله رفع الصوت في الأذان وتكبيرة الإحرام. أما] إذا قصد [بذلك] غير وجه الله تعالى بأن كان يميز [في انتظاره] بين داخل وداخل- لم يصح قولاً واحداً؛ للإشراك. وهذه الطريقة التي ذكرها الشيخ حكاها أبو إسحاق المروزي في "الشرح"، ووراءها طرق: إحداها: أنه لا يستحب قولاً واحداً، والقولان في أنه هل يكره، أم لا؟ وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، والبندنيجي، واختارها الماوردي وصاحب "الفروع"، وقالا: إن القول بالكراهة هو الجديد، ومقابله هو القديم. وفي "تعليق" البندنيجي نسبته إلى أبي إسحاق. والثانية: أنه لا يكره قولاً واحداً، وهل يستحب، أم لا؟ فيه قولان، حكاهما مجلي وغيره. والثالثة: أن القولين في البطلان. قال الإمام: وهذا فيه بعد، ولكن في كلام الشافعي ما يدل عليه. والقاضي الحسين حكى في باب: صلاة الخوف القولين في الاستحباب، وعدمه، ثم قال: فإذا قلنا: لا يستحب، فهل تبطل الصلاة، أم لا؟ فيه قولان مخرجان من القولين في بطلان صلاة الإمام؛ إذا فرق الناس في صلاة الخوف الرباعية أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة. والرابعة: نفي الخلاف عن المسألة، وتنزيل النصين على حالين، والقائلون بهذا اختلفوا: فمنهم من قال: إن كان يعرف الداخل بعينه [فلا ينتظره؛ لأنه لا يخلو عن تقرب إليه، وإن كان لا يعرفه بعينه] انتظره، وعليهما تنزيل القولين؛ [حكاهما في "التتمة".

стр. 1524

ومنهم من قال: إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة وعرفه انتظره، وإن كان غريباً فلا، وعليهما ينزل القولان]، حكاهما صاحب "البيان"، عن [رواية] صاحب "الفروع". ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في الانتظار الذي جرى فيه الخلاف بين أن يطول أو يقصر. وقد قيل: إن محله إذا لم يزد على حد الركوع المشروع للأئمة، أشار إليه ابن الصباغ وغيره. ولعل المراد [به] إذا زاد على الركوع المشروع للأئمة؛ إذا آثر القوم التطويل، وإلا فقد حكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: إن محل الخلاف إذا كان لا يطول على السابقين، ثم قال: وهذا موضع التأمل؛ فإنه لو لم يطل الركوع الذي هو فيه- لم يجعل الانتظار قصوراً حتى يفرض التردد فيه، وإن طول الركوع، وزاد على المعتاد فيه، فقد حصل التطويل؛ فالذي أراه في ذلك أنه لو طول ركوعاً واحداً تطويلاً لو وزع على [جميع] الصلاة، لم يظهر له في كل ركعة أثر محسوس في التطويل، لكن يظهر في الركن الذي انتظره فيه، ولو كان يظهر على كل الصلاة ظهوراً محسوساً؛ فهو ممنوع عند الصيدلاني قولاً واحداً، وهذا حسن بالغ، ولا وجه غيره، وعلى هذا لو حصل الانتظار في ركوعين؛ فإن لم يظهر التطويل؛ كما ذكرنا- قال الإمام-: هذا فقد يخرج على الخلاف، وإن كان يظهر فقد يقطع بالمنع؛ كما لو كان الإفراط في ركوع واحد. وإذا تأملت ما قاله الصيدلاني، كان طريقة سادسة في أصل المسألة، وهو التفرقة بين الانتظار القليل والكثير، وقد حكاها صاحب "الفروع"، وقد يقال: إن كلام الشيخ دال عليها؛ لأنه قال: "إذا أحس [الإمام] بداخل"؛ أي: في المسجد، ومسافة انتظار من دخل [المسجد] قريبة؛ فاختص كلامه بها، ويؤيد ذلك أن البندنيجي والقاضي أبا الطيب وغيرهما قالوا: إن محل الخلاف إذا كان الشخص قد دخل المسجد، أما إذا لم يكن قد دخل بعد، فلا ينتظره قولاً واحداً. قلت: ولو قيل: إن محله إذا لم يدخل، أما إذا دخل فلا ينتظره قولاً واحداً-

стр. 1525

لكان له وجه؛ لأنه إذا دخل أمكنه الإحرام والاقتداء بالإمام؛ فتحصل له فضيلة الجماعة، وإدراك الركعة التي شرع لأجلها الانتظار عند من يراه، ولا كذلك إذا كان خارج المسجد؛ فإنه قد لا يمكنه ذلك، والمنقول الأول. ولعل القصد بالانتظار مع ما ذكرناه القرن من الإمام، وهو لا يحصل بدونه؛ لأن الإحرام في آخر المسجد، والانتقال في أثناء الصلاة إلى قرب الإمام منهي عنه [لأنه] جاء أبو بكرة مسرعاً، والنبي ﷺ في الصلاة؛ فأحرم في طرف المسجد، ثم انتقل إلى قرب النبي ﷺ فلما انصرف قال [له] النبي ﷺ : "زادك الله حرصاً، ولا تعد". واحترز الشيخ بقوله: "وهو راكع" عما إذا أحس به وهو قائم في القراءة، أو بعد [الرفع من] الركوع؛ فإنه لا ينتظره قولاً واحداً؛ لأنه لا فائدة فيه؛ قاله ابن الصباغ وغيره. قال الإمام: وقد رأيت لبعض الأئمة طرد القولين في الانتظار في القيام والسجود؛ لإفادة الداخل بركة الجماعة، وهذا لا أعتمده. وأغرب منه ما حكاه ابن كج: أن محل القولين في الانتظار في القيام، أما الركوع، فلا ينتظر فيه قولاً واحداً؛ لأن القيام موضع تطويل، والركوع ليس موضع تطويل. قلت: وكلام صاحب "التتمة" يشير إلى القطع بأنه يجوز في حال القيام؛ لأنه لما ذكر قول المنع من الاستخلاف- قال: إن قائله أجاب عن انتظار النبي ﷺ الطائفة الثانية في صلاة الخوف بذات الرقاع؛ بأنه كان في القيام؛ [فلا يلحق به الركوع، وهذا يدل على أنه لو انتظره في القيام] لجاز، والمشهور الأول. وألحق العراقيون [والمتولي] الانتظار في التشهد الأخير بالانتظار في

стр. 1526

الركوع؛ لأجل إدراك فضيلة الجماعة، وحكوا فيه القولين، وبعضهم يرونهما وجهين، واختار في "المرشد" منهما الانتظار أيضاً. وعلى قياس طريقة الفوراني والغزالي التي سنذكرها من أنه لا يدرك فضيلة الجماعة بدون ركعة: أنه لا ينتظره فيه، وأعرض الرافعي عن ملاحظة هذا الأصل، وقال: القياس أن يكون الانتظار فيه كالانتظار في القيام. والأوجه ما ذكرناه. وإذا قلنا بما قاله العراقيون، قال بعضهم: ينبغي أن نجري الخلاف في الانتظار في القيام في الركعة الأولى، وإن لم نُجْرِهِ في مطلق القيام ولا في السجود؛ بناءً على أن فضيلة تكبيرة الإحرام تدرك بإدراك القيام فقط؛ كما سنذكره في آخر الباب، وهو حسن. قال: ويعضد ذلك ما روى أبو قتادة أن النبي ﷺ كان يطول في الأولى من الصبح، ويقصر [في] الثانية، أخرجه البخاري ومسلم، وفيه قال: "فظننت أنه كان يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى". فائدة: هل محل الخلاف في الاستحباب وغيره مخصوص بما إذا لم يؤثر [المأمومون التطويل، أو يشمل الحالين؟ هذا لم أقف فيه على نقل، ولكن كلام بعضهم يفهم أنه مخصوص بما إذا لم يؤثروه]، أما إذا آثروه، فلا؛ لأنه يستحب له التطويل. وينطبق على هذا ما حكاه الرافعي، عن صاحب "الإفصاح": أن الانتظار إن كان لا يضر بالمأمومين، ولا يدخل عليهم مشقة- جاز؛ كانتظار النبي ﷺ في

стр. 1527

حمل أمامة ووضعها في الصلاة، وإن كان ذلك مما يطول، ففيه الخلاف. وما ذكرته مما أفهمه كلام بعضهم يعضده ما [أسلفناه] من أن المراد من التطويل أن يبلغه حد الركوع المشروع للأئمة، عند إيثار المأمومين التطويل، وقد يقال: إنه يجري فيما إذا آثروه، ويكون محل الخلاف إذا كان انتظاره يزيد على ما يؤثر من التطويل. والله أعلم. قال: [و] من أدرك الإمام قبل أن يسلم؛ أي: وإن لم يدرك الركوع [من] الركعة الأخيرة معه- فقد أدرك الجماعة؛ لقوله ﵇: "إذا جاء أحدكم الصلاة ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئاً، ومن أدرك الركوع؛ فقد أدرك الركعة". وروى الترمذي [عن معاذ نحوه، وقال ﵇: "فما أدركتم فصلوا"، ولو لم يكن مدركاً]، لفضيلة الجماعة بذلك لم يكن لأمره بفعل ما لا يعتد له من الصلاة فائدة، ولما جاز له المتابعة؛ لكونها زيادة في الصلاة غير معتد بها عن قصد وذكر. [و] لأنه قد أدرك في الجماعة ما يعتد له به، وهو النية، وتكبيرة الإحرام؛ فوجب أن يكون به مدركاً لفضيلة الجماعة؛ كما لو أدرك ركعة، وهذا ما حكاه العراقيون والمتولي عند الكلام في المسألة قبلها، وهو قياس قول القفال المروزي شيخ المراوزة وأستاذهم بجواز اقتداء مصلي الظهر خلف من يصلي على

стр. 1528

الجنازة، ولا يتبعهم في التكبيرات، وأن فائدة الاقتداء: اكتساب فضيلة الجماعة، بل قد صرح بحكايته عنه القاضي الحسين في باب سجود السهو؛ حيث قال: فرع: الإمام إذا قام على خامسة ساهياً؛ فجاء مسبوق واقتدى به، وهو عالم بحاله، قال القفال: تنعقد صلاته جماعة؛ لأن قيامه إلى الخامسة لم يخرجه من الصلاة؛ فانعقد تحريمه خلفه، إلا أنه لا يتابعه في شيء. وهذا المذهب قد أشار إليه القاضي الحسين في موضع آخر ولم يحك سواه؛ حيث قال: هل يسن للمسبوق دعاء الاستفتاح؟ نظر: إن أدرك جزءاً من الصلاة مع الإمام فلا، وإن لم يدرك جزءاً من الصلاة مع الإمام، مثل: أن سلم لمَّا كبر للافتتاح-[فإنه] يأتي به؛ لأنه افتتاح، وفي الصورة الأولى إذا قام هو غير مفتتح للصلاة، فإن الجزء الذي أدركه من صلاة الإمام، وهو محسوب له في استحقاق الفضيلة والثواب، وفي هذه الصورة هو يفتتح الصلاة، وصرح به قبيل باب سجود الشكر؛ حيث قال: لو دخل جماعة المسجد، فوجدوا الإمام في القعدة الأخيرة- فالمستحب لهم أن يقتدوا به، ولا يتركوا الاقتداء به حتى يسلم فيصلوا الجماعة ثانياً؛ لأن تلك الفضيلة محققة، وها هنا موهومة. لكنه قال في باب سجود الشكر، في الفرع الذي أسلفنا حكايته عنه: إن الذي قال به عامة أصحابنا: أن صلاته لا تنعقد جماعة، بل تنعقد منفرداً؛ ولذلك قال الفوراني، وتبعه الغزالي: فضيلة الجماعة لا تحصل، إلا إذا أدرك ركعة مع الإمام، ولو أدركه بعد الركوع الأخير، لا يكون مدركاً للجماعة؛ لأنه ليس محسوباً له من صلاته، والمختار الأول. قال القاضي: والخلاف المذكور جار بين القفال، وعامة الأصحاب فيما إذا اقتدى من يصلي الفرض بمن يصلي على الجنازة؛ فعند عامة أصحابنا لا تنعقد صلاته بالجماعة، وعند القفال تنعقد، وكذا لو اقتدى به وهو في سجود التلاوة، فعلى هذا الاختلاف. وهذا ما يدرك به أصل فضيلة [الجماعة]، أما ما يدرك به أكملها؛ فهو: إدراك تكبيرة الإحرام؛ لأنه [قد] ورد في فضلها أخبار، وقد اختلف

стр. 1529

الأصحاب فيه على خمسة أوجه: أحدها- وهو ما صححه الرافعي، ومجلي-: أن يشاهد تكبيرة الإحرام، ويشتغل عقيبها بعقد الصلاة؛ فإن أخر، لم يدركها. والثاني: أن يشرع في الاقتداء به قبل شروعه في القراءة للفاتحة، حكاه القاضي الحسين. والثالث: أن يدركها من أدرك قيام الركعة الأولى. والرابع- وهو ما اختاره في "الكافي"-: أنه يدركها من أدرك الإمام في الركوع. والخامس: يدركها من أدرك الركوع إن لم يشتغل بأمور الدنيا، واشتغل بأسباب الصلاة؛ مثل: الطهارة، ونحوها، وإن اشتغل بأمور الدنيا؛ فلا يكون مدركاً لها ما لم يدرك القيام. قال في "البسيط": والوجه الثالث والرابع يختص بمن [لم] يحضر إحرام الإمام، أما إذا حضر وأخر فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة. قال: وإن أدركه راكعاً- أي: ركوعاً محسوباً له- فقد أدرك الركعة؛ لخبر أبي داود السالف؛ ولأنه بإدراك الركوع يدرك [أكثر] الركعة؛ فجاز أن يقوم مقام إدراك جميعها. قال في "الحاوي": وهو قول مجمع عليه. وفيه نظر؛ لأن القاضي [حكى قبل الكلام في السلام في الصلاة أن الداركي] حكى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة- وهو من أصحابنا-: أنه إذا أدركه في الركوع يعيد الركعة، وهو مذهب أبي هريرة؛ لقوله ﵇: "من أدرك الإمام راكعاً فليركع معه، وليعد الركعة" وكذا الإمام حكاه عن رواية أبي عاصم العبادي، عن ابن خزيمة.

стр. 1530

قال القاضي: والأول أصح. [لكن هل نقول: إن الإمام يتحمل عن المأموم المسبوق الفاتحة، أم هي لم تجب عليه أصلاً، مع قولنا: إن الفاتحة تجب على المأموم غير المسبوق؟ فيه خلاف حكاه القاضي الحسين في باب صفة الصلاة عن الأصحاب، وأثره يظهر [من] بعد]، ولا فرق عليه بين أن يكون قد قصر ولم يكبر حتى ركع الإمام؛ فكبر، أو لم يقصر؛ قاله الإمام في موضعين: أحدهما: في آخر [باب] اختلاف نية الإمام والمأموم، ورأيت في بعض شروح "المهذب": أنه إذا قصر في التكبير حتى ركع الإمام، لم يكن مدركاً للركعة. وكذا لا فرق [فيه] بين أن يتم الإمام الركعة فيتمها معه، أو لا يتمها [الإمام]، بل يدركه في الركوع، ثم يحدث الإمام في السجود؛ لأنه أدركه في ركوع محسوب من الصلاة، وهذا بخلاف ما سنذكره في إدراك الجمعة، كذا رأيته في "تعليق" القاضي الحسين في باب الصلاة بالنجاسة، وفي "التهذيب" أيضاً. والحكم فيما لو أدرك الإمام رافعاً، ولم يخرج عن حد الراكعين حتى وصل هو إليه؛ فاجتمعا في أول الركوع- كما إذا أدركه مستقراً في الركوع. أما [لو لم ينته] المسبوق إلى حد الراكعين حتى جاوزه الإمام، لا يكون مدركاً للركعة، وأطلق القاضي الحسين القول في صفة الصلاة بأن [الإمام] لو كان في الهُوِيِّ، [والمأموم] في الارتفاع- لا يكون مدركاً لها، ولعله منزل على الحالة الثانية. ولو شك هل أدركه قبل أن يجاوز أقل الركوع، أم لا؟ حكى الإمام فيه وجهين؛ أخذاً من تقابل الأصلين؛ فإن الأصل عدم الإدراك، والأصل بقاء الإمام في الركوع، والأظهر في "الرافعي": عدم الإدراك؛ لأن الحكم بإدراك ما قبل الركوع بالركوع على خلاف الحقيقة؛ فلا يصار إليه إلا عند تيقن الركوع. ثم ظاهر كلام الأئمة: أنه لا يشترط مع إدراك الإمام في حد الراكعين أن يطمئن المأموم قبل خروج الإمام عند حد الراكعين، قال في "الرافعي": ورأيت في

стр. 1531

"البيان" اشتراط ذلك صريحاً، وبه يشعر كلام كثير من النقلة، وهو الوجه. قلت: وعليه ينطبق قول القاضي الحسين في صفة الصلاة: وإنما يدرك المسبوق الركعة إذا هوى إلى الركوع، واجتمع مع الإمام في الحالة التي لو أراد كل واحد منهما أن يضع يديه [على ركبتيه، لنالت] يداه ركبتيه. أما إذا كان ركوع الإمام غير معتد به [للإمام؛ مثل:] أن يدركه في ركوع خامسة فعلها الإمام ساهياً، أو في ركوع عاد إليه الإمام عوضاً عن ركوع أتى به خالياً عن تسبيح، وظن أنه غير معتد به؛ لفقد التسبيح منه، أو في ركوع فعله الإمام، وقد نسي سجدة مثلاً من الركعة التي قبله، أو القراءة على الجديد، أو كان الإمام محدثاً- فإذا أدركه المسبوق فيه، لا يكون مدركاً للركعة؛ لأنه فيما يدركه تبع الإمام، وهو لا يحسب للإمام؛ فالمأموم الذي هو تابع أولى، وقد نص الشافعي على ذلك في الصورة الأولى، [كما] حكاه القاضي الحسين في كتاب الجمعة، وفي الثانية [حكاه] البندنيجي عن نصه في "الأم"، وباقي الصور في معناهما. وفيه وجه: أن يكون مدركاً لها؛ حكاه الجماعة في كتاب الجمعة. قلت: ويشبه [أن يكون] هذا قول من قال: إن الإمام لا يتحمل عن المسبوق، [بل] القراءة لا تجب عليه؛ كما أسلفناه. وهو مفرع على القول بأنه إذا أدرك مع الإمام جميع الخامسة التي قام إليها ساهياً، والمأموم يظنها رابعة- أنها تحسب له؛ كما هو المنصوص. أما إذا قلنا: لا تحسب له، فها هنا أولى، وهو الصحيح؛ كما ذكرنا. قال الشيخ أبو علي: والخلاف في هذه المسألة- عندي- ينبني على القولين في جواز الجمعة خلف المحدث والمتنفل، ووجه الشبه: أن المقتدي في الجمعة يسقط فرضاً عن نفسه لو كان منفرداً [للزمه، وهو رد الأربع إلى ركعتين؛ كما أن المقتدي في الركوع يسقط فرضاً عن نفسه لو كان منفرداً]، وهو القيام، والقراءة في تلك الركعة.

стр. 1532

وما ذكرناه في إدراك الخامسة بإدراكها مع الإمام- كما ذكرنا- مصور بما إذا جهل المأموم أنها خامسة الإمام، فلو علم ذلك، قال القاضي الحسين: فهل يصح إحرامه خلفه؟ فيه وجهان: المذهب: أنه لا يصح. فإذا قلنا: يصح، فلا يتابعه فيها، ولو تابعه، بطلت صلاته، والله أعلم. قال: [فإن أدركه] في الركعة الأخيرة؛ فهي أول صلاته، وما [يأتي به]، أي: منفرداً- فهو آخر صلاته؛ لما روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: "إذا سمعتم الإقامة، فامشوا وعليكم السكينة والوقار؛ فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" أخرجه البخاري ومسلم. وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد أوله؛ ولأنه فعل صلاة [تلي] تكبيرة الإحرام؛ فوجب أن يكون أولها؛ كالإمام؛ ولأنا أجمعنا [مع الخصم] على أنه لو أدرك ركعة من المغرب، أتى بأخرى، وجلس للتشهد، وذلك يدل على أن ما أدركه مع الإمام أول صلاته. فإن قيل: قد جاء: "وما فاتكم فاقضوا"، ولو كان ما يأتي به آخر صلاته، لم يكن قاضياً، ولأنه يتبعه في التشهد والقنوت، وليس ذلك من حكم أول صلاته. قلت: القضاء [في الخبر] لا يمكن حمله على حقيقته الشرعية؛ لأنه عبارة عن فعل العبادة خارج وقتها، وإذا تعذر حمله على حقيقته، حملناه على أصل الفعل؛ كما في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وأما كونه يتبعه في التشهد، والقنوت؛ فذاك لأن عليه إتباع إمامه؛ كما يتبعه فيما لا يعتد له به من السجود، ونحوه. قال: يعيد فيه القنوت؛ [لأنه] إذا [ثبت أنه] آخر صلاته أعاد فيه القنوت؛ [لأن محل القنوت آخر الصلاة.

стр. 1533

وفي قول الشيخ: "يعيد فيه القنوت"] إشارة إلى أنه يستحب له أن يقنت معه، وهو ما ذكر الماوردي في أثناء كلامه أنه وفاق منا، ومن الخصم، وكذا التشهد. نعم حكى ابن الصباغ وغيره فيما إذا أدرك الإمام في التشهد الآخر أنه يجب عليه أن يجلس معه، وهل يتشهد معه، أو لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه ليس موضع تشهده. والثاني: نعم؛ لأنه إذا جاز أن يقعد في غير موضع قعوده؛ لمتابعة الإمام- جاز أن يتابعه في التشهد، إلا أن هذا التشهد لا يكون واجباً عليه؛ لأنه إنما يلزم المأموم متابعة الإمام في الأفعال الظاهرة دون الأذكار. وجزم الماوردي بأنه يأتي به واجباً، قال: لأنه بالدخول في صلاة الإمام لزمه إتباعه، والتشهد مما يلزم إتباع الإمام فيه؛ كما يلزمه في الأفعال. وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه، ويظهر أن يقال: إن الوجهين الأولين يأتيان في القنوت في مسألتنا، وظني أني رأيت ذلك في "تعليق" القاضي الحسين، ويظهر أن يقال: لا، بل يأتي به ندباً وجهاً واحداً- كما أفهمه كلام الشيخ- والفرق: أن التشهد ركن في الصلاة، وفي الإتيان به تكرير ركن من غير ضرورة، ولا كذلك القنوت. فإن قلت: [أنتم تغتفرون] الأركان الفعلية؛ لأجل متابعة الإمام، فالقولية أولى. قلت: الضرورة ألجأت إلى المتابعة في الفعلية؛ لأجل نظم الصلاة، ولا ضرورة في القولية، [وبالجملة: فلا يبعد أن يكون في القنوت طريقان: إحداهما: إجراء الوجهين في التشهد فيه، ومأخذهما ما سلف من أنه إذا قنت في الركعة الأولى، وهو منفرد، عامداً أو ساهياً؛ فهل تبطل صلاته عند العمد، ويسجد عند السهو؛ لأنه طول ركناً قصيراً؛ ولأنه نقل ذكراً مقصوداً من محله إلى غير محله؟ فإن قلنا بالأول؛ فها هنا لم يكن الرفع من الركوع في حق المأموم قصيراً لأجل وجوب المتابعة، ولو كان منفرداً لكان قصيراً في حقه؛ فيأتي بالقنوت، ولا يضره. وإن قلنا بالثاني، فمحل قنوت المأموم ركعته الثانية، وفي قنوته مع الإمام نقل ركن مقصود في محله إلى غير محله، ولا ينبغي أن يأتي به مع استغنائه عنه،

стр. 1534

وهذا يظهر أن يكون مأخذ الوجهين في التشهد أيضاً؛ فإن محل تشهد المسبوق ثانيته، لا أولاه، ومنه يظهر لك- لو قيل به- أن الوجهين في الجواز، لا في الاستحباب. والطريقة الثانية: أن يقنت مع الإمام وجهاً واحداً؛ بناءً على أن المتفق على البطلان [فيه] عند العمد، وسجود السهو عند السهو: ما إذا طول الركن القصير بركن قولي: كالفاتحة والتشهد، وهل مأخذ ذلك أنه طول الركن القصير، أو أنه نقل ركناً من محله إلى غير محله، والقنوت مع الإمام لا يوجد فيه تطويل ركن قصير، ولا نقل ركن؛ فلذلك جاز وجهاً واحداً، وجاء في تشهده مع الإمام الوجهان. والله أعلم. فإن قيل: قد نص الشافعي على أنه إذا فات الرجل مع الإمام ركعتان من الظهر، قضاهما بأم القرآن وسورة، والسورة إنما تشرع في أول الصلاة. قيل: في جوابه وجهان: أحدهما- قاله أبو حامد في "جامعه"-: أن للشافعي قولين في أنه هل يقرأ السورة في الركعتين الأخيرتين من الظهر، أم لا؟ وهذا جواب على أنه يقرأ، وهو ما نص عليه [الشافعي] في ["الإملاء" و] "الأم". والثاني: أنا وإن سلمنا أنه لا يقرأ السورة في الأخيرتين؛ كما نص عليه [في القديم، ونقله المزني في "المختصر"؛ فهذا [محله] إذا أدرك فضيلة السورة في الأوليين، إما منفرداً، أو مأموماً أدرك أول الصلاة، وهذا لم يدرك تلك الفضيلة؛ فيأتي بالسورة؛ ليحوز فضلها، ومثله ما نص عليه]: أنه إذا لم يتعوذ في الأولى، يتعوذ في الثانية، وهذا جواب أبي إسحاق، وأكثر الأصحاب. قال ابن الصباغ: وهذا أصح عندي. وكذا الإمام رجحه. فإن قيل: يلزم على هذا أن يجهر فيما يأتي به إذا كانت صلاته عشاء؛ لأن الجهر سنة في الأوليين منها، ولم يدركه مع الإمام.

стр. 1535

قلنا: لنا في استحباب الجهر له قولان: أحدهما: [يجهر] حكاه الشيخ أبو علي في "الإفصاح"؛ فعلى هذا يندفع السؤال. والثاني: لا يجهر، وهو ما نص عليه في "الإملاء"، والأصح. والفرق على هذا: أن الإسرار سنة في الأخيرتين؛ فلا يترك سنة في محلها ليتدارك سنة أخرى؛ ألا ترى أن الطائف إذا ترك الرمل في الطوفات الأول، لا يأتي [به] في الأخيرة؛ لهذا المعنى، وكذا لو كانت يده اليمنى مقطوعة، لا يشير بيده اليسرى في التشهد كما كان يفعل بيمناه؛ لأن بسطها سنة، ولا كذلك القراءة؛ فإن تركها من الأخيرتين؛ [كسنة منسية]، فحسن التدارك فيها. فرعان: [أحدهما]: إذا حضر مسبوق فاته بعض الصلاة، قال في "التتمة": فإن كان يرجو حضور جماعة أخرى في ذلك المسجد، أو في مسجد آخر؛ فالأولى ألا يقتدي بذلك الإمام، بل ينتظره حتى تكون جملة صلاته جماعة، وإن كان لا يرجو جماعة أخرى، فالأولى أن يقتدي به؛ حتى يدرك الفضيلة، وما قاله لا يخلو من احتمال، وقد أسلفنا في الباب عن القاضي الحسين خلافه. [الثاني]: إذا سلم الإمام، وخلفه مسبوق، متى يقوم؟ قال القاضي الحسين في موضعين من كتابه، وتبعه المتولي: يستحب له ألا يقوم حتى يسلم الإمام التسليمة الثانية؛ ليحوز المأموم فضلها. وعن بعض علماء زمانا: [أنه] لا يفعل ذلك؛ فإن فعله بطلت صلاته. ووقع لي فيه تفصيل حسن، وهو إن كان جلوس المسبوق مع الإمام فيا لتشهد الأخير في محل جلوس المسبوق للتشهد الأول، فالأمر كما قاله القاضي [الحسين]، وإن لم يكن محلاً لجلوسه الأول، فالأمر كما قاله الآخر. ثم رأيت في "تعليق" القاضي الحسين في باب: سجود السهو ما يفهم ذلك؛ فإنه قال: إذا سلم إمامه فعليه أن يقوم في الحال؛ فلو لم يقم في الحال،

стр. 1536

وطول الدعاء، نظر: إن [لم يكن] محل تشهده؛ بأن أدركه في الثانية، أو في الرابعة، بطلت صلاته؛ لأنه قعد في محل القيام، وإن كان محل تشهده، لا تبطل. لكن قوله: "أن يقوم بعد سلامه" يحتمل أنه أراد السلام التام، وبه صرح في باب موقف الإمام والمأموم. والله أعلم. قال: ومن أدرك [الإمام] قائماً، فقرأ بعض الفاتحة، ثم ركع الإمام؛ فقد قيل: يقرأ، ثم يركع؛ لأنه لما لزمه بعض القراءة، لزمه إتمامها، ولا فرق على هذا بين أن يكون قد تشاغل بدعاء الاستفتاح [حين أحرم أو شرع في القراءة، إلا في دعاء الاستفتاح]، كما سنذكره. وقيل: يركع، ولا يقرأ؛ لقوله ﵇: "وإذا ركع فاركعوا"، ولأن المسبوق تسقط عنه [كل] القراءة؛ لفوات محلها؛ فبعضها أولى، وهذا ظاهر النص، وادعى في "التتمة" أنه المذهب. قال القاضي الحسين: ولا فرق فيه بين أن يشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوذ، أم لا؛ لأنه من جملة معقود صلاته؛ كالفاتحة. وعن الشيخ أبي زيد أنه إن اشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوذ، قرأ بعد ركوع الإمام بقدره، وإن لم يشتغل بشيء من ذلك، ركع مع الإمام، وهذا أصح عند القفال والمعتبرين؛ كما قال الرافعي. وقال القاضي أبو الطيب في باب صفة الصلاة: إن الشافعي نص في "الأم" على أنه إذا اشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوذ، مع علمه بأنه إذا فعل ذلك لا يتمكن من قراءة كل الفاتحة؛ حتى يرفع الإمام رأسه من الركوع- نوى مفارقته، وأتم صلاته لنفسه. التفريع: إن قلنا بالأول؛ فركع مع الإمام، بطلت صلاته، وإن أتم القراءة، وأدرك الإمام في الركوع [فذاك، وإن لم يدركه في الركوع]، فهذا متخلف عن الإمام بعذر؛ كذا قاله الأصحاب، والمتخلف عن الإمام بالعذر قد ذكرنا حكمه في مسألة الزحام.

стр. 1537

وقال القاضي الحسين: إن الحكم كذلك؛ إذا لم يكن المسبوق قد اشتغل بدعاء الاستفتاح والتعوذ، أما إذا كان قد اشتغل به، فهو كالمتخلف بغير عذر، وسنذكره. وإن قلنا بالثاني؛ فتشاغل بالقراءة، وترك متابعة الإمام؛ فهو كالمتخلف عن الإمام بغير عذر، والمتخلف عن الإمام بغير عذر قال الأصحاب فيه: إن أدركه في الركن الذي تخلف [عنه] فيه؛ لتباطؤ صدر منه- فلا تبطل صلاته وجهاً واحداً، وإن تخلف عنه بركنين، بطلت صلاته وجهاً واحداً، لكن يشترط أن يكونا مقصودين؛ حتى لو تخلف عنه بركن مقصود، وآخر غير مقصود، لا تبطل، أو لا يشترط ذلك؟ فيه وجهان، ثم ما المراد بالسبق بالركن؟ هل الشروع فيه أو الانتقال عنه إلى غيره؟ فيه احتمالان للقاضي الحسين. والركن المقصود هو الركن الطويل. والركن القصير كالرفع من الركوع، وكذا من السجود على رأي أبي علي: هل هو ركن مقصود، أم لا؟ تردد فيه الأئمة، وقد ذكرنا حجته في باب سجود السهو: فمن قائل: لا؛ لأن الغرض منه الفصل؛ فهو إذن تابع لغيره، وهذا ما ذكره في "التهذيب". ومن قائل: نعم، وادعى بعضهم أنه المذهب؛ بدليل اشتراط الطمأنينة فيه، ولو كان المقصود منه الفصل، لاكتفى به من غير طمأنينة، ولمجاوزته حد أقل الركوع من غير اعتدال؛ فإن الفصل يحصل به. فإذا عرفت ذلك، عدنا إلى مسألتنا: فإذا أتم المسبوق الفاتحة، وأدرك الإمام راكعاً كما هو- فقد حصلت له الركعة، ورأيت فيما وقفت عليه من "تعليق" القاضي الحسين: أن المسبوق، إذا أحرم والإمام راكع؛ فاشتغل بالقراءة؛ فحكمه حكم المتخلف عن الإمام بغير عذر. وقيل: إنه إن قرأ، وأدرك الإمام بعد فراغه من الركوع، لا تصح صلاته، وإن أدركه في الركوع؛ فعلى وجهين. قلت: ووجه البطلان يظهر أن يجيء في مسألتنا، لكن المنقول فيها عدم البطلان، وحصول الركعة له، وإن رفع الإمام من الركوع قبل فراغه من القراءة؛

стр. 1538

فمن قال: إن الرفع من الركوع ركن مقصود، وإن الشروع في الركن يكفي في السبق- حكم ببطلان صلاته؛ لأنه سبقه بركنين عنده، وكذا الحكم عند من قال: إنه غير مقصود، واكتفى بالشروع في الركن، كالفراغ منه. ومن قال: لابد من الانتقال عنه؛ فلا تبطل صلاته عند من يرى أن النظر إلى التخلف بركنين كيف كانا، أو بركنين مقصودين، وأن الرفع من الركوع مقصود ما لم يسجد والإمام قائم لم يركع، وعند من يرى أنه غير مقصود، لا تبطل صلاته ما لم يرفع من السجود؛ [و] هذا ملخص ما قاله القاضي الحسين في "تعليقه". وفي "الذخائر" أن بعض أصحابنا قال: إن السجدة الأولى مع الثانية ركن واحد. فعلى هذا لا تبطل عند هذا القائل ما لم يرفعه رأسه من السجدة الثانية والمأموم قائم لم يركع. وعلى قول من يكتفي بالشروع في الركن، تبطل عند سجود السجدة الثانية، وهي طريقة حكاها في "التهذيب". ثم حيث لم نحكم بالبطلان فيما عدا الحالة الأولى، حكمنا بفوات الركعة؛ لأنه لم يدركها مع الإمام، وهذا مما لا خلاف فيه. وقد سلك بعضهم في ذلك طريقاً [آخر]؛ فقال: إذا تخلف عنه بركن واحد كامل، هل تبطل صلاته، أم لا؟ فيه وجهان حكاهما الإمام: أحدهما: أنها تبطل؛ لما فيه من المخالفة. وأظهرهما- وهو الذي أورده الغزالي-: أنها لا تبطل؛ لقوله ﵇: "لا تبادروني بالركوع والسجود، فمهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم [به] حين سجدت تدركوني حين رفعت". وإن تخلف عنه بركنين، بطلت صلاته قولاً واحداً، وهل يعتبر أن يكون الركنان والركن مقصوداً إذا قلنا: إن من الأركان ما ليس بمقصود في نفسه، أو

стр. 1539

لا يعتبر؟ فيه خلاف. فإذا تقرر ذلك؛ فإن ركع الإمام، وتباطأ المأموم، ثم أدركه في ركوعه؛ فهذا ليس تخلفاً بركن؛ فلا تبطل به الصلاة وفاقاً، ولو اعتدل الإمام، والمأموم بعد قائم؛ فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان، واختلف في مأخذهما: فقيل: مأخذهما التردد في أن الاعتدال ركن مقصود، أم لا؟ إن قلنا: نعم، فقد فارق الإمام ركناً، واشتغل بركن آخر مقصود؛ فتبطل صلاة المتخلف. وإن قلنا: ليس بمقصود، فهو كما لو لم يفرغ من الركوع؛ لأن الذي فيه تبع له؛ فلا تبطل [به] صلاته. وقيل: إن مأخذهما: أن التخلف بركن واحد هل يبطل، أم لا؟ إن قلنا: نعم، فقد تخلف بركن الركوع تامّاً، فتبطل صلاته. وإن قلنا: لا؛ فما دام في الاعتدال لم يكن الركن الثاني تامّاً؛ فلا تبطل. قلت: ومن الطريقين في هذه نأخذ طريقين في أن التخلف بركن واحد هل يبطل، أم لا؟ إحداهما: أنه يبطل قولاً واحداً إذا أتم، وتمامه يكون بانتقاله عنه إلى ركن مقصود؛ إن قلنا في الأركان ما ليس بمقصود في نفسه وهذا ملخص المأخذ الأول. والثانية: أن التخلف بركن تام هل يبطل، أم لا؟ فيه وجهان، سواء أكان تمامه بانتقاله إلى ركن مقصود، أو غير مقصود، وأثرهما يظهر فيما إذا سجد الإمام السجدة الثانية، ورفع منها قائماً، والمأموم في الجلسة بين السجدتين؛ فعلى الأول تبطل صلاته قولاً واحداً، وعلى الثاني في البطلان الوجهان، ويظهر أثرهما أيضاً فيما إذا ركع الإمام، ورفع من الركوع، وهوى إلى السجود، والمأموم بعد قائم لم يركع: فعلى الأول يكون الحكم كما لو لم يهو الإمام بعد إلى السجود، وقد تقدم، وعلى الثانية تبطل قولاً واحداً؛ لأن ركن الاعتدال قد تم؛ فوجد السبق بركنين.

стр. 1540

قال الرافعي: وقياسه: أن يقال: إذا ارتفع عن [حد الركوع والمأموم بعد في القيام- أن تبطل صلاته عند من يرى أن] التقدم بركن واحد مبطل. وعلى الطريقين لو انتهى الإمام إلى السجود، والمأموم بعد في قيامه- بطلت صلاته وفاقاً، وهي طريقة حكاها القاضي الحسين. قال الإمام: وإذا قلنا بأنه لا تبطل صلاته بالتخلف بركن تام، وكان تخلفه عن الركوع، ورفع الإمام وهو بعد قائم فلا ينبغي [له] أن يركع؛ فإنه لو ركع، لم يكن الركوع محسوباً له، ولكن ينبغي أن يتابع الإمام الآن فيما يأتي به من هويه إلى السجود، ويقدر كأنه أدركه الآن، ولا تحسب له هذه الركعة. ثم هذا كله فيما إذا تخلف عن الإمام في أركان الصلاة؛ فإن تخلف عنه بما هو في صورة ركن تام، وليس بركن؛ كما إذا سجد الإمام للتلاوة، ورفع من السجود، والمأموم قائم في قراءة [الفاتحة] أو غيرها- قال العبادي: بطلت صلاته وجهاً واحداً، وإن كانت لا تبطل فيما إذا ركع الإمام، ورفع [و] المأموم قائم؛ ليتم الفاتحة، والفرق: أن القيام الذي هو محل القراءة يفوت بركوع الإمام؛ فعذر فيه، وفي مسألة سجود التلاوة: القيام لا يفوت؛ لأن الإمام يعود إليه؛ فيمكنه إتمام الفاتحة. قلت: وفي هذا الفرق نظر؛ إذ التفريع على أن التخلف لإتمام الفاتحة ليس بعذر. نعم، هذا يستقيم على ما قاله في "الوسيط": إنا إذا قلنا: يجب على المأموم إتمام قراءة الفاتحة، فأتمها وقد رفع الإمام رأسه من الركوع- فقد فاتته الركعة، وفي بطلان صلاته وجهان، وهذا مما انفرد به؛ فلا تفريع عليه. ولا خلاف في أن المسبوق إذا أدرك الإمام في القيام، ولم يتمكن من قراءة شيء من الفاتحة حتى ركع الإمام- أنه يركع معه، ولا يشتغل بالقراءة، ومن طريق الأولى إذا أحرم والإمام راكع، وقد تقدم الكلام فيما إذا خالف وقرأ في هذه الحالة: هل تبطل صلاته [أم لا]؟

стр. 1541

فروع: أحدها: من تحرم بالصلاة مع الإمام، لكن المأموم بطيء القراءة؛ فلم يتم الفاتحة حتى ركع الإمام- فهل يكون حكمه حكم المسبوق، أو يجب عليه إتمام الفاتحة وجهاً واحداً؟ فيه وجهان حكاهما البندنيجي عن ابن سريج، كالوجهين في المزحوم عن السجود إذا أتى بما عليه، وأدرك الإمام قائماً؛ فقرأ بعض الفاتحة، ثم ركع الإمام، والمذكور منهما في "التتمة" في مسألتنا، وهو الذي صححه البغوي، وإبراهيم المروزي: الثاني؛ وهو ما صححه الأصحاب كافة في النظر الذي ذكرناه، وعلى هذا يكون [حكمه] حكم المزحوم، وسيأتي. [آخر] إذا تحرم مع الإمام، لكن الإمام سريع القراءة؛ ولسرعته ركع قبل أن يتم المأموم الفاتحة- قال القاضي الحسين والمتولي: أتم الفاتحة، وكان كالمتخلف عن الإمام بالعذر. وقال الإمام: إن الأصحاب اختلفوا في هذه الصورة أن التخلف فيها كالتخلف بعذر، أو بغير عذر. [آخر]: الموسوس إذا كان يردد القراءة؛ فركع الإمام قبل أن يفرغ- يجب عليه أن يتمها، قاله القاضي، ويظهر أن يكون كالمتخلف بغير عذر. [آخر]: إذا تحرم مع الإمام، وترك قراءة الفاتحة عمداً؛ حتى ركع الإمام، قال القاضي الحسين: فالمذهب أنه يخرج نفسه من متابعته. آخر: إذا تحرم مع الإمام، ونسي القراءة، ثم تذكرها بعد ركوع الإمام- حكى القاضي الحسين والمتولي ثلاثة أوجه في المسألة: أحدها: أنه يتابعه في الركوع، ولا تحسب له تلك الركعة. والثاني: يقرأ، ويكون حكمه حكم المتخلف بغير عذر.

стр. 1542

والثالث: يقرأ ويكون حكمه حكم المتخلف بالعذر. ولو كان التذكر بعد أن ركع مع الإمام، قال الرافعي: فلا يعود إلى القيام ليقرأ، وقد فاته الركعة؛ بناءً على الجديد. وقال القاضي الحسين: هل [يعيد القراءة]، أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ كما لو لم يكن قد ركع، وعلى هذا يجعل كالمتخلف عن الإمام بالعذر؛ إذ النسيان عذر ظاهر؛ لقلة إمكان الاحتراز عنه. والثاني: يتابع الإمام، ولا يعود إلى القيام؛ لأجل القراءة؛ فإن عاد كان كالمتخلف عن الإمام بغير عذر حتى تبطل صلاته إذا سبقه الإمام بركنين، على التفصيل الذي ذكرناه. قال: ويكره أن يسبق الإمام بركن؛ لقوله ﵇: "إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه؛ فإذا ركع فاركعوا .. " إلى آخره. وروى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "أيها الناس، لا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف؛ فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي". أخرجه مسلم. قال في "التتمة" و"التهذيب": والكراهة كراهة تحريم؛ لقوله ﵇: "أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار" أخرجه مسلم. وهذا الاستدلال يعرفك أن مرادهم بالسبق بالركن: أن يشرع فيه والإمام في الركن قبله، لا أن يشرع في ركن ويفرغ منه، أو ينتقل إلى غيره؛ كما تقدم في التخلف بركن، وبه صرحوا، ويؤيده ما ستعرفه من قولهم: "عاد إلى متابعته، أو لم يعد"، وإذا كان كذلك، كان الأحسن في التعبير عن ذلك أن يقال: ويكره أن

стр. 1543

يسبق الإمام إلى ركن؛ إذ هو الحقيقة، وهذا السؤال قد لا يرد على الشيخ؛ غذ كلامه الآتي يقتضي أن صورة السبق بركن أن يركع قبله مثلاً؛ فإذا أراد الإمام أن يركع رفع هو، وهو قضية ما سنذكره عن نصه في "الأم"- إن شاء الله تعالى- لكن الظاهر أنه أراد ما ذكره الأصحاب. قال: فإن سبقه بركن- أي: مثل أن ركع قبله، أو سجد- عاد إلى متابعته؛ أي: وجوباً؛ فيعود إلى الانتصاب؛ إن كان السبق بالركوع، أو السجود؛ لأن متابعة الإمام فرض؛ فإن وافق فانتصب، وركع الإمام، ركع معه، أو سجد؛ لأن الأول لم يحسب له؛ لأجل المخالفة، ولم لم يعد للانتصاب حتى أدركه الإمام في الركوع- لم تبطل صلاته؛ لأنها مفارقة قليلة، وكذا لا تبطل فيما إذا رفع المأموم من الركوع، والإمام شارع فيه، ولم يجتمعا على الركوع معاً في حالة واحدة، ولو عاد للانتصاب قبل ركوع الإمام، حسبما أمرناه [به]؛ فركع الإمام؛ ولم يركع معه، بل بقى منتصباً إلى أن رفع الإمام من الركوع- لم تبطل؛ كذا نص على الجميع في "الأم". ولفظه فيه: "وإن سبقه فركع قبل إمامه كرهت له ذلك، وأمرناه بالانتصاب؛ فإن فعل؛ فأدرك إمامه منتصباً، ركع بعد ركوعه؛ فإن أقام على ما هو عليه راكعاً؛ فلحق به الإمام؛ فاجتمعا على الركوع- لم تبطل صلاته، ولو أراد الاعتدال؛ فجعل الإمام يركع، وهو يرفع؛ فما اجتمعا على الركوع معاً في حالة واحدة، فقد سبق إمامه بركن واحد؛ فلا تفسد صلاته". فقول الشافعي: "كرهت له ذلك"، دليل على أنه فرض المسألة في حالة تعمد المأموم السبق دون حالة جهله به؛ فإن من ركع؛ لظنه أن الإمام في الركوع؛ لصوت سمعه، ولم يكن في الركوع- لا يكره له ذلك. وقوله: "وأمرناه بالانتصاب"، دليل على عدم بطلان الصلاة، وظاهره الوجوب. وقد قيل: إن العود إلى المتابعة- والصورة كما ذكرنا- مستحب، لا واجب،

стр. 1544

وهو ما حكاه ابن الصباغ؛ إذ في العود تكثير المخالفة؛ ولأجل هذه العلة قال المراوزة: إذا سبق إمامه بركن عامداً؛ بأن ركع قبله، [أو رفع من الركوع]، أو سجد، لا يعود إلى متابعته، وهل تبطل صلاته بذلك؟ قال الشيخ أبو محمد: نعم تبطل، وإن لحقه الإمام فيما سبقه إليه؛ لأنه مناقض لصورة الاقتداء؛ ولهذا قلنا: إن التقدم على الإمام في الموقف بجزء قليل يبطل صلاته، وخالف هذا التخلف عن الإمام بمثل ذلك؛ فإنه لا يبطل صلاته؛ لأن رتبة المأموم التخلف، وهذا قد حكاه القاضي أبو الطيب في صفة الصلاة، ونسبه إلى أبي علي صاحب "الإفصاح". والمذهب: عدم البطلان في التقدم؛ لأن هذه المخالفة يسيرة، وعلى هذا لو عاد إلى متابعته بطلت صلاته؛ إذا لم يكن حين ركع قبل الإمام، أو رفع، أو سجد- نوى المفارقة. نعم لو كان قد سمع صوتاً ظن به أن الإمام ركع، أو رفع، أو سجد؛ ففعل هو ذلك، ثم بان له أن الإمام لم يفعله بعد؛ فهل لا يجوز له العود؛ كما في الصورة قبلها، أو يجوز ولا يجب، أو يجب؟ فيه ثلاثة أوجه من مجموع كلامهم: أصحها في "التهذيب" ها هنا: أوسطها، وهو ما ادعى في "الكافي" أنه المذهب، ولم يورد الفوراني غيره في باب سجود السهو. والمذكور في "التتمة" و"تعليق" القاضي الحسين: الآخر، وإذا قلنا به، قال القاضي: فلو لم يعد لم تبطل صلاته في ظاهر المذهب. وفيه وجه آخر: أنها تبطل أخذاً من قول الشافعي: لو رفع رأسه من السجود؛ لينتقل؛ فعليه أن يعود؛ فلو لم يعد؛ بطلت صلاته. والقائلون بالأول أجابوا عن ذلك بأن المأموم في هذه الصورة لم يرفع رأسه لأجل قطع السجدة، وإنما رفع لحاجة، وها هنا رفع بنية قطع الركوع والسجود. قلت: وهذا الخلاف يمكن تخريجه على أن الركوع، أو [الرفع، أو السجود] الذي سبق به الإمام هل يعتد [له] به، أو لا؛ لأنه أتى به على وجه السهو؟

стр. 1545

وفيه وجهان في "التتمة": فإن قلنا: يعتد به، لا تبطل إذا لم يعد. وإن قلنا: لا يعتد به، فيعود؛ ليأتي بما عليه؛ فإذا لم يفعله بطلت صلاته؛ لأجل ذلك. ولو عاد إلى الانتصاب حسبما أمرناه به والإمام منتصب، [فركع الإمام، وبقي المأموم منتصباً] حتى رفع الإمام، وسجد، فسجد معه- فقياس ما تقدم أن يكون في بطلان صلاته وجهان من أصلين: أحدهما: أن ركوعه الأول هل اعتد له به، أم لا؟ فإن قلنا: قد اعتد له به، لم تبطل. وإن قلنا: لا؛ انبنى على أن التخلف عن الإمام بالركوع والرفع منه هل يبطل، أم لا؟ وقد سبق. ولو شرع المأموم في الانتصاب، وشرع الإمام في الركوع، ولم يجتمعا معاً في حالة تجري في الركوع-[قال في "التتمة": فهل يجب عليه أن ينتصب ثم يركع، أو يتابع الإمام في الركوع؟] فيه وجهان: أحدهما: يجب عليه الانتصاب؛ كما لو لم يركع الإمام بعد. والثاني: يتابع الإمام؛ فإن الانتصاب كان لمتابعة الإمام، وهو في عوده إلى الركوع متابعٌ له. قلت: وهذا الخلاف يظهر أنه مبني على ما سلف أن الركوع الأول اعتد له به، أو لا؟ إن قلنا: لا فيجب عليه أن ينتصب، ليركع. وإن قلنا: نعم، فالانتصاب كان لأجل المتابعة؛ فليتابع الإمام في الركوع. وهذا مجموع ما وقفت عليه لأهل الطريقين، وأنت إذا جمعت بينهما واختصرت قلت: في عوده عند سبق الإمام بركن- كما ذكرنا- إلى متابعة الإمام، أوجه: أحدها: أنه لا يجوز مطلقاً، وهذا الوجه لم يورد الإمام في باب سجود السهو
следующие страницы →