← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وهذا نظير ما تقدم في صلاة الخوف عند تفرقة الإمام المصلين أربع فرق، وقلنا: إن صلاة الإمام باطلة، وتصح صلاة الطائفة الأولى والثانية دون الثالثة والرابعة؛ بناءً على أن بطلان صلاة الإمام تكون عند المخالفة، والغزالي جعل صحة الاقتداء على قولنا ببطلان الصلاة بالخامسة كالاقتداء بالحنفي، وقضيته: عدم الصحة في الابتداء. قلت: ويتأيد بأن من نوى فعل منافٍ في أثناء الصلاة هل تبطل في الحال أو عند فعله؟ فمن قال: تبطل في الابتداء، يوافق الغزالي في دعواه، والله أعلم. قال: يرفع [فيها اليدين]، أي: إلى حذو المنكبين كما في تكبيرة الإحرام في غيرها من الصلوات. ووجهه: ما روي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع كل تكبيرة. وروى الشافعي بإسناده عن ابن عمر [و] عن أنس: أنهما كانا يفعلان ذلك. ولأنها تكبيرات واقعة في حال الاستقرار فيسن فيها الرفع كالأولى. وقد وافق الخصم- وهو أبو حنيفة ومالك- على الرفع فيها. ويستحب أن يجمع يديه بينها ويضعهما تحت صدره كما في سائر الصلوات. قال: ويقرأ في الأولى [فاتحة الكتاب]؛ لما روى البخاري عن طلحة بن عبيد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: "لتعلموا أنها سنة"، وأراد أنها سنة في الأولى، يدل عليه رواية النسائي عن أبي أمامة: أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة

стр. 2172

الأولى بأم القرآن مخافتةً". والمراد بهذه السنة: سنة رسول الله ﷺ ، وهي طريقته، يدل عليه رواية الشافعي بسنده عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ كبر على الميت أربعاً، وقرأ بعد التكبيرة الأولى بأم القرآن. وهل يستحب الجهر فيها إذا فعلت ليلاً كما يستحب الإسرار فيها إذا فعلت نهاراً؟ فيه وجهان في الطريقين: أحدهما: نعم؛ لأنه صح عن ابن عباس أنه قرأ السورة بعد الفاتحة وجهر. أخرجه النسائي، وقد ادعى القاضي الحسين أنه الأظهر، وقال الشيخ أبو حامد: إنه الذي يجيء على المذهب، ونسبه في "المهذب" وغيره إلى قول أبي القاسم الداركي، [والإمام إلى الصيدلاني والروياني عن أبي حامد]. والثاني: لا؛ لأنه روي عن ابن عباس أنه قال: إني لم أجهر بها؛ لأن الجهر سنة، ولكني أحببت أن يعلموا أن لها قراءة. أخرجه أبو بكر النيسابوري في "الزيادات". ولأنها صلاة لا يشرع فيها السورة؛ فلا يسن فيها الجهر كالركعتين الأخريين من العشاء. قال القاضي أبو الطيب: والأول غلط؛ لأن هذه الصلاة ليس لها اختصاص بالنهار دون الليل، وإنما وقعتها حين تحضر ويوجد سببها، وليس لها وقت راتب؛ فهي مخالفة لسائر الصلوات في الشريعة. وقد أفهم عطف الشيخ القراءة على التكبيرات أن دعاء الاستفتاح والتعوذ غير مشروعين في هذه الصلاة، وهو ما حكاه البندنيجي، وقال الإمام: إنه ظاهر

стр. 2173

المذهب؛ لأنها صلاة مبناها على الإيجاز، وهو الذي يليق بها؛ لمكان الميت وما ندبنا فيه إلى أسباب البدار والإسراع، وحكى الغزالي وغيره معه وجهين آخرين: أحدهما: أنهما مشروعان فيها كغيرها من الصلوات، وكما يشرع فيها التأمين. قال أبو الطيب: وهذا هو الصحيح عندي. بعد أن حكى عن الأصحاب الأول. قلت: وما اختاره القاضي هو ما نص عليه في "الأم"، كما حكاه القاضي في صفة الصلاة في الاستفتاح، وإذا ثبت ذلك في الاستفتاح فالتعوذ من طريق الأولى؛ لأنه أقوى منه. ولهذا كان الوجه الثاني وهو الذي صححه في "الوسيط" وغيره، ولم يحك في "الإبانة" سواه-: مشروعية التعوذ دون دعاء الاستفتاح، والمذكور في "الحاوي": الجزم بمشروعية التعوذ، وحكاية وجهين في الاستفتاح، وهي طريقة محكية في "التهذيب"، وقال في "التتمة": هل يشرع دعاء الاستفتاح؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يشرع، فالتعوذ أولى، وإلا فوجهان؛ بناء على أن التعوذ هل يسن في الركعة الثانية أم لا؟ ولا يخرج مجموع ما ذكرناه عن ثلاثة أوجه كما ذكرها الغزالي. ولا يشرع فيها قراءة السورة على النص، ولم يحك ابن الصباغ والبندنيجي والقاضي الحسين غيره، وادعى الإمام أن العلماء لم يختلفوا في ذلك، وفي "المهذب" وغيره حكاية وجه آخر أنه يقرأ بعد الفاتحة بسورة قصيرة. قال القاضي أبو الطيب: وهو اختيار ابن المنذر؛ لأنه صح عن ابن عباس أنه قرأ فاتحة الكتاب وسورة وجهر فيهما بالقراءة، ثم قال: "إنما فعلت ذلك؛ لتعلموا أنها سنة". قال: وفي الثانية يصلي على النبي ﷺ ؛ لما روي عن أبي أمامة أنه قال: السنة

стр. 2174

في الصلاة على [الجنائز: أن يكبر]، ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يخلص الدعاء للميت، ولا يقرأ إلا في التكبيرة الأولى، ثم يسلم. ذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب "رفع الأيدي"، وخرجه عبد الرزاق أيضاً، وأبو أمامة أدرك النبي ﷺ . وقد ذكر المزني أنه بعد الثانية يحمد الله- تعالى- ويصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات. فذكر مع الصلاة الحمد [لله] والدعاء، ولم يختلف الأصحاب- كما قال الماوردي- في أن الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فيها مستحب، والحمد اختلفوا في استحبابه: فمنهم من قال: لا، والمزني غلط؛ ولذلك لم يذكر ذلك في "جامعه"، وهذا ما أورده البندنيجي، وقال الرافعي: إنه قضية كلام الأكثرين. ومنهم من قال: هو مستحب، والمزني لم ينقل ذلك في كتاب، وإنما رواه سماعاً من لفظه، وهذا ما أورده المتولي والبغوي، وكذا القاضي الحسين، وقال: إن المزني صادق في روايته. وفي "النهاية": أن أئمتنا اتفقوا على ما ذكره من حمد الله- تعالى- قبل الصلاة، وهو غير سديد، ولم ير للشافعي منصوصاً في [شيء من] كتبه. وأما الدعاء فقد تردد فيه أئمتنا، فمن رآه مستنده أن الصلاة وراء التشهد الأخير تستعقب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، فهذه الصلاة كتلك الصلاة، لكن إذا لم يصح في ذلك ثبت من جهة السنة، فإثبات هذا في صلاة مبناها على نهاية التخفيف بعيد، ثم إن كانت الصلاة تستعقب في التشهد دعاءً فهي مسبوقة أيضاً بأذكار وتحميدات؛ فينبغي أن يصوب المزني في ذكر التحميد قبل الصلاة. قال: وفي الثالثة يدعو للميت؛ لخبر أبي أمامة، وهذا هو المقصود الأعظم منها، والحمد والصلاة مقدمات ذلك، على القاعدة المطردة في أدب الدعاء. قال: فيقول: اللهم هذا عبدك وابن عبديك، خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبائه فيها إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا

стр. 2175

أنت [وحدك لا شريك لك]، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم [إنه] نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كانت مسيئاً فتجاوز عنه ولقه برحمتك [و] رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وافسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك [برحمتك] يا أرحم الراحمين. وهذا ما ذكره المزني عن الشافعي، وفي بعض النسخ من المختصر: "عبدك وابن عبدك"، وما ذكره أقرب إلى نصه في "الأم"، فإنه قال فيه: "عبدك وابن عبدك وابن أمتك"، وفي بعض نسخ "المختصر": "وجاف الأرض عن جنبه"، وليس ما ذكره الشافعي من هذا الدعاء منقولاً هكذا عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة، ولكنه أخذ معاني ما رواه عوف بن مالك وغيره عن النبي ﷺ ، ومعاني ما روي عن عمر وابن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وأبي هريرة في الدعاء على الجنازة، فلخصها بعبارة تجمع كلها، والذي روي عن النبي ﷺ في ذلك أنه قال: وقد صلى على جنازة: "اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماءٍ وثلجٍ وبردٍ، ونقه من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس، أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وقه من فتنة القبر وعذاب النار". وقال عوف بن مالك: فتمنيت أن [لو كنت] أنا الميت؛ لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت" أخرجه مسلم.

стр. 2176

وقال وقد صلى على امرأة: "اللهمَّ أنت ربُّها، وأنت خلقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر لها". أخرجه أبو داود والنسائي. وقال، وقد صلى على رجل من المسلمين: "اللَّهمَّ إنَّ فلان بن فلانٍ في ذمَّتك وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النَّار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللَّهمَّ فاغفر له وارحمه؛ فإنَّك أنت الغفور الرَّحيم". أخرجه أبو داود وابن ماجه. وروى أبو داود عن أبي هريرة قال: صلى رسول الله ﷺ على جنازة فقال: "اللَّهمَّ اغفر لحيِّنا وميِّتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا،

стр. 2177

اللَّهمَّ من أحييته منَّا فأحيه على الإيمان، ومن توفَّيته منَّا فتوفَّه على الإسلام، اللهمَّ لا تحرمنا أجره، ولا تضلَّنا بعده". وقد ذكر أبو العباس بن القاص أنه يدعو به، قال القاضي أبو الطيب وغيره: وهو الذي عليه أكثر أهل خراسان. قال في "المرشد": وهو السنة. ثم ما ذكره الشيخ مخصوص بالرجل، فإن كان الميت امرأة قال: اللهم إن هذه أمتك وبنت عبديك. ويأتي بجميع الدعاء بلفظ التأنيث، وإن كان طفلاً قال الماوردي: دعا لأبويه فقال: اللهم اجعله لهما فرطاً وسلفاً وذخراً وعظة واعتباراً، وثقل به موازينهما، وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده. وقال في "الشامل" حكاية عن النص في موضع آخر: إن الاستغفار له: اللهم اجعله فرطاً وذخراً وأجراً، وفي "التتمة" أنه يدعو بما ذكرناه عن رواية أبي هريرة والذي قال أبو العباس بن القاص: إنه يدعو به مطلقاً، ويقول في موضع الاستغفار: اللهم اجعله فرطاً وذخراً وشفيعاً لأبويه.

стр. 2178

وجمع الرافعي بين ما قاله المتولي والماوردي ورواية أبي داود: والطفل يصلي عليه، ويدعو لوالديه بالرحمة والمغفرة. وقد اقتضى كلام الغزالي في "الوسيط" أن محل التردد في الدعاء للمؤمنين والمؤمنات إذا كبر الثالثة ودعا للميت؛ حيث قال: وفي استحباب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عند الدعاء للميت تردد؛ لأنه مبني على التخفيف، والأصح الاستحباب، وهو ما جزم به في "الوجيز"، وليس له ذكر في كلام الأصحاب هكذا، بل ذكروا أنه يخلص في الثالثة الدعاء للميت، وأقرب ما يمكن حمله [عليه] عند إرادة الجمع بين كلامه وكلام غيره أن يقال: مراده: حكاية ما ذكره الجمهور من الدعاء وما ذكره ابن القاص؛ إذ به يحصل تردد في الدعاء للمؤمنين والمؤمنات؛ فإن دعاء ابن القاص شامل للدعاء للميت وللمؤمنين والمؤمنات. ومن قال: يخلص الدعاء للميت، ينافي استحباب ذلك، كذا أشار إليه الرافعي مع احتمال جواب آخر لم أر له وجهاً فلم أر ذكره. تنبيه: قوله: "خرج من روح الدنيا "هو بفتح الراء، وهو نسيم الريح، والسعة: الاتساع، وقوله: "كان يشهد" أي: إنما دعوناك له؛ لأنه كان يشهد، وقوله: "وافسح له" هو بفتح السين، أي: وسع، وقوله: "وجاف الأرض عن جنبه أو جثته": ارفعها عنه أو عنها. وقوله: "لا تحرمنا أجره" هو بفتح التاء وضمها، يقال: حرمه وأحرمه، والأول أفصح. قال: ويقول في الرابعة: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أجره، ولا تفتنَّا بعدهن واغفر لنا وله برحمتك يا أرحم الراحمين" رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ في آخر ما دعا به، وهذا ما نقله البويطي عن الشافعي فيما حكاه البندنيجي والقاضي الحسين،

стр. 2179

وقال الماوردي والصيدلاني: إن البويطي حكى عن الشافعي أنه يقول في الرابعة: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا"، والبغوي حكاه عن البويطي نفسه، وحينئذ فلا يكون للشافعي في المسألة إلا نص واحد، وهو المذكور في القديم و"المختصر": أنه يكبر الرابعة ويسلم، وعليه ينطبق قول الغزالي من غير تأويل، ولم يتعرض الشافعي لذكر بين التكبيرة الرابعة والسلام، والذين نسبوا ذلك إلى النص- وهم القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والبندنيجي- قالوا: وليست المسألة على قولين ولا على اختلاف حالين، ولكنه ذكره في موضع وأغفل ذكره في موضع آخر؛ فهو مخير فيه. وقضية ذلك: أن الأمرين عنده على السواء، وقد حكاه الرافعي وجهاً عن "الكافي"، وأن هكذا كان يفعله محمد بن يحيى فيما حكاه والدي- ﵀ بعد أن قال- أعني: الرافعي-: إن الظاهر استحباب ما ذكره البويطي، وحكى ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون في الرابعة: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"، وليس ذلك المحكي عن الشافعي، فإن فعل كان حسناً. قال: ثم يسلم تسليمتين، أي: إحداهما عن يمينه والأخرى عن شماله كما في غيرها من الصلوات؛ لأنه روي عن [ابن] أبي أوفى أنه كبر أربعاً، ثم سلم عن يمينه وشماله، وعزاه إلى النبي ﷺ ولأنها صلاة ذات تحريم وتحليل؛ فشرع فيها تسليمتان، وخالف سجود التلاوة إن سمي صلاة؛ لأنها لا تحريم لها ولا تحليل، وهذا ما نص عليه في "الكبير" و"الأم" كما حكاه البندنيجي وغيره، ونص في "الإملاء" كما قال الفوراني، وهو جديد- على تسليمة واحدة: يبدأ بيمينه ويختمها بيساره، ونقل المزني أنه يسلم عن يمينه وعن يساره، فيحتمل أن

стр. 2180

يكون ما قاله في "الكبير"، ويحتمل أن يكون ما قاله في "الإملاء"، فمن الأصحاب من جعل المسألة على قولين في الجديد، ومنهم من قال [على] قول واحد: يسلم تسليمة واحدة؛ لأن مبناها على التخفيف، وهذه التي صححها القاضي الحسين. قال المتولي: وعليها يقول عن يمينه: "السلام"، وعن شماله: "عليكم"، وهذا يقتضي أنه لا يقول: "ورحمة الله وبركاته" على هذا القول، وحكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي تردداً فيه. وقال القاضي الحسين: الظاهر أنه يأتي به، وحكى الإمام وجهاً آخر أنه يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه من غير التفات، وأن الصيدلاني قال: الكلام في تعدد التسليم واتحاده في هذه الصورة كالكلام في سائر الصلوات في تخريج القولين، أو تنزيل الأمر على اختلاف الأحوال. وهذه الطريقة تقتضي- حيث أثبت فيها الخلاف- أن القديم: الاقتصار على تسليمة واحدة، والجديد: أنه يأتي بتسليمتين؛ ولهذا قال الماوردي لما حكى أنه يسلم تسليمتين، وقياس قوله [في] القديم: إن كان الجمع يسيراً- أن يسلم واحدة عن يمينه وتلقاء وجهه، وحينئذ تكون هذه الطريقة مخالفةً للأولى؛ لأن الخلاف ثمَّ قولان عند من أثبتهما في الجديد، وما ذكره الصيدلاني هو الذي يقتضيه كلام أبي الطيب وابن الصباغ حيث أحالا الكلام على كتاب الصلاة، وبذلك صرح البندنيجي هاهنا، وقال: إن المذهب ما ذكره الشيخ. قال: والواجب من ذلك: النية؛ للخبر المشهور. والتكبيرات، أي: الأربع؛ لما استقر عليه الإجماع مع قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقراءة الفاتحة؛ لقوله- ﵇ "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" وقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بها"، والمحل الذي يجب قراءتها

стр. 2181

فيه: التكبيرة الأولى، كما صرح به البندنيجي والقاضي الحسين، والمتولي، والإمام، والغزالي، وعليه يدل الخبر. وقال الرافعي: إن الروياني وغيره حكوا عن نصه أنه لو أخر قراءتها إلى تكبيرة الثانية جاز. والصلاة على النبي ﷺ لقوله- ﵇: "لا صلاة لمن لم يصل علي فيها"، ولأن الصلاة على الميت دعاء يرجى إجابته، وقد روي- أنه ﵇ قال: "كل دعاء فهو محجوب عن الله حتى يصلَّى على محمدٍ وعلى آل محمَّدٍ". قال الصيدلاني: وأقلها: "اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ" وهو الذي أورده القاضي الحسين، ولم يتعرضا للآل. قال الإمام: وقد مضى في سائر الصلوات اختلاف فيها، والظاهر [هنا] أنها ليست ركناً؛ لاختصاص هذه الصلاة بالاختصار. والمحل الذي تجب فيه: الثانية، كما قاله البندنيجي وعبارته: وإذا فرغ من الفاتحة كبَّر الثانية، وصلى على النبي ﷺ ، والصلاة على النبي ﷺ ركن فيها. وقد وافقه القاضي الحسين والمتولي على ذلك، وقياس ما حكيناه عن النص إذا أخر

стр. 2182

القراءة إلى الثانية: أن تتعين الصلاة [في] الثالثة إن كان الترتيب بين القراءة والصلاة والدعاء شرطاً، كما هو ظاهر الخبر. وأدنى الدعاء للميت؛ لقوله- ﵇: "إذا صلَّيتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" أخرجه أبو داود وابن ماجه، لكن في إسناده محمد بن إسحاق، ولأن القصد هو الدعاء للميت، فلو لم يفعل؛ وجب أن [تبطل لترك] المقصود، ولا يتعين لذلك دعاء كما نص عليه. نعم، هل يتعين أن يربط الدعاء بالميت الحاضر أو يكفي إرساله، مثل أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات؟ قال الإمام: ظاهر كلام الشافعي التعيين، وكان شيخي يقول: يكفي الإرسال. قلت: ومذهب صاحب "التلخيص" [و] ابن القاص يجوز أن يقال: إنه يوافقه، ويجوز أن يقال: لا؛ لأنه يتعرض فيه للحاضر بقوله: "وشاهدنا". والمحل الذي يجب فيه: الثالثة، كما قال القاضي الحسين وغيره، وعبارة الإمام:

стр. 2183

والدعاء عقيب التكبيرة الثالثة لابد منه. وقياس ما حكاه الرافعي أن النص لا يخفى مما تقدم. والتسليمة الأولى؛ لأن بها يتحلل، قال الإمام: وقد ذكر الشيخ أبو علي أن أقله أن يقول: "السلام عليكم"، وردد جوابه فيما لو قال: "عليك"، هل يكفي أم لا؟ قال الرافعي: والظاهر المنع. أما ما يجب غير ما ذكره الشيخ مما هو شرط وغيره، فأشياء: منها: القيام فيها عند القدرة؛ فلا تجوز على الراحلة على الأصح كما تقدم في بابالتيمم، وبه جزم البندنيجي وأبو الطيب هاهنا. ومنها: الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر ومن الخبث في البدن والثوب والمحل، ولا يكفي التيمم عند فقد العذر مع وجود الماء وإن خشي فواتها، خلافاً لأبي حنيفة. ومنها: ستر العورة، وكذا استقبال القبلة في السفر والحضر. ومنها: وقوع ذلك بعد الغسل كما ذكره القاضي الحسين وغيره، حتى لو مات في بئر أو معدن انهدم عليه، وتعذر إخراجه وغسله- لم يصلَّ عليه، ذكره في "التتمة"، ويجوز قبل التكفين لكن مع الكراهة، وهذا هو المشهور، وقد حكى الجيلي قولاً قديماً أن الصلاة على النبي ﷺ لا تجب فيها كما تقدم مثله في الصلاة. وقال صاحب "التقريب": إن البويطي نقل كلاماً للشافعي، وقال في أثنائه: وقد قيل: إن الصلاة دعاء للميت. قال صاحب "التقريب": يحتمل أن يكون هذا حكايةً لمذهب الغير، وإن حملناه على مذهب الشافعي فمقتضى هذا النص سقوط فريضة القراءة والصلاة على النبي ﷺ وجواز استغراق الصلاة بالدعاء للميت. قال الإمام: ولم يتعرض لإسقاط التكبيرات بين العقد والحل؛ اقتصاراً على الدعاء واللفظ الصالح.

стр. 2184

قلت: قد قال الجيلي: إن في "اللباب" و"شرح" المزني أن التكبيرة الأولى واجبة، والزيادة على الواحدة سنة، وهذا يعضد ما قاله الإمام، والكل غير معدود من المذهب، والوجه القطع بحمل ما قاله الشافعي على حكاية مذهب الغير. قال: ومن سبقه الإمام ببعض التكبيرات دخل [معه] في الصلاة، أي: سواء وافى دخوله في الصلاة تكبيرة الإمام أو لا، وأتى بما أدرك؛ لقوله- ﵇ "فما أدركتم فصلُّوا"، ولا يمكنه أن يصلي ما أدركه معه إلا بتقديم التكبيرة، ولأنه أدرك جزءاً مع الإمام بتقدم التكبير؛ فجاز أن يأتي بها كما يأتي بالتكبير قياساً على سائر الصلوات، ثم ما أدركه يكون أول صلاته فيمشي على ما تقتضيه صلاة نفسه، فإن أدركه بين التكبيرة الأولى والثانية أو بين الثانية والثالثة أو بين الثالثة والرابعة- قرأ الفاتحة إن تمكن من قراءتها قبل شروع الإمام في تكبيرة أخرى، ولو شرع الإمام في تكبيرة أخرى قبل استكمال المأموم الفاتحة فهل يقطعها ويتبعه أو يكملها؟ فيه وجهان؛ كما لو قرأ المأموم بعض الفاتحة ثم ركع الإمام، قال ابن الصباغ: والأصح الأول، وبه جزم القاضي الحسين والماوردي فيما إذا كان قد أدركه بين الأولى والثانية. قال الرافعي: وصاحب الكتاب- يعني الغزالي- أجاب بالوجه الثاني حيث قال ثمَّ: إن لم يتمكن من التكبيرة الثانية [مع الإمام- لعدم إتمام الفاتحة- صبر إلى التكبيرة حتى يتمها، ويؤخر تكبيرته الثانية] إلى أن يكبر الإمام الثالثة. وقال الإمام: إن في تشبيه ما نحن فيه بما تقدم فيه نظر عندي؛ فإن المسبوق في سائر الصلوات لو أدرك الإمام راكعاً صار مدركاً للركعة بإدراك ركوعها، ومن أدرك الإمام في صلاة الجنازة مع التكبيرة الثانية لم نجعله مدركاً للصلاة من أولها، وليست مبادرة الركوع بمثابة مبادرة التكبيرة الثانية فليفهم الناظر ذلك، ولكن إن كان يعذر في ترك بعض القراءة حتى لا يسبقه الإمام فقد يتجه ذلك على بعد. وهذا ميل إلى ما جزم به الغزالي، ولا شك في جريان الوجه الثالث المذكور في الصلاة هاهنا، [وبه] صرح الفوراني.

стр. 2185

ثم إذا قلنا بالأول فهل يقرأ بعد التكبيرة الثانية؛ لأن القيام محل القراءة بخلاف الركوع، أم يقال: لما أدرك قراءة الإمام صار محل قراءته منحصراً فيما قبل الثانية؟ فيه احتمالان في "الشامل"، والثاني منهما لم يحك الماوردي غيره حيث قال: يكبر الثانية معه وقد تحمل الإمام عنه ما بقي من القراءة. وقال الرافعي: لعل هذا أظهر. ولو شرع الإمام في التكبيرة الثانية بعد ما استكمل المأموم التكبيرة الأولى، ولم يتمكن من قراءة شيء من الفاتحة- كبر مع الإمام الثانية، وسقطت عنه القراءة، كما إذا ركع الإمام عقيب تكبير المأموم في سائر الصلوات، قاله البغوي والمتوليو الرافعي. قال: وإذا سلم الإمام كبر ما بقي؛ لقوله- ﵇: "وما فاتكم فأتمُّوا" وخالفت هذه التكبيرات تكبيرات العيد حيث لا يأتي المأموم بما فاته منها؛ لأن هذه تجري مجرى الأفعال في الصلاة، ولا يجوز الإخلال بها. وتكبيرات العيد مسنونات، فإذا فات محلُّها سقطت. قال: متوالياً، ثم يسلم؛ خشية أن ترفع الجنازة قبل فراغه فلا يصادف الدعاء محله، وهذا التعليل موافق لما تقدم من أن ربط الدعاء بالميت الحاضر لابد منه، وهذا القول نص عليه في "مختصر" البويطي حيث قال: إذا سلم الإمام يأتي المأموم بالتكبيرات نسقاً، وقال في "المختصر": وإن أدركه وقد فرغ من تكبيرتين فإنه يكبر ويقرأ والإمام يصلي على النبي ﷺ ، فإذا كبر الإمام الثالثة ودعا للميت كبر المأموم وصلى على النبي ﷺ ، ثم كبر الإمام الرابعة وسلم، وكبر المأموم ودعا للميت، ثم يكبر ويسلم. فحصل في المسألة قولان، أصحهما في "التهذيب" وغيره، وهو المذهب في "التتمة": الثاني وإن رفعت الجنازة؛ للحاجة، كما جوزنا الصلاة على الغائب لمكان الحاجة، لكن المستحب عندنا- كما قال القاضي الحسين والبغوي- ألا يرفع الميت حتى يفرغ من الصلاة، وفي "الجيلي" أن في "البحر": أن الجنازة إذا رفعت بطلت صلاته على أحد الوجهين؛ بناء على جواز الصلاة على الجنازة للمعتكف في حال مروره في الطريق، والقاضي الحسين والبغوي والرافعي جزموا بعدم البطلان وإن تحولت الجنازة عن قبالة القبلة، والقولان- كما قال

стр. 2186

في "الروضة"- في الوجوب وعدمه، صرح به صاحب "البيان"، وهو ظاهر. فرع: لو تخلف المقتدي، فلم يكبر مع الإمام الثانية أو الثالثة حتى كبر الإمام التكبيرة المستقبلة من غير عذر- بطلت صلاته؛ لأن القدوة في هذه الصلاة لا تظهر إلا في التكبيرات، وهذا التخلف متفاحش شبيه بالتخلف بركعة في سائر الصلوات، كذا حكاه الإمام عن شيخه، وقال: إن الأمر على ما ذكره، وهو مقطوع به عندي. قال: ومن فاتته جميع الصلاة صلى على القبر؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة أن امرأة سوداء أو رجلاً كان يقمُّ المسجد، فقده النبي ﷺ ، فسأل عنه، فقيل: مات، فقال: "ألا آذنتموني به؟ قال: دلوني على قبره. فدلوه فصلى عليه"، وأخرجه البخاري ومسلم، وروى مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صلى على قبر بعد ما دفن، فكبر عليه أربعاً، ولأن الولي يجوز له أن يصلي عليه في القبر إذا لم يكن قد صلى عليه بوفاق الخصم، فنقول له: كل من جاز له أن يصلي الصلاة الأولى جاز أن يصلي الصلاة الثانية، أصل ذلك: الولي. قال: أبداً؛ لأن القصد من الصلاة الدعاء، وهو مطلوب في كل وقت، وهذا أضعف الوجوه في "الإبانة" وغيرها، وقال الماوردي: إنه ليس بصحيح. وإذا قلنا به فهل تجوز الصلاة على قبر رسول الله ﷺ أو لا؟ فيه وجهان مشهوران، المذكور منهما في "تعليق" القاضي أبي الطيب: الجواز، وفي تعليق البندنيجي: المنع، وهو الأصح في "الحاوي" وغيره برواية مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، والمعنى فيه خوف الافتتان. ثم حيث نقول بالجواز فهل تجوز جماعة وفرادى؟ سكت الجمهور عن

стр. 2187

ذلك، وقال الإمام: إن الشيخ أبا علي قال: إنا إذا جوزنا الصلاة عليه فلا يجوز أن يصلي عليه جماعة، بل يصلي عليه أفراداً، ونسب الرافعي ذلك إلى أبي الوليد النيسابوري. قال الإمام: وهذا القائل يحمل المنع من اتخاذ القبر مسجداً على إقامة الجماعة، وينزل القبر في ذلك منزلة [المساجد المهيأة] للجماعات. وقيل: يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه عند الموت، أي: ولا يصلي عليه غيره؛ اعتباراً بأهلية الخطاب بالصلاة عند السبب، وهذا ما ذهب إليه الشيخ أبو زيد، وقال الفوراني والرافعي والبندنيجي: إنه الأصح، لكن ما المراد بالأهلية: هل أهلية الوجوب أو أهلية الصحة؟ فيه خلاف بين الأئمة حكاه الإمام وغيره: فالذي ذهب إليه القاضي أبو الطيب والحسين والمصنف: الأول؛ حيث قالوا تفريعاً عليه: إن من كان غير بالغ حين الموت أو ولد بعد موته لا يجوز أن يصلي عليه، ووجهه القاضي حسين بأنه يكون متبرعاً، ولا يتطوع بصلاة الجنازة، بخلاف من كان من أهل الفرض عند الموت؛ لأن الخطاب بها متوجه على الجميع، فإذا أوقعت وقعت فرضاً، وهذا التوجيه يقتضي ألا تصح صلاة الصبي المميز على الجنازة بعد أن صلى عليها من سقط الفرض به، بل مع من يسقط الفرض به، ولا قائل به، وقد اختار هذا الوجه الصيدلاني أيضاً. والذي حكاه البندنيجي والفوراني: الثاني، لأن عبارة البندنيجي في حكاية هذا الوجه: أنه يصلي عليه من كانت تصح صلاته عليه عند الموت وهو البالغ أو المراهق. وعبارة الفوراني كعبارة الشيخ، وعقبها بقوله: حتى لو كان صبياً عند موته كان له الصلاة عليه. وقضية الوجهين: أن من كان مفقوداً أو غير مميز أو مجنوناً عند الموت لا يصلي عليه، وبه صرح الأصحاب، وكذا قضيتهما ألا تصلي عليه الحائض عند موته إذا طهرت بعد دفنه؛ لأن الحيض ينافي صحة الصلاة ووجوبها. قال الإمام: ولكن هي على الجملة ممن يخاطب، فالذي أراه: أنها تصلي إذا

стр. 2188

طهرت من ذلك. وكذا قضيتهما: أن تصح ممن كان كافراً عند الومت ثم أسلم بعد دفنه، إذا قلنا: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، أما إذا قلنا: لا، فعلى الوجه الأول: لا يصلي، وعلى الثاني: يصلي؛ لأنه كان متمكناً من الصلاة بأن يسلم ويصلي كالمحدث، وقد أعرض الإمام عما ذكرناه وقال: الذي أراه أنه يصلي؛ لما ذكرناه من الإمكان. وقيل: إلى شهر، أي: ولا يجوز بعده؛ لأنه- ﵇ قدم المدينة وقد مات البراء بن معرور وأوصى له، فقبل وصيته، وصلى على قبره بعد شهر. [قال ابن الصباغ وغيره: ولم ينقل أكثر من ذلك. وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه قدم المدينة وقد مات أخوه عاصم بن عمر فقال: دلوني على قبر أخي. وصلى على قبره بعد شهر] وصلت عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر بعد شهر، ولا يعرف لهما مخالف. وعن القفال أنه قال: لعل صاحب هذا الوجه أخذه من صلاته- ﵇ على النجاشي؛ فإنه كان بين موضع النبي ﷺ وبين موضع وفاة النجاشي مسيرة شهر. قلت: وما قيل من أنه لم ينقل أكثر من ذلك، فيه نظر فإن مسلماً والبخاري رويا عن عقبة بن عامر قال: "صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودِّع للأحياء والأموات"، فإن حمل على الصلاة الشرعية أشكل ما

стр. 2189

قيل: إنه لم ينقل أكثر من ذلك، وإن حمل على الصلاة اللغوية وهو الدعاء لم يشكل، لكن الأول هو الظاهر؛ لأن أبا داود روى عن عقبة بن عامر: "أن رسول الله ﷺ خرج يوماً، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت"، وقول القفال قد قال القاضي الحسين والإمام: إنه لا يصح؛ لأنه- ﵇ صلى على النجاشي في اليوم الذي مات فيه النجاشي، وكان جبريل أخبره به. وقيل: ما لم يبل جسده؛ لأنه إذا لم يبل بقي ما يصلى عليه، وإذا بلى لم يبق ما يصلى عليه، وعلى هذا يختلف ذلك باختلاف البلاد والأجسام. ولو شككنا في بلاه رجعنا إلى أهل الخبرة بتلك الأرض، فإن لم يعلموا أو لم يوجدوا- قال الإمام: يحتمل أن يقال: إن الصلاة مقيدة بالبقاء، ولم يتحقق؛ فلا يصلى، ويحتمل أن يقال: إن الأصل البقاء؛ فيصلى، وهذا الثاني أوفق لرواية الصيدلاني والقاضي الحسين وآخرين كما قال الرافعي؛ فإنهم قالوا في حكاية هذا الوجه: إنه يصلى عليه ما لم يعلم بلاه، وقد ادعى الماوردي أن هذا الوجه أصح مذاهب أصحابنا، وقال الإمام: إنه الذي عليه التعويل، والأوجه الأربعة محكية في تعليق أبي الطيب وغيره من كتب العراقيين. وعلى [هذه] الثلاثة الأخيرة منها، قالوا: لا يصلى على النبي ﷺ ، ووجهه إذا قلنا بأولها وثانيها ظاهر، وإذا قلنا بثالثها فوجهه-كما قال أبو الطيب والبندنيجي-: أن النبي ﷺ لم يترك في قبره؛ فإنه قال "أنا لا أترك في القبر"، وعبارة ابن الصباغ تقرب من ذلك، وقد قيل: إن في هذا المأخذ نظراً؛ فإنه قد ورد أنه- ﵇ قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" فالاعتماد في

стр. 2190

المنع على النهي أو لا. وحكي سليم وجهاً خامساً في المسألة أنه يصلي عليه من كان موجوداً عند الموت، وعليه ينطبق قول الماوردي: وقيل: بل يصلي عليه من عاصره. وحكى المراوزة وجهاً يكون سادساً عن رواية الشيخ أبي علي في "الشرح" [أنها تجوز] إلى ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة. قال الإمام: وهو غريب غير معتد به. تنبيه: قول الشيخ: "ومن فاته جميع الصلاة صلى على القبر"، يفهم أن الميت لا يؤخر بعد تمام صلاة من يسقط الفرض بهم ليصلي عليه من لم يصل، ولياً كان له أو غير ولي، ولا شك في أن الأولى ذلك، لكن هل يجوز أن يؤخر لأجل ذلك؟ فإن كان الذي يريد الصلاة غير ولي له لم يجز، وكذا إن كان ولياً وخشي على الميت الفساد، وإن لم يخش عليه جاز، وتكون الصلاة إذا فعلت فرضاً على الصحيح كما تقدم، ولا يجوز لمن صلى عليه مرة أن يعيد الصلاة عليه مرة أخرى على أحد الوجهين في "الشامل" وتعليق أبي الطيب، وهو المذكور في "الحاوي" لا غير، وجزم البندنيجي بمقابله؛ لقول الشافعي الذي حكيناه من قبل: وإذا اجتمعت جنائز فصلى عليها ولي واحد، وشاء أحد من الأولياء أن يعيد الصلاة على ميته- فعل. وقد حكى الرافعي تبعاً للبغوي الوجهين في استحباب ذلك، وأن الأظهر عدم الاستحباب، ولكن فيما إذا كانت الصلاة الأولى منفردة والثانية في جماعة، وجزم القول فيما إذا كانت الثانية منفردة أيضاً أنه لا يستحب، وأطلق القاضي الحسين القول بعدم الاستحباب، وهو ما ادعى الإمام اتفاق الأئمة عليه، وعلى هذا لو فعلها لم تكن باطلة، وأبدى الإمام في البطلان احتمالاً لنفسه، وفي الجيلي حكاية وجهين في البطلان والذي أورده القاضي الحسين: الأول، وقال: إن الثانية تكون

стр. 2191

فرضاً لا نفلاً، وإذا قلنا: تستحب، قال الجيلي: فهل ينوي بها الفرض؟ فيه وجهان مذكوران في شرح المزني. قال: وإن كان الميت غائباً عن البلد صلى عليه بالنية، أي: فينوي الصلاة على فلان إن عرفه، أو على من صلى عليه الإمام كما تقدم. قال: كما صلى رسول الله ﷺ على النجاشي. هذا من الشيخ مغن عن التوجيه، والخبر المذكور رواه أبو هريرة: "أن رسول الله ﷺ نعى [إلى الناس] النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى، فصفَّ بهم وكبر أربع تكبيرات"، أخرجه البخاري ومسلم. قال أهل السير: وكان نعيُّ رسول الله ﷺ له في رجب سنة تسع من الهجرة. والنجاشي- بفتح النون والجيم والشين المعجمة وتشديد الياء-: اسم لكل من ملك الحبشة، كما أن اسم كل من ملك مصر: فرعون، واسم ملك الليمن: تبع، واسم ملك الروم: قيصر، واسم ملك الفرس: كسرى. واسم الذي صلى عليه رسول الله ﷺ : أصحمة، وقيل: صحمة، ومعناه بالعربية: عطية، ذكره ابن قتيبة. فإن قيل: إنما صلى رسول الله ﷺ على النجاشي؛ لأن الأرض زويت له فكان يرى النجاشي. قيل: ذلك ممتنع؛ لوجهين:

стр. 2192

أحدهما: أنه لو كان ذلك لنقل، ولكان أولى بالنقل من الصلاة؛ لأن ذلك معجزة على نبوته. والثاني: أن رؤيته للأرض إما أن تكون لكون الله خلق له إدراكاً يدركها به، أو لتداخل أجزاء الأرض بعضها في بعض، وتكون أرض الحبشة قد جعلت بباب المدينة، والثاني ممتنع؛ إذ لو كان كذلك لكان جميع الصحابة قد رأوها، ولم ينقل، والأول لا يجيء على مذهب الخصم؛ لأن عنده أن البعد من الميت يمنع من صحة الصلاة عليه وإن كان يراه، وأيضاً فكان مقتضاه أن تصح صلاة النبي ﷺ وحده دون سائر الصحابة، ولا وجه لقولهم: إن الحبشة لم يكن بها من يصلي على النجاشي؛ فلذلك صلى عليه النبي ﷺ ، ومثل ذلك يجوز عندنا؛ لأن عندهم [أن من مات بالبادية]، أو بغيرها من المواضع التي يعلم أنه ليس بها من يصلي عليه لا يصلى عليه، وكما تجوز الصلاة على الغائب [الواحد] تجوز على جمع منهم في وقت واحد وإن لم يعرف عددهم ولا أشخاصهم ولا أسماؤهم، مثل أن ينوي الصلاة على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا في البلد الفلاني، قاله في "البحر". قال في "الروضة": وقوله صحيح، لكن لا يختص ببلد، والله أعلم. ولا فرق عندنا في جواز الصلاة على الغائب بين أن يكون في جهة القبلة من المصلي أو لا والمصلي يستقبل القبلة، ولا بين أن يكون في موضع قد صلي عليه فيه أو لا، وعن "بحر المذهب" فيما سمعته: أن الصلاة على الغائب لا تفعل إلا حيث لم يكن صلى عليه أحد، وكذا كانت قصة النجاشي، وكذا لا

стр. 2193

فرق بين أن تكون المسافة بين المصلي وبينه- وهو خارج عن البلد- بعيدة أو قريبة. واحترز الشيخ بقوله: "غائباً عن البلد"، عما إذا كان في البلد غائباً عن المصلى؛ فإنه لا يجوز أن يصلي عليه بالنية كما جزم به أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما؛ لأنه [لا ضرورة] في ذلك، بخلاف ما إذا كان غائباً عنها، وشبهوا ذلك بالقبلة: لا يجوز لمن هو بمكة أن يصلي إليها بالاجتهاد بل بالمعاينة، بخلاف الغائب عنها، والفرق ما ذكرناه. وحكى المراوزة في جواز الصلاة عليه في هذه الحالة وجهين، قال القاضي الحسين: وهما كالقولين في جواز تقدم المأموم على الإمام، وشبههما الإمام بالخلاف في نفوذ القضاء على من في البلد مع إمكان إحضاره. قال: والأمر عندي في تجويز الصلاة أقرب؛ لأن الغرض من الصلاة الابتهال إلى الله- تعالى- في التجاوز عن الموتى، وهذا لا يختلف بالغيبة والشهود، وأما القضاء فإنه يتعلق بأمور معتبرة في الإقرار والإنكار؛ فاشتراط الحضور الممكن أولى وأقرب. قال: وإن وجد بعض الميت غسل وكفن وصلي عليه؛ لما روي أن طائراً ألقى يداً بمكة من وقعة الجمل، فعرفت بالخاتم، فكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيدٍ، فصلى عليه الناس وفيهم الصحابة، وروي أن أبا عبيدة بن الجراح صلى على رءوس القتلى بالشام، وعن عمر أنه صلى على عظام بالشام، وليس لهم مخالف؛ فكان إجماعاً، لكن هل ينوي [بالصلاة:] الصلاة على جملة الميت، أو على ما وجد منه؟ فيه وجهان في "الحاوي"، والذي أورده الغزالي وغيره: الأول، والذي يفهمه كلام القاضي أبي الطيب: الثاني، بل هو

стр. 2194

كالمصرح به؛ لأنه أجاب عن قول الخصم: لو وجبت الصلاة على الجزء الموجود لأدى إلى وجوب تكرار الصلاة- بأن ذلك غير صحيح؛ لأن التكرار هو الصلاة على جزء واحد مرتين، ونحن لا نوجب الصلاة على الميت إلا مرة واحدة، والجزء الثاني غير الجزء الأول، فهو بمثابة أن يجد جزءاً من الميت فنأمره بتكفينه ودفنه، ثم يجد جزءاً آخر فنأمره بذلك أيضاً. فإن قالوا: ليس الصلاة كالتكفين؛ لأن الجزء الأول لم يستوعب جميع الكفن بل جزءاً منه، وأنتم تأمرون بإكمال الصلاة على الجزء الأول. فالجواب: أن تبعيض الكفن يصح ولا يستحيل؛ فلذلك بعضناه على الأجزاء. وأما الصلاة فلا يصح تبعيضها؛ فلذلك أمرناه بإكمالها على الجزء. ثم محل الوجهين إذا لم يعلم أنه صلي على جملة الميت، فإن علم أنه صلي على جملته قال الماوردي: فيخص الصلاة بالعضو وجهاً واحداً. وفيه نظر؛ من حيث إنه يجوز أن يصلي على كل الميت مرة أخرى، نعم، إن كان هذا في حق من [قد] صلى على الجملة فهو صحيح؛ لأن من صلى عليها لا يصلي عليها مرة أخرى على الأصح، ولعل هذا المراد، مع أنه لا يخلو من نظر. وهذا كله إذا تحقق أن ذلك البعض من مسلم، وكذا الحكم فيما لو وجد في دار الإسلام وقد جهل حاله، قاله ابن الصباغ وغيره، وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في البعض المذكور بين أن يكون أكثر الجثة أو أقلها، وهو كذلك؛ لما ذكرناه، وكذا قضيته أنه لا فرق بين أن يكون شعراً أو ظفراً أو غيرهما. وقد حكى ابن الصباغ وغيره في الشعر والظفر وجهين، ادعى البندنيجي أن المذهب منهما: المنع، بعد أن قال: إنه لا نص فيها لصاحبنا، وقال الرافعي: الأقرب إلى إطلاق الأكثرين أنهما كغيرهما كما أفهمه كلام الشيخ. نعم، قال في "العدة": إن لم يوجد إلا شعرة واحدة فلا يصلى عليها في ظاهر المذهب؛ إذ لا حرمة لها. وإذ قلنا بالغسل والصلاة فلا بد من مواراته بخرقة. ولو كان البعض الموجود قد انفصل من حي وهو باقٍ، نظر: فإن كان من أجزاء الجثة، مثل: أن سقطت يده أو رجله ونحو ذلك، فهل يكون كالبعض من الميت؟ أطلق الماوردي فيه حكاية وجهين، بناهما بعضهم على أن الصلاة في

стр. 2195

المسألة قبلها تكون على جملة الميت أو على ذلك البعض؟ وقضية هذا البناء: أن يجري الخلاف في اليد المقطوعة في السرقة ونحوها أو قصاصاً، وقد قال المتولي وغيره: إنه لا خلاف في أنها لا تغسل ولا يصلى عليها، ولكن تلف في خرقة وتدفن. ولو كان ذلك البعض شعراً أو ظفراً لم يغسل ولم يصلَّى عليه، ولكن يستحب دفنه، قاله المتولي وغيره ممن حكوا الخلاف في الشعر والظفر المنفصل من الميت. ثم إذا قلنا بأن المنفصل من الحي لا يصلى عليه، ولو كان من ميت لصلي عليه، فوقع الشك في ذلك البعض: هل انفصل عن حي أو ميت؟ فمقتضى كلام الشيخ: أنه لا يصلى عليه؛ لأنه أناط الصلاة بانفصاله من ميت، ولم يتحقق، وهو ما ذكره الغزالي والمتولي وغيرهما متى احتمل أن يكون صاحبه حياً. وقال مجلي: فيه احتمالان؛ لتعارض الأصل والغالب، وفي الإطلاق نظر. وقد أفهم كلام الشيخ أن تكفين البعض الموجود من الميت لابد منه، وهو ما حكيناه عن القاضي، لكن في "الحاوي" أن ذلك فيما إذا كان المنفصل من العورة، أما إذا كان من غيرها فلا. قال: ومن مات من المسلمين؛ أي: كبيراً أو صغيراً، ذكراً أو أنثى، حراً أو عبداً، في حرب الكفار بسبب من أسباب قتالهم، أي: مثل أن يقتله مشرك، [أو يحمل عليه فيتردَّى في] بئر، أو يقع من جبل، أو يسقط عن فرسه، أو يرفسه فرس غيره، أو يقع فيه سيفه، أو يرجع عليه سهمه، أو يصيبه سهم غيره، مسلماً كان ذلك الغير أو كافراً [ونحو ذلك]، قبل انقضاء الحرب- لم يغسل ولم يصلَّ عليه؛ لقوله – تعالى-: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، والحي لا يغسل ولا يصلى عليه. وقد روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال: "كان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، [ثم يقول]: "أيُّهم [أكثر] أخذاً

стр. 2196

للقرآن؟ "، فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: " [أنا شهيد] على هؤلاء يوم القيامة". وأمر بهم فدفنوا في ثيابهم، ولم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم"، وهذا نص في المدَّعى، وذلك على وجه الوجوب، فلو أراد الوارث أن يغسله ويصلي عليه حرم عليه ذلك، واختار المزني أنه لا يغسل ويصلى عليه كمذهب أبي حنيفة، ونقل البغوي والإمام وجهاً أن الصلاة عليه تجوز ولا تجب. قال الإمام: وهذا القائل يعتقد جواز ترك الصلاة رخصة؛ لمكان الاشتغال بالحرب وتوابعه إذا انجلى، فلو فرض متكلف وصلى؛ جاز، وهذا القائل لا يجوز الغسل، وإن كانت الصلاة على غير الشهيد لا تجوز بغير غسل أو بدله؛ لأن الشهيد كالمغسول بصوب رحمة الله، تعالى. قال الإمام: وقد [يتطرق للناظر] في ذلك شيء، وهو أن الشهيد إذا كان عليه دم الشهادة فلا يجوز إزالته ويتعين إبقاؤه؛ لقوله- ﵇: "زملوهم في كلومهم ودمائهم؛ فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب

стр. 2197

دماً: اللون لون الدم، والريح ريح المسك"، وإن لم يكن عليه دم أصلاً فلا شك أنه لا يجب غسله، ولكن في جوازه تردد في هذه الصورة من طريق الاحتمال، والذي ذهب إليه المحققون: الأول؛ إذ لو جاز ذلك لوجب فعله. ولا فرق فيه بين أن يكون الميت جنباً أو لا عند أكثر الأصحاب، وهو مقتضى إطلاق كلام الشيخ وظاهر الخبر. وقال ابن سريج وابن أبي هريرة: يغسل؛ لأجل الجنابة؛ لأن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد، فرأى النبي ﷺ الملائكة تغسله؛ فبعث إلى أهله، فسأل عن شأنه فقالوا: لا علم لنا به غير أنه كان واقع أهله، ثم خرج إلى الحرب جنباً. فلما غسلته الملائكة علم أنه بأمر الله؛ فدل على أنه مأمور به، ولأنه لزم غسل جميع بدنه في حال حياته؛ فوجب ألا يسقط بالقتل في الشهادة؛ كما إذا كان على جميع بدنه نجاسة ثم قتل شهيداً.

стр. 2198

وظاهر المذهب- كما قال أبو الطيب- الأول، وادعى الإمام أن مقابله بعيد غير معتد به؛ لأنها طهارة عن حدث فسقطت بالموت كالطهارة الصغرى، ولأن الميت إنما يغسل ليصلى عليه، فإن كان هذا القتيل الجنب لا يصلى عليه فلا معنى لغسله، وحديث حنظلة دليل لنا؛ لأن [ما يتعبد] به الآدمي لا يسقط بفعل غيره، دليله: الغريق؛ فإنه يعاد غسله. وأما إزالة النجاسة من بدنه، قال الماوردي: فإن كانت من جهة الشهادة لم يجب إزالتها، وإن كانت من غيرها كالبول والخمر وجبت إزالتها، والفرق بينها وبين الجنابة: أنه لماوجب إزالة قليل النجاسة وجب إزالة كثيرها، ولما لم يجب إزالة الحدث الأصغر لم يجب إزالة الأكبر، وهذا منه تصريح بإيجاب إزالة النجاسة وإن زال بسببها أثر الشهادة، وهو وجه حكاه القاضي أبو الطيب وغيره مع آخر: أنه لا يجوز؛ لما في ذلك من إزالة أثر الشهادة. وحكى الإمام وغيره معهما وجهاً ثالثاً: أنه إن كان في غسلها إزالة دم الشهادة لم يغسلها، وإلا وجب، قال: وهذا أعدل الوجوه، والمسألة محتملة. والمرأة إذا قتلت في الشهادة حائضاً هل تغسل؟ قال في "الروضة": إن قلنا: الجنب لا يغسل، فهي أولى، وإلا فوجهان حكاهما صاحب "البحر"؛ بناءً على أن غسل الحائض يتعلق برؤية الدم أم بانقطاعه أم بهما؟ إن قلنا: برؤية الدم، فكالجنب، والذي أورده القاضي أبو الطيب: أنها لا تغسل، ورد على من قال: إنه متعلق بانقطاعه بأن الانقطاع: ألا يخرج منها شيء وهذا لا يجوز أن يكون سبباً لوجوب الغسل، وإنما هو سبب لصحة الطهارة دون وجوبها. قال: بل تنزع [عنه] ثياب الحرب، أي: كالزردية ونحوها. قال الشافعي: وكذا ما [ليس بعامة] ثياب الناس كالجلود والفراء والجباب المحشوة والخف.

стр. 2199

ويدفن فيما بقي من ثيابه؛ لرواية أبي داود عن ابن عباس قال: "أمر رسول الله ﷺ بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا بثيابهم ودمائهم"، وأخرجه ابن ماجه، وروى أيضاً عن جابر- وهو ابن عبد الله- قال: "رمي رجل بسهم في صدره- أو في حلقه- فمات، فأدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسول الله ﷺ ". وهذا إذا رضي به الوارث، وهو الأولى كما قاله البندنيجي وغيره، ومحل الاكتفاء به: إذا كان قدر الواجب من الكفن، فإن كان أقل منه كمل على حسب ما تقدم، صرح به الإمام وغيره. ولو أراد الوارث إبقاء ذلك لنفسه وتكفينه في غيره- جاز سواء كان عليه أثر الشهادة أو لا؛ لأن صفية أرسلت إلى النبي ﷺ بثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفن في الثوب الآخر رجلاً آخر من حلفائه. قال القاضي أبو الطيب: ولأنا لو قلنا: يجب أن يكفن فيما عليه لعيَّنَّا الثوب الذي يكفن فيه، وتعيين الكفن لا يجوز، وأثر الشهادة فإنما يجب إبقاؤه في البدن لا في الثوب. أما إذا مات في الحرب لا بسبب من أسباب قتالهم بل حتف أنفه؛ فهو كما لو مات في غير الحرب عند العراقيين والبغوي، وحكى الغزالي في إلحاقه بالشهيد قولين، [والإمام رواهما عن شيخه وجهين]- أصحهما: ما ذكره

стр. 2200

العراقيون، وإذا قلنا به فلو وقع الشك في أنه مات بسبب القتال أو حتف أنفه بأن وجد بين الصفين قتلى ولا أثر عليه- كان ملحقاً بمن قتل بسبب القتال اتفاقاً؛ لأنه الظاهر، ولو مات بسبب من أسباب قتالهم لكن بعد انقضاء الحرب فالذي أطلقه العراقيون- كأبي الطيب، والبندنيجي، وابن الصباغ-: أنه يغسل ويصلى عليه، سواء أكل بعد انفصاله عن الحرب أو لم يأكل، أوصى أو لم يوص، قطع بموته أو لم يقطع به. وقال الماوردي: إن الحكم كذلك فيما إذا مات بعد طول الزمان من انقضاء الحرب، أما إذا مات بعد تقضي الحرب بزمان قريب- لم يغسل ولم يصل عليه. وقال المراوزة: إن كان حين انقضاء الحرب قد انتهى إلى حركة المذبوح لم يغسل ولم يصل عليه، وإن كان [حين انقضاء الحرب مرجو الحياة غسل وصلي عليه، ولو كان مستقر الحياة] حين انقضاء الحرب لكن قطع بأنه يموت بذلك السبب ففي تغسيله والصلاة عليه قولان، وهل هما جاريان مع قصر الزمان وطوله أو هما فيما إذا قرب، فإن طال- بأن بقي أياماً- وجبا قولاً واحداً، وفيه وجهان في "النهاية". قال: وإن مات في حرب أهل البغي من أهل العدل- غسل وصلي عليه في أصح القولين، أي: في "المختصر" في كتاب قتال أهل البغي؛ لأن أسماء بنت أبي أبكر غسلت ابنها عبد الله بن الزبير، ولم ينكر عليها أحد. ولأنه مقتول في حرب المسلمين فغسل وصلي عليه كالقتيل من أهل البغي. ومقابله: أنه كالمقتول في حرب الكفار، ولأن علياً لم يغسل أحداً ممن قتل معه، ولا صلى عليه، وأوصى عمار بألا يغسل، وهذا ما صححه صاحب "العدة" وغيره، لكن الجمهور على ترجيح الأول. وهذه المسألة التي احترز [الشيخ] عنها في الفصل قبله بقوله: "في حرب

стр. 2201

الكفار"، وقد حكى ابن الصباغ أن الأصحاب بنوا على القولين فيها وجهين فيمن قتله قطاع الطريق من أهل القافلة، والإمام حكى وجهين في أنه هل يلحق بمن قتله البغاة؛ فيكون فيه القولان، أو يجب غسله والصلاة عليه قولاً واحداً؟ والفرق: أن قتال أهل البغي بتأويل في الدين، بخلاف القطَّاع. وحكى الغزالي القولين فيمن قتله حربي في دار الإسلام غيلةً، والإمام حكاهما وجهين عن رواية الشيخ أبي علي، وحكى مثلهما الماوردي فيمن أسره الكفار وقتلوه بأيديهم صبراً. وقد أفهم كلام الشيخ أن من عدا من ذكره من قتيل الكفار وأهل البغي- يغسل ويصلى عليه قولاً واحداً؛ لأنه ذكر أن غسل الميت والصلاة عليه فرض [على الكفاية] كما دل عليه الخبر، واستثنى من حيث المعنى من ذلك من قتله الكفار وأهل البغي على قول؛ لما قام عليه من الدليل؛ فبقي من عداهم على الأصل، ويندرج فيهم فريقان: أحدهما: من لم يحكم الشرع له بالشهادة، منهم ولد الزنى، وكذا قاتل نفسه، والمقتول قصاصاً، ومن قتله أهل العدل؛ لأنهم لم يخرجوا عن الإسلام بما فعلوه، ومن هذا الفريق من قتل ظلماً من مسلم أو ذمي؛ لأن عمر قتل وغنسل وصلي عليه من غير نكير، وكذا المرجوم في الزنى؛ لأنه- ﵇ لما رجم المرأة صلى عليها فقال له عمر: تصلي عليها وقد زنت؟ فقال- ﵇: "لقد تابت توبةً لو قسِّمت على سبعين من أفجر من بالمدينة لوسعتهم" أخرجه النسائي ومسلم. لكن مفهوم الخبر أن من [لم يتب] لا يصلى عليه، وقد ذكرناه في باب حد الزنى،

стр. 2202

ولم أر من أصحابنا من قال به، والمقتول بترك الصلاة تكلم الشيخ فيه في كتاب الصلاة. والمقتول من قطاع الطريق إذا وجب صلبه فقد قال بعض الأصحاب: إنه لا يغسل ولا يصلى عليه؛ استهانة به وتحقيراً لشأنه، وبعضهم بناه على كيفية قتله كما ستعرفه في باب حد قاطع الطريق. وظاهر المذهب- كما قال القاضي الحسين- أنه يغسل ويصلى عليه، لكن إذا قلنا: يصلب أبداً- فعل به ذلك قبل الصلب، وإن قلنا: يصلب ثلاثاً ثم ينزل- فعل به ذلك بعد إنزاله بعد الثلاث، والكلام في ذلك مستقصًى في باب حد قاطع الطريق، فليطلب منه. الثاني من الفريقين: من شهد له الشرع بالشهادة وهم كما قال- ﵇ خمس: "المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله" هذا حديث متفق عليه، وفي رواية النسائي: "الشهداء سبع" سوى القتيل في سبيل الله، وعد الأربعة السالفة، وصاحب ذات الجنب، وصاحب الحرق، والمرأة تموت بجمع، أي: تموت وولدها لم ينفصل عنها، وقيل: تموت باجتماع الأوجاع، حكاه القاضي الحسين. وروي عنه ﷺ أنه قال: "ومن

стр. 2203

مات فجأةً فهو شهيدُ، والغريب شهيدُ، ومن عشق فعفَّ فكتم فمات فهو شهيدُ". ولا خلاف في أنهم لا يلحقون بمن قتل من المسلمين في معركة الكفار، ولا بمن قتله البغاة في ترك الغسل والصلاة؛ لما ذكرناه. ووصفهم بالشهادة محمول على أن ثوابهم ثواب الشهداء، وإلا فقد صلى رسول الله ﷺ على امرأة نفساء، وقام وسطها. متفق عليه. والفرق من حيث المعنى: أن المقتول في سبيل الله في غسله مشقة؛ لما به من الجراح والدماء، ولعله لا يجدي في قطع الدماء والفضلات، أو لأن تلك الآثار مستطابة شرعاً، قال- ﵇: "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم والريح ريح المسك" رواه البخاري. والصلاة تتبع الغسل غالباً، وهذا المعنى لا يوجد في غيرهم. قال العلماء: وسمي الشهيد شهيداً؛ لأن الله ورسوله وملائكته يشهدون له بالجنة؛ فيكون شهيداً بمعنى مشهود له، مبالغة في اسم المفعول، وقيل: لأن أرواحهم تشهد دار السلام؛ فتكون مبالغة في اسم الفاعل. قال: ويغسل السقط الذي نفخ فيه الروح ولم يستهل، ويكفن؛ لحرمة الآدمي، ولا يصلى عليه؛ لمفهوم قوله- ﵇: "إذا استهلَّ السقط صلي عليه" رواه ابن عباس، ورواية جابر عن النبي ﷺ : "السقط إذا استهلَّ صلِّي

стр. 2204

عليه، ولأنه لم يثبت له حكم الأحياء في الإرث؛ فكذا في الصلاة، وخالفت الصلاة الغسل؛ لأن الغسل آكد؛ ولهذا يغسل الكافر ولا يصلى عليه، وهذا ما نص عليه في "الأم"، ووراءه طريقان: إحداهما: أنه لا يصلى عليه قولاً واحداً، وهل يغسل؟ فيه قولان. أحدهما- نص عليه في البويطي-: أنه لا يغسل. والثاني- نقله المزني-: أنه يغسل. وهذان الطريقان حكاهما الفوراني لا غير. والطريقة الثانية: أن في غسله والصلاة عليه قولين:\

стр. 2205

أحدهما- وهو ما حكاه البندنيجي عن نصه في "البويطي"-: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، أما كونه لا يصلى عليه؛ فلما تقدم، وأما كونه لا يغسل؛ فلأن كل من لا يصلى عليه من المسلمين لا يغسل كالشهداء. والثاني- وهو ما حكاه الأصحاب عن القديم-: أنه يغسل ويصلى عليه؛ لعموم قوله- ﵇: "والسقط يصلَّى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة" أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح. وقال البندنيجي: قد قرأت القديم كله، فما رأيت هذا القول فيه، ولكن فيه وفي "الأم" معاً: أنه يغسل ويكفن، ولم يذكر الصلاة. ويؤيد قوله أن الماوردي قال: إن ابن أبي هريرة حكى هذا القول تخريجاً عن الشافعي من القديم. وعند الاختصار حاصل المسألة ثلاثة أقوال، أصحها: ثالثها، وهو ما ذكره الشيخ: يغسل ولا يصلى عليه، والفرق ما تقدم. وقد حكى الأقوال هكذا صاحب "التقريب" والشيخ أبو علي، لكن الشيخ أبا علي حكاها في الحالة التي يبدو عليه التخليق، ولا يظهر بعد الانفصال شيء من علامات الحياة، وصاحب "التقريب" حكاها فيما إذا بلغ مبلغاً يقدر نفخ الروح فيه ولم يظهر علم بعد الانفصال، وهو راجع إلى ما قاله العراقيون من المدة كما ستعرفه. قال الإمام: ويجوز أن يقال: الاختلاف بين الشيخ وصاحب "التقريب" في

стр. 2206

محض العبارة، فإنه إذا بدا التخليق قد دخل أوان توقُّع جريان الروح، وإن لم يبد بعد تخليقُ لم يدخل أوان توقُّع ذلك، وقد يظن ظانُّ أن أوائل التخليق قد تجري وبينه وبين جريان الروح زمان بعيد، فإن ظننا ذلك [افترق الطريقان] في التفصيل، وفيما ذكره صاحب "التقريب" فقه يليق بالباب. وبالجملة فالكل متفقون على أنه لابد من تكفينه، لكن إن قلنا: يصلى عليه، كان كفنه كغيره من الأموات، وإلا كان لفافة يسيرة، فدفنه واجب بكل حال. والسقط- بكسر السين وضمها وفتحها، ثلاث لغات مشهورات، والكسر أكثر-: من ولد قبل تمام مدته، قاله أبو حاتم. ويقال منه: أسقطت، وسقط جنينها، ولا يقال: وقع، وقيل: السقط: ما ولد ميتاً، والذي نفخ فيه الروح: من سقط بعد أربعة أشهر؛ لقوله- ﵇: "إنَّ أحدكم ليمكث في بطن أمِّه أربعين يوماً نطفةً، وأربعين يوماً علقةً، وأربعين يوماً مضغةً، ثمَّ يؤمر الملك فيكتب رزقه وأجله وأثره، وشقيُّ أو سعيدُ، ثمَّ ينفخ فيه الرُّوح". وكأن الأصحاب أخذوا تعقُّب نفخ الروح الأربعين الثالثة من سياق الحديث؛ فإنه يقتضي أن العلقة تتعقب النطفة بعد الأربعين، والمضغة تتعقب العلقة بعد الأربعين، وإلا فلفظة "ثم" لا تقتضي التعقيب، ثم قضية استدلالهم بهذا الخبر أن يعتبروا الأشهر بالعدد لا بالأهلة، وإن الشرع إنما اعتبر الأيام، وما ذكره صاحب "التقريب" أحسن مما ذكره الشيخ وغيره؛ لأن بعد انقضاء الأشهر الأربعة يدخل وقت نفخ الروح، وقد يتخلف عنه لأمر أراده الله تعالى، والله أعلم. والاستهلال: رفع الصوت. ثم اعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن من شرب اللبن أو نظر أو تحرَّك عضو من أعضائه حركة كثيرة تدل على الحياة، وغير ذلك مما يدل عليها ولم يستهل- أن هذا حكمه، وليس كذلك؛ بل حكمه حكم من استهل صارخاً

стр. 2207

فيغسل ويصلى عليه بلا خلاف؛ لقول المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطفل يصلَّى عليه"، ومن صلِّى عليه غسِّل، وقد ادعى ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك، وفيه نظر؛ لأنه نقل عن سعيد بن جبير أنه قال: لا يصلى على الصبي [الذي لم يبلغ. وحكى القاضي أبو الطيب عن بعض الناس أنه قال: إن كان الصبي] قد صلى، صلِّي عليه بعد موته، وإلا فلا يصلى عليه، واستدل على ذلك بأنه- ﵇ لم يصل على ولده إبراهيم حين مات، وكان له ثمانية عشر شهراً كما أخرجه أبو داود عن عائشة، وبأن الصلاة لطلب المغفرة، والصغير لا ذنب عليه. وإذا كان الخلاف فيمن هذا حاله ففيما نحن فيه أولى، وقد أجاب الأصحاب عن الخبر بأن الرواية الصحيحة رواية ابن أبي أوفى أنه- ﵇ صلى على ابنه إبراهيم، ثم إن صحت الأخرى فطريق الجمع: حمل الأمر على أنه- ﵇ لم يصلِّ عليه؛ لاشتغاله بصلاة الكسوف، وإنما أمر بالصلاة عليه. وكونه لا ذنب عليه لا يمنع الصلاة؛ بدليل أن الصحابة صلوا على النبي ﷺ ، وتجب على المجنون وإن كان لا ذنب عليه. نعم، لو اختلج السقط أو تحرك يسيراً فقد قال الإمام: لا نص فيه. ولكن من الأصحاب من ألحقه بالمستهلّ، وعلى ذلك جرى المتولي والعراقيون كما حكاه ابن الصباغ، ومنهم من ألحقه بمن نفخ فيه الروح ولم يستهل حتى تجري فيه الأقوال الثلاثة، وقال الفوراني: إنه يغسل قولاً واحداً، وفي الصلاة عليه قولان، والله أعلم، وهذه هي الطريقة التي ذكرها القفال في الكرة الثانية كما قال القاضي الحسين، والله أعلم. قال: وإن لم ينفخ فيه الروح أي: بأن وضع لأقل من أربعة أشهر، كما صرح به العراقيون والقاضي الحسين- كفن ودفن؛ وفاءً بحرمة الآدمي، وعبارة الشافعي

стр. 2208

في كفنه والخرقة التي تواريه: لفافة تكفنه. وما ذكره الشيخ هو الذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ والماوردي، وهو يفهم أمرين: أحدهما: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبه صرح ابن الصباغ وغيره ممن ذكرنا. وعن "البيان" حكاية قولين في غسله، وهما في "التتمة"؛ لأنه قال: كل سقط قلنا: لا يصلى عليه، ففي غسله قولان، وفي "الرافعي" حكاية الطريقين: أصحهما: لا؛ كما لا يصلى [عليه] فإن كل واحد منهما حكم من عرض له الموت، وعروض الموت يستدعي سبق الحياة. والثاني: فيه قولان، والفرق بين الغسل والصلاة قد سبق، وفي "تعليق" القاضي الحسين قبيل كتاب الزكاة طريقة ثالثة: أنه يغسل ولا يصلى عليه قولاً واحداً. الأمر الثاني: أن التكفين والدفن واجب، وهو ظاهر إذا قلنا بوجوب غسله؛ لأن الغسل دون التكفين والدفن؛ ولهذا وجبا في المسألة قبلها بلا خلاف، وإن اختلف في الغسل والصلاة. وقضية كلام الإمام: أن التكفين والدفن لا يجب في هذه الحالة وإنما هو مستحب؛ بناء على أن أوائل التخليق أوان نفخ الروح؛ فإنه قال: قد ذكرنا في الكتب أن المرأة إذا ألقت لحم ولد ولم يبد فيه التخطيط فهل يتعلق به أمية الولد [ولزوم الغرة وانقضاء العدة؟ فيه طرق ونصوص: فإن قلنا: يثبت بهذا حكم أمية الولد]، فكيف يكون حكمه فيما نحن فيه؟ فأما صاحب "التقريب" فيقطع بأن هذه الأحكام- أي: وهي الغسل والتكفين والصلاة والدفن؛ إذ لا تتوقع الحياة قطعاً- هي المعتبرة عنده. وأما الشيخ أبو علي فيلزمه أن يخرج ذلك على الطرق في إثبات أحكام الأولاد له. قال: وهذا إلزام، والذي قاله رعاية التخليق كما مضى، فأما من [لا يبدو] فيه التخليق وهو المضغة- كما قال آنفاً- فلا يثبت لها حكم استيلاد ووجوب عدة ولا غسل ولا تكفين ولا صلاة، ولا يجب الدفن، والأولى: أن يوارى.

стр. 2209

ثم قال الإمام: ويبعد عندي في كل طريق أن تثبت أمية الولد، ولا يوجب دفنه وكفنه في خرقة. وبعضهم فرق بين ما نحن فيه وأمية الولد: بأن أمية الولد تثبت بالإحبال، وقد تحقق، وما نحن فيه [أحكام] تابعة للموت ولم تثبت له حياة. أما إذا كان أوائل التخليق يتخلف عنه نفخ الروح بزمان بعيد- كما يقتضيه ظاهر الخبر لولا السياق- فيحتاج أن نفصل، ونقول: من لم ينفخ فيه الروح إن لم تبد فيه أوائل التخليق فالحكم كما سبق، وإن بدت كان في غسله والصلاة عليه الأقوال الثلاثة التي حكاها الشيخ أبو علي، ويكون التكفين والدفن واجباً قولاً واحداً، فتأمل ذلك، والله أعلم. قال: وإن اختلط من يلصى عليه بمن لا يصلى عليه، أي: كما إذا اختلط موتى المسلمين غير الشهداء بموتى الكفار [أو بالشهداء] الذين لا يصلى عليهم كما قال البندنيجي- صلى على كل واحد منهم، أي: منفرداً، وينوي أنه الذي يصلى عليه، أي: ينوي أنه يصلي عليه إن كان مسلماً؛ لأن الصلاة على المسلمين واجبة، وعلى الكفار حرام، وتحصيل الواجب يمكن تخصيصه بالنية فتعين، وعبارة الشيخ هي المعزية في "الذخائر" للشيخ أبي حامد، ولم يورد الماوردي غيرها، وبها صدر القاضي الحسين كلامه، وقال: إنه يقول: اللهم اغفر له إن كان مسلماً. ثم قال: وإن صلى عليهم، أي جميعاً، ونوى به المسلمين منهم- جاز؛ لأن النية تميزهم. وهذا الذي قاله أخيراً هو الذي أورده البندنيجي، وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب" وغيرهم، وعبارة القاضي أبي الطيب تحتمل الأمرين. ولا فرق في ذلك بين أن يكون من لا تجوز الصلاة عليه أقل ممن تجوز الصلاة عليه أو أكثر، خلافاً لأبي حنيفة في الأكثر. وقال الشافعي رداً عليه: إذا جاز أن نستثني واحداً مشركاً من مائة مسلم جاز أن نستثني أكثر المائة؛ لأن المقصود في الحالين الصلاة على المسلم دون المشرك.

стр. 2210

وهذا حكم الصلاة، وأما الكفن والغسل فقد قال الإمام: الذي أراه أنه يغسل جميعهم حتى يتأدى الغسل في المسلم منهم، وكذلك يكفنون من عند آخرهم. فرع: لو وجد ميت أو بعضه، ولم يعلم أنه مسلم أو كافر؛ فالحكم فيه كالحكم في اللقيط: إن وجد في دار الإسلام عومل معاملة المسلمين، وإن وجد في دار الشرك ولا مسلم فيها فكالكفار، وإن كان فيها مسلم فعلى الخلاف في الحكم بالإسلام، والله أعلم.
следующие страницы →