← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

فكان على عمومه، ولأن الحول وقت في وجوب الزكاة لأجل النماء، والسخال نماء في أنفسها فوجب أن يكون وجودها مع أصلها موجباً للزكاة كالحبوب والثمار. فإذا ثبت هذا فاعلم أن كلام الشيخ قد اشتمل على صورتين: إحداهما- وهي مما لا خلاف فيها عندنا-: إذا بقي النصاب إلى آخر الحول، وقد حصل منه ما يتم به نصاب آخر: كما إذا كان عنده تسع من الإبل، أو تسع وعشرون من البقر، أو مائة وعشرون من الغنم فنتجت واحدة قبل الحول، فيجب في المثال الأول والأخير شاتان، وفي الثاني مسنة. والصورة الثانية: وهي المستفادة من قوله: "وإن لم يمض عليه حول"-: أن تموت الأمهات بجملتها أو يبقى منها دون النصاب وتمامه من السخال موجود؛ فتجب الزكاة فيه أيضاً، عملاً بما ذكرناه. وقال أبو القاسم الأنماطي شيخ ابن سريج وتلميذ المزني: إن الحول قد انقطع بموت كل الأمهات، وكذا بموت البعض. ووافقه في الأولى دون الثانية بعض الأصحاب كما نقله ابن كج عن رواية أبي حامد، وهو المنقول عن أبي حنيفة أيضاً. وتمسك الأنماطي لقوله بأنه ثبت لذلك حكم أمهاته إذا كن نصاباً؛ فإذا فقدن أو نقص النصاب امتنع الضم كما في الابتداء؛ [لما ذكرناه] قال الإمام وغيره: وهو غير معدود من المذهب، وقال في "المهذب": إنه ينكسر عليه بأم الولد؛ فإنه ثبت لولدها حكهما في الاستيلاد مع بقائها حتى يعتق بعتق السيد كما تعتق هي بموته، ولو ماتت قبل السيد لم يبطل ذلك الحكم في حق الولد وإن بطل في حقها. واحتج الماوردي على بطلان الوجه الأخير بالإجماع؛ فإنه روي أن أبا بكر قال في أهل الردة: "والله لو منعوني عقالا مما أدوه إلى رسول الله لقاتلتهم

стр. 2347

عليه"، وبإجماعنا مع أبي حنيفة على أن العناق لا يؤدى في الزكاة من مال فيه كبار؛ فثبت أن ذلك يؤدى من الصغار، وكان هذا منه بحضرة المهاجرين والأنصار، وكل رجع إلى قوله فثبت إجماعهم عليه. أما ما نتج من دون النصاب وكمل به النصاب، فابتداء حوله مع أصله من حين نتاجه لا خلاف فيه عندنا؛ لأن الحول إنما ينعقد على نصاب، وما ينتج من النصاب غير مملوك لمالك النصاب، كما إذا أوصى لشخص بالأمهات، ولآخر بحملهن، فلا يزكى لحول النصاب، وكذا لو نتج مملوكاً لمالك النصاب لكن بسبب غير ملك الأمهات، كما لو أوصى الموصى له بالحمل لمالك الأمهات به، ومات قبل النتاج ثم حصل النتاج؛ لأنه ملك بطريق مقصود فيجعل كالمستفاد قاله في "التتمة". وما ينتج من النصاب بعد الحول إن كان بعد التمكن من الأداء فلا يزكى للحول الأول بلا خلاف، وإن كان قبل التمكن فمن الأصحاب من قال: إن الحكم فيه كذلك، وهو الذي أورده كثيرون مستدلين به للقول الصحيح في أن التمكن شرط الضمان [لا شرط] الوجوب؛ إذ لو كان شرطاً للوجوب لكان كما ينتج في أثناء الحول، وهذا ما أورده في "الوسيط" تبعاً للإمام والقاضي الحسين في موضع من كتابه وإن قال في [موضع] آخر منه ما سنذكره. ومنهم من حكى في ذلك قولين، وهؤلاء اختلفوا في أصلهما: فمنهم من قال: إنهما ينبنيان على أن التمكن شرط الضمان أو الوجوب؟ فإن قلنا بالأول فالحكم كما تقدم، وإلا فكما لو نتجت قبل الحول، وينسب هذا إلى القاضي أبي حامد. ومنهم من قال: أصلان بأنفسهما غير مبنيين على ما ذكر. حكى الطريقين هكذا القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمصنف، وقالوا: عدم الضم، وقال في "الإبانة": إن قلنا: إن التمكن شرط الضمان، فهي كما لو نتجت

стр. 2348

بعد الحول والتمكن وإلا فوجهان: أحدهما: يضم لأنه لم يحصل وجوب الزكاة في وقت الاستفادة، فأشبه ما قبل الحول. والثاني: لا يضم؛ لأنه استفاده في الحول الثاني؛ بدليل أن الحول الثاني إنما انعقد من وقت تمام الحول الأول. قلت: وهذا منه يدل على أن القائل بالوجه قبله يسلم أن ابتداء الحول الثاني من وقت تمام [الحول] الأول وإلا لما كان ذلك دليلاً عليه، وليس الأمر كذلك؛ فإن القاضي الحسين قال في باب "كيفية فرض الإبل: إن من أصحابنا من قال على قولنا: إن التمكن شرط الوجوب يكون ما حصل من النتاج بعد الحول وقبل التمكن جارٍ فيه الحول الأول، وإن ابتداء الثاني من حين التمكن كما قاله مالك ﵀. وما تجدد [في] ملكه من السخال بغير النتاج، بل بالبيع الشراء والإرث والاتهاب ونحو ذلك فلا يزكى بحول النصاب وإن كانت منها بلا خلاف؛ لقوله ﵇: "من استفاد مالاً فلا زكاة فيه حتى يحول عليه الحول" رواه الترمذي غير أنه قال: ويروى عن ابن عمر موقوفاً، وهو أصح. ولأن الأصل اشتراط الحول للخبر، خالفناه في النتاج والأرباح لمعنى لا يوجد في غيرهما، وهو أنه من نمائه ويشق إفراده بالحول؛ فوجب أن يبقى فيما عداه على الأصل، لكن لك أن تقول: قد تقدم ما يقتضي أن عدم اشتراط الحول في السخال هو الأصل؛ فبطل هذا الاستدلال. ثم على ما ذكرناه ماذا يجب عليه؟ هذا يظهر من قاعدة قررها الأصحاب، وهي أن [المال] المتجدد من جنس ما عنده في أثناء الحول هل يضم إلى المال الأول حتى يجعلا كالمال الواحد، أو لا؟ وللشافعي في ذلك قولان: أحدهما- وهو القديم-: عدم الضم، ولكن ينفرد الأول بحوله والثاني بحوله،

стр. 2349

ويجب في كل منهما ما كان يجب فيه لو اجتمعا في الحول. والجديد: الضم، لكن أثره إنما يظهر [في المال المتجدد، وأما في المال القديم فلا، وثمرة ذلك تظهر] لك في التفريع. وعن ابن سريج: أنه لا يضم إليه أصلاً؛ كما لا يتبعه في الحول، بل يفرد بالحول إن كان نصاباً في نفسه ويجب فيه ما كان يجب لو لم يكن له غيره. ونقل صاحب "التتمة" وجهاً آخر: أن المتجدد لا يضم إلى المال القديم في الحال، ولا يعقد له حول من حين ملكه، فإذا تم نصاب الأول ضممنا إليه المتجدد، وانعقد الحول عليهما من ذلك الوقت؛ حتى لا يؤدي إلى تبعيض ملك الواحد، على ما نذكره في التفريع. وقد حكاه الرافعي عن بعض الشروح في بعض الصور، وقال: إنه يطرد في غيرها. فإذا عرفت ذلك نظرت: فإن لم يكن المتجدد نصاباً في نفسه لو انفرد، ولا يكمل به النصاب كما لو كان عنده خمس من الإبل ستة أشهر مثلاً، ثم ملك أربعاً منها أو ثلاثين من البقر، ثم ملك تسعاً [منها أو] أربعين من الغنم، ثم ملك عشرة منها- قال الأصحاب: لم يكن بهذه الزيادة حكم بحال. قلت: وقد يقال: إذا قلنا بالقول القديم الذي تقدمت حكايته، وأن فرض النصاب يتعلق بالجميع- أن يكون لها أثر في الضمان على تقدير تلف البعض، وإن لم يكن لها أثر في [الضمان على تقدير] وجوب شيء. وإن كان المتجدد ليس بنصاب في نفسه لو انفرد، لكنه يكمل به نصاب آخر، كما إذا كان قد ملك غرة المحرم ثلاثين من البقر مثلاً، ثم ملك بعد ستة أشهر عشرة منها فعلى قياس القول القديم: تجب في الثلاثين عند تمام حولها ثلاثة أرباع مسنة [وفي العشرة المتجددة عند تمام حولها وهو بعد مضي سنة: ربع مسنة] والمنقول: أن الواجب فيها إذا تم الحول على الأول تبيع، وإذا تم حول العشرة وجب ربع مسنة.

стр. 2350

قال القاضي أبو الطيب: ولا يختلف المذهب في ذلك، وهذا هو مقتضى التفريع على الجديد؛ لأن الثلاثين لم يثبت لها حكم الخلطة مع [العشرة في] حول كامل فانفردت بحكمها، والواجب فيها تبيع، ويجب [في حول العشرة] ربع مسنة؛ لأنه يثبت لها حكم الخلطة في حول كامل؛ فوجب فيها بالقسط، والواجب في الأربعين مسنة، فيخص العشرة ربعها ويجب إخراج ذلك كذلك [وهكذا الحكم في كل مسنة] كما صرح به القاضي الحسين. ثم قال: فإن قيل: كيف توجبون على رأس كل حول ثلاثة أرباع مسنة، وعلى كل حول العشرة ربع مسنة، وذلك إيجاب للشقص، ولا مدخل لإيجاب الشقص [في الزكاة؛ ألا ترى أنه لا يجب في خمس من الإبل خمس بعير؟ قلنا: ليس هذا بإيجاب الشقص، وإنما هو إيجاب الكامل متفرقاً على الشهور في سنة واحدة] وإنما الإضرار برب المال والمساكين في إيجاب الشقص رأس كل سنة، [وإيجاب] خمس البعير عن الخمس منه انتهى. قال ابن الصباغ: وما ذكرناه- يعني في إيحاب ربع المسنة في العشر- إنما يتصور على القول الذي يقول: إن الزكاة تتعلق بالذمة، ولم يخرج منها فأما إذا قلنا: إنها استحقاق جزء من العين، أو قلنا: هي في الذمة فأخرج منها قبل تمام الحول الزيادة- لم يجب في الزيادة شيء؛ لأنه لا يتم بها نصاب. انتهى. وعلى قياس مذهب ابن سريج، وبه صرح: أنه لا يجب في العشرة في السنة الأولى شيء، وإن أخرج الزكاة من غيرها وقلنا: إنها تجب في الذمة؛ لنقصها عن النصاب. نعم، إذا انقضى حول الثلاثين انعقد الآن الحول على الأربعين؛ فيجب فيها عند انقضائه مسنة، وعلى الوجه الآخر الذي حكاه في "التتمة" لا يخفى التفريع. ولو كان المستفاد نصاباً في نفسه لو انفرد، لكنه لا يبلغ مع الأول نصاباً ثانياً، وذلك يفرض في الغنم، مثل أن يكون قد ملك غرة المحرم أربعين منها، ثم بعد ستة أشهر ملك أربعين- فقياس القديم: أنه يجب عليه عند تمام حول الأولى نصف شاة [وعند تمام حول الثانية نصف شاة، وقد حكاه الإمام والقاضي أبو

стр. 2351

الطيب، وقياس الجديد: أنه يجب عليه عند تمام حول الأولى شاة] وبه صرح في "المهذب" وغيره، وحكى فيما إذا تم حول الثانية ثلاثة أوجه، حكاها الماوردي وأبو الطيب والبندنيجي أيضاً: أحدها: أنه يجب فيها أيضاً شاة؛ لأنها منفردة بحولها فانفردت بحكمها وهذا قياس ابن سريج. والثاني يجب فيها نصف شاة؛ لوجود الخلطة فيها، وهذا قياس القول الجديد. والثالث- وهو أصحها كما قال تبعاً لصاحب "الإفصاح"-: أنه لا [يجب] شيء فيها، وقال أبو الطيب وابن الصباغ: إنه الأقيس. قلت: وهذا والذي قبله قد يقال بأنه يمكن بناؤهما على أن الوقص هل يتعلق به [الوجوب أم لا؟ فإن قلنا: يتعلق به] وجب نصف شاة، وإلا فلا شيء فيها، وقياس الوجه الآخر غير خاف على من عرفه، وقد صرح به في "التتمة" حيث قال: إذا ملك خمسين من الإبل، فلما مضى من الحول ستة أشهر استفاد عشرة فإذا تم حول الخمسين وجب عليه في ظاهر المذهب حقة، وأما العشرة التي استفادها فإن قلنا الوقص عفو، فلا شيء فيها، وإلا وجب فيها سدس حقة. ولو زاد ملكه على الثمانين، بأن ملك أربعين أول المحرم وأربعين أول صفر، وأربعين أول ربيع الأول- فالمحكي عن القديم وهو قياسه أنه يكون في الجميع شاة في كل أربعين ثلثها، والجديد: أنه يجب في الأولى شاة عند تمام حولها، وفي الأربعين الثانية والثالثة وجهان حكاهما الماوردي عن رواية ابن سريج: أحدهما: تجب في كل أربعين عند تمام حولها شاة، وهو قياس مذهب ابن سريج الذي تقدمت حكايته؛ ولأجل ذلك نسبه القاضي الحسين والمتولي إلى ابن سريج نفسه. والثاني: تجب في الأربعين الثانية نصف شاة، وفي الأربعين الثالثة ثلث شاة، وهو قياس الجديد إن قلنا: إن فرض النصاب يتعلق بالجميع، ولأجله قال القاضي الحسين: إنه مذهب الشافعي.

стр. 2352

ثم وجوب النصف في السنة الأولى عن الأربعين الثانية على هذا- كما قال الماوردي- إذا كان قد أخرج الزكاة من غير المال، وقلنا: الزكاة في الذمة، فإن أخرجها من المال أو قيل: إنها في العين، فعليه أربعون جزءاً من تسعة وسبعين جزءاً من شاة، [ووجوب الثلث في الأربعين الثالثة- كما قال الماوردي والقاضي الحسين والمتولي- إذا كان قد أخرج زكاة المالين من غيرهما، وقيل: إن الزكاة في الذمة، فإن كان قد أخرجها من المالين، أو قيل: إنها في العين- فعليه أربعون جزءاً من مائة شاة، وثمانية عشر جزءاً ونصف جزء من شاة]. قال القاضي: إلا شيئاً قليلاً، فينظر كم المؤدى في الزكاة في الدفعتين، فيحط ذلك عن مائة وعشرين، فما يبقى أضيف إليه أربعون جزءاً فيقال: [يجب] أربعون جزءاً من كذا وكذا. وقياس [الوجه] الثالث في المسألة قبلها الذي صححه في "المهذب"، وقلنا: إنه يمكن بناؤه على أن الوقص لا يتعلق به شيء: ألا يجب في الأربعين الثانية والثالثة عند تمام حولهما شيء، وبه صرح الماوردي فيها واختاره في "المرشد" ولا يقال: إنه عن القول القديم الذي تقدمت حكايته؛ لأن على القديم نجعل الواجب شاة، في كل أربعين ثلثها، وعلى هذا الوجه الشاة مقابلة الأربعين الأولى. وفائدة الاختلاف تظهر عند التلف [بعد الحول] وقبل التمكن من الأداء، وفي جواز التصرف في المال. وحكى الماوردي وجهاً رابعاً في المسألة: أنه إن خلط الجميع وسامها في مرعى واحد كانت تبعاً، وإن فرقها فلكل واحد حكم نفسه، وإذا تأملت ما أوضحناه قست عليه ما عداه كما هو في معناه. تنبيه: قوله: "ينتج من النصاب" هو بضم أوله وفتح ثالثه، معناه: يولد، يقال: نتجت الشاة والناقة- بضم النون وكسر التاء- تنتج نتاجاً: ولدت، وقد نتجها

стр. 2353

أهلها بفتح النون. قال: وإن باع النصاب في أثناء الحول، أي: ولو بمثله، لا لقصد التجارة، وقلنا: إن الملك للمشتري- انقطع الحول؛ لما روي [عن] ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول عند ربه" كذا حكاه في "الحاوي" ووجه الدلالة منه: أنه علق الزكاة بتمام الحول عند ربه، ولم تتحقق، أما إذا قلنا: إن الملك للبائع في زمن الخيار، وتم العقد- فإن انقطاع الحول يكون بانقطاع الخيار، وإن انفسخ العقد أو فسخ لم ينقطع أصلاً، صرح به الرافعي. ثم حيث قلنا: إنه ينقطع بالبيع، فلا فرق بين أن يكون قد فعله لحاجة أو لأجل الفرار من الزكاة؛ لعموم الخبر. قال الشافعي: لأن الزكاة إنما تجب بالملك والحول لا بالفرار. قال القاضي الحسين: معناه: أن مجرد الفرار لا يوجب الصدقة بالإجماع، وقصد الشافعي بما ذكره الرد على مالك حيث قال: لا ينقطع الحول وتجب الزكاة، كما لو طلق زوجته في المرض. وأصحابنا قالوا: إن سلمنا أن المطلقة في المرض ترث فالفرق: أن حق الورثة يتعلق المال في مرض الموت؛ بدليل منعه من التبرعات فيما زاد على الثلث، وحق الفقراء إنما يتعلق بعد الحول؛ فنظيره تطليقها في الصحة. وقد حكى الرافعي عن المسعودي أنه أشار إلى أنه إذا عاد إلى ملكه يبني ولا يستأنف، ونقل القاضي ابن كج أنه إذا باع وقد قرب الحول؛ فراراً من الزكاة أخذت منه الزكاة، قال: وهذا يوهم الاكتفاء بما مضى من الحول. والمشهور الأول، وما ذكره الرافعي عمن ذكرناه فالذي يظهر لي أنه قال عنهما حكاية لمذهب مالك، لا أنه في مذهبنا؛ لأنه ذكره عقيب ذكره مذهب مالك واستقصاء له عن مأخذه، ويؤيد ذلك أنه عند ذكره ما تقدم لم يذكره. وحكم بيع بعض النصاب في أثناء الحول بما لا يثبت خلطة بينه وبين غيره، حكم بيع الجميع، وكذا أثلاث المجموع، والبعض. نعم، لو كان البيع يثبت بشركة كما إذا كان له أربعون من الغنم ملكها أول

стр. 2354

المحرم، ولآخر مثله، وقد ملكها في أول المحرم أيضاً، فباع أحدهما نصف غنمه بنصف غنم الآخر فإنه ينقطع الحول فيما تبايعاه قولاً واحداً، وما لم يتبايعاه، هل ينقطع فيه الحول؟ فيه طريقان في "المهذب" و"تعليق" أبي الطيب وغيرهما: إحداهما: لا ينقطع قولاً واحداً، وبها قال أبو إسحاق وغيره، وهي الصحيحة. والثانية: أن في انقطاعه قولين، فإن قلنا: لا ينقطع، فماذا يجب عليه؟ فيه كلام سنذكره، إن شاء الله تعالى. قال: وإن مات ففيه قولان: أصحهما: أنه ينقطع؛ لأن ملك الميت قد زال وتلقاه الوارث عنه؛ فأشبه ما لو انتقل إليه بالبيع ونحوه، وهذا ما صححه عن الشيخ أيضاً وبه جزم في الوجيز، ويحكى عن أبي إسحاق القطع به، والمنع من إثبات قول آخر في المسألة. قال: والثاني: أن الوارث يبني على حول الموروث، لأن من ورث مالا ورثه بحقوقه التي عليه وله، أصله: الشفعة والرهن والرد بالعيب؛ فإن الشفعة قد تكون حقاً على [المال كما] إذا ورث شقصاً للغير فيه شفعة، وقد يكون حقاً له: كما إذا ورث شقصاً ثبت لمورثه بسببه الشفعة في شقص آخر؛ فإن الحقين لا يسقطان بالموت، والوجهان يفرضان هكذا في الرهن والرد بالعيب، هذا ما حكى عن القديم. والقائلون بالأول- وهو المعزي للجديد- قالوا: لا تعلق للحق بالمال قبل تمام الحول؛ فلم يمت ربه وقد تعلق به حق، بخلاف ما قيس عليه فإن الحق كان قد تعلق فلم يبطل بالموت. التفريع: إن قلنا بالأول فالحكم كما قلنا إذا ملك الشخص مالا مبتدأ بالاتهاب ونحوه، ولا يخفى حكمه. نعم، قال الأصحاب: لو كان معداً للتجارة لم ينعقد عليه الحول عند انتقاله إلى الوارث ما لم يتصرف فيه بنية التجارة. ولو كان سائمة، ولم يعلم الوارث الحال حتى تم حول فهل تجب الزكاة أم يبتدئ

стр. 2355

الحول من يوم علم؟ قال الرافعي: فيه خلاف مبني على أن قصد السوم هل يعتبر أم لا؟ قلت: وإذا كان مأخذ [اعتبار] استئناف الحول قصد السوم، فينبغي أن يقال: هل تجب الزكاة أم يبتدئ الحول من حين قصده السوم لأن إذا علم بالحال قد لا يقصد السوم فلم يوجد الشرط، وإن قلنا بالثاني نظر: فإن تعدد الوارث، وبلغ نصيب كل منهم نصاباً وجبت الزكاة في آخر الحول وكذا إن كان دون النصاب وكان ماشية أو غير ماشية، وقلنا بتأثير الخلطة فيه، ولم يقسموا أما إذا قلنا: لا تأثير للخلطة فيه، انقطع الحول، قال العجلي: ويحتمل أن يقال: نجعل الورثة كالشخص الواحد وكأنهم عين المتوفى، ونستديم ذلك في حقهم في هذه الصورة ولا يبعد إثبات الخلطة في هذه الصورة على الخصوص؛ كما لا يبعد استدامة الحول مع انقطاع الملك وتجدده. ولو ارتد في أثناء الحول، ثم عاد إلى الإسلام- فقد تقدم حكمه-. قال الشيخ ﵀: وأول نصاب الإبل خمس، بدأ الشيخ من المواشي بالإبل؛ اتباعاً للشافعي، والشافعي بدأ بها؛ اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإنه بدأ بها في أكثر الكتب التي كتبها للسعاة، ومنها ما سنذكره، والمعنى فيه أنها كانت أعم أموالهم ويصعب ضبطها؛ فبدأ بها لنفع الغاية بها؛ ولهذا المعنى كتب النبي ﷺ نصب المواشي وواجبها في صحيفة، وتركها في قراب سيفه ولم يكتب ما عداها من فروض الصلاة ومواقيتها، والصوم وأحكامه، والحج ومناسكه، بل اقتصر على القول في ذلك. ونصب الإبل أحد عشر: أربعة منها يجب فيها غير الجنس، ويتغير الفرض فيها بزيادة [السن لا غير] وأربعة [منها يجب] فيها الجنس، ويتغير الفرض فيها بزيادة العدد لا غير، والثلاثة الباقية يجب فيها الجنس ويتغير الفرض فيها بزيادة العدد. والدليل على أن أول نصاب الإبل خمس- مع ما يفهمه ما سنذكره من كتاب

стр. 2356

أنس- ما روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة". قال القاضي الحسين: وهو مما لا خلاف فيه بين الأئمة. قال: فتجب فيه شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، الأصل في ذلك عند الشافعي: رواية أنس وابن عمر ﵄: فرواية أنس أن أبا بكر الصديق- ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، التي أمر الله بها رسوله، فمن سألها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سأل فوقها فلا يعط في أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم في كل خمس شاة فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها ابنة لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. ومن لم يكن عنده إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمساً من الإبل ففيها شاة" أخرجه البخاري مقطعاً في

стр. 2357

مواضع من كتابه مع زيادة فيه نذكرها في مواضع الحاجة إليها- إن شاء الله تعالى- وأخرجه أبو داود بكماله وإن اختلفت بعض ألفاظه ووجدت فيه زيادة سنذكرها. ورواية ابن عمر كما قال الشافعي في "الأم": أخبرنا أنس بن عياض عن موسى بن عتبة عن نافع عن عبد الله بن عمر: "إن هذا كتاب الصدقة" فذكر نحوه وزاد فيه: "فقال في آخره: هذه نسخة كتاب عمر بن الخطاب" وحكى المعنى من أوله إلى قوله: "ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة"، وهذا نص في المدعى. قال أصحابنا: وإنما أخذ الشافعي برواية المذكورين دون رواية علي وعمرو بن حزم، وإن كان قد روياها مستوفاة أيضاً؛ لثلاثة أمور: أحدها: أنهما أصح إسناداً. والثاني: أن كليهما ذكر من طريقين ثابتين، بخلاف ما عداهما. والثالث: أنهما معمول بهما بخلاف ما رواه غيرهما؛ فإن فيه ما اتفق على ترك العمل به، وهو أن الواجب في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه. فإن قيل: حديث أبي سعيد الخدري السابق يقتضي نفي الوجوب في الخمس والعشر من الإبل؛ لأنه أضاف "الخمس" إلى "الذود"، والذود- بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبعدها دال مهملة: هو ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقيل: ما بين الثلاث والعشر، والخمس منه أقلها على التفسير الأول: خمسة عشر، فدونها دون الخمسة عشر، وإذا كان كذلك فقد عارض حديث أنس وابن عمر. فجوابه: أن منهم من [رواه] "خمس ذود" بالتنوين على البدل لا على الإضافة، وعلى هذا اندفع السؤال. ومن رواه على الإضافة قال: الحديث دال على جواز استعماله في الواحد، أو هو دال على الجمع، والجمع إذا وقع مميزاً لا يقتضي زيادة على العدد المذكور ويشهد لذلك قوله: "وعلى خمسة دراهم" فإن دراهم جمع ولا يقتضي لفظه أكثر من خمسة منها، والله أعلم.

стр. 2358

وقد تكلم أصحابنا في تفسير بعض ألفاظ الخبر، فقالوا: قوله: "هذه فريضة الصدقة" أي هذه نسخة فريضة الصدقة؛ لأن النبي ﷺ كان كتبها في نسخة ووضعها في قراب سيفه، فلما توفي وعاد الأمر لأبي بكر أخذها من قراب سيفه، وكان يعمل عليها مدة حياته، ثم مات فعمل بها عمر بعده مدة حياته، كذا نقله الماوردي، ونقل القاضي الحسين أن أبا بكر كان قد استنسخ كتاب أنس من كتاب كتبه له النبي ﷺ وعليه خاتمه وكان في صدره مكتوباً: "هذه الصدقة" فهذه ترجمة الكتاب وعنوانه مثل أن يكتب على ظهر محضر أو سجل: هذا محضر فلان. وقوله: التي فرض رسول الله ﷺ ، قيل: يحتمل أن يكون المراد: التي قدرها رسول الله ﷺ كما يقال في "فرض القاضي النفقة": أي قدرها. وهذا ما جزم به الصيدلاني، ولم يورد الماوردي غيره. وقيل: يحتمل أن يكون المراد: التي أوجبها، وهو قول المسعودي. والاحتمالان أوردهما ابن الصباغ. وقوله: التي أمر الله بها رسوله إشارة إلى قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]. وقوله: "فمن سأل فوقها فلا يعط" قيل: معناه: فلا يعط شيئاً؛ لأنه إذا طلب ما لا يستحق بطلت أمانته قال الماوردي: وعلى هذا لا يجب الدفع إليه. وقيل: فلا يعط الزائد، وهو الأصح في "الشامل"، وفي "تعليق" القاضي الحسين وقال: إن مقابله مذهب المعتزلة في أن الولي ينعزل بالجور، ومذهب أهل الحق: أنه لا ينعزل، قال الماوردي: وهذا إذا طلب الزائد بغير تأويل، فإن كان يتأول مثل أن طلب الكبيرة عن الصغار تعين الثاني. تنبيه: قول الشيخ: "وفي عشر شاتان" إلى قوله: "وفي عشرين أربع شياه" يظهر أنه ليس على معنى أن الشاتين في العشر والشاة في الخمسة عشر والعشرين وجب مجموعها في مقابلة المجموع والجزء في مقابلة الجزء حتى لو تلفت واحدة من العشر بعد الحول وقبل التمكن، وقلنا: إن التمكن شرط الضمان،

стр. 2359

يسقط ما في مقابلها من الشاتين أو الشاة، حتى لو كان المال عشراً سسقط عشر الشاتين، ويكون الواجب تسعة أعشارها، بل بمعنى أن في كل خمس [من ذلك] شاة، حتى لو تلفت من العشر كما ذكرت واحدة نقول: سقط عنه خمس شاة، ووجب عليه شاة وأربعة أخماس شاة، ويدل عليه من قول الأصحاب ما قاله الإمام من بعد: أن المشايخ قالوا: إذا ملك نصابين فواجب كل نصاب منحصر فيه، وزعموا أن هذا متفق عليه، ويشهد له من السنة ما تقدم ذكره من رواية أنس عن كتاب أبي بكر، وأصرح منه ما رواه أبو داود في الخبر المذكور وهو قوله: "فيما دون خمس وعشرين من الإبل في كل خمس ذود شاة". ويجيء في المسألة وجه آخر من قول الإصطخري، فيما إذا ملك أربعمائة من الإبل: أنه لا يجزئه إلا ثمان حقاق أو عشر بنات لبون؛ لأنه جعل المجموع شيئاً واحداً، وجعل الواجب في مقابلته؛ إذ لو كان لكل شيء منه حكم عنده لقال بما قال به أئمة المذهب كما سنذكره-: إنه يجزئه أربع حقاق وخمس بنات لبون، وهذا لا يتجه غيره فيما إذا وجب عليه بنتا لبون وحقتان. ثم اعلم أن الأصحاب قالوا: إيجاب الشرع الشاة في الخمس على خلاف قاعدة الزكاة شرعها رفقاً بأرباب الأموال؛ لأنه لو أوجب فيها بعيراً لأضر بهم، ولو أوجب فيها خمساً- كما هو القياس حيث أوجب في خمس وعشرين- لأضر بالفريقين لعسر المشاركة والتشقيص فجمع بإيجاب الشاة فيها بين المصلحتين، ونفي كلا من الضررين. نعم، هل أوجبها أصلاً بنفسها أو بدلاً عن خمس البعير المجزئ في خمس وعشرين؟ فيه وجهان لأصحابنا، وادعى الإمام أن الثاني منهما لا يناسب مذهب الشافعي، وقد غلط من ظن ذلك من قول بعض الأصحاب إنه يشترط ألا تنقص قيمة البعير المخرج مكان الشاة عن قيمة شاة مجزئة، ولهذا الاختلاف أثر يظهر لك من بعد. قال: فإن أخرج منها بعيراً قبل منه؛ لأنه إذا أجزأ عن خمس وعشرين فما

стр. 2360

دونها وهو بعضها أولى، وهذه الدلالة تسمى دلالة فحوى الخطاب ومنها قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فكان النهي عن الضرر من طريق الأولى. ثم ظاهر كلام الشيخ أن الضمير في قوله "منها" يعود إلى العشرين، وبه صرح في "المهذب"، وإذا كان كذلك كان مقتضاه قبوله فيما دون ذلك من طريق الأولى؛ عملاً بما ذكرناه، وقد حكى الأصحاب من الطريقين وجهاً آخر: أنه لا يجزئه من العشرين إلا أربعة أبعرة، أو ثلاثة أبعرة وشاة، أو بعيران وشاتان، أو بعير وثلاث شياه، وكذا لا يجزئه في الخمسة عشر إلا ثلاثة أبعرة، أو بعيران وشاة، أو بعير وشاتان [وفي العشر بعيران أو بعير وشاة]. وبعضهم بناه على أصل مقصود في نفسه، وهو أنه إذا أخرجه عن الخمس أجزأه بلا خلاف، لكن ما الواجب فيه: هل كله أو خمسه؟ وفيه قولان أو وجهان مذكوران في الطريقين، قال القاضي الحسين- وتبعه البغوي-: إنهما مبنيان على أن الشاة وجبت أصلاً [أو بدلاً عن خمس؟ يعني: وفيه الخلاف السابق: فإن قلنا: وجبت أصلاً] فالواجب كله، وإلا فخمسه فإن قلنا إن الواجب كله لم يجزئه البعير الواحد عن العشرين ولا عن [العشرة؛ بل لا بد معه مما ذكرناه، وإن قلنا: إن الواجب خمسه، أجزأه عن] العشرين فما دونها. وهذا البناء يقتضي أن يكون الراجح عند أئمة المذهب: عدم الإجزاء؛ لأن الراجح عندهم أن الواجب كله كما ذكره ابن الصباغ والبغوي وصاحب "المرشد" وإن كان الإمام قد قال: إنه غير مرضي عندي، والراجح بالاتفاق: الإجزاء ومن ذكره وأشعر إيراده بأنه لا خلاف فيه، وقال الإمام: الوجه القطع به، ومن حاد عن اعتبار الأولى من طريق الفحوى فقد ضل عن سواء طريقه ضلالاً بعيداً. قال الرافعي: [من وجوه] الإشكال في البناء أن يقال: لم يلزم من كون كله فرضاً إذا أخرجه [عن هذا، إن أخرج] عن خمس ألا يكتفي به عن العشر؛ بل يجوز أن يكون كله فرضاً إذا أخرج عن هذا، وفرضاً إذا أخرج عن ذلك؛ ألا

стр. 2361

ترى أنه يقع فرضاً يكتفى به عن الخمس والعشرين، مع الحكم بأن كله فرض إذا أخرج عن الخمس، وكذا البدنة ضحية واحدة إذا ضحى بها وهي بعينها ضحية سبع إذا اشتركوا فيها. ثم الوجهان في أن الواجب من البعير عند إخراجه موضع الشاة كله أو خمسه مشبهان عند العراقيين والماوردي بما لو نذر التضحية بشاة، فضحى ببدنة أو بقرة، أو أخرج المتمتع بدنة أو بقرة، فالبدنة تقع فرضاً، أو الفرض مقدار السبع والباقي تطوع؟ وفيه خلاف وقال الإمام: إن هذا ذلك؛ فإن من أراد الاقتصار على سبع بدنة بدلاً من الشاة في الأضحية ونحوها جاز له ذلك، ولو أراد المزكي إخراج خمس البعير فقط لم يجزئه بلا خلاف، بل الشرط عند من قال إن الواجب خمسه التبرع بالباقي؛ لزوال عيب التشقيص على الفقراء؛ فالوجه: القطع بأن الزيادة على السبع تطوع في الضحايا، وإن ثبت فيه خلاف فهو شبيه بما تقدم ذكره من أن من استوعب الرأس بالمسح فهل يقع بالكل فرضاً أم لا؟ والأصح أن الفرض قدر الاسم، إذ يجوز الاقتصار عليه كما في السبع من البدنة في التضحية. والمراد بالبعير هنا: ما يجزئ في الخمس والعشرين، وإن كان لغة يطلق على الذكر والأنثى؛ لأنه اسم جنس؛ فيكون الشيخ قد أتى بمطلق وأراد به مقيداً، وذلك جائز ويقال في جمعه: أبعرة، وأباعر، وبعران، وقد اقتضى كلام الشيخ أنه إذا أخرجه عن الخمس أجزأه، سواء كانت قيمته أكثر من قيمة الشاة أو مثلها أو دونها، وهو ما ادعى في "التهذيب" أنه المذهب، سواء كان النقص بسبب عيب فيها أو لرداءة جنسها، وهو ما ادعى الإمام قطع الأئمة به إذا كان سبب التفاوت عزة الغنم؛ إذ علمنا أن سبب العدول إلى جنس الغنم الترفه والتخفيف، [فلا التفات إلى] سبق على ندور. وفي "الإبانة" أن القفال روى عن الشافعي أنه لا يجزئه في حال النقص، وأن سائر الأصحاب أنكروه عليه، وقالوا: لا يجوز. ولم يوجد للشافعي هذا؛ لأن ما يجوز أداؤه في الزكاة لا تراعى قيمته بحال، وقال الإمام: إن شيخه رواه ولم يعزه إلى القفال، والمحكي في "تعليق" القاضي الحسين: أن إبله إن كانت مراضا أو

стр. 2362

قليلة القيمة لعيب فيها، فأعطى واحدة منها مكان شاة، وقيمتها أقل من قيمة الشاة - فالذي نص عليه أي في "المختصر": أنه يجوز، وهو الذي أورده ابن الصباغ وصاحب "البحر"، وزاد محكياً عن نصه في "الأم": أنها لو كانت متباينة في المرض، فأعطى أردأها وأدونها قبل منه، قال القاضي: والذي نص عليه فيما إذا كانت له خمسة صحاح رديئة الجنس، فأعطى واحدة منها مكان شاة، لا يقبل إلا أن تساوي شاة فمن أصحابنا من فرق بين النصين بأنه: إذا أعطى واحدة من الصحاح فهو يعتقد التطوع، وأقل ما في التطوع ألا ينقص ما أدى عن الأصل وهو الشاة، وفي المراض هو غير متطوع؛ وإنما يعطي البعير مكان أداء شاة للضرورة على اعتقاد أن الواجب عليه ذلك؛ فلا حاجة إلى اعتبار القيمة، وهذا الفرق هو قول القفال كما قاله في "البحر" قال القاضي: والصحيح أن في المسألتين قولين بالنقل والتخريج، والقولان مبنيان على أصل مستنبط من هذا الفرع، وهو أن الواجب في الأصل شاة أو خمس بعير فعلى الأولى يجزئ، وعلى الثاني: لا، وقد قال في "التتمة" إن القول بعدم الإجزاء فيما إذا كانت معينة قد قال به ابن سريج، وإنه قيل: إنه منصوص عليه في "الكبير". وإذا اختصرت ما ذكرناه جاءك في المسألة ثلاثة أقوال، ثالثها: إن كانت إبله صحاحاً فلا يجزئ، وإلا أجزأ. ولو أخرج قيمة الشاة حيث لم يجد جنس الشاة أصلاً، فقد حكى الإمام عند الكلام فيما إذا اجتمع فرضان في نصاب عن صاحب "التقريب" أنه يؤخذ منه ذلك، وأنه حكى الوفاق في ذلك، والسبب فيه: أن الشاة في وضعها خارجة عن جنس المال؛ فاحتمل في ذلك قيمة الشاة عند الضرورة، والله أعلم. قال: ويجزئ في شاتها الجذع من الضأن وهو ماله ستة أشهر، والثني من المعز، وهو الذي له سنة. هذا الفصل نظم أمرين: أحدهما: إجزاء الجذع من الضأن والثني من المعز فيها، ذكراً كان أو أنثى. الثاني: بيان سن ذلك. فالأول: الإجزاء.

стр. 2363

والدليل عليه قوله ﷺ : "في كل خمس شاة" وهي تطلق لغة على الواحد من الضأن أو المعز ذكراً كان أو أنثى ومختصة في عرف الشرع من الأضاحي ودماء الجبرانات بالجذع من الضأن والثني من المعز؛ فنزلت عليه كما نزلناها على ما يجزئ في الأضاحي، وإن أبعد بعض أصحابنا فقال: يجزئ فيها كل ما يطلق عليه اسم "شاة" وإن لم يجزئ في الأضاحي. وقيل: لا يجزئ فيها إلا الجذعة أو الثنية، لما روى سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله ﷺ وقال: "نهينا عن أخذ المراضع وأمرنا أن نأخذ جذعة من الضأن أو الثنية من المعز"، ولأنه ﵇ أطلق الشاة هنا، وقيدها في الأربعين من الغنم، فحملنا المطلقة على المقيدة، ولو انتفي هذا لأثبتنا هذا الحكم بالقياس عليها. وهذا الخلاف مذكور في كتب الأصحاب وجهين، ونسبوا الأول منهما إلى أبي إسحاق، وادعى البندنيجي أنه المذهب، وقد اختلف في محلهما على طريقين حكاهما المتولي: أشهرهما- وهي المذكورة في "التهذيب" و"تعليق" البندنيجي-: جريانهما فيما إذا كانت الإبل ذكوراً أو إناثاً. والثانية: إن كانت إبله أو بعضها إناثاً لا يجزئ إخراج الذكر. والوجهان مخصوصان بما إذا كانت كلها ذكوراً، أو إنهما مبنيان على أن الشاة

стр. 2364

المخرجة أصل بنفسها أم بدل عن الإبل؟ فإن قلنا: بدل جاز إخراج الذكر؛ كما لو أخرج عنها بعيراً ذكراً يجزئه وإن قلنا: أصل لم يجز؛ جرياً على الأصل المعتبر في الزكوات، وهو كون المخرج أنثى. قلت: وهذا البناء يقتضي أنه لا فرق في جريان الوجهين بين أن تكون الإبل كلها ذكورا أو ذكورا وإناثاً، لأن إخراج الذكر منها بدلاً جائز كما ستعرفه، وقد حكى الماوردي الوجهين مطلقين ثم قال: وذهب بعض متأخري أصحابنا البصريين إلى أن الإبل إن كانت إناثاً لم يجزئ فيها إلا الأنثى، وإن كانت ذكوراً أجزأ الذكر والأنثى؛ اعتباراً بوصف المال كما يؤخذ من الكرام كريم، ومن اللئام لئيم. ثم ظاهر كلام الشيخ والخبر إجزاء الجذع من الضأن والثنية من المعز كيف كان الحال ولأنه أطلق ذكر الإجزاء ولم يخصه بحال، والإطلاق يصدق عليهما لغة وشرعاً بدليل الأضحية ودماء الجبرانات، وإذا كان كذلك اقتضى التخيير فيهما، وهو الذي حكاه البندنيجي والماوردي وابن الصباغ والمتولي، وقال ابن الصباغ: وهذا بخلاف الشاة المخرجة عن الأربعين؛ فإنه ﵇ عينها منهما. ولا فرق عند هؤلاء بين أن يكون النوعان في البلد مستويين. أو أحدهما أغلب، نعم لو كان الغالب في البلد نوعاً من المخرج، كما إذا كان فيها غنم مكية وشامية وبغدادية- تعين الأغلب كما في زكاة الفطر قاله ابن الصباغ والبندنيجي والماوردي، فلو أخرج غير الأغلب لم يجزئه إلا أن يكون مثل الأغلب أو خيراً منه، وعلى ذلك ينطبق قول الشافعي في "الأم": إن كان في بلده جنس من الغنم، فجاء بجنس آخر فإن كان مثله في القيمة أو خيراً منه أجزأه، وإن كان دونه لم يجزئه. وحكى في "التتمة" في هذه الصورة وجهين: [أحدهما: نعم، وكما لا يعتبر غالب غنم البلد ضأناً ومعزاً؛ فكذلك لا يعتبر نوعها مكية وشامية.

стр. 2365

والثاني: لا يجزئه، قال: وليس بصحيح]. والذي حكاه في "المهذب": أن الواجب عليه من غنم البلد إن كان ضأناً فمن الضأن، وإن كان معزاً فمن المعز، وإن كان منهما فمن الغالب كما في زكاة الفطر [منه] وإن كانا سواء جاز من أيهما شاء، وهو في ذلك متبع للقاضي أبي الطيب. وإذا جمعت ذلك جاءك في المسألة وجهان أو وجه وقول، والذي نسبه الإمام إلى العراقيين منهما الثاني، وإن صاحب التقريب ذكر نصاً عن الشافعي موافقاً له، ونسب نقله إلى المزني وغلطه في النقل [وأنه نقل] نصوصاً مخالفة لذلك، متضمنها: أنه يخرج شاة من أي نوع كان جذعة من الضأن أو ثنية من المعز، ولا نظر إلى غنم البلد. قال: والذي ذكره صاحب "التقريب" في نهاية الحسن، لأن الشاة وجبت فيه مطلقة في الذمة؛ فاعتبر اسم الشاة، ولا يتخصص لفظ الشارع بالعرف على مذهب المحققين في الأصول، ودليله الشاة في الأضحية، وبذلك يتحقق في المسألة قولان. قال الإمام: وقد ذكر بعض الضعفة وجها: أنه يخرج الشاة من نوع غنمه إن كان يملك غنماً، اعتباراً بإبل العاقلة؛ فإنا في طريقه نقول: يخرج كل غارم من العاقلة من إبله إذا كان يملك إبلاً، وهذا لا يعد من المذهب؛ بل هو هفوة. قلت: وهذا الوجه ظاهر لفظه في "المختصر" يدل عليه؛ فإنه قال فيه: فإن كانت غنمه معزاً فثنية أو ضأناً فجذعة ولا نظر إلى الأغلب في البلد. فرع: قد ذكرنا أن إبله إذا كانت كراماً وجب من الغنم كريم، وإن كانت لئاماً فلئيم، وأنه لا يجزئ فيها إخراج المعيب، على المذهب في حال سلامة الإبل، ولو كانت معيبة أو مراضاً فلا يجزئ فيها المعيب والمريض أيضاً، وماذا يجب عليه؟ [فيه وجهان]: أحدهما: ما يجب لو كانت صحاحاً سليمة، وهو المنصوص في "المختصر"،

стр. 2366

وظاهر المذهب في "المهذب" و"البحر" والمختار في "المرشد" وادعى القاضي الحسين: أنه لا خلاف فيه. والثاني- قاله ابن خيران، وهو الذي أورده كثيرون كما قال الرافعي: أنه تجب شاة صحيحة بالقسط؛ فيقوم الأصل صحاحاً، فإذا قيل: قيمته ألف، قومت الشاة التي تجزئ فيه، فإذا قيل: قيمتها عشرون، قومنا المراض فإذا قيل: قيمتها خمسمائة أوجبنا عليه ما تجزئ فيها الأضحية قيمتها عشرة، فإن تعذر تحصيلها بذلك تصدق بالدراهم، قال ابن الصباغ وغيره: وعكس المتولي هذا الترتيب فقال: الواجب عليه شاة بالقسط كما ذكرناه، فإن لم يمكن تحصيلها بما اقتضاه التوزيع فوجهان: أحدهما: يخرج شاة تجزئ في الأضاحي. والثاني: يتصدق بالدراهم. والثاني من الأمرين اللذين قلنا: إن الفصل يتضمنهما بيان سن ما يجزئ. وما ذكره الشيخ في بيان الجذع هو الذي اختاره الروياني في "الحلية" كما قال الرافعي، وقد حكى عن ابن الأعرابي أنه قال: المتولد بين شاتين [يجذع] لستة أشهر إلى تسعة، وبين هرمين يجذع لثمانية أشهر، [وهو ما أورده ابن الصباغ في باب الأضحية، وقيل: هو ما أتى عليه ثمانية أشهر]، وهو اختيار الروياني في "الحلية"، والأصمعي: هو ما له ثمانية أشهر أو تسعة. وسنذكر في باب

стр. 2367

الأضحية غير ذلك، ومن أراد استيفاء ما قيل في ذلك، فليطالع هنا وثم. وما ذكره في الثني من المعز هو المنقول في "الحاوي" والمختار في الحلية كما قال الرافعي، والمشهور في الكتب: أنه الذي له سنتان ودخل في الثالثة، وقد جمع الماوردي بين النقلين بما سنذكره في الأضحية. قال: وفي خمس وعشرين بنت مخاض؛ للخبر، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، سميت بذلك؛ لأن أمها قد آن لها أن تكون ماخضاً، أي حاملاً، وقولنا: آن لها أي: دخل وقت قبول أمها للحمل، لا أنه لا يشترط في صدق الاسم أن تكون أمها حائلاً، وكذا في اللبون لا يشترط أن تكون أمه ذات لبن، و"الماخض": اسم جنس لا واحد له من لفظه، والواحدة: خلفة، والذكر من ولدها يسمى: ابن مخاض، إذا كان له سنة، وقيل: إن الواحد من الإبل إلى تمام السنة تختلف أسماؤه فالذي قاله الماوردي أنه يقال لولد الناقة [إذا وضعته لدون وقته ناقص الخلق: خديج] وإن وضعته لوقته ناقص الخلق: مخدوج، وإن وضعته لوقته كامل الخلق قيل له: هبع وربع، ثم فصيل، ثم سليل، ثم حوار ثم حاسر فإذا تمت سنته قيل فيه ما ذكرناه.

стр. 2368

وقال القاضي الحسين: إنه تسمى الأنثى من ولد الناقة حين وضعه: ربعة وهبعة، وفي الذكر: ربعا وهبعا، إذا كان ربيعياً، ثم بعد ذلك يسمى حواراً، وقيل: تمام السنة يسمى فصيلاً. وقال البندنيجي: الفصيل اسمه من حين يفصل عن أمه إلى انتهاء سنة من عمره، ويقال له حوار. قال: فإن لم يكن في إبله أي حالة الإخراج بنت مخاض، أي كيف كانت- قبل منه ابن لبون، أي ذكر، وإن كان قادراً على شراء ابنة مخاض؛ لأنه جاء في رواية أبي داود عن أنس في كتاب أبي بكر: "فإن لم يكن فيها بنت مخاض فابن

стр. 2369

لبون ذكر" ولفظ البخاري في سياق تتمة حديث أنس السابق: "ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه، ويعطه المتصدق عشرين درهماً أو شاتين، فإن لم يكن عنده ابنة مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء". قال: وهو الذي له سنتان، ودخل في الثالثة، سمي بذلك، لأن أمه قد آن لها أن تكون لبونا على غيره. فإن قيل: قد قلتم: إنه إذا قدر في الكفارة على شراء [الرقبة] وعادم الماء إذا قدر على شرائه- لا يجوز أن ينتقل إلى البدل فهلا كان هاهنا مثله. قيل: للنص والمعنى: أما النص فإن الله تعالى يقول: [﴿فمن لم يجد فصيام﴾] ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣] فاعتبر عدمهما وهما قادران عليه بالبدل وقال ﵇ في مسألتنا: "فإن لم يكن في إبله" فاعتبر الوجود في ماله. وأما المعنى فمن وجهين: أحدهما: أن الزكاة مبنية على التخفيف؛ لأنها مواساة من ماله؛ ولهذا جوز له الصعود [إلى] فرض أعلى وأخذ الجبران وعكسه، بخلاف الكفارة والطهارة. والثاني: أن ابن اللبون يساوي بنت المخاض؛ لأنه أفضل منها بالسن فيمتنع من صغار السباع ويرعى بنفسه، وهي أفضل منه بالأنوثة، وكان القياس يقتضي إجزاءه عند وجودها لولا الخبر، فإنه شرط في إجزائه عدمها. وإذا عرفت أنه يجزئ عنها ابن اللبون عرفت أن إجزاء الحق والجذع عنها من طريق الأولى وهو ما جزم به الأصحاب عند فقد ابن اللبون من ماله، وكذا معظمهم مع وجوده، وحكى الماوردي وتبعه الروياني وجهاً ضعيفاً: أنه لا يجزئ لأنه لا مدخل له في الزكاة، وقد اتفق الكل على إجزاء الحقة والجذعة

стр. 2370

عنها ولو مع وجودها، أما إذا كانت في إبله ابنة مخاض نظر: فإن كانت بحيث تجزئ عنه ويجب عليه إخراجها، فلا يقبل منه ابن اللبون بلا خلاف، وإن كانت مما لا تجزئ لكونها معيبة فقد أطلق الغزالي وإمامه- وتبعهما الروياني والرافعي- قبوله منه، وفي تعليق القاضي أبي الطيب: أن إبله لو كانت كراماً، وفيها بنت مخاض لئيمة أو نجيبة مهزولة لم يجز إخراجها في زكاته، فهل يجزئه ابن لبون أو يجب عليه شراء بنت مخاض؟ فيه وجهان. وإن كانت لا يجب إخراجها؛ لكونها كريمة فهل يجوز له الانتقال إلى ابن لبون؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها إذا لم يجب إخراجها صارت كالمعدومة، وهذا ما حكاه الإمام عن العراقيين وقال: إنه متجه وإليه ميل كلام صاحبي "المهذب" و"التهذيب"، وفي "البحر" أن أكثر أهل العراق حكوه عن النص لا أنه في خصوص المسألة، بل لأنه نص على أنه يجوز لمن عليه حقة، وفي جماله حقة ماخض: أن ينزل إلى بنت لبون، أو يصعد إلى الجذعة مع الجبران، فجعل ما لا يلزم إخراجه كالمعدوم؛ فكذا هنا، وهذا الوجه قد صدر به في"الوسيط" كلامه، ثم قال: وقال القفال: يلزمه شراء بنت مخاض؛ لأنها موجودة في ماله، وإنما

стр. 2371

تركت نظراً له فلا يؤخذ ابن لبون، وهذا هو الوجه الثاني، وقال الإمام: إن إليه ميل كلام أصحاب القفال، وإنه ظاهر المذهب، وكذلك قاله في "التتمة" وفي "البحر" أنه المذهب، ولم يورد القاضي أبو الطيب غيره، وادعى مجلي أنه قول أكثر الأصحاب. ولو كانت ابنة المخاض حال الوجوب معدومة من ملكه، لكنها تجددت في ملكه قبل الإخراج: فهل يجزئه ابن اللبون أم لا؟ فيه وجهان، أصحهما في "البحر": لا. وقد اقتضى كلام الشيخ أمرين: أحدهما: قبول ابن اللبون منه عند فقد بنت المخاض من ماله، سواء كان ابن اللبون في ملكه أو لا، وهو وجه حكاه القاضي الحسين، وصدر به في "الوسيط" كلامه، وقال في "التتمة": إنه الصحيح من المذهب [فيه]؛ لأنه مهما اشترى ابن اللبون أو اتهبه فقد صار موجوداً في ملكه دون بنت مخاض، ولم يحك القاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي- وتبعهم في "المهذب"- غيره، وحكاه الإمام عن نقل الأئمة عن النص. وعن صاحب "التقريب": أنه يجب عليه [شراء بنت مخاض؛ لأنها الأصل، وهذا ما قال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه نص عليه]. والوجهان فيما إذا لم يرد [العدول] إلى فرض أعلى [من بنت المخاض] ويأخذ الجبران، فإن أراد ذلك فهو له. نعم، لو كان في ملكه ابن لبون فأراد أن يخرج بنت لبون، ويأخذ الجبران فهل يجوز؟ فيه وجهان في "الحاوي" و"البحر". أحدهما: يجبره في تحصيلهما. والثاني: يطالبه ببنت مخاض؛ لأنه الأصل. ثم إن جاء بابن لبون أخذ منه.

стр. 2372

الأمر الثاني عدم إجزاء الخنثى مكان بنت المخاض عند فقدها كما اقتضاه نصه في "المختصر" وظاهر الخبر؛ لأنه اشترط في إجزاء المخرج بدلاً عن بنت المخاض أن يكون ذكراً، والخنثى لم تتحقق ذكورته، وهو ما حكاه الأصحاب وجهاً نسبه الإمام إلى بعض الضعفة، وقال: إن القول به هوس؛ بل الصحيح الإجزاء، وهو ما جزم في "الوجيز" و"التتمة"، وصدر به في "الوسيط" كلامه؛ لأنه إن كان ذكراً فقد حصل المقصود، وإن كان أنثى فقد زاد خيراً، والخبر محمول على إرادة التأكيد لدفع احتمال توهم الغلط؛ فإن الأسنان المنصوص عليها إناث، وقد جاء التأكيد في كلامه ﵇ بنحو ذلك، وهو في قوله: "فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة رجل ذكر" وكما يقال: رأيته بعيني، وسمعته بأذني هاتين. وقد قيل: إن ابن اللبون يطلق على الذكر والأنثى، والذي أورده القاضي الحسين في "تعليقه" الأول موجه بأنه اتصف بالنقص؛ لأنه ليس له قوة الذكر ولا نسل الإناث، ولا خلاف أن الخنثى إذا كانت أمه ماخضا لا يجزئ؛ لأن الأنوثة لم تتحقق. قال: وفي ست وثلاثين بنت لبون للخبر، فإن لم تكن في إبله فله شراؤها، فإن لم يفعل كان للساعي الصعود إلى الحقة، والنزول إلى بنت مخاض مع الجبران كما سيأتي، وهل لرب المال إخراج حق عنها؛ جبراً لفائت الأنوثة بزيادة

стр. 2373

السن كابن اللبون عن بنت المخاض؟ حكى الإمام عن صاحب "التقريب" أنه تردد جوابه فيه، وقال: إن ما ذكره من طريق الاحتمال متجه، ولكن اللائق بمذهب الشافعي اتباع النص، وتخصيص ما ذكره الشارع من إقامة ابن اللبون مقام بنت المخاض، وقد صرح الماوردي والحناطي في المسألة بوجهين، وأن الصحيح المنع كما قال الإمام: إنه اللائق بالمذهب، وبه جزم القاضي أبو الطيب والحسين والمتولي وغيرهم من العراقيين، وفرقوا بين [ابن] اللبون والحق بوجهين: أحدهما: أن زيادة سن ابن اللبون تمنع من صغار السباع، وترعى الشجر وترد الماء، وذلك لا يوجد في بنت المخاض؛ فكان ذلك مقابلا لأنوثتها، وليس كذلك بنت اللبون مع الحق؛ فإنهما يشتركان في ذلك، وإنما فضلها بمجرد السن، وذلك لا يقابل الأنوثة؛ فلم يستويا. والثاني- قاله في "البحر"-: أن للمصدق في ابنة اللبون خيارين بالنزول وبالصعود، فلا يجوز إثبات خيار ثالث له بإخراج الحق، وفي ابنة المخاض ليس له إلا خيار واحد وهو الصعود؛ لأنه ليس له النزول بإخراج ما دون بنت مخاض فجعل له إخراج ابن لبون مكان بنت مخاض؛ ليحصل له خياران قياساً على ذلك. فإن قيل: لو وجبت عليه جذعة ولم يملكها، وملك تيسا، لا يجوز له إخراجه بلا خلاف، وإن كان لا خيار له على وجه [يأتي ذكره] إلا في النزول فقط، وكان قياس هذا الفرق: أن يجزئه إخراج التيس على هذا الوجه. فجوابه: أنا لا نسلم أنه لا خيار له إلا من جهة النزول؛ بل له الخيار من جهة الصعود بلا خلاف أيضاً، لكن الخلاف في أنه يأخذ مع ذلك الجبران أم لا؟ وما دون بنت المخاض لا يجزئ بحال. وقد عكس في "الوسيط" ذلك فصدر كلامه بجواز إخراج الحق عن بنت اللبون عند فقدها، ولم يورد في"الوجيز" غيره، ثم قال: وقال صاحب التقريب: يحتمل ألا يجوز؛ لأنه بدل غير منصوص عليه، ولو أراد أن يخرج ابن لبون عند

стр. 2374

فقدها ويعطي الجبران، فهل تقبل منه؟ فيه وجهان في "الحاوي" وتبعه في "البحر"، ووجه الجواز بأن الشرع أقامه مقام بنت مخاض. قال: وفي ست وأربعين حقة؛ للخبر، ولفظ أبي داود: "حقة طروقة الفحل". قال: وهي التي لها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل وقد أشار ﵇ إليه بقوله: "طروقة الفحل"، وقيل: لأنها تستحق أن يحمل على ظهرها وتركب وهو ما ذكره ابن الصباغ، وإليه يرشد قوله ﵇ في الرواية الأخرى: "طروقة الجمل". فرع: لو أخرج بدل الحقة بنتي لبون، قال في "الروضة": جاز على الصحيح؛ لأنهما تجزئان عما زاد. قال: وفي إحدى وستين جذعة للخبر، وهي التي لها أربع سنين، ودخلت في الخامسة، سميت بذلك؛ لأنها تجذع سنها، أي: تسقطه، وقال البندنيجي: لتكامل أسنانها. ويقرب منه قول الماوردي: إذا بلغت خمساً خرج جميع أسنانها. وكأنهما أخذا بقول أبي حاتم: الجذوعة وقت من الزمن. وعن الأصمعي: أنها إنما سميت جذعة؛ لأن أسنانها لا تسقط فتدل عليها. وهذا السن هو آخر ما أوجبه الشرع من أسنان الإبل في الزكاة، وإن أجزأ منها ما عداه كالثنية، وهي التي طعنت في السادسة، والذكر يسمى ثنيا، والجمع: ثنايا، وسميت بذلك؛ لأنها تثني ثنياتها، وهذا السن هو أول ما يجزئ من الأسنان في الأضحية، وبعده: الرباعية، وهي التي طعنت في السابعة، والذكر: رباع، والجمع: رباعيات، ثم يليها: السدس والسديس للذكر والأنثى، وهو الطاعن في السنة الثامنة سمي بذلك؛ لإلقائه السن السديس الذي بعد الرباعية، ثم يلي ذلك، البازل: وهو الطاعن في التاسعة: ذكراً كان أو أنثى؛ لأنه بزل نابه أي: ظهر، ثم المخلف وهو الطاعن في العاشرة ذكراً أو أنثى، وبعد ذلك يقال: مخلف عام، ومخلف عامين، وبازل عام وبازل عامين وقال البندنيجي وغيره: بعد التسع يقال له: بازل عام، وبازل عامين، وإن البازل والمخلف عبارة عن شيء واحد. قال الماوردي: ونهاية الحسن في الإبل: الجذع، من حيث الدر والنسل والقوة،

стр. 2375

وما زاد عليه رجوع كالكبر والهرم. قلت: وإن صح ذلك فقياسه ألا يجزئ ما بعده، والله أعلم. فرع: لو أخرج بدل الجذعة حقتين أو بنتي لبون، قال في "الروضة": جاز على الصحيح؛ لأنهما تجزئان عما زاد، وفي "التتمة" وجه: أنه لا يجوز. وهو [جار في] الفرع قبله. قال: وفي ست وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حقتان؛ للخبر، وفي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، لقوله في كتاب أبي بكر "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة"، وظاهر هذا أن الثلاث البنات وجبت في المائة والعشرين، ولا شيء في مقابلة الزائدة عليها؛ لأنه لو قابلها شيء لكان في مقابلة كل أربعين وثلث واحدة، وقد قال به أبو العباس وأبو سعيد الإصطخري كما قاله في "التتمة" وغيره من الفريقين أطلق حكاية ذلك وجهاً ولم ينسبه لأحد، وإن قائله قال: يجوز أن يكون الشيء مغيراً للفرض ولاحظ له من الفرض؛ كالأخوين من الأبوين يردان الأم من الثلث إلى السدس، ولا يأخذان شيئاً، والصحيح أنه يقابل الزائدة قسط منها؛ لقوله ﵇: "إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون". وقوله: "فيها"، يرجع إلى الكل، وفائدة الخلاف تظهر فيما لو تلفت واحدة بعد الحول وقبل التمكن، وقلنا: إن التمكن شرط في الضمان، فإن قلنا بالأول لم يسقط من الفرض شيء، وإلا سقط ما يقابل التالفة قال في"الوسيط": وعلى الأول يبنى ما لو زاد نصف بعير على مائة وعشرين يجب فيها ثلاث بنات

стр. 2376

لبون، وهو بعيد. وما استبعده هو المنقول عن الإصطخري، وأنه تمسك فيه بما ذكرناه من كتاب أبي بكر؛ فإنها إذا زادت نصف بعير أو أقل منه صدق أنها زادت على عشرين ومائة، والصحيح خلافه؛ لأنه جاء في الخبر المروي عن ابن عمر: "فإذا زادت الإبل على المائة والعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون". قال: ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة؛ للخبر، فيجب في مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين بنت لبون وحقتان، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين بنتا لبون وحقتان، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون فإذا بلغت مائتين فما يجب فيها؟ يأتي الكلام فيه. قال: وفي الأوقاص التي بين النصب، أي: كالأربعة بين نصب الإبل التي يجب فيها الغنم، والعشرة بين الخمس وعشرين والست وثلاثين، وغير ذلك، والسبعة بين الثلاثين والأربعين من البقر، والسبعة عشر بين الأربعين والستين منها، وغير ذلك، والثمانين بين الأربعين والمائة وإحدى وعشرين من الغنم، والسبعة والتسعين بين المائة وإحدى وعشرين والمائتين وواحدة وغير ذلك. قال: قولان: أحدهما: أنها عفو لقوله ﵇: "في كل خمس شاة" ولو وجبت في الوقص لكانت في تسع، ولأنه عدد ناقص عن نصاب إذا بلغه وجبت فيه الزكاة، فلم تتعلق به كالأربعة الأول، وهذا ما نص عليه في كتبه القديمة والجديدة، كما قاله ابن الصباغ تبعاً لأبي الطيب، وقال البندنيجي: إنه الذي نص عليه في "البويطي" والجديد، وهو الذي صححه النواوي وغيره [تبعاً لـ"الحاوي"]، وقال في "البحر": إنه اختيار ابن سريج، واقتصر القاضي الحسين على نسبته [إلى الجديد] واستدل له بقوله ﵇: "في خمس وعشرين بنت مخاض، ولا شيء في زيادتها إلى خمس وثلاثين". والثاني: أن فرض النصاب يتعلق بالجميع؛ لقوله في كتاب أبي بكر: "فإذا

стр. 2377

بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض" ولأنه حق يتعلق بنصاب مقدر؛ فوجب أن يتعلق به وبما زاد عليه إذا وجد معه ولم ينفرد بحكم؛ كالقطع في السرقة، وهذا ما نص عليه في "الإملاء"، قال في "الحاوي" و"المهذب" و"البحر": وكذلك في "البويطي"، قال البندنيجي والقاضي الحسين وفي القديم، واختاره ابن سريج كما قاله الرافعي وغيره وصاحب "المرشد" اختاره أيضاً، واقتضى إيراد ابن الصباغ والقاضي أبي الطيب ترجيحه. وإذا عرفت مجموع ما ذكرناه عرفت أن القولين مذكوران في كل من الجديد والقديم، وفائدتهما تظهر مع ملاحظة ما تقدم من أن التمكن شرط الضمان أو الوجوب، في فرعين هما كالأصلين والقاعدتين في الباب: أحدهما: إذا ملك تسعاً من الإبل، فهلك منها أربع بعد الحول وقبل التمكن فإن قلنا: التمكن شرط في الوجوب، وجبت شاة [واحدة] وإن قلنا: شرط في الضمان، فإن قلنا: إن الزائد على النصاب عفو، وجبت شاة أيضاً، وإن قلنا: يتعلق بالجميع، وجب عليه خمسة أسباع شاة؛ لأنها وجبت في مقابلة تسعة فخص كل منها تسعاً، وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي إسحاق أنه قال: يجب عليه شاة كاملة على هذا، قال ابن الصباغ: ولم يذكر وجهه، ووجهه عندي أن الزيادة لما لم تكن شرطاً في وجوب الشاة لم يسقط شيء منها بتلفها وإن كانت متعلقة بها، وهذا كما قلنا في ثمانية شهود شهدوا على شخص بالزنى فحكم الحاكم بشهادتهم وقبلهم ثم رجع أربعة منهم عن الشهادة فإنه لا يجب عليهم شيء فلو رجع منهم خمسة وجب عليهم الضمان؛ لنقصان ما بقي عن العدد المشروط كذلك هذا. الثاني: المسألة بحالها لكن التالف خمس بعد الحول وقبل التمكن فإن قلنا: إن الإمكان شرط الوجوب، لم يجب عليه والحالة هذه شيء وإن قلنا: إنه شرط الضمان، فإن قلنا: إن الوقص عفو، وجب عليه أربعة أخماس شاة، وإن قلنا: إن فرض النصاب يتعلق بالجميع، وجب عليه أربعة أتساع شاة، قال ابن الصباغ: ولا يجيء وجه أبي إسحاق هاهنا؛ لنقصان العدد [كما ذكرت في

стр. 2378

الشهادة]. قلت: لكن وجه أبي إسحاق وإن كان مأخذه ما ذكره ابن الصباغ من التوجيه فمقتضاه أن يجب عليه في هذه الحالة- والتفريع على ما ذكراه- أربعة أخماس شاة؛ لأن ذلك نظير ما إذا رجع خمسة من شهود الزنى، فإنه يجب عليهم ربع الدية، لأن الباقي من النصاب ثلاثة أرباعه، وهاهنا الباقي منه أربعة أخماسه. وقد سلك الإمام طريقاً آخر في حكاية القولين في الكتاب بعد حكايتهما عن الأصحاب كما ذكرنا، فقال: لو رددت إلى ما يظهر لقلت: إن الزكاة تتعلق بالتسع، فإن النصاب والوقص من جنس واحد، وإنما القولان في أنا هل نجعل الوقص [في حكم الوقاية للنصاب، كما يجعل الربح في القراض] وقاية لرأس المال؟ فكنا نقول في يقول: هو وقاية، وإن كانت الزكاة تتعلق بالجميع؛ فإن الزكاة إذا لم تزد به لم تنقص بتلفه، وفي قول يقول: ليس الوقص وقاية؛ بل تتعلق الزكاة على قضية واحدة بالكل، وإذا تلف البعض سقطت حصته من الزكاة. قال: ومن تمام الشأن في ذلك أن المشايخ قالوا: إذا ملك نصابين فواجب كل نصاب منحصر فيه، وزعموا أن هذا متفق عليه وإنما القولان في النصاب والوقص، وتحقيق القول في ذلك: أن من ملك نصابين فالوجه أن يقال: واجب النصابين متعلق بجميع المال من غير انحصار واختصاص، والدليل عليه: أن بنت المخاض واجب نصيب وهي الأخماس، ثم لا وجه إلا إضافة بنت المخاض إلى جميع الخمس والعشرين من غير حصر وتخصيص، ثم إذا وضح هذا في الأسنان فلا شك في اطراد قياسه حيث تكون الزيادة بالعدد والدليل عليه: أنه إذا زاد بعير بزيادة عشرة عند استقرار الحساب فلا يعتقد عاقل أن البعير وجب في العشر، ولكن الوجه إضافة الكل إلى الكل، ويوضحه الراجح في الخلطة وتفريعاتها؛ فإذا خرج من هذا أن حقيقة المذهب: أن من ملك نصابين فواجبهما متعلق بجميع المال بلا خلاف، وليس أحد النصابين وقاية للثاني، وإذا ملك نصاباً ووقصاً فالوجه انبساط الواجب على الكل، ولكن هل يسقط واجب

стр. 2379

النصاب بتلف الوقص، أو الوقص وقاية للنصاب، والتلف محسوب من الوقص كما نقول في الربح في القراض؟ فيه القولان، وعلى ذلك جرى في "الوسيط" والله أعلم. تنبيه: الأوقاص: جمع "وقص" بفتح القاف وإسكانها والمشهور في استعمال الفقهاء إسكانها، وقد عده ابن بري من لحن الفقهاء في الجزء الذي جمعه في اللحن والتصحيف. ونقل ابن الصباغ وشيخه أبو الطيب أن أكثر أهل اللغة قالوا بالإسكان، ورداً على من غلط الفقهاء في ذلك، قال النواوي: وفي نقلهما نظر؛ لأنه مخالف للموجود في كتب اللغة المشهورة المعتمدة، ثم قيل: إن "الوقص" مشتق من قولهم: رجل أوقص، إذا كان قصير العنق لم تبلغ عنقه حد أعناق الناس؛ فسمي وقص الزكاة لنقصانه عن النصاب. قلت: وهذا يقوي صحة إطلاق الوقص على الأربعة من الإبل قبل النصاب ونحوها، ومنه قول الشافعي في "البويطي": و"ليس في الأوقاص من شيء، وهو ما لم يبلغ ما تجب فيه الزكاة"؛ ولأجله قال الشيخ: "وفي الأوقاص التي بين النصب"؛ ليخرج ما قبل النصاب، فإن القولين ليسا فيه، والموجود في أكثر كتب المذهب أن الوقص: ما بين الفرضين. وفي "تعليق" البندنيجي أن أول النصاب يقال له: وقص. وما بين النصابين، قال [في] "البويطي": يقال له: شنق، والفقهاء كلهم يقولون: وقص. وغيره قال: الشنق- بالشين المعجمة والنون المفتوحتين والقاف- كالوقص، سواء عند أهل اللغة. وقال القاضي أبو الطيب: إنه قول أكثر أهل اللغة، وعن الأصمعي أنه قال: الشنق مختص بأوقاص الإبل، والوقص يختص بالبقر والغنم. قال: ومن وجب عليه سن أي مما ذكره ولم يكن عنده أخذ منه سن أعلى منه، ورد عليه شاتان أو عشرون درهماً، أو سن أسفل منه [ودفع معه] شاتين أو عشرين درهماً.

стр. 2380

الأصل في ذلك: ما روى البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر الذي تقدم بعضه، قال: "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه [الجذعة] ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت [عنده صدقة الجذعة وليست عنده إلا بنت لبون فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت صدقته بنت لبون وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته] بنت لبون وليست عنده وعنده بنت مخاض فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده [وعنده] بنت لبون، فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين" فقد اشتمل الحديث على حكم الصعود والنزول وتقدير الجبران، وادعى الإمام الاتفاق على أصل الجبران. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: أنه لو وجب عليه جذعة وليست عنده، أنه تقبل منه الثنية ويعطى الجبران إذا طلبه، أو الحقة ويأخذ معها الجبران، وهو ظاهر النص، والأصح في "تعليق" أبي الطيب و"الروضة"، والراجح عند العراقيين. ومن الأصحاب من قال: إن بذله بغير جبران قبل منه، وإن طلب الجبران فلا يقبل؛ لأنها تساوي الجذعة في القوة والمنفعة؛ فلا معنى لدفع الجبران، وهذا ما ادعى القاضي الحسين أنه الظاهر، ورجحه البغوي والغزالي، وقال في "التتمة": إنه المذهب. وإذا أردنا أن نحترز عن هذه الصورة لأجل هذا الوجه قدرنا في كلام الشيخ عند قوله "ومن وجب عليه سن ولم يكن عنده أخذ منه سن أعلى منه"، أي: فيما يجب في الزكاة، وقد يقال: يتعين هذا حتى يخرج ما دون بنت مخاض؛ فإنا لو جرينا على ظاهر اللفظ لاقتضى إجزاءه مع الجبران، ولا قائل به.

стр. 2381

الثاني: أنه لا فرق في الصعود وأخذ الجبران بين أن يكون المأخوذ صحيحاً أو مريضاً، ولا خلاف فيه إذا كان صحيحاً، وأما إذا كان مريضاً فقد أطلق في"المهذب" وغيره القول بأنه لا يجوز، وهو المحكي في "الحاوي" عن نصه في "الأم"؛ لأن قدر التفاوت بين الصحيحين فوق قدر التفاوت بين المريضين، وما دفع بين أعلى التفاوتين كيف يدفع لأدناهما، ولا جابر إلى إيجاب ما دون ذلك؛ [لأن ذلك] يكون نظراً إلى القيمة، ولا مدخل لها في الزكوات عندنا، وقال الإمام: هذا عندي فيما إذا قلنا: الخيرة لرب المال في الصعود والنزول عند التشاحح كما سنذكره، [وهو مراد الأصحاب] أما إذا قلنا: إنه للساعي، وكانت المصلحة للفقراء في أخذ الأعلى ودفع الجبران، فالوجه القطع بجواز ذلك، وهذا ما أورده الرافعي، ولا خلاف في أنه لو أراد النزول وأخذ الجبران- والحالة هذه- جاز إذا رضي رب المال؛ لأن ذلك أحظ للفقراء. الثالث: إذا كان واجبه بنت لبون، وليست عنده، فأخرج جذعة- أنها تقبل منه، ويأخذ الجبران المذكور، وكذا لو كان واجبه حقة، فأخرج بنت مخاض مع الجبران المذكور تقبل منه، وليس كذلك؛ لأن ماله إن كان كله جذاعاً في الصورة الأولى، و [كله بنات مخاض] في الصورة الثانية: [فهل يجوز له إخراج الجذعة في الصورة الأولى وبنت المخاض في الصورة الثانية]؟ بلا خلاف [إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب] وابن الصباغ والمتولي عن [ابن] المنذر من أصحابنا: أنه لا يجوز الصعود والنزول إلا إلى سنة واحدة، وهذا لا التفات إليه ولا تعويل عليه، وإذا كان كذلك كان الجبران فيهما أربع شياه أو أربعين درهماً، والشيخ قد قال: إن الجبران يكون شاتين أو عشرين درهماً، وفي هذه الحالة قال الأصحاب: لمعطي الجبران أن يخرج شاتين وعشرين درهماً، كما لو كان عليه كفارتا يمين؛ فإنه يجوز له أن يطعم عشرة ويكسو عشرة، وهذا بخلاف ما لو كان الجبران شاتين أو عشرين درهماً: لا يجوز للمالك إذا كان معطيه أن يخرج شاة وعشرة دراهم؛ كما لا يجوز أن يخرج عن كفارة يمين إطعام خمسة وكسوة

стр. 2382

خمسة. نعم، إن كان المخرج لذلك الساعي ورضي رب المال جاز؛ لأنه لو رضي بأخذ الشاة فقد كفى، وأشار في "التتمة" إلى خلاف في هذه الحالة [بقوله]: جاز على الصحيح من المذهب. وإن كان في ماله الحقاق والجذاع، وفرضه بنت لبون، أو في ماله بنت مخاض وبنات اللبون، وفرضه الحقة- فقد حكى العراقيون والمراوزة في جواز إخراج الجذعة في الصورة الأولى إذا أراد أخذ الجبران لسنتين، وبنت المخاض في الصورة الثانية، ودفع جبران سنتين- وجهين: أحدهما: الجواز وهو ما نسبه [الإمام] إلى القفال، وقال: إنه منقاس حسن. وأصحهما في "المهذب" و"الشامل" و"الحاوي": المنع، وإليه صار معظم الأصحاب كما قال الإمام؛ لأنه يكثر الجبران من غير حاجة، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، وعلى هذا لو رقي من بنت لبون إلى جذعة مع وجود بنت مخاض فوجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره من المراوزة، والفرق: أن الموجود القريب ليس في جهة الترقي، أما إذا أراد الترقي من بنت لبون إلى جذعة، وفي ماله حقة، وطلب جبراناً واحداً- أجيب إليه بلا خلاف، قاله الإمام ومن بعده. الرابع: [أنه] لو كان في ملكه الفرض، لكنه معيب بحيث لا يجزئ في الزكاة، أن له الانتقال والنزول؛ لأن تقدير كلامه: ومن وجب عليه سن ولم يكن عنده سن بحيث يجزئ. وقد حكى القاضي أبو الطيب فيما إذا كان ماله صحيحاً إلا الفرض فهل يجوز له الصعود [أو النزول أو يتعين عليه شراء الفرض] بقيمة فرض صحيح وقيمة فرض مريض على قدر المالين؟ فيه وجهان جاريان فيما لو كان ماله مريضاً إلا الفرض. قلت: وهما كالوجهين اللذين حكيناهما عنه فيما إذا كان في ماله بنت مخاض لا يجوز إخراجها: هل [له] إخراج ابن لبون عنها أم لا يجوز؟

стр. 2383

والصحيح [منها] الذي جزم به جماعة كما تقدم، الجواز، ونظيره هنا الجواز أيضاً، كما اقتضاه كلام الشيخ. فرع: لو ملك إحدى وستين بنت مخاض، فأخرج واحدة منها، قال في "الروضة": فالصحيح الذي قاله الجمهور، أنه يجب معها ثلاث جبرانات، وفي "الحاوي" وجه آخر: أنها تكفيه وحدها، حذارا من الإجحاف. وليس بشيء. قال: والاختيار في الصعود والنزول أي: إذا أمكنا إلى المصدق. المصدق بتخفيف الصاد وتشديد الدال، هو الساعي وبتشديدهما هو رب المال، قال النواوي: والذي ضبطناه عن نسخة المصنف الأول. وعلى هذا فوجه كون الخيار له: أنه الناظر للفقراء؛ فجعلت الخيرة له ليأخذ ما هو الأحظ للمساكين، كما إذا كان ماله مائتين من الإبل، وفيها أربع حقاق وخمس بنات لبون، وهذا ما ادعى في "المهذب" أنه المنصوص أي في "الأم" كما قاله في "البحر" وقال البندنيجي: إنه المذهب، والماوردي: إنه ظاهر المذهب مع حكاية وجه آخر: أن الاختيار في ذلك لرب المال؛ لأن الصعود والنزول أثبت رفقاً بالمالك، كي لا يحتاج إلى الشراء، فلا يليق به إلا التخيير، وهذا ما ادعى في "التتمة" أنه المذهب، واختاره النواوي تبعاً للرافعي وصاحب "المرشد"، قال البندنيجي: وهذا هو الأشبه بمذهب ابن سريج، وفي "البحر" أن ابن سريج قال به كما قال في الفرضين، وأن من أصحابنا من قال به هاهنا بخلاف الفرضين، والفرق: أن له تركهما وتحصيل الواجب، بخلاف الفرضين في المائتين، وهذا الوجه هو الذي فرع عليه القاضي أبو الطيب وغيره من بعد كما سنذكره، وصدر به في الوسيط كلامه، ثم أشار إلى الأول بقوله: ومن أصحابنا من نقل نصاً عن "الإملاء" أن المتبع: الأغبط للمساكين كما في اجتماع الحقاق وبنات لبون. وهو بعيد، ووجه الإشارة من ذلك تتوقف معرفتها على معرفة أمرين ذكرهما الإمام: أحدهما: أن محل الخلاف في المسألة إذا عين رب المال شيئاً، وعين الساعي غيره، وكان الحظ للفقراء فيما عينه الساعي، أما إذا كان الحظ فيما عينه رب

стр. 2384

المال فلا خلاف في اتباعه؛ لأن الساعي إن وافقه فلا كلام، وإن خالفه فرأيه غير متبع على خلاف النظر، وإن استوى ما يريدانه في المصلحة قال: فالأظهر عندي اتباع رأي رب المال. والثاني: نذكره من بعد، وحينئذ ننبه على ما يحصل به المقصود، إن شاء الله تعالى. قال: وفي الشاتين أو العشرين درهماً إلى الذي يعطي ذلك للخبر، وهذا ما نص عليه في "المختصر" ولفظه لفظه؛ فعلى هذا: لو كان المعطي هو الساعي تعين عليه رعاية الأحظ لأهل السهمان منهما، فإن كان في دفع الدراهم ولم تكن عنده باع من مال الزكاة وأداها، قاله الرافعي وغيره. وإن كان المعطي هو رب المال أخرج ما شاء، قال في "الأم": والاحتياط له أن يعطي الأحظ لأهل السهمان منهما، فإن لم يفعل ذلك بل أخرج ما هو الأحظ لنفسه جاز وإن نازعه الساعي. وحكى الإمام عن نصه في "الإملاء" أن الخيرة إلى الساعي، أي: فيتعين إخراج الأحظ لأهل السهمان وأن من الأصحاب من قال لأجل نصه في "المختصر" ونصه في "الإملاء": في المسألة قولان. والذي ذهب إليه الجمهور وقطع به الصيدلاني: أن المسألة على قول واحد، وهو ما نقله المزني وحمل ما حكى عن "الإملاء" على ما إذا كان الساعي هو المعطي، وهذا هو الأمر الثاني الذي تقدمت الإشارة إليه، وقد قال الإمام عقيبه: إن الاختلاف في الصعود والنزول بين الساعي ورب المال مخرج على هذا الخلاف يقول الغزالي: ومن أصحابنا من نقل نصا عن "الإملاء" أن المتبع الأغبط للمساكين. أشار به إلى ما حكاه الإمام أن يتخرج مثله فيما نحن فيه، لا أنه منصوص عليه فيه، والله أعلم. تنبيه: الشاة المأخوذة في الجبران كالشاة المأخوذة عن خمس من الإبل في اعتبار الذكورة والأنوثة والسن إن كان المخرج هو رب المال، حتى يأتي الخلاف السابق فيها، وإن كان المخرج هو الساعي فالاعتبار بما يرضى به رب المال إن كان دون ذلك، وإن حصل تنازع فالمعتبر فيها ما تقدم، قاله المتولي.

стр. 2385

وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنا إن قلنا: [إنه] يؤخذ الذكر في الشاة عن الخمس من الإبل، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق: أن الشاة ثم وجبت أصلاً، وهنا بدلاً والمعتبر في الدراهم المخرجة جبراناً أن تكون بقرة قال الإمام: بلا خلاف، وكذلك تكون دراهم الشريعة حيث وردت. قال: وإن اتفق فرضان في نصاب أي: وهما موجودان فيه بحيث يجزئ [كل] منهما لو انفرد، كالمائتين فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون؛ لأنه قد اجتمع فيها أربع خمسينات وخمس أربعينات، فشملهما قوله في كتاب أبي بكر: "في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة". قال: اختار الساعي أنفعهما للمساكين، إذ لا مزية لأحد الفرضين على الآخر فتعين الأنفع للمساكين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ومعناه: لا تقصدوا المال الدون، وليس المراد [به] غيره؛ لقوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. وقال ابن سريج: يخرج المالك ما شاء منهما، وإن كان الأحظ خلافه، وجاء
следующие страницы →