← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

محض العبارة، فإنه إذا بدا التخليق قد دخل أوان توقُّع جريان الروح، وإن لم يبد بعد تخليقُ لم يدخل أوان توقُّع ذلك، وقد يظن ظانُّ أن أوائل التخليق قد تجري وبينه وبين جريان الروح زمان بعيد، فإن ظننا ذلك [افترق الطريقان] في التفصيل، وفيما ذكره صاحب "التقريب" فقه يليق بالباب. وبالجملة فالكل متفقون على أنه لابد من تكفينه، لكن إن قلنا: يصلى عليه، كان كفنه كغيره من الأموات، وإلا كان لفافة يسيرة، فدفنه واجب بكل حال. والسقط- بكسر السين وضمها وفتحها، ثلاث لغات مشهورات، والكسر أكثر-: من ولد قبل تمام مدته، قاله أبو حاتم. ويقال منه: أسقطت، وسقط جنينها، ولا يقال: وقع، وقيل: السقط: ما ولد ميتاً، والذي نفخ فيه الروح: من سقط بعد أربعة أشهر؛ لقوله- ﵇: "إنَّ أحدكم ليمكث في بطن أمِّه أربعين يوماً نطفةً، وأربعين يوماً علقةً، وأربعين يوماً مضغةً، ثمَّ يؤمر الملك فيكتب رزقه وأجله وأثره، وشقيُّ أو سعيدُ، ثمَّ ينفخ فيه الرُّوح". وكأن الأصحاب أخذوا تعقُّب نفخ الروح الأربعين الثالثة من سياق الحديث؛ فإنه يقتضي أن العلقة تتعقب النطفة بعد الأربعين، والمضغة تتعقب العلقة بعد الأربعين، وإلا فلفظة "ثم" لا تقتضي التعقيب، ثم قضية استدلالهم بهذا الخبر أن يعتبروا الأشهر بالعدد لا بالأهلة، وإن الشرع إنما اعتبر الأيام، وما ذكره صاحب "التقريب" أحسن مما ذكره الشيخ وغيره؛ لأن بعد انقضاء الأشهر الأربعة يدخل وقت نفخ الروح، وقد يتخلف عنه لأمر أراده الله تعالى، والله أعلم. والاستهلال: رفع الصوت. ثم اعلم أن كلام الشيخ يقتضي أن من شرب اللبن أو نظر أو تحرَّك عضو من أعضائه حركة كثيرة تدل على الحياة، وغير ذلك مما يدل عليها ولم يستهل- أن هذا حكمه، وليس كذلك؛ بل حكمه حكم من استهل صارخاً

стр. 2207

فيغسل ويصلى عليه بلا خلاف؛ لقول المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الطفل يصلَّى عليه"، ومن صلِّى عليه غسِّل، وقد ادعى ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك، وفيه نظر؛ لأنه نقل عن سعيد بن جبير أنه قال: لا يصلى على الصبي [الذي لم يبلغ. وحكى القاضي أبو الطيب عن بعض الناس أنه قال: إن كان الصبي] قد صلى، صلِّي عليه بعد موته، وإلا فلا يصلى عليه، واستدل على ذلك بأنه- ﵇ لم يصل على ولده إبراهيم حين مات، وكان له ثمانية عشر شهراً كما أخرجه أبو داود عن عائشة، وبأن الصلاة لطلب المغفرة، والصغير لا ذنب عليه. وإذا كان الخلاف فيمن هذا حاله ففيما نحن فيه أولى، وقد أجاب الأصحاب عن الخبر بأن الرواية الصحيحة رواية ابن أبي أوفى أنه- ﵇ صلى على ابنه إبراهيم، ثم إن صحت الأخرى فطريق الجمع: حمل الأمر على أنه- ﵇ لم يصلِّ عليه؛ لاشتغاله بصلاة الكسوف، وإنما أمر بالصلاة عليه. وكونه لا ذنب عليه لا يمنع الصلاة؛ بدليل أن الصحابة صلوا على النبي ﷺ ، وتجب على المجنون وإن كان لا ذنب عليه. نعم، لو اختلج السقط أو تحرك يسيراً فقد قال الإمام: لا نص فيه. ولكن من الأصحاب من ألحقه بالمستهلّ، وعلى ذلك جرى المتولي والعراقيون كما حكاه ابن الصباغ، ومنهم من ألحقه بمن نفخ فيه الروح ولم يستهل حتى تجري فيه الأقوال الثلاثة، وقال الفوراني: إنه يغسل قولاً واحداً، وفي الصلاة عليه قولان، والله أعلم، وهذه هي الطريقة التي ذكرها القفال في الكرة الثانية كما قال القاضي الحسين، والله أعلم. قال: وإن لم ينفخ فيه الروح أي: بأن وضع لأقل من أربعة أشهر، كما صرح به العراقيون والقاضي الحسين- كفن ودفن؛ وفاءً بحرمة الآدمي، وعبارة الشافعي

стр. 2208

في كفنه والخرقة التي تواريه: لفافة تكفنه. وما ذكره الشيخ هو الذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ والماوردي، وهو يفهم أمرين: أحدهما: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبه صرح ابن الصباغ وغيره ممن ذكرنا. وعن "البيان" حكاية قولين في غسله، وهما في "التتمة"؛ لأنه قال: كل سقط قلنا: لا يصلى عليه، ففي غسله قولان، وفي "الرافعي" حكاية الطريقين: أصحهما: لا؛ كما لا يصلى [عليه] فإن كل واحد منهما حكم من عرض له الموت، وعروض الموت يستدعي سبق الحياة. والثاني: فيه قولان، والفرق بين الغسل والصلاة قد سبق، وفي "تعليق" القاضي الحسين قبيل كتاب الزكاة طريقة ثالثة: أنه يغسل ولا يصلى عليه قولاً واحداً. الأمر الثاني: أن التكفين والدفن واجب، وهو ظاهر إذا قلنا بوجوب غسله؛ لأن الغسل دون التكفين والدفن؛ ولهذا وجبا في المسألة قبلها بلا خلاف، وإن اختلف في الغسل والصلاة. وقضية كلام الإمام: أن التكفين والدفن لا يجب في هذه الحالة وإنما هو مستحب؛ بناء على أن أوائل التخليق أوان نفخ الروح؛ فإنه قال: قد ذكرنا في الكتب أن المرأة إذا ألقت لحم ولد ولم يبد فيه التخطيط فهل يتعلق به أمية الولد [ولزوم الغرة وانقضاء العدة؟ فيه طرق ونصوص: فإن قلنا: يثبت بهذا حكم أمية الولد]، فكيف يكون حكمه فيما نحن فيه؟ فأما صاحب "التقريب" فيقطع بأن هذه الأحكام- أي: وهي الغسل والتكفين والصلاة والدفن؛ إذ لا تتوقع الحياة قطعاً- هي المعتبرة عنده. وأما الشيخ أبو علي فيلزمه أن يخرج ذلك على الطرق في إثبات أحكام الأولاد له. قال: وهذا إلزام، والذي قاله رعاية التخليق كما مضى، فأما من [لا يبدو] فيه التخليق وهو المضغة- كما قال آنفاً- فلا يثبت لها حكم استيلاد ووجوب عدة ولا غسل ولا تكفين ولا صلاة، ولا يجب الدفن، والأولى: أن يوارى.

стр. 2209

ثم قال الإمام: ويبعد عندي في كل طريق أن تثبت أمية الولد، ولا يوجب دفنه وكفنه في خرقة. وبعضهم فرق بين ما نحن فيه وأمية الولد: بأن أمية الولد تثبت بالإحبال، وقد تحقق، وما نحن فيه [أحكام] تابعة للموت ولم تثبت له حياة. أما إذا كان أوائل التخليق يتخلف عنه نفخ الروح بزمان بعيد- كما يقتضيه ظاهر الخبر لولا السياق- فيحتاج أن نفصل، ونقول: من لم ينفخ فيه الروح إن لم تبد فيه أوائل التخليق فالحكم كما سبق، وإن بدت كان في غسله والصلاة عليه الأقوال الثلاثة التي حكاها الشيخ أبو علي، ويكون التكفين والدفن واجباً قولاً واحداً، فتأمل ذلك، والله أعلم. قال: وإن اختلط من يلصى عليه بمن لا يصلى عليه، أي: كما إذا اختلط موتى المسلمين غير الشهداء بموتى الكفار [أو بالشهداء] الذين لا يصلى عليهم كما قال البندنيجي- صلى على كل واحد منهم، أي: منفرداً، وينوي أنه الذي يصلى عليه، أي: ينوي أنه يصلي عليه إن كان مسلماً؛ لأن الصلاة على المسلمين واجبة، وعلى الكفار حرام، وتحصيل الواجب يمكن تخصيصه بالنية فتعين، وعبارة الشيخ هي المعزية في "الذخائر" للشيخ أبي حامد، ولم يورد الماوردي غيرها، وبها صدر القاضي الحسين كلامه، وقال: إنه يقول: اللهم اغفر له إن كان مسلماً. ثم قال: وإن صلى عليهم، أي جميعاً، ونوى به المسلمين منهم- جاز؛ لأن النية تميزهم. وهذا الذي قاله أخيراً هو الذي أورده البندنيجي، وابن الصباغ، والشيخ في "المهذب" وغيرهم، وعبارة القاضي أبي الطيب تحتمل الأمرين. ولا فرق في ذلك بين أن يكون من لا تجوز الصلاة عليه أقل ممن تجوز الصلاة عليه أو أكثر، خلافاً لأبي حنيفة في الأكثر. وقال الشافعي رداً عليه: إذا جاز أن نستثني واحداً مشركاً من مائة مسلم جاز أن نستثني أكثر المائة؛ لأن المقصود في الحالين الصلاة على المسلم دون المشرك.

стр. 2210

وهذا حكم الصلاة، وأما الكفن والغسل فقد قال الإمام: الذي أراه أنه يغسل جميعهم حتى يتأدى الغسل في المسلم منهم، وكذلك يكفنون من عند آخرهم. فرع: لو وجد ميت أو بعضه، ولم يعلم أنه مسلم أو كافر؛ فالحكم فيه كالحكم في اللقيط: إن وجد في دار الإسلام عومل معاملة المسلمين، وإن وجد في دار الشرك ولا مسلم فيها فكالكفار، وإن كان فيها مسلم فعلى الخلاف في الحكم بالإسلام، والله أعلم.

стр. 2211

باب حمل الجنازة والدفن قد قدمت في أول الكتاب تفسير "الجنازة" و"الجنازة" بما أغنى عن الإعادة. والدفن معروف. قال: والأفضل أن يجمع في حمل الجنازة بين التربيع والحمل بين العمودين؛ لأن فيه جمعاً بين الكيفيات الواردة في السنة؛ فإن ابن عباس قال: إذا اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع أو ليذر؛ فإنه من السنة. وروي أنه- ﵇ حمل جنازة سعد بن معاذ بن العمودين، وكذا فعله سعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان وأبو هريرة وابن الزبير في أموات حملوها. والتربيع: أن يحمل النعش أربعة: اثنان في المقدمة، واثنان في المؤخرة خارجين عن العمودين، ويستحب عند الإتيان [به] أن يأخذ أحدهم بالشق الأيسر من صدر النعش، وهو الذي يلي يمين الميت ويمين الحامل، ثم يأخذ الثاني بالطرف المقابل له من هذا الجانب، ثم يفعل ذلك بالشق الآخر: يبدأ بالمقدمة [منه] ويختم بالمؤخرة. والحمل بين العمودين: أن يدخل رجل بين طرفي مقدمة النعش ويضع الخشبة المعترضة على كاهله- وهو مقدم الظهر- ويترك العمودين على عاتقيه الأيمن والأيسر على المشهور.

стр. 2212

وقال في "التتمة": إنه يأخذهما بيديه. وأيما كان فقد قال الأصحاب: إنه لا يمكن مثل ذلك في [طرفي] مؤخرة النعش؛ لأن الحامل حينئذ يكون وجهه للميت فلا ينظر الطريق، ولو وضعه على رأسه لما كان حاملاً بين العمودين ولأدى [إلى ارتفاع] مؤخرة النعش وتنكيس الميت على رأسه؛ فلابد أن يكون في مؤخرة النعش اثنان يحملانه كما يحملانه في حالة التربيع، ولا يكون بينهما أحد، وحينئذ يكون حملته على هذه الهيئة ثلاثة نفر. ثم ما المراد بالجمع بينهما الذي هو الأفضل بزعم الشيخ وغيره؟ اختلف فيه كلام النقلة: فالذي قاله الماوردي: أن يحمله خمسة: أربعة في جوانب النعش، وواحد بين العمودين، لكنه لا يضع شيئاً من العمودين على عاتقه. والذي قاله البندنيجي: أن يحمله تارة على التربيع، وتارة بين العمودين كيف شاء، وهو ما حكاه الروياني عن بعض الأصحاب، وقال الجيلي: إنه المذكور في "الكافي". قال: فإن أراد أحدهما فالحمل بين العمودين أفضل؛ لفعل النبي ﷺ والصحابة [له]، وهو متصل السند بعيد عن التأويل، وهذه طريقة [الشيخ] أبي حامد، وعليها جرى الماوردي والبندنيجي. وقال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشيخ في "المهذب" والغزالي: إن الحمل بين العمودين أفضل مطلقاً؛ لما ذكرناه، فإن عجز [الذي في مقدم النعش حمل] معه اثنان فيكونون خمسة كما ذكرنا. ومن الأصحاب من قال: التربيع أفضل مطلقاً؛ لأنه أصون للميت، وهو ما عزاه الإمام لبعض التصانيف، وقال: إنه لا أصل له، ولم [أر له ذكراً] في "الإبانة". وقد حكى الإمام بعد ذلك في باب تكبيرة صلاة الجنازة عن الشيخ أبي علي: أنه يوضع على جنازة أو سرير، ويحمله أربعة، ولا يجوز أن ينقص حملته

стр. 2213

عن أربعة؛ فإنه لو جوز النقصان في ذلك لكان هذا أبهأ بالميت، ولساغ أن يحمل الميت رجل واحد، وهذا ترك لحرمته وغض من قدره، فإذا كان لابد من أربعة تعين التربيع للاستحباب، لكن قول أبي عليِّ ضعفه الإمام، وفي بعض الشروح أن صاحب "التلخيص" قال: إن الحمل بين العمودين والحمل بين التربيع سواء، وفي "النهاية" حكايته احتمالاً عن صاحب "التقريب". وقد سلك بعض من أراد الجمع بين كلام الشيخ هنا، وفي "المهذب" مسلكاً في الجمع، فقال: ما ذكره في "المهذب" محمول على ما إذا لم يحتج إلى أكثر من ثلاثة؛ لقوة المتوسط أمام النعش، وما قاله هنا على ما إذا احتاج إلى خمسة؛ لضعف المتوسط أمام النعش. ثم استحباب الحمل في النعش بين العمودين وغيره إنما هو عند الأمن من تغير الميت، فإن خشي تغيره إن انتظر ما يحمله عليه فلا بأس بحمله على الأيدي والرقاب، ولا يجوز حمله على حالة تؤدي إلى الإزراء به [والاستهانة به]، ولا على هيئة قبيحة مزرية، وينبغي أن يكون بحيث لا يخاف على الميت الميل والسقوط. وما ذكرناه عن الشيخ أبي علي من منع الاقتصار على واحد مفروض في الكبير، أما الصبي لو حمله واحد جاز، ولا إزراء فيه، وفي حمل رجلين أيدين بجنازة كبير- احتمال ظاهر، ولو احتيج إلى الزيادة على ما ذكرناه جاز فعله. ويوضع عمود في وسط الجنازة، ويحمله اثنان، وهكذا. [و] تجعل الأعمدة متعارضة تحت الجنازة، وكذا حمل عبيد الله بن عمر؛ لأنه كان مبدناً ثقيلاً. ويختار للنساء إصلاح النعش كالقبة على السرير؛ لما فيه من الصيانة، وكذا [فعلته أسماء] بنت عميس لزينب بنت جحش زوج النبي ﷺ لأنها رأت النعش كذلك في الحبشة، فلما رآه عمر قال: نعم خباء الظعينة، وقيل: إن

стр. 2214

فاطمة فعل لها ذلك، وأيَّما كان فهو دليل الاستحباب. واعلم أن الشافعي قال: وليس في حمل الجنازة دناءةُ ولا إسقاط مروءة، بل ذلك مكرمة وثواب وبر وفعل أهل الخير، وقد فعله رسول الله ﷺ ثم الصحابة ثم التابعون. ومن أراد التبرك بحمل الجنازة من جوانبها الأربع بدأ بالعمود الأيسر من مقدمها يحمله على عاتقه الأيمن، ثم يسلمه إلى غيره فيحمله على عاتقه، ويأخذ العمود الأيسر من مؤخرها فيحمله على عاتقه الأيمن أيضاً، ثم يتقدم فيعرض بين يديها؛ كي لا يكون ماشياً خلفها، فليأخذ العمود الأيمن من مقدمها ويحمله على عاتقه الأيسر، ثم يأخذ العمود الأيمن من مؤخرها ويحمله على عاتقه الأيسر أيضاً، كذا حكاه البندنيجي عن نصه في "الأم" والقديم معاً. قال الرافعي: ولا شك أن هذا إنما يتأتى والجنازة محمولة على هيئة التربيع، فلو أراد أن يدور على جميع الجوانب مع الحمل بين العمودين حمل المقدمة على كاهله ساعة، ثم يتأخر فيحمل مؤخرة الياسرة على منكبه الأيمن، ثم يدور من قدام الجنازة إلى الجانب الآخر فيحمل مؤخرة اليامنة على منكبه الأيسر، قاله في "التتمة". قال: ويستحب أن يسرع بالجنازة؛ لرواية أبي داود عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحةً فخير تقدِّمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. والإسراع المطلوب يحصل بالزيادة على سجية المشي؛ بحيث لا يشق على

стр. 2215

[ضعيف يتبعها] لرواية أبي داود عن ابن مسعود قال: سألنا نبينا ﷺ عن المشي مع الجنازة، فقال: "ما دون الخبب". نعم، لو كان الميت يخاف تغيره أسرعوا ما قدروا عليه، ولو خيف انفجاره ترفق به، نص عليه ولا يزلزل الميت في حال الحمل. قال: وأن يكون الناس أمامها: أي: ويستحب أن يكون الناس أمامها، أي: مشاة؛ لما روى ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" [رواه

стр. 2216

أبو داود، والترمذي] وقال: أهل الحديث كانهم يرون الحديث المرسل في ذلك أصح. وقال البيهقي: ومن وصله واستقر على وصله ولم يختلف عليه فيه- وهو سفيفان ابن عيينة-: حجة ثقة. وكأن المرسل المشار إليه هو الذي ذكره الماوردي لا غير عن سالم عن أبيه: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يمشون أمام الجنازة. ولفظة "كان" عبارة عن دوام الفعل والمقام عليه، والنبي ﷺ يفعل الجائز مرة ولا يداوم [إلا] على الأفضل، ولأنهم شفعاء وحق الشفيع التقدم. قال الماوردي: ولأن حاملها أفضل من الماشي معها: لأن له أجرين، وللماشي مع الجنازة أجر، [وأفضل حملتها المتقدم؛ فكذلك] أفضل المشاة. قال الإمام: واستحباب التقدم للراكب كهو للماشي، إلا أن المشي أفضل؛ فإنه ما ركب رسول الله ﷺ في عيد ولا جنازة. وقال الماوردي: لو ركب المشيِّع للجنازة فيها كره له ذلك؛ لمخالفة السنة، وقد روى الترمذي عن ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة، فرأى ناساً ركاباً فقال: "ألا تستحيون أنَّ الملائكة على أقدامهم وأنتم على ظهور الَّدوابَّ".

стр. 2217

نعم، لو عجز المشيع عن المشي أو كان الموضع بعيداً لم يكره الركوب، قاله الماوردي أيضاً، وفي هذه الحالة يكون الراكب أمامها، وقد حكى أبو سليمان الخطابي اختلاف العلماء في استحباب تقدم الماشي عليها وتأخره، ثم قال: [و] أما الراكب فلا أعلمهم اختلفوا في أن يكون خلف الجنازة. ولا يكره الركوب في العود بحال، لما روى مسلم عن جابر بن سمرة قال: صلى النبي ﷺ على ابن الدحداح ونحن شهود، ثم أتي بفرس، فعقل حتى ركبه، فجعل يتوقص به ونحن نسعى حوله. وروى أبو داود عن ثوبان أن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: "إنَّ الملائكة كانت تمشي؛ فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلم ذهبوا ركبت". قال: بقربها؛ لأنه إذا بعد انقطع فلا يكون مشيِّعاً، ولأنه إذا قرب نظر إليها

стр. 2218

ملتفتاً فاعتبر. وحدُّ القرب: أن يكون بحيث إذا التفت وقع البصر عليها، فإن بعد عن ذلك لم يجز إجزاء التشييع، وإذا سبق الجنازة إلى المقبرة لم يكره، وهو بالخيار إن شاء قام حتى توضع، وإن شاء جلس. وفي "التتمة" أن المستحب لمن مر عليه الجنازة أن يقوم لها، وإذا كان معها فلا يقعد حتى توضع الجنازة؛ لما سنذكره من الخبر، إلا أنه لا يكره ترك القيام، ولا الجلوس قبل وضعها، وفي "الجيلي" أن بعض أصحابنا قال: يكره الجلوس، وقد يستدل له بأنه- ﵇ قال: "إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع" أخرجه البخاري ومسلم. وقال أبو داود: روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه: "حتى توضع بالأرض" ورواه أبو معاوية عن سهيل قال: "حتى توضع في اللحد"، وسفيان أحفظ من أبي معاوية، والمشهور الذي جزم بنقله الجمهور: الأول، والقيام منسوخ؛ فإن أبا داود روى عن علي: "أن النبي ﷺ قام في الجنازة، ثم قعد بعد". وأخرجه مسلم بنحوه.

стр. 2219

وعن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمر حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل؛ فجلس النبي ﷺ وقال: "اجلسوا، خالفوهم" أخرجه أبو داود، وكذا الترمذي، وقال: إنه غريب. وهذا التشييع مختص بالرجال، أما النساء فلا يستحب لهن؛ لأن البخاري ومسلماً رويا عن أم عطية- ﵂ قالت: "نهينا عن تتبع الجنازة، ولم يعزم علينا". قال في "الروضة": وقد قيل: إنه حرام عليهن، والصحيح أنه مكروه إذا لم يتضمن حراماً.

стр. 2220

ولا يكره للمسلم اتباع جنازة قريبة الكافر؛ لقوله- ﵇ لعليِّ وقد مات أبوه: "اذهب فواره". قال: ثم يدفن، وهو- أي: الدفن- فرض على الكفاية بالإجماع، والأصل فيه قبل ذلك من الكتاب العزيز قوله- تعالى-: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] والقصة معروفة، وقوله – تعالى-:

стр. 2221

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ [المرسلات] وهو من "كفت": إذا جمع، أي: جامعة للأحياء بالمساكن، والأموات بالقبور. وحكمته: أنه لو ترك لانهتكت حرمته بظهور تغير جثته وانتشار رائحته، وتأذي الناس بها، وتعرض لأن تأكله السباع، وإذا كان ذلك هو الذي شرع الدفن لأجله فهم منه أن الواجب منه ما يمنع ذلك، كما صرح به الأصحاب، وأما أكمله فقد ذكره الشيخ من بعد. وهل أقارب الميت وغيرهم في الفرضية سواء أم لا؟ فيه ما تقدم في باب الغسل. ثم هذا الذي ذكره الشيخ إذا كان الدفن ممكناً، فإن لم يكن [ممكناً] مثل أن مات في سفينة في البحر، ولم يقدر على دفنه، إما لخوف في البر أو لبعده- فقد قال الشافعي في "الأم": جعل بين لوحين، وربطا عليه؛ ليلفظه البحر إلى الساحل، فربما وقع إلى قوم فيدفنونه خير له من أن تأكله الحيتان، فإن رموه إلى البحر لم يأثموا، إن شاء الله. وقال المزني: إنما قال ذلك إذا كان حول البحر مسلمون، فإن كان أهل الجزائر كفاراً: ثقِّل وألقي في البحر حتى يتحصل في قراره؛ كي لا يقع لهم فيدفنوه إلى غير القبلة. وما قاله المزني هو المذكور في "المهذب" والرافعي، وقال ابن الصباغ: إن المزني نقله كذلك في "الجامع الكبير". وقال الشيخ أبو حامد: هذا لا معنى له؛ لأن البحر لا يخلو أن يتصل جانبه ببلاد المسلمين، وإن لم يتصل جميعه، فربما وقع للمسلمين فدفنوه، وهو إذا ثقل يكون إلى غير القبلة اتصالاً [إذ] لا يستقر في البحر إلى جهة، وهذا ما اختاره في "المرشد"، وجرى عليه الماوردي والبندنيجي، [وأبو الطيب وقال: الذي ذكره المزني في "جامعه" ما ذكره الشافعي في "الأم"، لا غيره، والله أعلم]. وقد أفهم قول الشيخ: "ثم يدفن" بعد قوله: "ويستحب أن يسرع بالجنازة، وأن

стр. 2222

يكون الناس أمامها بقربها"-: أن ذلك مختص بما بعد الصلاة، والذي يظهر أنه لا فرق فيه بين ما قبل الصلاة وبعدها، وهو الذي يفهم من كلام الأصحاب، وبه صرح أبو الطيب، [و] كأن مراد الشيخ- والله أعلم- بيان أن المشي أمام الجنازة لا يقطع الصلاة وإن كانت الشفاعة بها تحصل، بل تستدام إلى الدفن، ليكون [حائزاً لأجر ذلك]؛ قال- ﵇: "من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً، فكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ منها- رجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد"، وفي رواية: "أصغرهما مثل أحد"- ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" رواه البخاري ومسلم. وفيه دلاله على أنه متى نُصِب عليه اللبن ولم يهل التراب بعد أو لم يستكمل: أن القيراطين لا يحصلان، وقد حكى الإمام تردد بعض الأصحاب في حيازتهما في هذه الحالة، ثم قال: والوجه أن يقال: إذا ووري حصلت الحيازة. وقد حكى الماوردي ما أبداه الإمام وجهاً للأصحاب ثم قال: إنها لا تحصل إلا إذا فرغ من قبره، وبالجملة فالناس في الانصراف عن الجنازة أربعة أصناف: من ينصرف عقيب الصلاة [فله من الأجر قيراط، وقد كان ابن عمر ينصرف عقيب الصلاة]، فلما بلغه تمام الخبر قال: "قد فرطنا في قراريط كثيرة". ومن ينصرف بعد أن توضع في القبر وقبل إهالة التراب، فقد حصل له قيراط، وهل يحصل له الثاني؟ فيه ما تقدم. ومن ينصرف بعد الفراغ من الدفن ولا يدعو، ولا خلاف في حيازته القيراطين.

стр. 2223

ومن ينصرف بعد أن يقف ويدعو للميت بالتثبيت، ويستغفر له بعد فراغ الدفن، وهو أكمل الأحوال؛ لما ستعرفه. واعلم أن الشيخ استغنى بقوله: "ثم يدفن، وهو فرض على الكفاية" [عن أن يقول في الحمل إذا احتيج إليه: إنه فرض على الكفاية]؛ لأن الدفن لا يتصور- حينئذ- إلا به، أما إذا لم يحتج إليه: بأن أريد دفنه في الموضع الذي كفن فيه وصلي عليه، فقد سقط الحمل بالكلية. قال: والأولى أن يتولى ذلك- أي: الدفن- من يتولى غسله؛ أي: من الرجال، رجلاً كان الميت أو امرأة؛ لأنه يكون أرفق به، وقد يطلع غاسله على شيء يكره فلا ينبغي أن يراه غيره. أما النساء فلا يباشرن الدفن عند وجود الرجال وإن كان الميت امرأة: لأنه يحتاج إلى قوة وبطش يضعف عنه النساء، وهو لا يمكن إلا بتكشف من المباشر، وهن مأمورات بالستر، وهذا ما أورده الجمهور، وعليه نص الشافعي في "المختصر" حيث قال: لا يدخل الميت في قبره إلا الرجال ما كانوا موجودين، ويدخله منهم أفقههم وأقربهم رحماً، ويدخل المرأة زوجها وأقربهم بها رحماً، وعن صاحب "العدة" تقديم نساء القرابة على الرجال الأجانب في دفنها. وقال البندنيجي: إن الشافعي قال في "الأم": أستحب أن يكون الذي يحملها من المغتسل إلى الجنازة، ومن الجنازة إلى من في القبر: النساء. فأما إدخالها القبر: فإن كان لها زوج كان أولى من كل أحد، فإن لم يكن لها زوج تولاه من عصباتها المحارم على الترتيب في الغسل، فإن لم يكن لها محارم تولاه من له ذات رحم محرم كالخال وأبي الأم والعم للأم، فإن لم يكن قال في "المهذب" و"الوسيط" وغيرهما: تولاه عبيدها، وهم أولى من بني العم؛ لأنهم كالمحارم في جواز النظر ونحوه على الصحيح، قال الرافعي: فإن ألحقناهم بالأجانب فلا يتوجه تقديمهم. وأبدى الإمام- مع القول بجواز النظر ونحوه- الاحتمال من جهة أخرى، وهي أن ملكها ينقطع بالموت، وشبهه بالتردد السابق في غسل الأمة

стр. 2224

مولاها، وذلك ظاهر، فإن لم يكن لها عبيد فالخصيان أولى؛ لضعف شهوتهم. قال الإمام: وفيهم احتمال بين سنذكره في أحكام النظر، فإن لم يكونوا؛ فذوو الأرحام الذين لا محرمية لهم، فإن لم يكونوا فأهل الصلاح من الأجانب. وقال صاحب "الفروع": إذا [فقدنا ذوي] الأرحام الذين لا محرمية لهم يرسل حسل، فإن تعذر جاز للأجانب وضعها، قال الإمام: ولا أرى تقديم ذوي الأرحام محتوماً بخلاف تقديم المحارم؛ لأن ذوي الأرحام الذين لا محرمية لهم كالأجانب في وجوب الستر عنهم في الحياة، وإذا صارت في القبر- قال البندنيجي: فإن كانت أكفانها مشدودة تولى حلها النساء، وعزى صاحب "البيان" ذلك إلى الصيدلاني، وكذا ما حكيناه عن رواية البندنيجي [عن "الأم" في حملها من المغتسل إلى الجنازة، وقال: إنه لم يره لغيره. واعلم أن الشيخ في "المهذب"، والبندنيجي] وغيرهما قالوا في ترتيب مباشري الدفن ضابطاً غير ما [ذكره الشيخ]، وهو أن الأولى أن يتولاه الرجال، وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه: فإن كانت امرأة فزوجها أحق بدفنها؛ لأنه أحق بغسلها، فإن لم يكن لها زوج؛ فالعصبات والمماليك والخصيان وغيرهم على ما ذكرناه من قبل. وهذه العبارة تقتضي أنا إذا قلنا: الوالي مقدم في الصلاة- يكون مقدماً في الدفن، ولا خلاف أنه لا يقدم فيه، وتقتضي أن الأسن يقدم في الدفن على الصحيح؛ لأن الصحيح والمنصوص أنه مقدم على الأفقه في الصلاة، ونص الشافعي يقتضي تقديم الأفقه في الدفن، وبه صرح الأصحاب، وعبارة الشيخ هنا لا يرد عليها ذلك؛ لأن الوالي لا يقدم في الغسل، وكذا الأسن لا يقدم فيه، بل المقدم فيه الأفقه، بل يرد عليها أنها تقتضي تقديم النساء في الدفن حيث يقدمن في الغسل، وهن لا يقدمن فيه، وحينئذ لم تسلم عبارة منهما عن شيء وهو إطلاق العام وإرادة الخاص، وهو جائز في الكتاب العزيز، ولكن تترجح

стр. 2225

عبارته هنا؛ لأن القصد ستر الميت في الغسل والدفن؛ فحسن تشبيه أحدهما بالآخر، والله أعلم. ثم المراد بالأفقه الذي قدمه الشافعي هنا: الأعلم بإدخاله القبر كما قال الماوردي، قال: وليس يريد: أعلمهم بأحكام الشرع، وتقديمه الزوج على المحارم بناء على أنه يقدم في الغسل عليهم ومن قدمهم عليه من أصحابنا في الغسل قدمهم عليه في الدفن أيضاً. قال: وأن يكون عددهم وتراً، [أي: والأولى أن يكون عددهم وتراً] لما روي أن النبي ﷺ أدخله قبره ثلاثة: العباس، وعلي واختلف في الثالث فقيل: إنه الفضل، وقيل: إنه أسامة، قال القاضي أبو الطيب: وهو الصحيح. [وكلام الشيخ يفهم استحباب الثلاثة؛ لأنه أقل العدد الوتر؛ فإن الواحد أول العدد وليس بعدد عند الحساب، والسنة تشهد لاستحباب ذلك، وبه صرح البندنيجي وغيره]، ثم الاقتصار على الثلاثة يكون إذا حصل بهم الكفاية، فإن احتيج إلى زيادة جعلوا وتراً؛ [لقوله ﵇: "إن الله وتر يحب الوتر"]، وقد قيل: إنه –﵇ أدخله قبره خمسة: من ذكرنا، وعبد الرحمن بن عوف، وشقران مولى رسول الله ﷺ ، قاله في "الحاوي"، ويكفي في الصبي

стр. 2226

واحد؛ لأنه- ﵇ أدخل ولده إبراهيم في القبر وحده. قال: وأن يكون بالنهار، أي: والأولى أن يكون بالنهار؛ لأنه أيسر لاجتماع الناس وللخروج من الخلاف؛ فإن الحسن قال: إن الدفن ليلاً مكروه. ولا كراهية فيه عندنا؛ لأنه- ﵇ وأبا بكر، وعمر، وعثمان، وفاطمة، وعائشة دفنوا ليلاً، وقال- ﵇ في المسكينة، وقد دفنت ليلاً: "هلاَّ آذنتموني"، نعم يكره أن يتوخَّى دفنه في الأوقات المكروهة؛ لقول عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات، كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين تقوم قائمة الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب"، أو كما قال، أخرجه أبو داود ومسلم، فإن

стр. 2227

الأصحاب حملوا الحديث على ذلك، وتضيف: تميل وتجنح للغروب، يقال: ضاف، يضيف: بمعنى: "مال"، ومنه اشتق: الضيف. فرع: أهل الذمة لا يمكنون من إخراج جنائزهم نهاراً، ويجب على الإمام أن يمنعهم من ذلك، حكاه الجيلي عن "الأحكام السلطانية". قال: ويعمق القبر قدر قامة وبسطة" أي: والأولى أن يعمق القبر قدر قامة وبسطة، أي: لرجل معتدل، وبعضهم يقول: لرجل ربع، ووجهه: أن عمر- ﵁ أوصى بذلك، ولم ينكره أحد؛ فإن فيه مبالغة في تحصيل المقصود من الدفن. والتعميق: بالعين المهملة، والقامة: معروفة، والبسطة: أن يرفع الرجل يديه وهو قائم. وقدر المتولي وغيره مجموع ذلك بأربعة أذرع إلى أربعة ونصف. وجزم البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما بأنها أربعة أذرع ونصف، وعن المحاملي أنها ثلاثة أذرع ونصف، وفيما علق عن الشيخ أبي محمد أن السنة من التعميق بقدر قامة وهو ثلاثة أذرع، وهذا وإن خالف المحاملي في اعتبار البسطة فهو مقتض موافقته على أن القامة والبسطة ثلاثة أذرع ونصف؛ إذ البسطة بعد

стр. 2228

القامة بالتفسير الذي ذكرناه لا تزيد على نصف ذراع، وهذا الوجه لم يورد الغزالي غيره؛ لأنه قال في "الوسيط": إن أكمله قامة رجل ربع. ولفظ الإمام: وقد قيل: الأولى أن يكون عمق القبر بمقدار بسطة، وهي قامة رجل ربع وسط. ولم يحك غير ذلك، وإذا جمع ما قيل في ذلك كان ثلاثة أوجه أو أربعة، والصحيح- وقال في "الروضة": إنه الصواب-: الأول. وإذا عرفت أن المستحب من التعميق قدر ما ذكرناه عرفت أن الزيادة عليه والنقص عنه بعد الواجب غير مأثور. قال: ويدفن في اللحد، أي: والأولى أن يدفن في اللحد؛ لقوله- ﵇ "اللحد لنا والشَّقُّ لغيرنا" أخرجه أبو داود، والترمذي وقال: إنه غريب. وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: "الحدوا لي لحداً، وانصبوا عليَّ اللَّبِن نصباً كما صنع برسول الله ﷺ " أخرجه مسلم. قيل: والسبب في لحد النبي ﷺ أن عادة أهل مكة كانت الضريح، وكان يتولى ذلك لهم أبو عبيدة بن الجراح، وكان عادة أهل المدينة: اللحد، وكان يتولى ذلك لهم أبو طلحة الأصناري، فلما مات رسول الله ﷺ قال قوم: اجعلوا له ضريحاً، وقال آخرون: لحداً، فأنفذ العباس رسولاً إلى أبي عبيدة ورسولاً إلى أبي طلحة، وقال: اللهم خر لنبيك. فسبق الرسول إلى أبي طلحة، [فجاء به]، فألحده ﷺ -

стр. 2229

واللحد: بضم اللام وفتحها، يقال لحدت، وألحدت: لغة قليلة، وهو حفرة تحفر في أرض القبر بعد أن يبلغ الحد الذي يريده في جانبه القبلي تحت جدار القبر، ويكون أسفل من أرض القبر قليلاً، ويستحب أن يوسع من قبل رأسه ورجليه؛ لأنه – ﵇ أمر الحافر بذلك في قتلى أحد، وأصل اللحد من الميل، فكأن ما يميل عن الاستواء لحد، ومنه: الإلحاد في الحرم، وفي دين الله تعالى. قال: إلا أن تكون الأرض رخوة، أي: لا تحتمل اللحد بل تنهار إن حفره- ورخوة: بكسر الراء وفتحها- فتشق ويدفن في شقها، أي: لتعذر اللحد، وشقها: بفتح الشين، وصورته: أن يحفر قعر القبر كالنهر. وقال البندنيجي وغيره: صورة ذلك: أن يبنى من جانبي أرض القبر بلبن أو حجر أو خشب، ويترك وسط القبر كالحوض على صورة التابوت، [ويرفع ما يبنيه] حتى إذا سقف فوق الميت لا يباشر السقف الميت، فإذا جعل الميت فيه سقف عليه، وحكى الرافعي الصورتين. قال الشافعي: ورأيتهم عندنا يضعون على السقف الإذخر، ثم يضعون التراب عليه. ويكره الدفن في التابوت كما قال أبو الطيب، ولفظ الشافعي في "الأم": ولست أحب أن يجعل الميت في الصندوق. وعنى التابوت. وقال: بلغني أنه قيل لسعد بن أبي وقاص: نتخذ لك شيئاً كالصندوق؟ فقال: بل اصنعوا بي كما صنع برسول الله ﷺ انصبوا عليّ اللبن، وأهيلوا عليّ التراب. وعبارة البندنيجي:

стр. 2230

والمستحب: ترك التابوت؛ لأن النبي ﷺ والصحابة ما دفنوا في التوابيت. وقال الرافعي تبعاً لـ"التهذيب" والقاضي الحسين: إنه يكره ذلك إلا أن تكون الأرض رخوة أو ندية، ولو أوصى بذلك فلا تنفذ وصيته إلا في هذا الموضع، ويكون من رأس المال، وهو ما حكاه الرافعي. قال: ويسل الميت من قبل رأسه إلى القبر؛ لرواية الشافعي عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ سلَّ من قبل رأسه. وروى أبو داود عن أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد، فصلى عليه، ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر، وقال: وإن هذا من السنة. وكيفية ذلك: أن يوضع رأس الميت وهو في التابوت عند الموضع الذي يكون فيه رجلاه في القبر، ثم يسلُّ من قبل رأسه سلاًّ، وينزل إلى القبر على رأسه، ويستحب أن يدنى في اللحد من مقدمه؛ كي لا ينكب على وجهه. قال: ويسجَّى بثوب عند إدخاله القبر؛ لأنه- ﵇ كذا فعل بسعد ابن معاذ حين دفن، أخرجه عبد الرزاق.

стр. 2231

والمعنى فيه ستره عن أعين الحاضرين عند حل أكفانه، ويكون الذي يدخله القبر تحت الثوب كما قال المتولي. وستر المرأة أشد استحباباً؛ ولذلك ذكر الشافعي سترها في "المختصر" ولم يتعرض لستر الرجل، لكن الأصحاب صرحوا به عن أبي الفضل بن عبدان من أصحابنا، فإنه اختار استحباب ذلك في المرأة دون الرجل كمذهب أبي حنيفة، ولعله أخذه مما ذكرناه. قال: ويقول الذي يدخله [القبر]: باسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ؛ لرواية أبي داود عن ابن عمر: أنه ﷺ كان إذا أدخل الميت القبر- أو قال: إذا وضع الميت في لحده- قال مرة: "باسم الله، وعلى ملَّة رسول الله"، وقال

стр. 2232

مرة: "باسم الله، وبالله، وعلى ملَّة رسول الله"، والملة: الدين والشريعة. قال البندنيجي: قال الشافعي: ويدعو بما يليق بالحال، ولا وقت لها، غير أنا نحب أن يقول: أسلمه إليك الأشحَّاء من ولده وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب، وإن عفوت [عنه] فأهل العفو أنت، أنت غني عذاب القبر، واجمع له برحمتك الأمن من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين. وقال في "المختصر": إنه يقول: باسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ اللهم أسلمه إليك الأشحاء .. وساق ما تقدم. وقال الماوردي: إنه إنما اختار هذا الدعاء؛ لأنه مروي عن السلف ولائق بالحال.

стр. 2233

قال: ويوضع على جنبه الأيمن، أي: مستقبل القبلة؛ لما ستعرفه من كلامه، ووجهه ما قاله الرافعي: إنه كذلك فعل برسول الله ﷺ ، وكذلك كان يفعله، وليكن ذلك بحيث لاينكب ولا يستلقي، وذلك بأن يدنى من جدار اللحد فيسند إليه وجهه ورجلاه، ويجعل في باقي بدنه التجافي؛ فتكون هيئته قريبة [من هيئة] الراكعين ويسند ظهره إلى لبنةٍ أو لبنتين في موضعين أو أكثر ونحو ذلك. ولو وضع على جنبه الأيسر مستقبل القبلة فقضية كلام الإمام أنه لا يجوز؛ لأنه قال: ثم يكون الميت في قبره على جنبه الأيمن في قبالة القبلة، وذلك حتمُ، وقال في "التتمة": إنه يكره. وهذا حكم الميت المسلم المنفصل عن أمه، أما الجنين المسلم في بطن الذمية إذا مات بموتها فسنذكره. قال: ويوضع تحت رأسه لبنة؛ لرفع رأسه كما يفعل الحي إذا نام، ويقوم التراب المستعلي مقامها. قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما من العراقيين: ويكره أن يجعل تحت رأسه مخدة أو تحته مضرَّبة؛ لأنه لم ينقل ذلك عن أحد من السلف، وقد نسب ابن الصباغ ذلك إلى النص، وعبارة الإمام في "النهاية": لا ينبغي أن يوضع على مخدة، أو مضربة، وعبارة القاضي الحسين: إنه لا تستحب المضربة والوسادة. وقال في "التهذيب": لا بأس به؛ إذ روى ابن عباس: "أنه جعل في قبر النبي ﷺ -

стр. 2234

قطيفة حمراء"، أخرجه مسلم. قال: ويفضي بخده إلى الأرض؛ لأنه روي أنه- ﵇ قال: "إذا أنزلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض" قاله ابن الحداد، وفي "الشامل": أن عمر- ﵁ هو القائل بذلك. قال الإمام: ولو أفضى بوجهه إلى اللبنة التي تحت رأسه كان حسناً؛ لأنه يكون على صورة مستكين لربه. قال: وينصب عليه- أي: على اللحد أو الشق- اللبن نصباً؛ لقول سعد بن أبي وقاص في الخبر الذي ذكرناه عن رواية مسلم: "وانصبوا عليَّ اللَّبن نصباً كما صنع برسول الله ﷺ ". قال الشافعي في "الأم": ويتبع فرج اللبن بكسار اللبن والطين، أي: ليمنع انهيار التراب. قال: ويحثي عليه التراب باليد ثلاث حثيات؛ لرواية جعفر بن محمد بن علي عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أهال على قبر ميت بكفَّيه ثلاثاً. قال الماوردي وأبو الطيب والبندنيجي: والإهالة: أن يطرح من على شفير القبر التراب بيديه جميعاً، والحكمة فيه: ألا يفسد ما نصب من اللبن لو أهيل عليه

стр. 2235

التراب ابتداءً بالمساحي. ويستحب لكل من حضر الدفن أن يحثو عليه بيديه التراب؛ لأنه روي: أن [المؤمن] إذا مات وغفر له غفر لمن غسله وكفنه وصلى عليه ودفنه، وحثوا عليه التراب من الدفن. ويقرأ في المرة الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، وفي الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. قال: ثم يهال عليه التراب بالمساحي؛ لخبر سعد، ولأنه أسرع في تكميله. قال الشافعي: ولا أحب أن يزيد في القبر أكثر من ترابه كي لا يرتفع جداً. وقال في "الأم": فإن زادوا على ذلك فلا بأس. وأراد به لا كراهية فيه، ومع ذلك قال الشيخ وغيره: ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر؛ لما روى أبو داود عن القاسم- وهو

стр. 2236

ابن محمد بن أبي بكر الصديق- قال: دخلت على عائشة- ﵂ فقلت: يا أمَّه، اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. قال أبو علي: يقال: رسول الله ﷺ مقدم، وأبو بكر عند رأسه، وعمر عند رجليه، رأسه عند رجلي النبي ﷺ . وقال أبو داود في "المراسيل": عن صالح بن أبي صالح: رأيت قبر رسول الله ﷺ شبراً أو نحواً من شبر، يعني في الارتفاع، والمعنى في الرفع: أن يعلم أنه قبر فيتجنب من الحدث عليه وغيره، وليترحم على الميت من رآه، وهذا إذا كان الدفن في دار الإسلام، فلو دفن في دار الحرب أخفي بحيث لا يظهر لأحد؛ مخافة أن يتعرض له الكفار بعد خروجهم من دار الحرب، وقد تضمن الخبر أن [رأس أبي بكر بين كتفي رسول الله ﷺ ، ورأس عمر عند رجليه]. وقال البندنيجي: إنه روى أن رأس أبي بكر بين كتفي النبي ﷺ ، ورأس عمر بين كتفي أبي بكر؛ ليكون كل واحد دون رتبة صاحبه. فإن قيل: قد روى أبو داود عن أبي هياج الأسدي، قال: بعثني عليُّ فقال: "أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ألا أدع قبراً مشرفاً إلا سوَّيته، ولا تمثالاً إلا طمسته" وأخرجه مسلم، وهذا صريح في عدم الرفع. قال أصحابنا: لم يرد به التسوية مع الأرض، وإنما أراد أن يسطحه؛ جمعاً بين الحديث وفعل الصحابة.

стр. 2237

قال: وتسطيحه أفضل، [أي: من تسنيمه] لأنه – ﵇ سطح قبر ابنه إبراهيم وقبور المهاجرين والأنصار بالمدينة، وقد فعل الصحابة ذلك في قبره- ﵇ وقبر أبي بكر وقبر عمر. قال الشافعي: [ولأن الحصا] لا يثب إلا على قبر مسطح. وهذا منه يدل على أن وضع الحصا على القبر سنة مستقرة. فإن قيل: قد روي أن رجلاً رأى قبر رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر مسنمة، وتسطيح القبر يشبه البناء للأحياء، ويكره أن يجعل القبر كالبناء بدليل أنه يكره تجصيصه وتزويقه. قيل: راوي هذا الخبر مجهول، ولا حجة عندنا في المراسيل مع أنه يحتمل أنه أراد بما ذكره من التسنيم تشخيص القبر عن الأرض، ["فإن أراد ما ذكره السائل" ففعله ﷺ أولى من فعل غيره، ولا نسلم أن ذلك يشبه بناء الأحياء؛ لأن بناءهم لا يشخص عن الأرض مقدار شبر ويقتصر عليه، بل ذلك يختص بالقبر. نعم، قال أبو علي الطبري في "الإفصاح"، وكذا أبو علي بن أبي هريرة: تسنيمه أفضل الآن؛ لأنه صار شعار الروافض. وقال: إنه لا يجهر بالتسليم؛ لأنه صار شعاراً لهم. وقال القاضي الحسين: إن أصحابنا اليوم أجمعوا على التسنيم لأجل ذلك. وقال القاضي أبو الطيب [والإمام] وابن الصباغ وغيرهم: إنه غير صحيح؛ لأن السنة لا تترك لأجل فاعلها من أهل البدع. وقد اختار الغزالي

стр. 2238

التسنيم؛ لأجل ما ذكره أبو علي من التعليل، ودفع ما رد به عليه بأنه- ﵇ كان يقوم للجنازة، فقيل له: إن اليهود تفعله؛ فتركه. ثم قال: حتى ظن ظانون أن القنوت إذا صار شعاراً لهم جاز تركه، وهذا بعيد، وإنما نخالفهم في هيئات مثل التختم في اليمين وأمثاله، وما حكاه في أمر القنوت حكاه الإمام عن رواية بعضهم عن الشافعي. ثم قال: وهذا النقل مزيف، والشافعي- ﵀ أعلى من أن يدعو إلى ترك بعض من أبعاض الصلاة بسبب إقامته المبتدعة، والقول بذلك يرمي إلى التزام أمور لا سبيل إلى التزامها، ولا جرم قال الغزالي: إنه بعيد. وقوله: "وإنما يخالفهم في هيئات مثل التختم في اليمين وأمثاله"، أشار به إلى أن التختم في اليمين قد صار [شعاراً لهم]؛ فترك لأجل ذلك، ويتختم في اليسار، وإن كان رسول الله ﷺ يتختم في اليمين، إذ هو هيئة، وحمله على ذلك أن الإمام قال بعد حكايته عن بعض الأصحاب: إن الأمر فيه قريب، ولكن أخبرني من أثق به من أئمة الحديث أن الذي ظهر وصح من أمر رسول الله ﷺ التختم في اليسار. انتهى. فعلى هذا يكون التختم فيه سنة بأصل الشرع، لكن قد ذكرت في باب ما يكره لبسه الأحاديث الواردة في ذلك، وأن الصحيح أن التختم في اليمين أفضل، ثم قول الغزالي: "وإنما نخالفهم في هيئات" قد يفهم [منه] اختيار ما صار إليه ابن أبي هريرة من ترك الجهر بالسلام إذ صار شعاراً لهم؛ لأنه هيئة، وليس

стр. 2239

كذلك؛ لأن هذه سنة من سنن الصلاة فهي بالقنوت أشبه، وليس كذلك التختم. وقد قال الإمام: إن هذا بعيد جداً، ولا ينبغي أن يرتكب الإنسان ترك ما صح وثبت لهذا المعنى، ثم إن صح هذا في هيئة قبر فطرده في سنة من سنن الصلاة بعيد لا أصل له، وليس ترك القيام للجنازة من هذا النحو؛ فإنه لم يكن أمراً مقصوداً ولا سنة في عبادة. قال: ويرشُّ عليه الماء؛ لما روي أن النبي ﷺ رش على قبر ولده إبراهيم الماء، ووضع عليه حصاً من حصا العرص، قيل: هو أول قبر رش عليه [الماء]. وروى أبو بكر البزار عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر ابن ربيعة عن أبيه: أن النبي ﷺ قام على قبر عثمان بن مظعون بعدما دفنه، وأمر فرش عليه الماء. والمعنى فيه: أن يلصق به ما يوضع عليه من حصاً؛ فإن

стр. 2240

وضعه مستحب كما ستعرفه، وليمنعه من أن ينهال ترابه [به] فيزول أثره، ولأن فيه تفاؤلاً بتبريد المضجع. ويكره أن يرش عليه ماء الورد؛ لأن فيه إضاعة المال، قاله في "التهذيب"، وكذا المتولي، وألحق به طلاءه بالخلوق. وقد أفهم كلام الشيخ أن رش الماء آخر ما ندب إليه في الدفن؛ إذ لم يذكر بعده شيئاً آخر، وعليه ينطبق قوله في "المختصر": فإذا فرغ من القبر فقد أكمل معناه، لكن في "الحاوي" وتعليق البندنيجي أنه قال في "الأم" والقديم معاً: وإن قرأ بعد دفنه عند القبر شيئاً من القرآن فحسن. واستحب صاحب "التتمة" والقاضي الحسين والشيخ نصر المقدسي في كتاب "التهذيب" وغيرهم- كما قال في "الروضة" – تلقين الميت بعد الدفن؛ لأنه – ﵇ لقن ولده إبراهيم، والتلقين أن يقول: يا عبد الله يا ابن أمة الله، أو: يا فلان بن حواء- قال القاضي الحسين: وهو ما كان يقوله بـ"مرو" إذا لقن شيخاً صالحاً: "اذكر ما خرجت عليه، أو اثبت على ما كنت عليه من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً"؛ لأن ذلك ورد به الخبر. قال في الروضة: والحديث الوارد

стр. 2241

في التلقين ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم. وقد اعتضد بهذا الحديث شواهد من الأحاديث الصحيحة كحديث: "اسألوا الله له التثبيت" أي: الذي رواه أبو داود عن عثمان- وهو ابن عفان- قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل". ووصية عمرو بن العاص: "أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها؛ حتى استأنس بكم وأعلم ماذا أراجع رسل ربي، رواه مسلم في "صحيحه"، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين من العصر الأول، وفي كل زمن من يقتدي به. قال أصحابنا: ويقعد الملقن عند رأس القبر، وهذا في حق المكلف، وأما الطفل ونحوه فلا يلقن. قال: ولا يجصص ولا يبنى عليه، أي: قبة وبيت وحظيرة ونحو ذلك كما قاله البندنيجي؛ لما روى جابر: أنه- ﵇ نهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص وأن يبنى عليه رواه مسلم.

стр. 2242

والتقصيص: التجصيص، قاله أبو عبيد، كما حكاه الماوردي. ولأن ذلك من شأن الأحياء، والمستحب أن يخالف بين الأحياء والأموات. والمظلة ونحوها ملحقة بالبناء عليه في الكراهة، قاله في "التهذيب" وغيره، وألحق الغزالي وإمامة التطيين بالتجصيص. قال الرافعي: وليس له ذكر في الكتب، لكنه لا يبعد الفرق بينهما؛ فإن التجصيص زينة دون التطيين، أو الزينة في التجصيص أكثر، وذلك لا يناسب حال الميت، وقد روى الترمذي في "جامعه" عن الشافعي أنه قال: لا بأس بالتطيين. ولا يختلف الحال في كراهية التجصيص ونحوه من التزويق وغيره بين أن يكون القبر في المقابر المسبَّلة أو لا، وأما البناء عليه فالمنع مخصوص فيما إذا كان في مقبرة مسبلة. قال البندنيجي: قال أصحابنا: وهو مكروه. وكلام غيره يقتضي أنه لا يجوز؛ لأنهم عللوا المنع بأن فيه تضييقاً على الناس، وقالوا: لو بُني عليه هدم. قال الماوردي: قال الشافعي: رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها، ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك، أما إذا كان في ملكه فله ذلك؛ لفقد المعنى المذكور.

стр. 2243

قال في "الحاوي": لكنه غير مختار، وقال في "المهذب" وغيره: ويكره أن يبني عليه مسجداً تعظيماً له، والمراد أن يسوي القبر مسجداً فيصلي فوقه كما صرح به البندنيجي، وقال: إنه يكره أيضاً أن يبني عنده مسجداً فيصلي فيه إلى القبر؛ لقوله- ﵇: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"، رواه مسلم. ويكره وضع اللوح المنقوش عند رأس القبر، قال القاضي أبو الطيب وغيره: لأن أحداً من السلف لم يفعل ذلك، نعم يستحب أن يضع عند رأسه صخرة أو علامة ليعرف بها، وكذا عند رجليه؛ لأنه روي: أنه- ﵇ لما دفن عثمان بن مظعون أمر رجلاً أن يأتيه بصخرة فلم يطق الرجل حملها، فحسر النبي ﷺ عن ساعديه، ورفع الصخرة فوضعها عند رأس القبرن وقال: "أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" أخرج معناه أبو داود، ولأجله استحب

стр. 2244

الأصحاب أن يجمع الأقارب في موضع واحد في المقبرة. قال: ولا يدفن اثنان في قبر [واحد] إلا لضرورة؛ لأنه- ﵇ كان يفعل ذلك فكان يدفن كل ميت في قبر، ولما كان يوم أحد أمر أن يجمع الاثنان والثلاثة في قبر؛ لكثرة القتلى. وروى أبو داود عن هشام بن عامر [أنه] قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد، فقلنا: الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد" قالوا: من نقدم؟ فقال- ﵇: "أكثرهم قرآناً في اللحد".

стр. 2245

والضرورة تؤخذ بكثرة القتلى أو الموتى بسبب قحط أو موتان وفي الناس ضعف؛ لقلة الغذاء في القحط، أو مشتغلون في الحرب كما كان في يوم أحد، وضيق المكان يلحق بذلك و"الموتان"، بضم الميم وإسكان الواو: الوباء. قال: ويقدم الأسن الأقرأ إلى القبلة؛ للخبر، وهذا إذا لم يكن أحدهما ابناً للآخر، فإن كان؛ قدم الأب بكل حال، وكذا تقدم الأم على البنت، والابن يقدم عليهما مطلقاً؛ لمكان الذكورة. قال الشافعي: ولا أحب أن تدفن مع الرجل امرأة، فإن كانت ضرورة جعل الرجل أمامها وهي وراءه، وبينهما حاجز من التراب. وهذا ما حكاه الغزالي. وقال البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين: يجعل التراب بين كل ميتين على الإطلاق. قال في "الروضة": وهو الصحيح، وقد نص عليه في "الأم". ولو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة، قدم في اللحد إلى جهة القبلة من يقدم إلى الإمام في الصلاة، والفرق ما تقدم. قال: والدفن في المقبرة أفضل؛ لأنه ﷺ كان يدفن أصحابه في المقابر مع الجماعة، ولأنه أقرب إلى رحمة الله- تعالى- لكثرة الداعين له إذا درس قبره، فإنه روي أنه –﵇ قال: "اللَّهمَّ اغفر لأهل القبور الدارسة"، ولأنه يحترم
следующие страницы →