Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
الثاني: أنه لا فرق في الصعود وأخذ الجبران بين أن يكون المأخوذ صحيحاً أو مريضاً، ولا خلاف فيه إذا كان صحيحاً، وأما إذا كان مريضاً فقد أطلق في"المهذب" وغيره القول بأنه لا يجوز، وهو المحكي في "الحاوي" عن نصه في "الأم"؛ لأن قدر التفاوت بين الصحيحين فوق قدر التفاوت بين المريضين، وما دفع بين أعلى التفاوتين كيف يدفع لأدناهما، ولا جابر إلى إيجاب ما دون ذلك؛ [لأن ذلك] يكون نظراً إلى القيمة، ولا مدخل لها في الزكوات عندنا، وقال الإمام: هذا عندي فيما إذا قلنا: الخيرة لرب المال في الصعود والنزول عند التشاحح كما سنذكره، [وهو مراد الأصحاب] أما إذا قلنا: إنه للساعي، وكانت المصلحة للفقراء في أخذ الأعلى ودفع الجبران، فالوجه القطع بجواز ذلك، وهذا ما أورده الرافعي، ولا خلاف في أنه لو أراد النزول وأخذ الجبران- والحالة هذه- جاز إذا رضي رب المال؛ لأن ذلك أحظ للفقراء.
الثالث: إذا كان واجبه بنت لبون، وليست عنده، فأخرج جذعة- أنها تقبل منه، ويأخذ الجبران المذكور، وكذا لو كان واجبه حقة، فأخرج بنت مخاض مع الجبران المذكور تقبل منه، وليس كذلك؛ لأن ماله إن كان كله جذاعاً في الصورة الأولى، و [كله بنات مخاض] في الصورة الثانية: [فهل يجوز له إخراج الجذعة في الصورة الأولى وبنت المخاض في الصورة الثانية]؟ بلا خلاف [إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب] وابن الصباغ والمتولي عن [ابن] المنذر من أصحابنا: أنه لا يجوز الصعود والنزول إلا إلى سنة واحدة، وهذا لا التفات إليه ولا تعويل عليه، وإذا كان كذلك كان الجبران فيهما أربع شياه أو أربعين درهماً، والشيخ قد قال: إن الجبران يكون شاتين أو عشرين درهماً، وفي هذه الحالة قال الأصحاب: لمعطي الجبران أن يخرج شاتين وعشرين درهماً، كما لو كان عليه كفارتا يمين؛ فإنه يجوز له أن يطعم عشرة ويكسو عشرة، وهذا بخلاف ما لو كان الجبران شاتين أو عشرين درهماً: لا يجوز للمالك إذا كان معطيه أن يخرج شاة وعشرة دراهم؛ كما لا يجوز أن يخرج عن كفارة يمين إطعام خمسة وكسوة
стр. 2382
خمسة. نعم، إن كان المخرج لذلك الساعي ورضي رب المال جاز؛ لأنه لو رضي بأخذ الشاة فقد كفى، وأشار في "التتمة" إلى خلاف في هذه الحالة [بقوله]: جاز على الصحيح من المذهب.
وإن كان في ماله الحقاق والجذاع، وفرضه بنت لبون، أو في ماله بنت مخاض وبنات اللبون، وفرضه الحقة- فقد حكى العراقيون والمراوزة في جواز إخراج الجذعة في الصورة الأولى إذا أراد أخذ الجبران لسنتين، وبنت المخاض في الصورة الثانية، ودفع جبران سنتين- وجهين:
أحدهما: الجواز وهو ما نسبه [الإمام] إلى القفال، وقال: إنه منقاس حسن.
وأصحهما في "المهذب" و"الشامل" و"الحاوي": المنع، وإليه صار معظم الأصحاب كما قال الإمام؛ لأنه يكثر الجبران من غير حاجة، وهذا ما حكاه القاضي الحسين، وعلى هذا لو رقي من بنت لبون إلى جذعة مع وجود بنت مخاض فوجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره من المراوزة، والفرق: أن الموجود القريب ليس في جهة الترقي، أما إذا أراد الترقي من بنت لبون إلى جذعة، وفي ماله حقة، وطلب جبراناً واحداً- أجيب إليه بلا خلاف، قاله الإمام ومن بعده.
الرابع: [أنه] لو كان في ملكه الفرض، لكنه معيب بحيث لا يجزئ في الزكاة، أن له الانتقال والنزول؛ لأن تقدير كلامه: ومن وجب عليه سن ولم يكن عنده سن بحيث يجزئ. وقد حكى القاضي أبو الطيب فيما إذا كان ماله صحيحاً إلا الفرض فهل يجوز له الصعود [أو النزول أو يتعين عليه شراء الفرض] بقيمة فرض صحيح وقيمة فرض مريض على قدر المالين؟ فيه وجهان جاريان فيما لو كان ماله مريضاً إلا الفرض.
قلت: وهما كالوجهين اللذين حكيناهما عنه فيما إذا كان في ماله بنت مخاض لا يجوز إخراجها: هل [له] إخراج ابن لبون عنها أم لا يجوز؟
стр. 2383
والصحيح [منها] الذي جزم به جماعة كما تقدم، الجواز، ونظيره هنا الجواز أيضاً، كما اقتضاه كلام الشيخ.
فرع: لو ملك إحدى وستين بنت مخاض، فأخرج واحدة منها، قال في "الروضة": فالصحيح الذي قاله الجمهور، أنه يجب معها ثلاث جبرانات، وفي "الحاوي" وجه آخر: أنها تكفيه وحدها، حذارا من الإجحاف. وليس بشيء.
قال: والاختيار في الصعود والنزول أي: إذا أمكنا إلى المصدق.
المصدق بتخفيف الصاد وتشديد الدال، هو الساعي وبتشديدهما هو رب المال، قال النواوي: والذي ضبطناه عن نسخة المصنف الأول.
وعلى هذا فوجه كون الخيار له: أنه الناظر للفقراء؛ فجعلت الخيرة له ليأخذ ما هو الأحظ للمساكين، كما إذا كان ماله مائتين من الإبل، وفيها أربع حقاق وخمس بنات لبون، وهذا ما ادعى في "المهذب" أنه المنصوص أي في "الأم" كما قاله في "البحر" وقال البندنيجي: إنه المذهب، والماوردي: إنه ظاهر المذهب مع حكاية وجه آخر: أن الاختيار في ذلك لرب المال؛ لأن الصعود والنزول أثبت رفقاً بالمالك، كي لا يحتاج إلى الشراء، فلا يليق به إلا التخيير، وهذا ما ادعى في "التتمة" أنه المذهب، واختاره النواوي تبعاً للرافعي وصاحب "المرشد"، قال البندنيجي: وهذا هو الأشبه بمذهب ابن سريج، وفي "البحر" أن ابن سريج قال به كما قال في الفرضين، وأن من أصحابنا من قال به هاهنا بخلاف الفرضين، والفرق: أن له تركهما وتحصيل الواجب، بخلاف الفرضين في المائتين، وهذا الوجه هو الذي فرع عليه القاضي أبو الطيب وغيره من بعد كما سنذكره، وصدر به في الوسيط كلامه، ثم أشار إلى الأول بقوله: ومن أصحابنا من نقل نصاً عن "الإملاء" أن المتبع: الأغبط للمساكين كما في اجتماع الحقاق وبنات لبون.
وهو بعيد، ووجه الإشارة من ذلك تتوقف معرفتها على معرفة أمرين ذكرهما الإمام:
أحدهما: أن محل الخلاف في المسألة إذا عين رب المال شيئاً، وعين الساعي غيره، وكان الحظ للفقراء فيما عينه الساعي، أما إذا كان الحظ فيما عينه رب
стр. 2384
المال فلا خلاف في اتباعه؛ لأن الساعي إن وافقه فلا كلام، وإن خالفه فرأيه غير متبع على خلاف النظر، وإن استوى ما يريدانه في المصلحة قال: فالأظهر عندي اتباع رأي رب المال.
والثاني: نذكره من بعد، وحينئذ ننبه على ما يحصل به المقصود، إن شاء الله تعالى.
قال: وفي الشاتين أو العشرين درهماً إلى الذي يعطي ذلك للخبر، وهذا ما نص عليه في "المختصر" ولفظه لفظه؛ فعلى هذا: لو كان المعطي هو الساعي تعين عليه رعاية الأحظ لأهل السهمان منهما، فإن كان في دفع الدراهم ولم تكن عنده باع من مال الزكاة وأداها، قاله الرافعي وغيره.
وإن كان المعطي هو رب المال أخرج ما شاء، قال في "الأم": والاحتياط له أن يعطي الأحظ لأهل السهمان منهما، فإن لم يفعل ذلك بل أخرج ما هو الأحظ لنفسه جاز وإن نازعه الساعي.
وحكى الإمام عن نصه في "الإملاء" أن الخيرة إلى الساعي، أي: فيتعين إخراج الأحظ لأهل السهمان وأن من الأصحاب من قال لأجل نصه في "المختصر" ونصه في "الإملاء": في المسألة قولان. والذي ذهب إليه الجمهور وقطع به الصيدلاني: أن المسألة على قول واحد، وهو ما نقله المزني وحمل ما حكى عن "الإملاء" على ما إذا كان الساعي هو المعطي، وهذا هو الأمر الثاني الذي تقدمت الإشارة إليه، وقد قال الإمام عقيبه: إن الاختلاف في الصعود والنزول بين الساعي ورب المال مخرج على هذا الخلاف يقول الغزالي: ومن أصحابنا من نقل نصا عن "الإملاء" أن المتبع الأغبط للمساكين. أشار به إلى ما حكاه الإمام أن يتخرج مثله فيما نحن فيه، لا أنه منصوص عليه فيه، والله أعلم.
تنبيه: الشاة المأخوذة في الجبران كالشاة المأخوذة عن خمس من الإبل في اعتبار الذكورة والأنوثة والسن إن كان المخرج هو رب المال، حتى يأتي الخلاف السابق فيها، وإن كان المخرج هو الساعي فالاعتبار بما يرضى به رب المال إن كان دون ذلك، وإن حصل تنازع فالمعتبر فيها ما تقدم، قاله المتولي.
стр. 2385
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنا إن قلنا: [إنه] يؤخذ الذكر في الشاة عن الخمس من الإبل، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق: أن الشاة ثم وجبت أصلاً، وهنا بدلاً والمعتبر في الدراهم المخرجة جبراناً أن تكون بقرة قال الإمام: بلا خلاف، وكذلك تكون دراهم الشريعة حيث وردت.
قال: وإن اتفق فرضان في نصاب أي: وهما موجودان فيه بحيث يجزئ [كل] منهما لو انفرد، كالمائتين فيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون؛ لأنه قد اجتمع فيها أربع خمسينات وخمس أربعينات، فشملهما قوله في كتاب أبي بكر: "في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة".
قال: اختار الساعي أنفعهما للمساكين، إذ لا مزية لأحد الفرضين على الآخر فتعين الأنفع للمساكين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ومعناه: لا تقصدوا المال الدون، وليس المراد [به] غيره؛ لقوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وقال ابن سريج: يخرج المالك ما شاء منهما، وإن كان الأحظ خلافه، وجاء
стр. 2386
[تخريجاً] من نصه في "المختصر" أن الخيرة إليه عند إخراجه الشاتين أو الدراهم جبراناً وأيده بقوله- ﵇ لمعاذ: "إياك وكرائم أموالهم" [والأنفع: من الكرائم] وقد ادعى الإمام أن قياس هذا المذهب ظاهر، ويعتضد بظاهر الخبر [لأن الخبر] كما تضمن إخراج [الحقاق لمكان] حساب الخمسين تضمن إخراج بنات اللبون لمكان إجزاء [حساب] الأربعينات، وعلى هذا فالأولى لرب المال إذا كان رشيداً: أن يخرج الأحظ للمساكين، أما إذا كان مولى عليه فلا يجوز لوليه إخراجه؛ بل يجب إخراج ما الأحظ فيه لرب المال، قاله أبو الطيب وغيره، والصحيح الأول؛ لما ذكرناه، وهو المنصوص عليه في "الأم" وكذا في "المختصر" حيث قال: فإذا بلغت مائتين فإن كانت أربع حقاق منها خيراً من خمس بنات لبون أخذها المصدق، وإن كانت خمس بنات لبون خيراً لا يحل له غير ذلك. والمنتصرون لهذا قالوا: حديث معاذ مخصوص بغير الفرضين إذا اجتمعا، فأما إذا اجتمعا فلا، والفرق بين ما نحن فيه والجبران من وجهين:
أحدهما: أن العشرين درهماً والشاتين متعلقة بذمة رب المال دون ماله، ومن لزمه في الذمة أحد حقين كان مخيراً في دفع أيهما شاء، والفرض في الحقاق أو بنات اللبون متعلق بالمال لا بالذمة؛ فكان الخيار في المال إلى مستحقه.
فإن قلت: هذا فرق على قولنا: إن الزكاة تتعلق بالعين، فما هو على قولنا: إنها تتعلق بالذمة؟
قلت: إذا قلت بهذا لم يحتج إلى فرق؛ لأن قوله في القديم، والقديم أنه تتعين الحقاق، وما وقع التفريع عليه هو الجديد، والجديد أنها تتعلق بالعين.
والفرق الثاني: أنه لما جاز لرب المال العدول عن العشرين والشاتين إلى [جواز ابتياع] الفريضة الواجبة عليه كان مخيراً بين الدراهم والشاتين، ولما لم يجز لرب المال العدول عن هذين الفرضين إلى غيرهما لم يكن مخيراً بينهما، وعلى هذا إذا أخذ الساعي الأدنى فقد قال في "المختصر": كان حقاً على رب
стр. 2387
المال أن يخرج الفضل فيعطيه أهل السهمان.
واختلف الأصحاب [فيه] على طرق:
إحداها: أن ذلك فيما إذا كان قد أخذه باجتهاده، ولا تفريط من رب المال؛ بأن يكون قد أحضر الفرضين معاً، ثم ظهر بعد الأخذ أن الأحظ خلافه، فأما إذا أخذه بغير اجتهاد أو وجد تفريط من رب المال؛ بأن أحضر الصنف الأدنى وحده فلا يحتسب وينظر: فإن كان ذلك الصنف قائماً في يد الساعي أخذه رب المال وأخرج [الصنف] الأعلى، [وإن كان قد تلف ردت القيمة إليه، وأخرج الصنف الأعلى].
والثانية- وبها قال أبو إسحاق-: إجراء اللفظ على ظاهره، وأنه يجزئه بكل حال، ويخرج الفضل، قال في "الحاوي": لأن أخذ الأفضل وجب من طريق الاجتهاد؛ فلم يجز أن يبطل حكماً ثبت بالنص. قال الرافعي: وهذا رجوع إلى قول ابن سريج.
قلت: ليس كذلك؛ لأن هذا القائل لا يجوز الإقدام على أخذ غير الأغبط، بخلاف ابن سريج؛ فإنه يجوز ذلك إذا دفعه رب المال.
وهاتان الطريقان لم يورد البندنيجي غيرهما.
والثالثة- حكاها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ مع الأوليين-: أنه ينظر: فإن كان المأخوذ باقياً رده، وإن كان قد فرق على أربابه أجزأ، وأخرج رب المال الفضل.
وسلك الإمام في حكاية الطرق مسلكاً آخر، فقال: إن أخذ الأدنى بغير اجتهاد فلا يقع الموقع بلا خلاف، وإن أخذه باجتهاد ثم ظهر أن الأحظ خلافه فثلاثة أوجه، اثنان ذكرهما صاحب "التقريب":
أحدهما: وقوعه الموقع.
والثاني: لا.
والثالث: ذكره العراقيون معهما، وهو إن كان المأخوذ باقياً رده، وإن فرقه وقع الموقع.
стр. 2388
وإذا جمعت بين ذلك و [بين] ما تقدم واختصرت قلت: في المسألة أربعة أوجه:
أحدها: لا يقع الموقع بكل حال.
والثاني: وقوعه بكل حال.
وهما بعيدان.
والثالث: إن كان باجتهاد ولا تقصير من رب المال وقع الموقع، وإن كان بغير اجتهاد أو تقصير من رب المال فلا يقع الموقع.
والرابع: إن كان باقياً أخذه ولم يقع الموقع، وإن كان قد فرق وقع الموقع لعسر الاسترجاع.
وعن رواية أبي الحسين بن القطان وجه خامس يكاد أن يدخل في الثالث، وهو: إن دفع المالك ذلك مع العلم بأنه الأدون لم يجزئه وإن كان الساعي هو الذي أخذه جاز، قال الرافعي: ويقرب منه عند صاحب "التهذيب" مجرد علم المالك بحاله تقصيراً مانعاً من الإجزاء، وإن لم يوجد إخفاء وتدليس.
ثم حيث قلنا بوقوعه الموقع، فهل يجب عليه إخراج قدر التفاوت إذا كان الأحظ بحسب زيادة القيمة أو يستحب فرق فيه وجهان في الطريقين أصحهما: الوجوب، وكيفية معرفته: أن يقوم المخرج ويقوم الفرض الآخر، وما بينهما هو التفاوت والفضل الذي أراده الشافعي، وعلى الوجهين [ينظر] في الفضل:
فإن كان مقداره يسيرا بحيث لا يمكن أن يشتري به جزءاً من الفرض فرَّق الدراهم، كذا قاله الأصحاب، وهو محمول على ما إذا كانت بالنقد، فلو كان "النقد ذهبا قوم به وأخرج [التفاوت] ذهبا، ففرقه والحالة هذه، وعن صاحب "التقريب" أنه تردد في انتظار إمكان الشراء، قال الإمام: وهو بعيد غير معتد به.
قلت: ولعله على بعده فيما إذا كان الشراء ممكناً [عادة] لكنه تعذر في ذلك الوقت للعسرة.
وإن أمكن أن يشتري به جزءاً من الفرض، فهل يتعين أن يفرق الدراهم، أي:
стр. 2389
أو الذهب إذا كان هو النقد؟ فيه وجهان في "تعليق" أبي الطيب وغيره، وقال ابن الصباغ وغيره: إن الثاني أصح. وعلى هذا: لو أخرج شقصاً جاز، قال الإمام: وفيه أدنى نظر؛ لما فيه من العسر على أهل السهمان، وإذا قلنا بشراء الشقص، فهل يكون من جنس الأعلى أو الأدنى الذي أخذه؟ فيه وجهان عند المراوزة قال الإمام: والذي مال إليه الكافة: الثاني، وأظهرهما عند الصيدلاني: مقابله قال الإمام: ولا يبعد عندي في مثل هذا المقام أن يخير المالك حتى يقال إن شاء أخرج من نوع المأخوذ، وإن شاء أخرج من النوع الآخر بعد تحقق جبران النقصان، وقد أشار إليه بعض المصنفين، وهو متجه؛ فيحصل إذا ثلاثة أوجه فيما يشتريه ثم هل له أن يفرق الفاضل بنفسه؟ ظاهر النص في "المختصر" الذي حكيناه: أن له ذلك؛ لأنه قال: فيعطيه أهل السهمان. وقد بنى القاضي الحسين ذلك على أن رب المال هل له تفرقة زكاة الأموال الظاهرة أم لا؟ فإن قلنا بالثاني، وقلنا يخرجه جزءاً من حيوان، فكذلك، وإن قلنا: يخرجه نقداً، قال: يحتمل وجهين- صرح بهما غيره-:
أحدهما: يفرقه كالأموال الباطنة؛ لأنه من جنسها.
والثاني: يجب دفعه إلى الإمام؛ لأنه بدل حيوان.
وقال على الأول-: إن قوله: فيعطيه إلى أهل السهمان، إنما ذكره؛ لأنه لو دفعه إلى الساعي ربما سخط ذلك؛ لأنه يحتاج إلى أن يقول: أخطأت في الاجتهاد، ولا يعجبه ذلك، وربما [لا] يأخذه.
قال: وقيل: [فيه] قولان:
أحدهما: ما ذكرت، ووجهه وتفريعه سلف.
والثاني: [أنه يتعين] الحقاق، أي: كيف كانت؛ لأن تغير الفرض بالسن أكثر من تغيره بالعدد؛ فكان الاعتبار بالسن أولى، ولأن الإبل قبل أن تبلغ مائتين كلما زادت عشرة جعلت بنت اللبون حقة من غير تخير فكذلك إذا كان في مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون، وجب إذا بلغت مائتين أن تجعل بنت لبون
стр. 2390
حقة؛ فتصير أربع حقاق من غير تخيير، وهذا ما نص عليه في القديم.
والقائل بالطريقة الأولى الجازمة بالتخيير [قال: تركه] في القديم القول بالتخيير؛ إنما كان لأن الغالب أن الحقاق خير من بنات لبون، فلهذا لم يذكر أن الساعي مخير بينهما.
وقال صاحب "التقريب": إنه محمول على ما إذا لم يكن في ماله إلا الحقاق، أما إذا لم يكن في ماله إلا أحد الفرضين، والآخر معدوم أو كالمعدوم وهو المعيب أو ناقص، [مع سلامة بقية النصاب]- فقد قال الغزالي في الحالة الأولى: إن الفرض هو الموجود قولاً واحداً. وهو في ذلك متبع للإمام؛ فإنه قال: لا خلاف [في] أن الساعي يأخذه ويكتفي به، قال الرافعي: وهكذا زعم ابن كج والعراقيون كأبي الطيب وابن الصباغ والبندنيجي، وقالوا: إن قلنا بالقديم، وكان الموجود الحقاق فلا إشكال وإن كان الموجود غيرها فهو مخير بين أن يشتري الحقاق وبين أن يصعد بسن ويأخذ الجبران، أو ينزل بسن ويعطي الجبران. وهذا منهم تفريع على [أن] الخيار في الصعود والنزول [لرب المال، كما أشرت إليه من قبل، وإلا فقياس ما تقدم من أن المنصوص في أن الخيار في الصعود والنزول] إلى الساعي [أن يكون له ها هنا إن لم يشتر رب المال الحقاق. وإن قلنا بالجديد، وهو أن الخيار للساعي] في تعيين بنات لبون أو الحقاق، وهو الذي عليه نذكر بقية الفروع الآتية من بعد- أخذ الموجود ولا يكلفه غيره.
وصرح البندنيجي وغيره بأن الحكم في الحالة الثانية كهو في الأولى، وكذا في الحالة الثالثة؛ فإذا كان في ملكه أربع حقاق وثلاث بنات لبون، أو خمس بنات لبون، أو ثلاث حقاق- تعين الكامل على الجديد، حتى لو أراد العدول إلى الناقص ويكمله من الكامل مع الجبران لم يجد إليه سبيلاً، وعلى ذلك يدل قوله في "المختصر": فإن وجد أحد الصنفين أخذ الذي وجد، ولا يفرق
стр. 2391
الفريضة. قيل: ومعناه ما ذكرناه فقد قيل: إن الربيع قال: ولا يفارق الفريضة، ومعناه: لا يترك الفريضة. واختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من قال: الذي نقله الربيع هو الصحيح، فإن تفريق الفريضة جائز، وهو أن يأخذ أربع بنات لبون وحقة موضع [بنت لبون بلا جبران.
ومنهم من قال: الذي نقلاه صحيح، والمراد مما نقله المزني أنه لا يقبل ذلك مع الجبران. نعم، لو كانا ناقصين في ملكه: بأن كان في ملكه ثلاث حقاق وأربع بنات لبون، فإن أعطى الحقاق وبنت لبون مع الجبران جاز، وكذلك إن أعطى بنات اللبون وحقة وطلب] جبرانها جاز أيضاً، ولو قال: خذوا مني حقة وثلاث بنات لبون وجبرانها، ففي القبول وجهان، قال البندنيجي: المذهب منهما: المنع، وقد أجراهما الإمام فيما لو كان في ماله حقة وأربع بنات لبون، وأراد إخراج الحقة وثلاث بنات لبون وجبرانها، لكنه قال: المذهب منهما: الجواز، ومقابله زيف لا أصل له.
ولو كان سن الفرضين معدوماً في ماله، قال العراقيون وفي "الوجيز": إن له أن يشتري أيهما شاء؛ لأن بالشراء يصير موجوداً في ملكه، وهذا ما رجحه في "النهاية"، وصححه في "الوسيط"، وحكى وجهاً آخر: أنه يجب شراء الأحظ، وقد نظره.
ثم هذا إذا لم يرد اتخاذ ما دون الفرض أو أعلى منه أصلاً، ويعطي الجبران أو يأخذه، فإن أراد ذلك: بأن اتخذ بنات لبون أصلاً، ونزل منها إلى بنات مخاض، فأخرج خمس بنات مخاض وخمس جبرانات جاز. وكذا لو اتخذ الحقاق أصلاً، وصعد إلى الجذاع وطلب الجبران جاز ولو اتخذ الحقاق أصلاً ونزل إلى بنات مخاض، أو اتخذ بنات اللبون أصلاً، ورقي إلى الجذاع قال الإمام: فلا يجوز وجهاً واحداً، وإن أجرينا في مثله خلافاً فيما تقدم، والفرق أنه في نزوله وصعوده هاهنا يتخطى واجباً، وهو بنات لبون أو الحقاق، ولا كذلك؛ ثم؛ فإن الحقاق وبنات اللبون ليست واجب ماله، وإن كانت على طريق ترقيه ونزوله.
стр. 2392
وحكى الرافعي أن الشيخ أبا محمد حكى في الفرق وجهاً: أنه يجوز النزول والصعود فيهما. كما لو وجب عليه حقة، فلم يجدها، ولا بنت لبون في ماله؛ فنزل إلى بنت مخاض.
فرع: لو كانت إبله أربعمائة، فقد اجتمع فيها ثماني حقاق، وعشر بنات لبون؛ فإن أخذ خمس بنات لبون وأربع حقاق، جاز، ونظيره ما تقدم في الجبرانين، وقال الإصطخري: لا يجوز إلا أن يأخذ ثماني حقاق، أو عشر بنات لبون؛ لأن الشافعي قال: "لا تفرق الفريضة" وفي هذا تفريق الفريضة.
وقد حكى الإمام الوجهين من غير نسبة شيء منهما لأحد، وقال: إنهما يجريان مهما بلغ المال مبلغاً يشتمل على أربعينات وخمسينات.
فإن قيل: قد ذكرتم أن الساعي لا يأخذ إلا الأغبط على المذهب، ويلزم من ذلك أن يكون كل من الصنفين أغبط إذا جوزتم أحدهما له في هذه الحالة، وذلك لا يمكن.
قال ابن الصباغ: يجوز أن يكون لهم حظ ومصلحة من اجتماع النوعين؛ قال الرافعي: وهذا يفيد معرفة شيء آخر، وهو أن جهة الغبطة غير منحصرة في زيادة القيمة، لكن إذا كان التفاوت لا من جهة القيمة يتعذر إخراج الفضل وقدر التفاوت.
стр. 2393
قال: وأول نصاب البقر ثلاثون؛ فيجب فيه تبيع.
تمسك الشافعي في ذلك بما روي عن النبي ﷺ : "أنه أمر معاذاً أن يأخذ من كل ثلاثين تبيعاً، ومن أربعين مسنة" وبروايته عن مالك بن أنس، عن حميد بن قيسن عن طاوس: "أن معاذاً أخذ من ثلاثين بقرة تبيعاً، ومن كل أربعين مسنة" فكان عمل معاذ موافقاً لما أمر به.
فإن قيل: هذا مرسل؛ لأن طاوسا ولد في زمان عمر، وكان له سنة حين مات معاذ، والشافعي لا يقول بالمراسيل، فكيف يحتج بها؟
قيل: الجواب عن ذلك من أوجه:
أحدها: أن هذا وإن كان مرسلاً؛ فطريقه السيرة والقصة، وهذه قضية مشهورة في اليمن خصوصاً، وفي سائر الناس عموماً، وطاوس يمان؛ فكان الأخذ به من طريق اشتهاره، لا من طريق إرساله، ويدل على ذلك أن الشافعي حين قال ما قاله عقبه بقوله في "المختصر": وهذا لا أعلم فيه بين أحد من أهل العلم لقيته خلافاً.
والثاني: أن الشافعي يمنع من الأخذ بالمراسيل إذا كان هناك مسند يعارضه، وإن كان مرسل لا يعارضه مسند فالأخذ به واجب.
والثالث: أن هذا وإن أرسله الشافعي فقد أسنده غيره؛ فكان الأخذ به من طريق الإسناد، روى أبو داود عن معاذ- وهو ابن جبل- أن النبي ﷺ : "لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة" وأخرجه
стр. 2394
الترمذي، وقال: حديث حسن. وروى أبو بكر البزار من حديث ابن عباس قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذاً إلى اليمن "أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً، أو تبيعة جذعاً أو جذعة، ومن كل أربعين بقرة مسنة قالوا: فالأوقاص؟ قال: ما أمرت فيها بشيء وسأسأل رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه؛ فلما قدم على رسول الله ﷺ سأله فقال: "ليس فيها شيء".
وفي "موطأ مالك": فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ بن جبل.
قيل: وهذا هو الصحيح أن معاذاً قدم بعدما توفي رسول الله ﷺ .
وذكر الدارقطني عن الشعبي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "في كل أربعين من البقر مسنة، وفي كل ثلاثين تبيع أو تبيعة" وقد ادعى في "البحر" أن
стр. 2395
ذلك مجمع عليه؛ لما ذكره الشافعي، ولا يسلم من النزاع.
قال: وهو الذي له سنة، أي: ودخل في الثانية؛ لأنه لا يتحقق استكمال السنة إلا بالدخول في غيره، وهذا ما حكاه الأزهري كما قال في "البحر"، وقال القاضي الحسين ما ذكره الشيخ، ثم نقل عن أهل اللغة أنهم قالوا: إنه ليس بسن، ولكنه سمي تبيعاًلأنه يتبع أمه في المسرح، كما يقال: فصيل إذا فصل عن أمه، وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه، وقيل: لأن قرنه يتبع ترقوته؛ فتساويا، والمذكور في "الحاوي": أن التبيع: ما له ستة أشهر فصاعدا؛ لأن قد قوي على اتباع أمه، وإليه أشار في "الإبانة" بعد حكاية الأول بقوله: وقيل: التبيع اسم للعجل الذي يتبع أمه وإن لم يستكمل سنة، وقد حكاه الإمام، وقال: إن حظ الفقيه مما ذكرناه أن يعلم أن التبيع هو الجذع، يعني كما ورد في الخبر، والجذع من البقر كالجذع من الضأن، وقد تقدم تردد في سن الجذعة من الضأن، قال: وظاهر المذهب: أنها التي طعنت في السنة الثانية.
ومن أصحابنا من قال: إذا استكملت ستة أشهر فهي الجذعة، وهذا على بعده يجري في التبيع، والمذهب الذي عليه التعويل: أنه الذي استكمل سنة، وتقوم مقام التبيع فيما ذكرناه التبيعة، بل هي أولى؛ لفضلها بالأنوثة، كذا قاله الأصحاب كافة.
فإن قيل: خبر معاذ قد دل على أن الواجب في الثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، فلم اقتصر الأصحاب على أن واجبه التبيع، وأنه إذا أخرج التبيعة كان أولى وأسقط الواجب، ويكون متطوعاً بالزيادة، كما قاله في "المختصر"، ولا يقال: إن ما وجب على التخيير، إذا كان أحد خصاله أكمل كان الأدون منها هو الواجب؛ فإن فعل الأكمل سقط به؛ لأن ذلك موجود في خصال كفارة اليمين، وقد اتفق الكل على أن واجبها أحد الخصال الثلاث.
стр. 2396
قلت: المعتمد في زكاة البقر ما أشار إليه الشافعي من الاتفاق على أن الواجب في الثلاثين تبيع، وفي الأربعين مسنة واستأنس بحديث معاذ الذي رواه عن مالك، وليس فيه ذكر التبيعة، وإلا فقد قال عبد الحق في "الأحكام الكبرى": "إنه ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته"؛ فلا جرم اقتصر الأصحاب على ذكر أن الواجب في الثلاثين هو التبيع، والتبيعة تجزئ عنه، والله أعلم.
قال: وفي أربعين مسنة، للخبر، وهي التي لها سنتان، أي: ودخلت في الثالثة، كذا قاله القاضي الحسين، وأفهم أنه قول أهل اللغة، وفي "تعليق" البندنيجي أن المسنة لم تنص اللغة ولا الشريعة على قدر سنها، ولكن الظاهر أن المراد بها: الثنية؛ لأنه لما كان في الثلاثين تبيع وهو الجذع، والسن الذي يليها: الثنية- علم أن المراد في النصاب الثاني: السن الذي يلي الجذعة والذي يليها الثنية، والمذكور في "الحاوي" أن الثنية ما لها سنة كاملة ودخلت في الثانية، والخلاف منطبق على أن الثني من الغنم هو هل ما استكمل سنة؟ أو ما استكمل سنتين، وقد تقدم الكلام فيه، ويأتي في الأضحية، والبقر في ذلك كالغنم، كما ذكر الإمام، وإن كان الشيخ قد قال خلافه في الأضحية.
وجمع "المسنة"- كما قال البندنيجي-: مسنان ومسنات، وقال: إنه يقال لما تلده البقر حين يولد: عجل، وعجول؛ فإذا استكمل سنة، ودخل في الثانية قيل له: جذع، وللأنثى جذعة؛ قفإذا استكمل سنتين، ودخل في الثالثة فهو ثني وثنية، فإذا استكمل أربعاً ودخل في الخامسة فهو سديس وسديسة، فإذا استكمل خمساً ودخل في السادسة فهو ضالع، ولا اسم له بعد ذلك إلا ضالع
стр. 2397
عام، وضالع عامين.
ويجزئ عن المسنة إخراج تبيعين عند الجمهور؛ لأنهما يخرجان عن ستين، فما دونها أولى.
وحكى الرافعي في إجزائهما وجهين، وهما كالوجهين اللذين حكيناهما عن المتولي وغيره فيما إذا أخرج بنتي لبون أو حقتين عن جذعة، والصحيح منهما أيضاً: الإجزاء.
قال: وفي ستين تبيعان، وعلى هذا أبداً: ثم في كل ثلاثين تبيع، ومن كل أربعين مسنة؛ عملاً بظاهر خبر معاذ، وإنما ذكر الشيخ "وفي ستين تبيعان"، وإن كان قوله: وعلى هذا أبداً: في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة" مغيناً عنه، بياناً لأول النصب التي يتكرر فيها ما أخرج من قبل، وبه يظهر أن ما زاد على الأربعين لا يجب فيه شيء ما لم يبلغ ستين، خلافاً لأشهر الروايات عن أبي حنيفة؛ فإنه أوجب في الخمسين مسنة وربعاً، ووافق على أنها إذا بلغت ستين يجب فيها تبيعان، وقد حكى القاضي أبو الطيب أن بعض أصحابنا قال: فرض البقر إنما يستقر في الستين، يعني أنه إنما يجب في كل ثلاثين تبيع، وفي كل
стр. 2398
أربعين مسنة بعد الستين، قال: وهذا ليس بصحيح؛ لأن فرض البقر مستقر من أوله في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة، ولو اجتمع فرضان في نصاب كالمائة وعشرين، فيها ثلاث مسنات، وأربعة أتبعه، فالحكم في تعيين المسناـ، أو اختيار الأحظ للمساكين عند وجودهما وفقدهما، كما تقدم في الإبل، وقد نقل البندنيجي أنه نص في القديم على تعين المسنات، ولا يستثنى من ذلك إلا جواز أخذ الجبران ودفعه؛ فإنه لا يجزئ في البقر بلا خلاف، بل يجب عليه عند فقد سن الفرض من ماله تحصيله، أو إخراج أعلى منه، كما قاله الماوردي وغيره، وفرق بينه وبين الإبل، بأن الغنم لما وجبت في ابتداء فرض الإبل جاز أن يدخل جبرانها فيما بين أسنانها، وذكره ابن الصباغ أيضاً، وقال: إنه ليس بصحيح؛ لأنه ينكسر بدخول الدراهم في الجبران، لكن الصحيح في التعليل: أن الزكاة لا يعدل فيها عن المنصوص عليه إلى غيره بالقياس.
وهذا يخدشه جواز إخراج المسن عن التبيع، وكذا المسنة عنه، وإخراج ما فوق المسنة عنها، وتبيعين عنها كما قاله ابن الصباغ وغيره.
فإن قيل: إن الحكم المستفاد من فحوى الخطاب ثبت بالقياس؛ لأن هذا منه يعم الفرق الصحيح النازع إلى هذا المعنى ما قاله في "البحر": إن الجبران تقويم الشرع؛ فيجب قصره على الموضع الذي ورد فيه الشرع.
قلت: أي وجنسه، حتى يدخل فيه ما إذا أعطى الثنية من الإبل، وطلب الجبران؛ فإنه يجاب على المذهب، كما تقدم، وقد فرق في "التتمة" بينهما: بأن الإبل جرى فيها التخفيف بإيجاب غير الجنس، وهو الشاة؛ فجاز أن تختص بالجبران بخلاف غيرها، وقد أورده في "البحر" أيضاً، ولا يرد عليه ما ذكره ابن الصباغ لتغيير العبارة.
قال: وأول نصاب الغنم أربعون؛ فيجب فيه شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة، أي: إلى ثلاثمائة ثلاث شياه، ثم في كل مائة شاة.
الأصل في ذلك: ما روى البخاري في كتاب أبي بكر الذي تقدم ذكر بعضه: "وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة؛ فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة
стр. 2399
ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإن كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها".
واعلم أنا لو لم نقدر ما ذكرناه في كلام الشيخ لأفهم أنه يجب في ثلاثمائة وواحدة أربع شياه كما حكى عن إبراهيم النخعي والحسن بن صالح؛ تمسكاً بأنه- ﵇ حد الغاية بالثلاثمائة في وجوب الشياه الثلاثة فيجب أن يكون ما يتعقبها مغيراً للفرض كما جعل المائتين حد الغاية في وجوب الشاتين وغير الفرض ما يعقبها، وهذا لم يقل به أحد في مذهبنا، والحديث يرد عليه؛ لأنه قال: "فإن زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة"، ومن أوجب أربع شياه في ثلاثمائة وواحدة خالفه، قد قال في "البحر" حكاية عن المزني والربيع: إنه روي في بعض الألفاظ: "إذا نقصت سائمة الرجل عن أربعين شاة فلا شيء فيها، ثم ليس في زيادتها شيء حتى تبلغ مائتين وشاة فإذا بلغتها ففيها ثلاث شياة، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أربعمائة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة، وما نقص عن مائة فلا شيء فيها"، وهذا أصرح في الرد على المخالف.
وقد أجاب الأصحاب عما ذكره بأن العدد المحدود يجعل لتغيير الفرض تارة وتارة لتغيير النصب والحساب [من غير] أن يتغير الفرض، يدل عليه أن الواحدة الزائدة على عشرين ومائة من الإبل تغير الحساب، ويستقر بها النصاب، وهو إيجاب بنت لبون في كل أربعين، وحقة في كل خمسين، ولا يتغير بها الفرض، كذا في مسألتنا: استقر النصاب بالثلاثمائة ولم يتغير بها الفرض.
والقاضي الحسين قال: إنما ذكر ﵇ وقصين متواليين، لا نصاب بينهما في الحديث الأول تحسينا للعبارة؛ لأن العرب تستحسن أن تمد الكلام إلى غاية، ثم تردفه بما يستدرك بكل الغاية؛ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] [أي: حتى ينقطع دمهن، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بعد الانقطاع فأردفه بما يستدرك بكل الغاية.
قال: وإن كانت الماشية إناثاً، أو ذكوراً وإناثاً، أي: على السواء، أو كانت
стр. 2400
الإناث قدر الفرض فقط، لم يؤخذ في فرضها أي: المتأصل، إلا الأنثى وأما في الإبل وأربعين من البقر؛ فلظاهر ما تقدم من الخبر، وأما في الغنم، فلحديث سويد ابن غفلة، ولأنه حيوان تجب الزكاة في عينه، فكانت الأنوثة متعينة في فرضه؛ كالإبل.
وقد وافق الخصم هنا وهو أبو حنيفة، وهذا ما نص عليه في "الأم". وقد أطلق جمهور الأصحاب والنقلة القول بذلك، ولم يتعرضوا لاعتبار القيمة في المخرج في الحالين.
وفي "الرافعي" أن الأنثى المأخوذة من الإناث والذكور تكون دون الأنثى المأخوذة من محض الإناث بطريق التقسيط، قال: كما ذكرناه في المراض. وهذا ما يقتضيه كلام الأئمة الذي سأذكره من بعد.
قال: إلا في ثلاثين من البقر؛ فإنه يجزئ فيها الذكر؛ للخبر، واحترزنا بقولنا في بيان كلام الشيخ: "المتأصل" عما إذا أخرج عما دون الخمس والعشرين من الإبل الذكور الغنم، فإنها تؤخذ منه ذكوراً على المذهب، وكذا ابن اللبون عند ملكه خمساً وعشرين من الإبل ليس فيها بنت مخاض كما تقدم.
وقول الشيخ: "في فرضها" احترز به عما إذا أدى ما فوق الفرض ذكراً؛ فإنه يجزئ في بعض الصور، وهو ما إذا كان في ملكه أربعون من البقر، فأخرج تبيعين، فإنهما يؤخذان منه عن المسنة التي هي فرضه، ويجزئان [عنها على المشهور كما تقدم.
قال: وإن كانت كلها ذكوراً أخذ] في فرضها الذكر، أما في ثلاثين من البقر فللخبر، وأما في الغنم؛ فلأن أخذ الأنثى يؤدي إلى الإجحاف برب المال، وليس في أخذ الذكر ما يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير وهذه الزيادة ذكرت فارقة بين الغنم والإبل حيث قلنا: لا يجب فيها الذكر كما سيأتي.
قال: إلا الإبل، فإنه لا يؤخذ فيها أي أصلاً، إلا الإناث؛ للخبر، ولأن أخذ الذكر يؤدي إلى التسوية بين ما يؤخذ من الكثير والقليل في بعض الصور، وهو ما إذا كان ماله ستة وثلاثين، فإن أخذ الذكر منها يؤدي إلى تسويتها بخمس
стр. 2401
وعشرين؛ فإنه يؤخذ فيها ابن لبون، وهذا قول أبي الطيب بن سلمة وأبي إسحاق، وقال: إنه مذهب الشافعي، قال في "البحر": وقد نبه عليه في "الأم" وإنما انغلق كلام المزني؛ بشدة اختصاره وعلى هذا قال الأصحاب: يؤخذ أنثى بالقسط ليندفع الضرر عن المالك، وطريق معرفة القسط: أن تقوم الذكور بتقدير الأنوثة، ويقوم فرضها أنثى، ثم تقوم ذكوراً، فما نقصت من قيمة الإناث نقص من قيمة الفرض قدر ذلك، واشتري به أنثى.
مثاله: إذا كان في ملكه خمسة وعشرون قيمتها لو كانت إناثاً ألف، وقيمة بنت مخاض منها مائة، وقيمتها وهي ذكور خمسمائة- فقد علمنا أنه قابل فوات الأنوثة النصف، فينقص من قيمة الفرض النصف، وهو خمسون في مسألتنا، ونأمره أن يخرج أنثى قيمتها خمسون، هكذا قاله البندنيجي وغيره، وهو ما قلت من قبل: إنه يدل على ما حكاه الرافعي؛ إذ لو لم يكن كذلك لكان الصواب أن يقوم على تقدير أن يكون منها أربع وعشرون ذكوراً وواحد أنثى [وتقوم به أنثى] ويقوم الفرض منها ثم تقوم ذكوراً كلها فما نقصت نقص من قيمة الفرض واشتري به أنثى فتأمل ذلك، تعرفه والله أعلم.
وقد حكى مثل هذا الوجه أو القول في الغنم إذا كانت كلها ذكوراً، وقال القاضي الحسين: إنه قول قديم، والذي أورده القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيره من العراقيين فيها ما تقدم، وهو المنصوص في "الأم" كما قال في "البحر"، والفرق ما تقدم.
قال: وقيل: يؤخذ فيها الذكر؛ كما يؤخذ من المراض مريضة، ومن الغنم الذكور ذكر، ولأن تكليف المالك إخراج أنثى من مال لا أنثى فيه إضرار به، والشرع إنما أوجب الزكاة مواساة؛ فلا يناسبها الإضرار.
قال: إلا أنه يؤخذ في ست وثلاثين ابن لبون أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين؛ حذارا من التسوية بين القليل والكثير، وهذا ما نص عليه في "الأم"، وأشار إليه في "المختصر"، حيث قال: في الإبل لا نأخذ ذكراً مكان أنثى، إلا أن تكون تامة كلها ذكوراً. وبه قال ابن خيران ولم يحكه أبو الطيب في
стр. 2402
"التعليق" إلا عنه، وصححه النواوي.
ثم معرفة التفاوت بين المخرج عن خمس وعشرين والمخرج عن ست وثلاثين، يتوقف على معرفة المخرج عن خمس وعشرين عند انفرادها، وقد قال في "البحر": إنا نقدرها كلها إناثاً، فإذا قيل: قيمتها ألف، قيل: فكم قيمة بنت مخاض منهأ؟ فإذا قيل: مائة: فكم قيمتها ذكوراً؟ فإذا قيل: خمسمائة قيل: فكم قيمة ابن مخاض منها؟ فإذا قيل: خمسون- أوجبنا عليه ابن لبون قيمتها خمسون.
فإذا فهم ذلك عدنا إلى مسألة الكتاب، وهي إذا كان جملة ماله ستا وثلاثين، فنوجب عليه- على سياق ما تقدم والحالة هذه- ابن لبون قيمته اثنان وسبعون؛ لأن التفاوت بين القيمتين على نسبة التفاوت بين العددين، وذلك أحد عشر جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً وهو خمسان وخمس خمس، وخمسا الخمسين عشرون، وخمس خمس الخمسين اثنان، وإذا أضيف ذلك إلى خمسين بلغ ما ذكرناه وعلى هذا: في ست وسبعين ابنا لبون، كل [واحد] منهما أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين، وكذا في كل موضع أخرج فيه ابن اللبون عن أربعين.
وفي المسألة وجه ثالث: أنه إن أدى أخذ الذكر إلى التسوية بين نصابين لم يؤخذ، وإلا فيؤخذ وشرحه: أنه لا يؤخذ ابن لبون من ست وثلاثين؛ لأن ابن اللبون مأخوذ من خمس وعشرين عند فقد بنت مخاض؛ فيلزم التسوية بينهما، ويؤخذ من خمس وعشرين ابن مخاض، ومن ست وأربعين حق، ومن إحدى وستين جذعة، ولذا يؤخذ الذكر إذا زادت الإبل واختلف الفرض بزيادة العدد، كذا قاله الرافعي.
والأوجه متفقة على أخذ ابن لبون عن خمس وعشرين إذا كان فيها، والأخير مصرح بأن الإبل إذا كانت ذكوراً ليس فيها ابن لبون، وهي خمس وعشرون- أنه يؤخذ منه ابن مخاض، وهو ما ادعى القاضي الحسين أنه الظاهر من المذهب فيما إذا كانت إبله كلها أبناء مخاض، قال: لأن النصاب الأول من الإبل يشبه
стр. 2403
جميع النصب من الغنم، على معنى أن الواجب فيه من جنسه باعتبار العدد، لا باعتبار الصفة، والوجه الأول جار فيه، وهو ما أورده ابن الصباغ، ولم يحك خلافه، وفرق بينه وبين ما إذا كان ماله ستاً وثلاثين حيث يجزئه ابن لبون على وجه؛ بأن ابن لبون له مدخل في الزكاة في الجملة بخلاف ابن مخاض.
قلت: هذا الفرق يقتضي عدم إجزاء الحق والجذع، ولا جرم اقتصر هو وكثيرون على إيراد الخلاف الذي ذكره الشيخ، وقد أغرب في "البحر" حيث حكى عن بعض الأصحاب أنه حكى عن ابن خيران أنه قال فيما إذا كان ماله خمساً وعشرين: إنه لا يؤخذ ابن لبون ولا ابن مخاض، قال: وهذا غير صحيح عن ابن خيران.
وهذا كله إذا كان الذكور في سن الواجب، فلو كانوا في غير سنه، كما إذا ملك ستاً وثلاثين ابن مخاض قال القاضي الحسين: فإن قلنا لا يجزئه واحد منها عن خمس وعشرين فهاهنا أولى، وإلا فوجهان، والفرق حذر التسوية بين القليل والكثير.
قال: وكذلك الوجهان جاريان فيما لو ملك ستة وأربعين بني مخاض أو بني لبون، فإن قلنا بالجواز أخذنا منه ابن لبون تزيد قيمته على المأخوذ في ستة وثلاثين.
واعلم أن كلام الشيخ يفهم أنه إذا ملك أربعين من البقر كلها ذكور: أنه يجزئ فيها الذكر، وهو المنصوص عليه في "الأم" كما قال في "المهذب" و"البحر"، وقال البندنيجي: إنه ظاهر المذهب، وقول ابن خيران، وصححه النواوي، قال في "البحر"- تبعاً لما أفهم كلامه في "المهذب"-: وعلى هذا يقوم النصاب من الإناث، والفرض الذي فيها، ثم يقوم النصاب من الذكور، ويؤخذ بالقسط حتى لا يؤدي إلى التسوية بين الذكور والإناث. وفي "ابن يونس": أنا لا نحتاج على هذا التقويم؛ إذا المحوج إليه خشية مساواة القليل الكثير، وذلك مفقود فيها.
وفي المسألة وجه آخر: أنه يتعين إخراج الإناث؛ كما قيل بمثله في الإبل، وهو ما حكى عن أبي إسحاق وأبي الطيب بن سلمة.
قال: وإن كانت الماشية صحاحاً أخذ منها صحيحة، أي: ولا يجزئه معيبة وإن كانت أكثر قيمة من صحيحة، والدليل عليه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ ومعناه: لا تقصدوا الرديء منه تنفقون، فعبر عن الرديء
стр. 2404
بالخبيث وإن كان ينطلق لإرادة المحرم، والدليل على أن المراد دون الحرام، قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] والذي يؤخذ مع الإغماض إنما هو [الرديء] دون المحرم؛ لأن المحرم لا يجوز أخذه بحال، والمراد بالنفقة: الصدقة؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا﴾ الآية [التوبة: ٣٤] وأراد بالنفقة فيها الصدقة؛ لقوله ﵇: "ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز".
ومن السنة ما روى أبو داود عن ابن شهاب في نسخة كتاب أبي بكر قال: "ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق"، وقد أخرجه البخاري، وروى أبو داود عن سالم- وهو ابن عبد الله بن عمر- عن أبيه في نسخة كتاب رسول الله ﷺ : "ولا تؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عيب" وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.
стр. 2405
قال: وإن كانت مراضاً أخذ منها مريضة؛ لرواية أبي داود عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن فقال: "إنك تأتي قوماً أهل كتاب" إلى أن قال: "فإن هم أطاعوك فإياك وكرائم أموالهم"، أخرجه البخاري ومسلم.
وفي أخذ الصحيحة من المراض أخذ الكرائم وقد روى أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" بسنده عن عبد الله بن معاوية الغاضرين من غاضرة قيس، قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده، وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه، رافدةً عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن
стр. 2406
من وسط أموالكم؛ فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره". وأخرجه مسنداً أيضاً أبو القاسم الطبري.
ولأنه نصاب وجب فيه الزكاة؛ فوجب أن يكون فرضه بصفته، أصله: النصاب من الحبوب والثمار، والحديث الأول محمول على مال فيه صحيح ومريض؛ لأنه الغالب، والفرق بين هذا وبين ما لو كان المال كله ذكوراً أو صغاراً حيث لا يؤخذ منه الذكر ولا الصغير- على قول أو وجه: أن اسم "بنت لبون" مثلاً يطلق على المريضة، ولا يطلق على الذكر والفصيل، وقد وجب بلفظ "بنت لبون".
قال: وإن كانت صحاحاً ومراضاً، أي: والصحاح قدر الفرض أو أكثر منه أخذ منها صحيحة ببعض قيمة فرض صحيح وبعض قيمة فرض مريض على قدر المالين؛ لأن المريض لا يزكي الصحيح، لأن في إخراجه تيمم الخبيث، وفي إخراج الصحيح من غير اعتبار القيمة إضرار بالمالك وأخذ الكرائم، وهو منهي عنه؛ فتعين التقدير بالنسبة رعاية للجانبين، ومثال ذلك: إذا كان له أربعون من الغنم منها عشر مراض وثلاثون صحاح، فيقال: كم [قيمة] فرض صحيح منها؟ فإذا قيل: عشرون، فيقال: وكم قيمة فرض مريض منها؟ فإذا قيل: عشرة، قيل له:
стр. 2407
نصف وربع قيمة الصحاح خمسة عشر، وربع قيمة المراض اثنان ونصف، وجملة ذلك سبعة عشر ونصف فأعط فرضاً صحيحاً قيمة ذلك. وهكذا الحكم فيما لو كان واجب ماله من الغنم حيوانين، وفيما لو كان ماله إبلاً وواجبه حيوان واحد أو حيوانان على المشهور.
ولو كان ماله ثلاثين من الإبل، ونصفه صحاح والنصف الآخر مراض، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير، وقيمة كل مريضة ديناران- قال في "التهذيب"، تبعاً للقاضي الحسين وغيره: يجب عليه صحيحة قيمتها ثلاثة دنانير؛ نظراً إلى نصف قيمة الصحيح ونصف قيمة المريض.
قال الرافعي: ولك أن تقول: هلا كان هذا ملتفتاً إلى أن الزكاة هل تنبسط على الوقص أم لا؟ فإن انبسطت فذاك وإلا قسط المأخوذ على الخمس والعشرين. انتهى.
قلت: لو خرج على هذا فما الذي يجعل الوقص منه: هل من الصحاح أو من المراض، أو منهما؟ إن جعلناه من الصحاح أضررنا برب المال، وإن جعلناه من المراض أضررنا بالفقراء فتعين أن يجعل منهما، وحينئذ لا تختلف النسبة، على أن جعله منهما على السوية متعذر، لأن الخمس لا تنقسم.
стр. 2408
أما إذا كان الصحاح من ماله دون الفرض كما إذا كان واجبه حيوانين وجميع ماله مراض إلا أحد الحيوانين فالذي أورده البندنيجي والروياني: أنه يخرج واحداً معيباً والآخر سليماً بالنسبة، وإن أخرج السليم جاز، وهو الذي حكاه الإمام عن العراقيين والصيدلاني، وحكى عن شيخه أنه كان يقطع في دروسه أنه لابد [من] أن تكونا جميعاً صحيحتين، ولا يكفيه أن يخرج تلك الصحيحة ومعيبة؛ لأن من أخرج بعيرين من إبله فهما يزكيان ماله، وكل واحد منهما يزكي الثاني، وإن كانتا مخرجتين فيلزم من إخراج صحيح ومريض أن يزكي المريض الصحيح، قال الإمام: وهذا عندي خروج عن ضبط الفقه، وتقدير بعيد لا حاصل له، والزكاة إذا أخرجت فالباقي يزكي بها فأما الزكاة فلا تزكي نفسها؛ ولأجل هذا قال الغزالي: إن هذا سرف؛ لأنه إذا لم يبق في ماله صحيح سقط أثر المخرج.
وقد حكى القاضي الحسين والمتولي الخلاف المذكور وجهين في المسألة، وأنهما مأخوذان من اختلاف وقع في نسخ "المختصر"؛ فإن في بعض منها- كما قال هو والقاضي أبو الطيب وغيرهما-: "ولا يأخذ مريضاً وفي الإبل عدده صحيح"، وفي بعض "النسخ]: "ولا يأخذ مريضاً وفي الإبل [عدد صحيح] "، فمن قرأه بإثبات الهاء قال: المراد لا يأخذ مريضاً في الفرض وفي الإبل عدد؛ فإن الواحد أول العدد وليس عدد الفرض صحيحاً، وجوز الأخذ بهذه الصورة؛ لأن عدد الفرض لم يكن صحيحاً في ماله. ومن قرأه بنفي الهاء، قال: مراده: لا يأخذ مريضاً في الفرض وفي الإبل عدد ما صحيح وقد وجد في ماله في هذه الصورة عدد ما صحيح فلا يأخذ المريض.
فإن قلت: الواحد أول العدد وليس بعدد؛ فلا تندرج هذه الصورة في كلام الشافعي بتقدير حذف الهاء.
قلت: قد استشعر القاضي ذلك حيث منع ألا يكون الواحد عدداً بقوله: "واسم العدد يقع على الواحد. وأنا أقول: هذا التخريج صحيح، وإن قلنا: إن الواحد ليس بعدد؛ لأنا لو فرضنا الكلام فيما إذا كان الواجب عليه ثلاث حيوانات، كما إذا كان ماله مائتين وواحدة من الغنم، والجميع مراض إلا شاتين، فإن قضية من قرأ
стр. 2409
اللفظ بغير هاء: ألا يجزئه إخراج المريضة في هذه الحالة؛ لأنه قد وجد في المال عدد صحيح، وإذا صح ذلك فوجهه ما ذكره الشيخ أبو محمد، وإذا كان كذلك وجب طرده في الصورة الأخرى؛ لوجوده فيها.
ثم قضية بناء الوجهين على الاختلاف الذي وقع في نسخ "المختصر" بما ذكرناه من التقرير القطع بأن الإبل إذا كان الواجب فيها اثنان من جنسها وكانا صحيحين وباقيها مراضا- ألا يجزئه إلا صحيحان قولاً واحداً، ولكن بالقسط، وكذا في الغنم وغيرها، وهو ما قلنا من قبل: إنه المشهور وقد أغرب القاضي الحسين- وتبعه في "التهذيب" و"التتمة"- حيث قال: إذا كان ماله نصابين وأحد النصابين صحيحاً والآخر مريضاً بأن يكون له ست وسبعون من الإبل أو مائتان من الغنم نصفها صحاح ونصفها مراض، فأخرج صحيحة ومريضة- هل يجزئه أم لا؟ فيه وجهان.
قال القاضي: على اختلاف قراءة المختصر من قرأ: وفي الإبل عدد صحيح، قال: ما دام في الإبل صحيح لا يؤخذ مريض، ومن قرأ: عدده صحيح قال: يؤخذ من المريض مريض ومن الصحيح صحيح، يعني جميع الإبل، قال: والصحيح [أن] الهاء راجعة إلى المخرج؛ فلا يأخذ إلا الصحيح في هذه المسألة، وقد قال في "التهذيب": إن الصحيح عنده أنه يأخذ صحيحة ومريضة.
قلت: ومن هذا الخلاف يؤخذ خلاف في المال المشتمل على نصابين يتعدد بتعددهما الواجب: كالست والسبعين هل نقول: وجب في مقابلة نصفها بنت لبون الإبل؛ أخذا من [الخلاف المذكور] فيما إذا ملك أربعمائة من الإبل هل يجزئه أربع حقاق وخمس بنات لبون، أو لا يجزئه إلا ثماني حقاق أو عشر بنات لبون؟ ويمكن أن يكون مأخذ الخلاف هاهنا ذلك أيضاً، لكن قضيته لو قيل به أن يكون الصحيح هنا الجواز كما قاله البغوي، والصحيح [خلافه] بل المشهور اختصاص الخلاف بالصورة الأولى.
стр. 2410
وقد أغرب الغزالي فيها حيث قال- تفريعاً على ما قاله الصيدلاني-: إنه يكتفي منه بصحيحة تقرب قيمتها من ربع عشر ماله إذا كان المملوك أربعين من الغنم. وغرابة ذلك من وجهين:
أحدهما: أن قوله: تقرب قيمتها يشعر بأن الأمر في ذلك على التقريب قال الرافعي: وهذا لم أره في كلام غيره، ولا ينبغي أن يسامح بالنقصان والبخس.
قلت: مراد الغزالي- والله أعلم-: أن التفاوت في هذا يسير؛ لأن الزائد بسبب صحة واحدة من أربعين قليل ومع قلته لا يهمل بل يجب اعتباره، فهو ضد ما فهم عنه.
الثاني: جعله التفاوت منسوباً إلى ربع عشر القيمة إذا كانت غنمه أربعين، وهو الذي رواه ابن كج عن أبي إسحاق والذي قاله الجمهور في التقسيط هو الأول، قال الرافعي: وهو يتضمن النظر إلى آحاد الماشية إلا إذا استوت قيم الصحاح وقيم المراض وقد تكون مختلفة ولفظ الغزالي يغني عن النظر إلى آحاد الصور.
واعلم أن المعيب كالمريض فيما ذكرناه. نعم، لو كان كل المال معيباً، لكن البعض أردأ- فقد قال الشافعي في "المختصر": يأخذ خير المعيب. واختلف الأصحاب في ذلك:
فمنهم من أجراه على ظاهره، وأوجب خير المعيب من جميع ماله، قال الماوردي: وهو غلط؛ لأنه لا يطرد على أصل الشافعي، وهذا لم يورده الجمهور، بل أكثرهم قال: لا يختلف أصحابنا أن إبله إذا كانت [كلها] معيبة، فلا يجوز أن يأخذ خيرها في الصدقة، وممن قال ذلك، الإمام لكنه ذكر عن العراقيين بعد ذلك تردداً في صورة تقتضي المنازعة في ذلك.
ومنهم من قال: أراد بذلك أخذ خير الفرضين، وهي الحقاق وبنات اللبون، ولم يرد خير جميع المال، قال في "الحاوي": وهو الصحيح وبه قال ابن خيران، ويؤيده قوله في "الأم": يأخذ خير المعيب من السن التي وجبت عليه.
ومنهم من قال: مراده أن يكون رب المال أذن للساعي أن يأخذ من إبله ما شاء فيأخذ خيرها.
стр. 2411
ومنهم من قال: أراد بخير المعيب: أوساطها، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] يعني: وسطاً، لأنه قال في آية أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: ١٤٣] ثم هؤلاء اختلفوا في المراد بالوسط على وجهين حكاهما البندنيجي والماوردي:
أحدهما: أوسطها عيبا، مثال ذلك: أن يكون ببعضها عيب، وببعضها عيبان، وببعضها ثلاثة عيوب؛ فيأخذ ما به عيبان، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب تفريعاً على هذا.
والثاني: أوسطها في القيمة، مثال ذلك: أن تكون قيمة بعضها معيباً خمسين، وقيمة بعضها معيباً مائة، وقيمة بعضها معيباً مائة وخمسين فيأخذ ما قيمته مائة لأنه أوسطها، وهذا معنى قول الغزالي بعد حكاية النص: وقال الأصحاب: يخرج بالقسط وهو الأصح، وعليه تنطبق رواية الربيع- كما قال القاضي الحسين-: ويأخذ من خير المعيب ما تفاوت بالقيمة قدر صدقته.
والصورة التي حكى فيها الإمام التردد عن العراقيين: ما إذا ملك خمساً وعشرين معيبة فيها بنتا مخاض، إحداهما من أجود المال مع العيب والأخرى: دونها فقال: أحد الوجهين: أنه يأخذ التي هي أجود، وأصحهما: أنه يأخذ الأوسط. وذكر أن من قال بالأول شبه المسألة بالأغبط من الحقاق وبنات اللبون إذا اجتمع فرضهما في نصاب كالمائتين.
ثم العيب المؤثر فيما نحن فيه: كل ما يرد به في البيع كذا قاله علماؤنا كما قال الإمام في باب فرض الإبل السائمة، وأنهم قالوا: لا تعتبر العيوب المانعة من الإجزاء في الأضاحي، وحكى عن شيخه أن من أئمتنا من اعتبر السلامة من عيوب الأضاحي، والسلامة من العيوب التي تثبت الرد وهذا زلل غير معتد به، والوجه: القطع باعتبار عيوب الرد فحسب، والفارق بين الوجهين يقع في شيء واحد، وهو أن الشرقاء والخرقاء تجزئ على الوجه الأول، كما صرح به الإمام في باب زكاة الغنم عن الصيدلاني؛ موجهاً له بأنها ليست معيبة بعيب مؤثر في القيمة والمالية وهي المرعية في الزكاة، وإن كان استشراف المنظر حساً معتبراً في
стр. 2412
الضحايا على رأي، وعلى الوجه الثاني لا تجزئ إذا قلنا بعدم إجزائها في الضحايا، وقال الإمام في باب زكاة الغنم: إنه غير معدود من المذهب، وإنما هو هفوة من السامع والمستمع، وقد أوضح في "الخلاصة" حقيقة الوجه الأول وهو الصحيح في "الرافعي" فقال: المؤثر في المنع ما لا يجزئ في الأضحية إلا سلامة الأذن.
قال: وإن كانت صغاراً، أي: بأن كانت دون أول سن تجب فيها، وذلك يتصور في جميع الماشية بأن تنتج في ملكه ماشية ثم تموت أمهاتها ويتم حولها وهي صغار ويفرع على المذهب في [أن] الحول لا ينقطع بموت الأمهات، خلافاً للأنماطي، ويتصور أيضاً في المعسر بأن يملكها ببيع ونحوه، ويتم عليها حول ولم يكمل لها سنتان، وقلنا بالصحيح: إن الثنية منها ما استكملت سنتين.
قال: فإن كانت من الغنم، أخذ منها صغيرة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فلم يجز لحق هذا الظاهر أن يكلفوا الزكاة من غيره، ولقول أبي بكر في حق مانعي الزكاة: "والله، لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلهم على منعه" كما أخرجه البخاري ومسلم.
وجه الدلالة منه: أنه أخبر عنهم أنهم كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ العناق،
стр. 2413
والعناق: الأنثى الصغيرة من أولاد الغنم ما لم تجذع، وهي إنما تؤخذ من مال كله سخال، ولأنا لو كلفناه كبيرة من مال لا كبير فيه لكلفناه كريمة من مال لا كريمة فيه؛ لأن الكبيرة كريمة في هذه الحالة، وذلك لا يجوز؛ للخبر الآخر، ولأنه مال تجب الزكاة في عينه؛ فوجب أن نأخذ زكاته من عينه [كالثمر الردئ] وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن الجديد، وقال تفريعاً عليه: إنا نأخذ صغيراً سخلة من جملة السخال تبلغ قيمتها قيمة ربع عشر ماله إذا كان أربعين؛ وهو جزء من أربعين جزءاً.
قال: وإن كانت من الإبل والبقر أخذ منها كبيرة أي: ولا يأخذ صغيرة منها مطلقاً؛ لأن ذلك يؤدي إلى التسوية بين القليل والكثير، فيأخذ في خمس وعشرين من الإبل فصيلاً يأخذه في إحدى وستين منها، وفيما بينهما، ويأخذ في ثلاثين من البقر عجلاً يأخذه في أربعين منها وذلك إضرار بالفقراء؛ فتعين أخذ كبيرة.
قال: أقل قيمة من كبيرة تؤخذ من الكبار؛ رعاية لجانب رب المال، وهذا ما حكى عن ابن سريج وأبي إسحاق [قالا]: والفرق بين ذلك وبين الغنم بوجهين:
أحدهما: أن محذور التسوية بين القليل والكثير مفقود فيهما.
والثاني: أن أسنان فرائض الإبل والبقر منصوص عليها؛ فلم يجز تركها
стр. 2414
لمخالفة النص، وسن فرائض الغنم لم يرد النص به؛ لوروده في الإبل والبقر، فجاز تركه عند فقده.
وعن بعض الأصحاب: أنه طرد هذا الوجه في الغنم- أيضاً- فقال: يأخذ منها كبيرة بالقسط وهو ما حكاه البغوي عن القديم تبعاً للقاضي الحسين والفوراني؛ لأنا لو أخذنا الصغيرة من الغنم لأخذناها من الإبل أيضاً كالمريضة، والمعيبة حيث تؤخذ من جميع النعم، ولو أخذناها من الإبل لزمت التسوية، فامتنع الأخذ أصلاً ورأساً، كما أنا نمتنع من أخذ الصغيرة من الإبل والبقر- على هذا الوجه لأجل ذلك- فيما إذا كان المال خمساً وعشرين من الإبل وثلاثين من البقر، وحينئذ لا أثر للفرق الأول، والثاني ضعيف، ولا وجه له في بدله. وعلى هذا نقول: كم قيمة النصاب لو كان كباراً؟ فإذا قيل: ألف مثلاً قيل: فكم قيمة الفرض منه؟ فإذا قيل: عشرة، قيل: فكم قيمة هذه الصغار؟ فإذا قيل: خمسمائة، قيل له: أخرج سن الفرض ويكون قيمته خمسة كذا قاله الماوردي والبندنيجي في الإبل، وطرده منقاس في غيرها، والقاضي أبو الطيب قال في الإبل على هذا: إذا كانت خمساً وعشرين فإنه يخرج ابنة مخاض قيمتها قيمة واحدة من الصغار، وإذا كانت ستاً وثلاثين أخرج بنت لبون قيمتها قيمة فصيل منها، والقياس: طرد ذلك في البقر والغنم إن قلنا بتعين الكبيرة فيها.
وقد قال الإمام: إن الساعي يجتهد في الغنم ويحرص؛ حتى لا يجحف برب المال، فيأخذ جذعة من أربعين من سخال الغنم قريبة القيمة من سخلة، ويشترط أن تكون سليمة من العيوب، ولا ينبغي أن يظن الفقيه أنا نلتزم التسوية بين قيمة تلك الجذعة وبين السخلة؛ فإن هذا قد لا يتأتى أصلاً، وقد تكون أكبر سخلة في المال غير مستكملة شهراً، وقد لا تكون شريفة الجنس- أيضاً- فليس من الممكن فرض جذعة سليمة على قيمتها، ولو فرضنا وجدان ذلك؛ لكون السخال نفيسة وكانت الجذعة من نوع قريب القيمة فما عندي أن الأئمة
стр. 2415
يسمحون بالعدول عن النوع الشريف، ولا أحد يصير إلى أنا نعدل إلى الدراهم، فإن هذا يؤدي إلى [إيجاب] إخراج قيمة سخلة، ولو أجزأت قيمة سخلة لأجزأت سخلة في نفسها.
قلت: وبهذا يندفع السؤال على قول من قال: إنا إذا أوجبنا عليه في الإبل والبقر كبيرة أقل قيمة من كبيرة تؤخذ من الكبار، فلم نجد كبيرة بتلك القيمة- إنا نأخذ منه القيمة للضرورة كما ذكره المسعودي [في "الإيضاح"].
قال: وقيل: تؤخذ الكبيرة، أي: التي وصفناها من النصب التي يتغير الفرض فيها بالسن، أي: كخمس وعشرين من الإبل، وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين منها، وثلاثين من البقر وأربعين منها، للمحذور الذي ذكرناه من التسوية، فأما ما يتغير الفرض فيها بالعدد، أي: كست وسبعين من الإبل، وستين من البقر؛ فإنه يؤخذ الصغار؛ لانتفاء المحذور المذكور فجاز كما في الغنم، وهذا ما ضعفه الماوردي، وقال: إنه لا يتحصل منه شيء؛ لوضوح فساده من الاعتبار، وغيره بين فساده؛ بأن التسوية المحذورة فيما يتغير الفرض فيه بالسن موجودة فيما يتغير الفرض فيه بالعدد، وذلك بين ست وسبعين وإحدى وتسعين من الإبل، وبين الستين من البقر والثمانين، وقد سلم الحكم في ذلك كما قاله الماوردي، ولا فرق بينهما إلا في الصورة؛ فإن ما يتغير الفرض فيه بالسن المأخوذ منه واحد، والمأخوذ فيما يتغير فيه الفرض بالعدد اثنان، ولا أثر لذلك.
وقد عبر قوم من الأصحاب عن هذا الوجه بعبارة أخرى تدفع الإلزام المذكور، وهي أن الصغيرة تؤخذ حيث لا يؤدي أخذها إلى التسوية، ومنهم الغزالي في "الوسيط" تبعاً للإمام وادعى الإمام في موضع: أنه وجه عدل متجه، وفي آخر: أنه الأصح، وكذا البغوي وقال: إنه الجديد، وإذا قلنا به وجبت صغيرة لائقة بماله، وفي المسألة وجه آخر: أنه تؤخذ الصغيرة من الإبل والبقر بكل حال، كما تؤخذ من الغنم، فيؤخذ في خمسة وعشرين فصيلاً فصيل [وفي ستة وثلاثين فصيلاً فصيل، وفي ستة وأربعين فصيلاً فصيل، وفي واحد وستين فصيلا
стр. 2416
فصيل]، وفي ستة وسبعين فصيلان، وفي ثلاثين عجلا عجل، وفي ستين عجلان، وفي سبعين عجلان، ثم هكذا فيما زاد ونقص، قال الماوردي: وهو ظاهر النص، والبندنيجي وأبو الطيب قالا: إنه ظاهر المذهب [والمتولي قال: إنه المذهب] وهو الذي صححه الفوراني، وقال ابن الصباغ: إنه ليس بشيء.
وعلى هذا قال الشيخ أبو بكر- وهو ابن الحداد- والصيدلاني: ينبغي أن يحرص الساعي حتى يأخذ من المقدار الكبير من الإبل فصيلا أكثر شيئاً مما يأخذه فيما دونه حتى يحصل عند الإمكان فصل بين المأخوذ من الكثير والمأخوذ من القليل، فإن أراد أن يأخذ فصيلاً من خمس نظر إلى الأسنان عند وجودها، ومعلوم أنه [لو] ملك خمسا وعشرين من جذاع الإبل أو ثناياها، فإنا نكتفي منه ببنت مخاض، وهي أول الأسنان المعتبرة، فلينظر الناظر إلى مثل ذلك في الفصلان.
قال الإمام: ويخرج من هذا أنه يأخذ أكثر الفصلان في المقدار الكبير. وقال غيره: إنه يأخذ من ست وثلاثين فصيلاً فوق الفصيل المأخوذ من خمس وعشرين، ومن ست وأربعين فصيلاً فوق المأخوذ من ست وثلاثين، وعلى هذا القياس.
وعلى الجملة فإن أمكن التفاوت فهو حتم، والنظر فيه إلى نظر الساعي واجتهاده، وإن تساوت الفصلان على مزية واحدة، فلابد على هذا من التسوية بين القليل والكثير على هذا الوجه الذي عليه نفرع، كذا قاله الإمام.
قلت: والقياس يقضتي طرد مثل هذا في البقر، وقد اقتضى ما ذكره الشيخ في الإبل والبقر الجزم بعدم إجزاء الصغيرة عن خمس وعشرين من الإبل وثلاثين من البقر، أما على [الوجه] الأول فظاهر، وأما على [الوجه] الثاني؛ فلأنها من النصب التي يتغير الفرض فيها بالسن، وقد جزم البغوي بإجزاء الصغير عن خمس وعشرين من الإبل، وحكى الخلاف فيما جاوز ذلك.
قال الرافعي: وفي كلام الصيدلاني مثل ذلك والقياس طرد ذلك في البقر، وقد حكى في "الوجيز" وجهاً: أن الصغيرة تؤخذ في غير الإبل، وفي الإبل فيما
стр. 2417
جاوز إحدى وستين، ولا تؤخذ فيما دونه؛ كي لا يؤدي إلى التسوية، وهذا الوجه يلحق البقر بالغنم مطلقاً دون الإبل.
قلت: و [هو الذي] لا يتجه غيره؛ لأن عماده المنع من إخراج الصغيرة، أما التسوية بين القليل والكثير أو خشية الإفضاء إليها فذلك مأمون في البقر؛ لأن الواجب في ثلاثين منها ذكر، وفي أربعين أنثى، وفي ستين ذكران، وفي ثمانين أنثيان، وذلك فارق بين القليل والكثير؛ فإن الأنوثة صفة زائدة قائمة في بعض الصور مقام زيادة السن؛ ألا ترى إلى جعل الشرع ابن اللبون مجزئاً، في خمس وعشرين وبنت اللبون واجب ست وثلاثين؟ نعم، لو كانت الصغار ذكوراً، وقلنا: لو كانت البقر كلها [ذكوراً] في سن الواجب أخرج الذكر، كما هو المنصوص، فهاهنا لو قلنا: يخرج الصغير من البقر، للزمت التسوية، أو خشية الإفضاء إليها؛ فيتجه إلحاق البقر- والحالة هذه- بالإبل، والله أعلم.
واحترز الشيخ بقوله: منها عما إذا كانت صغاراً وزكاتها من غيرها، كالعشرين فما دونها من الإبل؛ فإنها وإن كانت صغاراً لا يؤخذ عنها إلا ما يؤخذ عن الكبار نعم، لو أخرج منها فصيلاً، قال القاضي الحسين وغيره: جاز. وقال في "التهذيب": إنه يجوز على القول الجديد.
وقد سكت الشيخ عما إذا كانت الماشية صغاراً وكباراً؛ اكتفاء بما تقدم في الصحاح والمراض، إذ حكمهما واحد، وقد استدل لذلك بقول عمر- ﵁ لساعيه سفيان بن عبد الله الثقفي: "اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يده ولا تأخذها، ولكن خذ الجذعة والثنية، فإن ذلك عدل بين غذاء المال وخياره"، والغذاء: السخال والبهم، واحدها: غذي، ومعناه: إذا فعلت ذلك لم تظلم.
ولو كان ماله نصابين كست وسبعين من الإبل مثلاً، ونصفها كبار ونصفها صغار، فهل يتعين إخراج كبيرتين، أو يجوز أخذ كبيرة وصغيرة منه؟ إذا قلنا: تؤخذ صغيرة من الصغار، حكمه أيضاً ما تقدم في نظير [مسألة الصحاح والمراض، قاله المتولي، وحكى الخلاف المذكور في] المسألة الأخرى، ثم في
стр. 2418
نظيرها هاهنا، ولو كانت الماشية أعلى سناً من سن الفرض، لم يطالب رب المال إلا بالفرض المنصوص عليه.
قال: وإن كانت المواشي أنواعاً: كالبخاتي، والعراب، والجواميس، والبقر، والضأن، والمعز، ففيه قولان.
البخاتي- بتشديد الياء وتخفيفها- والعراب: نوعان للإبل كما أن المَهْرِية، والأَرْحَبية، والمُجَيْدية، والعَقِيلية، والقِرْمِلية أنواع لها.
والجواميس والبقر المعروفة بين الناس نوعان- كما أراد الشيخ للبقر- وقد أنكر عليه جعله البقر أحد نوعي البقر، وكان الصواب أن يقول: والجواميس والعراب؛ لأنهما نوعان للبقر، وكذا الدربانية- بدال مهملة مفتوحة، ثم راء ساكنة ثم باء موحدة، ثم ألف ثم نون-: نوع لها، قال الأزهري: أنواع البقر منها الجواميس، وهي أنبل البقر، وأكثرها ألبانا وأعظمها أجساماً. والعراب: وهي جرد ملس حسان [الألوان] كريمة. ومنها الدربانية: وهي التي ينقل عليها الأحمال.
وقال ابن فارس: الدربانية ترقُّ أظلافها وجلودها ولها أسنمة.
والضأن والمعز: نوعان للغنم، وكذا العربية والملكية والبلدية أنواعها.
فإذا وجدت أنواع من جنس في ملك شخص، أو نوعان، ضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب بلا خلاف، والمخرج من ماذا؟ قال الشيخ: ففيه قولان،
стр. 2419
أي: منصوصان في "الأم"، كما قال في "البحر":
أحدهما: [يؤخذ] من الأكثر؛ لأن للغلبة تأثيراً في الأصول، دليله: المائع إذا اختلط بالماء نظرنا إلى الأغلب، والشخص إذا غلب عليه الخير أو الشر، كان الاعتبار به في قبول شهادته وردها.
والثاني: يجب في الجميع بالقسط، لأنه مال تجب الزكاة في عينه؛ فلم يعتبر الغالب في أخذ الزكاة منه؛ كالدراهم والحبوب إذا كان فيهما الجيد ودونه.
وهذا ما أشار إليه في "المختصر" حيث قال: [والقياس: أخذ من كل بقدر حصته، وهو الأصح بالاتفاق.
وفي المسألة قول ثالث، قاله في موضع آخر من "الأم": أنه يخرج من أوسط الأنواع عند اجتماعها، حيث قال]: إذا اختلفت الغنم وكانت أجناساً بعضها أرفع من بعض، أخذ المصدق من أوسط أجناسها، لا من أعلاها ولا من أسفلها؛ لأن ذلك العدل.
التفريع: إن قلنا بالأول، أخذ من النوع الأغلب من ماله، ولا نظر إلى كونه أحظ للمساكين أو خلافه، فإن كان ماله أربعين من الغنم، ثلاثين ضأنا وعشرين معزا أخذنا جذعة من الضأن، [ولو انعكس الحال أخذنا ثنية من المعز. ولو كان ماله ثلاثين من البقر، عشرين عراباً وعشرة جواميس- أخذنا تبيعا من العراب، ولو انعكس] الحال أخذنا تبيعاً من الجواميس، ولو كان ماله خمسة وعشرين من الإبل، خمسة عشر مهرية، وعشرة أرحبية أو مجيدية أو غير ذلك أخذنا بنت مخاض مهرية، ولو انعكس الحال أخذنا بنت مخاض من النوع الآخر.
فإن لم يجد [من] الأكثر السن الواجب، قال الشافعي: كلفنا رب المال تحصيلها ولا تنخفض ولا ترتفع. قال في "البحر": وأراد: لا يجوز أن يأخذ من النوع الأدنى مع الجبران، أو من الأعلى مع دفع الجبران إليه، ولكن لو أخذ من السن الأكبر ودفع الجبران، أو الأدنى مع الجبران، يجوز بلا إشكال، وعلى هذا – أيضاً-: لو تساوى النوعان أو الأنواع، مثل: أن كان في ملكه عشرون من الضأن وعشرون من المعز، أو ثلاثون من البقر: عشر عراب، وعشر جواميس،
стр. 2420
وعشر دربانيات، قال في "الوسيط" تبعاً لـ"النهاية": إنه كاجتماع الحقاق وبنات اللبون، فالمذهب وهو المنصوص في "الأم" كما قال في "البحر": أن الساعي يختار الأنفع للمساكين، وهو ما أورده البندنيجي، والقاضي الحسين والشيخ في "المهذب"، وقاله أبو إسحاق في "الشرح" كما قال ابن الصباغ.
وقيل: الخيرة لرب المال يخرج ما شاء، كما هو مذهب ابن سريج في الحقاق وبنات اللبون، وهو ما ذكره أبو إسحاق في "الشرح" كما قاله في "البحر" وأنه لا وجه له على مذهب الشافعي، وأن بعض أصحابنا قالوا: ويجيء فيه وجه آخر: أنه يؤخذ من كل واحد منهما بقدره؛ كالتمر إذا كان نوعين سواء، يؤخذ من كل نوع بقدره.
قلت: ليس المعني بذلك: أنه يأخذ شقصاً من حيوانين، بل المراد: أنه يأخذ منه حيواناً واحداً بالقسط، فيقوم النصاب كما لو كان كله من نوع ويقوم واجبه وكذلك يقوم النوع الآخر وواجبه، فيأخذ منه حيواناً قيمته قدر نصف قيمة كل من النوعين، وهو الذي أورده الماوردي، حيث قال عند استواء النوعين: إن عليه إخراج شاة من أيهما شاء على قدر المالين. وحقيقته ترجع إلى- ما قاله القاضي أبو الطيب في "المجرد"- أنه ينبغي أن يسقط هذا القول إذا تساوت.
ولو كانت إبله عشراً مهرية، وعشراً أرحبية وخمساً مجيدية، وجب عليه بنات مخاض مهرية أو أرحبية، والخيرة للساعي على المذهب في أخذ أيهما شاء لا بالتشهي، بل باتباع الأحظ، وحقيقته ترجع إلى تعيين المهرية؛ لأنها الأجود؛ ولهذا قال القاضي الحسين: لو كانت إبله عشراً مهرية، وعشراً أرحبية وعشراً مجيدية، أخذ بنت مخاض عن المهرية على هذا القول بلا خلاف، كما قال الإمام وغيره. وإن قلنا بالقول الثاني لم يأخذ أشقاصاً من حيوانات وإن اقتضاه ظاهر النص، وقال به القاضي الحسين تخريجاً بل يأخذ منه في النصاب الواحد حيواناً كاملاً بالقسط، فنقول في المثال الأول: كم قيمة النصاب لو كان كله ضأنا؟ فإذا قيل: مائة وستون قلنا: وكم قيمة الفرض منه؟ فإذا قيل: أربعة، قلنا: وكم قيمة النصاب لو كان كله معزاً؟ فإذا قيل: ثمانون، قلنا: وكم قيمة الفرض منه؟ فإذا قيل: درهمان، أخذنا منه شاة قيمتها ثلاثة ونصف؛ لأن الثلاثة نصف
следующие страницы →