← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

صرح به في "الوسيط". وقد اعتبر المراوزة مع مجاوزة الخيام مفارقة موضع مرتفقهم، مثل: مطرح الرماد، وملقى السماد، ومتحدثهم – وهو المسمى بالنادي- ومعاطن الإبل، ومجتمع البهائم، وملعب الصبيان، وإن نزلوا على ماء، أو محتطب، فلابد من مجاوزته، إلا أن يتسع بحيث لا يختص بالنازلين، وهذا إذا كانت الخيام في مستو من الأرض، فلو كانت في واد، فقد قال في "الأم": "إن كان السفر في طوله؛ فلا يشترط الخروج من الوادي، وإن كان السفر في عرضه؛ فلابد من جدعه"، أي: قطعه. قال الماوردي والقاضي أبو الطيب في تعليقه: وقد اختلف الأصحاب في تأويل قوله: "في العرض": فمنهم من قال: أراد إذا كانت الخيام قد استوعبت جميع عرض الوادي، وأنه لا يصير خارجاً عن المحلة حتى يقطعه، ويصير في الجانب الآخر، أما إذا لم تستوعبه، فيكفيه مجاوزة الخيام؛ وهذا ما حكاه البندنيجي، والإمام والروياني في "تلخيصه". ومنهم من قال: [إنما قال] هذا لأن عرض الوادي كالحائط للمحلة؛ لأنه يمنع الاستطراق إليهم، وقد ثبت أنه لا يجوز للقروي أن يقصر حتى يجاوز حائط البلد، كذلك لا يجوز للبدوي حتى يجاوز عرض الوادي؛ لأنه بمنزلة الحائط، وهذا [ما عزاه الماوردي إلى البصريين من أصحابنا، وكلام ابن الصباغ في حكاية ذلك] عن القاضي أبي الطيب يشعر بأن القاضي صار إلى ذلك من عند نفسه، وعليه جرى الرافعي. وإن كان القوم على ربوة؛ فلا بد من الهبوط منها، ولو كان الشخص لا خيمة له، بل يأوي إلى بقعة من البر، فلابد من مجاوزة ذلك [الموضع]؛ نص عليه. ولو كان سفره في البحر [و] الساحل متصل بالبلد، قال في "التهذيب": فلا

стр. 1682

يقصر حتى يركب السفينة، وتجري، ولو كانت السفينة كبيرة لا تتصل بالساحل، وينقل المتاع بالزوارق؛ فله أن يقصر في الزورق. وقد ظهر [لك] مما ذكرناه أن الشيخ احترز بقوله: "إذا فارق بنيان البلد، أو خيام قومه" عن أمرين: أحدهما: ما إذا نوى السفر، ولم يفارق ذلك. والثاني: ما إذا فارق منزله، ولم يفارق ذلك. وقد قال بجواز القصر في كل من الحالين بعض العلماء، وممن نسب إليه الجواز في الحالة الأولى الإمام مالك؛ كما حكاه الروياني في "تلخيصه"، والماوردي نسبه إلى عطاء، والأسود، والحارث بن [أبي] ربيعة، وقال: إنهم قالوا: لما صار مقيماً بمجرد النية، [من غير فعل، [وجب أن] يصير مسافراً بمجرد النية]. وفي "الحاوي": أنه لا فرق بينهما؛ فإن الإقامة [إنما تحصل إذا اقترنت بفعل، وهو المكث في المكان، حتى لو نوى الإقامة] وهو ماش، أو سائر، أو راكب في سفينة- كانت نيته لغواً، وجاز له القصر حتى ينوي الإقامة مع اليث، وهو ما حكاه البندنيجي أيضاً، والبغوي وشيخه. وغيرهم فرقوا بأن الأصل في الإنسان الإقامة؛ ولذلك عاد إليها بمجرد النية، والسفر عارض لا يثبت حكمه إلا بوجود فعل السفر، ونظيره مال القنية لا يصير للتجارة بالنية حتى ينضم إليها التصرف، وينقطع حكم التجارة بمجرد نية القنية؛ لأنها الأصل. تنبيه: الخيام- بكسر الخاء- جمع "خيم" بفتح الخاء، وإسكان الياء؛ ككلب وكلاب، وواحد "الخيم": خيمة؛ كتمر وتمرة؛ حكاه الواحدي. وقال أهل اللغة: لا تكون الخيمة من ثياب، وصوف، ووبر، وشعر، ولا تكون إلا من أربعة أعواد، ثم تسقف بالثُّمام، وإنما يسمى المتخذ من صوف، ووبر، وشعر: خباء، وهذا مراده المصنف، ولكنه مجاز.

стр. 1683

قال: والأفضل ألا يقصر إلا في سفر يبلغ مسيرة ثلاثة أيام؛ لأن أبا حنيفة، والحسن بن صالح [و] الثوري، وعبد الله بن مسعود [وسويد] بن غفلة قالوا: لا يجوز القصر في أقل من ذلك؛ لقوله ﵇: "يمسح المسافر على خفة ثلاثة أيام" ولا يمكن [للمسافر أن يمسح] ذلك إلا إن كان سفره ثلاثة أيام. وقوله ﵇: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم لها". ولأن الثلاثة أقل الكثير، وأكثر القليل، ولا يجوز له القصر في قليل السفر؛ فوجب أن يكون أقل الكثير، وهو ثلاثة حدّاً له؛ فاستحب الشافعي ألا يقصر المرء في أقل من هذه المدة؛ للخروج من خلافهم، ولفظه المحكي في "المختصر": "فأما أنا فأحب ألا [أقصر في] أقل من ثلاثة أيام؛ احتياطاً على نفسي". قال القاضي أبو الطيب: وهذا كقوله: "إذا مرض الإمام، فإنه يصلي قاعداً، والناس قياماً خلفه، والأفضل له أن يستخلف من يصلي بهم حتى يخرج من الخلاف"، [وكقوله: "إذا حلف، فالأفضل ألا يكفر بالمال إلا بعد الحنث [حتى يخرج] من الخلاف"،] ومثله قوله في الزكاة، بعد أن بين مذهبه في أن

стр. 1684

الواجب في المعدن يختص بالذهب [و] الفضة، ولا يزيد على ربع العشر، وفي الركاز [يخمس الذهب والفضة]-: "ولو كنت أنا الواجد، لخمست القليل والكثير، والذهب والفضة وغيرهما، ولو فخارة". وإنما لم يشترط الشافعي مجاوزة الثلاث؛ لما تقدم من الأدلة. قال القاضي الحسين: ولأن ما اعتبرناه لا يتفاوت في البر والبحر، كان الطريق سهلاً أو حزناً، وكان أولى مما اعتبروه؛ لأن ذلك يختلف بالصعود والهبوط والخشونة؛ فلا يمكنه أن يسير معها [الشخص] أكثر من عشرة فراسخ، ومع السهولة يسير أكثر من ذلك، وكذا في سفر البحر. والخبر الأول يمكن العمل به وإن كانت المسافة ما ذكرناه؛ بأن يقطعها الشخص في ثلاثة أيام، على أن المراد به: بيان مدة المسح لا بيان مدة السفر، ألا ترى إلى قوله فيه: "ويمسح المقيم يوماً وليلة"، وأقل الإقامة عندنا أربعة أيام، وعندهم خمسة عشر يوماً [وليلة؟!]. والخبر الثاني [قد] روي بألفاظ مختلفة: روي: "ثلاثة أيام"، وروي "يوماً وليلة"، [وروى: "ليلتين"،] وروي: "بريداً"، وإذا اختلفت ألفاظهم وجب التوقف [في العمل به] إلى أن نتبين الصحيح منها. و [لأنه] إنما نص على الثلاث؛ لأن الغالب الخوف فيها. وأما قولهم: إن الثلاثة أقل الكثير ... إلى آخره، فلا يصح؛ لأن الثلاثة تعتبر في الشرع بحكم ما دونها، [لا بحكم ما فوقها كشرط الخيار، وحد المقام، واستتابة المرتد؛ فاقتضى أن يعتبرها في السفر [بحكم ما] دونها]، ونحن كذلك نقول. وقد اقتضى كلام جمع من الأئمة: أن أبا حنيفة يعتبر المسافة بالأيام، كماتقدم. والماوردي وغيره حكوا عنه أنه اعتبرها بأربعة وعشرين فرسخاً،

стр. 1685

وحينئذٍ فيكون مراده بالأيام الثلاثة- على رأي الأولين- معظم النهار دون الليل؛ كما قلنا: إن الشافعي أطلق الليلتين، وأراد أن يكون بينهما نهار، لكن ما ذكر من الأدلة يقتضي اعتبار الثلاث ليلاً ونهاراً والله أعلمز فرع: لو قصر المسافر فيما دون ذلك، كان مكروهاً، صرح به الماوردي في كتاب "الرضاع" في أثناء مسألة: هي وطء المخلوقة من ماء الزاني. قال: فإذا بلغ سفره ذلك، كان القصر أفضل من الإتمام، لقوله- ﵇: "خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا". ولأنه – ﵇ – كان يداوم على القصر، ولا يداوم إلا على الأفضل. ولأن القصر متفق عليه، والإتمام مختلف فيه؛ فإن القائلين بأن القصر عزيمة لا يجوّزون الإتمام، ويقولون: إذا أتم ما يقصر فسد، وفعل ما يسقط الفرض بالاتفاق أولى.

стр. 1686

وهذا ما نص عليه في كتاب "الإمامة"، كما قال أبو الطيب، ولفظه في "المختصر": وأكره ترك القصر رغبة عن السنة. واعترض ابن داود عليه؛ فقال: الرغبة عن السنة كفر. وأجيب بجوابين: أحدهما: أن لفظ الشافعي في "الأم": والقصر سنة، [و] أكره تركه. وإنما المزني [غير العبارة]. والثاني: على [تقدير صحة] ما قاله المزني: أنه أراد به من تركه في حال الأمن؛ عدولاً عن العمل بخبر الواحد، والأخذ بظاهر القرآن في اشتراط الخوف، وأراد به من تركه رغبة عن الرخصة الثابتة بالسنة، وأخذاً بما ثبت عنده بالتواتر والإجماع؛ فإن من اعتقد ذلك [لا] يكفر. وقد حكي عن الشافعي قول آخر، نقله المزني في "جامعة الكبير" واختاره، [وكذا كثير من الأصحاب اختاروه] أيضاً، [كما قاله] الماوردي: أن الإتمام [أفضل؛ لأن القصر رخصة من رخص السفر، فإذا تركها وعدل إلى الأصل كان أفضل، أصله المسح على الخفين، وفطر رمضان إذا كان لا يجهده الصوم؛ ولأن الإتمام] أكثر عملاً، وما كان أكثر عملاً كان أكثر أجراً. قال ابن الصباغ: وهذا القول أخذ من قوله في باب الإمامة: ويؤجر المسافرون على الجماعة، وإتمامهم الصلاة، وأراد: إذا قدموا مقيماً صلى بهم. وهذا منه يدل على أن الإتمام أفضل. وقد حكيت ذلك عن غيره في باب صفة الأئمة. وقد حصل في المسألة قولان، والصحيح- عند الجمهور- الأول، وعن الصيدلاني القطع به. والمسح على الخف موافق لما صرنا إليه في القصر؛ فإن غسل الرجل متفق على إجزائه، والمسح [في المعنى] مختلف فيه؛ فكان غسل الرجل أولى. والفرق بين القصر والفطر في رمضان: أن في الفطر تغريراً بالعبادة؛ فإنه لا يدري

стр. 1687

أيعيش حتى يقضيه [بنفسه]، أو لا، وليس كذلك القصر؛ فإنه به تبرأ الذمة؛ ولأن [في] القصر حيازة فضيلة الرخصة، [وفضيلة فعله العبادة في وقتها، والمفطر في رمضان، وإن حصل فضيلة الرخصة]، لكنه فوت فضيلة الوقت. وقد أتى بعضهم بفرق شامل بين ما نحن فيه، وبين المسح والفطر، وهو أن الماسح والمفطر لم يأت [أحد منهما] في محل الرخصة بشيء من الأصل، بخلاف المقصر؛ فإنه أتى بشيء منه. فإن قيل: قد ذهب أهل الظاهر إلى عدم صحة الصوم في السفر، [وقياس ما ذكرتم: أن يكون الفطر أفضل. قلنا: قد قال الصيدلاني بأنه قول للشافعي؛ ولأجله جعل في الفطر قولين، وإن جزم في الصلاة بأن القصر أفضل]. وقياس المأخذ الذي ذكرناه: استواء الفطر والقصر، وقد حكاه صاحب "الفروع" وجهاً للأصحاب؛ كما قاله في "الزوائد". والصحيح: الطريقة الأولى؛ فإن المحققين من علماء الشريعة لا يقيمون لمذهب أهل الظاهر وزناً، كذا قاله الإمام، وفيه نظر؛ فإن القاضي الحسين نقل عن الشافعي أنه قال في الكتابة: وإني لا أمتنع عن كتابة عبد جمع القوة والأمانة، وإنا استحبه للخروج من الخلاف؛ فإن داود يوجب كتابة من جمع القوة على الكسب والأمانة من العبيد. وداود من أهل الظاهر، وقد أقام الشافعي لخلافه وزناً، واستحب كتابة من ذكره؛ لأجل خلافه.

стр. 1688

نعم: الجواب الذي لا شك فيه ما أشار إليه القاضي: أن الشافعي إنما يستحب الخروج من الخلاف، إذا لم يكن [بسببه فاعلاً] محظوراً، أو مكروهاً عنده؛ لنص ورد في ذلك بعينه؛ ألا ترى أن مذهبه استحباب القصر في سفر الأمن وإن خالف فيه داود؛ لأنه – ﵇ قصر وهو آمن. ولم يستحب قضاء صلاة الفرض خلف من يصليه أداء في جماعة؛ للخروج من الخلاف؛ لأنه ما عارضه شيء مما ذكرناه. ثم قضية ما تقرر استحباب الإتمام للملاح الذي أهله وماله معه؛ فإن أحمد خالف في جواز القصر له، وإن وافق على جوازه للجمّال، وهو حجتنا عليه، وقد نص على استحباب الإتمام له الشافعي في "الأم" كما حكاه ابن الصباغ وغيره، وكذا قضية استحباب الإتمام لمن عادته السفر دائماً، وبه صرح صاحب "الفروع"، كما حكاه العمراني في "زوائده" وحينئذٍ تستثنى هاتان الصورتان من كلام الشيخ. وقد يعرض ها هنا سؤال، فيقال: لم راعى الشافعي الخروج من خلاف أحمد وغيره في هاتين المسألتين، ولم يراع خلاف أبي حنيفة ومن معه فيهما؛ ولم يحضرني عن ذلك جواب، والله أعلم.

стр. 1689

قال: وإن كان للبلد الذي يقصده طريقان، يقصر في أحدهما، ولا يقصر في الآخر، فسلك الأبعد لغير غرض-[أي: غير القصر]- لم يقصر في أحد القولين؛ لأنه طول الطريق على نفسه من غير غرض؛ فصار كما لو سلك الطريق القصير، وكان يذهب يميناً وشمالاً، ويطول على نفسه حتى بلغت المسافة مرحلتين؛ فإنه لا يترخص وفاقاً، وهذا ما نص عليه في "الأم"، واختاره أبو إسحاق. قال: ويقصر في [القول] الآخر؛ لأنه سفر مباح تقصر الصلاة في مثله؛ فجاز له القصر، [كما لو] لم يكن له طريق سواه، وقصده الترخص غرض صحيح؛ فإن الله – تعالى- يحب أن تؤتي رخصه كما [يحب أن] تؤتي عزائمه، ويخالف المشي في المسافة طولاً وعرضاً؛ لأنه لا يصل به إلى محل قصده؛ وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، واختاره المزني، وقد صححه الماوردي وتبعه في "المرشد". لكن الجمهور على ترجيح الأول. وقول المنتصرين للثاني: إنه سفر مباح- ممنوع، بل هو محظور؛ لقوله – ﵇: "إن الله يبغض المشائين في الأرض من غير أرب"؛ كذا قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما. واستدل الصيدلاني على حظره بأن من كان يركض فرسه من غير غرض، ورياضة، ورعاية أدب معلوم- عاص بإيذاء دابته، وإذا كان كذلك، فلأن يكون عاصياً بإيذاء نفسه من غير غرض أولى. وحكى الإمام والقاضي الحسين طريقة ثانية، حاملة للنصين على حالين؛ فحيث قال: يقصر، أراد [إذا كان له غرض ظاهر في سلوك أبعد الطريقين، وحيث قال: لا يقصر، أراد:] إذا لم يكن له غرض ظاهر. ولا خلاف في أنه إذا سلك الأقرب: أنه لا يقصر، وفيما إذا سلك الأبعد؛

стр. 1690

لغرض ظاهر مثل كونه أسهل، أو آمن، أو ليزور في ممره صديقاً، أو يحصل شيئاً، أو نحو ذلك- أنه له القصر. نعم: لو كان الأطول نزهاً؛ فسلكه لأجل ذلك، فهل يعد من الأغراض حتى يقطع القول بجواز القصر له، أم لا؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد، وأقامه في "الوسيط" وجهين. قال الإمام: ولعل الظاهر عدّه من الأغراض. [قلت: وهو الموافق لما حكيناه من قبل عن العراقيين أن السفر لأجل النزهة فقط من الأسفار التي تبيح القصر، والله أعلم]. قال: وإن أحرم في البلد، أي: وما في معناها- ثم سافر، أو أحرم في السفر، ثم أقام، أو شك في ذلك؛ أي: شك [في] أنه أحرم في البلد، أو في السفر، أو شك: هل أقام في أثنائها أم لا؟ أو لم ينو القصر، أو ائتم بمقيم في جزء من صلاته، أو بمن لا يعرف أنه مسافر، أو مقيم- لزمه أن يتم. هذا الفصل ينظم مسائل متفقة في الحكم، مختلف أكثرها في التعليل؛ فلنفرد كلاً منها؛ لتظهر بالتصوير، ثم نقيم عليها الدليل: فالأولى: إذا أحرم في البلد، ثم سافر: صورتها: أن يكون [في وسط] البلد الذي يقصد إنشاء السفر منه بحر، فيحرم بالصلاة في المركب قبل مفارقتها البلد، ثم يفارقها وهو بعد في الصلاة؛ كذا صوره ابن الصباغ وغيره. وفي معناها: ما إذا كان بظاهر البلد الذي يقصد إنشاء السفر منه [بحر]؛ فأحرم بالصلاة في المركب قبل تسييرها، ثم سارت وهو بعد في الصلاة. فإن قلت: هل نوى في الحالين القصر أو نوى الإتمام؟ فإن كان قد نوى الإتمام، أو أطلق [النية]، فالإتمام يلزمه؛ لأجل النية، لا لأجل أنه جمع فيها بين الحضر والسفر. وإن كان قد نوى القصر، فهو متلاعب؛ فلا يصح، وأيما كان امتنع التصوير.

стр. 1691

قلت: يجوز أن تكون مصورة بما إذا نوى الإتمام، أو أطلق، ولا يمتنع أن يكون وقوعها في السفر والحضر مانعاً من إتمامها، وإن كانت نيته الإتمام، والنية المطلقة تلزمه الإتمام، وإن تمحضت الصلاة في السفر؛ لأن الشيء قد يمتنع لمعنى واحد، ويمتنع لمعنيين لو انفرد كل [واحد] منهما لرتب الحكم عليه. وأيضاً: فإن المخالف في لزوم الإتمام [في هذه الحالة، غير المخالف فيما إذا تمحضت الصلاة في السفر، وقد نوى الإتمام وأطلق؛ فإن المزني يوافق على لزوم الإتمام فيما] إذا أحرم بها في البلد ثم سافر، ويخالف فيما إذا وقعت النية منه مطلقة في السفر - كما ستعرفه -[وكذا] فيما إذا نوى الإتمام في السفر، كما حكاه عنه الرافعى فقط. وابن الصباغ وغيره اقتصروا على حكاية مخالفته في الأولى دون الثانية، وقالوا: إن المخالف في الثانية المزني. وصرح القاضي أبو الطيب بأن مذهب المزني في الثانية لزوم الإتمام. وإذا كان الأمر كذلك احتجنا إلى ذكر المسألتين - أعني: مسألة ما إذا أحرم في البلد، ثم سافر، وما إذا لم ينو القصر - لنقيم الدليل على كل واحدة منهما. ويجوز أن تكون مصورة بما إذا نوى القصر ظاناً جوازه بمجرد نية القصر، أو مفارقة منزله دون مفارقة البلد، ومسير السفينة؛ فإن نية القصر في هذه الحالة غير مفسدة؛ للجهل. ونظيره ما حكاه الإمام فيما إذا نوى القصر على اعتقاد أنه مسافر، ثم تبين أنه كان قد انتهى إلى الإقامة؛ فإن صلاته [صحيحة]، ويلزمه الإتمام، قال: ولست أعرف خلافاً في ذلك. فإن قلت: هل يمكن أن تصور بما إذا نوى القصر، مع علمه بأنه لا يجوز

стр. 1692

القصر في هذه الحالة؟ قلت: لا؛ لأن صاحب "العدة" قال: إن المسافر إذا جهل القصر، وقصر - لم تصح صلاته؛ لأنه متلاعب بالصلاة؛ فلم تصح، وهذا في الحاضر بطريق الأولى. والرافعي حكى أن المقيم إذا نوى القصر لا تنعقد صلاته، وهذا قبل مجاوزة البلد مقيم عندنا، نعم: للإمام فيه احتمال؛ فإنه قال: إذا نوي، وهو عالم بأن السفينة في حد الإقامة فهو كمقيم ينوي القصر، ولو نوى -وهو مقيم- القصر احتمل أن يقال: يبطل أصل قصد الترخص، ويثبت أصل الإتمام؛ لما قررناه أن نية القصر تقتضي من طريق التضمن الإتمام. واحتمل أن يقال: نية القصر من المقيم تبطل صلاته؛ فإنه غير معذور في نيته بوجه، والذي جاء به نية فاسدة، وفساد النية بتضمن فساد الصلاة. وهذه المسألة شييهة عندي بما لو نوى المتوضئ يوصوئه استباحة صلاة الظهر دون غيرها؛ ففي فساد نيته خلاف، ووجه الشبه: أن رفع الحدث إذا وقع التعرض له، فإنه لا يتبعض، فإذا قصد تبعيضه، فمن أئمتنا من أفسد النية، وقال: كأنه لم ينو أصلاً، ومنهم من حذف التخصيص من النية، والذي يجمع بين المسألتين: أنه لو نوى صلاة الظهر لم يحتج إلى ربط القصد بأربع ركعات، بل هي مرتبطة بها شرعاً؛ وكذلك من نوى الاستباحة بوضوئه، لو لم يعلق قصده بتعميم الإباحة صح وضوءه وجهاً واحداً، ولو نوى استباحة الظهر، ولم ينو غيره - صح وضوءه وعم بلا خلاف. وما ذكره الإمام حسن، ولم يذكره الرافعي، بل اقتصر على حكاية الإبطال، وفرق بينه وبين إذا اقتدى المسافر بمن علمه مقيماً، أو ظنه، حيث قالوا: لا تبطل، وتلغى نية القصر-: بأن المقيم ليس من أهل القصر، والمسافر من أهله؛ فلا يضر فيه القصر؛ كما لو شرع في الصلاة بنية القصر، ثم نوى الإتمام، أو صار مقيماً.

стр. 1693

وإذا تحرر تصوير المسألة، قلنا: إنما لزمه الإتمام؛ لأنها عبادة يختلف حكمها بالسفر والحضر، وقد اجتمعا فيها؛ فوجب أن يقدم حكم الحضر. أصله: إذا أنشأ صوم رمضان في الحضر، ثم سافر بعد الفجر. ولأنه إذا اجتمع في الصلاة الواحدة ما يوجب الأخذ بالأكثر، وما يوجب الأخذ بالأهل وجب الأخذ بالأقل؛ كما لو شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً. واعلم: أنه يمكن أن يؤخذ من قول الشيخ: وإن أحرم في البلد، ثم سافر - لزوم الإتمام فيما إذا أحرم بالصلاة بنية الإتمام ثم فسدت صلاته، فأتى بها في السفر، وبه صرح الأصحاب لالتزامه السابق. والمسألة الثانية: إذا أحرم في السفر، ثم أقام. وهى مصورة بما إذا أحرم بها في سفينة، ثم وصلت إلى وطنه الذي عزم على الإقامة فيه وهو فيها، أو نوى الإقامة وقد وصلت السفينة إلى موضع يصلح للإقامة، وهو بعد في الصلاة. ووجه لزوم الإتمام فيها: القياس على ما إذا قدم وهو صائم، لا يسوغ له الفطر. فإن قيل: ألا قلتم: إن وجود الإقامة في أثناء الصلاة لا يوجب إتمامها؛ حيث صح القول فيها مقصورة؛ كما قلتم في المتيمم إذا رأى الماء في أثنائها؟ قال ابن الصباغ: قلنا: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن المتيمم وجب عليه الدخول في الصلاة عند عدم الماء، والقصر رخصة لم تجب؛ فإذا زال سببها انقطعت. والثاني: أن المتيمم لو وجب عليه استعمال الماء في أثنائها لبطل ما فعله في الماضي، وهاهنا يبني، وهذا ما ذكره الماوردي. وقد ألحق الأصحاب بهذه المسألة ما إذا أحرم بالصلاة بنية القصر بعد مفارقة البلد؛ ثم رعف؛ فرجع إلى البنيان لغسل الدم فغسله، ثم مضى فيها، تفريعا على قولنا: إن سبق الحدث لا يبطل الصلاة، وعلى ذلك حملوا ما أطلقه الشافعي

стр. 1694

في "الإملاء" من لزوم الإتمام، وقالوا: إذا قلنا بقوله الجديد: إن سبق الحدث يبطل الصلاة؛ فإن استأنفها في البلد أتم، وإن أوقعها في السفر بعد خروجه، فله القصر؛ كذا حكاه العراقيون. ويجيء فيه على طريق المراوزة شيء آخر يحتاج إلى ذكر مسألة مقصودة في نفسها، وهي: إذا خرج المسافر ووصل إلى موضع يجوز له فيه القصر؛ فعاد إلى الموضع الذي خرج منه؛ لأخذ شيء نسيه، فهل له أن يقصر في رجوعه، وفي البلد الذي خرج منه أو لا يقصر حتى يفارق بنيان البلد، كما تقدم؟ قالوا: ينظر: فإن كان ذلك البلد وطنه، فلا يقصر ذاهباً إليه، ولا فيه. وإن كان غريباً لم ينو الإقامة فيه أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، فله القصر [ذاهباً إليه وفيه. وإن كان قد أقام به أكثر من ذلك، فهل له القصر] في ذهابه إليه وفيه أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وهو ما ذكره في "التهذيب". والثاني: نعم، وهو الأصح في "النهاية"، ولم يحك الروياني في "تلخيصه"، والمتولي وأبو الطيب غيره؛ لأن البلد لم تكن وطنه، ولكن أقام بها، ثم أقلع عنها؛ فصارت البلد في حقه كسائر المنازل. وحكى الرافعي عن صاحب "العدة" رواية وجه: أن له أن يقصر في طريقه [ذاهباً وجائياً] ما لم يدخل البلد، [فإذا دخل لا يقصر. والعراقيون أطلقوا القول بأنه لا يقصر إذا عاد إلى البلد]، [وهذا يحتمل أن يريدوا: في الطريق والبلد، ويحتمل أن] يكون مرادهم: في البلد فقط، وهو الأظهر. ويدل على ذلك: أن الروياني في "تلخيصه" قال: إن الشافعي نص في "الإملاء" على أنه إذا خرج مسافراً، ثم ذكر شيئاً نسيه في منزله، فعاد إلى بلده؛ لأجل ذلك الشيء- لم يكن له أن يقصر؛ لأنه صار مقيماً بعوده. وإنه نص في "البويطي" على أنه إذا رجع واحد ممن له القصر إلى منزلة في حاجة، فحضرته

стр. 1695

الصلاة ذاهباً وجائياً- قصر، وهذا ما أورده البندنيجي في "تعليقه". قال الروياني: وليست المسألة على قولين: فالذي قال: لا يقصر، أراد: إذا حصل في جوف البلد، والذي قال: يقصر، أراد: إذا كان في الطريق، وليس في شيء من البلد. فإذا عرفت ذلك، قلنا في مسألة الرعاف: إن كان البلد وطنه، فالحكم كما ذكره العراقيون، وإن كان غريباً فيه لم ينو الإقامة، فلا يلزمه الإتمام، سواء أوقع الصلاة في البلد أو في الطريق. وإن كان قد نوى الإقامة فيه أربعة أيام، فإن قلنا: إنه لا يقصر فيه، كان كما لو كان وطنه وإن قلنا: يقصر فيه، كان كما لو كان غريباً فيه. هذا قياس [مذهبهم]؛ فتأمله، والله أعلم. أما إذا وصل في أثناء الصلاة [إلى مقصده ووطنه الذي عزم على الخروج منه قبل استكمال أربعة أيام- فعن القفال في انقطاع سفره حكاية قولين، ستعرف مثلهما فيما بعد. قال الرافعي: والمشهور أنه يصير مقيماً بنفس الدخول بلا خلاف، ولذلك قطعوا فيما إذا رجع إلى وطنه [لأخذ شيء نسيه: أنه لا يقصر. قلت: والوجه: التفصيل: فإن كان بين وطنه] وبين مقصده دون مسافة القصر فما قاله الرافعي من الاستشهاد صحيح. وإن كان بينهما مسافة القصر، فالفرق بين ما ذكره القفال وبين ما التزمه ظاهر؛ لأنه بعوده إلى وطنه رافض لقصده الأول، وليس ما قصده مما تقصر إليه الصلاة، ولا كذلك في مسألة القفال. ثم إذا قلنا بالمشهور؛ فلو كان وصوله] إلى مقصده ووطنه غيره؛ فقضية كلام الماوردي: أن الحكم كما لو وصل إلى وطنه؛ لأنه جزم القول بأنه إذا وصل إلى مقصده انقطع ترخصه، نوى الإقامة [فيه أو لا.

стр. 1696

وغيره قال: إن كان قد نوى الإقامة] في المقصد أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج – أتم فيه. وقياسه: أنه إذا أراد وصل إليه في أثناء الصلاة يتم. وإن كان قد نوى [إقامة] دون ذلك فله القصر فيه. وقياس هذا: أنه إذا وصل إليه في أثناء الصلاة لا يلزمه الإتمام، والله أعلم. ولو نوى المقام في موضع لا يصلح للإقامة، فسيأتي الكلام فيه إن شاء الله. والمسألة الثالثة: إذا شك في ذلك. وهي تشمل حالين، وصورتهما تقدمت، وإنما لزمه الإتمام فيهما؛ لأنه شك هل يجوز له الاقتصار على ركعتين، أو يلزمه الأربع؛ والأصل لزوم الأربع. والمسألة الرابعة: إذا لم ينو القصر- أي: بل أطلق النية-[يلزمه الإتمام؛ لأنه الأصل، فإذا أطلق النية] انصرفت إليه. وقال المزني: لا يلزمه؛ لأن المعهود المعروف في حق المسافر الصلاة المقصورة، فإذا أطلق النية انصرفت إلى المعهود؛ كذا حكاه عنه أبو الطيب. وفي "الحاوي" أنه [قال:] لا يفتقر إلى نية القصر مع الإحرام، بل يكفيه أن يسلم ناوياً القصر، وإن سلم غير ناوٍ له كان كمن سلم ساهياً. ووجه بأن القصر رخصة، والرخص في الأصول لا تفتقر إلى النية مع أول العبادة، ألا ترى أنه لو نوى الطهارة عند غسل الوجه كان له المسح على الخفين، وإن لم تتقدم النية؟! قال الماوردي: وهذا غلط؛ لأنا متفقون على وجوب النية، وإنما الخلاف في محلها، وكل صلاة افتقرت إلى نية كان محل تلك النية فيها الإحرام كنية الصلاة. ولأنها مقصورة من أربع إلى ركعتين؛ فوجب أن يكون الشرط في أثنائها موجوداً في ابتدائها؛ كالجمعة. وقد أفهم ما ذكرناه من لزوم الإتمام عند الإطلاق لزومه عند نية الإتمام من طريق الأولى، وقد نقل عن المزني المخالفة فيه أيضاً، والمشهور موافقته عليه،

стр. 1697

ونسبة ذلك إلى المغربي، وهو مقيس على ما إذا نوى القصر، ثم الإتمام، وعلى ما لو نوى المسافر الصوم، ثم عن له أن يفطر. وأصحابنا فرقوا بين نية القصر، ونية الإتمام بأنه إذا نوى القصر، ثم الإتمام-[انتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولا كذلك إذا نوى الإتمام ثم القصر؛ فإنه] انتقل من الأعلى إلى الأدنى، وصار هذا كمن عليه كفارة، وهو من أهل الصوم، فأراد الانتقال إلى العتق- يجوز، ولو كان من أهل العتق، فأراد التكفير بالصوم: لا يجوز. وكذا من وجب له القصاص، فعفا عن الدية إلى القصاص يجوز له أن يعفو عن القصاص إلى الدية، ولو عفا عن القصاص إلى الدية لم يجز له أن يرجع إلى القصاص. وفرقوا بين القصر والفطر بأن: الفطر مضمون بالقضاء؛ فلم ينحتم عليه الصوم بدخوله فيه، والقصر لا يضمن بالقضاء؛ فانحتم عليه الإتمام بدخوله فيه. ثم اعلم أن كلام الشيخ لو أجري على ظاهره لانتظم حالة نية الإطلاق، وحالة نية الإتمام، وحالة ثالثة، وهي: إذا نوى الظهر أو العصر أو العشاء ركعتين، ولم يخطر له الترخص بالقصر، وقد قال الإمام: إنه لا نقل فيها، ويظهر أن يقال: إن صدر ذلك ممن يعلم القصر، ولم يتعرض للترخص ولا كيفيته، فهو محمول على الصحة، وهو الترخص بعينه، ولو صدر ذلك من حديث عهد بالإسلام الذي لم تبلغه رخصة القصر، وظن أنها كصلاة الصبح- ففي نيته شيء؛ فإن صلاة الظهر أصلها أربع، وإنما يقع الاقتصار على ركعتين ترخصا، وهذا ما قصد الترخص. وفي "الرافعي": أنه إذا كان يجهل القصر وقصره، لم يجزئه؛ لأنه عابث في اعتقاده غير مصلّ، وأن ذلك يحكى عن نصه في "الأم". ولو صدر الاقتصار على نية الركعتين ممنن علم بالرخصة، لكنه لم يجدد ذكره، وإنما اعتمد نفي الترخص، وجزم النية في ركعتين- قال: الإمام: فهذا فيه احتمال. والذي أراه: أن المقيم لو نوى الظهر ركعتين، ولم ينو الترخص – ينبغي أن

стр. 1698

تبطل صلاته، وإنما الاحتمال السابق فيما إذا نوى الترخص بالقصر. فرع: إذا شك هل نوى القصر، أو لا؟ [ثم بان [أنه لم] ينو القصر]- لزمه الإتمام، وإن لم يمض ركن في حال شكه، وهذا بخلاف ما إذا شك هل نوى أو لا؟ ثم ظهر أنه كان قد نوى قبل أن يمضي ركن من صلاته- فإن صلاته صحيحة. والفرق: أنه حالة شكه في القصر، لزمه الإتمام في تلك الحالة، وإن خفت، وإذا لزمه الإتمام في بعض الصلاة، لزمه في جميعها؛ فإنه قد اعتد بتلك اللحظة من حساب الإتمام؛ فلا يتبعض الأمر، وإذا كان الشك في أصل النية، فلا يعتد بتلك اللحظة، وهي غير مفسدة للصلاة؛ لأنه إذا تذكر، فالباقي من الركن كاف، وذلك الشك محطوط غير معتدّ به؛ كذا قاله الإمام، وأرشق منه قول القاضي الحسين: إن الشك في الصورتين غير محسوب عما شك فيه، [إلا أن في مسألة القصر، إذا لم يكن محسوباً عما شك فيه فيكون ملتزماً للإتمام؛ فيلزمه، وفي النية زمان الشك غير محسوب عما شك فيه،] إلا أن ذلك المقدار لو تعمده في صلاته، لم يبطلها؛ فجعلناه كأنه عمل عمداً ليس من الصلاة. قال الرافعي: ولو تردد: هل ينوي الإتمام أو يتم على نية القصر، لزمه الإتمام- أيضاً، نعم: لو قام إلى ثالثة ناسياً، وأتم الصلاة، ثم تذكر في التشهد أنه نوى القصر، قال الشافعي في "الأم": يسجد سجدتي السهو، ولو أراد أن يتمها، قال الغزالي: لزمه أن يقوم، ويأتي بركعتين، ولو كان التذكر في حال قيامه، وأراد الإتمام، قال في "التهذيب": لزمه أن يقعد، ثم يقوم، ويأتي بركعتين. وقيل: له أن يمضي قائماً. ولو أراد الاقتصار على ما مضى، جلس، وتشهد، وسجد سجدتي السهو. قال القاضي أبو الطيب وغيره: ولا نظير لهذه المسألة؛ لأن سجود السهو يكون في الموضع الذي إذا عمد للزيادة، بطلت صلاته؛ فإذا أتى بها ناسياً،

стр. 1699

سجد للسهو، وهذا الإتمام إذا أتى به عامداً لا تبطل [صلاته]، ثم قال: إذا أتى به ناسياً، يسجد للسهو. قلت: بل هذه المسألة ماشية على القاعدة المذكورة؛ فإنه لو تعمد الإتمام من غير نية، بطلت صلاته؛ كما صرح به القاضي الحسين، والفوراني، والإمام، والرافعي، وإنما الذي لا يبطل الإتمام بعد نيته، والله أعلم. والمسألة الخامسة: إذا ائتم بمقيم في جزء من صلاته، يلزمه الإتمام؛ لقول ابن عباس: إن صلينا معكم صلينا أربعاً، وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين؛ ذلك سنة أبي القاسم ﷺ . أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وفي الصحيحين عن ابن عمر نحوه، وروي أن ابن عباس سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة. والمفهوم: سنة رسول الله ﷺ . ثم هذا اللفظ من الشيخ يشمل صوتاً ثلاثاً: أن يحرم خلف مقيم، أو خلف مافر ثم ينوي إمامه الإقامة، أو يحدث؛ فيستحلف مقيماً، ويتبعه المأموم، وفي الكل يلزمه الإتمام؛ للخبر، ويقتضي أموراً: أحدها: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون ما أحرم به ظهراً خلف من يصلي الظهر، أو خلف من يصلي الصبح، وهو المشهور في الطرق. وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجهين فيما إذا صلى الظهر، أو العصر، أو العشاء ركعتين خلف من يصلي الصح قضاء: هل يقصر، أو يلزمه الإتمام؟ وقد حكاهما الرافعى أيضاً. الثاني: أنه لا فرق بين أن يأتم به فيما هو مقصور في حقه أو لا، كما إذا

стр. 1700

ائتم بمقيم يصلي الجمعة، ونوى هو الظهر قصراً، وقلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، [وهو الذي حكاه العراقيون. وقال الفوراني والمتولي: إذا قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور]، لا يلزم المقتدي به الإتمام، وإن قلنا: إنها صلاة مستقلة بنفسها، [فيلزمه أن يتم. وقال القاضي الحسين وغيره: إن قلنا: إنها ظهر مقصور، لا يلزمه الإتمام، وإن قلنا: إنها صلاة مستقلة بنفسها،] فهل يلزمه الإتمام؟ فيه الوجهان فيما إذا أحرم بالظهر خلف من يصلي الصبح، والحكم فيما لو كان [الإمام في الجمعة مسافراً، وصححنا إمامته، كالحكم فيما لو كان] مقيماً؛ لأن الجمعة فرض الحضر. نعم: قال الشيخ أبو حامد في هذه الصورة: إذا قلنا: إن الجمعة ظهر مقصور، لم يلزمه الإتمام. قال ابن الصباغ: وليس بشيء، والمنصوص عليه في "الإملاء": أنه يلزمه، حكاه الماوردي. الثالث: أنه لا فرق في ذلك بين أن تتم صلاة الإمام والمأموم على الصحة، أو تفسد، والأمر كذلك؛ للخبر، ولأنها صلاة تعينت عليه تامة، فإذا أفسدها، لزمه قضاؤها تامة، كما إذا أحرم بها في الحضر، ثم أفسدها؛ فإنه يقضيها تامة، ولأن العبادة إذا وجبت بالدخول فيها، لا يسقط قضاؤها بإفسادها إذا أمكن قضاؤها، كالحج إذا تبرع به ثم أفسده. الرابع: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الإمام متطهراً أو محدثاً؛ لأن القدوة بالمحدث في غير الجمعة صحيحة، وبه صرح الإمام والقاضي الحسين؛ لأن خوضه في الصلاة صحيح، وقد خاض خوضاً موجبه الإتمام؛ فلا نظر إلى فساد صلاة الإمام، وهكذا الحكم فيما لو اقتدى بمن ظنه مسافراً، فبان مقيماً محدثاً، فإن ظهر للمأموم كونه مقيماً قبل ظهور حدثه، لزمه الإتمام وجهاً واحداً، وإن بان له الأمران معاً، أو بان له كونه محدثاً أولاً- ففي لزوم الإتمام وجهان: يحكي أحدهما عن صاحب "التلخيص"، ولم يورد جماعة سواه: أنه لا يلزمه. قال الإمام: وتابعه عليه المحققون.

стр. 1701

ومقابله: رواه الشيخ أبو علي في "الشرح" عن محمد. قال الإمام: وكثير ما يحكي عن محمد، ولست أدري من يعني؟ ولست أعد ذلك من المذهب. وفي "التتمة" بناء الوجهين على أن صلاة المؤتم بالمحدث تقع جماعة أو لا؟ فإن قلنا: تقع جماعة، لزمه الإتمام، وإلا فلا. وقال في "الوسيط": إنهما ينبنيان على أن المسبوق: هل يصير مدركاً بالركوع إذا بان كون إمامه محدثاً؟ وفيه خلاف، ذكرته في باب هيئة الجمعة. وقد شاحح بعضهم الشيخ في العبارة، فقال: لو [قال: أو] ائتم بمتمّ في جزء من صلاته- لكان أولى؛ لأنها تشمل المقيم والمسافر إذا أتم. قلت: وليست بأولى؛ لوجهين: أحدهما: أن هذه العبارة [لا] تقتضي لزوم الإتمام لكل من اقتدى بمقيم؛ فإن من ائتم في صلاة الظهر قصراً بمقيم يصلي الجمعة، يلزمه الإتمام. قال القاضي أبو الطيب: ولا يقال: إنه اقتدى بمتم؛ لأن صلاة الجمعة أقل عدداً من الظهر. وعبارة الشيخ تقتضي إدخاله؛ فقد صارت كل من العبارتين تدخل شيئاً لم تدخله الأخرى. والثاني: أن عبارة الشيخ تقتضي أنه إذا اقتدى بمقيم محدث، يلزمه الإتمام، وهذه العبارة لا تقتضي ذلك؛ لأن من صلاته فاسدة لحدثه لا يقال: إنه متم؛ ولذلك كان له أن يصلي ما عليه- إذا كان مسافراً- قصراً، وإن كان قد نوى في الفاسدة الإتمام، ولو قيل: إنه يصدق عليه أنه اقتدى بمتم لزم منه أن يقال إذا اقتدى بمن ظنه مسافراً، فبان مقيماً محدثاً: إنه يلزمه الإتمام، لأنه مقتد بمتم، والصحيح: أنه لا يلزمه الإتمام، ولا يقال: إن الشيخ لو قال: أو ائتم بمصلِّ صلاة حاضر، لكان أولى؛ لأن هذه العبارة تدخل من صلى الظهر خلف من يصلي الجمعة؛ لأنا نقول: إن هذه العبارة إن سلمت من الوجه الأول الذي رددنا به ما تقدم لم تسلم من الوجه الثاني، والله أعلم.

стр. 1702

والمسألة السادسة: إذا ائتم بمن لا يعرف أنه مسافر، أو مقيم- يلزمه أن يتم؛ لما ذكرناه في المسألة الثالثة، ولا فرق في ذلك بين أن يظهر له بعد ذلك أنه مقيم أو مسافر. وحكى الإمام عن شيخه رواية قول عن الشافعي: أنه إذا بان له أنه مسافر قاصر، كان له أن يقصر، كما لو تردد في أن إمامه المسافر نوى القصر أو لا؟ ثم بان أنه قاصر؛ فإنه يقصر وفاقاً، وقد حكى ذلك بعد ذلك وجهاً عن رواية صاحب "التقريب"، ثم قالك ولست أعده من المذهب، والفرق بين التردد في نية الإمام وبين التردد في حاله: هل هو مسافر أو مقيم؟ أن النية لا يطلع عليها، مع أن الظاهر من حال المسافر نية القصر؛ لأن العاقل لا يظن به أنه يختار العمل الطويل مع قلة الأجر، على العمل القصير مع كثرة الأجر، ولا كذلك السفر والإقامة؛ فإن الإطلاع عليهما ممكن، والأصل: الإقامة ولزوم الإتمام، نعم: لو غلب على ظنه أن الشخص مسافر، جاز له نية القصر عند الاقتداء به، صرح به في "الحاوي". وقد أفهم قول الشيخ: أنه لا يلزمه الإتمام عند الاقتداء بمن عرفه مسافراً، وهو مما لا خلاف فيه، نعم، اختلف الأصحاب في كيفية نيته: [فمنهم من قال: ينوي القصر،] ومنهم من قال: ينوي القصر إن قصر إمامه، والإتمام إن أتم؛ لأن هذا مقتضى نيته فلا يضره عقدها كذلك، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، وهو الأصح في الرافعي، والقائل به يجوّز الجزم بالقصر؛ ولذلك قال في "الحاوي": إن كلا الأمرين جائز، والقائل بالأول لا يجوز الثاني، ثم له بعد الاقتداء بالمسافر ثلاث أحوال: إحداها: أن يراه يتم الصلاة. والثانية: أن يراه قصرها. وفي هاتين الحالتين حكمه حكمه. والثالثة: أن يحدث، وينصرف، فإن أخبره أنه أتم أو قصر، وصدقه- عمل بمقتضى قوله، وإن لم يصدقه، فسيأتي حكمه.

стр. 1703

ولو رآه توضأ، وعاد، فصلى ركعتين أو أربعاً- كان حكمه حكم ما لو علمه قصر أو أتم، قاله البندنيجي. [وإن لم يخبره بشيء، ولم يعد، وأشكل عليه أمره، فعند ابن سريج: يقصر، وعند أبي إسحاق: يتم]. وادعى الماوردي أن الثاني هو مذهب الشافعي ومنصوصه، وأن به قال عامة أصحابنا، واقتصر القاضي الحسين على إيراده، وقد وافق ابن سريج على المحدث لو كان هو المأموم، فانصرف ولم يعلم حال إمامه- أنه يلزمه الإتمام؛ لأنه كان يمكنه الإطلاع على حال الإمام في القصر والإتمام، فإذا لم يفعل عد مقصراً؛ فلزمه أن يتم، بخلاف ما إذا أحدث الإمام وانصرف؛ لأنه لم يبق من فعله ما يدرك به نيته، قاله البندنيجي والماوردي. ولو كان المسافر الذي اقتدى بالمسافر مسبوقاً أدرك من صلاة الإمام ركعة، فإن ذكر الإمام [له] أنه كان مقيماً: فإن تحقق صدقه، فعليه أن يتم، وإن استراب في قوله، وكان يجوز كذبه، فهل يلزمه الإتمام؟ فعلى وجهين حكاهما الإمام عن العراقيين، ثم قال: والظاهر- عندي- أنه يلزمه الإتمام، ولو كان الإمام عدلاً موثوقاً به عند المقتدي، لكنه لا يقطع بصدقه، فالذي أراه في هذه الصورة القطع بوجوب اعتماد قوله، ولا يشترط في ذلك اليقين؛ فإن العدل الواحد إذا أخبر عن مشاهدة بطلوع الشمس أو غروبها، أو طلوع كوكب- فعلى السامع أن يعتمد قوله، وصورة الوجهين فيه: إذا لم يكن الإمام موثوقاً به، أو [إن] كان لا يدري حقيقة حاله، بأن كان مستوراً. فرعان: أحدهما: إذا اقتدى مسافرون [بمسافر]، ثم قام إلى ثالثة ساهياً، فإن تبعوه في السهو، فلا كلام، وإن ظنوا أنه أتم، لزمهم الإتمام، وكذا لو ترددوا في ذلك ثم بان لهم سهوه، وهذا بخلاف ما إذا ترددوا: هل نوى القصر أو الإتمام؛ فإنه إذا بان أنه نوى القصر، لا يلزمهم الإتمام. والفرق: أن النية لا يطلع عليها، وحال

стр. 1704

المسافر ظاهره القصر، بخلاف ما إذا قام إلى ثالثة؛ فإنه [تأكد ظن] الإتمام بالقيام، ولو عرفوا أنه قد سها حال سهوه، لم يلزمهم الإتمام، وسجدوا للسهو، وسلموا، أو صبروا حتى يسلم، فيسلموا معه، وقد استشكل المزني معرفتهم سهوه، وصوره القاضي الحسين ومن بعده، بأن يكون الإمام حنفيّاً متعصباً في مذهبه، يعلمون من حاله أنه لا يتم في السفر، مع ما تقرر من أصله أنه إذا أتم لم تصح صلاته. الثاني: إذا اقتدى مقيمون ومسافرون بمسافر، فرعف الإمام، وقدم مقيماً- قال الشافعي: "كان على جميعهم وعلى الراعف أن يصلوا أربعاً؛ لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة حتى كان فيها في صلاة مقيم" هذا آخر كلامه. وما ذكره في المأمومين محله إذا لم ينو المفارقة عند حدثه، كما تقدم، [و] في "الرافعي": أنه يأتي فيهم وجه أنهم لا يلزمهم الإتمام، [إلا إذا نووا الاقتداء بالمستخلف؛ لأنه سيأتي وجه: أنه يجب على القوم أن ينووا الاقتداء بالخليفة، فإذا لم ينووا لا يلزمهم الإتمام؛ لأنهم ما نووا الإتمام] ولا اقتدوا بمقيم. قلت: وهذا التخريج ظاهر على القول الصحيح في أن الإمام الراعف لا يلزمه الإتمام إذا لم يعد، أما إذا قلنا: يلزمه وإن لم يعد؛ بناءً على أنه باستخلافه صارت صلاته صلاة مقيم- فلا؛ لأنا حينئذ نتبين أن اقتداءهم وقع بمن لزمه الإتمام، فلعل القائل بوجوب نية الإتمام هو هذا القائل، فيرتفع الخلاف في المأمومين، كما أطلقه الأصحاب. وأما الراعف- فقد قال المزني: إن ما ذكره الشافعي فيه غلط؛ لأن الراعف يبتدئ ولم يأتم بمقيم، وليس عليه إلا ركعتان. واختلف الأصحاب في ذلك: فقال أبو إسحاق وغيره- وهو أصح الأجوبة-: مراد الشافعي إذا عاد الإمام، وائتم به: إما بناءً على القول القديم، وإما استئنافاً على الجديد؛ ألا ترى إلى قوله: "لأنه لم يكمل واحد منهم الصلاة، حتى كان فيها في صلاة مقيم"؟!

стр. 1705

وقال ابن سريج بإجراء لفظ الشافعي على ظاهره، موجهاً له بأن الشافعي بناه على قوله في القديم: إن الراعف لا تبطل صلاته، فإذا استخلف مقيماً في صلاة هو فيها، لزمه أن يتم؛ لأنه مؤتم بمتمّ. وأما على قوله الجديد، فلا يلزمه الإتمام. قال البندنيجي: وهذا فاسد؛ لأنه على القديم في حكم صلاة نفسه، فأما أن يكون فيها في جماعة، فلان قال الإمام: وهذا الوجه مع ضعفه غير مستقيم في نظم الأقوال قديما ًوجديداً فإن الاستخلاف في القديم باطل، وصلاة الراعف في الجديد باطلة؛ فلا يتسق هذا التفريع إذن. وهذا قد سبقه به القاضي الحسين. وعن ابن سريج أنه قال: ومن أصحابنا من قال: يلزم الراعف الإتمام، وإن لم يرجع إلى الصلاة؛ لأن خليفته القائم مقامه يلزمه الإتمام فهو أولى. وأبو الطيب نسب هذا القول إلى ابن سريج نفسه، وقال: إنه ليس بشيء؛ لأن خليفته مقيم فأتم، وهو مسافر فلم يتم. قلت: والصحيح أن قائله غيره؛ لأن ابن سريج لما ذكره قال: هذه شبهة، وليست بدلالة. وحكى البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما أن أبا غانم مُلْقِي أبي العباس بن سريج حمل النص على ما إذا أحس الإمام بالرعاف، فاستخلف، ووقف خلف خليفته، ثم رعف فانصرف- فإنه ها هنا يلزمه أن يتم؛ لأنه صار خلف مقيم. قال البندنيجي، وكذا المحاملي: وهذا فاسد؛ لأن الرجل لا يصح أن يستخلف في الصلاة، ويكون فيها مأموماً قبل الانصراف. قال الرافعي: وقد سئل الشيخ أبو محمد عنه، فجعل الاحتباس عذراً، وقال: متى حضر إما هو أفضل منه، أو حاله أكمل- جاز استخلافه. ولا خلاف في أنه لو استخلف مسافراً نوى القصر، لا يلزمه ولا من خلفه من المسافرين الإتمام، وكذا لو لم يستخلف وأتم المسافرون لأنفسهم، ولو استخلف المسافرون مقيماً، فهل يكون الحكم كما لو استخلفه الإمام؟ فيه وجهان في "الحاوي": أحدهما: نعم. والثاني: لا. فعلى هذا: للإمام أن يقصر؛ لأنه لم يستخلف المقيم، وعلى

стр. 1706

هذا: لو استخلف المقيمون مقيماً، والمسافرون مسافراً نوى القصر- جاز للمسافرين القصر، وكذلك لو افترقوا ثلاث فرق [أو أكثر]، وقدمت كل فرقة منهم إماماً جاز وإن كان إمامهم قبل الحدث واحداً، نص عليه. قال: وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج- أتم، أي: من حين نيته. هذا الفصل مسوق لبيان أمرين: أحدهما: دل عليه منطوقه، وهو لزوم الإتمام عند نية المقام أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج. والثاني: دل عليه المفهوم، وهو جواز القصر عند نية المقام أقل من ذلك. والدليل على الأمرين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء: ١٠١]، فأباح القصر بشرط الضرب في الأرض، فالعازم على المقام مدة، غير ضارب في الأرض؛ فاقتضى مفهوم الشرط أنه لا يستبيح القصر. أو نقول: الأصل قبل ورود هذه الآية لزوم الإتمام، والآية جوزت القصر عند الضرب في الأرض، وناوي الإقامة غير ضارب في الأرض؛ فلا يجوز له القصر عملاً بالأصل، لكن السنة بينت أن إقامة ما دون الأربع غير يوم الدخول ويوم الخروج لا تمنع القصر، فاستثنيت مما ذكرناه، وبقي فيما عدا ذلك على ما اقتضاه الدليل، وإنما قلنا: إن السنة بينت أن نية مقام ما دون الأربع غير يوم الدخول ويوم الخروج لا تؤثر في منع القصر؛ لما روى جابر بن عبد الله قال: "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحج خالصاً حتى أتى مكة صبيحة رابعة مضت من ذي الحجة، فأقام اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع يقصر الصلاة، فلما كان اليوم الثامن صلى بالأبطح صلاة الصبح، ثم رفع إلى منى"، وهذا عين ما ذكرناه، ومنه يظهر لك أن دخوله- ﵇ كان يوم الأحد، وخروجه إلى منى كان يوم الخميس؛ لأن ذلك كان في حجة الوداع، وكانت

стр. 1707

الوقفة فيها يوم الجمعة، وبذلك صرح الرافعي. وقد أطلق بعضهم أنه إذا نوى إقامة ثلاثة أيام، غير يوم الدخول ويوم الخروج- له أن يقصر، وصور ذلك بما إذا قدم يوم الأحد وخرج يوم الخميس، وعلى ذلك جرى البندنيجي، ولاشك أن العبارة الأولى أولى؛ لأن هذا التمثيل يقتضي أن المنوي إقامة ثلاثة أيام وأربع ليال، غير يوم الدخول ويوم الخروج، وذلك أكثر من ثلاثة أيام، وأقل من أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج، فكانت العبارة الأولى- لأجل ذلك- أولى، لكن لهم أن يقولوا: الليلة الزائدة هي ليلة يوم الخروج، وهو غير محسوب؛ فكذا ليلته، كما أن الثلاثة الأيام محسوبة بلياليها، ولولا أن ليلة القدوم فاتت، لأمكن أن نقول بعدم حسابها- أيضاً- تبعاً له. وقد تمسك القائلون بالعبارة الثانية في الاستدلال على لزوم الإتمام عند نية المقام أربعة أيام غير يوم الدخول والخروج، وعلى جواز القصر عند نية المقام ثلاثة أيام- بأن الأربعة مدة الإقامة، والثلاثة مدة المسافر، يدل عليه قوله- ﵇: "يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً" متفق عليه. وكان هذا في عمرة القضاء، وإذا ذاك كان لا يحل للمهاجر المقام بمكة، ومن أقام بها بطل ثواب هجرته، فلما بين لهم جواز الإقامة ثلاثاً، دل على أنها ليست إقامة محققة، وإنما هي من حكم السفر، وأن ما زاد عليها مدة الإقامة، وكذا لما أجلى عمر أهل الذمة عن الحجاز، جعل لمن قدم منهم تاجراً مقام ثلاثة أيام"؛ فدلت السنة والأثر على أن ما زاد على الثلاث في حد الإقامة، والزيادة على الأيام من نوعها إنما تتحقق بالرابع بكماله لأن يوم الدخول ويوم الخروج

стр. 1708

غير محسوبين؛ لأن في احتسابهما تكليف ما لا يطاق؛ فإن أكثر الناس لا يعرفون الساعات، ولا يقدرون على تلفيقها، فلو كلفوا بذلك لخرجت الرخصة عن وضعها؛ فحسبت الأيام الكوامل، وهذا كما جوزنا في رمضان النية قبل الفجر؛ [لأن في تكليف الناس أن ينووا مع طلوع الفجر] أعظم المشقة، ولأن العادة أن المسافر لا يدوم على السير في جميع نهاره؛ فلذلك لم يعد يوم دخوله يوم إقامة، وعد يوم خروجه يوم سفر. قالوا: ولأنا أجمعنا على أن المدة القليلة لا تقطع حكم السفر، والمدة الكثيرة تقطعه، فبنا حاجة إلى فاصل بين المدة القليلة والمدة الكثيرة، وليس ذلك إلا الثلاثة الأيام؛ لأنها آخر حد القلة، وأول حد الكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ* فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٤، ٦٥] ولأن من أقام أربعة أيام لا يجوز له الجمع بين الصلاتين بوفاق الخصم- وهو أبو حنيفة- فنقول: من لا يجوز له الجمع، لا يجوز له القصر؛ كما لو نوى إقامة عشرين يوماً. فإن قيل: قد روي عن أنس بن مالك قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة، فقلنا: هل أقمتم بها شيئاً؟ قال: [أقمنا] عشراً" أخرجه البخاري ومسلم. وهذا يدل على أنه بنية إقامة أربعة أيام لا يصير مقيماً. قلنا: لاشك في أن هذه القصة كانت في حجة الوداع، وهي محمولة على أنه أقام العشرة متفرقة: في مكة ثلاثة، ومنى يوماً وليلة، وبعرفة يوماً، وبمزدلفة يوماً، وبمنى باقيها، وقد ادعى الإمام أن جابراً ذكر ذلك، ويؤيده "أنه- ﵇ دخل مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة- كما تقدم- وبات في المحصب ليلة

стр. 1709

الأربعاء، وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة- ﵂ ثم طاف- ﵇ طواف الوداع سحراً قبل صلاة الصبح يوم الأربعاء، وخرج صبيحته، وهو الرابع عشر". وما ذكره الشيخ من عدم اعتبار يوم الدخول والخروج في المدة هو ما ذكره العراقيون، والأصح عند المراوزة- كما حكاه في "الكافي" وغيره- وحكى القاضي الحسين وجهاً آخر: أنهما يحسبان من المدة، كما يحسب في مدة المسح يوم الحدث، ويوم نزع الخف. قال: ومن قال به، أجاب عن الحديث بأنه يحتمل أن يكون- ﵇ دخل مكة بعد الزوال، وخرج قبله على عادة الحجيج، فعلى هذا إذا كان دخوله يوم الجمعة عند الزوال، ونوى أن يقيم السبت والأحد والاثنين، ويخرج قبل الزوال من يوم الثلاثاء- جاز له القصر، قال في "التتمة": ولا يختلف المذهب فيه. وإن نوى أن يخرج يوم الثلاثاء بعد الزوال، لزمه الإتمام من حين قدومه؛ لأنه [قد] نوى مقام أربعة أيام. [و] كذا ما ذكره من أنه إذا نوى مقام أربعة أيام، غير يوم الدخول ويوم الخروج يلزمه الإتمام- هو الذي عليه الجمهور. وذهب المزني إلى أن له [أن يقصر ما لم] ينو مقام خمسة عشر يوماً، غير يوم الدخول والخروج، كما صار إليه أبو حنيفة. واختار ابن المنذر من أصحابنا ما صار إليه أحمد، وهو أنه إذا نوى مقام مدة يفعل فيها أكثر من عشرين صلاة أتم، وقال ابن الصباغ: إنه قريب من مذهب الشافعي. واعلم: أن بعض الشارحين قد اعترض على الشيخ، فقال: كلامه يفهم أنه يشترط إقامة أربعة أيام في لزوم الإتمام، وليس كذلك، بل [لو] نوى الإقامة ثلاثة أيام ولحظة، صار مقيماً. وهذه عبارة الإمام؛ فإنه قال: "إذا انتهى المسافر إلى بلدة أو قرية، دون مقصده، ولم يكن له بها حاجة يرتقب نجازها: فإن أقام ثلاثة أيام بلياليها فهو مسافر، وإن انبرم عزمه على مقام أربعة أيام أو على مقام

стр. 1710

ثلاثة أيام ولحظة، ولم يكن له حاجة يرتقبها، فهو مقيم، وانقطعت عنه الرخص المشروطة بالسفر وفاقاً"، وهذا فيه نظر؛ لأنه حكى عن شيخه، وعن الصيدلاني أنه لا يحسب من الثلاث التي لا نجعله بنية مقامها مقيماً يوم الدخول والخروج، ولم يحك سواه، وحينئذ فإن كان مراده أن ليلة يوم الخروج [غير محسوبة عليه؛ تبعاً ليوم الخروج، استحال أن يوجد مقام ثلاثة أيام وشيء، وهو دون أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، وإن لم يرد جعل ليلة يوم الخروج] تابعة له، كان مقتضى قوله أن من دخل يوم الأحد، وعزم على الخروج يوم الخميس- يلزمه الإتمام؛ لأن مدة مقامه قد زادت على ثلاثة أيام بليلة بعد إخراج يوم الدخول ويوم الخروج، وذلك عين المدة التي أقامها النبي ﷺ بمكة وهو يقصر فيها. فإن قلت: لعله أراد باللحظة من بياض النهار، لا من الليل؛ ولذلك أبهمها في موضع آخر، فقال: "إذا نوى مقام ثلاثة أيام وزيادة لزمه الإتمام". قلت: هذا مع جزمه بأنه لا يحسب عليه يوم الدخول ويوم الخروج- غير متصور. نعم: ذاك يتصور إذا قلنا بحسابهما عليه؛ كما تقدم حكايته وجهاً، وهو لم يذكره، والذي وقفت عليه من كلام القاضي الحسين وغيره، تفريعاً على أن يوم الدخول ويوم الخروج لا يحسبان من المدة: ما ذكرناه عن العراقيين من قبل، وهو ما جرى عليه الأكثرون؛ كما قاله الرافعي. ثم قال الإمام: إنه لو كان الدخول ليلاً، فهو المستثنى فقط، ولا نقولك يسقط عنه في الحساب يومه من الغد، بل هو من الأيام الثلاثة، ومقامه في هذه الحالة- على ما حكيناه عن الجمهور- أقل من مقامه فيما إذا دخل نهاراً؛ إذ مدة مقامه فيها ثلاثة أيام وثلاث ليال، ومبتدأ يوم الخروج وأواخر ليلة القدوم، ولا يجيء في هذه الحالة اختلاف نقل الإمام وغيره، ولو وقع دخوله قبل الغروب، بحيث لم يتكامل فراغه من الحطّ والشيل إلا [في الليل]، فالذي يقتضيه كلام الجمهور: أنه كما لو قدم في النهار، وانقضى جميع شغله فيه، وقال الإمام: الذي

стр. 1711

أراه أن بقية النهار مع بقية الليل كله غير محسوب عليه؛ نظراً للشغل، ووقوعه في الليل. قلت: وهذا قاله بناءً على ما اقتضاه كلامه السابق: أنه إذا دخل يوم الأحد، ونوى الخروج يوم الخميس: أنه يلزمه الإتمام؛ لأجل زيادة ليلة يوم الخروج؛ فإنه إذا لم يحسب الليلة التي تم قضاء شغله من الحط فيها [لم تحصل الزيادة على ثلاثة أيام وثلاث ليال؛ فيجوز له القصر فيها]. ثم إذا جرينا على ذلك، لاح في المسألة بحث له التفات على أن العاكف بمنى إذا تشاغل بالترحال والشد حتى غربت الشمس في اليوم الثاني من أيام التشريق، هل يلزمه أن يقيم أو لا؟ فليطلب منه. تنبيه: سكوت الشيخ عن بيان المكان الذي تؤثر نية المقام فيه في القصر وعدمه، يؤذن بأمرين: أحدهما: أنه لا فرق عنده فيه بين أن يكون ذلك الموضع محل قصده أو غيره؛ كما إذا نوى ذلك في طريقه إلى محل قصده، ولاشك في ذلك إذا كان المكان في طريقه إلى محل قصده، وأما إذا كان المكان هو محل قصده ابتداء، فالذي جزم به الماوردي: أنه لا يتوقف لزوم الإتمام على نية المقام أربعة أيام، بل بمجرد وصوله إليه يلزمه الإتمام، وإن نوى مقام ثلاثة أيام فما دونها، وادعى أنه لا خلاف بين الفقهاء في ذلك. وهذه طريقة أبي حامد، كما حكاها الطبري في "عدته" عنه، وعليه يدل قول البندنيجي: إن من خرج من بلده مسافراً، وبين يديه بلد قبل البلد الذي يقصده، فنوى أن يقيم في الأول أربعاً، ثم يسير إلى الثاني، أو لم ينو أربعاً، لكنه قال: أسافر إلى الأول، ثم منه إلى الثاني- فإن كان بينه وبين الأول مسافة القصر، قصر، وإذا انتهى إليه، انقطع قصره. وهذا يدل على أن الوصول إلى المقصد وإن لم يكن وطناً قاطع للترخص، والذي حكاه الإمام عن الصيدلاني، وصاحب "العدة" عن القفال: أنه إذا كان عزمه على المقام به مقام المسافرين، ثم يعود إلى موضع خروجه، أو إلى موضع هو منه على مسافة القصر: أن له أن

стр. 1712

يقصر في المقصد، وعليه يدل نص الشافعي في مواضع: الأول: ما حكاه الإمام إذا خرج المكي إلى "جدة" ليعود منها، ويخرج من "مكة" إلى سفر بعيد- فلا شك أنه يقصر ذاهباً إلى "جدة" وراجعاً منها؛ لأنها على مسافة مرحلتين من "مكة"، ثم يقصر بـ "جدة" أيضاً إذا كان مقامه بها مقام المسافرين. قال الإمام: وأما "مكة" في عودة من "جدة" هل يقصر فيها، أم لا؟ على قولين، وهذان القولان هما القولان اللذان أشرت إليهما من قبل. الثاني: ما نص عليه في كتاب استقبال القبلة، كما حكاه أبو الطيب فيما إذا خرج مسافراً إلى بلد بينه وبينه ستة عشر فرسخاً، ونوى أنه إذا وصل إليه أقام فيه يوماً واحداً، فإن لقي فلاناً- يعني رجلاً بعينه- أقام أربعة أيام، وإن لم يلقه رجع، فله القصر من حين يخرج [من بلده] إلى أن يصل إلى البلد الذي نواه، فإذا وصل إليه: فإن لم يلق فلاناً فإنه يقصر إلى أن يرجع، وإن لقيه فإنه يتم من حين يلقاه؛ لأنه نوى الإقامة إن رآه، وقد رآه؛ فقد صار مقيماً، والبندنيجي والماوردي صوراً هذه المسألة بما إذا خرج إلى بلد، فدخل إلى بلد في طريقه، وقال: إن لقيت فلاناً أقمت أربعاً. الثالث: ما حكاه البندنيجي فيما إذا كان من مكة على مسافة القصر، فخرج حاجّاً- كان له القصر حتىي دخلها، فإذا دخل "مكة" نظرت: فإن نوى مقام أربعة أيام، أتم، فإذا خرج إلى عرفة يريد قضاء نسكه [نظرت: فإن نوى مقام أربعة إذا رجع أتم بعرفة ومنى، وإن نوى قضاء نسكه] والانصراف، ولم ينو مقاماً، أو نوى مقام أقل من أربعة- قصر بعرفة ومنى. قلت: فهذه المسائل الثلاث تدل على أن الوصول إلى المقصد إذا لم ينو المقام [به] أربعة أيام، غير يوم الدخول والخروج- لا يقطع الترخص. وإذا جمعت بين النقلين، جاء في المسألة خلاف، وقد حكاه في "التهذيب" قولين، وادعى أن المذهب منهما: أن له القصر في مقصده، كما في الانصراف، وادعى الرافعي: أنه أصح، وأن غير البغوي ذكره.

стр. 1713

وفي "التتمة" الجزم بمقابله. نعم: حكى الخلاف فيما إذا لم ينو المقام بها ولا الرجوع، فهل يكون نفس الحصول فيها قاطعاً للترخص أم لا؟ واستشكل الإمام جواز قصره في البلد، من حيث إن سفره ينقطع على منتهى المقصد، وهو في إيابه في حكم من يبتدئ [سفراً]، وليس الإياب متصلاً بالذهاب في الحساب؛ فإنه لو كان مجموع مسافة ذهابه وإيابه مرحلتين، لا يقصر عندنا، وقضيته: ألا يقصر في مقصده أصلاً وإن طال السفر. قال: والذي ذكرته أبدى إشكالاً، وليس عندي فيه نقل أعتمده، إلا ما ذكره الشيخ أبو بكر. الثاني: أنه لا فرق فيه بين أن يكون صالحاً للإقامة أو لا، كما إذا نوى المقام بمفازة لا ماء فيها ولا كلأ، وهو مجزوم به في الحالة الأولى، والصحيح في الثانية، ووراءه وجه آخر: أنها لا تقطع حكم السفر، ومنهم من يثبت الخلاف في المسألة قولين. قال الفوراني: وهو مبني على ما إذا نوى الإقامة في الحرب، عند مواجهة العدو، هل يجب عليه الإتمام أم لا؟ وفيه قولان يأتيان. وقال القاضي الحسين والبغوي: إنه مبني على قولين، حكاهما الإمام- أيضاً- فيما إذا دخل بلداً مجتازاً، وله به أهل وولد: هل يجعل مقيماً فيه أم لا؟ أحدهما: لا يصير مقيماً؛ لعدم نية الإقامة، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطيب، والبندنيجي وابن الصباغ فيما إذا كان له فيه زوجة ومال وقماش، وقال الإمام: لعله أقيس. فعلى هذا: يصير مقيماً بنية الإقامة في المفازة. والثاني من القولين: أنه يصير مقيماً [لصلاح المكان لإقامة مثله فيه؛ فإن الغالب أنه يقيم ببلد أهله وولده؛ فعلى هذا لا يصير مقيماً] بالمفازة إذا نوى المقام بها؛ لأن المكان غير صالح لإقامة مثله، وهذا ما صححه الغزالي. والوجهان جاريان فيما لو نوى المقام في سفر البحر، كما حكاه في "الزوائد" والقاضي الحسين في باب استقبال القبلة.

стр. 1714

قال: وإن أقام في بلد لقضاء حاجة، أي: ولا يعلم أنها تمتد إلى أربعة أيام، وقد تمتد، ولم ينو الإقامة- قصر إلى ثمانية عشر يوماً في أحد القولين، ويقصر أبداً في القول الآخر. اعلم: أن الحاجة تارة تكون لأجل القتال، مثل: أن يكون مقيماً على حرب، أو مستعدّاً للحرب، أو خائفاً من الحرب، وتارة تكون لأجل غيره، مثل: بيع شيء، أو شرائه، أو استخراج مال، أو اجتماع بشخص، ونحو ذلك، ولا خلاف بين الأصحاب في إجراء القولين في القسم الأول. قال الماوردي: وعليهما نص في "الإملاء"، وعزاهما البندنيجي إلى نصه في "الأم": أحدهما: يقصر إلى ثمانية عشر يوماً؛ لأن النبي ﷺ أقام في حرب هوازن ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة ينتظر انجلاء الحرب ولنا فيه أسوة حسنة. وقد ادعى الإمام أن هذا كان بعد الفتح بـ "مكة"؛ لتدبير المسير إلى "هوازن"، ووافقه الروياني عليه، وعلى هذا: إذا جاوز الثمانية عشر، أتم؛ لما ذكرناه من التقرير عند نية إقامة أربعة أيام، وقد روي عن ابن عباس أنه- ﵇ أقام بهوازن ثمانية عشر يوماً يقصر الصلاة؛ فمن أقام ذلك قصر، ومن زاد عليه أتم. وروي أنه قال: "نقصر الصلاة ما بيننا، وبين تسعة عشر يوماً، فإذا جاوزنا ذلك أتممنا". فإن قيل: قد روى جابر بن عبد الله: "أنه- ﵇ أقام بـ "تبوك" عشرين يوماً يقصر الصلاة"، رواه أحمد في "مسنده". وروى عمران بن حصين:

стр. 1715

"أنه- ﵇ أقام سبعة عشر يوماً يقصر الصلاة"، وروى البخاري: "أنه- ﵇ أقام في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين"، و [قضية ما ذكرتم] من التقرير أن يجوز له القصر في ذلك. قلنا: قد قال [به] بعض المراوزة، وأثبت في هذه المسألة على هذا القول أقوالاً: أحدها: أنه يقصر عشرين يوماً. والثاني: تسعة عشر. والثالث: ثمانية عشر. والرابع: سبعة عشر. لكن الصحيح في "الإبانة" ولم يحك العراقيون غيره: أنها ثمانية عشر، وقد ادعى في "التهذيب" أنها رواية عمران بن حصين، وأن الشافعي اختارها؛ لأنها [لم تختلف]، والرواية عن ابن عباس [قد] اختلفت، وحديث جابر محمول على أنه [أدخل] في العدد يوم الدخول ويوم الخروج، ونحن لا ندخلهما فيه. والقول الثاني: يقصر أبداً؛ لأنا عرفنا أنه- ﵇ كان يقصر منتظراً للفتح، فاتفق المقام في هذه المدة، والظاهر: أنه لو تمادى الفتح، لكان يتمادى على سجيته. قال الإمام: وهذا يقرب من القطعيات في مأخذ الكلام على الوقائع،

стр. 1716

[وبمثله] أثبتنا استرسال الأقيسة، ووجوه النظر في الوقائع من غير نهاية؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ قاسوا في [...] روي أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ويقول: أخرج اليوم وأخرج غداً. وأقام أنس بن مالك بنيسابور سنة أو سنتين يقصر الصلاة، وأقام علقمة بـ "خوارزم" سنتين يقصر الصلاة، وكذلك عبد الرحمن بن سمرة أقام بـ "كابل" سنتين يقصر الصلاة؛ فدل ذلك من فعلهم مع عدم الإنكار على أنه إجماع، ولأنه عازم على الرحيل، غير ناو المقام؛ فجاز له القصر كما في الثمانية عشر. والصحيح الأول، قال القاضي أبو الطيب: وهو مختار الشافعي، وعليه أكثر الأصحاب، كما قاله ابن الصباغ. والجواب عن فعل الصحابة: أنا نحمله على أنهم كانوا ينتقلون من بلد إلى بلد، كما روى أنس "أنه- ﵇ أقام بـ "مكة" عشرة أيام [يقصر] الصلاة" و [معلوم] أنه فرقها، كما ذكرنا، على أنه معارض بقول ابن عباس. وعن القياس: أن الثمانية عشر مخصوص بها التخفيف؛ فلا يجوز أن يقاس عليها غيرها، كما لا يجوز أن يقاس على الأيام الثلاثة في المسح غيرها من المدة. وأما القسم الثاني، وهي: الحاجة التي لا تعلق لها بالقتال، فللأصحاب فيها طريقان، حكاهما العراقيون: أحدهما: إجراء القولين فيها، وعلى هذه الطريقة ينطبق ما حكاه الشيخ هنا،

стр. 1717

وقد حكى القول الأول منهما في هذا القسم البندنيجي عن نصه في "الإملاء" وأشار إليه في "الأم" أيضاً في كتاب استقبال القبلة، بقوله: "فإن زاد على أربع، أحببت أن يتم، فإن قصر أعاد" يعني: استحباباً؛ لأنه جعل الإتمام مستحباً. والقول الثاني فيه أخذ من قوله في "الأم" بعد ذلك: ولو قيل: الحرب وغير الحرب سواء في هذا، كان مذهباً. والطريقة الثانية- قالها أبو إسحاق المروزي وغيره-: أن في المسألة قولاً ثالثاً: أنه يقصر أربعة أيام، فإذا زاد عليها، أتم. قال في "المهذب": لأن الإقامة لا يلحقها الفسخ، والنية يلحقها الفسخ، ولو نوى مقام أربعة أيام- لم يقصر، فلألا يقصر إذا أقام أولى، والفرق بينه وبين من حاجته قتال من وجهين: أحدهما: أن الحرب تؤثر في الصلاة تخفيفات ورخصاً، ستأتي مشروحة في باب: صلاة الخوف، كصلاة ذات الرقاع، وصلاة عسفان، وصلاة شدة الخوف، ولا كذلك غيرها من الحاجات. والثاني: أن القتال ينتهي إلى مبلغ لا يجوز الانكفاف عنه فيسقط فيه [أثر] قصد الإقامة؛ فإن الشرع جازم أمره بالإقامة، وسائر الحاجات قد لا تكون كذلك. وهذا القول ادعى القاضي الحسين أنه نص عليه في "الإملاء"؛ لأنه نص عليه في حاجة القتال، ثم قال: "والحرب وغيره سواء، ولو قال به قائل كان مذهباً"، وادعى الماوردي: أنه من تخريج المزني، وقال غيره: إن أبا إسحاق أخذه من قول المزني في "المختصر" حكاية عن الشافعي: فإن زاد على أربع أتم، وإن قصر أعاد. قال البندنيجي- تبعاً لشيخه الشيخ أبي حامد-: وليس بشيء، والمزني ترك قول الشافعي: "أحببت"، وهو الدال على أن الإعادة على وجه الاستحباب كما تقدم. وادعى ابن الصباغ أن ما نقله المزني صحيح؛ لأنه وجد في كتاب استقبال القبلة من "الأم" بعد هذا الموضع بأسطر: "وإن كان محارباً أو خائفاً، مقيماً في

стр. 1718

موضع سفره- قصر ثمانية عشر يوماً، فإذا جاوزها أتم [وإذا كان غير خائف قصر أربعاً، فإذا جاوزها أتم"]، وهذا مثل ما نقله المزني، قال: ويحتمل أن يكون قوله: أحببت، خطأ القلم؛ لأنه في الموضع الذي يستحب فيه القصر لا يؤمر بالإعادة إذا أتم، ولأنه إذا لم يجب الإتمام، ينبغي أن يكون حكمه حكم المسافر، والمسافر لا يستحب له عنده الإتمام في هذا الباب. وهذا من ابن الصباغ يقتضي ترجيح طريقة أبي إسحاق الحاكية لثلاثة أقوال في الحاجة إذا لم تكن قتالاً. وقد حكى عن القاضي أبي حامد المروروذي أنه قال في "جامعة": إنها أظهر. وحكى الإمام- عوضاً عن القول الثالث منها- أنه يقصر ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة يتم، وكذا حكاه الفوراني أيضاً، وصحح القول بأن فيها ثلاثة أقوال: هذا أحدها. والثاني: يقصر ثمانية عشر يوماً. والثالث: يقصر أبداً. وعبارته في "المهذب" في حكاية القول الثاني، الذي هو أول في الكتاب: أنه سبعة عشر يوماً، وعبارة الماوردي في حكايته: أنه يقصر سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يوماً، [وهذا التردد منه ليس للتخيير؛ بل لبيان أن للشافعي في هذا القول قولين في أنه هل يقصر سبعة عشر يوماً،] أو ثمانية عشر يوماً؛ لاختلاف الرواية، وأخذ الشافعي بهما؛ لتقاربهما، وقد تقدم نسبة ذلك لبعض الأصحاب من المراوزة في حاجة القتال. قال الماوردي: والأقوال تجري فيما إذا كان سائراً في البحر، فمنعه الريح من السير، وأقام ينتظر سكونه أياماً، وأنه لا يختلف الحكم على الأول بين ألا يستقيم الريح إلى أربعة أيام، أو يستقيم له الريح، فتسير السفينة عن مكانها، ثم رجعت الريح، فردته إلى موضعه الأول؛ [فإنه يقصر] تمام الأربع، ويأتي فيما بعدها الأقوال. وقد حكى القاضي الحسين أن من الأصحاب من أرجى القول بوجوب الإتمام بعد الأربع [في حاجة القتال أيضاً، لأجل قول الشافعي: "الحرب وغيره

стр. 1719

سواء"، فجعل في الجميع الأقوال، وأن من الأصحاب من خص الأقوال بالمحارب، وقطع في غيره بوجوب الإتمام بعد الأربع،] وأن منهم من قال: الأقوال في المحارب، وفي غيره قولان: أحدهما: يتم بعد الأربع. والثاني: يتم بعد الثمانية عشر. وإذا جمعت بين المسألتين، وما قيل فيهما في الطريقين، وركبت بعض الوجوه مع بعض، واختصرت- قلت: في ذلك ثمانية عشر قولاً ووجهاً: أحدها: يقصر ثلاثة أيام، وبعدها يتم. والثاني: يقصر أربعة أيام، وبعدها يتم. والثالث: يقصر سبعة عشر يوماً، وبعدها يتم. والرابع: يقصر ثمانية عشر يوماً، وبعدها يتم. والخامس: يقصر تسعة عشر يوماً، وبعدها يتم. والسادس: يقصر عشرين يوماً، وبعدها يتم. والسابع: يقصر أبداً. والثامن: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر سبعة عشر يوماً]. والتاسع: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر ثمانية عشر يوماً. والعاشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر تسعة عشر يوماً. والحادي عشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر عشرين يوماً. [والثاني عشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر أبداً]. والثالث عشر، والرابع عشر: والخامس عشر، والسادس عشر، [والسابع

стр. 1720

عشر]: من حاجته غير قتال يقصر أربعة أيام، ومن حاجته قتال يقصر سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يوماً، أو تسعة عشر يوماً، أو عشرين يوماً، أو أبداً. والثامن عشر: يقصر من حاجته غير قتال ثمانية عشر يوماً، ومن حاجته قتال يقصر أبداً، والله أعلم. أما إذا كان الحاجة يعلم أنها لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام: كالمتفقّه، ومن له تجارة كبيرة- فإنه لا يقصر إذا جاوزها، ومن طريق الأولى إذا نوى مقام أربعة أيام، وهذا في الحاجة التي لا تتعلق بالقتال، وكلام الشيخ يفهم أن حاجة القتال كغيرها، وقد صرح الأصحاب بأنه إذا نوى- والحاجة بسبب القتال- مقام أربعة أيام أو أكثر، فهل تصح نيته، ويجب عليه الإتمام، ولا تصح نيته، ويكون حكمه كما لو لم ينو؟ فيه قولان في القديم، وهما محكيان في "الحاوي" و"تعليق" أبي الطيب وغيرهما، والمنصوص منهما في الجديد "والأم"، والأصح- عند القاضي- الأول؛ لقوله- ﵇: "وإنما لكلّ امرئ ما نوى"، ووجه مقابله: أنه ربما هرب بغير اختياره؛ فلا يصح عزمه على الإقامة. ولأن أعذار الحرب تخالف ما سواها، وهذا ما اختاره المزني. وقد حكى الإمام القولين هكذا فيما لو نوى المحارب إقامة ثمانية عشر يوماً؛ تفريعاً على قولنا: إنه لو أقام ثمانية عشر يوماً فيه، كان له أن يقصر، وحكاهما أيضاً في التاجر، إذا قلنا: إنه كالمحارب في جواز القصر ثمانية عشر يوماً. ووجّه القصر بأن هذه المدة في حق هؤلاء كثلاثة أيام في حق مسافر لا شغل له، ثم
следующие страницы →