← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وهو في حال مشيه على ترتيب صلاة نفسه إلى حيث يدرك الإمام على حكم الجماعة، وإن لم يقتد بالإمام فيها حسّاً؛ فإن حكم القدوة منسحب عليه، فلو سها لم يسجد، قاله الإمام. الحالة الثالثة: أن يدركه رافعاً من ركوع الثانية أو ساجداً، فهل يقضي ما عليه من القراءة وغيرها أو يتبعه في السجود؟ فيه وجهان: إن جعلناه كالمسبوق تابعه، وإلا أتى بما عليه على ترتيب صلاته. وحكى الإمام طريقة أخرى: أنه في هذه الصورة [ليس له] إلا متابعة الإمام، ولم يورد البندنيجي غيرها؛ ولأجلها قال بعضهم: إن قلنا فيما إذا أدركه في الركوع: إنه يتبعه، فها هنا أولى، وإلا فوجهان. والصحيح ها هنا- كما قال القاضي أبو الطيب والبغوي- الإتباع، والفرق: أن هذه الركعة لم يدرك منها شيئاً يحتسب له به؛ فيكون بمنزلة المسبوق إذا أدرك الإمام رافعاً أو ساجداً، وليس كذلك إذا أدركه راكعاً؛ فإنه أدرك الركوع وما قبله فيلزمه أن يفعل ما بعده من السجود، وعلى هذا هل يدرك بالركعة التي أتى بها الجمعة أم لا؟ قال البندنيجي: فيه الخلاف المذكور في الركعة الملفقة، وكلام الإمام يقتضي الإدراك بها وجهاً واحداً، وقال: إنه إذا سلم الإمام قام، وأتى بركعة، وهل يثبت له في هذه الركعة حكم القدوة بالإمام حتى لو سها لا يسجد للسهو؟ فيه خلاف حكاه شيخي، وإثبات القدوة ضعيف لا أصل له، وكيف يقدر ذلك بمن ليس في الصلاة؟! الحالة الرابعة: أن يدركه في التشهد، فهل يتابعه، أو يمشي على ترتيب صلاته؟ فيه طريقان كما في الحالة قبلها. قال الإمام: وإذا جوزنا له التخلف، وأمرناه بالجريان على ترتيب صلاة نفسه، فالوجه أن يقتصر على الفرائض، فعساه أن يدرك الإمام، ويحتمل أن يجوز له

стр. 1962

الإتيان بالسنن مع الاقتصار على الوسط فيها. فرع: حيث قلنا: لا يدرك الجمعة بالركعة التي [أدرك] بعضها مع الإمام حسّاً، وبعضها حكماً- كما تقدم- فهل يتمها ظهراً أو تبطل؟ فيه طريقان عند العراقيين: [أحدهما]: القطع بأنه يتمها ظهراً. والثاني: أنها هل تبطل أو يتمها ظهراً؟ فيه قولان؛ بناءً على القولين في إيقاع الظهر قبل فوات الجمعة. وقال المراوزة: هل تبطل، أو تنقلب نفلاً، أو يتمها ظهراً مع تجديد النية، أو بدونها؟ فيه خلاف مرَّ نظيره فيما إذا خرج وقت الظهر والإمام في الجمعة، وله التفاتٌ على أن الجمعة ظهر مقصور أو صلاة مستقلة بنفسها؟ وعلى أن الظهر هل يصح قبل فوات الجمعة أو لا؟ وعلى أنّ المتحرم بالصلاة قبل وقتها هل تبطل أو تنقلب نفلاً؟ فاعرف ذلك. قال الأصحاب: وإن كان الزحام في الثانية، وقد أدرك المزحوم مع الإمام الأولى من غير زحام، سجد، وسلم مع الإمام، وحصلت له الجمعة. وإن لم يدرك المزحوم معه الأولى، وهي إحدى صور مسألة الكتاب كما ذكرنا؛ لقول الشيخ من بعد: "وإن لم يدرك السلام، أتم الظهر"؛ إذ لو كان قد أدرك مع الإمام الأولى لأتم الجمعة بلا خلاف، كما ذكرناه، فقد قال القاضي الحسين: إن الزحام إذا زال فيها سجد المزحوم، فإذا أدرك الإمام لم يسلم بعد، تابعه حتى يسلم، فيقوم، ويأتي بركعة أخرى، وقد تمت جمعته. قلت: ويشبه أن يكون في إدراكه بهذه الركعة الجمعة الطريقان اللذان تقدما فيما إذا كان الزحام في الأولى، ووقع السجود والإمام قائم في الثانية؛ إذ جلوس الإمام للتشهد ها هنا كقيامه للثانية ثم، فتأمل ذلك. ويشبه أن يكون في متابعته الإمام حتى يسلم، أو اشتغاله بقضاء ما عليه قبل

стр. 1963

سلام الإمام الطريقان في الحالة الرابعة من أحوال الإدراك، وقد حصل الزحام في الأولى؛ فاعرف ذلك. وإذا تأملت ما ذكرناه، عرفت أن جزم الشيخ القول بأنه إذا أدرك الإمام قبل السلام، أتم الجمعة- لا يخلو عن نزاع، والله أعلم. قال: وإن لم يدرك السلام، أي: بل سلم الإمام قبل فراغه مما عليه من السجود، وقد زوحم عن السجود في الأولى أو في الثانية، ولم يدرك مع الإمام الأولى- أتم الظهر؛ لأنه لم يدرك مع الإمام ركعة؛ فاندرج تحت مفهوم قوله- ﵇: "من أدرك من الجمعة ركعةً فليصلِّ إليها أخرى". ولا فرق بين أن يقع رفعه من السجود وقد أتى الإمام بالتسليمتين أو بإحداهما. وللإمام احتمال في الإدراك فيما إذا رفع المزحوم رأسه من السجدة الثانية، وسلم الإمام قبل أن يعتدل المزحوم. وفي "تعليق" القاضي الحسين و"التهذيب" حكاية وجه: أنه يتمها جمعة وإن وقع سجود المزحوم بعد سلام الإمام؛ لأن هذا السجود بني على ركوعٍ أتى به مع الإمام، والمشهور الأوّل. ثم ما ذكره الشيخ من أنه يتمها ظهراً هو إحدى الطريقتين المذكورتين في كتب العراقيين. والطريقة الثانية: أنه هل يتمها ظهراً أو تبطل؟ قولان؛ بناءً على ما لو تحرم بالظهر قبل فوات الجمعة لعذر، والمزحوم ها هنا معذور. وطريقة المراوزة: أنها هل تبطل، أو تنقلب نفلاً، أو يتمها ظهراً بالنية السابقة أو بنية جديدة؟ فيه خلاف سبق. قال: وإن لم يزل الزحام، أي: الواقع في الركعة الأولى حتى ركع الإمام في الثانية، ففيه قولان، [أي] منصوصان في "الإملاء":

стр. 1964

أحدهما: يقضي ما عليه؛ لقوله- ﵇: ["وإذا سجد فاسجدوا". فوجب على المأموم أن يسجد؛ لظاهر الخبر، ولقوله- ﵇:] "وما فاتكم فأتمُّوا"، أو: "فاقضوا". ولأنه شارك الإمام في جزء من الركوع؛ فوجب أن يسجد بعده؛ قياساً على ما إذا زالت الزحمة والإمام قائم في القراءة، وهذا ما ادّعى في "الحاوي" أنه الجديد، وصححه البندنيجي، وقال: [إن] ابن سريج وبن خيران وغيرهما قالوا: إنه اختيار المزني. والثاني: أنه يتبع الإمام؛ لقوله ﷺ : "فإذا ركع فاركعوا" والإمام راكع، وهو مقتد به؛ فوجب أن يركع معه، ولا يعارضه قوله- ﵇ "وإذا سجد فاسجدوا"؛ لأنه أمره بالسجود عقيب سجود الإمام، وقد فات. وإنما قلنا ذلك؛ لأنه أتى بالفاء المقتضية للترتيب والتعقيب، وقد أيد ذلك بقوله: "وإذا رفع فارفعوا". وأما قوله: "وما فاتكم فأتمُّوا"، أو: "فاقضوا"- فجوابه: أنه أمر بالمتابعة وبقضاء ما فات، فلو قلنا: يشتغل بقضاء ما فات، ولا يتابع، عطلنا أوّل الخبر، وإذا قلنا بأنه يتابع الإمام، فقد عملنا بأوّله وآخره؛ فإنا نأمره في الحال بالمتابعة، ونأمره بقضاء ما فاته إذا سلم، وهذا ما نص عليه [في] "الأم" أيضاً، وادعى البغوي أنه الجديد، وقال أبو إسحاق: إنه اختيار المزني. وسبب الاختلاف في ذلك: أنه صدر كلامه بحكاية ما نص عليه في "الأم"، ثم حكى القولين المنصوصين في "الإمام": أحدهما: فرضه القضاء دون المتابعة. والثاني: فرضه المتابعة دون القضاء. ثم قال: والأوّل أولى؛ لأن السجود لا يعتد به قبل الركوع، ولأنه لو سها خلف إمامه، فلم يفطن حتى ركع إمامه في الثانية، تبعه في ركوعه، فالذين قالوا:

стр. 1965

إنه اختار أنه يقضي ما عليه، قالوا: أراد بالأول: الأول من القولين اللذين حكاهما عن "الإملاء"، وأبو إسحاق قال: أراد بالأول ما صدر به كلامه، وهو ما حكاه عن "الأم"؛ لأنّ تعليله يرشد إليه، ولأجل ذلك اختاره القفال أيضاً، وقال الفوراني والبغوي: إنه الأصح. وقد فرض الماوردي القولين أيضاً فيما إذا زال الزحام قبل ركوع الإمام في الثانية، لكن المزحوم علم أنه إن تشاغل بفعل السجود، فاته الركوع مع الإمام. والقولان جاريان- كما حكاه القاضي أبو حامد- فيما لو أحرم مع الإمام، ثم سها عن السجود في الركعة الأولى، ولم يذكره إلا والإمام في ركوع الثانية. وقال بعض الأصحاب: إنه في هذه الصورة يتابع الإمام قولاً واحداً؛ لتفريطه، بخلاف المزحوم؛ فإنه لم يوجد من جهته تفريط، بل هو مضطر إلى [ما] فعله، وهذه الطريقة هي المفهومة من كلام المزني الذي سبق، ولم يورد في "الحاوي" غيرها. التفريع: إن قلنا بالأول، فأتى بما عليه فقد خرج عن العهدة الأمر، ولكن ركعته التي كملت: هل يدرك بها الجمعة أم لا؟ حكى في "الوسيط" فيها وجهين؛ [لأنها تمت في قدوة حكمية، والقدوة الحكمية قد حكى في إدراك الجمعة بها وجهين] وفسرها بشيء ستعرفه. وقال الرافعي: إن الوجهين مشهوران في كلام الأصحاب في هذا الموضع. ثم على كل حال إذا رفع فله في إدراك الإمام ثلاث أحوال: الحالة الأولى: أن يدركه راكعاً؛ لأنه طوَّله، وأسرع هو في السجود، فقد قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ: إنه يركع معه. وقال القاضي الحسين والرافعي: هل يقرأ الفاتحة، ثم يجري على أثره، أو يركع معه؟ فيه وجهان:

стр. 1966

قلت: وهو قياس ما تقدم. قال القاضي: فإن قلنا: يقرأ، ثم يتبع أثره، فذاك إذا لم يزد في المخالفة على ثلاثة أركان، فإن زاد، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يفعل ذلك أيضاً. والثاني: أنه يخرج نفسه من الجماعة، فإن لم يخرج وتابعه، بطلت صلاته. والثالث: أنه يتابع الإمام من حيث بلغ، ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام. الحالة الثانية: أن يدركه رافعاً من الركوع، أو ساجداً، أو متشهداً؛ لسرعة الإمام، وإبطائه في السجود، فهل يمشي على ترتيب صلاته أو يتابع الإمام؟ فيه وجهان تقدم مثلهما، وأقواهما هنا بالاتفاق- وبه جزم في "الوجيز" وغيره-: الإتيان بما عليه؛ إذ التفريع على أنه مشتغل بفعل ما عليه. ثم إن قلنا: يتابعه، قال البندنيجي: فالذي حصل له مع الإمام ركعة بعضها كان متابعاً له فيها فعلاً، وبعضها كان متابعاً له فيها حكماً، ولا خلاف بين أصحابنا: أنها كالملفقة؛ فيكون في إدراك الجمعة بها وجهان، وقد حكاهما القاضي أبو الطيب أيضاً. [و] قال الشيخ أبو محمد- فيما حكاه الرافعي عنه-: إنّ المزحوم لو رفع رأسه من السجود، فوجد الإمام ساجداً، وقلنا: يجب عليه متابعته، فسجد معه- فالمحسوب له عما عليه من السجود: السجود الأوّل، أو السجود الثاني الذي تبع فيه الإمام؟ فيه وجهان يأتي مثلهما فيما إذا قلنا: إنه لا يقضي ما عليه، بل يركع مع الإمام، قال الرافعي: وأقربهما للصواب احتساب الأول. الحالة الثالثة: أن يدرك الإمام بعد السلام، فهو كما لو زال الزحام قبل الركوع، ولم يدرك الإمام إلا بعد السلام، وقد تقدم. وإن خالف المزحوم، فلم يأت بما عليه، بل تابع الإمام: فإن اعتقد: أن فرضه الاشتغال بما عليه، فقد بطلت صلاته. ثم إن كان الإمام راكعاً بعد، كبّر معه بنية الجمعة وأدركها، فإذا سلم الإمام،

стр. 1967

أتم الجمعة قولاً واحداً. وإن كان رافعاً من الركوع أو ساجداً، فقد فاتته الجمعة؛ فيحرم معه، وفرضه الظهر، وماذا ينوي؟ فيه الخلاف السابق. ويبني إذا سلم الإمام قولاً واحداً عند العراقيين؛ لأنه إنما أحرم بالظهر بعد فوات الجمعة؛ قاله البندنيجي وغيره. وعلى طريقة المراوزة يجيء في البطلان، وانقلابها نفلاً، وإتمامها ظهراً بنية مجددة أو بالنية الأولى- الخلاف إذا كان قد نوى الجمعة، وقلنا: إنها صلاة مستقلة بنفسها. وإن اعتقد أن فرضه متابعة الإمام، فتابعه وليس بمجتهد- لم تبطل صلاته، ولا يعتد بركوعه معه، ويتبعه في السجود، فإذا سجد معه تمت ركعته الأولى. وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه: أنه لا يعتد به عما عليه؛ لأنه إنما أتى به على عزم المتابعة، وقد حكاه الرافعي عن رواية الشيخ أبي محمد في "السلسلة"، ووجهه بأنه إنما سجد؛ لكونها من الثانية في زعمه؛ فوجب ألا تحسب له [عن الأولى]؛ كما [لو] سجد للتلاوة أو للسهو، وكان عليه سجدة من صلب الصلاة وقد نسيها. فعلى هذا: إذا سلم الإمام، سجد سجدتين، وأتمها ظهراً على الصحيح. قال القاضي: وإذا رفع رأسه من السجود، وجلس للتشهد، فهل يجلس معه، أو ينوي مفارقته ويقوم ليكمل الظهر؟ [فيه] وجهان، والمشهور: الأول. وما ذكره أبو محمد يبطل بمن ترك سجدة من الأولى ناسياً، وأتى بالثانية، ثم تذكر؛ فإنه يجبر الأولى بالثانية، وإن كان قد سجد في الثانية على أنه للثانية. وخالف سجود التلاوة والسهو؛ لأنه أتى بهما على نية السنة؛ فلا يسقطان فرضاً. وعلى هذا: فالركعة ملفَّقة، وفي إدراك الجمعة بها خلاف: الذي قاله أبو إسحاق- وهو الصحيح بالاتفاق-: إنه يدرك بها الجمعة؛ لما

стр. 1968

تقدم في توجيه كلام الشيخ. والثاني- قاله ابن أبي هريرة-: إنه لا يدرك بها الجمعة، وإن تمت له الركعة على حكم القدوة؛ لأنه لم يحصل له مع الإمام ركعة متوالية الأركان. والجمعة على نظامها ركن الجمعة. وإن قلنا بالثاني، فركع مع الإمام، فقد حصل له ركوعان متواليان، وأيهما يحسب له؟ الذي نص عليه في كتاب الجمعة: أنه الثاني، وأن الأوّل يلغى. وقال في صلاة الخوف: لو صلى، ونسي من الركعة الأولى السجود، ثم ركع في الثانية، [وذكر أنه نسي السجود- فإن ركوعه في الثانية] كلا ركوع، ويسجد، ويحتسب به من الأولى، وهذا يدل على أن الركوع الأول هو المحتسب به. قال البندنيجي: فحصل في المسألة قولان. وقد حكاهما الشيخ في "المهذب"، وكذا ابن الصباغ، وقال مع البندنيجي: إن أصحابنا يطلقون في المسألة وجهين، والصحيح: أنها على قولين. فإن قلنا: إن الركوع الثاني هو المعتد به، وتابع الإمام إلى أن سلم الإمام- فقد أدرك الجمعة قولاً واحداً؛ فيأتي بركعة بعد سلام الإمام. وإن قلنا: [إن] المعتد به الركوع الأوّل، فهل يكون مدركاً للجمعة أم لا؟ فيه خلاف أبي إسحاق وابن أبي هريرة بلا إشكال. فإن قلنا بمذهب ابن أبي هريرة، جاء الخلاف السابق في أنه هل يتم الصلاة ظهراً، أو لابد من نية الظهر، أو تنقلب نفلاً، أو تبطل؛ بناءً على [أن] من نوى فرضاً، ولم يحصل له ما نواه لتخلف شرطٍ عن الفرضية، فهل له النفل؟ على قولين. قال الإمام: هكذا رتبه الأئمة، والقول بالبطلان على هذا [النسق مختل] عندي؛ إذ يرجع حاصل الأمر: أنا نأمره بشيء، ونقدر موافقته، ثم نخرج من تفريعنا عليه بطلان عمله رأساً، وهذا محال لا يعتقد في مساق كلام؛ فالوجه أن

стр. 1969

يكون الأمر بالركوع مع الإمام مفرعاً على القول بعدم البطلان، وإلا فالأمر [بما] قصاراه الفساد محال. وسئل الغزالي [عن] ذلك، فقال بالبطلان عند فوت الجمعة: لا نأمره في مسائل الزحام بالفعل الذي أمرناه به إذا كان آخره يفضي إلى البطلان؛ فإنه تفريع يدفع آخره أوله، والله أعلم. وإن خالف المزحوم، وأتى بما عليه: فإن اعتقد أن فرضه المتابعة، فإن لم ينو المفارقة، فقد بطلت صلاته، ثم عن كان الإمام بعد راكعاً، وجب عليه أن يحرم معه، ويدرك الجمعة بهذه الركعة، فإذا سلم الإمام أضاف إليها أخرى، وإن كان الإمام قد رفع من الركوع، قال أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما: أحرم معه، وتبعه، ولا يكون مدركاً للجمعة، ويقوم بعد سلام الإمام، ويتمها ظهراً، ولا يستأنف تكبيرة الإحرام؛ لأنه بمنزلة المسبوق الذي أدرك الإمام بعد فوات الركوع في الثانية. قلت: بل هو هو، ويظهر أن يكون في كيفية نيته الوجهان السابقان. وإذا نوى الجمعة: هل تصح، أو لا؟ على ما سبق. وإن نوى مفارقة الإمام، ففي بطلان صلاته قولاً المفارقة بغير عذر؛ كذا قاله الجمهور. وقال الماوردي: إن لم يكن له عذر غير الزحام، فهل يكون الزحام عذراً، أم لا؟ فيه وجهان: فإن قلنا: إنه عذر، فالحكم كما لو فارق بعذرٍ لا تبطل صلاته، ويتمها ظهراً، وتجزئه قولاً واحداً. وإن قلنا: ليس بعذر، ففي البطلان القولان: فإن قلنا: تبطل، فالحكم كما إذا لم ينو المفارقة. وإن قلنا: لا تبطل، فقد قال العراقيون: إن الجمعة فاتته، قولاً واحداً، وهل يستأنف الظهر، أم لا؟ فيه الطريقان، وطريقة المراوزة لا تخفى. وإن أتى بما عليه، لاعتقاده أنّه فرضه، وهو غير مجتهد في ذلك، ولا

стр. 1970

مقلد- فلا يعتد بسجوده قبل سجود الإمام؛ لأن فرضه المتابعة، ولا تبطل صلاته؛ لجهله. ثم إن أدرك الإمام راكعاً كما هو، تبعه في الركوع، ويكون الحكم كما لو تبعه ابتداء فيه، وقد سبق حكمه. وإن أدركه ساجداً؛ فليسجد معه، ولا يشتغل بقراءة ولا ركوع؛ فإذا فعل ذلك بقصد متابعة الإمام فسجوده محتسب به للركعة الأولى، وبه يحصل له ركعة ملفقة، وفي إدراك [الجمعة] بها الخلاف السابق: فإن قلنا: [لا] يدرك بها الجمعة، [جاء ما تقدم من احتسابها من الظهر وعدمه. وإن قلنا: يدرك بها الجمعة، فقد أدرك الجمعة] ها هنا وجهاً واحداً؛ صرح به العراقيون والإمام ومن تبعه. وألحق القاضي الحسين بهذه الصورة: ما إذا وقع سجود المزحوم بعد سجدتي الإمام في الثانية، وهكذا الحكم فيما إذا أدركه رافعاً من الركوع، وسجد معه من غير اشتغال بقراءة وركوع؛ صرح به القاضي الحسين والإمام. نعم: لو اشتغل المزحوم بعد رفعه من السجود والإمام رافع من الركوع برعاية ترتيب صلاة نفسه؛ بأن قام وقرأ الفاتحة، وركع، وسجد، ووافى سجوده سجود الإمام- فسجوده معه في هذه الحالة سجود مقتفٍ لا سجود مقتدٍ على التحقيق، وبه تتم ركعته الأولى؛ كما قال الأصحاب. قلت: ويتجه أن يأتي في الاعتداد به عن الأولى الوجه المحكي في "السلسلة". ثم [على] المشهور: فالركعة ملفقة بلا خلاف، وفي إدراك الجمعة بها عند الجمهور الخلاف المشهور. وقال الإمام: إن قلنا: إن الركعة الملفقة لا يدرك بها الجمعة، فلا تفريع. وإن

стр. 1971

قلنا: يدرك بها الجمعة، فها هنا المزحوم مقتد حكماً، وليس متابعاً عياناً، وقد اختلف أئمتنا في ذلك. قال: وكشف سر ذلك: أنه إن [سجد] المزحوم في قيام الإمام قبل ركوعه- كما تقدم- فقد جرى سجوده وهو متخلف عن الإمام تخلفاً لو اختاره بطلت قدوته، ولكن ذلك القدر معفو عنه؛ لعذر الزحام وفاقاً. وإن لم يسجد حتى ركع الإمام في الثانية، [ثم أمرناه بالركوع، فسجد- فلا يعتد به، فلو سجد في الركعة الثانية] مقتفياً لا مقتد حسّاً، فهذا اعتقدوه تخلفاً مفرطاً؛ فترددوا فيه. وخرج من هذا: أن ما يقع قبل الركوع ملحق بالاقتداء الحسي، وإن جرى في تخلف لا يحتمل في حاله الاختيار، وما يقع بعد فوات الركوع اقتفاء فهو في حكم اقتداء حكمي لا عيانِّي، ثم في إدراك الجمعة بمثله الخلاف الذي ذكرناه. وسئل الغزالي [عن] ذلك، فقال: إذا رفع المزحوم رأسه من السجود وقد فات ركوع الإمام في الثانية- فإن راعى ترتيب صلاة نفسه، فإذا سجد في الركعة الثانية، حصلت له ركعة ملفقة؛ لوقوع السجدة بعد الركوع الثاني، فإن قلنا: يدرك بالملفقة، فقد حصل السجود في قدوة حكمية، فهل تصلح الحكمية لإدراك الجمعة؟ فيه وجهان. ومن منع حصول الركوع الثاني نهاية انسحاب حكم القدوة، فإذا سجد قبله، كان كالمقتدي حسّاً، وإن كان بعده، كان كالمقتدي حكماً. وقد حكى الرافعي كلامه ثم قال: والتردد في إدراك الجمعة كما قال؛ فلا شك أنه مخصوص بما إذا وقعت السجدتان اللتان كملت بهما ركعته قبل سلام الإمام. على أن في أصل الاحتساب بهما- والحالة هذه- إشكالاً؛ لأنَّا على القول

стр. 1972

الذي عليه التفريع نأمره بالمتابعة بكل حال، فكما لا يحتسب له بالسجود والإمام راكع؛ لأن فرضه المتابعة، وجب ألا يحتسب له والإمام في ركن بعد الركوع، والمفهوم من كلام الأكثرين المتابعة، وإذا سلم الإمام سجد سجدتين لتمام الركعة [الأولى]؛ ولا يكون مدركاً للجمعة. نعم، صرح الصيدلاني باحتساب السجدتين له، وبنقل الوجهين في إدراك الجمعة بها؛ كما ذكره الغزالي. قلت: وفيما ذكره الرافعي نظر؛ لأنه إن ظن أن المحل الذي قال الغزالي فيه ما قال؛ إذا كان سجود المزحوم في الركعة الثانية التي أتى بها المزحوم على ترتيب صلاة نفسه بعد رفعه من السجود الذي اعتقد أنه يجزئه عما غلب [عليه] من سجود الأولى قبل سجود الإمام في الثانية-[فليس كذلك؛ بل مراده: ما إذا وقع سجوده مع سجود الإمام في الثانية]، لكن المزحوم قصد بها ترتيب صلاة نفسه، كما نبهت عليه؛ أخذاً من كلام الإمام. وإن كان قد ظن أن محله ما إذا وقع سجود المزحوم في الثانية مع سجود الإمام، [فلا إشكال، وحينئذ فيكون ما نقله عن الصيدلاني موافقاً لما ذكره غيره من الأصحاب، كما قدمته. وإن كان قد ظن أن محله: إذا وقع سجود المزحوم في الثانية بعد سجود الإمام في الثانية]، فقد حكينا عن القاضي الحسين أنه قال باحتسابهما أيضاً؛ فهو موافق للصيدلاني، وحينئذ يرجع حاصل القول الذي عليه نفرِّع: أنه يجب على المزحوم متابعة الإمام فيما هو فيه إذا لم يفته السجود معه، فإن فات فلا تجب عليه متابعته، بل يمضي على ترتيب صلاة نفسه، ولا إشكال إذن، لكن غيرهم يقول بوجوب الإتباع على هذا القول مطلقاً؛ [و] لذلك قالوا- كما حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والبندنيجي- إذا رفع المزحوم رأسه من السجود، وقد قلنا: إن الواجب عليه متابعة الإمام في الركوع، فوجد الإمام في

стр. 1973

التشهد-: إنه يتبعه، وإذا سلم الإمام، جاء الخلاف في أنه يتمها ظهراً، أو يستأنف. ولا يتمها جمعة بلا خلاف، والله أعلم. وقد بقي من تفاريع مسائل الزحام فروع: [الأول]: إذا لم يزل الزحام حتى سجد الإمام في الثانية، فإنه يسجد معه وجهاً واحداً؛ قاله القاضي أبو الطيب والماوردي والبغوي، [لكن القاضي والماوردي] قالا: إنه يحصل له إذا سجد معه ركعة ملفقة: من ركوع من الأولى، وسجود من الثانية؛ فيكون فيها الوجهان. وقال البغوي: إن قلنا: إنه يجب عليه متابعة الإمام، كانت الركعة ملفقة. وإن قلنا: يمشي على ترتيب صلاة نفسه، حصلت له ركعة من الجمعة. كذا رأيته فيما وقفت عليه منه. لكن في "الرافعي": أنه قال: إن قلنا: إن الواجب عليه [رعاية ترتيب صلاة نفسه، حصلت له ركعة ملفقة. وإن قلنا: الواجب عليه] متابعة الإمام، فالحاصل له ركعة [غير] ملفقة. وهذا كأنه أقرب إلى الصواب. لكن إن صورت المسألة بأنه لما ركع الإمام في الثانية تمكن من الركوع فركع معه، وفرعنا على أن الركوع الثاني هو المعتد به، كما تقدم.

стр. 1974

أما إذا قلنا: المعتد به الركوع الأول، أو لم يتمكن المزحوم من الركوع مع الإمام- فلا وجه إلا كونها ملفقة. وقد رأيت في كلام الإمام تفريعاً على القول بأن المسبوق إذا فرغ من السجود وقد زوحم في الركعة الأولى، فأدرك الإمام رافعاً من ركوع الثانية: أنه يتبعه- أن المزحوم [إذا] لم يتمكن من تدارك السجود، ولا من متابعة الإمام في الركعة الثانية حتى رفع الإمام رأسه من الركوع، ثم تمكن من السجود- فلا يصير مدركاً للجمعة، وإن سجد عن الركعة الأولى فإن التخلف جاوز الحد. [الفرع الثاني]: إذا لم يزل الزحام حتى تشهد الإمام، قال في "التتمة": سجد، ثم إن أدرك الإمام، فقد أدرك الجمعة، وإلا فلا. وعليه ينطبق قول الشيخ من قبل. قلت: ولاشك في أن هذه الركعة ملفقة، وقد كملت في قدوة حكمية إن كان الزحام قد وقع في الركعة الأولى، ولم يتمكن المزحوم من الركوع مع الإمام في الثانية. أما إذا كان الزحام في الثانية، ولم يدرك مع الإمام الأولى، فلا تلفيق، والأمر كما قال، إلا على ما اقتضته طريقة القاضي أبي الطيب، كما تقدم. ولو كان الزحام في الأولى، وتمكن من الركوع مع الإمام في الثانية فقط: فإن قلنا: يمشي على ترتيب صلاة نفسه، فهي- أيضاً- ملفقة كملت في قدوة حكمية. وإن قلنا: يتبع الإمام، وتبعه: فإن قلنا: إنّ الركوع الأوّل هو المعتد به، فكذلك. وإن قلنا: المعتد به الثاني، فلا تلفيق إلا على ما اقتضته طريقة القاضي أبي الطيب. [الفرع الثالث]: إذا كان الزحام حصل في الركوع في الأولى، ولم يزل حتى ركع الإمام في الثانية، تابعه على الركوع قولاً واحداً، فإذا فرغ الإمام، فقد حصل للمأموم ركعة. قال الشيخ أبو حامد وغيره: فيضيف إليها أخرى وقد صحت له الجمعة.

стр. 1975

وقال القاضي أبو الطيب: إنما يكون كذلك على قولنا فيما إذا لم يزل الزحام في السجود حتى ركوع الإمام: إنه يركع معه، ويكون المعتد به الركوع الثاني. أما إذا قلنا: المعتد به الركوع الأوّل، فيجيء في هذه المسألة وجهان؛ لأن الركعة ملفقة. وقال المعلق للتعليق المنسوب إليه: [ما] قاله القاضي فيه نظر؛ لأن التلفيق جمع بين فعلين، لو أسقط أحدهما، لم يكن مدركاً للجمعة بالآخر؛ فأما في مسألتنا فإنه ضم القيام والقراءة من الركعة الأولى إلى الركوع وما بعده من الركعة الثانية، ولو أدرك الركوع من الركعة الثانية وما بعده في هذه الحالة، لكان مدركاً ركعة كاملة؛ فلم يكن لإضافة القيام والقراءة من الركعة الأخرى إليه تأثير؛ لأن الركعة تصح مع إسقاطه. ولنوع من ذلك قال ابن الصباغ: إنّ قول الأصحاب أشبه. وأنت إذا تأملت ما قاله المعترض، استحسنته، ووجدت الأمر كما قال، والله أعلم. خاتمة: الزحام كما يفرض في الجمعة يفرض في سائر الصلوات، وإنما يذكر في الجمعة خاصة؛ لأنّ الزحمة فيها أكثر؛ ولأنه يجتمع فيها وجوه من الإشكال لا تجري في غيرها، مثل: التردد في أن الركعة الملفقة هل يدرك بها الجمعة، وكذا التردد في القدوة الحكمية على رأي المراوزة الذي لا يعرفه العراقيون، والتردد في النية على أنّ الجمعة ظهر مقصور أم لا؟ ولأن الجمعة شرط فيها الجماعة، ولا سبيل إلى المفارقة ما دام يتوقع إدراك الجمعة على رأي- كما تقدم- بخلاف سائل الصلوات؛ فإنه عند تعذر السجود بالزحمة في الركعة الأولى يخرج نفسه من الصلاة، ولا ينتظر الزوال، لكنه لو أقام، و [لم] يزل الزحام حتى ركع الإمام في الثانية- قال الرافعي: اطرد فيه القولان. وحكى ابن كج طريقين: أحدهما: أنه يركع معه بلا خلاف. والثاني: أنه يراعي ترتيب [صلاته نفسه] بلا خلاف. ***

стр. 1976

باب صلاة العيدين العيد: مشتق من العود والرجوع، وسمي كل من اليومين المشهورين به؛ لتكرره بتكرر السنين. وقيل: لعود السرور بعوده. وقيل: بل لكثرة عوائد الله- تعالى- على عباده في ذلك اليوم؛ قاله القاضي الحسين. وجمعه: أعياد. وقد جاء عن النبي ﷺ في العاشر من ذي الحجة: أنه يوم الحج الأكبر. والأصل في مشروعية الصلاة له- قبل الإجماع-: [من الكتاب] قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فإنه قيل: إن المراد بالصلاة في هذه الآية: صلاة عيد النحر، وبالنحر: الأضحية. ومن السنة: ما تواتر أنه- ﵇ كان يصليها والصحابة من بعد، وقد روى حماد عن حميد عن أنس بن مالك، أنه- ﵇ لما هاجر إلى المدينة رأى أهل المدينة يخرجون إلى الصحراء في السَّنَة يومين ويلعبون، فقال: "ما هذان اليومان؟ " فقالوا: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال ﷺ : "إنَّ الله قد أبدلكم [بهما] خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى"، أخرجه النسائي مختصراً. وروي أن أول عيد صلاه رسول الله ﷺ عيد الفطر في السنة الثانية من

стр. 1977

الهجرة، وفيها فرضت زكاة الفطر؛ قاله الماوردي. قال: وهي سنة؛ لأنه ﷺ واظب عليها، و [لأنه] قال للأعرابي: "خمس صلوات كتبهنَّ الله على العبد في اليوم واللَّيلة" فقال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوَّع"؛ فدل فعله مع قوله على أنها سنة غير واجبة. ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود لا يشرع فيها أذان ولا إقامة؛ فلم تكن واجبة كصلاة الضحى. قال: مؤكدة؛ لأنه واظب عليها، واختصت بوقت راتب، وشرع لها الجماعة كالفرائض؛ وذلك يدل على تأكدها. قال: وقيل: هي فرض على الكفاية؛ لأنها صلاة يتوالى فيها التكبير في القيام؛ فكانت فرض كفاية؛ كصلاة الجنازة؛ وهذا ما حكاه العراقيون عن الإصطخري. وقال الإمام: إنه قال به معه طائفة؛ أخذاً من قول الشافعي في "المختصر": "من وجب عليه حضور الجمعة، وجب عليه حضور العيدين"، ولا سبيل إلى حمله على وجوب [ذلك فرض عين؛ لأنه خلاف الإجماع؛ فتعين حمله على وجوب] فرض الكفاية؛ لأنه أقرب إلى فرض العين من السنة المجردة. وعلى هذا قال الشيخ: فإن اتفق أهل بلد على تركها- أي: من غير عذر [قاتلهم الإمام]؛ كما يقاتلون على ترك صلاة الجنازة. والمذهب الأول؛ لما تقدم، وعليه نص الشافعي حيث قال في كتاب الصلاة: "والتطوع وجهان: أحدهما: صلاة مؤكدة مرتبة لا أرخص في تركها: كالعيدين، وصلاة الاستسقاء، والكسوف". وقوله: "نم وجب عليه حضور الجمعة، وجب عليه حضور العيدين"، قد أنكره الشيخ أبو حامد، وقال: [لا] أعرف هذا الكلام للشافعي بحال، ولعله قد نقله على المعنى. وإن صح- كما هو في القديم في باب الصيد والذبائح، كما قال الماوردي-

стр. 1978

فمعناه: من وجب عليه حضور الجمعة فرض عين، وجب عليه حضور العيد ندباً، وقد يطلق الوجوب على المندوب المتأكد؛ قال- ﵇: "غسل يوم الجمعة واجبٌ"، ومعناه: وجوب اختيار. وعلى هذا: إذا اتفق أهل بلد على تركها من غير عذر، هل يقاتلهم الإمام؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ كما لا يقاتلون بترك الوتر، وركعتي الفجر. والثاني: نعم، وينسب إلى أبي إسحاق، وهو المختار في "المرشد"؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وما كان كذلك لا يجوز تركه؛ فمن تركه وجب قتاله كما لو ترك بعض الواجبات؛ كذا قاله القاضي أبو الطيب. وقال ابن الصباغ بعد حكايته: إن هذا عندي في التحقيق قول الإصطخري، ولاشك فيه. نعم: غيره وجه ذلك بأن الاتفاق على ترك هذا الشعار يتضمن استخفافاً واستهانة بالدين، فقوتلوا؛ لما دل عليه الترك، لا على نفس الترك، وخالف ذلك ما ليس من الشعائر من التطوعات؛ فإنها تفعل فرادى؛ فلا يظهر في تركها استهانة بالدين. ولا خلاف في [أن] الترك لو كان لعذر: كالمطر والوحل، أو الخوف، ونحو ذلك مما يجوز ترك الجمعة لأجله- فلا يقاتلون. واعلم أن قول الشيخ: "فإن اتفق أهل بلد على تركها، [قاتلهم الإمام] "، لو جعل تفريعاً على مذهب الإصطخري والمذهب معاً، لم يبعد، والله أعلم. والمخاطب بها- سنة، أو فرض كفاية- من يلزمه حضور الجمعة بلا خلاف. ومن لا يلزمه حضور الجمعة من النساء والعبيد والمسافرين والمعذورين، أطلق الماوردي فيه حكاية قولين: أحدهما- نص عليه في القديم-: أنهم غير مأمورين بها. والجديد- وهو الصحيح-: أنهم مأمورون بها؛ لعموم أمره- ﵇ ولذلك ارتاد لها مكاناً واسعاً؛ لأنه يحضرها من لا يحضر الجمعة.

стр. 1979

وفي "تعليق" البندنيجي: أن هؤلاء إن حضروا مع من يلزمه حضور الجمعة، صلوا معهم على سبيل التبع؛ كما لو حضروا الجمعة مع أهل الجمعة؛ فإنهم يصلونها معهم، وتجزئهم. فأما إذا صلاها الإمام بأهلها، فهل يصليها من لم يكن من أهل الجمعة أو لا؟ قال في "الأم" و"الإملاء": " [لا] يقيمها المنفرد في بيته والمسافر والمرأة". وقال في "الصيد والذبائح": "وتجب إقامة العيد بحيث يجب إقامة الجمعة، وتسقط بحيث تسقط". ويقر منه قوله في القديم: "ويصلي العيد حيث يصلي الجمعة". واختلف أصحابنا في ذلك على طريقين: فقال أبو إسحاق: يقيم العيدين من يصلي الصبح؛ فلا يخالف الصبح إلا في التكبيرات. قال: وقوله في القديم: "يصلي العيد حيث يصلي الجمعة" أراد: أنها تقام في موضع واحد كالجمعة، ولا تقام في مساجد المحالِّ؛ كما تصلى سائر الصلوات. قال البندنيجي: وهذا تأويل من لم يعرف قوله في "الصيد والذبائح"، والذي عليه عامة الأصحاب، أنها على قولين: أحدهما: يصليها كل أحد. والثاني: لا يقيمها إلا من وجبت عليه الجمعة، ويصليها هؤلاء تبعاً لهم. قال: ووقتها ما بين أن ترتفع الشمس- أي: قيد رمح- إلى الزوال. هذا الفصل مسوق لبيان ألو وقت صلاة العيدين وآخره، والأصحاب متفقون على أنه بالزوال ينقضي؛ لأن مبنى المواقيت على أنه إذا دخل وقت صلاة خرج وقت التي قبلها؛ لقوله- ﵇: "ليس التَّفريط في النَّوم؛ إنَّما التَّفريط في اليقظة: أن تؤخّر الصَّلاة إلى أن يدخل وقت صلاةٍ أخرى". وبالزوال يدخل وقت صلاة الظهر؛ فزال به وقت ما قبلها.

стр. 1980

واستأنس بعضهم في ذلك بما روى أبو داود: أن ركباً جاءوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس؛ فأمرهم "أن يفطروا، وإذا أصبحوا يغدوا إلى مصلاهم". وأخرجه البهقي، وقال: إن إسناده صحيح. [وزاد] في "المهذب": أن شهادتهم كانت بعد الظهر. وأما أوّله، فقد قال الشيخ: "بعد ارتفاع الشمس"، أي: قيد رمح، كما ذكرنا، ويشهد له من نص الشافعي قوله في "المختصر": "وأحب أن يكون خروج الإمام في الوقت الذي يوافي فيه الصلاة، وذلك حين تبرز فيه الشمس". فقوله: "وذلك حين تبرز فيه الشمس" بيان لوقت الخروج، لا لوقت الصلاة؛ لأن الكلام مسوق لبيان وقت الخروج، ويدل عليه قوله عقيبه: "ويؤخر الخروج في الفطر عن ذلك قليلاً". وإذا كان كذلك كان عين ما ذكره الشيخ؛ لأنه إذا خرج حين تبرز فيه الشمس، كان وصوله إلى المصلى وقد ارتفعت قيد رمح، ويدل على ذلك من جهة السنة: ما روي أنه- ﵇ كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس، فيتم طلوعها، ومعلوم أنه كان يصلي في المصلى، وفي مسافة قطع ما بين خروجه من منزله والمصلى ترتفع الشمس كما ذكرناه. ويؤيده أنه- ﵇ كان يصلي العيد والشمس على أطراف الجبال كالعمائم على رءوس الرجال.

стр. 1981

وروي أنه صلاها والشمس قيد رمح، وروي: قيد رمحين. ولم ينقل أنه صلاها قبل ذلك، ولا أمر بها، ولو كان وقتاً لها لبيَّنه بقوله أو فعله، خصوصاً في عيد النحر؛ فإن تعجيل الصلاة في أول الوقت مستحب كما ستعرفه. وهذا الذي ذكره الشيخ قد قال الرافعي: إنه مقتضى كلام جماعة منهم: الصيدلاني، وصاحب "التهذيب". قلت: وبه صرح القاضي الحسين حيث قال: "سنة القوم: الابتكار، وسنة الإمام: أن يكون خروجه حيث يمكنه أن يبتدئ الصلاة، وذلك بعد ما ارتفعت الشمس قيد رمح، وصفا ضوءها". وكذا البندنيجي حيث قال: "وأول وقتها حين تبرز الشمس وترتفع قليلاً، وهو إذا أشرقت؛ فإنه يقال: شرقت؛ إذا طلعت، وأشرقت؛ إذا أضاءت". ولم يحك القاضي أبو الطيب غيره في كتاب الأضحية. ويقويه اتفاق الأصحاب كافة على أن وقت الأضحية لا يدخل حتى ترتفع الشمس بحيث يجوز التطوع، ويمضي قدر صلاة العيد والخطبتين، مع اتفاقهم على استحباب إيقاع صلاة عيد النحر في أول وقتها. لكن الذي قاله في "المهذب" هنا، وكذا القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والإمام، والمتولي: أن وقتها يدخل إذا طلعت الشمس. قال في "الروضة": وهو [الصحيح أو الأصح]. وقد يستدل له بما تقدم: أن مبنى الأوقات على أن وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت صلاة أخرى، والصلاة منسوبة إلى اليوم، واليوم يدخل بطلوع الفجر، وليس فيه وقت فيه صلاة تشارك ما نحن فيه مع استحباب الاجتماع فيها إلا ما بين طلوع الشمس والزوال؛

стр. 1982

فتعين لها، ويشهد له من قول الشافعي: قوله: "وذلك حين تبرز فيه الشمس"، إذا جعل بياناً لوقت الصلاة؛ لأن الصلاة أقرب مذكور، لكن الأظهر إعادته على وقت الخروج؛ لما تقدم. ثم لو سلم أنه يعود على الصلاة، لكان لمن انتصر للشيخ أن يقول: أراد الشافعي ببروز الشمس ارتفاعها، ويشهد له أن صاحب "البحر" حكى عنه في باب الأضحية: أنه قال في: "المبسوط" في أول وقت الأضحية: " [و] ذلك إذا برزت الشمس، فيصلي ركعتين، ثم يخطب". وقد نقلنا اتفاقهم على أنه لابد من ارتفاعها قبل الصلاة والخطبتين في دخول وقت الأضحية؛ فتعين ما ذكرناه؛ ولأجله قال في "البحر" ثمَّ: إن الشافعي أراد بقوله: "برزت": طلعت وارتفعت قليلاً. ثم اعلم: أن القائلين بدخول الوقت بطلوع الشمس قالوا: الأفضل أن يؤخرها إلى أن ترتفع قيد رمح. وعبارة القاضي أبي الطيب في باب صلاة الكسوف: "إن أول وقتها إذا طلعت الشمس، وإن فعلها في ذلك الوقت مكروه؛ فيستحب تأخيرها عنه". وعبارة ابن الصباغ فيه تقرب من ذلك، وطرده في صلاة الاستسقاء؛ لاتساع وقتها، بخلاف صلاة الكسوف. واقتضى كلام ابن الصباغ [ثمَّ] كراهة صلاة النافلة في الأوقات المكروهة؛ لأنه قال: إن وقتها [واسع؛ فجرت مجرى النوافل التي لا سبب لها؛ وحينئذ فالقول بأن وقتها] يدخل بطلوع الشمس إنما يتم؛ إذا قلنا: عن الصلاة في الأوقات المكروهة لا تحرم؛ كما قاله البندنيجي، وتصح كما هو وجه للأصحاب. أما إذا قلنا: بأنها لا تصح أو حرام- كما ادعى في "الروضة": أنه الأصح، وبه قطع الماوردي في "الإقناع"، وصاحب "الذخائر"، وآخرون- فلا؛ إذ

стр. 1983

يستحيل أن نقول بدخول الوقت وعدم الصحة أو التحريم؛ فيؤخذ مما قاله ابن الصباغ والقاضي أن كراهية الصلاة في الأوقات المكروهة كراهة تنزيه، وأنها تصح فيها. وقد جعل الماوردي أول وقتها إذا طلعت الشمس، وتكامل طلوعها، وقال: إنه لو صلاها مع طلوع الشمس، لم تجزئه؛ لأنه وقت نهي عن الصلاة فيه، وهذا يعجب منه من يعتقد أن وقت الكراهة لا يزول بتكامل الطلوع. وأما من يقول: إنه يزول بتكامل [طلوع] القرص- كما حكاه الغزالي- فلا يعجب من ذلك. ولعل الماوردي من القائلين بذلك، والله أعلم. قال: ويسن تقديم صلاة الأضحى، وتأخير صلاة الفطر، أي: قليلاً؛ لأنه- ﵇ كتب إلى عمرو بن حزم: "أن عجِّل الأضحى، وأخِّر الفطر". ولأن في تقديم صلاة الأضحى اتساع وقت الأضحية وتعجيلها؛ فينتفع بها المساكين، وفي تأخير صلاة الفطر اتساع وقت الفضيلة في تفرقة زكاة الفطر، والتأخير كثيراً غير مأمور به؛ لأنه يخالف السنة. روى أبو داود عن يزيد بن خُمير، قال: خرج عبد الله بن بسر صاحب النبي ﷺ مع الناس في يوم فطر أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنا كنا قد

стр. 1984

فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح. والأضحى: جمع أضحاة، يقال: أضحاة وأضحى؛ كقولك: أرطاة وأرطى، وهو شجر، والأضحى: يذكر ويؤنث باعتبار اليوم؛ قاله الفراء. [قال النواوي]: وسمي بذلك؛ لوقوع الأضحية [فيه]. وقال البندنيجي: إن "الأضحى" لغة في "الأضحية"، وقد حكاها النواوي في "الأضحية" أيضاً، فقولنا: يوم الأضحى، يعني: يوم الأضاحي والضحايا. قال: فإن فاتته قضاها في أصح القولين؛ لما تقدم من خبر الرَّكب الذين شهدوا بالرؤية بعد الظهر. [و] لأنها صلاة أصل راتبة مؤقتة؛ فلا تسقط بفوات وقتها؛ كالفرائض، وهذا ما نص عليه في "كتاب الصيام". ومقابله: أنها لا تقضى؛ لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة؛ فلا تقضى بعد فواتها كالجمعة والكسوف؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"؛ كما قال البندنيجي واختاره المزني، وقال: إنه أشبه بقول الشافعي. قلت: لأنه ذكره وعلله بأنه عمل في وقت، فإذا جاوزه لم يعمل في غيره؛ كعرفة. والتعليل مما يستدل به على الترجيح؛ كما أن التفريع على أحد القولين ترجيح له؛ كذا قاله الماوردي في أول كتاب العتق عن بعض الأصحاب، والحديث فيه اضطراب. قال الماوردي: ولولا اضطرابه لأعيدت الصلاة من الغد قولاً واحداً. وللقائلين بالأول أن يقولوا: الحديث قد قال البيهقي: إن إسناده صحيح. وقال الخطابي: إنه صحيح، والجمعة والكسوف خرجا بما ذكرناه من

стр. 1985

القيود؛ لأن الجمعة بدل عن الظهر لا أصل له، وهي مشروطة بشرط، فإذا فقد امتنعت، والكسوف غير راتبة. ثم القولان مفرعان على الجديد في أنا لا نعتر فيها شرائط الجمعة؛ كما ستعرفه. أما إذا قلنا بالقديم، فلا تقضي قولاً واحداً؛ كذا قاله مجلي، وهو في "الإبانة"، وأورده الإمام فقهاً لنفسه، وعليه جرى الرافعي. وقد قال بعضهم: إن القولين مبنيان على القولين السابقين في أن النوافل هل تقضى أم لا؟ قال القاضي الحسين: والصحيح: أنهما قولان مستقلان بأنفسهما. وبعض الشارحين قال: إنهما جاريان هنا، وإن قلنا: إن النوافل لا تقضى؛ لأن هذه من الشعائر؛ فيقبح ألا تقام على النَّعت المعهود في كل عام، لاسيما وسببها الهلال، والغلط فيه كثير الوقوع؛ فينهض عذراً في القضاء. وقال الماوردي في "كتاب الصيام": إن القولين في قضاء النوافل مأخوذان من ها هنا. واعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن الفوات [يحصل] بذهاب الوقت الذي حدُّه خال عن الصلاة، سواء كان ذلك مع العلم بأنه الوقت، أو مع الجهل به؛ كما إذا غم الهلال ليلة الثلاثين [من رمضان، ثم قامت البينة بعد زواله بالرؤية في ليلة الثلاثين، أو قامت بذلك في ليلة الثلاثين]، ولم تعدّل إلا بعد فوات الوقت. ولاشك في جريانهما عند ترك الصلاة مع العلم بالوقت، سواء كان الترك لعذر أو غير عذر؛ صرح به [في] "الوسيط" وغيره، وأما مع الجهل بالوقت

стр. 1986

- كما صورنا- فهو كذلك إن حصل أداء الشهادة بالرؤية في يوم الثلاثين بعد الزوال [سواء أكان من شخص عدل في الظاهر، أو في الباطن وعدل بعد الزوال] أيضاً، إما في النهار أو بعد الغروب، كما حكاه البندنيجي وغيره من العراقيين، وكذا الحكم عندهم فيما لو وقعت الشهادة يوم الثلاثين قبل الزوال، وعدلت البينة بعد الزوال، [كما حكاه ابن الصباغ. وألحق الماوردي بذلك ما] إذا وقعت الشهادة بعد الزوال والبينة ظاهرة العدالة، أنا نحكم بالفطر، ولا نحكم بفوات الصلاة، بل تصلى أداء؛ لأن الغلط يكثر في ذلك، وهذا شعار عظيم، ويبعد تفويته بذلك؛ فهو كخطأ الحجيج في الوقت. وعلى هذا تصلَّى في الغد ما بين طلوع الشمس والزوال. وقال في "الذخائر": إنا إذا قلنا به: فإن أمكن جمع الناس في بقية النهار، جمعهم، وصلى بهم بنية الأداء، وإلا جمعهم من الغد، وصلى بهم بنية الأداء. وهذا لم أره في غيره. وقالوا فيما إذا شهدت البينة بعد الزوال، وعدِّلت بعد الغروب: فهل يكون الحكم كما تقدم، أو يكون كما إذا شهدت بعد الغروب؟ فيه خلاف مبني على أن العبرة بحال الأداء، أو بحال ثبوت العدالة؟ وفيه قولان، قال الرافعي: ويقال: وجهان، والمذهب منهما- كما قال في "الذخائر"- الثاني، وهو الذي صححه الرافعي، ولم يحك الماوردي في كتاب الصيام غيره. والذي ذكره العراقيون: كأبي الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ، وكذا المتولي- الأول، وكذلك كان مذهبهم ما سلف، واستدلوا على ذلك بأن شاهدين لو شهدا على رجل، وماتا، ثم عدلا بعد الموت، فإنه يحكم بتلك الشهادة، ولو كان الاعتبار بوقت التعديل لامتنع الحكم. وكذا بنوا على الخلاف المذكور ما إذا شهدت البينة قبل الزوال، وعدلت

стр. 1987

بعده، ولا يخفى تفريعه مما سلف. وقد اتفق الفريقان على أن الشهادة لو وقعت بعد الغروب يوم الثلاثين، بالرؤية ليلة الثلاثين: أن الصلاة تفعل في الغد أداء. ومن طريق الأولى: إذا وقعت في الحادي والثلاثين قبل الصلاة، ووجهه قوله- ﵇: "وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحُّون، وعرفتكم يوم تعرِّفون"، أخرجه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة. وعبارة المراوزة: "أنا لا نصغي إلى الشهادة في هذه الحالة؛ إذ لا فائدة فيها إلا ترك صلاة العيد؛ فإن شوالاً قد دخل يقيناً، وصوم ثلاثين من رمضان قد تم. قال الرافعي: وفي قولهم: "لا فائدة إلا ترك صلاة العيد" إشكال؛ فإن لاستهلال الهلال فوائد أخر: كوقوع الطلاق والعتق المعلقين على استهلال شوال، وانقضاء العدة في انقضاء التاسع والعشرين، ونحو ذلك؛ فوجب أن تقبل الشهادة لمثل هذه الفوائد. قال: ولعل مرادهم من عدم الإصغاء فيما يرجع إلى صلاة العيد، وجعلها فائتة، لا عدم القبول على الإطلاق، وإن أطلقوا ذلك في عبارتهم. قلت: الوجه حمله على العموم؛ فإنّ التشاغل بذلك- ولا فائدة محققة في الحال- عبث، والحاكم يشتغل بالمهمات.

стр. 1988

نعم، إن كان ذلك موجوداً، فالوجه ما قاله، والله أعلم. وقد ألحق المراوزة بذلك ما لو وقع أداء الشهادة يوم الثلاثين، ولم تعدَّل البينة إلا بعد طلوع الشمس [في الحادي والثلاثين؛ كما حكاه القاضي الحسين والفوراني والإمام، ولم ينظروا في هذه الحالة إلى حالة الأداء؛ لأن بعد طلوع الشمس] قد دخل وقت صلاة العيد بالقطع، فلا يعارضه ما لا يفيد إلا الظن. والبندنيجي قال: الاعتبار بحالة الأداء في هذه الصورة- أيضاً- فيكون الحكم ما تقدم. ولو قامت البينة بالرؤية قبل الزوال [يوم الثلاثين، وهي ظاهرة العدالة أو عدلت قبل الزوال]- أيضاً- أقيمت الصلاة قبل الزوال إن اتسع الوقت، وإن لم يتسع فالحكم كما لو شهدت بعد الزوال وقبل الغروب، والله أعلم. التفريع: إذا قلنا بالقضاء، قال العراقيون: فلا يتأقت، بل أي وقت فعله حصل، فالأولى أن يفعل في ثاني العيد قبل الزوال، إن لم يمكن اجتماع الناس بقية النهار؛ لاتساع الخطبة. وإن أمكن اجتماعهم في بقية اليوم بالبوق والطبل ونشر العلم، ونحو ذلك؛ لضيق الخطبة، فالأولى فعلها في بقية اليوم؛ لأنه يوم العيد، ولأنه إلى وقت الأداء أقرب. وحكى المراوزة معه وجهاً آخر: أن الأفضل فعلها في ثاني العيد، وهو ظاهر النص؛ فإنه قال: "إن الصلاة تعاد من الغد". ووجهه: أنه- ﵇ هكذا [فعل]، وهو أشبه بالأداء، وأهون للاجتماع، والذي صححه الرافعي الأول. وفي "الحاوي": أن الأصحاب اختلفوا في علة قوله: "إنها تفعل في الغد" على وجهين: أحدهما- وهو قول أبي إسحاق-: أنها [يعذر اجتماع] الناس [لها]؛

стр. 1989

لتفرقهم، وعدم علمهم. فعلى هذا: إن كان أمكن اجتماع الناس بعد الزوال من يومهم، صلِّيت في اليوم؛ لأنه أقرب إلى وقتها الفائت، وقد حكاه القاضي الحسين في "كتاب الصيام" عن النص. والثاني- وهو ظاهر مذهب الشافعي [أن العلة في تأخيرها أن يؤتى بها في وقتها المسنونة فيه، وذلك بعد طلوع الشمس وقبل الزوال. قال: وعلى هذا لا يجوز قضاؤها في اليوم بحال. وعبارته في كتاب الصيام: "والثاني- وهو مذهب الشافعي-] يؤخرها إلى الغد؛ ليصليها في مثل وقتها. وعبارة القاضي الحسين توافق ذلك؛ فإنه قال: إذا قلنا: تقضى من الغد، فهل يجوز أن تقضى في بقية اليوم أو لا؟ فيه وجهان. وكلام الفوراني يشعر بهما على هذا النحو إشعاراً ظاهراً. ولعل القائل بمنع القضاء في اليوم هو القائل بأن صلاة العيد لا تجعل فائتة بأداء الشهادة بعد الزوال وإن أثرت في الفطر كما تقدم. وعبر بالقضاء عن أصل الفعل، لا عن فعله خارج الوقت، والله أعلم. وقال المراوزة: في تأقيت القضاء عند الاشتباه وتبين الحال ثلاثة أقوال أو أوجه: أحدها: ما تقدم. والثاني: تختص بالغد من العيد؛ إتباعاً لظاهر الخبر. وأيضاً: فإن ما قرب من العيد عيد، وهي من شعاره، وثاني العيد يجوز أن يفرض يوم العيد؛ فوقوع هذا الشعار فيه متجه، فأما إذا فرض بعده فلا؛ لأنه يخالف الشعار المعهود. ولا فرق في ذلك بين عيد الفطر والنحر؛ كما قال الرافعي. قال: إلا أن يقال: إن الشهادة بعد دخول ذي الحجة غير مسموعة؛ على قياس

стр. 1990

ما ذكروه في الحادي والثلاثين. وقد ادعى الإمام ظهور هذا الوجه فيما إذا كانت الصلاة تقام في جماعة ومشهد من الناس؛ لأنها لو أقيمت [في غيره] لخالفت الشعار المعهود، ويشيع منه سمعة غير مألوفة في البلاد، لا يدركها إلا خواص الناس، وتعطيل شعار سنة أهون من هذا. وإن أراد الناس أن يقضوا صلاة العيد فرادى من غير إظهار شعار، فالظاهر أنه لا يمنع منه بعد الحادي والثلاثين. والثالث: أنها تقضى إلى شهر. قال الغزالي: كما يتأقت قضاء نافلة اليوم باليوم في قولٍ. والإمام استأنس بتأقيت النوافل للوجه قبله، وقال في هذا: إن كان المراد: أنها لا تقضى في جماعة، فلا معنى لذكر الشهر. وإن كانت تقام في الجماعة، فهذا خيال فاسد، وإن تم فلعله يجري في شوال نقص أو كمل أو بقية [شهر] ذي الحجة وإن كانت عشرين يوماً. وعلى الجملة لا أعده من المذهب. وقال الرافعي: إن [هذا] الوجه لم ينقله سوى الإمام. قلت: وقال في "الإبانة" في حال ترك الصلاة لشغل: وحكاه القاضي الحسين في الإمام إذا ترك الصلاة؛ لاشتغالهم بالجهاد أياماً، [وقال: قيل:] إنه الذي نص عليه الشافعي. أما إذا اختص الفوات بالإرادة، قال الرافعي: فمقتضى كلام الأصحاب: أنها تقضى أبداً. قال: والسنة أن يمسك في عيد الأضحى إلى أن يصلي، ويأكل في عيد الفطر قبل الصلاة؛ لما روى الترمذي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "كان النبي ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى

стр. 1991

حتى يصلي". وقال الدارقطني: "حتى يرجع، فيأكل من أضحيته". [والمعنى في الإمساك يوم الأضحى إلى ما بعد الصلاة؛ ليأكل من أضحيته]، أو يشارك الفقراء فيه؛ لأنه وقت أكلهم، وفي تعجيل الأكل يوم الفطر [قبل الصلاة: مخالفة العادة السالفة. ولأن الفطر في ابتداء الإسلام كان محرماً قبل الصلاة]؛ فقدم ليعلم نسخه. قال الأصحاب: ويستحب أن يكون ما يأكله يوم الفطر قبل الصلاة تمرات وتراً؛ لرواية البخاري عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات". وفي رواية علقها وأسندها الإسماعيلي والدارقطني: "يأكلهن وتراً".

стр. 1992

قال الشافعي: وإن لم يطعم في بيته، ففي الطريق أو المصلى إن أمكنه ذلك؛ قاله في "البيان". قال: وتقام الصلاة في الجامع؛ أي: عند الاتساع؛ لأن خير البقاع وأطهرها من الأنجاس المساجد؛ ومن ثم كان الأئمة يصلون العيد في المسجد الحرام؛ لأن فيه اتساع الخطة والشرف. ولأن في إقامتها في الجامع تسهيلاً على الناس، وهذا يؤخذ من قوله في "المختصر": "وأحب للإمام أن يصلي بهم حيث هو أرفق بهم، وقد بينا أن الصلاة في الجامع مع الاتساع أرفق". قال: فإن ضاق عليهم، صلوا في الصحراء؛ روى أبو سعيد الخدري: "أن رسول الله ﷺ كان يصلي الفطر والأضحى في الصحراء؛ طلباً للسعة". قال [في] "الحاوي": وقد صار مصلى المدينة] اليوم داخل البلد، لأن العمارة زادت، واتصلت حتى عبرت الجبان؛ فصار مصلاهم اليوم عند رحبة دار عبد الرحمن بن عوف، فلو خالف الإمام في هذه الحالة، وأقامها في المسجد- كان مكروهاً؛ لوقوع الناس في الزحمة، وعسر الأمر عليهم. قال: ويستخلف الإمام، أي: في هذه الحالة من يصلي في الجامع بضعفة الناس؛ لأنه روي عن علي- كرم الله وجهه- أنه استخلف أبا مسعود الأنصاري؛ ليصلي بضعفة الناس [في المسجد، ولا مخالف له؛ ولأن في ذلك حيازة فضيلة الصلاة لهم.

стр. 1993

وضعفه الناس:] الشيوخ، والزمنى، والمرضى، وهو بفتح الضاد والعين، ويقال: ضعفاء، وضعاف. وقد أفهم كلام الشيخ: أن فعلها في الجامع عند اتساعه أفضل من الصحراء؛ لما ذكرناه، دون حالة الضيق. وحكى المراوزة معه وجهاً آخر عن رواية صاحب "التقريب"، ولم يورد المتولي [غيره]: أن فعلها في الصحراء أفضل مطلقاً؛ لأن ذلك أرفق بالناس؛ [فإنه] يحضرها الداني والقاصي، والفرسان والرجالة، والصبيان، والنساء الحيض، ولا يتأتى لهن دخول المسجد. نعم، يستثنى من البلاد مكة-[شرفها الله تعالى]- لانضمام [فضيلة] مشاهدة الكعبة إلى فضيلة البقعة، وغير ذلك؛ فلا تفوت؛ وهذا قد حكاه القاضي الحسين عن نصِّه في "الكبير"؛ فإنه قال فيه: "ولا يقام العيد في البلدان في المساجد، بل يخرجون إلى الجبَّان إلا بمكة؛ فإنهم يصلون في المسجد". وعن الصيدلاني إلحاق بيت المقدس فيما نحن فيه بمكة، وهو المذكور في "الخلاصة". نعم، لو كان [هناك عذر من مطر، أو ثلج، ونحو ذلك- كان] إقامتها في المسجد أولى بكل حال؛ لما روي عن أبي هريرة- ﵁ قال: "أصابنا مطر في يوم عيدٍ؛ فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد". قال أبو إسحاق المروزي: وعند الضيق يصلي الإمام في المسجد الأعظم بمن يطيق الحضور فيه، واستخلف من يصلي بالناس في موضع آخر بحيث يكون أرفق بهم. قال الرافعي: وفي كلام الأئمة ما يفهم بناء هذا الخلاف على أن إقامة

стр. 1994

الصلاة بمكة كان لخصوص فضيلة المسجد الحرام، أو لسعة الخطة. فإن قلنا بالثاني، فالمسجد أولى في سائر البلاد أيضاً. وإن قلنا بالأول، فلا. والذي أورده العراقيون، والماوردي، والبغوي، وهو الأظهر في "الرافعي": ما ذكره الشيخ، وعليه ظاهر النص؛ فإنه قال في [كتاب] الصيد والذبائح: "وتجب إقامة العيد [بحيث تجب إقامة الجمعة] ". وقال في القديم: "ويصلي العيد حيث يصلي الجمعة"، والجمعة لا تقام في الصحراء، بل في البلد؛ فكذا العيد. وقد أخذ الشيخ أبو محمد بظاهر هذا النص، وقال: لا تصح إقامتها إلا حيث تصح الجمعة كما سنذكره. والحيّض إن حضرن، يقفن على باب المسجد. قال: ويحضرها الرجال؛ للإجماع، والنساء، والصبيان؛ لما روى مسلم عن أم عطية قالت: "أمر رسول الله ﷺ أن يخرجن في العيدين: العواتق، والحيَّض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين"؛ فثبت في النساء بالنص، وقيس عليهن الصغار. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في النساء بين الشابة والعجوز، وبه صرح البندنيجي في باب صلاة الجمعة، وقال هنا: إنه المذهب، وهو ما حكاه في "الحاوي" عن بعض أصحابنا البغداديين؛ لأنه- ﵇ كان يخرج بناته ونساءه إلى العيدين. ولفظ الشافعي- ﵀ في "الأم" يشهد له؛ لأنه قال: "وأحب شهود العجائز وغير ذوات الهيئة للصلاة والأعياد، وأنا لشهودهن الأعياد أشد استحباباً مني لشهودهن غيرها من الصلوات المكتوبات"، لكنه يقتضي أن ذات الهيئة

стр. 1995

منهن لا يستحب لها الحضور، وقد أخذ به المتولي، فقال: الأولى لذوات الهيئات والجمال الصلاة في بيوتهن، ولو خرجن جاز؛ للخبر السابق. والذي حكاه المزني عنه: أنه قال: "وأحب حضور العجائز غير ذوات الهيئة"، وهو الذي حكاه في "المهذب"، وهو يقتضي اختصاص الاستحباب بالعجائز؛ إذا لم يكن لهن هيئة، أما الشابات فلا يستحب لهن الحضور. وصرح الماوردي والرافعي: بأنه يكره لهن الحضور؛ لأنه يخشى افتتانهن بالرجال و [افتتان] الرجال بهن. وقال: إن خبر أم عطية يجوز أن يكون متقدماً. ويقرب منه قول الصيدلاني. والقاضي الحسين يرى: أن الرخصة في خروجهن وردت في ذلك الوقت، فأما اليوم فيكره لهن الخروج إلى مجتمع الناس؛ لأن الناس قد تغيروا؛ قالت عائشة: "لو عاش رسول الله ﷺ لمنعهن الخروج". قال: ويظهرون الزينة، أي: بلبس أفخر الثياب المباحة، وإزالة الأوساخ، والتطيب؛ لأنه- ﵇ كان يلبس في العيد بردة حبرة، ويعتم.

стр. 1996

وروى جابر أنه- ﵇ كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. رواه ابن عبد البر. [وروي] عن الحسن أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نلبس يوم العيد أحسن ما نجد، ونتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار. قال الشافعي في "الأم": "وأحب أن تلبس العمامة في الحر والبرد، واستحباب ذلك للإمام أكثر؛ لأن الإمام منظور إليه ومقتدى به". وما ذكرناه مختص بما عدا النساء؛ أما النساء فيخرجن في بذلة الثياب، ولا يتطيبن؛ لقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات" يعني:

стр. 1997

غير عطرات، رواه مسلم. فلو لبسن الشهرة من الثياب كره لهن ذلك، وكذا لو تطيبن؛ كما قاله أبو الطيب. وقال في "التتمة": إن التزين سنة للرجال والنساء، والعبيد والأحرار، والكبار والصغار؛ لأنه يوم فرح وسرور، وكل ذلك في النساء سواء. ولعل مراده بذلك: إذا كن في بيوتهن؛ فأما إذا خرجن للمصلى فلا؛ لأنه قال بعد ذلك: إن المستحب لهن أن يخرجن في ثياب مهنة، ويتنظفن بالماء، ولا يستعملن الطيب. قال: ويغتسل لها؛ لقول ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر، ويوم الأضحى"، ذكره أبو أحمد من حديث حجاج بن تميم عن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس، ﵁. [و] قد روي عن علي، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع أنهم كانوا يغتسلون في العيد. وعن عروة بن الزبير أنه قال: "السنة أن يغتسل يوم العيدين". ولأنه موضع شرع فيه الاجتماع؛ فيسن فيه الاغتسال كالجمعة. وكما يستحب الغسل يستحب الأخذ من الشعر والظفر إن احتيج إليه؛ لأنه من تمام الزينة.

стр. 1998

قال: بعد الفجر؛ لأنه غسل استحب لأجل صلاة العيد؛ فدخل وقته بدخول وقت العيد لا قبله كغسل الجمعة. قال: فإن اغتسل لها قبل الفجر أجزأه في أحد القولين؛ لأن الصلاة تقام في أول النهار، ويقصدها الناس من البعد، فلو لم يرخص لهم في التقدم، لأدى إلى ترك هذه السنة؛ وبهذا خالف غسل الجمعة حيث لا يجوز قبل الفجر [على المذهب، وقد ترجع حقيقة هذا القول [إلى] أنه مخير في الاغتسال قبل الفجر] وبعده، وكذلك نقله البويطي؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب. والبندنيجي والماوردي، وغيره حكوه وجهاً عن ابن أبي هريرة. ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه بعد الفجر أولى على هذا القول، ولاشك فيه؛ لأنه عند الرواح كما ستعرفه. والقول الآخر: أنه لا يجزئه؛ لما ذكرناه، وهو ما حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"، ونقله في "المختصر"، وحكاه الماوردي وجهاً عن أبي إسحاق. والصحيح عند الرافعي، والنواوي الإجزاء. قال القاضي أبو الطيب: وإذا قلنا به فلا يغتسل إلا بعد نصف الليل؛ كما في أذان الصبح، وهو ما أورده القاضي الحسين، وقال: إنه لا خلاف فيه. وقال ابن الصباغ: يحتمل أن يجوز في جميع الليل كالنية في الصوم، ويخالف الأذان للصبح؛ فإنه إذا فعل قبل نصف الليل اشتبه بأذان العشاء؛ لأنه يبقى [الاختيار فيه] ما بقي وقت اختيار الصلاة، وهو يبقى إلى نصف الليل. قلت: ولا يقال: إن قوله: "الصلاة خير من النوم" مميز بينهما؛ لأن الشخص قد لا يسمع ذلك. وقد عكس الإمام ما ذكرناه، فقال: من جوز الغسل في الليل، فالمحفوظ عنه

стр. 1999

أن جميع الليل وقت له، وهو ما اختاره في "المرشد"، ولم يحك في "الوسيط" غيره. ثم قال الإمام: وكان لا يبعد في القياس أن يقرب تقريب الأذان لصلاة الصبح. ثم الاغتسال يوم العيد وإظهار الزينة، لا يختص بمن يحضر الصلاة، بل يعم جميع الناس؛ فإنه يوم سرور وزينة، بخلاف الغسل للجمعة؛ فإنه مخصوص بمن يصلي؛ لقطع الروائح. قال: ويبكر الناس بعد الصبح؛ ليحصل بقرب الإمام، وليكن منتظراً للصلاة؛ قال ﷺ : "إنَّ أحدكم في صلاةٍ ما دام ينتظر الصَّلاة". وقال- ﵇: "ألا أدلُّكم على ما يرفع الله به الدَّرجات، ويمحو [به] الخطايا؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" أخرجه مسلم. قال: ويتأخر الإمام إلى الوقت الذي يصلي بهم [فيه]؛ لما روى أبو سعيد الخدري- ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى

стр. 2000

المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة" رواه مسلم. قال الأصحاب: ويكره له التنفل قبلها أو بعدها لما روى البخاري ومسلم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى ركعتي العيد، ولم يتنفل [لا] قبلها ولا بعدها. ولا يكره ذلك للمأموم إلا في الوقت المكروه. قال: ولا يركب، أي: قاصدها في المضي إليها؛ لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يخرج إلى العيد ماشياً، ويرجع ماشيّاً. وروي أنه- ﵇ لم يركب في عيد ولا جنازة قط. ثم كلام الشيخ يفهم أنه مخير في الركوب والمشي في الرجوع، وبه صرح القاضيان: أبو الطيب، والحسين؛ لأن القربة قد انقضت، وشاهد ذلك: تشييع الجنازة؛ فإنه يمشي في المضي، ويركب في العود؛ كما دل عليه ما سنذكره
следующие страницы →