Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
[وبمثله] أثبتنا استرسال الأقيسة، ووجوه النظر في الوقائع من غير نهاية؛ فإن أصحاب رسول الله ﷺ قاسوا في [...] روي أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، ويقول: أخرج اليوم وأخرج غداً. وأقام أنس بن مالك بنيسابور سنة أو سنتين يقصر الصلاة، وأقام علقمة بـ "خوارزم" سنتين يقصر الصلاة، وكذلك عبد الرحمن بن سمرة أقام بـ "كابل" سنتين يقصر الصلاة؛ فدل ذلك من فعلهم مع عدم الإنكار على أنه إجماع، ولأنه عازم على الرحيل، غير ناو المقام؛ فجاز له القصر كما في الثمانية عشر.
والصحيح الأول، قال القاضي أبو الطيب: وهو مختار الشافعي، وعليه أكثر الأصحاب، كما قاله ابن الصباغ.
والجواب عن فعل الصحابة: أنا نحمله على أنهم كانوا ينتقلون من بلد إلى بلد، كما روى أنس "أنه- ﵇ أقام بـ "مكة" عشرة أيام [يقصر] الصلاة" و [معلوم] أنه فرقها، كما ذكرنا، على أنه معارض بقول ابن عباس.
وعن القياس: أن الثمانية عشر مخصوص بها التخفيف؛ فلا يجوز أن يقاس عليها غيرها، كما لا يجوز أن يقاس على الأيام الثلاثة في المسح غيرها من المدة.
وأما القسم الثاني، وهي: الحاجة التي لا تعلق لها بالقتال، فللأصحاب فيها طريقان، حكاهما العراقيون:
أحدهما: إجراء القولين فيها، وعلى هذه الطريقة ينطبق ما حكاه الشيخ هنا،
стр. 1717
وقد حكى القول الأول منهما في هذا القسم البندنيجي عن نصه في "الإملاء" وأشار إليه في "الأم" أيضاً في كتاب استقبال القبلة، بقوله: "فإن زاد على أربع، أحببت أن يتم، فإن قصر أعاد" يعني: استحباباً؛ لأنه جعل الإتمام مستحباً. والقول الثاني فيه أخذ من قوله في "الأم" بعد ذلك: ولو قيل: الحرب وغير الحرب سواء في هذا، كان مذهباً.
والطريقة الثانية- قالها أبو إسحاق المروزي وغيره-: أن في المسألة قولاً ثالثاً: أنه يقصر أربعة أيام، فإذا زاد عليها، أتم.
قال في "المهذب": لأن الإقامة لا يلحقها الفسخ، والنية يلحقها الفسخ، ولو نوى مقام أربعة أيام- لم يقصر، فلألا يقصر إذا أقام أولى، والفرق بينه وبين من حاجته قتال من وجهين:
أحدهما: أن الحرب تؤثر في الصلاة تخفيفات ورخصاً، ستأتي مشروحة في باب: صلاة الخوف، كصلاة ذات الرقاع، وصلاة عسفان، وصلاة شدة الخوف، ولا كذلك غيرها من الحاجات.
والثاني: أن القتال ينتهي إلى مبلغ لا يجوز الانكفاف عنه فيسقط فيه [أثر] قصد الإقامة؛ فإن الشرع جازم أمره بالإقامة، وسائر الحاجات قد لا تكون كذلك.
وهذا القول ادعى القاضي الحسين أنه نص عليه في "الإملاء"؛ لأنه نص عليه في حاجة القتال، ثم قال: "والحرب وغيره سواء، ولو قال به قائل كان مذهباً"، وادعى الماوردي: أنه من تخريج المزني، وقال غيره: إن أبا إسحاق أخذه من قول المزني في "المختصر" حكاية عن الشافعي: فإن زاد على أربع أتم، وإن قصر أعاد.
قال البندنيجي- تبعاً لشيخه الشيخ أبي حامد-: وليس بشيء، والمزني ترك قول الشافعي: "أحببت"، وهو الدال على أن الإعادة على وجه الاستحباب كما تقدم.
وادعى ابن الصباغ أن ما نقله المزني صحيح؛ لأنه وجد في كتاب استقبال القبلة من "الأم" بعد هذا الموضع بأسطر: "وإن كان محارباً أو خائفاً، مقيماً في
стр. 1718
موضع سفره- قصر ثمانية عشر يوماً، فإذا جاوزها أتم [وإذا كان غير خائف قصر أربعاً، فإذا جاوزها أتم"]، وهذا مثل ما نقله المزني، قال: ويحتمل أن يكون قوله: أحببت، خطأ القلم؛ لأنه في الموضع الذي يستحب فيه القصر لا يؤمر بالإعادة إذا أتم، ولأنه إذا لم يجب الإتمام، ينبغي أن يكون حكمه حكم المسافر، والمسافر لا يستحب له عنده الإتمام في هذا الباب.
وهذا من ابن الصباغ يقتضي ترجيح طريقة أبي إسحاق الحاكية لثلاثة أقوال في الحاجة إذا لم تكن قتالاً.
وقد حكى عن القاضي أبي حامد المروروذي أنه قال في "جامعة": إنها أظهر. وحكى الإمام- عوضاً عن القول الثالث منها- أنه يقصر ثلاثة أيام، وبعد الثلاثة يتم، وكذا حكاه الفوراني أيضاً، وصحح القول بأن فيها ثلاثة أقوال:
هذا أحدها.
والثاني: يقصر ثمانية عشر يوماً.
والثالث: يقصر أبداً.
وعبارته في "المهذب" في حكاية القول الثاني، الذي هو أول في الكتاب: أنه سبعة عشر يوماً، وعبارة الماوردي في حكايته: أنه يقصر سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يوماً، [وهذا التردد منه ليس للتخيير؛ بل لبيان أن للشافعي في هذا القول قولين في أنه هل يقصر سبعة عشر يوماً،] أو ثمانية عشر يوماً؛ لاختلاف الرواية، وأخذ الشافعي بهما؛ لتقاربهما، وقد تقدم نسبة ذلك لبعض الأصحاب من المراوزة في حاجة القتال.
قال الماوردي: والأقوال تجري فيما إذا كان سائراً في البحر، فمنعه الريح من السير، وأقام ينتظر سكونه أياماً، وأنه لا يختلف الحكم على الأول بين ألا يستقيم الريح إلى أربعة أيام، أو يستقيم له الريح، فتسير السفينة عن مكانها، ثم رجعت الريح، فردته إلى موضعه الأول؛ [فإنه يقصر] تمام الأربع، ويأتي فيما بعدها الأقوال.
وقد حكى القاضي الحسين أن من الأصحاب من أرجى القول بوجوب الإتمام بعد الأربع [في حاجة القتال أيضاً، لأجل قول الشافعي: "الحرب وغيره
стр. 1719
سواء"، فجعل في الجميع الأقوال، وأن من الأصحاب من خص الأقوال بالمحارب، وقطع في غيره بوجوب الإتمام بعد الأربع،] وأن منهم من قال: الأقوال في المحارب، وفي غيره قولان:
أحدهما: يتم بعد الأربع.
والثاني: يتم بعد الثمانية عشر.
وإذا جمعت بين المسألتين، وما قيل فيهما في الطريقين، وركبت بعض الوجوه مع بعض، واختصرت- قلت: في ذلك ثمانية عشر قولاً ووجهاً:
أحدها: يقصر ثلاثة أيام، وبعدها يتم.
والثاني: يقصر أربعة أيام، وبعدها يتم.
والثالث: يقصر سبعة عشر يوماً، وبعدها يتم.
والرابع: يقصر ثمانية عشر يوماً، وبعدها يتم.
والخامس: يقصر تسعة عشر يوماً، وبعدها يتم.
والسادس: يقصر عشرين يوماً، وبعدها يتم.
والسابع: يقصر أبداً.
والثامن: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر سبعة عشر يوماً].
والتاسع: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر ثمانية عشر يوماً.
والعاشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر تسعة عشر يوماً.
والحادي عشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر عشرين يوماً.
[والثاني عشر: من حاجته غير قتال يقصر ثلاثة أيام، ومن حاجته قتال يقصر أبداً].
والثالث عشر، والرابع عشر: والخامس عشر، والسادس عشر، [والسابع
стр. 1720
عشر]: من حاجته غير قتال يقصر أربعة أيام، ومن حاجته قتال يقصر سبعة عشر يوماً، أو ثمانية عشر يوماً، أو تسعة عشر يوماً، أو عشرين يوماً، أو أبداً.
والثامن عشر: يقصر من حاجته غير قتال ثمانية عشر يوماً، ومن حاجته قتال يقصر أبداً، والله أعلم.
أما إذا كان الحاجة يعلم أنها لا تنقضي إلا بعد أربعة أيام: كالمتفقّه، ومن له تجارة كبيرة- فإنه لا يقصر إذا جاوزها، ومن طريق الأولى إذا نوى مقام أربعة أيام، وهذا في الحاجة التي لا تتعلق بالقتال، وكلام الشيخ يفهم أن حاجة القتال كغيرها، وقد صرح الأصحاب بأنه إذا نوى- والحاجة بسبب القتال- مقام أربعة أيام أو أكثر، فهل تصح نيته، ويجب عليه الإتمام، ولا تصح نيته، ويكون حكمه كما لو لم ينو؟ فيه قولان في القديم، وهما محكيان في "الحاوي" و"تعليق" أبي الطيب وغيرهما، والمنصوص منهما في الجديد "والأم"، والأصح- عند القاضي- الأول؛ لقوله- ﵇: "وإنما لكلّ امرئ ما نوى"، ووجه مقابله: أنه ربما هرب بغير اختياره؛ فلا يصح عزمه على الإقامة. ولأن أعذار الحرب تخالف ما سواها، وهذا ما اختاره المزني.
وقد حكى الإمام القولين هكذا فيما لو نوى المحارب إقامة ثمانية عشر يوماً؛ تفريعاً على قولنا: إنه لو أقام ثمانية عشر يوماً فيه، كان له أن يقصر، وحكاهما أيضاً في التاجر، إذا قلنا: إنه كالمحارب في جواز القصر ثمانية عشر يوماً. ووجّه القصر بأن هذه المدة في حق هؤلاء كثلاثة أيام في حق مسافر لا شغل له، ثم
стр. 1721
لو نوى المسافر ثلاثة أيام كان له القصر فيها؛ فكذا هؤلاء.
وحكى القولين- أيضاً- فيما لو علم المحتاج أن شغله لا يتنجز إلا في ثمانية عشر يوماً، وقد فرعنا على أنه يقصر فيها إذا كان على تردد من نجاز حاجته فيها. قال: وقياس ذلك على ما ذكرناه بيّن، وإذا قلنا: يقصر ثمانية عشر يوماً، ففيما زاد عليها الخلاف السابق؛ قاله الرافعي، والذي أورده العراقيون والجمهور: الأول.
ولو أقام غير محارب، ولا مشغول بغيره، ولا نية له في إقامة ولا رحيل- فهذا يقصر تماماً أربع، ثم عليه أن يتم فيما زاد قولاً واحداً، وقياس قول الإمام السالف: أنه يقصر ثلاثة أيام، وبعدها يتم.
ثم لا يخفى أن ما ذكره الماوردي مصور بما إذا لم يكن البلد الذي أقام فيه مقصده، أما إذا كان مقصده، فقد حكينا عنه أنه بوصوله إليه تنقطع عنه رخص السفر، ويشبه أن يكون العبد إذا أقام مع سيده في بلد في طريقه هذه المدة، وكذا الزوجة إذا أقامت إذا أقامت مع زوجها فيه هذه المدة، وقد جوزنا لهما القصر- ألا يقصرا بعد الأربع؛ لأن مقامهما خال عن قصد، ولا يضرهما قصد السيد والزوج الإقامة أكثر من ذلك؛ كما لا يفيدهما معرفتهما مسافة السفر في جواز القصر إذا لم يعرفاها، قاله القاضي الحسين. ولو نوى العبد أو الزوجة الإقامة أربعة أيام، ففي لزوم الإتمام له وجهان في "التهذيب" و"الزوائد" و"تلخيص الروياني"، وجه المنع: أنه لا يستقل بنفسه؛ فنيته كالعدم، وألحق البغوي والروياني بهما الجيش إذا نوى المقام دون الأمير، وفيه نظر؛ لما تقدم من الفرق بينهما عند الكلام في ربط السفر بمقصد معلوم.
قال: وإن فاتته صلاة في الحضر، فقضاها في السفر، أتم؛ لأنه تعين عليه فعلها أربعاً فلم يجز له النقصان عنها، كما لو [لم يسافر]، وقد ادعى ابن المنذر والإمام أحمد الإجماع على ذلك، وقال المزني: له القصر؛ لأن الاعتبار في العبادات بوقت الأداء دون وقت الوجوب.
أصله: إذا وجبت عليه الصلاة، وقدر على أدائها قائماً، فأخرها حتى عجز عن
стр. 1722
القيام- قضاها قاعداً، وكذا عكسه، وقد حكاه الماوردي عن بعض الأصحاب، وغلطه فيه، ولم أره لغيره، بل جزموا بالمنع، وفرقوا بين ذلك وبين المرض بأن المرض ليس إليه، وكذا إزالته، وهو معرض أن تخترمه المنية في كل ساعة، فلو كلفناه التأخير حتى يزول المرض، ويقدر على القيام ربما مات؛ فتبقى ذمته مرتهنة بالصلاة، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن إتمام الصلاة في مقدوره، والسفر إليه، وبعضهم فرق بأن القصر رخصة، وليس كذلك الصلاة قاعداً، ومن ثم قلنا: لو افتتح الصلاة قائماً، ثم عجز عن القيام- جلس، ولو افتتح الصلاة في الحضر، ثم سافر- أتم.
فإن قيل: لو أفطر في رمضان في الحضر، ثم سافر، وشرع في القضاء- كان له الفطر فيه؛ كما كان له في الأداء الفطر إذا وقع في السفر، فهلا كان ها هنا مثله؟!
قلنا: إن كان فطره في الحضر بغير عذر، فلأصحابنا فيه وجهان:
أصحهما- كما قاله البندنيجي وغيره-: أنه ليس له الفطر، وعلى هذا فلا فرق بينهما.
والثاني: له الفطر؛ كما لو كان الفطر في الحضر بعذر.
وعلى هذا: فالفرق ما سبق: أن القصر غير مضمون بالقضاء، بخلاف الصوم، ثم الفوات الموجب لفعل الصلاة تماماً في السفر، يحصل بخروج كل الوقت وهو مقيم، ثم يسافر، وهل يحصل بخروج أكثره بحيث لم يبق منه ما يسع كل الصلاة؟ فيه خلاف ينبني على أن من فعل بعض الصلاة في الوقت، وباقيها خارج الوقت هل توصف كلها بالأداء أو بالقضاء، أو ما وقع منها في الوقت أداء، وما وقع خارجه قضاء؟ فيه خلاف مر، والصحيح- كما قاله البندنيجي هنا، وغيره-: الأول، فإن قلنا به لم يتحقق الفوات، وجاز له القصر إذا سافر وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة، وعليه نص الشافعي، كما قال القاضي الحسين، وإن قلنا بما عدا الأول، فقد تحقق الفوات، ولزمه الإتمام، ومحل ذلك- بالاتفاق- إذا كان المدرك في الوقت ركعة تامة، أما إذا كان دونها فقد ادعى المتولي أنه لا خلاف في أن الكل قضاء، وقضيته: أن يلزمه الإتمام قولاً واحداً،
стр. 1723
وهو ما جزم به الروياني في "تلخيصه" تبعاً للفوراني والمتولي، لكن القاضي أبو الطيب حكى [عن] الداركي أنه قال: الخلاف المذكور فيما إذا [بقي] من الوقت ركعة، جار فيما لو أدرك في الوقت تكبيرة الإحرام فقط. وهذا يقتضي المنازعة فيما ذكره المتولي من اختصاص الخلاف بما إذا كان المدرك في الوقت ركعة، وعليه تنطبق عبارة البندنيجي؛ حيث قال: المذهب أنه إذا أدرك من الصلاة في الوقت شيئاً، وفعل باقيها خارج الوقت يكون الكل أداء.
وقال الإمام: إنه إذا أدرك في الوقت تكبيرة، ترتب على ما إذا أدرك في الوقت ركعة، وها هنا أولى بالإتمام؛ لأن الركعة يدرك بها المسبوق الجمعة، دون التكبيرة؛ فكذا يكون بها مدركاً للقصر دون التكبيرة.
ثم هذا كله تفريع على أنه إذا سافر، وقد بقي من الوقت ما يسع أربع ركعات: أنه لا يلزمه الإتمام، كما حكاه في "الإبانة" عن النص، وهو اختيار أبي إسحاق، أما إذا قلنا: يلزمه في هذه الصورة الإتمام، كما حكاه أبو الطيب، عن رواية الداركي، عن أبي الطيب بن سلمة؛ لأنه سافر وقد تعينت عليه الصلاة، فكان كفعلها ففيما إذا سافر وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة أو دونها أولى.
ثم الخلاف في هذه الصورة مفرع على النص في أنه إذا مضى عليه- وهو مقيم- من وقت الصلاة ما يسعها، ثم سافر: أن له القصر.
قال الماوردي: وهو الذي ذكره الشافعي في عامة كتبه، وعليه عامة أصحابنا. وقال المزني: قياس الشافعي فيما إذا أدركت المرأة من الوقت [قدر] ما تؤدي فيه الفرض، ثم حاضت أو جنت: أنه يجب عليها القضاء- أنه يلزم من سافر وقد مضى عليه من الوقت قدر ما يؤدي فيه الفرض أنه يلزمه الإتمام؛ لأن الحيض والجنون يسقط فرض الصلاة رأساً؛ كما أن السفر يسقط ركعتين، فإذا كنا لا نسقط عنها الأربع كذلك لا تسقط الركعتان.
فمن الأصحاب- وهم القياسون، كما قال الإمام- من صوب المزني في التخريج؛ لضيق الفرق، وجعل في المسألتين قولين بالنقل والتخريج. قال الإمام: ومأخذهما أن من أخر صلاة الظهر عن أول الوقت إلى وسطه، ثم مات، فهل يلقى الله عاصياً أم لا؟ وفيه خلاف، والأصح: لا، بخلاف من أخر الحج؛ فإن
стр. 1724
الصحيح أنه يعصى؛ فإنه لو لم يعص لما انتهى الحج إلى حقيقة الوجود، فإن خاصة الوجوب ما يعصي بتركه، والصلاة المؤقتة إفضاء الأمر فيها إلى المعصية، بأن يبقى المكلف حتى ينقضي الوقت عليه، وهو غير معذور.
وقد حكى في "التتمة" القولين منصوصين، وعزى الثاني إلى نصه في القديم، والجمهور على ما نص عليه في الجديد، وفرقوا بين ما نحن فيه وبين ما إذا حاضت المرأة أو جنت بأنا لو لم نوجب على الحائض والمجنونة القضاء لخرج أول الوقت عن أن يكون وقتاً لوجوب الصلاة، والصلاة- عندنا- تجب بأول الوقت، وليس كذلك إذا قلنا: لا يجب على المسافر الإتمام؛ فإنه لا يؤدي إلى أن نكون قد أخرجنا أول الوقت عن أن يكون الوجوب متعلقاً به؛ لأنا قد أوجبنا به الصلاة المقصورة.
وفرق بعضهم بأن ما تدركه الحائض والمجنونة بالإضافة إلى الإمكان كأنه كل الوقت؛ إذ لا تقدر على الفعل بعد الحيض والجنون، بخلاف المسافر.
ويرجع حاصل ما ذكرناه إلى ثلاثة أوجه، وقد حكاهما القاضي أبو الطيب:
أحدها: لا يلزم الحائض والمجنونة الصلاة، ولا [يلزم] المسافر الإتمام.
[والثاني: يلزمهم ذلك، وهي طريقة ابن سريج.
والثالث: يلزم الحائض والمجنونة الصلاة، ولا يلزم المسافر الإتمام،] وهي الطريقة الصحيحة.
قال الأصحاب: وإذا قلنا بأنه إذا سافر وقد بقي من الوقت ما يسع [أربع ركعات: أنه لا يلزمه الإتمام، وإذا سافر وقد بقي من الوقت] ما يسع ركعة أنه يلزمه الإتمام- فلو سافر، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعتين، والسفر مما تقصر فيه الصلاة: فهل له القصر؛ لأنه قد بقي من الوقت قدر صلاة مقصورة، أو يلزمه الإتمام؛ لأنه كان يجب عليه أن يحرم بها في السفر؟ فيه خلاف، المنسوب منه إلى أبي علي بن أبي هريرة الأول، والصحيح في "تلخيص الروياني" الثاني.
ولا خلاف في أنه إذا سافر قبل أن يمضي من الوقت ما يمكن إيقاع جملة [الصلاة] فيه، [ثم سافر]: أنه لا يلزمه الإتمام. قال الماوردي: إلا على قياس
стр. 1725
مذهب أبي يحيى البلخي. أي: في أن الحيض إذا طرأ على المرأة وقد مضى من الوقت ما لا يسع كل الصلاة [أن الصلاة] تلزمها؛ فإن قياسه- إذا ألحقنا المسافر بالحائض، كما قاله المزني- أنه يلزمه الإتمام، وقد أبدى الإمام ذلك احتمالاً، و [قوّاه بأن] المسافر يمكنه أن يتم، والحائض لا يمكنها أن تتم على الركعة.
قال: وإن فاتته في السفر، فقضاها في السفر أو في الحضر- ففيه قولان:
أصحهما: أنه يتم؛ لأنها صلاة ذات ركوع وسجود؛ فكان من شرطها الوقت كالجمعة، وقد وافق الشيخ في تصحيحه القاضي الحسين، والمتولي، والبغوي.
ومقابله: أن له القصر؛ لأنها صلاة تقضى وتؤدى؛ فوجب أن يكون قضاؤها مثل أدائها؛ كالصبح والمغرب، ولا يرد عليه الجمعة؛ لأنها لا تقضي، ولأن الفرض يسقط في الوقت بركعتين؛ فكذلك بعد فوات الوقت كالصبح؛ وهذا ما حكاه البندنيجي عن نصه في القديم "والأم"، وغيره قال: إنه نص عليه في القديم، وأما في "الإملاء" فإنه منصوص عليه فيما إذا كان القضاء في السفر، وقد حكاه القاضي أبو الطيب في هذه الحالة عن الجديد، وهو الأصح في "المهذب" فيها، تبعاً لـ "الحاوي"، وتبعهما الروياني في "تلخيصه"، ووجهه بالمشقة.
قال القاضي الحسين: والقولان فيما إذا كان الفوات في السفر وأراد القضاء في الحضر، شبيهان بقولنا: إن الاعتبار في الكفارات بحالة الوجوب أو حالة الأداء؟
وقد رتب المراوزة الخلاف فيما إذا وقع القضاء في السفر على ما إذا وقع في الحضر، فقالوا: إن قلنا: يقصر إذا قضاها في الحضر، فإذا قضاها في السفر أولى، وإلا فوجهان، وهذا إذا كان السفر الذي قضاها فيه هو السفر الذي فاتته فيه، فلو كان غيره، فوجهان مرتبان على ما إذا كان هو هو، وأولى بالإتمام.
وإن رتب على ما إذا وقع القضاء في الحضر، كان أولى بالقصر، وفي كلام القاضي
стр. 1726
الحسين إشارة إلى الفرق بين أن يتذكر في الحضر المتخلل، أو لا، والله أعلم.
ولا خلاف في أنه إذا فاتته في الحضر، فقضاها في حضر آخر- أنه يتم، سواء لم يتخلل بينهما سفر، أو تخلل؛ نظراً لحالة الوجوب والأداء، وهي أغلظ الحالين، وكذا لو أدركه الوقت وهو في السفر، فأقام وقد بقي من وقت الصلاة شيء، ولم يفعلها حتى فات جميع الوقت- فإنه يقضيها تماماً قولاً واحداً، كما قال البندنيجي، وهو في "التتمة" مخصوص بما إذا كان قد بقي من الوقت قدر أربع ركعات أو ركعة، أما إذا أدرك دون ركعة، فإن قلنا: إنه يصير مدركاً للصلاة وجوباً بدون ركعة، فهاهنا يصير مدركاً [حكم المقيمين؛ فيلزمه الإتمام. وإن قلنا: لا يصير مدركاً] للصلاة بذلك، فيصير كما لو فاتته الصلاة في السفر، وأراد قضاءها في الحضر.
قال: ويجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما في السفر الطويل، أي: إذا كان يسوغ القصر فيه؛ لما روى أبو داود، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: "أن معاذ بن جبل أخبرهم أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، [ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً"] أخرجه مسلم.
стр. 1727
قال: وفي السفر القصير- أي: وهو ما لا تقصر فيه الصلاة- قولان:
وجه الجواز: أن أهل "مكة" يجمعون بين الظهر والعصر بـ "عرفة" وبين المغرب والعشاء بـ "مزدلفة"، ولم ينكره عليهم منكر، وسفرهم قصير، ولأنه لما كان الجمع بالحضر بالعذر، فجوازه في السفر اقتضى ألا يفرق فيه بين طويل السفر وقصيره؛ كما في التيمم وأكل الميتة، ولأنه يجوز فيه ترك استقبال القبلة في الصلاة على الراحلة؛ فجاز فيه الجمع كالسفر الطويل، وهذا ما ادعى الماوردي أنه مخرج من القديم، وكلام القاضي الحسين الذي سنذكره يدل عليه.
قال الماوردي: وقد امتنع كثير من أصحابنا من تخريجه.
ووجه المنع: أنه إخراج عبادة عن وقتها؛ فلا يجوز إلا في السفر الطويل كالفطر في رمضان، ولأنه- ﵇ لم ينقل عنه أنه جمع إلا في سفر طويل، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وهو الصحيح، وأهل مكة يجمعون بعذر النسك.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن القولين ينبنيان على أن الجمع بـ "عرفة": هل يجوز لأهل منى؟ وفيه قولان: الجديد: لا، والقديم: نعم. وعلى هذا: لأي معنى جاز؟ فيه مأخذان:
أحدهما: لأجل النسك؛ فعلى هذا: لا يجوز الجمع في السفر القصير.
والثاني: لأجل السفر؛ فعلى هذا: يجوز في السفر القصير.
قال الرافعي: وظاهر المذهب- عند الأئمة-: أن الجمع بعلة السفر في الآفاقي.
وقد أفهم قول الشيخ: "ويجوز الجمع ... " إلى آخره، أمرين:
أحدهما: أنه لا يجوز الجمع بين الصبح وغيرها، وبين المغرب والعصر؛ وذلك لأنه لم ينقل أنه- ﵇ جمع بين ذلك، وخالف جمع الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء؛ لأن الظهر والعصر صلاتا نهار، وقت إحداهما
стр. 1728
متصل بوقت الأخرى، [والمغرب والعشاء صلاتا ليل، ووقت إحداهما متصل بالأخرى]، على قول، وعلى آخر: ما بينهما من الفصل قصير.
وقال القاضي الحسين: لأن الظهر والعصر يتفقان في وقت الضرورة؛ فكذلك في وقت العذر، وكذلك المغرب والعشاء.
الثاني: أن فعل كل صلاة [في وقتها] أفضل من الجمع، وهو كذلك عند الأصحاب، إلا في حق الحاج؛ فإن إيثار الفراغ عشية "عرفة" أهم وأولى من كل شيء؛ كذا قاله الإمام [ثمَّ].
قال: والمستحب لمن هو في المنزل في وقت الأولى أن يقدم الثانية إلى الأولى، ولمن هو سائر أن يؤخر الأولى إلى الثانية؛ اقتداء برسول الله ﷺ .
أشار الشيخ- والله أعلم- بذلك إلى ما رواه الشافعي بسنده، عن كريب وعكرمة، عن ابن عباس أنه قال: "ألا أخبركم عن صلاة رسول الله- ﷺ ؟ فيروي أنهم قالوا: بلى. وروي أنه قال: إذا زالت الشمس وهو [في] منزله، جمع بين الظهر والعصر في الزوال، وإذا سافر قبل الزوال، أخر الظهر حتى يجمع بينها وبني العصر في وقت العصر، وكذلك المغرب مع العشاء"، وقد روى أبو داود عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب"، وفي رواية أخرى قال:
стр. 1729
"ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق" وأخرجه البخاري ومسلم، وليس في حديث البخاري: "ويؤخر المغرب .. " إلى آخره.
وروى أبو داود عن أيوب، عن نافع أن "ابن عمر استُصْرِخَ على صفية وهي بـ "مكة"، فسار حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فقال: إن النبي ﷺ كان إذا عجل به أمر في سفر، جمع بين هاتين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، فنزل فجمع بينهما"، وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله ابن عمر، [عن نافع، وقال: "حسن صحيح"، وأخرجه النسائي من حديث سالم عن عبد الله بن عمر] عن أبيه بمعناه أتم منه، وأخرج المسند بمعناه مسلم من حديث مالك، عن نافع.
قال: وإن أراد الجمع في وقت الأولى لم يجز إلا بثلاثة شروط:
أحدها: أن يقدم الأولى منهما؛ لأن وقت الثانية لم يدخل، وإنما جوز فعلها تبعاً للأولى، والتابع لا يتقدم على المتبوع، وبهذا الشرط يبين لك أربع مسائل، يرجع حاصلها إلى واحدة:
الأولى: إذا صلى [العصر قبل الظهر]، لا تصح.
стр. 1730
الثانية: إذا صلى الظهر ثم سبقه الحدث، فتوضأ وصلى العصر، وتبين أنه محدث في الظهر- لا تصح العصر.
الثالثة: إذا صلى الظهر، ثم العصر، ثم تبين أنه صلى الظهر قبل الزوال، لا تصح العصر.
الرابعة: إذا صلى الظهر، ثم العصر، وتذكر أنه ترك سجدة من الظهر- لا تصح العصر. ولهذه الصورة تتمة ستأتي، إن شاء الله تعالى.
قال: وأن ينوي الجمع عند الإحرام بالأولى في أحد القولين، ويجوز في القول الثاني قبل الفراغ من الأولى.
هذا الفصل مسوق لبيان أمرين هما الشرط الثاني:
أحدهما: أن نية الجمع لابد منها؛ لأن فعل الصلاة في غير وقتها يجوز أن يكون على وجه الجمع، ويجوز أن يكون على وجه السهو والجهل بالوقت؛ فلابد من النية [للتمييز، ولأنه: لما لما يجز تأخير الأولى إلى الثانية إلا بالنية] مع إمكان فعلها في الحال، وفي وقت الثانية- كان إيجاب النية في تقديم الصلاة عن وقتها مع تعذرها في الحال أولى، وتحريره قياساً: أنها صلاتان مجموعتان في وقت إحداهما؛ فوجب ألا يصح إلا بنية الجمع، أصله: إذا جمع بينهما في وقت الثانية.
وقد حكى ابن الصباغ وغيره عن المزني: أنه جوز أن يأتي بالثانية عقيب الأولى من غير نية الجمع؛ لأن الجمع قد حصل بفعله، وقد حكاه الإمام، عن رواية الصيدلاني، عن بعض الأصحاب، ونسبه مجلي إلى رواية صاحب "التقريب" عن بعض الأصحاب، وبنى عليه أن نية التمتع هل تشترط [في التمتع] بالعمرة إلى الحج؟ قال الإمام: ووجه الشبه بيّن [و] هذا، وإن كان متجهاً في القياس فهو بعيد عن مذهب الشافعي.
الثاني: وقت النية، [وفيه]- كما قال الشيخ- قولان، ادعى الماوردي أنهما منصوصان:
أحدهما: أنه وقت الإحرام بالأولى؛ لأن الرخص المتعلقة بالصلاة في السفر
стр. 1731
رخصتان: جمع، وقصر، فلما لم تجز نية القصر إلا مع الإحرام لم تجز نية الجمع إلا مع الإحرام، وتحريره قياساً: أنه رخصة متعلقة بالسفر مفتقرة إلى النية؛ فكان محلها [مع] الإحرام كالقصر، وهذا القول ادعى الجمهور أنه مخرج من نصه على مثله في الجمع في المطر.
والثاني: أنه يجوز قبل الفراغ من الأولى؛ لأن الجمع هو الضم والمتابعة، ووقت الضم حال السلام، فملا جاز أن ينوي الجمع في غير وقت الضم، وهو حال الإحرام، جاز أن يجزئه إذا نوى في وقت الضم، وحين الفراغ، وما قاربه أولى، وخالفت هذه النية نية القصر؛ لأنها تراد لتنعقد ركعتين؛ فلذلك اشترطت في أولها، وهذا القول هو المنصوص في المسألة كما ادعاه الجمهور، وهو الجديد كما قال أبو الطيب، واختيار أبي إسحاق، وقال المزني: إنه أشبه بأصل الشافعي، ولا جرم [كان] هو الأصح في "المهذب" و"الرافعي"، وقد خرج [منه] إلى مسألة الجمع بعذر المطر قول آخر، وبه يحصل في كل من المسألتين قولان بالنقل والتخريج.
وقد امتنع بعض الأصحاب من التخريج في الصورتين، فأقر النصين، وفرق بأن المطر لا يشترط دوامه في جميع الصلاة الأولى، ويشترط دوام السفر في جميع الأولى؛ فلا يمتنع أن تكون صلاة الظهر وقتاً للنية من حيث اشترط سبب الجمع فيها، ولا يكون الأمر كذلك في عذر المطر؛ بل يتعين لنية الجمع وقت التحريم بالأولى؛ فإنه يشترط المطر عنده.
قال الإمام: والصحيح طريقة القولين.
وقد خرج المزني قولاً ثالثاً: أنه يجوز [إيقاع نية] الجمع بعد الفراغ من الظهر وقبل التحرم بالعصر؛ لأن اتصال صلاة الظهر بالعصر لا يزيد على اتصال سجود السهو، أي: وهو يجوز بعد السلام إذا لم يطل الفصل.
قال الإمام: وقد قبل الأئمة منه هذا التخريج على هذه الطريقة؛ فإن الجمع
стр. 1732
يتعلق بالصلاتين فلا يبعد وقوعه بينهما.
قال الروياني في "تلخيصه": وقد قيل: إن الشافعي نص على هذا في كتاب استقبال القبلة.
قال الإمام: وإذا قلنا به، فلو أوقع النية مع التحريم بالثانية، فالظاهر من كلام المفرّعين عليه منع ذلك، وليس يبعد عن القياس تجويز ذلك؛ إذ لا فرق بين ربط الأولى بالثانية، وبين ربط الثانية بالأولى، نعم: لو نوى بعد التحرم بالثانية الجمع، فلا أثر لذلك، وصلاة العصر غير منعقدة، وفي كلام الصيدلاني إشارة إلى ذلك، [ومن] منع تخريج المزني- وهم العراقيون- قالوا: ما بعد السلام من الأولى ليس بوقت للضم، لِتَقَضِّي الأولى بالفراغ منها؛ فلا يكون جامعاً بينهما.
والفرق بين ما نحن فيه وسجود السهو: أنه أتى فيه بالنية مع الإحرام؛ لأنه نوى الصلاة مع الإحرام، وموجب الصلاة الإتيان بفروضها وسننها، وسجود السهو بدل عن المسنون؛ فلم يفتقر إلى نية مجردة، وليس كذلك الجمع بين الصلاتين.
وقد أفهم كلام الشيخ أنا على القول الثاني نعتبر أن تكون النية قبل السلام؛ فإنها لو كانت معه، لكانت مع الفراغ، [وهو ما حكاه الإمام عن شيخه، وإن الذي اختاره الشيخ أبو بكر: أنه يجوز إيقاعها] مع التحلل عن الأولى. وهو ما يقتضيه كلام الماوردي وغيره.
قال: وألا يفرق بينهما؛ لأنها إنما تفعل تبعاً، ولو فرق بينهما لم تكن تبعاً، ولأن الجمع يكون بالمقارنة أو بالمتابعة، والمقارنة متعذرة؛ فتعينت المتابعة.
ثم المرجع في التفرقة وعدمها إلى العرف عند العراقيين: فما يعد تفرقة يبطل الجمع، وما لا فلا، وإن كانت حقيقة الاتصال وقوع الإحرام بالثانية عقيب [سلام] الأولى، وبعضهم لم يضبط ذلك بحدّ. بل قال: لو أتى بكلمة أو كلمتين، أو الإقامة دون الأذان- لم يضر؛ لأنه يسير في العادة، وقد شهد للتفريق بالإقامة فعله- ﵇ فإنه صح أنه كان "يأمر بلالاً بالإقامة
стр. 1733
بين صلاتي الجمع"، ولأنها من مصالح الصلاة، والتيمم بينهما مع طلب الماء مغتفر على المذهب في "التهذيب"، وعليه عامة الأصحاب، ولم يحك البندنيجي غيره، والوضوء بالاغتفار أولى؛ لأن زمنه يقصر عن زمن طلب الماء والتيمم، وهو مما لا خلاف فيه.
وعن أبي إسحاق: أن الفصل بالتيمم يبطل الجمع.
وقال الماوردي: إن طال زمن الطلب للماء بطل الجمع، وإن قرب لم يبطل.
وفي "الروضة" في كتاب الحيض: أن المتحيرة لا يجوز لها الجمع بعذر السفر، ولا المطر على الصحيح، ومقابله: أنه يجوز كغيرها.
وقد ألحق الإصطخري بذلك التنفل بينهما، فجوزه.
قال الأصحاب: وهو خلاف النص؛ لأنه قال: "ولا يسبح بينهما، ولا عقيب الثانية"، وأراد: لا يصلي؛ لأنه إن صلى بينهما طال الفصل، وإن تطوع بعد الثانية فقد تطوع بعد العصر، وهذا لا يجوز. حكاه البندنيجي.
وفي "التتمة": أن الإصطخري قال: لا تشترط الموالاة في الجمع بينهما في وقت الأولى؛ فيجوز وإن طال الفصل ما لم يخرج وقت الأولى منهما.
قال الرافعي: ويروي مثله عن أبي علي الثقفي.
وقال الموفق بن طاهر: سمعت أبا عاصم العبادي يحكي عن "الأم": أنه إن صلى في بيته، ونوى الجمع، وجاء إلى المسجد، وصلى العشاء فيه- جاز، والمشهور خلافه، ويدل عليه قول الشافعي: لو سها بعد الفراغ من الأولى سهواً طويلاً، أو أغمي عليه، ثم أفاق- لم يجز له الجمع.
وفي "تعليق القاضي الحسين": أنه يشترط ألا يزيد زمان التفريق بين صلاتي الجمع على الزمان الذي يتخلل بين الإيجاب والقبول، والإقامة وعقد الصلاة، والزمان الذي [يتخلل بين الخطبتين، والزمان الذي] يبني فيه على الصلاة إذا ذكر ركناً نسيه.
وقد ذكر بعضهم مع ما صرح به الشيخ من الشروط الثلاثة شرطاً آخر، وهو دوام السفر إلى الفراغ من الثانية، فلو قدم وطنه، أو نوى الإقامة قبل الشروع في العصر لم يجز له أن يتلبس بها، ولو نواها بعد الشروع فيها، لم تقع عن الفرض.
стр. 1734
قلت: وهذا يؤخذ من قول الشيخ: "ويجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما في السفر .. "، وهو يعني أيضاً ما نبه عليه القاضي الحسين [من أنه لابد أن تقع الأولى منهما في وقتها.
وقد حكى الإمام والقاضي الحسين] وغيرهما من المراوزة وجهاً فيما إذا طرأت الإقامة في أثناء الثانية: أنها لا تؤثر في بطلانها، وهو ما حكاه البندنيجي عند الكلام في الجمع بعذر المطر، وصاحب هذا الوجه لا يشترط دوام السفر إلى دخول وقت الثانية من طريق الأولى.
وأما القائلون بالأول، فقالوا: هل يشترط دوام السفر إلى دخول وقت الثانية، أم لا؟ فيه وجهان:
أظهرهما في "الرافعي": لا، قياساً على ما لو نوى القصر، وفرغ من الصلاة، ثم أقام والوقت باق.
والثاني: نعم؛ قياساً على ما لو عجل الزكاة، ثم خرج عن أهلية الوجوب، أو استغنى الفقير قبل الحول؛ فإن ما أداه لا يقع موقع الزكاة.
وعلى هذا: فهل يشترط أني مضي من وقت الثانية مقدار الصلاتين وهو مسافر، أو لا؟ قال القاضي الحسين: فيه خلاف.
وفي "التهذيب" و"الكافي": أنه إن مضى بعد دخول [وقت] الثانية ما يسعها، ثم طرأت الإقامة- لا يضر وجهاً واحداً، وإن كان قبل ذلك ففيه الخلاف.
وأغرب الإمام، فقال: إذا قلنا لو طرأت الإقامة في أثناء الصلاة: إنها تؤثر، فهل تؤثر إذا طرأت بعد الفراغ من الثانية: إما في وقت الأولى، أو في وقت الثانية؟ فيه وجهان. ولم يقيد ذلك بما إذا كان لم يمض من وقت الثانية ما يسعها أو لا.
ثم حيث قلنا بأن صلاة العصر لا تحسب له عما عليه، فهل تبطل أو تنقلب نفلاً؟ فيه خلاف سبق نظيره، وبه صرح الروياني ها هنا، والله أعلم.
فرع: إذا صلى الظهر ثم العصر، ثم تذكر أنه ترك سجدة من الظهر- بطل الظهر والعصر، كما تقدم، ولو تذكر أنها من العصر بطل الجمع، وأعاد العصر
стр. 1735
في وقتها، ولو جهل أنها من الظهر أو العصر، أعاد كل صلاة في وقتها؛ أخذاً بالاحتياط؛ قاله القاضي الحسين.
وفي "زوائد العمراني": أنه يجيء فيه قول آخر: أن له أن يجمع إليها العصر؛ قياساً على ما حكاه الربيع في الجمعتين إذا أقيمتا في بلد واحد، ولم تعرف السابقة منهما: أن لهم أن يصلوا الجمعة.
وقال الرافعي: إنه حكاه في "البيان" عن الأصحاب.
ثم هذا فيما إذا طال الفصل، فلو قرب أعاد الصلاتين جَمْعاً، قاله الرافعي.
قال: وإن أراد الجمع في وقت الثانية كفاه- أي: في نفي الإثم، وجواز قصر الأولى، إن كان السفر طويلاً- نية الجمع [قبل خروج وقت الأولى بقدر ما يصلي فرض الوقت؛] لأن تأخير الصلاة عن وقتها تارة يكون معصية: وهو أن يؤخرها عامداً لغير الجمع، وتارة يكون مباحاً: وهو أن يؤخرها للجمع، وصورة التأخيرين سواء؛ فلابد من نية تميز بينهما.
وقد أفهم قول الشيخ: "كفاه نية الجمع قبل خروج وقت الأولى، بقدر ما يصلي فرض الوقت ... " أموراً:
أحدها: أن ذلك شرط، وهو كذلك؛ بل قال في "الحاوي": إنه لا يختلف مذهب الشافعي في اشتراط ذلك، وسائر أصحابه.
وفي "شرح" ابن التلمساني أن الإمام قال: إنا إذا قلنا: لا يجب الترتيب والموالاة، لا تجب نية الجمع، وكأن نفس السفر مسوغ للتأخير.
وحكاه الفوراني وجهاً، والذي رأيته في "النهاية": أنا إذا لم نشترط الترتيب
стр. 1736
والموالاة، فلا تشترط وجهاً واحداً.
وقال الرافعي: إنه محمول على نية الجمع عند الإحرام بالأولى في وقت الثانية، ويؤيد هذا التأويل أنه حكى عن شيخه والصيدلاني في آخر الباب: أنه لو لم ينو، عصى بالتأخير.
[ثم] قال: وفيه شيء؛ فإنا إذا لم نشترط نية الجمع عند إقامة الصلاة، فلا يبعد أن يقال: نفس الشرع يسوغ التأخير، ويصير الوقت مشتركاً.
الثاني: أنه لا يكفيه نية الجمع إذا بقي من الوقت ما لا يسع كل فرض الوقت، وهو [وجه حكاه الأصحاب؛ بناءً على أنه إذا أوقع ركعة في الوقت] وباقيها خارج الوقت- تكون قضاء، أو قضاء وأداء، والمذهب- كما تقدم- أنها تكون بجملتها أداء، وعلى هذا يكفيه إذا بقي من الوقت قدر ما يؤدي فيه ركعة، [وبه صرح الروياني في "تلخيصه"، وعلى رأي الداركي: يكفيه إذا بقي من الوقت قدر ما يؤدي فيه تكبيرة أيضاً،] وجواب هذا أنا نقول: تقدير كلام الشيخ بقدر ما يؤدي فيه فرض الوقت، أي: أداء، وحينئذ لا يخرج وجه من ذلك عن كلام الشيخ.
الثالث: أنه لا يشترط معه شيء آخر، وقد قال بعضهم: إنه لابد من شرط آخر، وهو بقاء السفر إلى وقت الجمع، وبه صرح ابن الصباغ، وجوابه: أن قول الشيخ من قبل: ويجوز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في وقت إحداهما في السفر الطويل- ينبه عليه، ويغني عنه، وسنذكر عن المراوزة وجهاً آخر في اشتراط الترتيب والموالاة.
стр. 1737
وقد أشار الشيخ إلى نفيه؛ حيث قال: والأفضل أن يقدم الأولى [منهما]، وألا يفرق بينهما؛ اقتداء برسول الله ﷺ لأنه كذا كان يفعل، وإنما لم يجب؛ لأنه لو أخر الأولى إلى الثانية بغير عذر- لما وجب، بل جاز له تقديم [العصر على الظهر] كما تقدم في باب المواقيت، وجاز له التفريق؛ فمع العذر أولى.
قال الإمام: وقد غلط بعض أصحابنا، فقال تفريعاً على هذا: إن صلاة الظهر تكون مقضية، وفائدة الرخصة رفع الإثم، وتجويز قصر الظهر. وهذا زلل، وقلة بصيرة بالمذهب؛ فإن أصحاب الضرورات إذا زالت ضروراتهم، وقد بقي إلى الغروب قدر خمس ركعات، فنجعلهم مدركين لصلاة الظهر؛ حملاً على الوقت المشترك، ولو كان الظهر مقضياً في وقت العصر في حق المعذورين، لما تحقق الاشتراك في الوقت قطعاً؛ فيلزم ألا يكونوا مدركين لصلاة الظهر، ولأنها [لو] كانت مقضية بالتأخير، لوجب أن يتوسع في وقت قضائها في العمر حتى يقال: يقضيها المرء متى شاء. ولا خلاف في أنه لا يجوز للمسافر أن يخرج صلاة الظهر عن وقت العصر.
وهذا كله تفريع على عدم وجوب الترتيب والموالاة، المذكور في طريقة أهل العراق، والأصح عند المراوزة- وحكوا معه وجهاً آخر-: أن الترتيب يجب؛ لأن فعلها يكون أداء كما في التقديم، وقد اختاره في "البسيط".
وقال في "التتمة" هاهنا، والقاضي الحسين قبيل كتاب الجنائز: إن وجوب الموالاة مفرع على وجوب الترتيب.
[وقال الإمام: إن الصيدلاني لم يتعرض لذكر الخلاف في الترتيب، والذي فهمته من مساق كلامه قصر الخلاف على الترتيب]؛ فإنه ظاهر، وأما اشتراط الموالاة، فلا معنى له عندي؛ فإنا إذا قلنا: تقدم العصر والفراغ منها يلحق الظهر بالفائتة، فهذا له وجه، وأما أن نقول: إذا أقام الظهر تعين فعل صلاة الظهر [بعدها] وصلاة العصر] مؤداة في وقتها- فليس لذلك وجه، بل إذا قدم العصر،
стр. 1738
فيجوز أن نقول: شرط إجزاء صلاة العصر مقدمةً أن توصل بالظهر، فإن لم توصل لم تصح؛ لأنها مقدمة، فشرط إجزائها وهي مقدمة: الموالاة، هذا بين، فأما إيجاب تعجيل العصر على أثر الفراغ من الظهر في وقت العصر، فيبعد جدّاً، فتأمل ذلك؛ فإنه حسن بالغ.
فروع:
أحدها: إذا قلنا بوجوب الموالاة، فيجب عليه أن ينوي عند الشروع في الصلاة الأولى الجمع، كما في الأولى؛ قاله في "الفتاوي"، وكذا الإمام، وإن قلنا: لا تجب، فلا يشترط [وإن] أوجبنا الترتيب؛ قاله الإمام.
الثاني: إذا قلنا بوجوب الترتيب، فإذا قدم العصر على الظهر؛ فلا يجوز له أن يصلي الظهر قصراً، إذا قلنا: إن الفائتة في السفر لا تقضي قصراً، وعصى الله تعالى، وهل يجوز له أن يصلي العصر قصراً؟
قال القاضي الحسين قبيل صلاة الجنائز: المذهب نعم؛ لأنه يصليها في وقتها وهو مسافر، وقيل: لا؛ لأنه إنما جوز له قصر كلتيهما للجمع، [وهو قد] ترك الجمع- علة قصر إحدى الصلاتين- فلذلك بطل عليه قصر الصلاة الثانية.
الثالث: إذا راعينا الترتيب والموالاة، فصلى الظهر قبل العصر، وتحقق أنه ترك سجدة من الظهر- فسد عصره، وعليه إعادة الظهر تامة، ويجيء فيه القول الآخر، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بعدم وجوب الترتيب والموالاة؛ فإنه يعيدها قصراً، بلا خلاف، ولو تحقق أنه تركها من العصر بنى إن كان الفصل يسيراً، وعليه أن يعيد العصر إن كان الفصل طويلاً، والظهر إن كان قد أتمها فلا شيء عليه، وإن كان قد قصرها فعليه إعادتها تماماً على وجوب الموالاة؛ لأنه بطل حكم الجمع، وفات الظهر، وإن شك هل هي [من] الأولى، أو [من] الثانية- أعاد كلتيهما، ولا يجوز الجمع بينهما؛ بناءً على أن التفريق لا يجوز، ويجب أن يتم الظهر.
وقد سلك الماوردي طريقاً آخر، فقال: إن صلى الظهر، ثم العصر عقيبه- فقد
стр. 1739
حصل له الجمع، وكان مؤدياً لكلتا الصلاتين، وإن صلى الظهر، ثم تنفل، أو صبر زماناً طويلاً، ثم صلى العصر- لم يكن جامعاً بينهما، وكان قاضياً للظهر، مؤدياً للعصر، ولا يكون بذلك عاصياً؛ لأنه قد صلى العصر في وقتها، والظهر كان له تأخيرها. وإن قدم العصر، ثم صلى الظهر بعدها، فلا يكون جامعاً بينهما في الحكم، وتجزئه الصلاتان معاً، ثم إن كان قد صلى الظهر عقيب العصر من غير تطاول، لم يكن عاصياً، وكان بمنزلة من نسي صلاة الظهر، ثم ذكرها وقد دخل وقت العصر. وإن تطاول الزمان، بأن صلى العصر، ثم صبر زماناً طويلاً، ثم صلى الظهر- فهذا عاص بتأخير الظهر بعد العصر؛ لأن له تأخيرها إلى وقت العصر بنية الجمع، ويجوز له تقديم العصر عليها إذا ترك الجمع، ولا يجوز له تأخيرها [بعد صلاة العصر، فإن أخرها كان عاصياً. وكذلك الحكم في المغرب مع العشاء].
قال: ويجوز للمقيم الجمع في المطر في وقت الأولى منهما، إن كان يصلي في موضع يصيبه المطر، وتبتل ثيابه؛ لما روى أبو داود، عن ابن عباس قال: "صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر". قال مالك: أرى ذلك كان في مطر. وأخرجه مسلم وليس فيه كلام مالك، وقد ذكر بعض الشارحين أن الشافعي ومالكاً قالا: "نرى ذلك بعذر المطر .. ".
والمشهور في "التتمة" وغيرها: أن الشافعي قال: "قال مالك: لا أرى ذلك إلا بعذر المطر"، وأن الشافعي استأنس بقول مالك، كما استأنس بقول ابن جريج في تحديد القلتين.
فإن قيل: قد روى مسلم، عن ابن عباس قال: "جمع رسول الله ﷺ الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف، ولا مطر، فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته"، وهذا ينفي تأويل مالك.
стр. 1740
قلنا: ذلك لا يضرنا؛ لأنه يقتضي الجمع من غير مطر، فمع المطر أولى. على أنا نؤوّله، فنقول: مراده: ولا مطر يصيبه، بأن كان تحت سقف، وقد روى نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ "جمع بين الظهر والعصر في المطر"، وروى الأثرم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: "إن من السنة إذا كان يوم مطر أن يجمع بين المغرب والعشاء"، وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ .
وقد أفهم كلام الشيخ أموراً:
أحدها: أنه لا فرق في الجمع بسبب المطر بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وهو المشهور، وعن صاحب "التقريب" رواية قول غريب في اختصاص ذلك بالمغرب والعشاء، [وهو المشهور] لمذهب مالك.
قال الإمام: وقد حكاه العراقيون وأسقطوه، ولم يعدوه من المذهب، وأولوه، وقد ادعى بعضهم أن له اتجاهاً من جهة الظلمة، وهو شبهة مالك.
وأصحابنا نقضوا عليه بالليلة المقمرة؛ فإنه يجوز الجمع فيها مع انتفاء الظلمة.
الثاني: أنه لو كان يصلي في موضع لا يصيبه المطر، بأن كان في بيته، أو تحت سقف [في المسجد] وهو يمشي إليه في كنّ، أو كان متصلاً ببيته- أنه لا يجوز له الجمع، وهذا ما حكاه الماوردي، والبندنيجي، والقاضي أبو الطيب عن نصه في "الأم"، وقال الروياني: إنه الأقرب، وهو الظاهر في "النهاية" والأصح في "التهذيب" و"الرافعي"، وقد عزاه في "المهذب" إلى القديم، وقال: إنه نص في "الإملاء" على الجواز؛ لأنه- ﵇ كان يجمع في المسجد، [وبيوت بعض أزواجه في المسجد] وباقيها بقربه. وقد اختاره في "المرشد"، وصححه ابن يونس.
والخلاف يجري فيما لو حضروا المسجد وكان مكشوفاً، بحيث يصيبهم فيه المطر، وأرادوا أن يصلوا فرادى؛ حكاه الإمام عن الشيخ أبي بكر.
стр. 1741
الثالث: أن المطر لو كنا لا يبل الثياب، لا يجوز الجمع بسببه، وبه صرح في "المهذب"؛ لأنه لا يتأذى به.
الرابع: أنه لا يجوز الجمع بعذر البرد والثلج؛ لأنه لما خص الجواز بعذر المطر، أفهم أنه لا يجوز بما سواه من ذلك، وقد قال الماوردي: إن البرد أقل ما يكون بدون مطر، فإن كان وحده قال البندنيجي وأبو الطيب: فلا يفيد الجمع.
وأما الثلج: ففي "المهذب" و"التهذيب" و"الحاوي": أنه إن بل الثياب؛ لذوبانه بسبب حر الهواء، جوّز الجمع، وإلا فلا، وألحق في "الشامل" حالة نزوله قطعاً كباراً بحالة ذوبانه، فجوز الجمع به، وقد أطلق في "الوسيط" حكاية وجهين في جواز الجمع بعذر الثلج، وهما في "النهاية" محكيان عن رواية الشيخ أبي محمد، من حيث إنه لا يبل الثوب، وهذا يؤذن بأن محلهما إذا كان لا يبل الثوب، وبه صرح في "التتمة"، وأبداهما القاضي الحسين في "تعليقه" احتمالين لنفسه فيما إذا كان يبل الثوب، ووجه المنع: بأن السنة وردت في المطر، وهو خصوص من القياس؛ فلا يقاس عليه غيره.
قال: ويكون المطر- أي: وما في معناه- موجوداً عند افتتاح الأولى، وعند الفراغ منها وافتتاح الثانية؛ لأن المطر هو المبيح له، والعذر المبيح يعتبر وجوده في الصلاتين كالسفر.
قال الروياني في "تلخيصه": وقيل: إذا انقطع المطر عند سلامه من الأولى، ثم عاد على قرب عند إحرامه بالثانية- لا يؤثر في بطلان الجمع. وهو الأشبه. وفي "النهاية": [أنه] الذي مال إليه المعظم، إلا الشيخ أبا زيد. وأعجب من قول
стр. 1742
الإمام ذلك مع أن القاضي الحسين والعراقيين قالوا به أيضاً، وتبعهم البغوي، وغيره؛ كما قال الرافعي.
ولابد مع وجود المطر في الأحوال الثلاثة من الشرائط الثلاث التي تقدمت في الجمع في وقت الأولى في السفر؛ لأن المطر هاهنا سبب كالسبب ثم، وبه صرح الأصحاب.
وقد أفهم كلام الشيخ أمرين:
أحدهما: أن المطر لو لم يكن موجوداً عند افتتاح الأولى، لا يجوز الجمع، وبه صرح في "المهذب" والبندنيجي والقاضي الحسين وغيرهم؛ لأن سبب الرخصة حدث بعد الدخول، فلم تتعلق به؛ كما لو دخل في الصلاة، ثم سافر: لا يجوز له الجمع، وقد حكاه ابن الصباغ عن نصه في استقبال القبلة، ثم قال: وهذا إنما قاله؛ لأنه يحتاج أن يوجد العذر المبيح في جميع الصلاتين كالسفر، ثم قال: "قال أصحابنا: وسواء قلنا: يحتاج إلى نية الجمع، أو لا يحتاج"، وهذا عين ما أورده القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، ثم قال ابن الصباغ: وهذا- عندي- ينبغي أن يكون فمرعاً على قوله: إنه يحتاج إلى نية الجمع في ابتداء الصلاة، أما إذا قلنا: يكفيه نية الجمع قبل السلام، فيجوز له الجمع إذا كان [المطر] موجوداً قبل الفراغ من الأولى، [وقد حكاه ابن الصباغ عن نصه في استقبال القبلة]، وهذا ما حكاه الماوردي والمتولي قال بعضهم: والفرق بين هذا وبين ما إذا افتتح الصلاة في الحضر، وسافر، فإنه لا يجمع قولاً واحداً؛ لأن المبيح هو السفر، والسفر هو الضرب في الأرض، ولا يوجد إلا بعد انقضاء الصلاة، ومجرد العزم على السفر لا يكون سفراً، فإذا نوى الجمع، والحالة هذه، فقد نواه بدون المبيح، والعذر في المطر هو ما يلحقه من المشقة بالعود إلى الثانية، وهو موجود حالة نية الجمع.
قلت: وهذا فرق في غير محل الجمع؛ لأن محله إذا افتتح الصلاة ولا مبيح، ثم وجد المبيح في أثنائها، [وذلك يتصور في سفر البحر، بأن يحرم في سفينة في وسط البلد، ثم تسير وهو في أثنائها،] وتخرج من البلد؛ فإنه لا يباح له الجمع، وإن وجد سبب الرخصة وقت اعتبار النية.
стр. 1743
الثاني: أنه لا يشترط وجود المطر في غير الأحوال الثلاثة التي ذكرها، وهو الذي أورده العراقيون، وصاحب "الكافي" و"التتمة"، وحكى الفوراني وجهاً آخر: أن انقطاع المطر في أثناء الصلاة الثانية يبطل الجمع، كما حكيناه فيما إذا طرأت الإقامة في أثنائها، وعلى هذا: لو انقطع بعد الفراغ من الثانية، كان كما لو طرأت الإقامة بعد فراغها، وقد سبق.
قال الإمام: وهذا لا وجه له؛ لأنا إذا لم نعتبر دوام المطر في أثناء الظهر، فكيف نعتبره في أثناء العصر وما بعده؟! والفرق بين الجمع بعذر المطر والسفر: أن دوام السفر إليه، وانقطاع المطر ليس إليه.
فرع- قاله في "التهذيب" عن القاضي- أنه لو قال لشخص بعد سلامه من الأولى: انظر هل انقطع [المطر] أو لا؟ بطل الجمع؛ لأنه شك في سبب الجمع.
واعلم: أنه يعترض على ما ذكره الشيخ والأصحاب ها هنا سؤال؛ من حيث إن شرط الجمع أن تقع الصلاتان في وقت إحداهما، وهذا مما لا خلاف فيه، وقد اختلف قول الشافعي في أن وقت المغرب يدوم على غيبوبة الشفق الأحمر، وهو بمقدار ما يتوضأ، ويستر العورة، ويؤذن، ويصلي خمس ركعات، وقضية هذا أن يكون للشافعي قول: أنه لا يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب في الحضر بعذر المطر؛ لأن العشاء لا تقع بجملتها في وقت المغرب، بل ركعتان منها، لكن الأصحاب مطبقون على جوازه على [كل] قول؛ عملاً بظاهر الخبر المتقدم، وتكلف بعضهم لذلك جواباًن فقال: هذا يقوي القول بأن وقتها ممتد إلى غيبوبة الشفق، أو يكون تفريعاً على أنه إذا أوقع بعض الصلاة في الوقت، كان جميعها أداء.
قلت: ويظهر أن يقال في جوابه: إن الصلاة الثانية إذا جمعت مع الأولى في وقت الأولى، كانت كالجزء منها، ويدل عليه أنه لو فصل بينهما بأكثر مما يفصل به بين أركان الصلاة عند الجهل أو النسيان- لم يصح الجمع، ولو بان بطلان الأولى بان بطلان الثانية إذا كانت كالجزء منها، وقد تقدم أنا على القول
стр. 1744
بأنه لا وقت لها إلا وقت واحد، يجوز له أن يستديمها إلى غيبوبة الشفق؛ فلا جرم جاز الجمع بينهما، وإن كانت وقت الأولى يخرج في أثناء الصلاة الثانية، والله أعلم.
قال: وفي جواز الجمع- أي: بعذر المطر- في وقت الثانية قولان:
وجه الجواز: أنه عذر يجوّز التقديم؛ فجوز التأخير كالسفر، وهذا ما اقتصر الشيخ على إيراده في كتاب الصلاة، وادعى البندنيجي أنه القديم، وقال في "المهذب": إنه نص عليه في "الإملاء".
[وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ: إنه نص عليه في القديم و"الإملاء"].
وإذا قلنا به، قال الطبري في "عدته": اعتبرنا وجود المطر في وقت الأولى، وهو ما حكاه مجلي عن "تهذيب" نصر المقدسي، فلو انقطع قبل وقت العصر، لا يجوز الجمع.
قال في "التهذيب": ويصلي الظهر في آخر وقته، كالمسافر إذا أخر نية الجمع، ثم أقام قبل دخول وقت العصر، ولو انقطع المطر بعد دخول وقت الثانية، جاز له الجمع؛ ذكره الطبري وصاحب "الفروع".
وقال الرافعي: إن قضية ما ذكره البغوي: أنه لو انقطع المطر في وقت الثانية
стр. 1745
قبل فعلها- أنه يمتنع الجمع أيضاً، وصارت الأولى قضاء كما [لو] صار مقيماً.
وقال العراقيون: يصليها مع الثانية، سواء كان المطر باقياً أو لا.
ووجه المنع: أن المطر قد ينقطع، فيؤدي إلى الجمع من غير وجود عذر.
قال بعضهم: وعلى هذا لو كان راكباً في البحر، وجوز أن تشتد الريح، فتوصله إلى مقصده قبل وقت الثانية- لم يجز له التأخير، وهذا القول نص عليه في "الأم".
وهذه الطريقة طريقة المراوزة أيضاً إلا الفوراني؛ فإنه قال في "الإبانة": يجوز أن يؤخر الأولى إلى الثانية في المطر، وهل يجوز أن يقدم الثانية إلى الأولى؟ فيه وجهان.
وقد أفهم كلام الشيخ هاهنا منع الجمع للمقيم بغير عذر المطر، سواء كان ثم عذر من خوف أو مرض أو وحل، ونحو ذلك أم لا، وبه صرح في كتاب الصلاة في جمع التأخير، حث قال: ولا يعذر أحد من أهل فرض الصلاة في تأخيرها عن الوقت إلى آخره، وهو المذهب فيه، وفي التقديم أيضاً، وبه جزم القاضي الحسين في باب صلاة الخوف، وكذا الإمام، وادعى الإجماع على أنه لا يجوز بعذر المرض، والمتولي حكى عن القاضي: أنه اختار جوازه بعذر الخوف والمرض، وأيده في المرض بأنه يجوّز الفطر كما يجوّزه السفر؛ فالجمع أولى.
وحكى الرافعي أن الخطابي جوز الجمع بعذر المرض والوحل، وأن الروياني في "الحلية" استحسنه.
وحكى في "الروضة" أن الخطابي حكى عن القفال الكبير الشاشي، عن أبي إسحاق المروزي جواز الجمع في الحضر؛ للحاجة، من غير اشتراط الخوف والمطر والمرض، وبه قال ابن المنذر من أصحابنا، وابن الصباغ حكى عن ابن المنذر: أنه أجاز الجمع في الحضر من غير مرض؛ لأجل خبر ابن عباس السابق، وروي عنه- أيضاً-[أنه] قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ بالمدينة ثمانية وسبعاً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء" أخرجه البخاري ومسلم. والحمل على
стр. 1746
المطر قد جاء في رواية أخرى ما يدفعه، كما تقدم.
وأجاب أصحابنا عن ذلك: بأنه يحتمل أن يكون قوله: "ولا مطر"، راجعاً إلى أن المطر انقطع في الصلاة الثانية، أو لم يكن واقعاً عليهن بأن كان قد صلى في المسجد، والسقف يحول بينه وبينه، ويحتمل: أن يكون أراد بالجمع: التأخير، بأن صلى الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، وهذا التأويل إنما يستقيم على أن وقت المغرب يمتد إلى غيبوبة الشفق، وحديث جبريل- ﵇ وإن كان دالاً على ذلك أيضاً، لكن بعد العهد به، وتجدد قوم لم يبلغهم، فأراد النبي ﷺ أن يبين لمن عرف ذلك أن حكمه باق، ولمن لم يعرفه أن هذا هو الحكم.
قال الأصحاب: فإن قيل: جوزتم ترك الجمعة والجماعة بالوحل، ولم تجوزوا الجمع بسببه.
قلنا: الفرق: أن تارك الجمعة يفعل الظهر بدلاً منها، وتارك الجماعة يصلي منفرداً في بيته، وأما الذي يجمع لأجل الوحل، فإنه يترك وقت الصلاة إلى غير بدل.
فروع نختم بها الباب:
الفرع الأول: قال في "البيان": إذا أراد جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة في المطر، لا أعلم فيها نصّاً، والذي يقتضيه القياس: أنه يجوز بشرط وجود المطر عند الإحرام بالجمعة، وعند السلام منها، وعند الإحرام بالعصر، ولا يشترط وجوده في الخطبتين، وإن أراد أن يؤخر الجمعة إلى العصر على القول القديم جاز، ولا يشترط وجود المطر في وقت العصر على ما مضى، ويخطب وقت [العصر] ويصلي الجمعة؛ لأن كل وقت جاز فعل الظهر فيه، جاز فعل صلاة الجمعة فيه، كآخر وقت الظهر. وهذا القول ضعيف، وكذا ما يتفرع عليه.
وقد حكى الرافعي جواز جمع العصر إلى الجمعة، وقال: إن قول صاحب
стр. 1747
"البيان": إنه لا يشترط وجود المطر في الخطبة، قد ينازع فيه إذا قلنا: إن الخطبتين بدل من الركعتين.
قلت: وقد يظهر أن يقال: إنا وإن قلنا بجواز الجمع في وقت العصر، لا نجوّز تأخير الجمعة له؛ لأن لنا قولاً، أو وجهاً: أن الصلاة الأولى إذا فعلت في وقت الثانية بسبب السفر، تكون قضاء، وفائدة الجمع رفع المأثم، فإذا قلنا بهذا، لا يجوز تأخيرها؛ لأن الجمعة لا تفعل قضاء وقد يكون هذا قول من قال بجواز الجمع بعذر المطر في وقت الثانية؛ فيرتفع الخلاف. والله أعلم.
الفرع الثاني: إذا نوع الجمع، ثم نوى تركه في أثناء الأولى، ثم نوى الجمع ثانياً- قال في "الروضة"- حكاية عن الداركي: إن فيه قولين.
الفرع الثالث: إذا جمع الصبي بين الظهر والعصر في وقت الظهر، ثم بلغ، ووقت العصر باق- لا إعادة عليه؛ قاله العمراني في "زوائده".
الفرع الرابع: إذا نوى الكافر أو الصبي السفر إلى مسافة القصر، ثم أسلم الكافر، وبلغ الصبي في أثناء الطريق- فلهما القصر في بقيته؛ قاله في "الروضة"، ووجهه ظاهر، والله أعلم.
***
стр. 1748
باب صلاة الخوف
صلاة الخوف مشروعة في حقنا، باقية إلى يوم القيامة، والأصل فيها من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ...﴾ الآية [النساء: ١٠٢] والمراد بها: صلاة الخوف إجماعاً. ومن السنة: ما سنذكره من الأخبار. وإذا ثبت حكمها في حق النبي صلى الله عليه سولم ثبت في حقنا أيضاً؛ لقوله : ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلّي"، ولأنها صلاة قد اشترك في سببها الرسول ﷺ وغيره من أمته؛ فوجب أن يجوز لهم فعلها إذا وجد سببها كصلاة السفر والمرض، وعلى ذلك جرى الصحابة- ﵃: روي أن سعيد بن العاص قال لصحابه بطبرستان، وهو بإزاء العدو: "أيكم حضر رسول الله ﷺ وقد صلى صلاة الخوف، فقال حذيفة: أنا .... وذكر الخبر، فأمره سعيد، فصلى بهم"، وصلاها أبو موسى ببعض بلاد فارس، وصلاها عليٌّ بـ "صفّين" ليلة الهرير، ولم ينكر ذلك أحد.
وقد ادعى أبو يوسف، ومحمد: أنها مختصة به- ﵇ للآية، وما ذكرناه حجة عليه، والرسول قد يخاطب بالشيء وتشركه فيه أمته؛ كما في قوله
стр. 1749
تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد قام الإجماع على قيام غيره مقامه في ذلك.
وقال المزني: إن صلاة الخوف منسوخة في حق النبي ﷺ لأنه- ﵇ "أخر يوم الخندق أربع صلوات؛ لاشتغاله بالقتال، ولم يصل صلاة الخوف".
قال الأصحاب: وما قاله المزني على العكس؛ فإنه- ﵇ صلاها، كما سنذكره في غزوة ذات الرقاع، وكانت لعشرين من المحرم سنة خمس، وصلاة الخندق كانت في شوال سنة اربع. كما ذكره البخاري.
[ولما كان] هذا هو المذهب، قال الشيخ: إذا كان العدو في غير جهة القبلة- أي: بحيث لا يمكن الصلاة إلا باستدبارهم، أو بالانحراف يميناً أو شمالاً- ولم يأمنوا- أي: إذا أقام المقاتل لهم الصلاة- من الكبسة عليهم، وقتالهم غير محظور- أي: غير محرم- فرق الإمام الناس فرقتين، [أي]: إذا كان فيهم كثرة بحيث تكون كل فرقة منهم تقاوم العدو، كما نبه عليه قوله: "وإن كان العدو في جهة القبلة، وفي المسلمين كثرة"؛ فإنه إذا اعتبر الكثرة في هذه الحالة، كان اعتبارها فيما نحن فيه أولى، وقد صرح بذلك الأصحاب، وظن بعض الشارحين أن الشيخ أهمل ذلك؛ فاعترض عليه.
قال: فرقة في وجه العدو، وفرقة خلفه، فيصلي بالفرقة التي خلفه ركعة، فإذا
стр. 1750
قام إلى الثانية، فارقته [- أي نوت مفارقته-] وأتمت الركعة الثانية [لنفسها، ثم تخرج إلى وجه العدو، وتجيئه الطائفة الأخرى، فيصلي بها الركعة الثانية]، ويجلس، وتصلي الطائفة الركعة الثانية، ثم يسلم بهم؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك في غزوة ذات الرقاع؛ كما أخرجه البخاري ومسلم، عن رواية مالك عن يزيد بن رومان، عن صالح [بن] خوات، عمن صلى مع النبي ﷺ ورواه شعبة عن صالح بن خوات بن جبير عن سهل بن أبي حثمة، عن النبي ﷺ فبين المبهم في رواية مالك.
وسميت هذه الغزوة بغزوة "ذات الرقاع"؛ لأن الواقعة كانت عند جبل ألوان حجارته مختلفة: شيء منه أحمر، وشيء أبيض، وشيء أسود، كالرقاع.
وقيل: سميت بذلك؛ لأنها كانت عند شجرة تسمى بذلك.
وقيل: سميت بذلك؛ لرقاع كانت في ألويتهم.
وقيل: لأنها كانت في وقت حر، وكان أكثر المسلمين حفاة، فلفوا الخرق والرقاع على أرجلهم، وهذا ما نقله أبو موسى الأشعري؛ فهو أصح ما قيل.
"وخوات" بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو [وفتحها]، وبعد الألف تاء ثالثة الحروف. "وحثمة" بفتح الحاء المهملة، وسكون الثاء المثلثة، وبعدها ميم [مفتوحة]، وتاء [تأنيث].
فإن قيل: قد روى البخاري من حديث شعيب عن الزهري قال: "سألته هل
стр. 1751
صلى النبي ﷺ يعني صلاة الخوف؟ فقادت أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر قال: غزوت مع النبي ﷺ [قل نجد، فوافينا العدو، فصاففناهم]، فقام النبي ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، فركع رسول الله ﷺ بمن معه، وسجد سجدتين، [ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا، فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فقام كل واحد منهم، فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين] ". ورواه مسلم من حديث نافع، عن ابن عمر [بلفظ آخر، وفي آخره قال: "وقال ابن عمر]: فإذا كان خوف أكثر من ذلك، فصلِّ راكباً أو قائماً، تومئ إيماء"، فلم رأيتم العمل برواية ابن خوات، دون رواية ابن عمر؟ وهل إذا عمل برواية ابن عمر هل تصح الصلاة أو تبطل؟
قلنا: قال الأصحاب: ترجحت رواية ابن خوات على رواية ابن عمر من وجوه:
أحدها: أن رواتها أكثر.
والثاني: أنها أقل أفعالاً في الصلاة.
стр. 1752
والثالث: أن نص التنزيل يوافقها، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]. وظاهر ذلك أنه أراد جميع الصلاة، وإذا كان كذلك حملنا السجود في الآية الأولى على الركعة الباقية للطائفة الأولى؛ لتكون الآية على وفق الخبر، والركعة يعبر عنها بالسجدة، كما جاء في قوله ﵇: "إذا أدرك أحدكم سجدةً من الصلاة قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" أخرجه البخاري ومسلم.
وأما صحة الصلاة إذا فعلت على نحو ما رواه ابن عمر ففيها قولان حكاهما الفريقان، وادعى في "الحاوي" أنهما منصوصان في "الأم":
أحدهما: أنها باطلة؛ لما وقع فيها من العمل المنافي لها، وأما خبر ابن عمر، فقد قال: إنه مسوخ بخبر ابن خوات؛ لأنها آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ قال الإمام: وهذا فيه إشكال؛ فإن الشافعي لا يرى النسخ [بالاحتمال، وما لم يتحقق تقدم المنسخ بالتاريخ على الناسخ، فادعاء النسخ] يبعد وينأى عن أصله.
والثانى: أنها صحيحة؛ عملاً بالخبر.
وقال القاضى الحسين: قال الشافعى فى "الكبير": والاختلاف فى ذلك من الاختلاف المباح، فإن فعل ذلك فقد أساء وتجزئه، والأحوط والأليق بأمر الصلاة أن يصلي كما ورد في رواية ابن خوات. وقد نص عليه في كتاب "الرسالة"، وهو الصحيح في "الرافعي"، ولو عدل عن الصلاتين، وصلى بهم كصلاة النبي ﷺ ببطن النخل - جاز ذلك: بأن يصلي بكل طائفة كل الصلاة؛ لأن غاية الأمر أنه صلى بالطائفة الثانية وهي له نفل، ولهم فرض، وصلاة المفترض خلف المتنفل في حال الأمن جائزة؛ ففي حال الخوف أولى. لكن الأولى أن يصلي بهم كما ذكر الشيخ.
[ثم كلام الشيخ] مصرح بأن الطائفة الأولى تفارق الإمام بعد قيامه إلى الثانية، وهو ما أورده الماوردي، وحكاه الإمام مع وجه آخر عن رواية شيخه أنها
стр. 1753
تفارقه عقيب رفعه من السجود؛ لأن الركعة تنتهي بمفارقة السجدة الأخيرة، وحكى الرافعي عن البغوي وغيره: أنه مخير بين الأمرين، والأولى المفارقة بعد القيام، وفيه نظر؛ لأن المجوّز للمفارقة العذر ولا عذر لهم قبل القيام، بل لو قيل: لا يجوز لهم المفارقة قبل فراغ الإمام من القراءة، إذا قلنا: إنه يقرأ في حال الانتظار - لم يبعد؛ ولذلك قال الإمام: إنا إذا قلنا بالأول الذي ذكره الشيخ، لا يبعد [أن] نقول: إنما ينفرد القوم، إذا ركعوا وتركوا الإمام قائماً؛ فإنهم إنما يفارقونه حساً إذ ذاك، ثم قال: وهذا احتمال. والذي نقلته ما تقدم، وكأن وجهه أن القصد التسوية بين الطائفتين؛ ولهذا استحب الشافعي انتظار الإمام الطائفة الثانية؛ ليسلم معهم ليحصل لهم فضيلة السلام معه، كما حصل للأولى فضيلة الإحرام معه، ولو قلنا: إن مفارقة الأولى إنما تكون بعد فراغ قراءته في الثانية - ترجحت الأولى على الطائفة الثانية، وفات مقصود التسوية، والله أعلم.
وقد بنى الإمام على الوجهين أمر سجود السهو، وسنذكر، وما فيه.
وأما الطائفة الثانية: فظاهر كلام الشيخ والخبر: أنها تقوم إلى الثانية عقيب رفعه من السجود؛ فلا تجلس معه، وهو ما نص عليه في "الأم" والقديم و"الإملاء"؛ لأن الطائفة الأولى لم تحصل لها فضيلة التشهد مع الإمام؛ فكذا [تكون] الثانية؛ إذ التسوية بينهما مطلوبة، ولأنها لو جلست حتى يتشهد لطالت الصلاة؛ فإنهم يحتاجون إلى إتمام صلاتهم بركعة، وهو ينتظرهم حتى يسلم [بهم]، وصلاة الخوف وضعت على التخفيف، وقد حكي [عن] الشافعي أنه نص في سجود السهو على أنهم يفارقونه بعد فراغه من التشهد وقبل السلام؛ لأن المسبوق يفارق الإمام بعد التشهد، وهؤلاء مسبوقون بركعة.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وهذا غير صحيح؛ إذ لو كانوا كالمسبوق لما قاموا حتى يسلم الإمام، وليس كذلك.
وقد حكى القاضي الحسين وغيره من المراوزة قولاً عن القديم عوضه: أنهم يفارقونه بعد السلام، كالمسبوق سواء؛ لأنه قال فيه: "لو سها الإمام في الثانية،
стр. 1754
وسجد للسهو، فالطائفة الثانية تجلس معه حتى يتشهد، وإذا سجد للسهو سجدت معه متابعة له، فإذا سلم الإمام تقوم وتقضي الركعة، وسجدت في آخر الصلاة قبل السلا". قال الإمام: وهذا القول صحيح لا شك فيه؛ فإن ذلك لو فرض اختياراً لصح، وإنما الكلام فى تصحيح ما رواه ابن خوات، وصححه الشافعي فى الجديد.
وقد تحصل في المسألة عند كل فريق قولان، وإذا جمعت بين ما حكاه الفريقان، جاء فى المسألة ثلاثة أقوال، وحكى البندنيجى وغيره عن بعض الأصحاب أنه نزل النصين على النحو الذي أورده العراقيون على حالين: فحمل نصه في "الأم" على ما إذا كانت الصلاة ركعتين، وأنه أعاد المفارقة إلى الطائفة الثانية، وحمل نصه في سجود السهو على ما إذا كانت [الصلاة رباعية]، وأعاد المفارقة إلى الطائفة الأولى، قال: والأول أصح؛ لأن هذا يخالف نص قوله في سجود السهو؛ فإنه قال: "تفارقه إذا سجدت للسهو معه"، والتشهد الأول لا يسجد للسهو عقيبه.
ثم اعلم أن مفارقة الطائفة الأولى للإمام تكون فعلاً وحكماً؛ لأنها تنوي مفارقته، كما ذكرنا، حتى لو فارقته من غير نية بطلت صلاتها؛ صرح به الماوردي وغيره، وفيه ما سنذكره مما يفهمه كلام الإمام، وحينئذٍ فإن سها الإمام في الثانية، لم يلحقها سهوه، ولو سهت هي فيها سجدت للسهو، ولا يتحمل الإمام عنها، نعم: لو سها الإمام في الأولى، سجدت في آخر صلاتها، [وإن لم يسجد الإمام بعد،] ولو سهت هي فيها لم تسجد؛ لأن الإمام يتحمل عنها، ولو سها الإمام قبل انتهائها إلى حد الاعتدال، فهل يلحقها سهوه؟ قال الإمام: إن قلنا: إن القدوة تنقطع عند رفع الإمام رأسه من السجدة الثانية، لم يلحقهم سهوه، وإلا لحقهم.
قال الرافعي: ولك أن تقول: قد نصوا على أنهم ينوون المفارقة عن الإمام، وأنه يجوز [ذلك] عند رفع الرأس وعند الاعتدال، وإذا كان كذلك فلا معنى لفرض الخلاف في أن الانقطاع يحصل بهذا أو بذاك؛ فإنه ليس شيئاً يحصل
стр. 1755
بنفسه، بل هو منوط بنية المفارقة؛ [فوجب قصر النظر على وقتها.
قلت: ويمكن أن يؤخذ مما حكاه الإمام أن نية المفارقة] لا تشترط، [و] حينئذ فلا اعتراض.
وأما الطائفة الثانية: فإنها على المذهب المنصوص تفارق الإمام فعلاً لا حكماً؛ لأنها تعود فتسلم معه، ولو كانت قد فارقته فعلاً وحكمًا، لاحتاجت عند العود إلى نية القدوة، ولم يقل به أحد، كما قال الإمام، وعلى هذا: فإذا سهت في الركعة الثانية تحمل الإمام عنها، ولو سها الإمام لحقهم سهوه، حتى لو لم يسجد سجدت هى فى آخر صلاتها.
وحكى البندنيجي وغيره عن أبي العباس بن سريج وابن خيران: أن القدوة قد انقطعت حكماً أيضاً، وقد حكاه القاضي الحسين عن القفال أيضاً.
فعلى هذا: يكون حكمها في السهو في الثانية وفي سهو الإمام بعد مفارقتها كحكم الطائفة الأولى. وليس بشيء باتفاق الأصحاب، وبعضهم لم يذكره، وهو جار – كما حكاه الفوراني وشيخه المسعودي – في المزحوم إذا سها في حال انفراده، وفيما إذا سها منفرد ثم لحق بالجماعة، وقلنا بصحة اقتدائه، وقال الإمام: الوجه القطع بأن الإمام لا يتحمل عنه في هذه الصورة؛ لأن القدوة لم تكن حال السهو.
وهذا كله إذا قلنا بطريقة أهل العراق: إن المفارقة تكون قبل التشهد، أو بعده، وقبل السلام، أما إذا [قلنا] بأنها تفارقه بعد السلام- كما حكاه المراوزة- قولاً عن القديم، فلا يتحمل سهوها بعد مفارقته قولاً واحداً، قاله الرافعي، وقد رفع الشافعي على الجديد، فقال في "الأم": "ويشير إليهم بما يعلمون أنه قد سها". واختلف الأصحاب فيه:
فمنهم من قال: أراد بذلك إذا خفى عليهم السهو، مثل: أن كان قد قرأ في غير موضع القراءة، أما إذا كان سهوه ظاهراً فلا يشير، وهذه طريقة أبي إسحاق، ولم يورد في "الحاوي" غيرها، وحكاها البندنيجي عن نصه في "الإملاء".
следующие страницы →