Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
وحكى الفوراني عوض هذا القول: أنه يقعد متوركاً؛ كما في آخر الصلاة.
قال الإمام: وهو عندي غلط صريح لا يتوجه، وقد بلغني ممن أثق به أن القاضي الحسين كان يرى أن الأولى أن ينصب ركبته اليمنى، وينحني عليها، كالذي يجلس في اعتيادنا قارئاً على من يقرئه ويثني اليسرى.
قال: وبهذا يخرج عن هيئة الإقعاء المنهي عنه، وأشار بذلك إلى قوله ﵇: "لا تقعوا إقعاء الكلاب".
والإقعاء - كما قال-: هو الجلوس على الوركين، ونصب الفخذ والركبتين، وبه فسر أبو عبيدة مع زيادة أخرى، [وهي وضع] اليدين على الأرض.
стр. 1647
ومنهم من قال: الإقعاء: أن يفرش رجليه، ويضع أليتته على عقبيه.
ومنهم من قال: أن يجعل يديه على الأرض، ويقعد على أطراف أصابعه؛ كالمصطلي.
قال القلعى: وأظنه وهماً، وإنما هو على أطراف أليتيه.
ثم ما ذكرناه من الخلاف في الاستحباب، صرح به الإمام والمتولي وغيرهما؛ فلو قعد على أي هيئة، ولو مقعياً أجزأه.
قال الروياني: والقولان في الكتاب جاريان في كيفية قعوده في النفل.
وقد أفهم كلام الشيخ أن ركوعه في [حال] صلاته [قاعداً؛ كركوعه في حال صلاته] قائماً؛ فإنه تعرض لكيفية القعود، وسكت عن كيفية الركوع، وهو كذلك؛ لأنه فرض الكلام فيما إذا عجز عن القيام، وظاهر هذا أنه لم يعجز عن غيره؛ إذ لو عجز عن غيره معه، لقال: إذا عجز عن القيام، وكذا، وإذا كان لم يعجز إلا عن القيام، وجب عليه أن يأتي بما قدر عليه من الركوع، وغيره؛ كما لو كان قادزاً على القيام، وبه صرح الأصحاب، فقالوا: لو كان قادزاً على الركوع الكامل، وجب عليه أن يرتفع إلى حد الراكعين، نعم لو كان يعجز عن ذلك أيضاً، ركع، وهو جالس، وأقله أن ينحني حتى يقال وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة، كذا حكاه الإمام عن بعضهم، بعد أن حكى عن صاحب "التقريب" في ضبط أقله: [أنا نجعله] كأن قامته مقدار انتصابه في قعدته، ويعتبر نسبة انحنائه من قيامه لو كان قائماً، ثم ينتسب مثل تلك النسبة في قعوده، وتأمره بمثل ذلك في حالة القعود.
[ثم] قال: وليس بين الكلامين مخالفة.
وأكمله: أن يطأطأ رأسه حتى تحاذي جبهته موضع سجوده؛ فإنه يناظر الكمال قي هيئة الركوع من القيام الذي لا مانع به من مد ظهره، ولو عجز [مع ذلك] عن السجود، أتى بغاية إمكانه حتى لو كان ما قدر عليه هو الانتهاء إلى أقل الركوع - كما سبق - وجب عليه أن يأتي به عن الركوع، ئم يركع، ثم يرفع
стр. 1648
[ثم] يأتي به عن السجود.
قال الإمام: ولا نقول في هذه الحالة: يقسم ما يقدر عليه من الانحناء بين الركوع والسجود، ويصرف شيئاً إلى الركوع والزيادة عليه إلى السجود؛ ليتميز الركوع عن السجود؛ لأنا لو فعلنا هذا، كنا مسقطين عنه أقل الركوع، مع قدرته عليه.
ولو كان يقدر على الانحناء إلى حد الكمال في الركوع، قال الإمام: فليس يظهر لي تكليفه أن يأتي بأقل الركوع، ثم يأتي بالفاضل عنه في حال السجود، وإن كان يحصل بذلك التمييز بين الركوع [والسجود]؛ فله أن يأتي بذلك عن الركوع الكامل، ثم عن السجود، ولو كان [لا] يقدر إلا على أقل من حد الركوع، أتى به عن الركوع، ثم عن السجود.
قال الإمام: وهل يجب عليه أن يتخيل تمامه بقلبه، ويجريه على ذكره، هذا محتمل عندي؛ [لجواز أن يقال: الفكر للعاجز عن أصل الفعل بالكلية؛ فأما إذا كان يقدر على شيء من الفعل أغناه عن الفكر، وهو الظاهر عندي].
[و] لا خلاف أن القاعد العاجز عن القيام لا يلزمه أن يجري القيام في فكره.
ولو لم يقدر على انحناء أصلا، أومأ، وجعل السجود أخفض من الركوع، وهكذا لو لم يعجز عن القيام، ولا يقدر على الركوع والسجود أصلاً، صلى قائماً، وأومأ بالركوع والسجود؛ قاله في "المهذب"، والإمام، وغيرهما.
ولو كان العاجز عن السجود على جبهته يقدر على الجود على صدغيه، فعله؛ لأنه إذا فعل ذلك، قرب جبهته من الأرض؛ قاله ابن الصباغ.
قال: وإن عجز عن القعود- أي: والقيام - صلى مضطجعاً على جنبه؛ للخبر السابق.
قال: الأيمن، لفضله، ولذلك يوضع الميت في لحده على شقه الأيمن.
ويجب أن يكون في هذه الحالة مستقبل القبلة؛ لأنه مقدور عليه.
وقد ادعى الإمام أن من يعتمد عليه روى في "رءوس مسائله" [عن
стр. 1649
علي]، عن النبي ﷺ أنه قال: "يصلي المريض قائماً؛ فإن لم يستطع صلى جالساً؛ فإن لم يستطع السجود، أومأ، وجعل السجود أخفض من الركوع؛ فإن لم يستطع، صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، وأومأ بطرفه؛ فإن لم يستطع صلى على قفاه مستلقياً، وجعل رجليه مستقبلة القبلة".
стр. 1650
وقد أخرجه بمعناه الدارقطني، لكن عبد الحق قال: [إن] في إسناده الحسن بن الحسين العرني، ولم [يكن] عندهم بصدوق، وكان من رؤساء الشيعة.
وما ذكره الشيخ هو ما نص عليه في ["مختصر"] البويطي.
وقال الإمام: إنه المذهب المشهور الذي عليه التعويل.
وقال أبو علي في "الإفصاح": يستلقي على قفاه، ورجلاه إلى القبلة؛ كما يوضع الميت على المغتسل؛ لرواية جعفر بن محمد عن آبائه أن رسول الله ﷺ : قال: "يصلي المريض قائماً؛ فإن لم يستطع، فقاعداً؛ فإن لم يستطع، فمستلقياً على قفاه، ورجلاه مما يلي القبلة، ويومئ بطرفه؛ [ليكون] إيماؤه بالركوع والسجود إلى القبلة"، وضعفه الأصحاب، وقالوا: ما ذكرناه من الخبر أصح، وما ذكره من الاستقبال لا يصح؛ لأن المتمكن من الركوع والسجود لا يكون متوجها إلى القبلة فيهما؛ بل إلى الأرض؛ فكذلك عند العجز؛ ولأنه إذا كان كالموضوع في اللحد استقبل بجميع مقادمه القبلة.
[قال الإمام: وفي بعض التصانيف وجه ثالث: أنه يكون على جنبه الأيمن، ولكن يكون أخمصاه إلى القبلة، وهو محكي في "الزوائد" عن المسعودي].
قال الإمام: وهو غلط غير معتد به، ولست أرى له وجهاً.
وادعى الروياني في "تلخيصه" أنه اختاره صاحب "الإفصاح"، وزاد فيه: أن رجليه تكونان إلى القبلة، ووجهه إلى القبلة أيضاً؛ حتى إذا أومأ بالركوع والسجود برأسه أومأ إلى القبلة.
وهذا الخلاف في الوجوب؛ لأجل الاختلاف في كيفية الاستقبال، بخلاف الاختلاف في القعود؛ فإنه مستقبل فيه على كل حال، نعم كونه على جنبه الأيمن مستحب، حتى لو خالف فصلى على جنبه الأيسر مستقبل القبلة، جاز؛ لقوله ﵇: "فإن لم يستطع فعلى جنب"، ولم يفرق، نعم يكون تاركاً للسنة؛ قاله
стр. 1651
القاضي الحسين والبغوي.
ثم محل الخلاف إذا كان قادزاً على الأمرين معاً؛ فلو لم يقدر إلا على أحدهما - تعين؛ لأنه الممكن؛ قاله المتولي وغيره.
قال: ويومئ- أي: برأسه - الركوع والسجود- أي: إذا عجز عن السجود بجبهته على الأرض- ويكون سجوده أخفض من ركوعه؛ لما روى البيهقي بسنده، عن جابر أن رسول الله ﷺ عاد مريضاً، فرآه يصلي على وسادة؛ فأخذها، فرمى بها، فأخذ عوداً يصلي عليه؛ فأخذه فرمى به، وقال: "صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك".
وفي رواية: "إن أطقت أن تصلي على الأرض فافعل، وإلا .. " وساق الحديث.
والإيماء: الإشارة، وهو مهموز.
وقد اعترض بعضهم علي الشيخ؛ فقال: قوله: ويكون سجوده أخفض من الركوع، ليس على إطلاقه، بل يجب عليه أن يخفض رأسه في سجوده نهاية ما يمكنه؛ لأنه أقرب إلى الواجب الأصلي.
وجوابه: أنه اتبع فيه النبي ﷺ فإن هكذا لفظ الخبر؛ كما تقدم.
ومن حيث المعنى: أن المراد: أن يجعل إيماءه للركوع فوق إيمائه للسجود، وذلك لا ينافي كونه يخفض رأسه في السجود إلى نهاية ما يقدر عليه.
ثم هذا في "الرافعي" و"النهاية" مخصوص بما إذا كان يقدر على زيادة على أفضل الركوع، وللإمام فيه احتمال. أما إذا كان لا يقدر إلا على حد الركوع- إما على وجه الكمال، أو على وجه الأقل والإجراء- فقد سبق ما يمكن منه أخد الحكم فيه.
وقد أفهم كلام الشيخ أن العجز عن القعود السجوز للاضطجاع، مثل العجز عن القيام المجوز للقعود، وقد سبق بيانه.
قال الرافعي: وكذلك إطلاق الجمهور يقتضي التسوية بين العجزين.
واعتبر الإمام هنا أن يلحقه بسبب القعود كلفة فوق الكلفة التي تجوز له ترك القيام إلى القعود.
стр. 1652
قال: وأقرب شبيه به ضرورة المتيمم، وقد تقدمت.
قال: ويشهد للفرق بين الحالين: أن الأئمة لما قسموا الأعذار إلى العامة، والنادرة، عدوا ما يقعد المصلي لأجله من الأعذار العامة، والمرض الذي لا يتصور معه القيام ليس بعام، ولكنهم [لما اعتقدوا] أنه يكتفى في ترك القيام بما دون الضرورة - ألحقوا ذلك بما عم، وأما ما يضطجع المصلي لأجله؛ فإنهم ألحقوه بما يندر ويدوم.
قال: فإن عجز عن ذلك، أومأ بطرفه؛ لظاهر الخبر؛ ولأن ذلك حد طاقته.
قال: ونوى بقلبه؛ أي: إن عجز عن الإيماء بالطرف؛ مثل أفعال الصلاة بقلبه؛ كذا رأيته في كلام بعض الشارحين، وعليه ينطبق كلام الإمام.
وفي كلام بعضهم أن مراد الشيخ: أنه عند العجز عن الإيماء بالرأس، يومئ بالطرف وينوي بالقلب ما يومئ إليه؛ لأن الإيماء إلى أركان الصلاة مشبه صورة؛ فلا يتميز لبعضها دون بعض إلا بالنية.
ثم في هذه [الحالة] إذا قدر على النطق بالتكبير والقراءة والتشهد والسلام نطق به، وإلا أجراه على قلبه.
قال في "التهذيب" ولا ينقص ثوابه.
قال: ولا يترك الصلاة ما دام عقله ثابتاً؛ لأن الصلاة تجري مجرى الإيمان؛ فلا تسط مع العقل والفهم بحال.
وقد استدل الغزالي على [إيجاب إمرار] الصلاة بالقلب بقوله ﵇: "فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" [كما أخرجه مسلم، وهذا حد استطاعته.
واعترض الرافعي على الاستدلال به؛ فقال: هذا الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه [المأمور عند العجز عن ذلك] المأمور به؛ فإنه قال: "فأتوا منه ما استطعتم"] وإجراء الأفعال على القلب لا تشتمل عليه الأفعال المأمور بها؛ يعنى: في خبر عمران بن الحصين.
قال: ألا ترى أنه إذا أتى بالأفعال، ولم يحضرها في ذهنه حينما أتى بها،
стр. 1653
أجزأته صلاته؟! فلا تكون هذه المسألة متناولة للخبر.
قلت: وهذا قاله بناء على رواية [البخاري، وأما على رواية] النسائي، والخبر الذي حكاه الإمام عمن يثق به عن علي - كرم الله وجهه - عنه ﵇، فالدلالة منه ظاهرة؛ لأنه لما أمر المستلقي بالصلاة، [والصلاة] في الشريعة عبادة مخصوصة، ذات أركان قولية وفعلية؛ فلا يتصور اعتقادها عند سقوط الأفعال الظاهرة إلا بإجرائها في الفكر؛ كذا قاله الإمام، وقال: إنه حسن لطيف.
وعن "العدة" أنه إذا لم يقدر على الإيماء، سقطت الصلاة، كمذهب أبي حنيفة، وقد حكاه الرافعى وجهاً عن رواية صاحب "الييان"، والذي رأيته في "زوائد" العمراني: أن الطبري ذكر في "عدته" أنه إذا عجز عن الإشارة، وعجز لسانه عن القراءة، وعقله معه، صلى يقلبه، ويجري القرآن على قلبه، وكذلك أفعال الصلاة.
وقال أبو حنيفة: تسقط عنه الصلاة قى هذه الحالة.
وحكى شيخنا الإمام تأخير أنه لا يصلي في هذه الحالة، ولكن يقضي إذا قدر على الأصح، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه:
أصحها: ما ذكره الشيخ: أنه يصلي، ولا إعادة عليه.
والثانى: لا يصلى، ولا يعيد.
والثالث: يعيد، ولا يصلي.
ثم ما ذكرناه من كون المريض لا يتركها ما دام عقله ثابتاً، ثابت في غيره من طريق الأولى، وبه صرح الأصحاب؛ فقالوا: المصلوب إذا دخل عليه وقت الصلاة، يلزمه أن يصلي، نصى عليه الشافعي، ثم إن صلى مستقبل القبلة، لا إعادة عليه، وإن صلى غير مستقبل، عليه الإعادة، وكذلك الغريق في البحر إذا كان على خشبة، هذا حاله؛ قاله القاضي الحسين.
وقال الماوردي في باب موقف الإمام والمأموم: إن الحكم كذلك في الغريق على لوح.
وقال: إن الشافعي فرق بين الحالين؛ بأن الخائف يسقط عنه [فرضه
стр. 1654
بالإيماء]، وهو المريض؛ فكذا هذا جاز أن يسقط عنه] فرضه، وغير الخائف لا تصح صلاته، مع ترك القبلة؛ فلم تصح هنا.
قال القاضي الحسين: ثم إذا أعاد الصلاة ففي الفرض من الصلاتين أوجه ذكرناها في الطهارة.
وقد ألحق بالمريض فى جواز القعود فى الصلاة من إذا صلى قائماً أبصره العدو؛ حكاه في "التتمة"، وقال: إنه إذا صلى قاعداً، لا تجب عليه الإعادة على الصحيح من المذهب؛ لأنا نجوز لمن يخاف من سيل أو سبع أن يصلي صلاة شدة الخوف؛ فلأن نبيح له ترك القيام وحده، وتصح صلاته أولى. نعم الكمين إذا صلوا في وهدة قعوداً هل تصح صلاتهم؟
حكى الشيخ أبو عاصم العبادي فيها قولين:
أحدهما: نعم؛ لأنهم يتركون القيام لغرض، وهو التوصل إلى حرب العدو؛ فصار كمن صلى راكباً في حال القتال.
والثاني: لا؛ لأنهم آمنون لا خوف عليهم، وهذا ما حكاه الرافعي.
ومن به سلس البول، وإذا قام لحقه، يصلي قاعداً على أصح الوجهين، وعليهما لا إعادة عليه.
قال: فإن قدر على القيام في أثناء الصلاة؛ أي: وقد صلى جالساً، أو مضطجعاً، أو القعود؛ أي: وقد صلى مضجعاً- انتقل إليه؛ لقدرته عليه، وأتم صلاته، [أي]: ولا إعادة عليه؛ لأنه إذا جاز فعل جميعها كذلك من غير إعادة، ففعل بعضها أولى، وخالف هذا المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة، لا يستعمله؛ لأن استعماله يبطل ما مضى على الصحة، ولا كذلك ها هنا.
ثم في حال انتقاله إلى القعود، أو القيام إذا كان لم يقرأ الفاتحة بجملتها، أو قرأ بعضها لا يأتي بما عليه منها في حال انتقاله؛ لأنه ينتقل إلى حالة هي أعلى مما هو
стр. 1655
عليه، وبمكنه القراءة فيها؛ فلو قرأ في حال انتقاله، [لم يجزئه] قال البغوي: فلا تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو، وهذا بخلاف ما إذا عجز عن القيام أو القعود وقد شرع فيه؛ فإنه ينتقل إلى ما دونه، ويجوز [له] أن يقرأ في حالة الانتقال إليه؛ لأنه لزمه القراءة قاعداً أي مضطجعا، والانتقال أعلى منه؛ فأجزأه، وهى عبارة المتولي والبغوي، وهي تؤذن بأنه في حالة عجزه عن القيام يتخير بين القراءة في حال هويه إلى القعود والاضطجاع، وبين أن يصبر إلى حالة قعوده أو اضطجاعه، وكلام الغزالي يقتضي أنه يجب عليه القراءة في حال هويه، وبه صرح الرافعي، وقال في "المرشد": لا تجزئه قراءته فيه - كما في الحالة الأخرى- حتى يستقر.
ثم محل وجوب الانتقال إلى القيام؛ إذا بقي محله؛ بأن كانت القدرة حصلت له في الركعة الأولى، أو في الثانية قبل الركوع، أو بعده، وقبل السجود، دون ما إذا حصلت بعد السجود، ثم إذا حصلت بعد فراغ القراءة، قام؛ ليركع، وهل يجب عليه أن يطمئن قائماً فى هذه الحالة؟
قال الإمام: فيه تردد عندي؛ فإنه إن ظن ظان أن الاعتدال عن الركوع ركن مقصود فما أرى ذلك ظاهزاً في هذه القومة التي وجبت لأجل الهوى منها إلى الركوع؛ فإنها غير مقصودة قطعاً ولا يمتنع أيضاً أن يقال: ينبغي أن يكون الركوع عن سكون وقيام، ولا يجزئه في هذه الحالة أن يقوم إلى حد الراكعين، ثم يطمئن، ثم يرفع، ثم يسجد.
كذا قاله الإمام هنا، وخرج في باب سجود السهو وجها آخر: أنه يكفيه أن يرتفع إلى حد الراكعين، ثم يطمئن، ويسجد؛ أخذاً مما قاله ابن سريج فيما إذا هوى القائم إلى السجود وقد ترك الركوع ناسياً؛ فإنه على رأي ينتصب قائماً، [ثم يركع؛ ليلي الركوع القيام، وعلى رأي: يكفيه أن يرتفع إلى حد الراكعين، ولا ينتصب قائماً]، ومن ها هنا خرج الوجه في مسألتنا.
قلت: وإذا لاحظنا هذا في الأصل في مأخذ الخلاف امتنع على القول بإيجاب الانتقال إلى القيام ها هنا، ثم السجود بعده إجراء تردد في اشتراط الطمأنينة في
стр. 1656
هذه القومة، بل يتعين الإتيان بها؛ [لأنا نشترط] ذلك في الأمل المبني عليه؛ كما تقدم في باب فروض الصلاة، فلو قدر عليه وهو راكع؛ فلا نأمره بالرفع، ثم بالركوع، بل نقول: لو فعل ذلك بطلت صلاته، ولو رفع في هذه الحالة إلى حد الراكعين القادرين على القيام، قال الأصحاب: جاز، ولم ينصوا على أن ذلك يجب.
قال الإمام: وأنا أقول فيه: إن قدر قبل الطمأنينة في الركوع، فالظاهر أنه يجب، وإن ركع، واطمأن عن قعود، ثم وجد القدرة- فالظاهر أنه لا يجب، ولا يمتنع أن يقال: يجب ذلك ما دام ملابساً للركوع تخريجاً على أن الركن إذا مد، فجميعه فرض، أم الفرض منه مقدار الاكتفاء؟
ولو حصلت قدرته على القيام بعد الرفع من الركوع، وقبل السجود، قام ليسجد، واطمأن قبل سجوده.
فرع: حيث قلنا: يجب [عليه] القيام؛ فلو لم يقم، بطلت صلاته.
قال في الحاوي: ومن أصحابنا من قال: لا تبطل، ولكن تصير نفلاً. ولا وجه له.
وهذا قد ادعى المتولي أنه مخرج من نصه فيما إذا كبر وهو يهوي إلى الركوع أنه تنعقد صلاته نافلة؛ كما خرج من نصه هنا إلى ثم [قولاً]: أنها لا تصح.
وقال القاضي الحسين: إن الخلاف المذكور جار فيما لو تحرم بالفرض قاعداً مع القدرة على القيام، وقال: إن المذهب البطلان.
وعليه في مسألتنا: لو عاوده العجز، ومنعه من القيام، قال في "الحاوي" في كتاب الصلاة: نظر في حاله حين أطاق القيام: فإن كان قاعداً في موضع جلوس من صلاة المطيق، كالتشهد والجلوس بين السجدتين- فصلاته جائزة، ولا إعادة عليه، وإن كان قاعداً في موضع قيام من صلاة المطيق؛ فصلاته باطلة، وعليه الإعادة؛ لأنه لما استدام القعود في موضع القيام، صار كالمطيق إذا قعد في موضع القيام.
قال: وإن كان به وجع العين؛ فقيل [له]: إن صليت مستلقياً أمكن
стр. 1657
مداواتك، وهو قادر على القيام- احتمل أن يجوز له ترك القيام؛ كما يجوز له ترك الصيام؛ لأجل رمد العين، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وكثير من أصحابنا؛ كما قاله الروياني في "تلخيصه".
واحتمل ألا يجوز؛ لأن ابن عباس لما قرب من العمى، قال له بعض الأطباء: لو صليت سبعة أيام مضطعاً وعالجتك برأت عينك؛ فاستفتى عائشة وأم سلمة وأبا هريرة؛ فنهوه عن ذلك، ويخالف الصوم؛ لأنه يرجع إلى بدل تام مثله، ولا كذلك ها هنا، وخالف الاضطجاع لأجل المرض؛ لأن هناك المشقة تحصل من نفس القيام؛ فتركه دافع للضرر قطعاً؛ فلذلك لم نوجبه، وها هنا القيام لا تحصل به مشقة، [بل الموجود ظن حصول البرء لو اضطجع، وبينهما فرق.
ثم هذا التردد من الشيخ] مؤذن بأنه ليس في المسألة نص للشافعي، ولا لأصحابه، وإنما الاحتمالان له، ولا شك بأنه لا نص فيها للشافعي، والاحتمالان لغيره، وقد حكاهما في "المهذب" وجهين.
وقال العبادي في "زوائده": إن الطبري شبه ذلك بما لو كان يخاف من استعمال الماء طول الضنى فهل له أن يتيمم؟ وفيه قولان.
وعلى هذا يمكن أن يحمل كلام الشيخ على أنه أراد أن التردد لشخص واحد، [لا أنه] قال بكل احتمال شخص، ومنع غيره.
ويؤيد ذلك أنه قال فيما إذا وكل عبده في شيء، ثم أعتقه: احتمل أن ينعزل، واحتمل ألا ينعزل. والاحتمالان لابن سريج، ولا جرم صرح في "المهذب" بحكاية وجهين في الانعزال؛ كما فعل في هذه المسألة.
ثم [هذا] التردد ظاهر الشبه بما ذكره الطبري، إذا كانت المسألة مصورة بما ذكرناه [من أنه] لا يخشى من القيام زيادة في الوجع [إلى أن يفضي إلى العمى.
أما إذا كان يحصل منه زيادة في الوجع؛] فقضية تشبيه الطبري أن يجيء فيه الخلاف بالترتيب، وأولى بالجواز كما في التيمم؛ ومن ها هنا يقوى ما ذكره الإمام
стр. 1658
من أن المرض الذي يجوز الاضطجاع في الصلاة فوق المرض الذي يجوز القعود فيها، وأن أقرب شبه به المرض المجوز للتيمم، لكنه قال في هذه المسألة بعد أن قال: "إنه لا نص للشافعي في هذه المسألة"-: إذا لم يكن للشافعي فيها نص، وقد نقل أصحابنا فيها خلاف العلماء؛ فالمسألة محتملة، وفساد البصر شديد، وتكليف المصلي ما يغلب على الظن منه العمى بعيد، وحديث ابن عباس واستفتاؤه تعلق بمذهب آحاد من الصحابة، وحكاية حال؛ فلعلهم لم يثقوا بقول الطبيب، ورأوا أن الأمر شديد، وأن العلاج غير مُجد.
وقد أفهم كلام ابن الصباغ الميل إلى جواز الاضطجاع؛ فإنه قال بعد حكاية التردد: إن ما ذكر من الجواب عن الصوم والمرض فاسد؛ لأن فعل الصوم في غير زمانه بدل ناقص، والآخر يبطل بما إذا خاف الزيادة في المرض من استعمال الماء؛ فإنه غير متحقق، ويجوز تركه به.
قال الإمام: ثم إن صح ما قاله العراقيون، فالذي أراه لو كان [القعود] معيناً على البرء، جاز بلا خلاف؛ ولذلك ذكر شيوخ الأصحاب الخلاف في المسألة فص صورة الاضطجاع، وسكتوا عن صورة القعود.
قال الرافعي: وهذا قاله بناء على ما حكاه من أنه يجوز ترك القيام بما لا يجوز به ترك القعود، والمفهوم من كلام غيره أنه لا فرق.
واعلم: أن الشيخ محيي [الدين] النواوي قال: إن المذكور في الأصل: "وإن كان به وجع؛ فقيل: إن صليت ... " إلى آخره، ويقع في أكثر النسخ: "وجع العين"، والصواب: حذفها؛ [لأنه أعم]. وفيه نظر، والله أعلم.
стр. 1659
باب صلاة المسافر
هذا الباب مسوق لبيان ما اختص به المسافر من التخفيف في إقامة أكثر الصلوات؛ لأجل ما يلحقه من تعب السفر، وهو نوعان:
[تخفيف] في نفس الصلاة وهو القصر.
وتخفيف في رعاية وقتها، وهو الجمع.
والمطر في الحضر، في هذا النوع ملحق بالسفر.
ثم المهم من النوعين: القصر؛ ولذلك قدمه.
والأصل فيه - قبل الإجماع - من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فأباحه الله- تعالى- فى السفر بشرط الخوف من الكفار، وبينت السنة جوازه عند الأمن؛ روى أبو داود، والترمذي، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: أرأيت إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال الله تعالى في السفر: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ﴾ [النساء: ١٠١] وقد ذهب ذلك اليوم؟! فقال: عجبت مما عجبت منه؛ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم؛ فاقبلوا صدقته" أخرجه مسلم.
стр. 1660
وقد ادعى بعضهم أن قول الله تعالى ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ جرى على الغالب عن أسفارهم؛ فلا مفهوم له، وفيه نظر؛ لأن قول عمر ويعلى يأباه.
نعم، هو متأول الظاهر؛ [لظاهرخبر] يعلى، وقد جاء مثله في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
ومن السنة: ما روي أنه ﵇ كان يقصر [الصلاة] غازياً، وحاجاً، ومعتمراً، وفي مرجعه إلى المدينة [من ذلك].
وقد روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: صليت مع النبي ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، [ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، ووددت لو أن لي من الأربع ركعتين متقبلتين].
وروى الترمذي عن ابن عمر قال: سافرت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، وعثمان فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين [ركعتين]، لا يصلون قبلهما
стр. 1661
ولا بعدهما.
قال: إذا سافر في غير معصية سفراً يبلغ مسيرة ثمانية وأربعين ميلاً بالهاشمى، فله أن يصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين [ركعتين]؛ للآية، مع ما ذكرناه من الأخبار؛ فإن الآية، وخبر يعلى [بن أمية] يقتضي جواز قصر الصلاة عند الضرب فى الأرض، وهذا السفر، خائفاً كان المسافر أو آمناً، واجباً كان أو مندوباً أو مباحاً، وأيد ذلك فعله ﵇[فإن غدوه في أسفاره] كان طاعة، وعوده إلى المدينة مباحاً، وقد قصر في الجمبع، ومن معه أيضاً قصروا في ذلك، وهو حجة على من ادعى أن القمر لا يسوغ في السفر [المباح].
والمسافة التي ذكرناها يصدق عليها اسم السفر فشملها الحكم، وخير ابن مسعود، وابن عمر يدل على أن القصر ركعتان في الرباعية؛ فثبت ما ذكرناه.
والسفر: قطع المسافة، وجمعه: أسفار، سمي بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أي: يكشفها.
وقيل: إنه مشتق من "الإسفار"، وهو الخروج.
وفي "الوسيط": أن حد السفر الانتقال مع ربط [القصد بمقصد] معلوم؛ فالهائم وراكب التعاسيف [لا يترخص وإن مشى ألف فرسخ.
وما ذكره إذا أراد أنه حد لمطلق الفر فليس الأمر كذلك؛ لأن الهائم، وراكب التعاسيف يسمى: مسافراً، وإن لم يربط قصده بمقصد. وإن أراد حد السفر الذي يجوز [فيه] القصر، وهو الأقرب- فصحيح، وحيتئذٍ فعلى كلامه مناقشة من وجهين:
стр. 1662
أحدهما: أنه جعل] راكب التعامسيف قسيم الهائم، وقد قال [العجلي]: إنه هو. ولعل الأقرب ما ذكره هنا؛ فإن الهائم: الضائع، [وراكب التعاسيف لا] قصد له معلوم، مع أنه لم يضع، بل يمضي على وجهه.
والثاني: أن [قيد كون] لص السفر طويلاً يغني عنه؛ لما ستعرفه، وقد ذكره.
واحترز الشيخ بقوله: "فى غير معصية" عن سفر المعصية؛ فإنه لا يقصر فيه؛ خلافاً للمزني؛ فإن القصر رخصة شرعت إعانة للمسافر على مقاصده، والعاصي لا يعان؛ لقوله تعالى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] فعلم بذلك أن سفر المعصية غير مراد فى الآية، [وإن شمله عمومها].
والسفر [فى المعصية]: هو السفر لقطع الطريق، والعبد يأبق من سيده، والمراة سافر بغير إذن زوجها، والغريم يهرب ممن له عليه حق وهو قادر على آبائه، ونحو ذلك.
وعن الصيدلاني أنه ألحق بذلك السفر لغير غرض؛ لأن ركض الدابة لغير غرض حرام؛ لإتعابها، فإتعاب نفسه أولى، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً﴾ [الأنفال: ٤٧] يدل عليه.
فإن قيل: لا نسلم أن القصر رخصة، بل هو عزيمة، ويدل عليه ما رواه مسلم، عن ابن عباس قال: فرض الله [الصلاة] على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين ركعتين.
стр. 1663
وروى البخاري ومسلم عن عائشة أنها قالت: رأفرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر" والأربع في الحضر عزيمة؛ فوجب أن تكون الركعتان فى السفر كذلك، [وإن كان كذلك فلا] يختلف الحكم بين أن يكون السفر طاعة أو معصية.
قلنا: سنبين أنه ليس بعزيمة.
وقد شمل قول الشيخ: "في غير معصية":
الأسفار الواجبة: كالسفر للحج، والعمرة، والجهاد، ودفع البغاة، والهجرة، ونحو ذلك.
والأسفار المندوبة: كالسفر لحج التطوع، ولطلب العلم، [ولزيارة قبر النبي ﷺ ، أو للصلاة في مسجده، أو في المسجد الأقصى] ولزيارة الوالدين، أو أحدهما.
والأسفار المباحة: كالسفر للتجارة، والنزهة، [ونحو ذلك]، كما حكاه العراقيون، والبغوي، وهذا هو المشهور.
وعن صاحب "التلخيص" أنه قال: [إنما] يقصر المسافر في سفر الطاعة.
وقال الإمام: وهذا يدل على أنه لا تثبت رخص السفر [في] السفر المباح.
وقد اتفق الأصحاب على أن كون السفر طاعة ليس بشرط، بل الشرط ألا يكون معصية؛ فإذا كان ما ذكره زللاً في اللفظ من جهة أن اللسان يبتدر إلى مقابلة المعصية بالطاعة ازدواجاً فهو سهل، وإن كان ذلك عن قصد، فهو خطأ بالاتفاق. وعن الشيخ أبي محمد: من الأغراض الفاسدة طوف الصوفية لرؤية البلاد فقط.
стр. 1664
وكلام الشيخ يفهم أنه لا فرق في جواز القصر في السفر [الذي] ليس بمعصية بين أن يوجد [فيه] معصية، أو لا؛ إذ المستثنى سفر المعصية، لا السفر الذي تقع فيه المعصية، وهو كذلك؛ لأن المعصية لم تكن في السبب المرخص.
نعم: لو نوى في أثناء السفر الذي يقصر في مثله قلبه إلى سفر هو معصية، مثل: أن خرج قاصداً التجارة، فعن له إتمامه لقطع الطريق ونحوه، فهل يمتنع عليه إذ ذاك القصر، أو يستدام نظراً إلى ابتداء قصده؟ قال الماوردي: لا نص للشافعي ﵁[فيها، ولأصحابنا] فيها وجهان، حكاهما البندنيجي والفوراني والبغوي وغيرهم:
أحدهما - وهو قول الداركي وغيره-: لا يجوز له القصر؛ [كالمنشئ السفر لذلك]، وهذا ما ادعى البندنيجي أنه الأصح؛ وتبعه الروياني في "تلخيصه" في ذلك.
والثاني: أنه يجوز [له] القصر؛ لأن الذي جلب له هذه الرخصة إحداث السفر، بإحداثه لم يكن معصية؛ وهذا قول عامة الأصحاب، والأصح في "الإبانة".
وادعى الإمام ﵁ أن الأول من تخريج ابن سريج؛ لأنه لو ترخص، لكان متبلغاً إلى معاصيه بالرخصة. قال: وهذا من اختياراته، وهو ظاهر القياس، وإن كان الأول ظاهر النص.
ولو انعكس الحال؛ فكان [ابتداء سفره] بقصد المعصية، ثم تاب [فى أثنائه؛ مثل: أن خرج في قطع الطريق، ونحوه، ثم تاب] واستمر على قصد قطع المسافة التي قصدها أولاً - فعن الشيخ أبي محمد أن ذلك بمنزلة [طرآن] قصد المعصية على سفر الطاعة، أي: في النظر إلى ابتداء القصد، أو إلى ما طرأ عليه، وحينئذ قال الإمام: فالذي يقتضيه قياس النص أن الحكم للقصد الأول.
стр. 1665
وأما ابن سريج فإنه يتبع [موجب] قصده الطارئ.
قال في "الوسيط": وهذا أوضح، وبه قطع بعض المصنفين والبغوي، والرويانى في "تلخيصه".
وعلى هذا: إن كان في مقصده بعد توبته مسافة القصر جاز له القصر، وإلا فلا.
وهذا هو الموافق لما حكيناه [عن] القاضي الحسين والبغوي، فيما إذا سافر من لزمه فرض الجمعة بعد الزوال؛ لأنه لا يترخص ما لم تفته الجمعة، ثم من حينئذ يكون ايتداء سفره.
وقال الإمام: لا سبيل إلى القطع [به]؛ لأن طرآن الطاعة على المعصية كطرآن المعصية على الطاعة.
ويقرب من الخلاف [فى المسألة الخلاف] في مسألتين:
إحداهما: أن من خرج رابطاً قصده بمسافة القصر، ثم نوى بعد خروجه أنه مهما لقي فلاناً في طريقه، انصرف، وإن لم يلقه تمادى إلى مقصده الأول- فهذه النية لو كانت موجودة في ابتداء السفر، لم يقصر؛ كما ستعرفه، لكنها في هذه الحالة هل تؤثر في قطع السفر؟
قال الإمام: ظاهر المذهب: لا. وهو ما أورده القاضي الحسين لا غير.
نعم: إذا لقي فلاناً، خرج عن كونه مسافراً، وحكمه إذ ذاك حكم المقيم.
ومن أصحابنا من قال: [إن] ما طرأ من نيته يمنعه من الترخص [كما] [لو وجد] ذلك في الابتداء، وهو ما حكاه مجلي عن العراقيين.
والثانية: إذا خرج من بلده رابطاً قصده بمسافة القصر، ثم بعد خروجه بدا له أن يقيم ببلدة في وسط الطريق أربعة أيام فأكثر، ولبس بينها وبين مخرجه [أولاً مسافة القصر - فهذه النية الطارئة قبل وصوله إلى البلدة التي نوى المقام بها هل تمنعه من الترخص كما لو قصد ذلك ابتداء، أو لا؟
стр. 1666
الذي نص عليه الشافعي: الثاني وهو ما حكاه القاضي الحسين لا غير، نعم إذا وصل إلى تلك البلدة]، وقصد الإقامة، بطل الآن السفر.
وعن بعض أصحابنا وجه آخر: أنه يمتنع عليه الترخص بمجرد نية الإقامة في تلك البلدة، وقبل وصوله إليها، وهذا ما ادعى في "التتمة" أنه المذهب.
و [احترز الشيخ] بقوله: "سفراً يبلغ [مسيرة] ثمانية وأربعين ميلاً بالهاشمي" عن أمرين:
أحدهما: السفر الذي [لا] يبلغ مسيرة ذلك؛ فإنه لا يقصر عندنا فيه، آمناً كان أو خائفاً، وإن كان عموم ما ذكرناه من الآية والخبر يقتضي أنه يقصر [فيه]، ووجهه: ما روي عن ابن عباس أنه قال: "يأهل مكة، لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان"، وفي رواية: "من عسفان إلى مكة"، قال الخطابي: وهذا هو أصح الروايتين عن ابن عباس، ومثل ذلك لا يكون إلا عن توقيف.
وقد قيل: إن ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ وهو ما ذكره القاضي الحسين، وكذا أبو الطيب، ولفظه: روى أبو بكر بن محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه الذي سماه بـ"مختصر المختصر"، والدارقطني في "سننه" بإسنادهما، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "يأهل مكة، لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان".
وقد ذكر الماوردي الموقوف والمرفوع، ثم قال: إن مذهبنا أن الخبر إذا ورد موقوفاً
стр. 1667
ومسنداً- حمل الموقوف على أنه مذهب الراوي، والمسند على أنه قول الرسول ﷺ .
فإذا [ثبت ذلك] كان [ذلك] مخصصاً لما دل عليه عموم الآية، وأنه لا يجوز القصر في أقل من أربعة برد.
والبريد على المشهور: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال بالهاشمي، ومجموع ذلك ثمانية وأربعون ميلاً بالهاشمي؛ كما ذكره الشيخ.
والميل- بكسر الميم-: اسم لمسافة معلومة، قال الأزهري: الميل- عند العرب-: ما اتسع من الأرض؛ حتى لا يكاد بصر الرجل يلحق آخره.
والميل الهاشمي: منسوب إلى هاشم بن عبد مناف بن قصي، جد النبي ﷺ فإنه الذي قدر أميال البادية، وبردها، وهو بالخطا أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ثلاثة أقدام؛ فذلك [اثنا عشر ألف] قدم، وهو بالأذرع ستة آلاف ذراع، [كل ذراع] أربعة وعشرون أصبعاً معترضات، والأصبع: ست شعيرات معتدلات [معترضات]، وإذا قدرت جميع المسافة بالسير، كانت مسيرة ليليتين فقط [لا] يوم بينهما، [سير الثقل ودبيب الأقدام في العادة، أو مسيرة يومين لا ليلة بينهما]، أو مسيرة يوم وليلة على الولاء؛ لأن الغالب أن يقطع في كل ليلة ويوم ثمانية فراسخ.
والمعنى في جواز القصر في هذه المسألة: أنه يلحق المسافر فيها مشقة
стр. 1668
الشد والترحال والحط؛ كما [يلحقه فيما] جاوزها، ولا يلحقه ذلك فيما دونها، [فلم يلق به شرعية الترخيص، هذا مذهبنا المشهور.
ولفظ الشافعي الذي حكاه البويطي في ضبط المسافة كلفظ الشيخ، وقد حكى عن نصه في "الأم" و"الإملاء": أن مسافة القصر ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي، وهو الذي ذكره في المختصر.
وقال [في القديم]: يقصر إذا جاوز أربعين ميلاً.
وقال في موضع آخر: أربعة برد.
وقال في موضع آخر: مسيرة ليلتين قاصدتين حمل الأثقال، ودبيب الأقدام.
وقال في موضع آخر: مسيرة يوم وليلة].
واتفق الأصحاب كافة على أن المسألة على قول واحد، وأقواله وإن اختلفت [ألفاظها] فمعانيها متفقة، لكن ما هو ذلك [القول] الذي حكاه الجمهور؟ [إنه ما] ذكره الشيخ، وهو في "الأم" و"الإملاء" أسقط الميل الأول والأخير، وفي القديم أبهم المسافة التي فوق الأربعين، ولكن فسرها في غيره؛ فرجع إليه؛ كذا قاله البندنيجي وغيره.
وقال الماوردي في تأويله: إنه أراد أميال بني أمية، وهي تبلغ ثمانية وأربعين ميلاً بالهاشمي؛ كما قال الرافعي.
وقوله: "إنها مسيرة [ليلتين"] أراد بذلك: إذا سار في الليل، دون النهار؛ لأن الغالب أنه يقطع في كل ليلة ثمانية فراسخ.
وقوله: "يوم وليلة" أراد: إذا [اتصل سير الليل] باليوم.
وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إن ذلك القول المتفق عليه: أنها ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي؛ [لقول ابن عباس: أقصر إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف، وأقرب ذلك، إلى مكة –كما قال الشافعي- ستة وأربعون ميلاً، بالهاشمي].
стр. 1669
قال: وكل ثلاثة [أميال] منها فرسخ، ومجموعها: خمسة عشر فرسخاً، وثلث فرسخ، إلا أن الأصحاب قدروه بستة عشر فرسخاً؛ للاحتياط.
وحيث قال: "ثمانية وأربعون ميلاً"، عد الميل الذي يرتحل منه، والميل الذي يرتحل إليه.
وحيث قال: "إذا جاوز الأربعين قصر" هو مطلق، وما ذكرناه مقيد؛ فحمل المطلق على المقيد.
وحيث قال: "أربعة برد"، أراد به: برد الحجاز، [وذلك] يكون بالبغال لكل بريد منها أربعة فراسخ.
وحيث قال: "مسيرة ليلتين قاصدتين، أو يوم وليلة"، أراد ما ذكرناه.
وبذلك يحصل في قدر المدة قولان يمكن أخذهما أيضاً مما قاله بعضهم: إن ما ذكره الشيخ من المسافة تحديد، أو تقريب؟
والأصح أنه تحديد، وبه جزم المتولي، وكذا ابن الصباغ في باب موقف الإمام والمأموم.
ومقابله ينسب إلى أبي إسحاق المروزي؛ فإنه قال- كما حكاه البندنيجي-: إنما اختلف قول الشافعي؛ لأنه على التقريب.
قال غيره: وعلى هذا لا يضر نقص الميل والميلين، وقد حكى الطبري في "عدته" [قولاً] عن رواية الشيخ أبي يعلى: أنه يجوز القصر في السفر القصير في الخوف، وحكاه المحاملي أيضاً.
والمذهب: الأول؛ لخبر ابن عباس.
قال الأصحاب: [وهو مخصص لما] اقتضاه عموم الآية، وناسخ لما ورد في "صحيح" مسلم، عن يحيى بن يزيد الهنائيّ قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؛ فقال: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ- الشك من شعبة- صلى ركعتين"، ولما روى من هذا النوع؛ لأن
стр. 1670
قول ابن عباس وقوله ﵇، إن كان قد صح إسناده: [لا تقصروا"]، دليل على أنهم كانوا يقصرون في أقل من ذلك.
ثم ترك الأئمة العمل بذلك دليل نسخها.
ثم هي وقائع عين يتطرق إليها احتمال أنه كان قد قصد فوق ما ظنه الراوي، ولم يكمل [ما وقع] عليه القصد، وذلك ليس بشرط [في إباحة رخص] السفر، وبه صرح المتولي وغيره.
وأيضاً فيحتمل أن يكون مراد [الراوي: [أنه ﵇] ابتدأ بالقصر عند هذا القدر من سفره بحضور الصلاة في] ذلك الوقت، وقد قال أنس: "صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، و [العصر] بذي الحليفة ركعتين"، أخرجه أبو داود، والترمذي.
ثم المفهوم من لفظ "السفر": الذي يبلغ مسيرة ما ذكرناه للمضي ذهاباً وإياباً؛ فلو كان كل من الذهاب والإياب لا يبلغ ذلك، ومجموعهما يبلغه لم يبح القصر.
وفيه وجه: أنه يبيحه، وليس بشيء.
الثاني: إذا لم يعلم مدى سفره، هل يبلغ ذلك، أم لا؟ فإنه لا قصر؛ لعدم تحقق الشرط، وذلك يفرض في صور:
إحداها: [الهائم، لا يقصر؛ حكاه ابن الصباغ وغيره.
стр. 1671
وعن صاحب "البيان" رواية وجهين فيه؛ بناء على ما] لو سلك الطريق الأبعد لغير غرض.
قال الرافعي: ولعل هذا بعد أن يسير مسافة القصر، وقال: إنه لو استقبل برية، واضطر إلى قطعها، أو ربط قصده بقصد معلوم، بعد ما هام على وجهه أياماً- فهو منشئ للسر من حينئذ.
قلت: ولا يبعد أن يأتي فيه وجه؛ أخذاً مما مما ذكرناه في سفر المعصية إذا تاب فيه؛ نظراً إلى ابتداء السفر، ويمكن الفرق.
الثانية: الخارج في طلب عبد له قد أبق، أو غيرم له [قد] هرب، ولم يعرف موضعه، وعزمه أنه متى وجده، رجع - فإنه لا يقصر وإن طال، إلا أن يكون في ابتداء سفره قد علم أنه لا يلقاه قبل مرحلتين؛ فله القصر.
وقد اقتضى كلام الرافعي فيما إذا لم يعلم ذلك قبل ابتداء السفر، وطال أنه يترخص حينئذٍ على وجه؛ لأنه جعله كالهائم، وقد تقدم في الهائم وجهان عند طول السفر، وله أيضاً، نظير يأتي.
وعلى كل حال إذا وجد مطلوبه، وعزم على الرجوع إلى بلده، وبينه وبينها مسافة القصر يترخص إذا ارتحل عن ذلك الموضع.
الثالثة: العبد إذا سافر مع سيده، والزوجة مع زوجها، والجندي مع الأمير، ولا يدري أين مقصده- ليس له القصر، [وإن تعدى مسافة] القصر؛ لما ذكرناه.
قال الأصحاب: ولا أثر لقصد العبد والمرأة مسافة القصر؛ لأنهما مقهوران، وقصد الجندي معتبر؛ لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره.
الرابعة: الأسير في يد العدو إذا ساقوه معهم لا يقصر؛ لما ذكرناه، ولكن قال الأصحاب: إنه إذا سافر ستة عشر فرسخاً، قصر؛ لأنه علم طول المسافة، وهو ما حكاه في "التتمة" [عن النص]، ثم قال: [و] قياس ما ذكرناه في الآبق أنه لا
стр. 1672
يترخص؛ لأن القصد في الابتداء ما وجد. فتكون المسألة على قولين.
ونظيره ما لو باع مال أبيه على تقدير أنه حي، وكذلك في الحج، [لو كان عنده أن مرضه مما يرجى زواله، فاستنابه في الحج]، ثم بان أنه كان ميئوساً من الزوال: هل يصح حجه، أو لا؟
نعم: لو علم أولاً: أنهم يحملونه إلى بلد بعيد؛ فإن نوى الهرب إذا قدر، أو الرجوع متى أطلقوه- لم يقصر، وإن قصد البلد أو بلداً غيره على مسافة القصر، [قصر].
قال في "التتمة": والعبد والزوجة إذا خرجا مع السيد أو الزوج، وعلما مقصده، وكان على مسافة القصر- كالأسير في القصر وعدمه.
الخامسة: إذا كان من السيارة يتبع مواقع القطر فيحله، وإذا شام [برقا]، انتجعه- لم يقصر، وإن طال مسيره؛ لما ذكرناه.
ومعنى "شام": أي [أبصر]، والانتجاع: طلب الكلأ.
[ثم] في هذا القيد تنبيه على أن سفر البحر إذا بلغ مسيره في البر ذلك- جاز القصر فيه، وإن قطع تلك المسافة في ساعة، وعليه نص في "الأم"؛ كما قاله أبو الطيب.
ولا فرق في المسافر فيه في جواز القصر له إذا بلغ سيره ذلك بين أن يكون ملاحاً أهله وماله معه في السفينة دائماً، أو لا.
وفي "زوائد" العمراني أن صاحب "الفروع" حكى في جواز القصر للملاح إذا كان أهله وماله معه وجهين.
و [احترز الشيخ] بقوله: "الظهر والعصر والعشاء" عن المغرب والصبح؛ فإنه [لا قصر] فيهما بإجماع أهل العلم؛ كما قاله ابن المنذر.
стр. 1673
[وروي] عن عائشة- ﵂ أنها قالت: "فرض الله [الصلاة] على [لسان] نبيكم ﷺ بمكة ركعتين ركعتين إلا [صلاة] المغرب، [فلما هاجر إلى المدينة واتخذها دار هجرة زاد إلى كل ركعتين ركعتين إلا صلاة] الغداة؛ لطول القراءة فيها، وإلا صلاة الجمعة؛ للخطبة، وإلا صلاة المغرب؛ فإنها وتر النهار، افترضها الله على عباده؛ فلما سافر صلى الصلاة التي كان افترضها عليه".
ولأن الصبح لو قصرت لم تكن شفعاً، والمغرب لا يمكن قصرها إلى شطرها، ولا أن تكمل الثانية؛ فلا تكون وتراً، ولا الاقتصار على ركعة منها [فيسقط] أكثر من شطرها؛ فتخرج عن باقي الصلوات.
[وقد أفهم قوله: "فله أن يصلي الظهر والعصر والعشاء ركعتين ركعتين": أنه لا يجب القصر]، وهو عندنا كذلك بلا خلاف؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ [فدل] على جواز تركه؛ لأنه لا يستعمل رفع الجناح إلا في المباح دون الواجب؛ كذا قاله الرافعي؛ واستشهد بقوله تعالى: [﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقوله:] ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَاكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ [النور: ٦١]، وقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] من ذلك أيضاً؛ لأن الآية نزلت على سبب، وهو أن الجاهلية كان لها على الصفا صنم يقال له: إساف، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة،
стр. 1674
قيل: إنهما كانا آدميين؛ فسخط عليهما، ويعزى ذلك إلى قول ابن عباس: كانت الجاهلية يطوفون حول الصفا والمروة؛ تقرباً إلى الصنم؛ فظن المسلمون أن السعي بين الصفا والمروة غير جائز؛ فنزلت الآية.
والفرق: أن الجاهلية كانوا يفعلون ذلك؛ تقرباً للصنم، ونحن نفعله تقرباً إلى الله تعالى.
وكان السعي الذي ورد في الآية مباحاً وغير واجب؛ لأن السعي الواجب بينهما، والآية واردة [في السعي] بهما.
ولأن الآية، وإن تضمنت السعي بينهما؛ فهو [حين نزلت] لم يكن واجباً؛ لأنها نزلت [في أول الإسلام قبل وجوب] الحج والعمرة، ألا ترى إلى قول عروة: "إني أرى أن لا جناح عليّ إذا لم [أطف بهما"]، وقول عائشة- ﵂ له: "بئس من قلت؛ إنما كان ذلك في أول الإسلام، ثم سنه النبي ﷺ ".
وقيل: إنها نزلت حين كان العرب يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج [من أفجر الفجور، وثبت جواز العمرة في أشهر الحج].
стр. 1675
وأيضاً: فالسنة دلت على جواز الإتمام؛ روى أبو داود عن عائشة أنها قالت: خرجت مع رسول الله ﷺ في عمرة رمضان؛ فأفطر وصمت، وقصر وأتممت؛ فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي! أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت؟ فقال: "أحسنت".
وروى الدارقطني عنها- ﵂ أن النبي ﷺ كان يصر الصلاة وتتم ويفطر وتصوم. قال: وهذا إسناد صحيح.
ورأيت في كلام بعضهم: أن البخاري ومسلماً رويا عنها أنها كانت تتم الصلاة.
فإن قيل: خبر ابن عباس السابق، وعائشة يدل على أن القصر عزيمة، لا يجوز تركه، وكذلك [قال به] أبو حنيفة وغيره، وهو قول جمع من الصحابة.
стр. 1676
قلنا: ما ذكرناه من فعله- ﵇ وقوله لعائشة يرد على ذلك.
[و] لأن القصر لو كان عزيمة، لما وجب الإتمام إذا اقتدى المسافر بالمقيم؛ كما لا يلزمه إذا صلى الصبح خلف من يصلي الظهر، أن يكمل الصلاة أربعاً، كذا قاله الشافعي في "الأم"، وعليه يحمل ما ذكره في "المختصر".
وقول عائشة السابق يحتمل أن يكون مرادها به أن الذي يخاطب به المسافر إذا أراد القصر الركعتان؛ فإنه لو اقتصر عليهما، كانتا فرضه.
قال: إذا فارق بنيان البلد؛ لأن بوصوله إلى بنيان البلد يقع انتهاء سفره إجماعاً منا ومن الخصم؛ فوجب أن يقع ابتداؤه من طريق الأولى؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
ثم المراد ببنيان البلد الذي يشترط مفارقته: السور إن كان البلد مسوراً، وإن لم يكن مسوراً فما يمكن سكنه منه من الجهة التي يريد المسافر مجاوزتها، أما ما لا يمكن سكنه – لسقوطه جدرانه – فلا يشترط مجاوزته؛ صرح به البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين.
وقد أبدى الغزالي تردداً في اشتراط مفارقة الخراب الذي بقيت [آثار العمارة فيه].
والمذكور منه في "تعليق" القاضي الحسين أنه لابد من مجاوزته، وهو ما حكاه الإمام عن شيخه، وقال: الذي أشعر به فحوى كلام الصيدلاني وكلام [بعض] المصنفين مقابله، وهو: أن مجاوزة العمران كاف، والخراب لا حكم له.
قال: وظاهر النص دال على ذلك؛ لأنه قال: فلا يقصر حتى يفارق المنزل. [و] اسم [المنازل] يختص بالعامر الذي يمكن أن يسكن.
وهذا يظهر تعليله بأن المسافر هو النازل من مكان الإقامة، والخراب ليس
стр. 1677
مكان إقامة، ولكن شرط ذلك ألا يكون وراء الخراب عمارة معدودة من البلد، وإن كانت، فلا شك أن الخراب من البلد، ولابد من مجاوزته منتهى العمارة.
وقد وافق الشيخ أبو محمد على أن الخراب إذا اتخذه الناس مزارع لا يشترط مجاوزته، وكذا لو سوروا على العامر سوراً، وجعلوا الخراب وراءه، وكان يقول: لو حوطوا على العامر، وحوطوا سوراً آخر على الخراب؛ فلابد من مجاوزة السورين.
ولو اندرس الخراب بالكلية، ولم يبق له أثر؛ فلا يشترط مجاوزته اتفاقاً.
ولو اتخذ من الخراب بساتين، وكانت منازل ودوراً، فإن كان ملاكها لا يسكنونها، ولا يخرجون إليها إلا متنزهين، أو لنقل الثمار – فلا تعتبر مفارقتها أيضاً.
وإن كان ملاكها يسكنونها فهي من البلدة، وكذا إن كان ملاكها يأوون إليها في بعض الفصول، وهي محل نزهة من البلد؛ فلابد من مجاوزتها.
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً:
أحدها: أن النهر العظيم في وسط البلدة لا يكفي قطعه إلى الجانب الآخر: كنهر بغداد، وهو ما ذكره أبو الطيب، وغيره؛ فإنه لا يعد فصلاً؛ فإنه لمنافع الجانبين.
وفيه وجه [آخر]: أنه يُعد فصلاً، [و] سنذكره في باب: صلاة الجمعة.
الثاني: أنه لا يشترط مفارقة الخندق المحيط بالبلد.
وفي "الجبيلي" أنه لابد من مجاوزته، وعليه يدل كلام غيره أنه إذا كان بباب البلد قنطرة، فلابد من مجاوزتها.
الثالث: أنه لا يشترط مجاوزة البساتين خارج البلد، وقد صرح به ابن الصباغ، وإن كانت متصلة ببنيان البلد في طرفها؛ لأنها ليست مبنية للسكن.
نعم: لو كان في البساتين قصور، أو دور يسكنها ملاكها في جميع السنة، أو في بعض فصولها- فلابد من مجاوزتها؛ صرح به الرافعي وغيره، وهذا إذا لم يكن البلد مسوراً.
стр. 1678
فإن كانت البساتين خارج السور، فلا يشترط مجاوزتها، وصرح به أبو الطيب وغيره؛ موجهين ذلك بأن حيطان البلد جعلت لحراسة ثمارها دون السكنى.
وقضية هذه العلة: أنه لو كان بها منازل تصلح للسكنى: أنه يشترط مفارقتها؛ كما ذكرناه في البلد الذي ليس بمسور، ولم أر أحداً من الأصحاب قال به، وهكذا نصه؛ فإنه إذا كان بجوار السور من خارج دور يمكن الإقامة فيها يشترط أن يجاوزها، وهذا صرح به المتولي؛ حيث قال: من سافر من بلد عليها سور؛ فلابد أن يخرج من السور، وإن كان على بابها نهر فيعبر النهر.
وإن كان حولها رياض ومنازل متفرقة، فحتى يفارقها، ونسب الرافعي ذلك لبعض تعاليق المَرْوَرُّوذيين.
قلت: ويجري هذا في الصورة قبلها من طريق الأولى، والذي [دل] عليه كلام الغزالي، وكثير من الأئمة- كما قال الرافعي-: أنه لا يشترط مفارقة ذلك.
ثم اعلم أنا حيث لم نشترط مجاوزة البساتين الخارجة عن البلد، فالمزارع بذلك أولى.
وفي "التتمة" حكاية وجه عن القاضي: أنه يشترط مجاوزة البساتين والمزارع التي حول البلد المضافة إليها؛ لأن العادة أن يتردد [أهل البلد إلى هذه] البقاع على زيهم وهيئتهم؛ فيعتبر الحصول في موضع يقصد بغير الزي والهيئة عند قصد الخروج إليه؛ حتى يجعل مخالفاً للمقيمين.
الرابع: أنه لا يشترط مفارقة المقابر المتصلة بالبلد، وهو الذي يقتضيه إطلاق الجمهور.
стр. 1679
وقال الرافعي: إنه رأى في بعض التعاليق المروروذية: اشتراط مجاوزتها.
فرع: القرية- فيما ذكرناه عند العراقيين - كالبلد الذي لا سور له؛ صرح به المحاملي وغيره.
وفي "الوسيط": أنه لابد من مفارقة بساتين القرية ومزارعها المحوطة، وما ذكره في البساتين هو الذي ذكره القاضي الحسين والإمام، إذا كانت بقرب العمران؛ لأنها معدودة من القرى، بخلاف بساتين البلد.
[قال القاضي]: وكذا يشترط فيها مفارقة المقابر، وبه جزم في "التهذيب".
وما ذكره الغزالي في المزارع لم ينقله الإمام، بل ادعى أنه لا يشترط مفارقة المزارع اتفاقاً، ولم أقف في كلام غيره على ما يخالفه.
نعم: قال: لو كانت بساتينها غير محوطة [على هيئة] المزارع أو مزارعها محوطة؛ فلا يشترط - عندي- مجاوزتها، وقد يتردد الناظر في ذلك، والوجه -عندي -: القطع بما ذكرته.
ولو كانت قريتان متجاورتين، فلا يشترط مجاوزتهما؛ إن كان بينهما فرجة، [ولو اتصل] بناؤهما؛ فلابد من مجاوزتهما؛ كذا جزم به أبو الطيب، وغيره، وهو في الثانية المنصوص؛ لأنهما في الصورة كالبلد الواحد.
وقال أبو العباس: إذا قرب ما بينهما كانتا في حكم المتصلتي البناء؛ لأن أهل كل قرية يترددون إلى الأخرى من غير تغيير زي، فكانتا كالقرية الواحدة.
قال الإمام: فعلى هذا: فلعل الوجه في القرب أن يكون مثل ما يقع بين محلتين متواليتين في بلدة.
وأبعد من قول ابن سريج قول من قال من أصحابنا: إنه يجوز القصر عند مجاوزته بناء قريته، وإن اتصلت أبنيتهما؛ كما ستعرفه في باب صلاة الجمعة.
وادعى في "الوسيط" هنا أنه القياس [من أجل] قول الإمام: إن للاحتمال فيه مجالاً [بيناً].
стр. 1680
والفرق بين ما نحن فيه والمحال في البلدة أن المحال تعزى إلى بلدة، وخطتها شاملة لها، وها هنا القرية منفصلة عن القرية باسمها وحدودها؛ والدليل عليه: أنا لو فرضنا قرى كثيرة متصلة تمتد خطتها مراحل؛ فيلزم على قياسهم ألا يستيبح الخارج من أقصاها الترخص ما لم يخرج عن جميعها، وهذا بعيد جدّاً، والمذهب الأول.
ولو جمع القرى المتفاصلة سور، فلا يشترط في القصر [في الواحدة منها] مجاوزة السور، وكذا لو قدر في بلدتين متقابلتين؛ صرح به الرافعي.
فرع: إذا لبث في ظاهر البلد في موضع لو كان فيه سائراً لقصر، ينتظر الرفقة؛ فهل له أن يقصر؟ نظر:
إن نوى أنهم [إن] لم يجتمعوا قبل أربعة أيام سافر، فله القصر مدة مقامه، وإن قصد الإقامة حتى يجتمعوا، ولم ينو ذلك، لم يقصر حتى يجتمعوا؛ قاله في "المهذب"، وغيره، ويحكى عن نصه في "البويطي".
قال: أو خيام قومه، أي: الذين يرحلون برحلته، أو يرحل برحلتهم؛ إن كان من أهل الخيام؛ لأن الخيام في حق أهلها كالدور في البلد.
وعن ابن سريج حكاية وجه: أنه يكفيه مفارقة خيمته خاصة.
والمذهب الأول.
وقد اقتضى كلام الشيخ أنه لا فرق في اشتراط مفارقة خيام قومه بين أن تكون مجتمعة أو متفرقة، وبه صرح في "الحاوي" إذا كان كل قوم [يتميزون بمحلة،] وحكاه الروياني في "تلخيصه" عن النص، وقل فيما إذا كانت الخيام غير متميزة، ولم تتميز البطون: فإن اتصلت؛ فلا بد من مفارقة جميعها؛ نص عليه في "الأم"، وإن تفرقت قصر، إذا فارق ما يقارب خيمته، وهذا ما أورده في "المهذب".
والمراد بالتفرق: أن يكون بحيث لا يستعير بعضهم من بعض في العادة؛
стр. 1681
صرح به في "الوسيط".
وقد اعتبر المراوزة مع مجاوزة الخيام مفارقة موضع مرتفقهم، مثل: مطرح الرماد، وملقى السماد، ومتحدثهم – وهو المسمى بالنادي- ومعاطن الإبل، ومجتمع البهائم، وملعب الصبيان، وإن نزلوا على ماء، أو محتطب، فلابد من مجاوزته، إلا أن يتسع بحيث لا يختص بالنازلين، وهذا إذا كانت الخيام في مستو من الأرض، فلو كانت في واد، فقد قال في "الأم": "إن كان السفر في طوله؛ فلا يشترط الخروج من الوادي، وإن كان السفر في عرضه؛ فلابد من جدعه"، أي: قطعه.
قال الماوردي والقاضي أبو الطيب في تعليقه: وقد اختلف الأصحاب في تأويل قوله: "في العرض":
فمنهم من قال: أراد إذا كانت الخيام قد استوعبت جميع عرض الوادي، وأنه لا يصير خارجاً عن المحلة حتى يقطعه، ويصير في الجانب الآخر، أما إذا لم تستوعبه، فيكفيه مجاوزة الخيام؛ وهذا ما حكاه البندنيجي، والإمام والروياني في "تلخيصه".
ومنهم من قال: [إنما قال] هذا لأن عرض الوادي كالحائط للمحلة؛ لأنه يمنع الاستطراق إليهم، وقد ثبت أنه لا يجوز للقروي أن يقصر حتى يجاوز حائط البلد، كذلك لا يجوز للبدوي حتى يجاوز عرض الوادي؛ لأنه بمنزلة الحائط، وهذا [ما عزاه الماوردي إلى البصريين من أصحابنا، وكلام ابن الصباغ في حكاية ذلك] عن القاضي أبي الطيب يشعر بأن القاضي صار إلى ذلك من عند نفسه، وعليه جرى الرافعي.
وإن كان القوم على ربوة؛ فلا بد من الهبوط منها، ولو كان الشخص لا خيمة له، بل يأوي إلى بقعة من البر، فلابد من مجاوزة ذلك [الموضع]؛ نص عليه.
ولو كان سفره في البحر [و] الساحل متصل بالبلد، قال في "التهذيب": فلا
стр. 1682
يقصر حتى يركب السفينة، وتجري، ولو كانت السفينة كبيرة لا تتصل بالساحل، وينقل المتاع بالزوارق؛ فله أن يقصر في الزورق.
وقد ظهر [لك] مما ذكرناه أن الشيخ احترز بقوله: "إذا فارق بنيان البلد، أو خيام قومه" عن أمرين:
أحدهما: ما إذا نوى السفر، ولم يفارق ذلك.
والثاني: ما إذا فارق منزله، ولم يفارق ذلك.
وقد قال بجواز القصر في كل من الحالين بعض العلماء، وممن نسب إليه الجواز في الحالة الأولى الإمام مالك؛ كما حكاه الروياني في "تلخيصه"، والماوردي نسبه إلى عطاء، والأسود، والحارث بن [أبي] ربيعة، وقال: إنهم قالوا: لما صار مقيماً بمجرد النية، [من غير فعل، [وجب أن] يصير مسافراً بمجرد النية].
وفي "الحاوي": أنه لا فرق بينهما؛ فإن الإقامة [إنما تحصل إذا اقترنت بفعل، وهو المكث في المكان، حتى لو نوى الإقامة] وهو ماش، أو سائر، أو راكب في سفينة- كانت نيته لغواً، وجاز له القصر حتى ينوي الإقامة مع اليث، وهو ما حكاه البندنيجي أيضاً، والبغوي وشيخه.
وغيرهم فرقوا بأن الأصل في الإنسان الإقامة؛ ولذلك عاد إليها بمجرد النية، والسفر عارض لا يثبت حكمه إلا بوجود فعل السفر، ونظيره مال القنية لا يصير للتجارة بالنية حتى ينضم إليها التصرف، وينقطع حكم التجارة بمجرد نية القنية؛ لأنها الأصل.
تنبيه: الخيام- بكسر الخاء- جمع "خيم" بفتح الخاء، وإسكان الياء؛ ككلب وكلاب، وواحد "الخيم": خيمة؛ كتمر وتمرة؛ حكاه الواحدي.
وقال أهل اللغة: لا تكون الخيمة من ثياب، وصوف، ووبر، وشعر، ولا تكون إلا من أربعة أعواد، ثم تسقف بالثُّمام، وإنما يسمى المتخذ من صوف، ووبر، وشعر: خباء، وهذا مراده المصنف، ولكنه مجاز.
стр. 1683
قال: والأفضل ألا يقصر إلا في سفر يبلغ مسيرة ثلاثة أيام؛ لأن أبا حنيفة، والحسن بن صالح [و] الثوري، وعبد الله بن مسعود [وسويد] بن غفلة قالوا: لا يجوز القصر في أقل من ذلك؛ لقوله ﵇: "يمسح المسافر على خفة ثلاثة أيام" ولا يمكن [للمسافر أن يمسح] ذلك إلا إن كان سفره ثلاثة أيام.
وقوله ﵇: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم لها".
ولأن الثلاثة أقل الكثير، وأكثر القليل، ولا يجوز له القصر في قليل السفر؛ فوجب أن يكون أقل الكثير، وهو ثلاثة حدّاً له؛ فاستحب الشافعي ألا يقصر المرء في أقل من هذه المدة؛ للخروج من خلافهم، ولفظه المحكي في "المختصر": "فأما أنا فأحب ألا [أقصر في] أقل من ثلاثة أيام؛ احتياطاً على نفسي".
قال القاضي أبو الطيب: وهذا كقوله: "إذا مرض الإمام، فإنه يصلي قاعداً، والناس قياماً خلفه، والأفضل له أن يستخلف من يصلي بهم حتى يخرج من الخلاف"، [وكقوله: "إذا حلف، فالأفضل ألا يكفر بالمال إلا بعد الحنث [حتى يخرج] من الخلاف"،] ومثله قوله في الزكاة، بعد أن بين مذهبه في أن
стр. 1684
الواجب في المعدن يختص بالذهب [و] الفضة، ولا يزيد على ربع العشر، وفي الركاز [يخمس الذهب والفضة]-: "ولو كنت أنا الواجد، لخمست القليل والكثير، والذهب والفضة وغيرهما، ولو فخارة".
وإنما لم يشترط الشافعي مجاوزة الثلاث؛ لما تقدم من الأدلة.
قال القاضي الحسين: ولأن ما اعتبرناه لا يتفاوت في البر والبحر، كان الطريق سهلاً أو حزناً، وكان أولى مما اعتبروه؛ لأن ذلك يختلف بالصعود والهبوط والخشونة؛ فلا يمكنه أن يسير معها [الشخص] أكثر من عشرة فراسخ، ومع السهولة يسير أكثر من ذلك، وكذا في سفر البحر.
والخبر الأول يمكن العمل به وإن كانت المسافة ما ذكرناه؛ بأن يقطعها الشخص في ثلاثة أيام، على أن المراد به: بيان مدة المسح لا بيان مدة السفر، ألا ترى إلى قوله فيه: "ويمسح المقيم يوماً وليلة"، وأقل الإقامة عندنا أربعة أيام، وعندهم خمسة عشر يوماً [وليلة؟!].
والخبر الثاني [قد] روي بألفاظ مختلفة: روي: "ثلاثة أيام"، وروي "يوماً وليلة"، [وروى: "ليلتين"،] وروي: "بريداً"، وإذا اختلفت ألفاظهم وجب التوقف [في العمل به] إلى أن نتبين الصحيح منها.
و [لأنه] إنما نص على الثلاث؛ لأن الغالب الخوف فيها.
وأما قولهم: إن الثلاثة أقل الكثير ... إلى آخره، فلا يصح؛ لأن الثلاثة تعتبر في الشرع بحكم ما دونها، [لا بحكم ما فوقها كشرط الخيار، وحد المقام، واستتابة المرتد؛ فاقتضى أن يعتبرها في السفر [بحكم ما] دونها]، ونحن كذلك نقول.
وقد اقتضى كلام جمع من الأئمة: أن أبا حنيفة يعتبر المسافة بالأيام، كماتقدم.
والماوردي وغيره حكوا عنه أنه اعتبرها بأربعة وعشرين فرسخاً،
стр. 1685
وحينئذٍ فيكون مراده بالأيام الثلاثة- على رأي الأولين- معظم النهار دون الليل؛ كما قلنا: إن الشافعي أطلق الليلتين، وأراد أن يكون بينهما نهار، لكن ما ذكر من الأدلة يقتضي اعتبار الثلاث ليلاً ونهاراً والله أعلمز
فرع: لو قصر المسافر فيما دون ذلك، كان مكروهاً، صرح به الماوردي في كتاب "الرضاع" في أثناء مسألة: هي وطء المخلوقة من ماء الزاني.
قال: فإذا بلغ سفره ذلك، كان القصر أفضل من الإتمام، لقوله- ﵇: "خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا".
ولأنه – ﵇ – كان يداوم على القصر، ولا يداوم إلا على الأفضل.
ولأن القصر متفق عليه، والإتمام مختلف فيه؛ فإن القائلين بأن القصر عزيمة لا يجوّزون الإتمام، ويقولون: إذا أتم ما يقصر فسد، وفعل ما يسقط الفرض بالاتفاق أولى.
следующие страницы →