← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

في التلقين ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم. وقد اعتضد بهذا الحديث شواهد من الأحاديث الصحيحة كحديث: "اسألوا الله له التثبيت" أي: الذي رواه أبو داود عن عثمان- وهو ابن عفان- قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل". ووصية عمرو بن العاص: "أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها؛ حتى استأنس بكم وأعلم ماذا أراجع رسل ربي، رواه مسلم في "صحيحه"، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين من العصر الأول، وفي كل زمن من يقتدي به. قال أصحابنا: ويقعد الملقن عند رأس القبر، وهذا في حق المكلف، وأما الطفل ونحوه فلا يلقن. قال: ولا يجصص ولا يبنى عليه، أي: قبة وبيت وحظيرة ونحو ذلك كما قاله البندنيجي؛ لما روى جابر: أنه- ﵇ نهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص وأن يبنى عليه رواه مسلم.

стр. 2242

والتقصيص: التجصيص، قاله أبو عبيد، كما حكاه الماوردي. ولأن ذلك من شأن الأحياء، والمستحب أن يخالف بين الأحياء والأموات. والمظلة ونحوها ملحقة بالبناء عليه في الكراهة، قاله في "التهذيب" وغيره، وألحق الغزالي وإمامة التطيين بالتجصيص. قال الرافعي: وليس له ذكر في الكتب، لكنه لا يبعد الفرق بينهما؛ فإن التجصيص زينة دون التطيين، أو الزينة في التجصيص أكثر، وذلك لا يناسب حال الميت، وقد روى الترمذي في "جامعه" عن الشافعي أنه قال: لا بأس بالتطيين. ولا يختلف الحال في كراهية التجصيص ونحوه من التزويق وغيره بين أن يكون القبر في المقابر المسبَّلة أو لا، وأما البناء عليه فالمنع مخصوص فيما إذا كان في مقبرة مسبلة. قال البندنيجي: قال أصحابنا: وهو مكروه. وكلام غيره يقتضي أنه لا يجوز؛ لأنهم عللوا المنع بأن فيه تضييقاً على الناس، وقالوا: لو بُني عليه هدم. قال الماوردي: قال الشافعي: رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها، ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك، أما إذا كان في ملكه فله ذلك؛ لفقد المعنى المذكور.

стр. 2243

قال في "الحاوي": لكنه غير مختار، وقال في "المهذب" وغيره: ويكره أن يبني عليه مسجداً تعظيماً له، والمراد أن يسوي القبر مسجداً فيصلي فوقه كما صرح به البندنيجي، وقال: إنه يكره أيضاً أن يبني عنده مسجداً فيصلي فيه إلى القبر؛ لقوله- ﵇: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها"، رواه مسلم. ويكره وضع اللوح المنقوش عند رأس القبر، قال القاضي أبو الطيب وغيره: لأن أحداً من السلف لم يفعل ذلك، نعم يستحب أن يضع عند رأسه صخرة أو علامة ليعرف بها، وكذا عند رجليه؛ لأنه روي: أنه- ﵇ لما دفن عثمان بن مظعون أمر رجلاً أن يأتيه بصخرة فلم يطق الرجل حملها، فحسر النبي ﷺ عن ساعديه، ورفع الصخرة فوضعها عند رأس القبرن وقال: "أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" أخرج معناه أبو داود، ولأجله استحب

стр. 2244

الأصحاب أن يجمع الأقارب في موضع واحد في المقبرة. قال: ولا يدفن اثنان في قبر [واحد] إلا لضرورة؛ لأنه- ﵇ كان يفعل ذلك فكان يدفن كل ميت في قبر، ولما كان يوم أحد أمر أن يجمع الاثنان والثلاثة في قبر؛ لكثرة القتلى. وروى أبو داود عن هشام بن عامر [أنه] قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد، فقلنا: الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد" قالوا: من نقدم؟ فقال- ﵇: "أكثرهم قرآناً في اللحد".

стр. 2245

والضرورة تؤخذ بكثرة القتلى أو الموتى بسبب قحط أو موتان وفي الناس ضعف؛ لقلة الغذاء في القحط، أو مشتغلون في الحرب كما كان في يوم أحد، وضيق المكان يلحق بذلك و"الموتان"، بضم الميم وإسكان الواو: الوباء. قال: ويقدم الأسن الأقرأ إلى القبلة؛ للخبر، وهذا إذا لم يكن أحدهما ابناً للآخر، فإن كان؛ قدم الأب بكل حال، وكذا تقدم الأم على البنت، والابن يقدم عليهما مطلقاً؛ لمكان الذكورة. قال الشافعي: ولا أحب أن تدفن مع الرجل امرأة، فإن كانت ضرورة جعل الرجل أمامها وهي وراءه، وبينهما حاجز من التراب. وهذا ما حكاه الغزالي. وقال البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما من العراقيين: يجعل التراب بين كل ميتين على الإطلاق. قال في "الروضة": وهو الصحيح، وقد نص عليه في "الأم". ولو اجتمع رجل وصبي وخنثى وامرأة، قدم في اللحد إلى جهة القبلة من يقدم إلى الإمام في الصلاة، والفرق ما تقدم. قال: والدفن في المقبرة أفضل؛ لأنه ﷺ كان يدفن أصحابه في المقابر مع الجماعة، ولأنه أقرب إلى رحمة الله- تعالى- لكثرة الداعين له إذا درس قبره، فإنه روي أنه –﵇ قال: "اللَّهمَّ اغفر لأهل القبور الدارسة"، ولأنه يحترم

стр. 2246

فيها فيكون أبعد من أن ينبش أو يبال عليه، بخلاف ما إذا أفرد عن المقابر. فإن قيل: فقد دفن رسول الله ﷺ في حجرة عائشة، والصحابة لا تفعل به إلا الأفضل. قيل: فعله أولى بالاتباع من فعل غيره، والأنبياء فقد قيل: إن موضع وفاتهم موضع دفنهم؛ فلهذا دفن فيها. وكذا الأفضل أن يدفن بين أقوام صالحين؛ لأن أبا سعيد ذكر في كتابه "المؤتلف والمختلف" عن [ابن الحنفية] عن عليِّ – كرم الله وجهه- قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ندفن موتانا [وسط قوم صالحين]؛ فإن الموتى يتأذون بالجار السوء كما يتأذى به الأحياء، وهذا إذا كانوا في مقبرة البلد الذي مات فيه، فلو كانوا في غيرها لا ينقل إليهم؛ لأن فيه تأخير الدفن. وفي "الحاوي" أن الشافعي قال- يعني في "الأم"-: ولا أحب إذا مات الميت في بلد أن ينقل إلى غيره، وخاصة إن كان قد مات بمكة أو المدينة أو بيت المقدس. [ثم قال الماوردي: نعم، لو كان بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس] فيختار أن ينقل إليها؛ لقوله- ﵇: "من دفن بالمدينة كنت له شاهداً وله شافعاً، ومن مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا"، والجمهور على منع النقل كما تقدم، لكن قال صاحب "التهذيب" و"الشامل" والبندنيجي: إنه يكره نقله، وقال القاضي الحسين وأبو الفرج الدارمي وصاحب "التتمة": يحرم نقله،

стр. 2247

ولو وصى به لم تنفذ وصيته. قال في "الروضة": وهذا أصح؛ فإن في نقله تأخير دفنه وتعريضه لهتك حرمته من وجوه. ولو تشاحح جماعة في الحفر في موضع في المقبرة المسبلة، قدم السابق، وعند الاستواء يقرع، وليس لأحد الدفن في قبر دفن فيه ميت عند عدم الضرورة، ما لم يعلم أنه بلي، وذلك يختلف باختلاف البلاد، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة، فإن ظن بلاه فحفر فوجد فيه أو بعضه أو عظامه منه وجب على الحافر إعادته كما كان. نعم، لو فرغ القبر ثم وجد فيه شيئاً من العظام لم يضر، بل يجعل في جانب اللحد، ويدفن الثاني فيه، ولا يجوز أن يسوي على [القبر المتقادم في المقبرة المسبلة إذا اندرس أثره التراب ليتصور بصورة الجديد؛ فإن ذلك يمنع الغير من الدفن فيه. وقد أفهم كلام الشيخ أن الدفن في غير المقبرة جائز، ولا شك فيه، وذلك بأن يستعير أرضاً لدفنه، أو يرضى ورثة الميت بدفنه فيما ورثوه منه، وإذا فعلوا ذلك فليس لأحدهم إخراجه منها، وكذا لو طلبوا الجميع ذلك، كما ليس للمعير ذلك، ولهم بيعا، وليس للمشتري نقله، لكن له الخيار إن كان جاهلاً. نعم، لو اتفق نقله أو بلي؛ فذلك الموضع للبائع أو للمشتري؟ فيه وجهان، قال القاضي الحسين: كالوجهين فيما إذا باع بستاناً، واستثنى شجرة منه، ثم قلعها- فالمغرس هل يبقى على ملكه أو يكون للمشتري؟ ولو قال بعض الورثة: ندفنه في المقبرة؛ و [قال] باقيهم: بل في ملكه- أجيب من دعي إلى المقبرة؛ لأن في دفنه في ملكه إبطالاً لحق من كره ذلك من ورثته، فلو بادر الطالب لذلك ودفنه في ملكه، كان للكاره نبشه وإخراجه، والأولى ألا يفعل؛ لما فيه من هتك الميت، وهذا بخلاف ما لو قال بعضهم:

стр. 2248

أنا أكفنه من مالي، وقال الآخر: بل من مال الميت- كفن من مال الميت. قال القاضي أبو الطيب: لأن في تكفينه من مال غيره منَّةً على الباقين؛ فلا يلزمون قبول ما فيه منَّةُ بخلاف المقبرة فإنه لا منة فيها. وألحق الأصحاب طلب أحد الورثة دفنه في ملك نفسه مع منازعة باقي الورثة في ذلك بما إذا طلب بعضهم دفنه فيما ورثوه منه. قال ابن الصباغ: فلو [بادر ودفنه] في ذلك لم يذكره الأصحاب، وعندي أنه لا ينقل وهو المذكور في "التتمة"؛ لأن فيه هتكاً، وليس في إبقائه إبطال حق الغير. قلت: ولا منة؛ إذ الواجب- كما أفهمه كلام الأصحاب السابق- دفنه في المقابر المسبلة. قال: فإن دفن من غير غسل أو إلى غير القبلة، نبش وغسل ووجه إلى القبلة؛ تداركاً لما فات، وهذا على وجه الوجوب، وعن القاضي أبي الطيب أنه قال في "المجرد": التوجيه إلى القبلة سنة، وإذا ترك فيستحب أن ينبش ويوجَّه [إلى القبلة]، وعليه يدل قول الشافعي: "لا بأس أن ينبش ويوجه إلى القبلة ما لم يتغير ويزنخ"، وعن صاحب "التقريب" حكاية قول: أنه لا ينبش لأجل الغسل بل يكره؛ لما فيه من هتك الميت. وهذه العلة تقتضي اطراده في النبش لأجل التوجيه إلى القبلة من طريق الأولى؛ لأنه لم يختلف في أن الغسل واجب، وإن اختلف في التوجيه كما تقدم. والصحيح- وهو المذكور في "تعليق" القاضي أبي الطيب وغيره، لا غير: ما ذكره الشيخ، لكن ظاهر كلامه أن ذلك يفعل ما أمكن الغسل والتوجيه، وقيد ذلك في "المهذب" بحالة عدم خشية الفساد على الميت، فإن خشي عليه الفساد فلا ينبش؛ لتعذر ذلك، كما يسقط وضوء الحي واستقبال القبلة في الصلاة عند التعذر، وهذا هو المذكور في "التهذيب" وغيره.

стр. 2249

والمراد بالفساد: التغير كما قال البغوي والبندنيجي وغيرهما. وقال الماوردي: إنه التغير وحصول الرائحة، وهو الذي تضمنه النص السابق. وقال أبو الطيب: إنه التقطع، وهو أبلغ من ذلك، ويقرب مما حكاه الماوردي عن بعض الأصحاب أنه ينبش لأجل ما ذكرناه، وإن تغير، لكنه قال: إنه ليس بشيء. وفي "العدة" حكاية وجه: أنه يخرج لأجل الغسل ما دام يبقى جزء منه من عظم وغيره. قال الرافعي: والأظهر الأول. فرع: لو وقع الماء في القبر، وقد دفن من غير غسل فهل ينبش لأجل الغسل؟ حكى القاضي الحسين فيه وجهين، وكأنهما الوجهان المذكوران في الغريق. وقد أفهم اقتصار الشيخ على ذكر النبش عند الدفن من غير غسل أو إلى غير القبلة مع أنهما واجبان من أربعة- أنه لا ينبش لغيرهما إذا لم يفعل؛ كما إذا دفن قبل الصلاة أو من غير كفن، وهو كذلك في الصلاة عند الجمهور؛ لإمكانها على القبر كما تقدم، مع أنه لا يجوز دفنه قبل الصلاة كما قال الإمام، ويأثم فاعله؛ لأن في ترك الصلاة عليه قبل الدفن مخالفة الشعار العظيم الظاهر في فروض الكفايات، وفيه إهانة للميت؛ فحرم. قال الرافعي: وقد حكى أبو عبد الله الحناطي عن أبي إسحاق المروزي: أن فرض الصلاة لا يسقط بالصلاة على القبر، فيفوت من لم يدرك الصلاة. فأما نبشه لأجل الكفن؛ ففيه وجهان مشهوران: أحدهما: نعم، كما ينبش لأجل الغسل. والثاني: لا، وهو الأظهر عند الرافعي تبعاً للغزالي؛ لأن المواراة قد حصلت، وفي نبشه كشف عورته. فإن قلت: هل يجري الوجهان في تكفين الرجل بالحرير؛ لأن تكفينه فيه حرام فهو كالمعدوم؟

стр. 2250

قلت: لا؛ لأنه لو كان كالمعدوم لما صحت صلاة من ستر به عورته، وهي صحيحة، بل الخلاف فيه مخرج على الخلاف الآتي في الثوب المغصوب. وقال في "الروضة": ينبغي أن يقطع بأنه لا ينبش. وعن "الفتاوى" القطع بمقابله ما لم يؤد إلى هتك حرمته وتفتت أجزائه. قال: وإن وقع في القبر شيء له قيمة، نبش وأخذ، أي: إذا طالب به صاحبه؛ لما روي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله ﷺ ، فقال: خاتمي، ففتح موضعاً فيه فأخذه، فكان يقول: أنا أقربكم عهداً برسول الله ﷺ . ولأنه يمكن رد المال على صاحبه من غير ضرر؛ فلم يجز منعه منه، وهذا ما نص عليه في القديم والجديد معاً. وقد أفهم كلام الشيخ أموراً: أحدها: أنه ينبش إذا دفن في أرض مغصوبة؛ لإمكان ردها، وبه صرح الأصحاب، ونص عليه، لكن الأولى لصاحبها ألا يطلب ذلك، وبعضهم يقول: يكره له ذلك، ولا فرق فيه بين أن يتغير أو لا؛ لأن حرمة الحي أولى. قال الإمام: ويجوز أن يظن ظان تركه؛ فإنه سبيلي عن قرب، وتنزل حرمة الميت بمنزلة حرمة الحي فيما هذا سبيله. الثاني: أنه لو دفن في كفن مغصوب أو مسروق أنه ينبش ويؤخذ؛ لأنه مال الغير، وقد حصل في القبر على وجه العدوان؛ فكان أولى بالنبش، وقد قال الأصحاب: هل ينبش؟ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها- كما قال الرافعي، وهو المذكور في "التهذيب" و"الوجيز"-: نعم، كما ينبش لرد الأرض، ويشق جوفه لإخراج ما ابتلعه، وإن كان فيه هتك حرمته. والثاني: [لا]، وهو المذكور في "الشامل"؛ لأن في انتزاعه عنه هتكه، بخلاف النقل والشق، ولأنه قد أشرف على الهلاك بالتكفين، بخلاف الأرض؛ فأعطي حكم الهالك، وهذا إذا أمكن أخذ القيمة، فلو عسر أخذها في الحال، قال الإمام: ففي النبش احتمال ظاهر.

стр. 2251

والثالث- وهو ما حكاه الإمام عن رواية العراقيين-: إن تغير الميت، وكان في النبش ورد الكفن هتكه- لم ينبش، وإلا نبش. الأمر الثالث: إذا ابتلع مال الغير ودفن، وقلنا: يشق جوفه لو لم يدفن- كما جزم به الشيخ-: ينبش ويشق جوفه ويخرج، وبه صرح الرافعي تبعاً للإمام، ورطده في كل حالة قلنا: يشق فيها جوف الميت لإخراج ما فيه، فدفن قبل ذلك. الرابع: أنه لا ينبش لما عدا ذلك، وهو كذلك في الغالب، وإلا فقد قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": إن الأرض المدفون فيها إذا لحقها سيل أو نداوة، فقد جوز الزبيري نقله منها، وأباه غيره. قال في "الروضة": وقول الزبيري أصح، وقال الغزالي في كتاب الشهادات: إن الميت إذا تحمل عنه في حياته شهادة، وليس معروفاً بالنسب- نبش إذا عظمت الواقعة واشتدت الحاجة، ولم يطل العهد بحيث تتغير الصورة، ولا ينبش عند فقد ذلك. قال: وإن بلع الميت مالاً لغيره؛ أي: وطالب به صاحبه- شق جوفه وأخرج؛ صيانة لحق الغير عن الضياع، ويخالف ما لو لم يمت؛ فإنه لا يشق جوفه؛ لأن ذلك يذهب روحه بغير بدل، وللمال المبلوع بدل يرجع إليه في الحال، وفي "التتمة" وجه جزم به القاضي الحسين، أنه لا يشق جوفه بعد الموت أيضاً؛ لقوله – ﵇: "كسر عظم الميت ككسره حياً" أخرجه أبو داود وابن ماجه. وقال الرافعي: إن هذا الوجه للقاضي أبي الطيب، وإنه يجب الغرم من تركته على الورثة، وإن في "العدة": أن الورثة إذا ضمنوا مثله أو قيمته فلا يخرج، ولا يرد على أصح الوجهين. أما إذا ابتلع الميت مال نفسه- وقلنا: يشق جوفه لأجل مال الغير- فهل يشق جوفه ويخرج؟ فيه وجهان مشهوران:

стр. 2252

أصحهما عند أبي العباس الجرجاني والعبدري: نعم؛ لأنه صار للورثة، فهو كمال الأجنبي. والثاني- وهو الأصح عند الشيخ أبي حامد والماوردي والقاضي أبي الطيب في "المجرد"، وبه أجاب في "المقنع" كما قال في "الروضة": لا؛ لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة. وبلع الميت: هو بكسر اللام، وابتلع: بمعناه. قال: وإن ماتت امرأة وفي جوفها ولد يرجى حياته، أي: بأن تموت وله ستة أشهر فأكثر- شق جوفها وأخرج؛ لأن فيه استبقاء لحي محترم بإتلاف جزء من ميت؛ فجاز، بل وجب؛ كما إذا اضطر لأكل ميتة الآدمي. قال: وإن لم ترج حياته، أي: بأن تموت، وله دون ستة أشهر، قال الجيلي: وكذا لو ماتت وله ثمانية أشهر- ترك عليه شيء حتى يموت؛ لأنه لا يمكن دفنها وهو حي بلا خلاف كما قاله القاضي الحسين وغيره؛ ولا يمكن تأخير دفنها إلى أن يموت؛ لكون الدفن واجباً على الفور، وفي التأخير تعريض للتغير، وحرمة الميت كحرمة الحي؛ فيتعين ما ذكره الشيخ؛ فإن حياة هذا غير متحققة، ولو تحققت لكانت في هذه الحالة قبل انفصاله كلا حياة؛ إذ لا يترتب عليها شيء من أحكام الشرع، وهي تزول عن قرب قطعاً؛ فإن بقاءها بحسب ما فيه من الرطوبة قلة وكثرة، وتخالف حياة من قطع بموته عن قرب؛ فإنه لا يجوز قتله؛ لأن أحكام الشرع مستصحبة عليه. واعلم أن هذه المسألة لا نص فيها للشافعي- ﵁ والكلام فيها للأصحاب، وقد حكوا عن ابن سريج إطلاق القول بأنها إذا ماتت وفي جوفها ولد [حي: يشق] وفها ويخرج لما ذكرناه من العلة، ولم يحك القاضي أبو الطيب بعد حكاية ذلك عنه غيره، ولا جرم اقتصر في "المهذب" على ذكره من غير إعزاء، وحكى القاضي الحسين والفوراني في شق جوفها وجهين مطلقين: أحدهما: ما سبق؛ للعلة المذكورة.

стр. 2253

والثاني: لا يشق؛ لقوله- ﵇ "كسر عظم الميت ككسره حياً". وقضية هذا الإطلاق: أن يكون في شق جوفها وجهان؛ سواء أكان الولد مرجوَّ الحياة أو لا، ويؤيد ذلك قول القاضي بعد حكاية الوجهين: والأولى أنها [إن] ماتت من الطلق- والولد- يتحرك في بطنها- أن يشق. وإذا قلنا: لا يشق- وهو ما جزم به القاضي الحسين في أول الباب عدد الكفن- قال المتولي: يقال للقابلة؛ حتى تمسح على بطنها، فربما خرج، فإن لم يخرج تركت حتى يموت. وغيره قال: تترك حتى يموت، ثم يدفن، وهو ما ذكره القاضي عند حكاية الوجهين، وقال- حين جزم بعدم الشق، خلافاً لأبي حنيفة-: إنه يجعل على بطنها شيءٌ ثقيل؛ حتى يسكن [ما فيه]. وفي "الحاوي" ما يقتضي حكاية الوجهين في الشق وعدمه في الذي لا ترجى حياته؛ فإنه قال: قال أبو العباس بن سريج: يشق جوفها ويخرج ولدها؛ لما ذكرناه من العلة، وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء، وقال غيره من أصحابنا: إن كان الولد لمدة يجوز أن يعيش فيها لستة أشهر فصاعداً- شق جوفها وأخرج، وإن كان لمدة لا يجوز أن يعيش فيها ترك، وعبارة المحاملي المحكية عن "التجريد" تقتضي أن محل الوجهين كذلك، لكن الثاني منهما هو الذي ذكره الشيخ؛ فإنه قال- كما حكاه من رد على من اعترض على الشيخ في ذلك بعد حكاية مذهب ابن سريج: ومن أصحابنا من قال: إن كان هذا الولد إذا خرج يرجى أن يعيش شق جوفها، وإن كان لا يرجى أن يعيش لم يشق؛ لأنه لا فائدة في ذلك إلا هتك حرمتها، ولكن لا تدفن والولد حي، بل تترك إلى أن تضعه، أو يترك في جوفها [إلى أن يسكن] اضطرابه وحركته، ثم تدفن، ولأجل ذلك قال في "الروضة": إذا ماتت المرأة وفي جوفها جنين حي، قال أصحابنا: إن كان يرجى حياته شق جوفها، وأخرج، ثم دفنت، وإلا فثلاثة أوجه: الصحيح: لا يشق جوفها، بل تترك حتى يموت الجنين، ثم تدفن. والثاني: يشق. والثالث: يوضع عليه شيء ليموت، ثم تدفن. قال: وهذا غلط، وإن كان قد

стр. 2254

حكاه جماعة، وإنما ذكرته؛ لأبين بطلانه، ومن لم يقف على نقل الأصحاب كما ذكره الشيخ واعتقد بطلانه- تأول المتأدب منهم كلامه فقال: معنى قوله: ترك عليه شيء من الزمان حتى يموت، وقد جاء مثله في قوله- تعالى-: ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ [الصافات: ٧٨]، وبعضهم قال: لعل الشيخ قصد بذلك عدم تغير الميت بسبب حركة الولد، وأطال بعضهم في الرد على من اعتقد تصحيح كلام الشيخ، وقال: لعل الموجود في النسخ زلة من ناسخ؛ فإن هذا لم يقل به أحد من المسلمين، بل هو شبيه بفعل اليهود؛ فإنهم إذا أيسوا من المريض بادروا إلى قتله، وما تقدم يغني عن جوابه عن ذلك، والله أعلم. قال: ويستحب للرجال زيارة القبور، لما روى أبو داود عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال النبي ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لها، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت" وأخرجه مسلم. وروى أبو داود عن [ابن] بريدة- وهو عبد الله - عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإن في زيارت تذكرةً". وأخرجه مسلم بنحوه.

стр. 2255

وذكر أبو عمر بن [عبد البر] في "الاستذكار" من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من أحدٍ يمرُّ بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا عرفه، وردَّ ﵇". قال عبد الحق في "الأحكام": وإسناده صحيح. أما النساء فمفهوم كلام الشيخ أنه لا يستحب لهن، وهل هو جائز أو محرم أو مكروه؟ لم يتعرض له في هذا الكتاب، ويجيء فيه من مجموع ما حكاه الأصحاب أربعة أوجه: أحدها: أنه يجوز، وهو ما قاله الغزالي في "الإحياء"، ويوافقه إطلاق القاضي أبي الطيب والماوردي القول باستحباب زيارة القبور، وكأن هؤلاء رأوا دخولهن في رخصته، ﵇. قال العجلي تبعاً لصاحب "البحر": وهو أصح عندي إذا أمن الافتتان وتعدي ما فيه رضا الله تعالى. والثاني: أنه لا يجوز، وهو ما ذكره في "المهذب"؛ لرواية أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله زوارات القبور" رواه الترمذي.

стр. 2256

وعن ابن عباس: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرج". والثالث: أنه مكروه وهو ما ذكره البندنيجي وابن الصباغ. قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالكراهة كراهة التحريم، ويحتمل أن تكون على بابها؛ لأن التحريم نسخ، ولكنه من النساء يؤدي إلى الهتك، أو لأنهن أكثر جزعاً وأقل صبراً من الرجال، وهذا ما حكاه الرافعي عن الأكثرين. والرابع- قاله الشاشي-: إن كانت زيارتهن لتجديد الحزن والبكاء والتعديد والنوح على جاري عادتهن، فيحرم، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة، وإن كانت زيارتهن للاعتبار من غير شيء من ذلك؛ كره، إلا للعجوز التي لا تشتهي؛ فإنه لا يكره لها كما لا يكره لها حضور الجماعة في المساجد. وقد رأيت- فيما وقفت عليه من "تعليق" القاضي أبي الطيب- تقييد استحباب زيارة القبور بقبور من كان يستحب زيارته في حياته؛ فإنه قال: قال في "الأم": ولا بأس بزيارة القبور. وهذا كما قال: يستحب زيارة [قبر من كان] يستحب زيارته في حياته. ثم قال: وإذا قصد بزيارة القبر الترحم على الميت وتذكر الموت والآخرة- كان مستحباً، وكان له ثوابه. وهذا لم أره لغيره، نعم، قالوا- كما صرح به الفوراني والغزالي وغيرهما-: ينبغي أن يكون دنوُّ الزائر من

стр. 2257

القبر المزور بقدر ما يدنو من صاحبه لو كان حياً، وزاره. قال: ويقول إذا زار: سلامُ عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا- إن شاء الله- عن قريب بكم لاحقون؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا- إن شاء الله-[عن قليل] بكم لاحقون"، وروى النسائي عن [بريدة بن حصيب]: أنه- ﵇ كان إذا أتى على المقابر قال: "السلام عليكم أهلا لدار من المسلمين والمؤمنين، وإنا- إن شاء الله [عن قريب] بكم لاحقون، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله العافية لنا ولكم". وقوله: "إن شاء الله" ليس للشك؛ بل معناه: على الإيمان، وقيل: إن "إن" هاهنا بمعنى: "إذ"؛ كقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ [الإسراء]، وقيل: إنه ترجع المشيئة إلى اللحوق في تلك البقعة، والذي صححه النواوي أنه إنما أتى بها؛ للتبرك، وامتثالاً لقوله – : ﴿َلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].

стр. 2258

قال: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم؛ [لرواية عائشة أنه- ﵇ قال: "اللَّهمَّ لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنَّا بعدهم". قال: واغفر لنا ولهم؛ لقوله- ﵇ "إن جبريل أتاني فقال: إن الله يأمرك أن تأتي أهل البقيع وتستغفر لهم". وفي "تعليق" البندنيجي أن أبا هريرة روى أنه- ﵇ قال جميع ما ذكره الشيخ حين خرج إلى المقبرة. وفي "تعليق" القاضي الحسين أن الزائر في المقبرة يقول: عليكم السلام، يأهل الديار من المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، رحم الله المتقدمين منكم والمتأخرين، أنتم لنا سلف، وإنا بكم إن شاء الله لاحقون، اللهم ربَّ الأجساد البالية والعظام النخرة، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحاً منك وسلاماً مني، اللهم برِّد عليهم مضاجعهم، واغفر لهم. ولو قرأ القرآن عند القبر كان حسناً كما تقدم، وقد استحبه بعضهم ليقع الدعاء بعده؛ لأنه حينئذ يكون أقرب إلى الإجابة، وقد قيل: إن القاضي أبا الطيب سئل عن ختم القرآن في المقابر، فقال: الثواب للقارئ، ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة. قال: ولا يجلس على قبر؛ لقوله- ﵇ "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده – خير له من أن يجلس على قبرٍ"

стр. 2259

رواه البخاري ومسلم. وأصرح من ذلك رواية مسلم: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها"، وهل المنع منع تحريم أو كراهة؟ فيه اختلاف بين النَّقلة: فالذي قاله في "المهذب": أنه لا يجوز، وعبارة الغزالي والمتولي والبندنيجي: أنه يكره ذلك، وكذا الاتكاء عليه. قال: ولا يدوسه؛ لما في ذلك من إهانة الميت، وهو أبلغ من الجلوس عليه، وقال في "المرشد": هو كالجلوس. قال: إلا لحاجة، أي: مثل ألا يصل إلى قبر ميته إلا بوطئه؛ لأنه حينئذ يكون معذوراً، وفي هذه الحالة ينبغي أن يقلع ما في رجليه، كما أشار إليه الماوردي بقوله: وإن كان لابد له من المشي عليه، خلع نعليه من رجليه ومشى؛ لما روى بشار قال: حانت من رسول الله ﷺ نظرة، فإذا رجل يمشي في القبور بنعلين فقال: "يا صاحب السِّبتيَّتين ويحك، ألق سبتيَّتك" رواه أبو داود،

стр. 2260

والمعنى فيه ظاهر. قال: ويكره المبيت في المقبرة؛ لما فيه من الوحشة على البائت، نص في "الأم". وكذا يكره إيقاد النار عند القبر، قاله الماوردي وغيره، والله أعلم.

стр. 2261

باب التعزية والبكاء على الميت التعزية: مصدر: عزَّى، يعزِّي، تعزية، وهي التصبير على المصيبة بذكر ما وعد الله من الثواب على الصبر فيها، والتحذير من إفراط الجزع المذهب للأجر، والمكسب للوزر، والأمر بالرجوع إلى الله تعالى في الأمر كله. قال علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه-: إذا صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإذا جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور. وعزيته: أمرته بالصبر، والعزاء، بالمد: اسم أقيم مقام "التعزية". قال الأزهري: وأصلها: التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه. قال القاضي الحسين: و"التأسية" بمعنى "التعزية"، و"التسلية" مثله. وغيره قال: التعزية: التسلية. قال: وتستحب التعزية، أي: لأقرباء الميت؛ لما روى أبو داود عن أنس- وهو ابن مالك- قال: أتى نبي الله ﷺ على امرأة تبكي على صبي لها. فقال لها: "اتقي الله واصبري" فقالت: وما تبالي أنت بمصيبتي؟ فقيل لها: هذا النبي ﷺ فأتته، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة [الأولى] " أو: "عند أوَّل صدمةٍ" وأخرجه البخاري ومسلم، ولفظ البخاري: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى". فقوله- ﵇: "اتقي الله واصبري" أراد به ألا تجتمع عليها مصيبتان: مصيبة الهلاك، ومصيبة فقد الأجر الذي يبطله الجزع؛ فأمرها بالصبر الذي لابد للجازع من الرجوع إليه بعد فقد أجره.

стр. 2262

وقوله: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" يعني: الصبر الذي يشق ويعظم تحمله ومجاهدة النفس عليه، ويؤجر عليه الأجر الجزيل عند وقوع المصيبة وهجومها، وأما بعد الصدمة الأولى وبرد المصيبة، فكل أحد يصبر حينئذ ويقل جزعه. وروى البخاري عن أسامة بن زيد قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبياً لها- أو ابناً لها- في الموت؛ فقال رسول الله ﷺ : "ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ فلتصبر ولتحتسب"، فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها، فقام- ﵇ وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وانطلقت معهم، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها [في] شنة؛ ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"، والقعقة: ها هنا صوت نفسه وحشرجة صدره، ومنه قعقعة الجلود والسلاح، وهي أصواتها، ألا ترى إلى قوله "كأنها [في] شنة" فشبه صوت نفسه وقلقلة صدره بصوت ما ألقي في القربة اليابسة وحرك فيها، وقيل: معناها: أنه كل ما صار إلى حال لم يلبث أن يصير إلى أخرى تقرب من الموت، ولا يثبت على حال واحدة، يقال: تقعقع الشيء، إذا اضطرب وتحرك. وقال- ﵇: "من عزَّى مصاباً فله مثل أجره".

стр. 2263

قال: قبل الدفن؛ لأن ذلك وقت شدة الحزن، وهي الصدمة الأولى التي يحتاج الصبر عندها، وهذا مما لا خلاف فيه. قال: وبعده [إلى ثلاثة] أيام، أي: من حين الموت كما صرح به الماوردي؛ لأن الحزن يبقى فيها فيحتاج إلى التصبير، وقد جعل النبي ﷺ الثلاث نهاية التحزن فقال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً" رواه البخاري. وأشار القاضي أبو الطيب وابن الصباغ إلى أنها عقيب الدفن أولى من قبله؛ لأنه وقت كثرة الجزع؛ فإنه وقت مفارقة شخصه، والانقلاب عنه، وصرح به

стр. 2264

الماوردي: فقال بعد ذكره استحباب التعزية ثلاثة أيام: إن من تبع الجنازة وأراد الانصراف قبل الدفن عزى وانصرف، ومن صبر حتى يدفن عزى بعد الفراغ من دفنه، إلا أن يرى من أهله جزعاً شديداً وقلة صبر؛ فيقدم تعزيتهم ليثبتوا، وما ذكره- غير الاستثناء- هو المنصوص؛ فإن الإمام قال: إن الشافعي ذكر أن من شهد الجنازة ينبغي أن يؤخر التعزية إلى ما بعد الدفن؛ لأنهم لا يتفرغون إلى الإصغاء إليها وهم مدفوعون إلى تجهيز الميت. وقد صرح الشيخ بانتهاء الاستحباب بانتهاء الثلاث؛ لأن الجزع يقل بعدها، وفي التعزية تذكار به، ولكن هل فعلها وتركها سيان، أو الترك أولى؟ لم يتعرض له الشيخ، وفيه وجهان: أحدهما- قاله صاحب "التلخيص" وبعض الأصحاب، كما قال الإمام-: أنه لا بأس بها وإن طال الزمان؛ إذ لم يثبت فيها توقيف، وهذا ما اختاره في "المرشد" حيث قال: لو عزَّى بعد الثلاث جاز. وأظهرهما- وهو الذي أورده في "الوسيط"-: أنها غير مأثورة؛ لما ذكرناه، وهو ما ذكره القاضي الحسين وقال: إنه قيل: التعزية بعد الثلاث عادة النوكى.

стр. 2265

يعني الحمقى. ووراء ما ذكرناه أمران: أحدهما: أن ابن الصباغ والقاضي أبا الطيب قالا: وقت التعزية من حين يموت إلى أن يدفن، وعقيب الدفن. وهذا يقتضي أنها لا تمتد إلى الثلاث. والثاني- قاله البندنيجي-: أن وقتها من حين الموت إلى بعد الدفن، فإن دفن وقعت التعزية ثم انقطعت؛ فتكره التعزية بعد هذا. ويستحب تعميم الأقارب بالتعزية: الصغير منهم والكبير، والذكر والأنثى، إلا أن تكون شابة فلا، إلا أن يكون المعزي ذا رحم محرم لها، نص عليه، ويتأكد في حق الأكبر منهم فضلاً وديناً، وأقلهم صبراً، أما الكبير الفضل فلما يرجى من إجابة رده ودعائه، وأما القليل الصبر فليسلو فيكثر ثوابه. ويستحب للمعزى أن يصبر ولا يجزع، قال- ﵇: "من جلَّت مصيبته- وفي رواية: من عظمت مصيبته- فليذكر مصابه بي؛ فإنها أعظم المصائب". قال القاضي الحسين: والواجب على المؤمن أن يكون جزعه وقلقه وحزنه على فراق النبي ﷺ من الدنيا أكثر من وفاة أبويه، كما يجب عليه أن يكون عنده أحب من نفسه وأهله وماله. قال: ويكره الجلوس لها، أي: للتعزية؛ لأن ذلك محدث، والمحدث بدعة؛ فكره، والإعانة عليه بالحضور مكروه أيضاً، بل ينبعث كل واحد منهم في شغله، فيعزى في طريقه، وفي سوقه، وفي مصلاَّه. قال القاضي الحسين: وقد قيل: أول من جلس للتعزية بمرو عبد الله بن المبارك لما ماتت أخته كيكونة، فدخل عليه مجوسي من جيرانه وقال: حق على العاقل أن يفعل في أول يومه ما يفعل الجاهل بعد الثلاث؛ فأمر عبد الله بن المبارك أن يطوى الفراش، وترك التعزية. قال: ويقول في تعزية المسلم بالمسلم- أي بالميت المسلم-: أعظم الله

стр. 2266

أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك؛ لأن ذلك لائق بالحال، وهذا ما ذكره البندنيجي والماوردي، وابن الصباغ حكاه عن بعض الأصحاب، وكذا القاضي أبو الطيب وقالا: إن الشافعي قال: وأحب أن يقول مثل ما عزي به أهل بيته ﷺ . ثم يترحم على الميت ويدعو له ولمن خلف، والذي عزِّي به أهل بيته- ﵇ هو ما روي عن عائشة أنها قالت: لما توفي رسول الله ﷺ سمعنا هاتفاً في البيت، نسمع صوته ولا نرى شخصه، يقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب من حرم الثواب. قال ابن الصباغ وأبو الطيب: ويقال: إن قائله الخضر، ﵇. وعبارة ابن يونس مصرحة بأن قائل ذلك الشافعي، وأنه يستحب أن يقول بعد ذلك ما ذكره الشيخ، وهو قضية كلامه في "المهذب" وغيره. قال: إن ما ذكره الشيخ يشمل هذا وما أضافه الشافعي إليه من حيث المعنى، مع الإيجاز في اللفظ؛ فكان أولى. قال ابن يونس ومن تبعه: وقد زاد بعضهم: وخلفه عليك، أي: كان الله خليفة عليك. ولم أره في تعزية المسلم بالمسلم، بل في غيره كما سنذكره. وقد حكى القاضي الحسين تعزية أهل البيت على نسقٍ آخر فقال: لما توفِّي

стр. 2267

رسول الله ﷺ جلس أصحابه في المسجد للتعزية، فدخل عليهم شيخ وقال: سلام عليكم يا أهل البيت [ورحمة الله]، فردوا ﵇، فتلا قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥] ثم قال: إن في الله عزاء من كل مصيبة .. وذكر ما تقدم إلى أن قال: فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، وعليه فتوكلوا؛ فإن المصاب من حرم الثواب. وخرج، فقال عليُّ- كرم الله وجهه-: اطلبوه، فطلبوه فلم يجدوه، فقال علي: جاءكم أخوكم الخضر يعزيكم بنبيكم، ﷺ . قال: وفي تعزية المسلم بالكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك؛ لما تقدم. زاد الماوردي: وأخلف عليك. ولا يقول: وغفر لميتك؛ لأن الاستغفار للكافر حرام. ولفظ الشافعي في هذا في "الجامع الكبير": ولا بأس أن يعزي المسلم إذا مات أبوه النصراني فيقول: أعظم الله أجرك، وأخلف عليك، أي: كان الله خليفة عليك؛ لأن الأب لا يخلف بدله. وجمع الماوردي والبندنيجي بين اللفظين فقالا: يقول له: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وأخلف عليك. وفي إثبات اللفظ في قول الشافعي: أخلف عليك نظر؛ فإن النووي قال: قال أهل اللغة: يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله: أخلف الله عليك، أي: رد عليك مثله، فإن ذهب ما لا يتوقع مثله: بأن ذهب والد أو عم أو خال أو أخ لمن لا جد له ولا والد- قيل: خلف الله عليك- بغير ألف- أي: كان الله خليفة عنه عليك. وقال الغزالي: يقول له: جبر الله مصيبتك، وألهمك الصبر. والكل جائز؛ إذ لا توقيف. قال: وفي تعزية الكافر بالمسلم: أحسن الله عزاءك، وغفر لميتك؛ لما تقدم. ولا يقول: أعظم الله أجرك؛ إذ لا أجر له، وفي "الحاوي" يقول له: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك، وغفر لميتك. قال: وفي تعزية الكافر- أي: الذمي أو المعاهد دون الحربي كما قال في الجيلي- بالكافر: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك؛ لأن ذلك ينفع المسلمين في الدارين: أما في الدنيا فبتكثير الجزية، وأما في الآخرة فبالفداء من النار، وقد قال البندنيجي وغيره: إنه ينوي بقوله: "ولا نقص عددك": تكثير

стр. 2268

الجزية، ولا يذكر الميت بخير؛ لأنه ليس من أهله، ولا بشر؛ لأنه يؤذي الحي. وقوله: "ولا نقص عددك" هو بفتح الدال وضمها، والله أعلم. قال: ويجوز البكاء على الميت؛ لأنه- ﵇ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، كما تقدم في رواية مسلم وغيره. وروى النسائي عن أبي هريرة قال: مات ميت من آل رسول الله ﷺ فاجتمع النساء يبكين عليه؛ فقام عمر ينهاهن ويطردهن؛ فقال رسول الله ﷺ : "دعهنَّ يا عمر؛ فإن العين دامعة، والفؤاد مصاب، والعهد قريبُ". والبكاء: يمدُّ ويقصر، ويقال: بكيت الرجل، وبكَّيته، وبكيت عليه. قال: من غير ندب، أي: وهو أن تعد شمائل الميت وأياديه، تقول: واكريماه، واشجاعاه، واكهفاه، واجبلاه، واسيداه؛ لأن ذلك محرم. ولا نياحة، أي: وهي رفع الصوت بذلك عليه؛ لأن ذلك محرم، قالت أم عطية: "إن رسول الله ﷺ نهانا عن النياحة". أخرجه البخاري ومسلم. وأخرج مسلم في حديث أبي مالك الأشعري عن النبي ﷺ : "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربالُ من قطرانٍ ودرعُ من جربٍ".

стр. 2269

وروى أبو داود عن امرأة أبي موسى- وهي أم عبد الله- قالت: قال رسول الله ﷺ : "ليس منَّا من سلق، ومن حلق، ومن خرق" وأخرجه النسائي، وروي هذا الحديث عنها عن أبي موسى عن النبي ﷺ ، وأخرجه النسائي أيضاً. وسلق- بفتح السين المهملة، وبعدها لام مفتوحة وقاف-: رفع الصوت. وقال ابن جريج: هو أن تخرش المرأة وجهها، وعن ابن المبارك نحوه. وحلق: هو حلق الشعر، وخرق: هو تخريق الثياب وشقها عند المصيبة. والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، ولأن ذلك يشبه التظلم من الظالم والاستغاثة منه، وهو عدل من الله وحق؛ فلذلك حرم. وقد أطلق القاضي أبو الطيب القول بأن ذلك مكروه، وتبعه ابن الصباغ، وقال البندنيجي بعد ذكره الكراهة: إن الكراهة كراهة تحريم، وكذلك جزم الماوردي والقاضي الحسين والإمام بالتحريم، وألحق به تخميش الوجه: وهو أخذ لحمه بالأظفار، ومنه قيل نهشته الكلاب. فإن قيل: الشيخ جزم بجواز البكاء بعد الموت، وقد ورد النهي عنه، وهو ما روي: أنه- ﵇ زار عبد الله بن ثابت الأنصاري وكان يغشى عليه، فبكى أهله؛ فقام جابر بن عتيك ليسكتهم، فقال- ﵇: "دعهنَّ يبكين،

стр. 2270

فإذا وجب فلا تكبينَّ باكيةُ"، وأراد بالوجوب: الموت، وأقل درجات النهي: أن يحمل على الكراهة. قلنا: لأجل ذلك قال ابن الصباغ: إنه يكره. والجائز من غير كراهة: البكاء عليه قبل الموت، ويشهد له حديث أسامة بن زيد المتقدم، وحديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه مسلم قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غشية، فقال: "أقد قضى؟ "، قالوا: لا، يا رسول الله؛ فبكى رسول الله ﷺ ، فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ ، بكوا، فقال: "ألا تسمعونَّ، إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا- وأشار إلى لسانه- أو يرحم. وعبارة البندنيجي تقرب من ذلك؛ فإنه قال: إذا ثبت أن البكاء مباح بلا ندب، فوقته ما لم يمت الميت، فإذا مات انقطع البكاء فلا يبكي عليه أحد. وعن الشيخ أبي حامد أن المستحب ألا يبكي أحد بعد الموت، وعبارة الإمام: الأولى عدمه، فإن غلب فلا كراهة. وأخذ القاضي الحسين من الخبر المذكور- مع ما ذكرناه أولاً- أن البكاء جائز قبل الموت وبعده، لكنه قبل الموت مستحب. أراه للقلق على فراقه، وأنا لا نسر بأموالك وميراثك؛ ليطيب قلبه بذلك. وعلى كل حال، فلا يعذب الميت ببكاء من بكى عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ولقوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]،

стр. 2271

وقوله- ﵇ لرجل في ابنه: إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه"، قال ذلك في "المختصر" عن الشافعي. وما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب أنه قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي"، وعن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه- فقد قيل: إنه محمول على من أوصى بالبكاء عليه والندب والنياحة كما كانت الجاهلية تفعله، وإليه ذهب البخاري. قال الرافعي: ولك أن تقول: ذنب الميت الحمل على الحرام والأمر به؛ فوجب ألا يختلف عذابه بالامتثال أو بعدمه، فإن كان لامتثالهم فالإشكال بحاله. قلت: وقد يجاب بأن الذنب على السبب يعظم عند وجود المسبب، ولا كذلك إذا لم يوجد، وشاهده قوله- ﵇ "من استنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة". وقيل: إنه محمول على من يبكي عليه ويعدد أفعاله التي يستوجب العذاب بها، مثل: نهب الأموال، وقتل النفوس، وقطع الطريق، ونحو ذلك، ويدل عليه رواية مسلم عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه [به] يوم القيامة"، وقد جاء في لفظ من حديث عمر السابق: "إنَّ الميِّت ليعذَّب ببعض بكاء أهله عليه" أخرجه مسلم،

стр. 2272

وفيه دليل على أن كل بكاء لا يعذب به. وقيل: معنى العذاب: أنه يوبخ إذا ندبوه بذكر الخصال الجميلة والأفعال الحميدة، فيقال له: أكنت كما يقال؟ وهو ضرب من التعذيب، ويؤيده رواية البخاري عن النعمان بن بشير قال: "أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته عمرة تبكي، [وتقول]: واجبلاه، وكذا، وكذا، تعدِّد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لي: أنت كذلك؟ وقيل: إنه يحتمل أن يكون المراد: أنه يعذب حين البكاء عليه؛ لأنهم يبكون بعد الدفن، وهو يعذب في القبر بجرمه وذنبه إذ ذاك، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. وقيل: يحتمل أن الله قضى وقدر أن يخفف عنه العذاب لو لم يبك أهله عليه، ويزيده عذاباً بذنبه أن لو بكى أهله عليه. وهذا والذي قبله حكاهما القاضي الحسين عن ابن سريج، وأيدا الثاني بأن مثل ذلك جائز؛ فإنه روى: "أنه- ﵇ أسر واحداً من عقيل، فحبسه مدة، ثم أمر بإطلاقه، فقيل له: أسرت ثقيف واحداً من المسلمين؛ فأمر- ﵇ باستدامة الحبس على العقيلي، فقال: بم أخذت؟ فقال- ﵇: بحلفائك من ثقيف" يعني: استدامة الحبس عليك بجرمك وذنبك؛ لما فعل حلفاؤك من ثقيف، يعني: من أسر

стр. 2273

المسلم. كذلك فيما نحن فيه. وقيل: إن العذاب المشار إليه حزنه بسماع بكائهم عليه؛ فإنه يرقُّ عليهم، ويسوءه إتيانهم بما يكره ربُّه، وقد روي أن ابن عباس وابن عمر اجتمعا على باب حجرة مات فيها بعض آل عمر، والنساء يبكين، فقال ابن عباس لابن عمر: هلا نهيتهن عن ذلك وقد سمعت أباك عمر يحدث عن رسول الله ﷺ : "إنَّ الميِّت ليعذَّب ببكاء أهله عليه"؟ فقالت عائشة: يرحم الله عمر! ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه"، ثم قالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فقال ابن عباس تصديقاً لها: "الله أضحك وأبكى"، يعني: لا ذنب للميت في أن يبكي عليه أهله. قال القاضي الحسين وغيره: ومعلوم أن في هذه الرواية ما في رواية عمر؛ لأنه كما لا يعذب المؤمن ببكاء غيره فلا يزاد في عذاب الكافر بذنب غيره؛ فلابد من تأويل، ويعود ما ذكرناه من قبل، والذي أشار إليه الشافعي: الأول؛ لأنه قال: وما زيد من عذاب الكافر فبسيئاته، لا بذنب غيره. وقال الإمام وغيره: إن الرواية الصحيحة عن عائشة أنها قالت: رحم الله عمر! ما كذب، ولكن أخطأ ونسي؛ إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية ماتت ابنتها وهي تبكي، فقال رسول الله ﷺ : "إنهم يبكون، وإنَّها تعذَّب"، وهذه الرواية لا تحوج إلى تأويل أصلاً؛ إذ ليس فيها إبداء تعذيب بسبب بكائهم، وقد نسب في "الوسيط" ما ذكرناه عن عائشة أولاً إلى قول ابن عمر، وإليها ما ذكرناه ثانياً.

стр. 2274

والمشهور نسبة القولين إليها، والله أعلم. قال: ويستحب لأقرباء الميت، [أي: الأبعدين]، وجيرانه أن يصنعوا طعاماً لأهل الميت- أي: الأقربين- لما روى أبو داود عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : "اصنعوا لأهل جعفر طعاماً؛ [فقد جاءهم] ما يشغلهم"، وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وكان هذا القول منه حين جاءه نعيُّ جعفر ابن أبي طالب، ولأن ذلك من البر والمعروف. قال الشافعي: وأحب أن يكون ذلك يشبعهم يومهم وليلتهم، ويستحب أن يلحَّ عليهم حتى يأكلوا. قاله الرافعي. وفي "الروضة": أنه لو كان الميت في بلدٍ وأهله في غيره، استحب لجيران

стр. 2275

أهله اتخاذ الطعام لهم. فلو قيل: يستحب لجيران أهل الميت، لكان أحسن؛ لتدخل فيه هذه الصورة. ولو اجتمع نسوة ينحن لم يجز أن يتخذ لهن طعامُ؛ فإنه إعانة على المعصية، وإصلاح أهل [البيت الطعام] وجمع الناس لم ينقل فيه شيء، وهو بدعة غير مستحب. قاله ابن الصباغ، والله أعلم.

стр. 2276

كتاب الزكاة أصل "الزكاة" في اللغة: النمو والبركة والمدح، يقال: زكا الزرع يزكو زكاءً بالمد إذا نمى [وكثر ريعه]، وزكت النفقة: إذا بورك فيها، وفلان زاك: إذا كان كثير الخير والمعروف، قال الله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤]، أي: نامية كثيرة الخير. وقيل: إن أصلها مع ذلك الطهارة، وإن كل ذلك قد استعمل في الكتاب الكريم والسنة النبوية. وقد أنكر داود بن علي أن لها موضوعاً في اللغة، وقال: ما عرف اسمها إلا بالشرع. وهي في الشرع: عبارة عن قدر من المال يخرجه المسلم في وقت مخصوص لأهل السهمان، مع النية، والصدقة تشرك الزكاة في هذا المعنى، وهما يقعان على زكاة الأموال، وزكاة الأبدان وهي صدقة الفطر، والكتاب يشملهما. وقد قيل: إنما سمي ذلك زكاة؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجه ودعاء المصروف إليه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]، وقيل: لأن مؤديها يتزكى إلى الله تعالى، أي: يتقرب إليه بصالح العمل. وقيل: لأنها تزكي صاحبها، أي: تشهد بصحة إيمانه، وتطهره. والأصل في وجوبها على الجملة قبل استقرار الإجماع عليها في زمن أبي بكر- ﵁ من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥] وقوله: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] قال الشافعي ﵀: الكنز المراد في الآية: هو المال الذي لا تؤدى زكاته سواء كان مدفوناً أو ظاهراً، وسمي الظاهر:

стр. 2277

كنزا؛ لأنه منع من إخراج الزكاة، كما منع دفنه من التلف والنقصان، وقد جاء ما يعضد ذلك؛ روى أبو داود عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، إني ألبس أوضاحا من ذهب، أفكنز هي؟ قال: ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز". وروى الشافعي بسنده عن ابن عمر أنه [كان] يقول: ما أدي زكاته، فليس بكنز، ولو كان تحت سبع أرضين. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة: ٥]، واختلف [أصحابنا] في أنها مجملة أو عامة، على وجهين: أحدهما: أنها عامة، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فتكون حجة في كل مختلف فيه، إلا ما أخرجه الدليل. والثاني- وهو قول أبي إسحاق، كما قال ابن الصباغ، وطائفة كما قال الماوردي، وادعى البندنيجي والروياني في "البحر" أنه المذهب-: أنها مجملة كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ لأنه يفتقر إلى قرينة تعين المراد به، بخلاف آية السرقة، فعلى هذا تدل على وجوب الصلاة والزكاة في الجملة، وهو المقصود هنا. ومن السنة قوله ﵇: "بني الإسلام على خمس .. " الحديث، وغيره مما سنذكره إن شاء الله تعالى. قال: لا تجب الزكاة أي في المال، إلا على حر مسلم تام الملك على ما

стр. 2278

يجب فيه الزكاة: أما وجوبها على الحر المتصف بما ذكره إذا كان بالغاً عاقلاً؛ فلما ذكرناه من الأدلة، وهو إجماع. وأما إذا كان صبياً؛ فلرواية الشافعي بسنده أن رسول الله ﷺ قال: "ابتغوا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة"، وروى الدارقطني بسنده عن رسول الله ﷺ : "من ولي يتيما له مال، فليتجر فيه، ولا يتركه [حتى] تأكله الصدقة"، وأراد صدقة الفطر والمال.

стр. 2279

وأما إذا كان مجنونا فبالقياس على الصبي، وأيضاً فعموم قوله ﷺ لمعاذ: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" يشملها، ولأن الزكاة حق مالي يجب بغير عقد على سبيل الطهرة يستوي فيه الرجال والنساء؛ فوجب أن يستوي فيه المكلف وغير المكلف: كزكاة المعشرات وزكاة الفطر، وقد وافقنا أبو حنيفة- وهو الخصم- على وجوب ذلك عليهما. واحترزنا بقولنا: "بغير عقد" عن البيع، وبقولنا: "يستوي فيه الرجال والنساء" عن تحمل العقل. وقد امتنع بعض أصحابنا كما قال المتولي وغيره من إطلاق القول بوجوب الزكاة عليهما، وقال: إنها تجب في مالهما، والولي مخاطب بالإخراج، وبعضهم لم يمتنع من ذلك، بل قال: إنها تجب عليهما [في مالهما] والولي مخاطب بأدائه، كنفقة الأقارب، وأروش الجنايات، وهذا هو الذي صححه القاضي الحسين. فإن قيل: لا نسلم أن ملك الصبي والمجنون تام؛ لأنهما غير قادرين على التصرف فيه، وذلك موهن للملك، كما سيأتي. قيل: تمام الملك عبارة عن تهيئة المال لكمال التصرف، ومالهما مهيأ له، ووليهما نائب عنهما فيه فيما يقبل النيابة. نعم ملك الجنين المال الموصى به

стр. 2280

وغيره غير تام؛ لأن القضاة لا ينصبون القوام كي يتصرفوا في مال الأجنة، بل هو موقوف على ما يتبين من بعد، ولهذا جزم القاضي الحسين بعدم الوجوب، وهو الذي حكاه الإمام عن الأئمة موجهاً له بأن حياة الحمل غير موثوق بها، وكذلك وجوده بعد أن حكى تردداً عن شيخه في وجوب الزكاة [فيه] [وقيده] في باب من تلزمه زكاة الفطر، بما إذا خرج حياً، والماوردي حكى الوجهين فيما ملكه بالوصية قبل باب ما يسقط الزكاة عن الماشية، و [قال]: يشبه أن يكونا مخرجين من اختلاف قوليه في الوصية، هل تملك بموت الموصي أو بالموت والقبول؟ وهذا منه يدل على اعتقاده أنه لو ملك ذلك بالإرث، وجبت لا محالة. قلت: والذي يقتضيه كلام الشيخ أنه لا زكاة عليه؛ لأنه نفى أن يكون له ملك أصلا؛ حيث قال في باب الوقف: وإن وقف على من لا يملك الغلة كالعبد والحمل، والله أعلم. وأما انتفاء الوجوب عمن عدا ذلك فسنذكر دليله إن شاء الله تعالى. قال: فأما المكاتب، فلا زكاة عليه؛ لما روى جابر عن النبي ﷺ قال: "ليس في مال المكاتب زكاة حتى يعتق" أخرجه الدارقطني، إلا أن إسناده ضعيف كما قاله عبد الحق، وقد روي مثله عن عمر موقوفاً، ولا مخالف له، ولأن
следующие страницы →