Полный текст (9 685 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
وروى جابر أنه- ﵇ كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة. رواه ابن عبد البر.
[وروي] عن الحسن أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نلبس يوم العيد أحسن ما نجد، ونتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، وأن نظهر التكبير وعلينا السكينة والوقار.
قال الشافعي في "الأم": "وأحب أن تلبس العمامة في الحر والبرد، واستحباب ذلك للإمام أكثر؛ لأن الإمام منظور إليه ومقتدى به".
وما ذكرناه مختص بما عدا النساء؛ أما النساء فيخرجن في بذلة الثياب، ولا يتطيبن؛ لقوله ﷺ : "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات" يعني:
стр. 1997
غير عطرات، رواه مسلم.
فلو لبسن الشهرة من الثياب كره لهن ذلك، وكذا لو تطيبن؛ كما قاله أبو الطيب.
وقال في "التتمة": إن التزين سنة للرجال والنساء، والعبيد والأحرار، والكبار والصغار؛ لأنه يوم فرح وسرور، وكل ذلك في النساء سواء. ولعل مراده بذلك: إذا كن في بيوتهن؛ فأما إذا خرجن للمصلى فلا؛ لأنه قال بعد ذلك: إن المستحب لهن أن يخرجن في ثياب مهنة، ويتنظفن بالماء، ولا يستعملن الطيب.
قال: ويغتسل لها؛ لقول ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ يغتسل يوم الفطر، ويوم الأضحى"، ذكره أبو أحمد من حديث حجاج بن تميم عن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس، ﵁.
[و] قد روي عن علي، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع أنهم كانوا يغتسلون في العيد.
وعن عروة بن الزبير أنه قال: "السنة أن يغتسل يوم العيدين".
ولأنه موضع شرع فيه الاجتماع؛ فيسن فيه الاغتسال كالجمعة.
وكما يستحب الغسل يستحب الأخذ من الشعر والظفر إن احتيج إليه؛ لأنه من تمام الزينة.
стр. 1998
قال: بعد الفجر؛ لأنه غسل استحب لأجل صلاة العيد؛ فدخل وقته بدخول وقت العيد لا قبله كغسل الجمعة.
قال: فإن اغتسل لها قبل الفجر أجزأه في أحد القولين؛ لأن الصلاة تقام في أول النهار، ويقصدها الناس من البعد، فلو لم يرخص لهم في التقدم، لأدى إلى ترك هذه السنة؛ وبهذا خالف غسل الجمعة حيث لا يجوز قبل الفجر [على المذهب، وقد ترجع حقيقة هذا القول [إلى] أنه مخير في الاغتسال قبل الفجر] وبعده، وكذلك نقله البويطي؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب.
والبندنيجي والماوردي، وغيره حكوه وجهاً عن ابن أبي هريرة.
ثم ظاهر كلام الشيخ: أنه بعد الفجر أولى على هذا القول، ولاشك فيه؛ لأنه عند الرواح كما ستعرفه.
والقول الآخر: أنه لا يجزئه؛ لما ذكرناه، وهو ما حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم"، ونقله في "المختصر"، وحكاه الماوردي وجهاً عن أبي إسحاق.
والصحيح عند الرافعي، والنواوي الإجزاء.
قال القاضي أبو الطيب: وإذا قلنا به فلا يغتسل إلا بعد نصف الليل؛ كما في أذان الصبح، وهو ما أورده القاضي الحسين، وقال: إنه لا خلاف فيه.
وقال ابن الصباغ: يحتمل أن يجوز في جميع الليل كالنية في الصوم، ويخالف الأذان للصبح؛ فإنه إذا فعل قبل نصف الليل اشتبه بأذان العشاء؛ لأنه يبقى [الاختيار فيه] ما بقي وقت اختيار الصلاة، وهو يبقى إلى نصف الليل.
قلت: ولا يقال: إن قوله: "الصلاة خير من النوم" مميز بينهما؛ لأن الشخص قد لا يسمع ذلك.
وقد عكس الإمام ما ذكرناه، فقال: من جوز الغسل في الليل، فالمحفوظ عنه
стр. 1999
أن جميع الليل وقت له، وهو ما اختاره في "المرشد"، ولم يحك في "الوسيط" غيره.
ثم قال الإمام: وكان لا يبعد في القياس أن يقرب تقريب الأذان لصلاة الصبح.
ثم الاغتسال يوم العيد وإظهار الزينة، لا يختص بمن يحضر الصلاة، بل يعم جميع الناس؛ فإنه يوم سرور وزينة، بخلاف الغسل للجمعة؛ فإنه مخصوص بمن يصلي؛ لقطع الروائح.
قال: ويبكر الناس بعد الصبح؛ ليحصل بقرب الإمام، وليكن منتظراً للصلاة؛ قال ﷺ : "إنَّ أحدكم في صلاةٍ ما دام ينتظر الصَّلاة".
وقال- ﵇: "ألا أدلُّكم على ما يرفع الله به الدَّرجات، ويمحو [به] الخطايا؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصَّلاة بعد الصَّلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" أخرجه مسلم.
قال: ويتأخر الإمام إلى الوقت الذي يصلي بهم [فيه]؛ لما روى أبو سعيد الخدري- ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى
стр. 2000
المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة" رواه مسلم.
قال الأصحاب: ويكره له التنفل قبلها أو بعدها لما روى البخاري ومسلم، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى ركعتي العيد، ولم يتنفل [لا] قبلها ولا بعدها. ولا يكره ذلك للمأموم إلا في الوقت المكروه.
قال: ولا يركب، أي: قاصدها في المضي إليها؛ لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يخرج إلى العيد ماشياً، ويرجع ماشيّاً.
وروي أنه- ﵇ لم يركب في عيد ولا جنازة قط.
ثم كلام الشيخ يفهم أنه مخير في الركوب والمشي في الرجوع، وبه صرح القاضيان: أبو الطيب، والحسين؛ لأن القربة قد انقضت، وشاهد ذلك: تشييع الجنازة؛ فإنه يمشي في المضي، ويركب في العود؛ كما دل عليه ما سنذكره
стр. 2001
من الخبر ثم.
وهذا إذا لم يكن الطريق ضيقاً، فإن كان فترك الركوب أولى؛ [كي لا] يزدحم الناس؛ قاله البندنيجي.
وعلى هذه الحالة يحمل ما صدر منه ﷺ ومحل ذلك في الذهاب والعود إذا أطاق المشي، فإن عجز عنه؛ لضعف [أو] كبر أو مرض، أو كان الموضع بعيداً- فله أن يركب كما قلنا في تشييع الجنازة.
قال: ويمضون إليها في طريق، ويرجعون في أخرى؛ اقتداءً برسول الله ﷺ وهو ما روى جابر قال: "كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق". أخرجه البخاري.
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: [كان] النبي ﷺ إذا خرج يوم العيد من طريق رجع في غيره".
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يخرج إلى العيد من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرَّس، وقد بينهما في باب صفة الحج، وتكلم
стр. 2002
الأصحاب في المعنى الذي لأجله فعل النبي ﷺ ذلك:
فقيل يحتمل: أنّه فعله؛ ليساوي في ممرِّه بين القبيلتين: الأوس والخزرج؛ لأنهم كانوا يتفاخرون بذلك في محالهم، فيقولون: مر بنا رسول الله ﷺ في أصحابه.
ويقال: إنه ما مر بطريق إلا ويفوح منها رائحة المسك.
وقيل: يحتمل أنه كان يتصدق؛ فأحب أن يعم مساكين الطريقين.
وقيل: إنه كان يقصد بالسؤال [في طريقه]، ولا يحضره ما يغنيهم؛ فكان يخالف بين الطريقين توقياً للمسألة.
وقيل: إنه كان يسأل في طريقه عن معالم الدين، وأحكام الشرع، فأحب أن يعود في الآخر؛ ليعلِّم أهل الطريقين.
وقيل: يحتمل أنه كان يفعل ذلك؛ للسعة، وقلة الزحام. وهذا [التأويل] منقول عن ابن عمر.
وقيل: يحتمل أنه كان يفعله تفاؤلاً بتغير الحال؛ كما في تقليب الرداء في الاستسقاء.
وقيل: يحتمل أنه كان يسلك الأبعد في ذهابه، والأقرب في رجوعه.
وقيل: يحتمل أنه كان يفعل ذلك؛ لينتشر المسلمون في الطريق؛ فيزداد غيظ اليهود.
وقيل: يحتمل أنه فعله؛ تجنباً لكيد المنافقين، وإبطالاً [له]؛ لأنهم ربما ترصدوا له في الطريق الذي ذهب فيه.
وقيل: يحتمل أنه فعله؛ لتشهد له البقاع، فقد روي: "من مشى في خير أو بر شهدت له البقاع يوم القيامة".
قال الماوردي: وفي شهادة البقاع تأويلان:
стр. 2003
أحدهما: أن الله- تعالى- ينطقها بذلك.
والثاني: أن الشاهد أهلها؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩].
قال أبو إسحاق: وإذا احتمل: أنه- ﵇ فعل ذلك لمعنى؛ فإن عرفنا أن ذلك المعنى يختص به، لم يشاركه فيه [غيره، وإن لم نعرف ذلك فعلناه. ومن طريق الأولى إذا عرفنا: أنه فعله لمعنى نشاركه فيه].
وقال أبو علي بن أبي هريرة: نفعله؛ إتباعاً له، سواء عرفنا أنه لمعنى يختص به أو لا.
قال الماوردي: وهما متوافقان على الإتباع فيما نحن فيه؛ لأنه لم يعرف أنه فعله لمعنى يختص به.
ونقل بعض الناس عن رواية الماوردي في هذا الموضع: أن ما فعله النبي ﷺ لمعنى، فزال ذلك المعنى- ففيه وجهان:
أحدهما- قاله أبو إسحاق-: لا يفعل إلا بدليل.
والثاني- قاله ابن أبي هريرة-: يفعل.
وكلام الرافعي يفهم أن الخلاف جار في وقتنا هذا في المضي إلى العيد، وادعى أن الذي مال إليه الأكثرون: مذهب ابن أبي هريرة.
قال: والسنة أن تفعل في جماعة- أي: واحدة- لنقل الخلف عن السلف.
والمفهوم من لفظ "السنة"- إذا أطلقه الفقهاء-: الندب، غير الطريقة؛ وحينئذ يكون كلام الشيخ مصرحاً بانعقادها فرادى، وهو المذهب الجديد الذي نص عليه في "الأم" و"الإملاء"، ولفظه في "الأم": و"لا بأس أن يصلّوها في مساجد الجماعات في المصر، فإذا فعلوا فلا أحب أن يخطب أحد في المصر إذا كان
стр. 2004
به إمام؛ خوف الفتنة".
ومنهم من قطع بهذا القول، والذي عليه الجمهور إجراء قولين في المسألة:
أحدهما: هذا.
والثاني- وهو مأخوذ من نصه في الصيد والذبائح والقديم-: أنه لا يقيمها إلا من تقام به الجمعة، واستؤنس له بأنه- ﵇ لم يصل العيد بمنى، ولو ساغ لأقامها.
والقائلون بالأول قالوا: إنما ترك الصلاة بمنى؛ لاشتغاله بالمناسك.
وقد قال الشافعي: " [و] أما أهل منى فلا يصلون صلاة الأضحى، وسواء كانوا من أهل مكة أو غيرهم؛ فإن لهم بغيرها شغلاً".
التفريع:
إن قلنا بما ذكره الشيخ، فإذا انفرد الشخص بصلاة العيد في محلة جاز.
ولو فرضت جماعة متفرقة، صحت الصلاة، ولكن الإمام يمنع من هذا من غير حاجة؛ حتى تجتمع الجماعات على صعيد واحد، قاله الإمام.
وإن قلنا بمقابله، قال الأصحاب: فلا يصليها المنفرد في بيته، ولا عبد ولا امرأة ولا مسافر إلّا تبعاً لأهل الجمعة، وكذا أهل السواد إذا كانوا دون الأربعين [وهم على مسافة لا يبلغهم النداء.
نعم، إن كانوا أربعين،] أقاموها، ولا يشترط أن يكون الأربعون بصفة من تنعقد بهم الجمعة، بل إن كان بعضهم من أهلها، وباقيهم من غيرها، أجزأ؛ كذا حكاه البندنيجي عن الشيخ أبي حامد.
стр. 2005
وعبارة ابن الصباغ في حكاية ذلك عنه مخالفة لبعضه؛ ولذلك استشكلها.
وقال الإمام- في حكاية هذا القول-: إنه يشترط أن تكون صفاتهم صفات الأربعين الذين تنعقد بهم الجمعة، وإنه يشترط دار الإقامة كما في الجمعة، وكذا كل ما يشترط في الجمعة، إلا تقديم الخطبتين على الصلاة، وإقامتها في البلد؛ فإن صلاة الجمعة يتقدمها الخطبتان، ولا تقام في الجبان، وصلاة العيد تتقدم الخطبتين، وتقام بارزة. وعمل الأئمة الماضين أصدق شاهد في ذلك، وقد كان رسول الله ﷺ يقيم صلاة العيد بالمدينة في الجبان.
وهذا قد وافق عليه أبو حامد، فقال: ولا خلاف على المذهب أنه لي سمن شرطها الوطن؛ فإن السنة إذا ضاق بهم المسجد أن تقام في المصلى خارج البلد [بحيث] لا يجوز إقامة الجمعة فيه.
وقد حكى الإمام عن شيخه أنه قال: [إنا] إذا فرعنا على هذا القول لم تجز صلاة العيد إلا حيث تجوز صلاة الجمعة، وهو ما اقتضاه كلام القاضي الحسين؛ لأنه قال: أحد القولين: أن العيد كالجمعة، في أنه لا يجوز إلا في مصر أو قرية جامعة، ولا يجوز إلّا في جماعة، ولا يؤدى في بلد إلا في جماعة واحدة، ولابد فيه من العدد.
قال الإمام: والذي ذكره شيخي وإن كان قياساً، فهو في حكم المعاندة لما عليه الناس، والقول في نفسه ضعيف؛ إذ يبعد كل البعد إذا مضت الصلاة، وفرض اختلال بالخطبة أن ينعطف البطلان على الصلاة.
قال: وينادي لها: الصلاة جامعة؛ لما روى الزهري: أن رسول الله ﷺ كان يأمر أن ينادى للعيد والاستسقاء: "الصلاة جامعة"، وبالقياس على الكسوف.
стр. 2006
والوجه: النصب فيهما: الأول على الإغراء، والثاني على الحال.
والتقدير: ائتوا الصلاة جامعة، أي: جامعة الناس والقربات؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وقال القاضي الحسين: يقول: "الصلاة الصلاة" [ولا يقول]: "جامعة"، بل هذا لفظ الشافعي، يعني: هذه الصلاة جامعة: اجتمعتم.
والجمهور على الأول، وقالوا: إن الشافعي قال: "لو قال: هلموا إلى الصلاة؛ فلا بأس"؛ ولأجله قال أبو الطيب: [إنه مخير بين أن يقول: "الصلاة جامعة"، أو: "هلموا إلى الصلاة".
ولو قال: حي على الصلاة، فلا بأس، إلا أنه يستحب أن يتوقى كلمات الأذان.
وقال في "الشامل": لو قال: هلموا إلى الصلاة، أو]: حي على الصلاة- فلا بأس.
وزاد في "العدة" فقال: إن قوله: حي على الصلاة، مستحبٌّ. وضده قول أبي الفتح سليم: إنه مكروه.
وقال الماوردي: إن الشافعي قال: "لو قال: هلموا إلى الصلاة، أو: حي على الصلاة، أو: قد قامت الصلاة- كرهنا ذلك، وأجزأه".
ولا خلاف في أن الأذان والإقامة غير مشروعين فيه؛ لما روى مسلم عن جابر قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة دون أذان ولا إقامة.
قال: ويصلي ركعتين؛ للإجماع، إلا أنه يكبر في الأولى بعد دعاء الاستفتاح، وقبل التعوذ- سبع تكبيرات، وفي الثانية قبل القراءة: خمس تكبيرات؛ لقول الشافعي- ﵀: سمعت سفيان بن عبد الله [يقول: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: سمعت عبد الله] بن عباس يقول: أشهد على
стр. 2007
رسول الله ﷺ أنه كبر في صلاة العيدين في الأولى سبعاً سوى تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمساً سوى [تكبيرة] القيام.
ولرواية الترمذي عن عمرو بن عوف: "أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الأخيرة خمساً قبل القراءة".
وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال نبي الله ﷺ : "التكبير في الفطر سبعٌ في الأولى، وخمسٌ في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما".
стр. 2008
وقد صحَّح البخاري هذين الحديثين، وخرج الثاني بهذا الإسناد الدارقطني، وقال: "سبعاً في الأولى، وخمساً في الآخرة سوى تكبيرة الصلاة".
وفي حديث أبي داود عن عائشة: "سوى تكبيرتي الركوع".
قال ابن عبد البر: وقد روي عنه- ﵇ من طرق: أنه كبر في العيد سبعاً في الأولى، وخمساً في الثانية، ولم يرو عنه من حديث قوي أو ضعيف خلاف ذلك.
واحترز الشيخ بقوله: "بعد دعاء الاستفتاح" عن مذهب المزني وأبي ثور؛ فإن عندهما: أن تكبيرة الإحرام من السبع، والخبر حجة عليهما، مع أن تكبيرة الإحرام وكذا الهوى لا تدخل في العدد؛ لأنهما لا تختصان بالعيد.
وبقوله: "وقبل التعوذ" عن مذهب أبي يوسف؛ فإن عنده: أن دعاء الاستفتاح يليه التعوذ، كما في غيرها من الصلوات.
وقد أشار الصيدلاني إلى تردد فيه، بقوله: الأشبه بالمذهب: أن التعوذ بعد التكبيرات وقبل القراءة، وهو المشهور؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقبل التكبير ليس بقارئ، ويفارق سائر الصلوات؛ لأن القراءة تلي التعوذ.
[و] بالأمرين معاً يقع الاحتراز عن مذهب محمد بن الحسن؛ فإن عنده أن دعاء الاستفتاح والتعوذ معاً يفعلان بعد التكبيرات، وهو قول حكاه في "البيان" و"الزوائد".
والصحيح الأول؛ لأنه إذا تأخر عن أولها لم يكن مستفتحاً.
стр. 2009
و [احترز] بقوله: "في الثانية قبل القراءة" عن مذهب أبي حنيفة؛ فإن عنده أنه يكبر بعد القراءة، والحديث حجة عليه.
وسكوت الشيخ عن التعوذ في الركعة الثانية تفريع على أن التعوذ يختص بالركعة الأولى؛ كما تقدم في موضعه.
قال: يرفع فيها اليدين؛ قياساً على التكبيرات في صلاة الجنازة.
والرفع يكون إلى حذو منكبيه؛ كما في تكبيرة الإحرام.
قال الشافعي: ويقف بين كل تكبيرتين بقدر آية لا طويلة ولا قصيرة، يهلل الله، ويكبره، ويحمده، ويمجده.
وشرح الأصحاب ذلك، فقالوا: يقول بين كل تكبيرتين من السبع والخمس: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال بعضهم: يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت [وهو حي لا يموت]، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير".
قال ابن الصباغ- تبعاً للقاضي أبي الطيب-: ولو قال ما اعتاده الناس، [وهو]: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً"- كان حسناً؛ لأن الوليد بن عقبة سأل ابن مسعود: ما أفعل في يوم عيد؟ فقال له: "تكبر، وتحمد، وتثني على الله، وتصلي على النبي ﷺ بين كل تكبيرتين"، ولا يقول ابن مسعود ذلك إلا توقيفاً.
ولأن ذلك لم ينكره منكر مع وجوده في كل عصر.
فلو ترك ذلك، ووالى بين التكبيرات، كان مكروهاً؛ قاله القاضي أبو الطيب، وعليه نص في "الأم"، وقال: "إنه لا إعادة عليه ولا سجود".
ويستحب أن يضع يمناه على يسراه بين كل تكبيرتين؛ قاله الماوردي.
стр. 2010
وقال الرافعي: إن في "العدة" ما يشعر بخلاف فيه.
[فروع]:
[أحدها:] لو اقتدى في العيد بمن يخالفه في التكبير، بأن كان هو يعتقد أنها في الأولى ست، وإمامه يعتقد أنها سبع، أو بالعكس: فهل يتابع إمامه أو يمشي على اعتقاد نفسه؟ حكى الإمام في كتاب الجنائز عن رواية الشيخ فيه قولين، الذي ذكره منهما ها هنا، وكذا الفوراني والرافعي: إتباع الإمام.
وقال القاضي الحسين: إن الإمام لو ترك التكبيرات بجملتها، هل يأتي بها المأموم؟ وجهان وهما قريبان من القولين اللذين رواهما الشيخ أبو علي.
ثم قال الإمام في كتاب الجنائز، في مسألة القولين: والذي عندي فيه: أن المقتدي لو تابع، أو ترك المتابعة في التكبيرات، أو لم يكبر، وكان الإمام يكبر- فلا ينتهي الأمر في ذلك إلى الحكم ببطلان الصلاة؛ فإن هذه التكبيرات ليست من الأركان حتى يقال: سبق الإمام بها، أو سبق المأموم بها، وفيه احتمال ظاهر، والعلم عند الله سبحانه.
قلت: ويقوي الاحتمال: أن الإمام لو أتى بسجدتي السهو، ولم يتبعه المأموم- بطلت صلاته، وإن لم يكونا من الأركان.
[وإن نظر] إلى الجنس فتكبيرة الإحرام من الأركان.
[الفرع] الثاني: إذا أدرك المأموم الإمام بعد فراغ التكبير، لا يقضي على الجديد؛ [لأنه سنة]، بخلاف تكبيرات الجنازة.
وعلى القديم: يأتي بها؛ لأن محل التكبير القيام، وقد أدركه، وكذا لو أدرك
стр. 2011
بعض التكبيرات، فإنه يكبر ما أدرك معه، وهل يكبر ما فاته؟ على القولين:
ولو أدركه في الركوع لا يكبر بلا خلاف، بل يركع معه.
ولو أدركه بعد فراغ القراءة، عند إرادة الركوع، قال في "الإبانة": فهل يأتي به؟ فيه قولان:
فإن قلنا: يأتي به، فهل يعيد الفاتحة؟ فيه وجهان.
ولو أدركه في الركعة الثانية، كبر خمساً معه؛ للمتابعة، ثم إذا قام لقضاء الركعة كبر خمساً أيضاً؛ لأن ما أدركه معه هو أول صلاته، والإمام تحمَّل عنه التكبيرتين الزائدتين على الخمس؛ كذا قاله الجمهور.
وقال المتولي: إن ذلك تفريع على الجديد.
[و] إذا قلنا بالقديم كبر مع الإمام خمس تكبيرات، ثم أتى بتكبيرتين تتمة السبع.
[الفرع] الثالث: إذا ترك الإمام أو المنفرد التكبيرات ناسياً، ثم تذكر: فإن كان قبل الشروع في القراءة أتى بها، وإن كان بعده، قال في القديم: يأتي بها، ويقطع القراءة.
وإن كان بعد الفراغ من القراءة، أتى بها، ولم يعد القراءة، والأولى أن يعيدها؛ نص عليه.
وفي "الرافعي" وجه: أنه يعيدها.
والجديد الذي نص عليه في "الأم": أنه لا يأتي بها؛ كما لو ترك دعاء الاستفتاح، ثم تذكره بعد الشروع في القراءة؛ فإنه لا يعود إليه بلا خلاف.
وحكى الإمام مع هذه الطريقة طريقة أخرى عن رواية الشيخ أبي علي طاردة للقول القديم في تدارك دعاء الاستفتاح أيضاً.
[والقاضي] الحسين حكاه وجهاً عن ابن سريج.
والطريق الأوّل أصح؛ لأنه إذا تأخر عن أول الصلاة، لم يبق استفتاحاً؛ فإن موضع الاستفتاح على أثر التحريم.
[الفرع] الرابع: إذا ترك التكبيرات في الركعة الأولى، لا يستحب له أن
стр. 2012
يأتي بها مع تكبير الثانية بأن يكبر اثنتي عشرة تكبيرة، فإن فعل، قال في "الأم": كرهته، ولا إعادة عليه، ولا سجود؛ وكذا لو ترك التكبيرات عمداً أو سهواً لا سجود عليه؛ لأن شعارها لا يختص بالصلاة؛ فإنها مشروعة في الخطبتين.
نعم، إذا فاتته، وقلنا: لا يقضيها، فأتى بها بعد القراءة، فهل يؤمر بالسجود؟ فيه وجهان مبنيان على ما إذا نقل ذكراً هو سنة إلى بعض الأركان، فإنه ينظر فيه:
فإن كان من الأبعاض: كالقنوت، ففي اقتضاء الإتيان به في غير موضعه السجود- وجهان؛ بناءً على ما إذا نقل ركناً ذكريّاً، وها هنا أولى بألا يسجد؛ لأنه ليس ركناً؛ فحكمه أخف.
و [إن] أتى بذكر ليس بركن، ولا بعض، فوجهان مرتبان على قنوت، وأولى بعدم اقتضاء السجود.
وعلى هذا يخرج الإتيان بالتكبيرات بعد القراءة، وكذا دعاء الاستفتاح إذا منعناه، وكذا قراءة السورة في التشهد.
واعلم أن الإتيان بالتكبيرات في هذه الصلاة محله إذا وقعت أداء، فلو فعلت قضاء، قال العجلي: فلا يكبر؛ لأن التكبير من سنة الوقت، وقد فات. ويجيء فيه الاحتمال الذي سنذكره عن القاضي الحسين، فيما إذا فاتته صلاة [في أيام] التشريق، فقضاها في غيرها، هل يكبر خلفها أم لا؟
قال: ويقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة "ق"، وفي الثانية "اقتربت الساعة .. "؛ لما روى مسلم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أن عمر بن الخطاب- ﵁ سأل أبا واقد اللَّيثي: ما كان يقرأ به رسول الله ﷺ في الأضحى والفطر؟ فقال: كان يقرأ فيهما بـ "ق والقرآن المجيد ... "، و"اقتربت الساعة وانشق القمر .. ".
стр. 2013
والمعنى في ذلك: أن يوم العيد شبيه بيوم القيامة؛ لما فيه من حشر الناس كيوم الحشر، والسورتان فيهما ذكر القيامة.
وقاف، قال النواوي: جبل محيط بالدنيا من زبرجد، وهو من وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة، وما بينهما ظلمة؛ كذا نقله الواحدي عن أكثر المفسرين.
وقال مجاهد: هو فاتحة السور، وهو مذهب أهل اللغة.
قال: يجهر فيهما؛ لخبر أبي واقد؛ إذ لو لم يكن- ﵇ قد جهر بهما لما عرف أنه قرأهما.
قال أبو الطيب: وهذا مما لا خلاف فيه، وقد روي أنه- ﵇ وأبا بكر وعمر [جهروا] بالقراءة في [العيد، وعلى ذلك عمل المسلمين في سائر الأمصار، وما ورد من أنه- ﵇ كان يقرأ في] العيدين بـ "سبح اسم ربك الأعلى .. "، و"هل أتاك حديث الغاشية ... "- كما رواه مسلم عن النعمان بن بشير، والنسائي عن سمرة بن جندب- نحمله على الجواز؛ لأن ما ذكرناه [أكمل؛ لما ذكرناه] من المعنى.
стр. 2014
قال: ويخطب بهم خطبتين، أي: بعد الصلاة؛ لما روى مسلم عن ابن عمر: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة.
قال الإمام: فلو قدمت الخطبة على الصلاة، ففي الاعتداد بها عندي احتمال مع الكراهة، ولا يعتد بها قبل طلوع الشمس بلا خلاف.
واعلم أن جميع الخطب المشروعة في الإسلام عشر: ثمان منها بعد الصلاة: خطبة عيد الفطر، وخطبة عيد الأضحى، وخطبة كسوف الشمس، وخطبة خسوف القمر، وخطبة الاستسقاء، وثلاث خطب في الحج من أربعة.
واثنتان تفعل [كلٌّ منهما] قبل الصلاة، وهما: خطبة الجمعة، وخطبة يوم عرفة.
قال: كخطبتي الجمعة، أي: في الأركان والسنن؛ لأن جابراً روى أن- ﵇ خطب على المنبر.
وروى ابن ماجة عنه أنه قال: خرج رسول الله ﷺ يوم فطر أو أضحى إلى المصلى، فخطب قائماً، ثم قعد بعده، ثم قام.
стр. 2015
قال: إلا أنه يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع تكبيرات؛ لما روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: انه قال: "هو السنة".
قال الماوردي: وقوله: "هو السنة" يحتمل أمرين:
أحدهما: سنة رسول الله، ﷺ .
والثاني: سنة الصحابة، ﵃.
وأيما كان، فالاقتداء به حسن.
قال الإمام: وسنة العدد الذي ذكرناه؛ كسنة الخطبتين بركعتي صلاة العيد؛ فإن الركعة الأولى تشتمل على تسع تكبيرات: بتكبيرة الإحرام والهوي، والثانية تشتمل على سبع تكبيرات على الترتيب الذي ذكرناه.
واعلم أن الشيخ لو قال: "ثم يخطب بهم"- كما ذكره المزني- لكان أحسن؛ ليؤذن بأن الخطبة بعد الصلاة، كما هو السنة.
وقوله: "كخطبتي الجمعة" يفهم: أنه عند طلوعه يجلس، وهو ما نص عليه في "الأم".
وقال أبو إسحاق: لا يجلس؛ لأن جلوسه في الجمعة؛ ليفرغ المؤذن.
والصحيح الأول؛ ليستريح؛ فلا يبهر في الخطبة.
وقوله: "إلا أنه يستفتح الأولى .. " إلى آخره يفهم أمرين:
أحدهما: أن التكبير من الخطبة، وقد قال الشيخ أبو حامد: إنه ليس من الخطبة، والخطبة ما يأتي بعده؛ لقول الشافعي: "يكبر، ويخطب".
وقال في "الحلية" بعد حكايته: إن فيه نظراً، ويشبه أن يكون من الخطبة.
قال في "الروضة": والذي نص عليه الشافعي وكثيرون من الأصحاب ما قاله الشيخ أبو حامد.
ومن قال منهم: تفتتح الخطبة بالتكبير، لا يأباه؛ لأن افتتاح الشيء قد يكون ببعض مقدماته التي ليست من نفسه.
الثاني: أنه لا يأتي بين التكبيرات بذكر، وهو ما حكاه أبو حامد في "التعليق"،
стр. 2016
وقال: إنه لا يستحب ذلك؛ لأن ابن عتبة قال: "السنة في التكبير يوم الأضحى والفطر: أن يبتدئ الإمام قبل الخطبة وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تَتْرَى، ولا يفصل بينها بكلام، [ثم يخطب، ثم يجلس، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، فيفتتحها بسبع تكبيرات تَتْرَى لا يفصل بينها بكلام].
وقال الشافعي في "الأم": "ويكون نسقاً، فإن فصل بين كل تكبيرتين بحمد الله، والثناء عليه- كان حسناً؛ لأنه نقل عن عبد الله بن مسعود أنه يحمد الله، ويصلي على نبيه محمد ﷺ ".
وقال الصيدلاني: يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
قال: ويعلمهم في الفطر زكاة الفطر، وفي الأضحى الأضحية، أي: يذكر من أحكامهما ما تعم الحاجة إليه؛ لأنه لائق بالحال.
وقد روى البراء بن عازب قال: خطب النبي ﷺ يوم النحر بعد الصلاة، ثم قال: "من صلَّى صلاتنا ونسك نسكنا، فقد أصاب السُّنَّة، ومن نسك قبل ذلك فتلك شاة لحمٍ"، رواه أبو داود.
قال: ويجوز أن يخطب قاعداً؛ أي: مع القدرة على القيام؛ لأنه روي عن علي- كرم الله وجهه- أنه خطب يوم العيد على راحلته.
وروي عن عثمان [والمغيرة بن شعبة] مثل ذلك.
ولأن الخطبة سنة؛ فجازت قاعداً مع القدرة؛ كصلاة العيد.
قال في "البحر": وقد روى الجويني وجوب القيام فيها، وهو غلط.
قلت: لعل هذا بناءً على اشتراط شرائط الجمعة فيها.
ثم إذا خطب قاعداً، سكت بين الخطبتين سكتة خفيفة تقوم مقام الجلسة لو خطب قائماً؛ قاله أبو الطيب.
قال الشافعي في "الأم": "وإذا خطب، ثم رأى نسوة أو جماعة من الرجال لم
стр. 2017
يسمعوا الخطبة، لم أر بأساً أن يأتيهم، فيستأنف لهم الخطبة؛ لأنه- ﵇ فعل ذلك".
قال: والسنة أن يبتدئ في عيد الفطر بالتكبير؛ أي: رافعاً [به] صوته بعد الغروب من ليلة الفطر خلف الصلوات، وفي غيرها من الأحوال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قال الشافعي: "سمعت من أرضى من العلماء بالقرآن يقول: أراد كمال عدة صوم شهر رمضان، والتكبير عند إكماله".
وإذا كان كذلك فإكمال العدة يقع بغروب الشمس، والواو موضوعة للجمع المطلق، وهو ضربان: [ضرب] جمع [مقاربة، وجمع معاقبة، وقد قام الإجماع على عدم إرادة] [جمع] المقاربة؛ فتعين جمع المعاقبة، وذلك بعد الغروب.
وبعضهم قال: حمل الواو على الجمع المطلق هنا خلاف الإجماع؛ فتعين حملها على الترتيب.
وقضيته: أن يقع التكبير بعد الغروب؛ فثبت بالكتاب أن ابتداء وقته بعد الغروب، وبالسنة أنه يدوم على الخروج إلى الصلاة؛ روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يغدو إلى المصلى في الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتكبير، وإذا كان كذلك اندرج فيه ما بعد فراغ الصلوات الواقعة في هذا الوقت.
وقد يفهم من قول الشيخ: "والسنة أن يبتدئ بالتكبير بعد الغروب من ليلة الفطر خلف الصلوات": أنه ورد في ذلك [بخصوصه] شيء عن النبي ﷺ أو الصحابة- ﵃ وهذا لم ينقله أحد من الأصحاب، بل قالوا: إنه تكرر في زمان النبي ﷺ عيد الفطر؛ ولم ينقل أنه كبر عقيب الصلوات، ولم يستحب بعضهم لأجل ذلك التكبير عقيب الصلوات الواقعة فيه؛ كما قاله
стр. 2018
البندنيجي [وغيره].
وقد حكاه القاضي الحسين عن الجديد، ولم يورد في "الحاوي" و"المرشد" غيره.
وقال في "الشامل": إنه ظاهر المذهب؛ أخذاً من قول أبي الطيب: إن الشافعي لم يذكره.
ولأنه من شعار العيد إلى العيد؛ فلا تعلق له بالصلاة، والذي يدل عليه: أن ذلك ينقضي بالفراغ من صلاة العيد، ويفارق حكمه في عيد النحر؛ لأنه لا ينقضي بالفراغ من صلاة العيد.
لكن الذي قال البندنيجي: إنه المنصوص، وحكاه القاضي الحسين والمتولي عن نصِّه في القديم- استحباب ذلك؛ لأنه عيد سنَّ فيه التكبير المطلق؛ فسن فيه المقيد، وهو ما يأتي به خلف الصلوات؛ كالأضحى.
فعلى هذا يكبر عقيب ثلاث صلوات: المغرب والعشاء والصبح.
قال: وخاصة عند ازدحام الناس؛ ليوافقوه إذا سمعوه فيحصل له [أجر] مذكر.
قال: إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد؛ لأنّ الكلام قبل إحرامه مباح؛ فاستحب التكبير، وبإحرامه يكره الكلام؛ فامتنع التكبير؛ وهذا ما نقله البويطي، ولم يحك عن الشافعي غيره، وغلط الفوراني من قال بخلافه، ووراءه قولان:
أحدهما: أنه يكبر إلى أن يخرج الإمام إلى المصلى؛ قاله في "الأم" ونقله المزني.
والثاني: إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة؛ حكاه القاضي أبو الطيب والإمام عن رواية شيخه عن القديم، وعليه جرى المتولي، فقال: ولم يعتبر الشافعي فراغ الإمام من الخطبة وإن كان فيها تكبير؛ لأن تكبيرات الخطبة مختصة بالخطيب غير مسنونة في حق سائر الناس.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه قال في القديم: يكبر حتى يفرغ الإمام من الصلاة والخطبتين معاً. وهو ما قاله الشيخ أبو حامد وابن الصباغ، وعليه ينطبق قول
стр. 2019
الماوردي: إنه يكبر إلى أن ينصرف الإمام.
وفي "الذخائر": أن الشيخ أبا محمد نقل نصّاً: أنه يدوم إلى أن يبقى من الخطبة شيء.
وقد أخذ بعض الأصحاب بظاهر النصوص، فأثبت في المسألة ثلاثة أقوال، وقال: إذا قلنا بالأول والثاني، تصور التكبير إلى آخر وقته في حق من حضر مع الإمام ومن لم يحضر معه. وإذا قلنا بالثالث، لم يتصور ذلك إلا في حق من غاب عنه؛ فإنه يكبر حتى يعلم فراغ الإمام من الخطبتين على طريقة أبي حامد، وعلى طريقة غيره إلى فراغه من الصلاة، وبه قال ابن الصباغ.
وقال ابن سريج وأبو إسحاق: المسألة على قول واحد وهو ما نقله البويطي.
وقالا: نصه في "الأم" أراد به: ما نقله البويطي؛ لأنه يفتتح الصلاة عند خروجه؛ فالعبارة مختلفة والمعنى واحد، وما قاله في القديم أراد به: جنس التكبير؛ فإنه يبقى إلى أن يفرغ الإمام من الخطبتين؛ فإن الخطبتين [فيهما التكبير]؛ وهذه الطريقة قال الإمام: إن المزني اختارها، وهي الطريقة المرضية [التي] لم يذكر الأئمة غيرها.
قال: وفي عيد النحر يبتدئ [؛ أي]: بالتكبير المقيد يوم النحر بعد صلاة الظهر؛ لأن الناس في التكبير في هذا العيد تبع للحجيج، وهم يكبرون بعده؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وانقضاء المناسك على الوجه المطلوب يكون ضحوة يوم النحر، وأول صلاة تلقاهم بعد ذلك صلاة الظهر؛ فكان أول الوقت.
قال: خلف الفرائض، أي: على الأعيان؛ لنقل الخلف عن السلف.
قال القاضي الحسين: ولأي معنى كان ذلك؟ فيه ثلاثة معانٍ:
أحدها: لأنَّه تأدية صلاة فرض في [وقت] أيام التشريق.
стр. 2020
والثاني: لأنه تأدية وظيفة مشروعة في زمان أيام التشريق.
والثالث: لأنه [تأدية] صلاة مفعولة في أيام التشريق.
وفائدة ذلك تظهر من بعد.
قال: وخلف النوافل في أصح القولين؛ لأنها صلاة راتبة في الوقت أو صلاة مفعولة في أيام التشريق؛ فشرع التكبير عقيبها كالفرائض، ومنهم من قطع بهذا القول كما حكاه في "المهذب" وغيره، وهو مخرج على المعنى الثاني والثالث.
ومقابله: أنه لا يكبر خلفها؛ لأن التكبير شعار الفرائض؛ فلا يكون شعار النوافل؛ كالأذان والإقامة؛ وهذا يخرجه المعنى الأول.
وعن بعض الأصحاب القطع به؛ حكاه الماوردي وأبو الطيب مع الطريقين الأوّلين.
ومنهم من قال: يكبر خلف النوافل الراتبة، سواء كانت تابعة للفرائض أو غير تابعة كالوتر والأضحى، ولا يكبر لغيرها؛ نظراً للمعنى الثاني دون الأول.
والثالث حكاه القاضي الحسين وغيره.
ومنهم من قال: ما يسن له الاجتماع يكبر عقيبه، وما لا فلا؛ حكاه الماوردي، وبه يحصل في المسألة خمس طرق.
قال: إلى أن يصلي الصبح من آخر أيام التشريق، في أصح الأقوال؛ لما ذكرنا أن الناس تبع للحجيج، وآخر صلاة يصليها الحاج بمنى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وقد تلخص من هذا القول الذي صححه الشيخ: أن ابتداء التكبير خلف الصلوات من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهكذا حكاه القاضي أبو الطيب عن رواية المزني والزعفراني والبويطي عن الشافعي، وهو منصوص في "الأم" على هذا النحو، وقال في "الشامل": إنه مذهب مالك. وهو يقتضي أنه لا يكبر عقيب صلاة الصبح آخر أيام التشريق؛ لأن الوقت قد انقضى بالصلاة.
стр. 2021
وعبارة البندنيجي في حكاية ذلك عن "الأم" والقديم والبويطي تقتضي أنه يكبر عقيبها؛ لأنه قال: إنهم حكوا أنه يكبر عقيب صلاة الظهر يوم النحر إلى بعد الصبح من آخر أيام التشريق.
وعليه ينطبق قول الأصحاب: إنه يكبر على هذا القول عقيب خمس عشرة صلاة.
قال: وفيه قول ثان: أنه يكبر من المغرب ليلة العيد- قياساً على عيد الفطر- إلى [أن يصلي] الصبح من آخر أيام التشريق؛ لما ذكرناه.
ووجهه القاضي أبو الطيب بأن العاكف بمنى يقطع التكبير إذا فرغ من الرمي، وذلك ضحى آخر أيام التشريق؛ فيجب أن يكون غيرهم كذلك.
وهذا فيه نظر تعرفه في كتاب الحج.
وهذا القول قال [القاضي] أبو الطيب: إنه نصَّ عليه في موضع آخر، وصرح فيه بأنه يكبر إلى بعد صلاة الفجر من آخر أيام التشريق.
وقال البندنيجي: إنه أخذه من قوله في "الأم": "ولو كبر عقيب المغرب من ليلة العيد، لم أكره ذلك، وسمعت من يستحبه"؛ ولأجل هذا النص قال القاضي الحسين والإمام: إن الشافعي لم يتعرض في هذا النص للآخر؛ ولأجل ذلك قال القاضي الحسين في موضع من تعليقه: إن مذهب الشافعي متفق على أن القطع إنما يكون بعد الصبح في آخر أيام التشريق.
واختلف قوله في الابتداء:
المنصوص: "أنه يبتدئ خلف الظهر [يوم النحر] ".
وقال في موضع آخر: "يبتدئ خلف الصبح من يوم عرفة".
وقال في آخر: "يبتدئ من ليلة النحر خلف المغرب".
وقد حكى الغزالي والمتولي ما ذكره الإمام عن نصه في "الأم"، وقال الغزالي: إن آخره بعد صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
وعلى هذا يكبر عقيب ثماني عشرة صلاة.
والمتولي قال: يكون آخره ذلك أو بعد العصر من آخر أيام التشريق، وهذا
стр. 2022
يقتضي أن يكون آخره العصر على قول؛ فيكبر عقيب عشرين صلاة.
قال: وفيه قول ثالث: أنه يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى أن يصلي العصر من آخر أيام التشريق.
وعبارة القاضي أبي الطيب: "إلى بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق"، وهذا مراد الشيخ أيضاً.
ووجهه: ما روى جابر أنه- ﵇ صلى الصبح يوم عرفة، وأقبل علينا، فقال: "الله أكبر الله أكبر"، وحدَّ التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق. أخرجه الدارقطني من طرق، وفي بعضها: "الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد". وقد روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس، ﵃.
[و] قال القاضي الحسين والإمام والغزالي: إنه اختيار المزني، وهو معزي في "التتمة" إلى القديم، ولاشك في أن ابن سريج وابن المنذر اختاراه، وكذا النواوي، وعليه العمل في سائر الأمصار والبلدان؛ لأن به يكون جامعاً بين الذكر في الأيام المعلومات والمعدودات، وقد أمر الله بالذكر [فيها] فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، وعلى هذا يكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة.
وقد رأيت فيما وقفت عليه من "الإبانة": أن الذي اختاره المزني وابن سريج: أنه يكبر من المغرب ليلة العيد إلى أن يصلي الظهر من اليوم الثالث من أيام التشريق، ولم أره في غيره، فلعله سهو من الناسخ، أو غلط في النسخة.
وفي "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب: أن المزني: أن المزني اختار أنه يكبر بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى بعد الظهر آخر أيام التشريق، والله أعلم.
стр. 2023
وقد امتنع بعض الأصحاب- وهو أبو إسحاق، وابن أبي هريرة- من إجراء خلاف في المسألة، وقال: هي [على] قولٍ واحدٍ وهو الأول، وهو مذهب الشافعي، والقولان الآخران حكاهما عن غيره.
ثم محل الطريقين في غير الحاج، أما الحاج فقد قال المحاملي: إنه لا يتأتى في حقه إلا القول [الأول] وهو ما حكاه مجلي عن الشيخ أبي حامد، وقال: إن غيره لم يفصل هذا التفصيل، وأبو حامد تمسك بقوله في "الأم": "إنهم يكبرون على أن يرموا الجمرة، ثم أول صلاة تلقاهم يوم النحر صلاة الظهر، ولا يصلون بعد الصبح بمنى صلاة".
وقد حكى الإمام هذا المذهب عن العراقيين، وقال: إن ما ذكروه في الابتداء في مكانه، وأما ما ذكروه في الانتهاء ففيه تردد واحتمال.
أما فرائض الكفاية، هل يكبر خلفها كالعيد؛ إذا قلنا: إنها فرض كفاية، وكذا الكسوف، والاستسقاء، وصلاة الجنازة أو لا؟
المنقول في صلاة العيد: أنها كالسنن الراتبة.
وصلاة الجنازة، قال في "التتمة": لا يكبر خلفها؛ لأن مبناها على التخفيف. والمنقول في "الحلية" عن القاضي الحسين: وحكى الماوردي في التكبير خلفها وجهين؛ تفريعاً على قولنا: إن ما تشرع له الجماعة من النوافل يكبر خلفه.
وقال الشاشي: عندي ينبغي أن يبنى على النفل، فإن قلنا: يكبر خلفه، فهذه أولى، وإن قلنا: لا يكبر خلفه، بني على الفوائت المقضية في أيام التشريق؛ لأنه لا وقت لها.
قال مجلي: والأشبه أن يقال: يكبر عقيبها وجهاً واحداً؛ لأنها فريضة مؤداة، وقعت في وقت التكبير، بخلاف النوافل والصلاة المقضية.
وصلاة الكسوف والاستسقاء لم أقف فيها على نقل، ويشبه أن يكون فيها الخلاف في صلاة النفل التي ليست براتبة.
فأما إذا قلنا: إنها سنة، فقد تقدم حكاية الخلاف فيها.
стр. 2024
والصلاة المنذورة، قال الإمام: إنها فيما نحن فيه كالنوافل بلا خلاف.
وقد أفهم كلام الشيخ: أنه لا يكبر في ليلة عيد النحر التكبير المرسل، وهو ما يشرع من غير صلاة مع رفع الصوت.
وقد قال البندنيجي: إنه مستحب بلا خلاف.
وقال الماوردي: إنه إجماع.
نعم، حكى الغزالي خلافاً في أنه هل يستحب في الأيام التي يشرع فيها التكبير المقيَّد خلف الصلوات أم لا؟ وهو منسوب في "النهاية" إلى رواية صاحب "التقريب".
فإن قلنا: لا يستحب، كان آخر وقت التكبير المرسل آخر وقته في عيد الفطر؛ صرح به في "الإبانة".
وأول وقته على كل حال بعد الغروب ليلة النحر، وعليه نص في "المختصر" إلا في حق الحاج.
واختلف قوله في أي الليلتين آكد في التكبير: هل ليلة الفطر، أو ليلة الأضحى؟
فقال في القديم: ليلة الأضحى؛ لإجماع السلف عليه فيها.
وقال في الجديد: ليلة الفطر؛ لورود النص فيها.
والتكبير المشروع- كما قال الشافعي-: "الله أكبر، الله أكبر، [الله أكبر] " ثلاثاً نسقاً؛ لما روي عن سعيد بن أبي هند قال: صليت وراء جابر بن عبد الله، فلما سلَّم قال: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر".
وحكى المتولي عن القديم: أنه يكبر مرتين.
[قالي في "الإبانة": وهل يهلل؟ فيه قولان: القديم: لا، والجديد: نعم؛ لأنه قال [في] المختصر": "وما زاد من ذكر الله [فهو حسن] "، لكنه لم يبين الذكر المراد، وبينه في "الكبير"، فقال: "يقول بعد التكبيرات الثلاث
стр. 2025
المتواليات: الله أكبر تكبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله [وحده]، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر"، لأنه- ﵇ قال ذلك على الصفا في حجة الوداع.
قال القاضي أبو الطيب: ولو كبر كما يكبر العامة في هذا الوقت، وقال كما يقولون من التهليل والتحميد لم يكن به بأس.
وشرح ذلك ما قاله ابن الصباغ: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، [الله أكبر] ولله الحمد".
وعن القديم: أنه يقول: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا".
قال الإمام: ولست أرى ما نقل عن الشافعي مستنداً إلى [خبر أو أثر]، ولكنه لعله ثبتت عنده هذه الألفاظ في الدعوات المأثورة، فرآها لائقة بالتكبيرات.
ثم ما ذكرناه من انقطاع التكبير بمضي ما ذكرناه أردنا به التكبير الذي يأتي به المرء شعاراً مع رفع الصوت، فأما لو استغرق المرء عمره بالتكبير في نفسه، فهو ذكر من أذكار الله- تعالى- لا يتحقق المنع منه؛ قاله الإمام.
فروع:
[الفرع الأول]: من فاته شيء من الصلوات التي شرع التكبير خلفها، فقضاها في غيرها، لا يكبر بعدها عند الجمهور من الفريقين؛ لأن التكبير من سنة الوقت، فإذا فات الوقت فات التكبير.
وقد حكى القاضي الحسين ذلك عن النص، ثم قال: ويحتمل أن يقال: يسن لها على الطريقة التي قلنا: الاعتبار بحالة الوجوب، كما لو فاتته صلاة في السفر، فقضاها في الحضر، هل له القصر أم لا؟ فعلى قولين:
стр. 2026
أحدهما: له القصر؛ اعتباراً بحالة الوجوب؛ كذا هذا مثله.
والمنقول: الأول.
نعم، لو فاتته في أيام التشريق، فقضاها فيها: هل يكبر؟ فيه وجهان في "المهذب"، والمختار في "المرشد" منهما: المنع أيضاً.
وقال الغزالي: إنه يكبر. ولم يحك فيه خلافاً، لكن التكبير مقضي أو مؤدى؟ قال: فيه قولان. وهذه طريقة ابن سريج، حكاها عنه القاضي الحسين.
وقال في "الإبانة": إن القولين- كما ذكر- مبنيان على النفل:
إن قلنا: يكبر خلف النافلة، ففي الفائتة أولى، ويكون أداء.
وإن قلنا: لا يكبر خلف النفل، فيكون قضاء.
وحكى الإمام أن من أئمتنا من قطع بأن الفوائت تستعقب التكبير، وإن كانت فائتة في غير أيام التشريق؛ لمرتبة الفرائض وعلوِّ منصبها، ثم قال: [و] الوجه التسوية؛ فلا أثر لقوة الفريضة، وإنما المرعي ما ذكرناه من قبل.
قال الغزالي- تبعاً للفوراني والإمام-: وعلى القولين ينبني ما إذا فاتته صلاة في غير أيام التشريق، فقضاها [فيها:
فإن قلنا: إنه في المسألة] قبلها أداءٌ، كبر هنا.
وإن قلنا: [إنه مقضيٌّ] ثم، فلا يكبر هنا.
[الثاني]: إذا نسي التكبير خلف الصلاة في الوقت، ثم تذكر، قال القاضي الحسين: نظر:
إن لم يطل الفصل، كبر؛ كما لو تذكر سجدتي السهو عن قريب.
وإن طال الفصل، فحكمه حكم سجدتي السهو، وفيه وجهان.
وعلى هذا جرى الفوراني والإمام والبغوي.
[و] قال القاضي في موضع آخر قبل ذلك: إن الخلاف عند القفال مبني
стр. 2027
على أن من فاتته صلاة في أيام التشريق، فقضاها في الأيام، فإنه يكبر، وهل يكون ذلك قضاء أو أداء؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: قضاء، فلا يأتي به؛ لأن التكبير لا يفرد بالقضاء.
وإن قلنا: أداء، فيأتي به.
قال: والمنصوص هذا الوجه؛ فإن الشافعي قال: "لو سلم، وانفصل إلى مكان آخر، كبر فيه، ولا يعود إلى مصلاه"، وهو ما أورده ابن الصباغ والمتولي، وقالا: يكبر حيث ذكره، ويخالف سجود السهو؛ لأن سجود السهو لإتمام الصلاة؛ فلا يجوز بعد طول الفصل، والتكبير لأجل الوقت، والوقت باقٍ.
[الثالث]: إذا كبر الإمام خلف صلاة، والمأموم لا يعتقد استحبابه، فهل يتبعه أو لا؟ ذكر ابن سريج فيه تردداً، وهو وجهان حكاهما الإمام:
أحدهما: نعم؛ كالقنوت؛ لأنه من توابع الصلاة.
والثاني- وهو أصح في "النهاية"-: لا؛ لأنه خارج عن الصلاة، فليجر المأموم فيه على اعتقاده.
قال: وإذا رأى شيئاً من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات- وهي العشر الأول من ذي الحجة- كبر.
قال بعضهم: لورود السنة بذلك.
وقال آخرون؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وقد قال المفسرون: الأيام المعلومات عشر ذي الحجة.
والبهيمة سميت بذلك؛ لأنها لا تتكلم، مأخوذ من: استبهم، إذا استغلق.
قال الأزهري: البهيمة- في اللغة-: معناها: المبهمة عن العقل والتمييز.
والأنعام: الإبل، والبقر، والغنم.
وإذا [قيل]: النعم، فهو الإبل خاصة. والنعم يذكر ويؤنث؛ قاله المبرد.
[قلت: والاستدلال] بالآية يتوقف على معرفة ما قيل فيها.
стр. 2028
وقد اختلف أصحابنا في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: ٢٨].
فقال المزني: الذكر في يوم النحر منها على الذبح، وإن كان مضافاً إليها كلها، وقد يضاف الشيء إلى جملة وإن كان يقع في بعضها؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً* وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: ١٥، ١٦].
وعلى هذا: لا يحسن الاستدلال بالآية على المدعى، بل حجته ورود السنة بذلك.
وقال الصيمري: الذكر يقع في كلها: يوم النحر على الذبح، وما قبله على سوق الهدي.
وعلى هذا: يحسن الاستدلال بها.
وقال غيرهما من أصحابنا: المضاف إليها شهود المنافع والذكر معاً، فقال عز من قائل: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٨] فشهود المنافع: التجارات قبل النحر، والذكر يوم النحر.
وقال الشيخ أبو حامد: معناه: الذكر على الذبح في كلها؛ كذا حكى ذلك البندنيجي في كتاب الحج.
ثم الأيام في ألسنة الفقهاء أصناف:
المعلومات: وقد سبق ذكرها.
والمعدودات: هي أيام التشريق، ويقال لها: أيام منى، [وأيام الذبح]، وأيام الذكر.
ويوم التروية- وهو الثامن من ذي الحجة- ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الحج الأكبر، كما جاء في الخبر.
وقد نجز شرح مسائل الباب، فنختمه بفرع يتعلق به، وهو:
يستحب إحياء ليلتي العيد؛ لقوله- ﵇: "من أحيا ليلتي العيد لم يمت قلبه يوم تموت القلوب".
стр. 2029
وقد اختلف في قوله "لم يمت قلبه":
فمنهم من قال: أراد به: لم يفزع قلبه من أهوال القيامة يوم تفزع القلوب؛ قال- ﵇: "يحشر الله النَّاس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً"، فقالت واحدة من نسائه: واسوءتاه، أينظر الرجال إلى عورات النساء؟! فقال- ﵇: "إنَّ لهم في ذلك اليوم لشغلا، لا يعرف الرَّجل أنَّه رجلٌ، ولا تعرف المرأة أنَّها امرأةٌ".
ومنهم من قال: أراد: لم يشغف قلبه بحب الدنيا؛ لأ، من شغف قلبه بحب الدنيا مات قلبه، قال- ﵇: "لا تدخلوا على هؤلاء الموتى" قيل: يا رسول الله، ومن الموتى؟ قال: "هم الأغنياء".
ومنهم من قال: أراد به: أن الله يحفظه من الشرك؛ فلا يختم عاقبته على الشرك؛ قال الله- تعالى-: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] معناه: من كان كافراً، فهديناه.
وقد قيل- كما حكاه الصيدلاني-: لم يرد شيء من الفضائل مثل هذا؛ لأن موت
стр. 2030
القلوب؛ إما الكفر في الدين وإما الفزع في القيامة، وما أضيف إلى القلب فهو أعظم؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
قال في "الروضة": وتحصل فضيلة الإحياء بمعظم الليل.
وقيل: تحصل بساعة.
وقد نقل عن الشافعي في "الأم" عن جماعة من خيار أهل المدينة ما يؤيده.
وقال القاضي الحسين: إنه روي عن ابن عباس أنه قال: إحياء ليلة العيد هو أن يصلي في ليلة العيد صلاة العشاء جماعة، ويعزم أن يصلي الصبح في جماعة، وينام، فإذا فعل هكذا، فقد أحيا ليلة العيد؛ قال- ﵇: "إنَّ أحدكم في الصَّلاة ما دام ينتظر الصَّلاة".
قلت: وقد جاء في "صحيح" مسلم: "من صلَّى العشاء في جماعةٍ فكأنَّما قام نصف اللَّيل، ومن صلَّى الصُّبح في جماعةٍ فكأنَّما صلَّى الليل كلَّه".
وأراد من صلى الصبح [في جماعة] وقد صلى العشاء في جماعة؛ يدل عليه رواية أبي داود عن عثمان بن عفان، وهو راوي حديث مسلم- أيضاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلَّى العشاء في جماعةٍ كان كقيام نصف ليلةٍ، ومن صلَّى العشاء والفجر في جماعةٍ كان كقيام ليلةٍ".
قال الشافعي: وبلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة، والعيدين؛ وليلة رجب، ونصف شعبان، وأستحب كل ما حكيت في هذه الليالي. كذا حكاه عنه في "الروضة".
وكما ورد الحث على الطاعات في ليلة العيد ورد الحث على منع المعاصي فيها، روي أنه- ﵇ قال: "من عصى الله ليلة عيد، كان كمن عصاه في ليلة الوعيد، ومن عصى الله وهو يضحك أدخله النَّار وهو يبكي".
стр. 2031
[فرع] آخر: إذا أدرك المسبوق الإمام في خطبة العيد نظر:
فإن كان في المصلى، فالمستحب في حقه أن يسمع الخطبة، فإذا فرغت، صلى العيد في المصلى أو في بيته، اللهم إلا أن يضيق الوقت؛ فالمستحب أن يصليه والإمام يخطب.
وإن كان في المسجد، فالمستحب ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، لكن هل يفعل العيد أم تحية المسجد؟ فيه وجهان:
أحدهما- وهو اختيار أبي إسحاق-: يصلي العيد، وينوب عن تحية المسجد.
والثاني- وهو اختيار ابن أبي هريرة-: يصلي التحية.
والأول أصح.
***
стр. 2032
باب صلاة الكسوف
الكسوف، والخسوف: هل هما مترادفان أو لا؟ فيه اختلاف بين أهل اللغة:
وبالأول قال الأزهري، فقال: كسفت الشمس والقمر؛ إذا ذهب ضوءهما، وانكسفا، وخسف [الشمس و] القمر، وخسفا [و] انخسفا.
وهذا القول هو الذي نطق به الخبر كما ستعرفه، ولم يحك البندنيجي غيره، وقال: [إن] لأهل اللغة في معنى ذلك قولين:
قال الفراء وغيره: كسفت، معناه: نقص ضوءها.
وقال آخرون: الكسوف: التغطية، فقولهم: كسفت الشمس، أي: حال دون ضوئها حائل.
والقول الثاني: أنهما متغايران: فالكسوف للشمس، والخسوف للقمر. قال الجوهري: وهو الصحيح.
فعلى الأوّل: يكون الشيخ قد بوب على الكسوفين.
وعلى الثاني يكون التبويب على كسوف الشمس، وإن كان قد أودع في الباب الكسوف والخسوف، [وخص الشمس بالذكر؛ لأنها أبهر النيرين.
وقد قيل: الكسوف في أول ذهاب الضوء، والخسوف في] آخره إذا اشتد ذهاب الضوء.
стр. 2033
وأصل الكسوف التغير، يقال: كسف حال فلان؛ إذا تغير.
والأصل في مشروعيتها- قبل الإجماع- من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧] أي: عند كسوفهما؛ لأنه أرجح من احتمال أن المراد النهي عن عبادتهما؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والأزلام والشمس؛ فلا معنى للنهي عن عبادة الشمس [والقمر دون غيرهما من المعبودات.
ومن السنة: ما روى مسلم عن جابر بن عبد الله قال: انكسفت الشمس] على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم؛ فقام النبي ﷺ فصلى بالناس .. وساق الخبر إلى أن قال: فقال: "يأيها النَّاس، إنَّما الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنَّهما لا ينكسفان لموت أحدٍ من النَّاس؛ فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلُّوا حتَّى تنجلي".
وروى- أيضاً- عن عائشة، قالت: "خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فخرج رسول الله ﷺ [فقام]، وكبر، وصفَّ الناس وراءه ... " وساقت الحديث كما سنذكر تتمته في موضعها إلى أن [قالت: ثم] قال: "إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصَّلاة"، وقال- أيضاً-: "فصلُّوا حتَّى يفرّج الله عنكم".
стр. 2034
قال بعضهم: وإنما قال- ﵇: "لا يكسفان لموت أحدٍ"؛ قطعاً لأوهام الناس؛ فإن الشمس- على رأي المنجمين- لا تكسف إلا في الثامن والعشرين إن كان الشهر ناقصاً، أو في التاسع والعشرين إن كان الشهر تامّاً، فلما انكسفت في يوم مات إبراهيم- وهو العاشر من ربيع الأول؛ كما رواه الزبير بن بكار في كتاب "الأنساب"، وروى البيهقي مثله عن الواقدي، وقيل: بل كان في العاشر من شهر رمضان، وقيل: بل في الثالث عشر من ربيع الأول، وقيل: بل في الرابع عشر منه في سنة عشر من الهجرة- قال الناس: إنما انكسفت لموته؛ فرفع إشكالهم بذلك.
وقد جاء في الحديث ما يقرب من ذلك، وهو ما روى النسائي عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: "إنَّ ناساً يزعمون أنَّ الشَّمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيمٍ من العظماء، إنَّ الشَّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ولكنَّهما آيتان من آيات الله، والله تعالى إذا تجلَّى لشيءٍ من خلقه خشع له؛ فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا كأحدث صلاةٍ صلَّيتموها من المكتوبة". قال عبد الحق: لكن قد اختلف في إسناده.
стр. 2035
قال: وهي سنة؛ لما تقدم من قوله- ﵇ للأعرابي: "خمس صلواتٍ كتبهنَّ الله على العبد في اليوم واللَّيلة" قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوَّع".
ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود، لم يسن لها الأذان بوجه؛ فلم تكن واجبة بأصل الشرع كسائر النوافل.
قال: مؤكدة، أي: بمشروعية الجماعة فيها؛ كما شرعت في الفرائض؛ وذلك يدل على تأكدها.
وفي "الحاوي" عند الكلام في صلاة التطوع حكاية وجه: أنها فرض على الكفاية، وهو يوجد في كلام غيره.
وقال الجيلي: إن الخفاف ذكره في "الخصال".
ثم المخاطب بها: كل من وجبت عليه الصلوات الخمس من الرجال والنساء والأحرار والعبيد، وكل أحدٍ، مسافراً كان أو حاضراً، منفرداً كان أو في جماعة، وسواء صلاها الإمام أو تركها، فإن خرج صلوا معه، وإن لم يخرج طلبوا من يصليها، فإن لم يجدوا، أو وجدوا وخافوا إنكار الإمام- صلوا فرادى؛ قاله البندنيجي.
قال: ووقتها- أي: ووقت الصلاة-: من حين الكسوف إلى حين التجلي؛ لقوله- ﵇ في حديث جابر: "فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلُّوا حتَّى تنجلي"، فجعل الانكساف سببها، والانجلاء غايتها، وذلك يفيد التأقيت.
والمراد بالانجلاء: انجلاء جميع ما كسف، فلو انجلى بعض ما انكسف، فالوقت باقٍ إلى أن ينجلي الجميع؛ لأن ذلك البعض لو انكسف لا غير شرعت له الصلاة.
ولا فرق في ذلك بين أن يحصل ذلك في الأوقات المكروهة أو لا؛ لأن لها سبباً، والمعروف من مذهبنا: أن ما له سبب من النوافل التي وقتها مضيق لا يكره
следующие страницы →