Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
فصيل]، وفي ستة وسبعين فصيلان، وفي ثلاثين عجلا عجل، وفي ستين عجلان، وفي سبعين عجلان، ثم هكذا فيما زاد ونقص، قال الماوردي: وهو ظاهر النص، والبندنيجي وأبو الطيب قالا: إنه ظاهر المذهب [والمتولي قال: إنه المذهب] وهو الذي صححه الفوراني، وقال ابن الصباغ: إنه ليس بشيء.
وعلى هذا قال الشيخ أبو بكر- وهو ابن الحداد- والصيدلاني: ينبغي أن يحرص الساعي حتى يأخذ من المقدار الكبير من الإبل فصيلا أكثر شيئاً مما يأخذه فيما دونه حتى يحصل عند الإمكان فصل بين المأخوذ من الكثير والمأخوذ من القليل، فإن أراد أن يأخذ فصيلاً من خمس نظر إلى الأسنان عند وجودها، ومعلوم أنه [لو] ملك خمسا وعشرين من جذاع الإبل أو ثناياها، فإنا نكتفي منه ببنت مخاض، وهي أول الأسنان المعتبرة، فلينظر الناظر إلى مثل ذلك في الفصلان.
قال الإمام: ويخرج من هذا أنه يأخذ أكثر الفصلان في المقدار الكبير. وقال غيره: إنه يأخذ من ست وثلاثين فصيلاً فوق الفصيل المأخوذ من خمس وعشرين، ومن ست وأربعين فصيلاً فوق المأخوذ من ست وثلاثين، وعلى هذا القياس.
وعلى الجملة فإن أمكن التفاوت فهو حتم، والنظر فيه إلى نظر الساعي واجتهاده، وإن تساوت الفصلان على مزية واحدة، فلابد على هذا من التسوية بين القليل والكثير على هذا الوجه الذي عليه نفرع، كذا قاله الإمام.
قلت: والقياس يقضتي طرد مثل هذا في البقر، وقد اقتضى ما ذكره الشيخ في الإبل والبقر الجزم بعدم إجزاء الصغيرة عن خمس وعشرين من الإبل وثلاثين من البقر، أما على [الوجه] الأول فظاهر، وأما على [الوجه] الثاني؛ فلأنها من النصب التي يتغير الفرض فيها بالسن، وقد جزم البغوي بإجزاء الصغير عن خمس وعشرين من الإبل، وحكى الخلاف فيما جاوز ذلك.
قال الرافعي: وفي كلام الصيدلاني مثل ذلك والقياس طرد ذلك في البقر، وقد حكى في "الوجيز" وجهاً: أن الصغيرة تؤخذ في غير الإبل، وفي الإبل فيما
стр. 2417
جاوز إحدى وستين، ولا تؤخذ فيما دونه؛ كي لا يؤدي إلى التسوية، وهذا الوجه يلحق البقر بالغنم مطلقاً دون الإبل.
قلت: و [هو الذي] لا يتجه غيره؛ لأن عماده المنع من إخراج الصغيرة، أما التسوية بين القليل والكثير أو خشية الإفضاء إليها فذلك مأمون في البقر؛ لأن الواجب في ثلاثين منها ذكر، وفي أربعين أنثى، وفي ستين ذكران، وفي ثمانين أنثيان، وذلك فارق بين القليل والكثير؛ فإن الأنوثة صفة زائدة قائمة في بعض الصور مقام زيادة السن؛ ألا ترى إلى جعل الشرع ابن اللبون مجزئاً، في خمس وعشرين وبنت اللبون واجب ست وثلاثين؟ نعم، لو كانت الصغار ذكوراً، وقلنا: لو كانت البقر كلها [ذكوراً] في سن الواجب أخرج الذكر، كما هو المنصوص، فهاهنا لو قلنا: يخرج الصغير من البقر، للزمت التسوية، أو خشية الإفضاء إليها؛ فيتجه إلحاق البقر- والحالة هذه- بالإبل، والله أعلم.
واحترز الشيخ بقوله: منها عما إذا كانت صغاراً وزكاتها من غيرها، كالعشرين فما دونها من الإبل؛ فإنها وإن كانت صغاراً لا يؤخذ عنها إلا ما يؤخذ عن الكبار نعم، لو أخرج منها فصيلاً، قال القاضي الحسين وغيره: جاز. وقال في "التهذيب": إنه يجوز على القول الجديد.
وقد سكت الشيخ عما إذا كانت الماشية صغاراً وكباراً؛ اكتفاء بما تقدم في الصحاح والمراض، إذ حكمهما واحد، وقد استدل لذلك بقول عمر- ﵁ لساعيه سفيان بن عبد الله الثقفي: "اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يده ولا تأخذها، ولكن خذ الجذعة والثنية، فإن ذلك عدل بين غذاء المال وخياره"، والغذاء: السخال والبهم، واحدها: غذي، ومعناه: إذا فعلت ذلك لم تظلم.
ولو كان ماله نصابين كست وسبعين من الإبل مثلاً، ونصفها كبار ونصفها صغار، فهل يتعين إخراج كبيرتين، أو يجوز أخذ كبيرة وصغيرة منه؟ إذا قلنا: تؤخذ صغيرة من الصغار، حكمه أيضاً ما تقدم في نظير [مسألة الصحاح والمراض، قاله المتولي، وحكى الخلاف المذكور في] المسألة الأخرى، ثم في
стр. 2418
نظيرها هاهنا، ولو كانت الماشية أعلى سناً من سن الفرض، لم يطالب رب المال إلا بالفرض المنصوص عليه.
قال: وإن كانت المواشي أنواعاً: كالبخاتي، والعراب، والجواميس، والبقر، والضأن، والمعز، ففيه قولان.
البخاتي- بتشديد الياء وتخفيفها- والعراب: نوعان للإبل كما أن المَهْرِية، والأَرْحَبية، والمُجَيْدية، والعَقِيلية، والقِرْمِلية أنواع لها.
والجواميس والبقر المعروفة بين الناس نوعان- كما أراد الشيخ للبقر- وقد أنكر عليه جعله البقر أحد نوعي البقر، وكان الصواب أن يقول: والجواميس والعراب؛ لأنهما نوعان للبقر، وكذا الدربانية- بدال مهملة مفتوحة، ثم راء ساكنة ثم باء موحدة، ثم ألف ثم نون-: نوع لها، قال الأزهري: أنواع البقر منها الجواميس، وهي أنبل البقر، وأكثرها ألبانا وأعظمها أجساماً. والعراب: وهي جرد ملس حسان [الألوان] كريمة. ومنها الدربانية: وهي التي ينقل عليها الأحمال.
وقال ابن فارس: الدربانية ترقُّ أظلافها وجلودها ولها أسنمة.
والضأن والمعز: نوعان للغنم، وكذا العربية والملكية والبلدية أنواعها.
فإذا وجدت أنواع من جنس في ملك شخص، أو نوعان، ضم بعضها إلى بعض في إكمال النصاب بلا خلاف، والمخرج من ماذا؟ قال الشيخ: ففيه قولان،
стр. 2419
أي: منصوصان في "الأم"، كما قال في "البحر":
أحدهما: [يؤخذ] من الأكثر؛ لأن للغلبة تأثيراً في الأصول، دليله: المائع إذا اختلط بالماء نظرنا إلى الأغلب، والشخص إذا غلب عليه الخير أو الشر، كان الاعتبار به في قبول شهادته وردها.
والثاني: يجب في الجميع بالقسط، لأنه مال تجب الزكاة في عينه؛ فلم يعتبر الغالب في أخذ الزكاة منه؛ كالدراهم والحبوب إذا كان فيهما الجيد ودونه.
وهذا ما أشار إليه في "المختصر" حيث قال: [والقياس: أخذ من كل بقدر حصته، وهو الأصح بالاتفاق.
وفي المسألة قول ثالث، قاله في موضع آخر من "الأم": أنه يخرج من أوسط الأنواع عند اجتماعها، حيث قال]: إذا اختلفت الغنم وكانت أجناساً بعضها أرفع من بعض، أخذ المصدق من أوسط أجناسها، لا من أعلاها ولا من أسفلها؛ لأن ذلك العدل.
التفريع: إن قلنا بالأول، أخذ من النوع الأغلب من ماله، ولا نظر إلى كونه أحظ للمساكين أو خلافه، فإن كان ماله أربعين من الغنم، ثلاثين ضأنا وعشرين معزا أخذنا جذعة من الضأن، [ولو انعكس الحال أخذنا ثنية من المعز. ولو كان ماله ثلاثين من البقر، عشرين عراباً وعشرة جواميس- أخذنا تبيعا من العراب، ولو انعكس] الحال أخذنا تبيعاً من الجواميس، ولو كان ماله خمسة وعشرين من الإبل، خمسة عشر مهرية، وعشرة أرحبية أو مجيدية أو غير ذلك أخذنا بنت مخاض مهرية، ولو انعكس الحال أخذنا بنت مخاض من النوع الآخر.
فإن لم يجد [من] الأكثر السن الواجب، قال الشافعي: كلفنا رب المال تحصيلها ولا تنخفض ولا ترتفع. قال في "البحر": وأراد: لا يجوز أن يأخذ من النوع الأدنى مع الجبران، أو من الأعلى مع دفع الجبران إليه، ولكن لو أخذ من السن الأكبر ودفع الجبران، أو الأدنى مع الجبران، يجوز بلا إشكال، وعلى هذا – أيضاً-: لو تساوى النوعان أو الأنواع، مثل: أن كان في ملكه عشرون من الضأن وعشرون من المعز، أو ثلاثون من البقر: عشر عراب، وعشر جواميس،
стр. 2420
وعشر دربانيات، قال في "الوسيط" تبعاً لـ"النهاية": إنه كاجتماع الحقاق وبنات اللبون، فالمذهب وهو المنصوص في "الأم" كما قال في "البحر": أن الساعي يختار الأنفع للمساكين، وهو ما أورده البندنيجي، والقاضي الحسين والشيخ في "المهذب"، وقاله أبو إسحاق في "الشرح" كما قال ابن الصباغ.
وقيل: الخيرة لرب المال يخرج ما شاء، كما هو مذهب ابن سريج في الحقاق وبنات اللبون، وهو ما ذكره أبو إسحاق في "الشرح" كما قاله في "البحر" وأنه لا وجه له على مذهب الشافعي، وأن بعض أصحابنا قالوا: ويجيء فيه وجه آخر: أنه يؤخذ من كل واحد منهما بقدره؛ كالتمر إذا كان نوعين سواء، يؤخذ من كل نوع بقدره.
قلت: ليس المعني بذلك: أنه يأخذ شقصاً من حيوانين، بل المراد: أنه يأخذ منه حيواناً واحداً بالقسط، فيقوم النصاب كما لو كان كله من نوع ويقوم واجبه وكذلك يقوم النوع الآخر وواجبه، فيأخذ منه حيواناً قيمته قدر نصف قيمة كل من النوعين، وهو الذي أورده الماوردي، حيث قال عند استواء النوعين: إن عليه إخراج شاة من أيهما شاء على قدر المالين. وحقيقته ترجع إلى- ما قاله القاضي أبو الطيب في "المجرد"- أنه ينبغي أن يسقط هذا القول إذا تساوت.
ولو كانت إبله عشراً مهرية، وعشراً أرحبية وخمساً مجيدية، وجب عليه بنات مخاض مهرية أو أرحبية، والخيرة للساعي على المذهب في أخذ أيهما شاء لا بالتشهي، بل باتباع الأحظ، وحقيقته ترجع إلى تعيين المهرية؛ لأنها الأجود؛ ولهذا قال القاضي الحسين: لو كانت إبله عشراً مهرية، وعشراً أرحبية وعشراً مجيدية، أخذ بنت مخاض عن المهرية على هذا القول بلا خلاف، كما قال الإمام وغيره. وإن قلنا بالقول الثاني لم يأخذ أشقاصاً من حيوانات وإن اقتضاه ظاهر النص، وقال به القاضي الحسين تخريجاً بل يأخذ منه في النصاب الواحد حيواناً كاملاً بالقسط، فنقول في المثال الأول: كم قيمة النصاب لو كان كله ضأنا؟ فإذا قيل: مائة وستون قلنا: وكم قيمة الفرض منه؟ فإذا قيل: أربعة، قلنا: وكم قيمة النصاب لو كان كله معزاً؟ فإذا قيل: ثمانون، قلنا: وكم قيمة الفرض منه؟ فإذا قيل: درهمان، أخذنا منه شاة قيمتها ثلاثة ونصف؛ لأن الثلاثة نصف
стр. 2421
وربع قيمة الفرض من الضأن، والنصف قيمة الربع من المعز، وقد قيل: إنه لا حاجة في تقويم النصاب، بل تقوم الجذعة من الضأن في مثالنا، ونأخذ ثلاثة أرباع قيمتها، وتقوم الثنية من المعز ونأخذ قيمتها، ويجمع ذلك، فما بلغ أخرج شاة قيمتها ذلك وهذا ما ذكره أبو الطيب وهكذا نفعل في البقر والإبل إذا كانت نوعين، وإن كانت أنواعاً فبالنسبة: فإذا كان ماله إبلاً عشراً مهرية، وعشراً أرحبية، وخمساً مجيدية، قيل: كم قيمة بنت مخاض مهرية؟ فإذا قيل: عشرة، قيل: وبنت مخاض أرحبية كم قيمتها؟ فإذا قيل: خمسة، قيل: وبنت مخاض مجيدية، فإذا قيل: اثنان ونصف، أخذنا من العشرة خمسيها وذلك أربعة، ومن الخمسة خمسيها، وذلك اثنان، ومن الاثنين ونصف خمسه وذلك نصف، ومجموع ذلك ستة ونصف، فيخرج بنت لبون قيمتها ستة ونصف، وعلى هذا فقس.
قال الأصحاب: والخيرة في النوع المخرج منه الفرض على هذا القول إلى المالك، وقال ابن الصباغ: الذي يقتضيه المذهب أنها تكون من أعلى الأنواع، واختاره في "المرشد"؛ ولأجل ذلك حكى بعضهم في المسألة وجهين هكذا.
وقال في "التتمة": المذهب المشهور أنه يتخير الساعي كما في الحقاق وبنات اللبون. وهذا قد يقال: إنه ما صار إليه ابن الصباغ، وقد يقال: إنه غيره، فتأمله.
وهذا الذي ذكرناه فيما إذا كان الفرض حيواناً واحداً، فلو كان أكثر منه، كما لو ملك مائة من الضأن [ومائة] وواحدة من المعز، فقد قال القاضي الحسين: إنه يخرج ثنية وجذعة بلا خلاف، وفي الشاة الثالثة وقع الاشتراك فيخرج على هذا القول شاة ثنية إما ضأنا وإما معزا، تبلغ قيمتها مائة جزء من مائتي جزء وجزء [من الضأن ومائة جزء وجزء من مائتي جزء] من المعز. وقياس ما قاله القاضي الحسين أنه لو كان في ملكه مائتان من الضأن ومائتان من المعز، أنه يخرج شاتين من الضأن وشاتين من المعز، بلا خلاف؛ إذ لا اشتراك وهو ما صرح به في "البحر" وحكاه الرافعي عن رواية ابن كج عن أبي إسحاق، ثم قال الرافعي: والمشهور طرد الخلاف.
стр. 2422
قلت: وهو راجع إلى ما قدمت ذكره أن الواجب بسبع، فيجب الجملة في الجملة، والبعض مشاعاً من مجموع الحيوانات في البعض، إذ لا إشاعة، بل يجب في كل مائة- والصورة كما ذكرناه- شاة، والله أعلم.
وإن قلنا بالقول الثالث الذي لم يحكه الشيخ لعدم اطراده؛ فإنه إنما يأتي عند وجود ثلاثة أنواع في المال متقاربة، ولا يأتي إذا كان نوعان فقط، واستوت الأعداد- فلا يخفي تفريعه. نعم، لو لم يجد في الأوسط السن التي وجبت، قال الساعي لرب المال: إن تطوعت بالأعلى منه أخذته، وإن لم تتطوع كلفتك أن تأتي بمثل الفرض وسطاً، وقد حكى الرافعي في أصل المسألة وجهاً عن رواية ابن كج: أنه يؤخذ من الأجود؛ أخذاً من نصه في اجتماع الحقاق وبنات اللبون.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أنه لا يؤخذ عن الضأن المعز وعن المعز الضأن، وهو ما ادعى ابن التلمساني: أنه الأصح، ووراءه وجهان، حكاهما المتولي عن القاضي الحسين:
أحدهما: أنه يجوز كما يجوز أن يأخذ من أحد النوعين عن الآخر، في النصاب الذي بعضه ضأن وبعضه معز، وهذا ما صححه في "التهذيب" وقاسه على ما إذا أخرج مهرية من الإبل عن أرحبية، وعلى هذا يشترط ألا ينقص قيمة البدل عن المبدل.
والثاني: يرجع عند الاختصار إلى أنه إن أخرج المعز عن الضأن لم يجزئه وإن أخرج الثنية من الضأن عن المعز والقيمة مستوية أجزأه، وإن أخرج عنها جذعة من الضأن فوجهان.
وأطلق في "التهذيب" الحكاية عن القاضي بأنه قال: يحتمل ألا يؤخذ من المعز عن الضأن؛ لأن المعز دون الضأن، ويؤخذ الضأن عن المعز؛ كما تؤخذ المهرية عن المجيدية، ولا تؤخذ المجيدية عن المهرية.
واعلم أن المهرية منسوبة إلى قوم من اليمن يقال لهم: بنو مهرة.
والأرحبية: من اليمن، وكذا المجيدية منسوبة إلى مجيد، وهو فحل كان لإبلهم.
стр. 2423
قال في "البحر": وقد قيل: النجيدية [بدل المجيدية].
والقرملية: إبل الترك.
قال: ولا تؤخذ الربى، [أي: بضم الراء وتشديد الباء] وهي التي يتبعها ولدها، كما قاله في "المهذب" و"الوسيط"، والقاضي الحسين، وقال أبو الطيب: هي القريبة العهد بالولادة، وهو قول أهل اللغة، قال الأزهري: يقال: هي في ربابها- بكسر الراء- ما بين خمس عشرة ليلة، وقال الجوهري: قال الأموي: هي رُبَّى ما بينها وبين شهرين، وقد حكى البندنيجي الوجهين، وقال القلعي: وأهل اللغة لا يشترطون كون الولد معها، وقد قال أبو زيد: الربى من المعز والضأن، وربما جاء في الإبل.
وإنما لم تؤخذ لأنها من كرائم الأموال؛ فإنها كثيرة اللبن، وقد قال- ﵇ لمعاذ: "فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجه البخاري ومسلم.
قال: والماخض.
الماخض عند أهل اللغة: الحامل التي دنت ولادتها.
قال الأزهري: هي التي أخذها المخاض لتضع، والمخاض: وجع الولادة، والمراد في اصطلاح الفقهاء بالماخض: الحامل قربت ولادتها أو بعدت كما ستعرفه.
ووجه المنع من أخذها: أنه جاء في حديث عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تؤخذ الشافع ولا حزرة الرجل" والشافع: الحامل،
стр. 2424
قاله القاضي الحسين.
وقال أبو الطيب: هي الحامل ولها ولد، فتكون قد شفعت ولدها بحمل آخر، وقيل: إنها السمينة العظيمة، سميت بذلك؛ لأن لحمها شفعه شحم السمن ولحمه، وعلى هذا فتكون الدلالة على منع الأخذ فيها بخصوصها: أن ذلك يؤدي إلى الإجحاف برب المال؛ لأنها مشتملة على حيوان آخر لم يجب؛ ولذلك أوجبها الشرع تغليظاً في قتل العمد.
قال الأصحاب: والتي طرقها الفحل في هذا المعنى كالمتحققة الحمل؛ لأن الغالب في البهائم العلوق بمرة واحدة بخلاف الآدميات.
قال: وفحل الغنم.
وهو المعد للضراب؛ لرواية البخاري وغيره عن ابن شهاب في نسخة كتاب أبي بكر: "ولا تأخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق".
قال: والأكولة.
الأكولة- بفتح الهمزة وضم الكاف- هي المسمنة المعدة للذبح، كما قال الشافعي وأبو عبيد، وقال غيره: أكولة غنم الرجل: الخَصِيُّ.
ووجه المنع: قوله ﵇: "لا تأخذ الشافع: وهي السمينة- كما تقدم- ولرواية أبي داود عن مسلم بن ثفنة البكري عن شيخ يقال له: سعر، قال: لبثت في شعب على عهد رسول الله ﷺ في غنم لي، فجاءني رجلان على بعير، فقالا لي: إنا رسولا رسول الله ﷺ إليك؛ لتؤدي صدقة غنمك، فقلت: ما علي فيها؟ فقالا: شاة، فعمدت إلى شاة قد عرفت مكانها ممتلئة لحماً وشحماً، فأخرجتها إليهما، فقالا: هذه شاة الشافع، وقد نهانا رسول الله ﷺ أن نأخذ شافعاً. قلت:
стр. 2425
فأي شيء تأخذان؟ قالا: عناق جذعة أو ثنية، قال: فعمدت إلى عناق معتاط – والمعتاط: التي لم تلد ولداً وقد حان ولادتها- فأخرجتها إليهما، فقالا: ناولناها، فجعلاها معهما على بعيرهما، ثم انطلقا. وفي رواية: الشافع: التي في بطنها الولد. انتهى.
وقيل: المعتاط من الغنم: [هي] التي امتنعت من الحمل؛ بسمنها وكثرة لحمها، وهي بضم الميم وسكون العين المهملة قبل الألف تاء ثالثة الحروف، وبعد الألف طاء مهملة.
قال: وحزرات المال، أي: خياره، سمي بذلك؛ لأن الرجل يحزره من ماله بقلبه، ويقصده لفضيلته.
ووجه المنع خبر معاذ، وخبر عبد الله بن زيد، وقد جاء مرسلاً عن عروة أن النبي ﷺ قال لمن بعثه على الصدقة: "إياك وحزرات أنفسهم" أخرجه أبو داود.
والحزرات: بحاء مهملة ثم زاي ثم راء، واحدتها: حزرة، بإسكان الزاي كتمرة وتمرات.
وقد استدل الأصحاب على ما ذكرناه بقول عمر لساعيه المقدم ذكره: "ولا
стр. 2426
تأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض، ولا فحل الغنم" وفي رواية أخرى: "ولا ذات الدر" ولم ينكر عليه أحد ذلك.
قال: إلا أن يختار رب المال.
ووجهه في أخذ فحل الغنم رواية البخاري السالفة، وفي أخذ الخيار ما روى أبو داود عن [أبي] بن كعب قال: بعثني رسول الله ﷺ مصدقاً، فمررت برجل فلما جمع لي ماله، لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدِّ ابنة مخاض؛ فإنها صدقتك، فقال: [ذاك] ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة قنية عظيمة سمينة، قال: فخذها، فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به، وهذا رسول الله ﷺ منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل، فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته، قال: فإني فاعل فخرج معي وجاء بالناقة التي عرض علي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال له: يا نبي الله، أتان رسولك ليأخذ [مني] صدقة مالي، وايم الله، ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي، فزعم أن ما على فيه إلا ابنة مخاض، وذلك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة عظيمة قنية ليأخذها، فأبى وردها علي، وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها، فقال له رسول الله ﷺ : "ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير أجرك الله فيه، وقبلناه منك"، فهاهي ذه يا رسول الله، قد جئتك بها فخذها، قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها، ودعا له في ماله بالبركة. انتهى.
стр. 2427
فقبول ذلك منه دليل على الجواز، وكذا قوله: "أجرك الله" ومنه نأخذ الجواز في باقي الصور.
وأجرك الله: بمد الهمزة وقصرها لغتان، وقد أنكر الأصمعي المد.
فإن قيل: الحمل نقص، فكيف يقبل في الزكاة إذا رضي المالك؟
قلنا: قال القاضي الحسين: الحمل في البهائم ليس بنقص بخلاف بنات آدم؛ فإنه نقص فيها. وكذلك قاله الإمام والمتولي وفيه نظر، كما ستعرفه، أن الأصح: أنه عيب في البهائم وبنات آدم.
وقد طلب المتولي والفوراني الفرق بين إجزائها هنا وعدم إجزائها في الأضحية كما قال: ثم فرق بأن القصد من الأضحية اللحم، والغالب أن بالحمل ينقص اللحم، وفي الزكاة المقصود: منفعة أهل السهمان؛ ولهذا أوجب الشرع في الزكاة الإناث، والنفع في الحبلى أكثر.
وما ذكره الشيخ في جميع الصور هو المشهور إلا في فحل الغنم؛ فإن فيه إذا أخرجه ما تقدم في أخذ الذكر.
وفي "النهاية" أن العراقيين حكوا وجهاً بعيداً عن بعض الأصحاب: أن الربى لا تقبل من جهة أنها لقرب عهدها بالولادة تكون مهزولة، والهزال عيب، قال: وهو ساقط؛ لأن الهزال الذي يعد عيباً هو الظاهر البين.
وفي "الإبانة" أن صاحب "التقريب" قال: إذا أعطانا كريمة لا تجزئ؛ لظاهر خبر معاذ.
وفي "النهاية" أن صاحب "التقريب" حكاه عن غيره، وقال: إنه مزيف لا أصل له. ولا شك في جريانه في فحل الغنم، ولا الأكولة، وكذا في الحامل إذا قلنا:
стр. 2428
الشافع: الحامل؛ لورود النهي عن أخذها، وإليه أشار الإمام. بقوله: إنه لو بذل ماخضاً، قبلت منه على طريق الأئمة، واعتدت فريضة كالكريمة في نوعها.
ثم محل النوع عند عدم رضا المالك بأخذ الكريمة إذا لم يكن كل ماله كذلك، فإن كان بأن كانت ماشية سمينة طالبناه بسمينة، قال الإمام: ويجعل ذلك كشرف النوع. وهذا بخلاف ما لو كانت كلها ماخضة لا يطالب بماخضة كما قاله صاحب "التقريب" وقال الإمام: لا وجه عندي لمخالفته لمكان حملها الزائد على الواجب؛ فإن الشرع أوجب في الأربعين شاة واحدة.
قال: وإن كان بين نفسين من أهل الزكاة نصاب مشترك من الماشية، أو نصاب غير مشترك إلا أنهما اشتركا في المراح والمسرح والمشرب والفحل والراعي والمحلب حولاً كاملاً- زَكَّياً زكاة الرجل الواحد.
هذا الفصل سيق لبيان زكاة الخلطة، وهي عند الفقهاء نوعان: خلطة اشتراط وخلطة جوار، ويعبر عن الأولى: بخلطة الأعيان وعن الثانية بخلطة الأوصاف، وقد منع بعضهم تسميتها "خلطة" لغة؛ لأن الخلطة في اللغة: ما لم يتمز، وقال: هي تسمية شرعية يدل عليها قوله- ﵇: "والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والمرعى"، وروي "والراعي" أخرجه الدارقطني.
وقال آخرون: بل تسمى "خلطة" لغة وشرعاً، وقد جاء ذلك في الكتاب العزيز في قصة داود ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى
стр. 2429
بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٣، ٢٤] فسماهم خلطاء وإن كانت النعجة متميزة عن النعاج.
وقد ذكر الشيخ النوعين معبراً عن الثلاني بما لا نزاع فيه، وهو قوله: أو نصاب [غير] مشترك إلا أنهما .. إلى آخره، والدليل على الوجوب في الحالين عموم قوله ﷺ : "في خمس من الإبل شاة، وفي ثلاثين من البقر تبيع، وفي أربعين شاة شاة" ولم يفرق بين أن يكون ذلك لمالك أو لملاك والدليل على وجوبها في النوع الثاني بخصوصه: ما رواه البخاري وغيره عن أنس في كتاب أبي بكر- ﵁: "ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" قال الأصحاب: والدلالة بهذا من وجهين:
أحدهما: قوله: "ولا يجمع بين مفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة" فإنه خاطب بذلك السعاة وأرباب الأموال، فلا يجمع الساعي بين عشرين من الغنم لشخص وعشرين لآخر، حتى يأخذ منها شاة، ولا يفرق بين ثمانين من الغنم بين شخصين لكل واحد منهما أربعون؛ ليأخذ من كل منهما شاة، ولا يجمع أرباب الأموال بين المفرق مثل: أن يكون لزيد أربعون من الغنم، ولعمرو مثل ذلك، [فيجمعا بينهما] ليأخذ الساعي منهما شاة ولا يفرق بين مجتمع مثل: أن يكون بين شخصين أربعون من الغنم؛ فيفرقاها، كي لا يأخذ منهما شاة.
والثاني: قوله: "وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" والراجع إنما يكون غالباً في خلطة الأوصاف كما سنبينه.
وإذا ثبت وجوب الزكاة في هذهذه الخلطة، كان وجوبها في الأولى أولى، ولأجل ذلك قال الشافعي: والذي لا أشك فيه أن الشريكين ما لم يقتسما الماشية فهما خليطان. وأراد بذلك أن خلطة الأوصاف لما ورد الشرع بوجوب الزكاة فيها فما لم يشك في كونه خلطة ملحق بها.
وقد حكى الحناطي وجهاً غريباً: أن خلطة الجوار لا أثر لها، وإنما يؤثر خلطة الشيوع، والحديث يرد عليه.
стр. 2430
ثم المراد بالمراح: الموضع الذي تبيت فيه الماشية وهو بضم الميم وبالمسرح: الموضع الذي ترعى فيه، كذا حكى عن الشيخ أبي حامد، وهو الذي قاله أبو الطيب، والبندنيجي، والقاضي الحسين، والماوردي، وكلام الغزالي يقتضي أنه غيره؛ فإنه قال: يشترط اتحاد المسرح والمراح والمرعى [والمشرع].
قال الرافعي: وكلام كثير من الأئمة يوافقه، قال: وليس ذلك في الحقيقة اختلافاً، ولكن الماشية إذا سرحت عن أماكنها تجيء قطعة قطعة، وتقف في موضع، فإذا اجتمعت امتدت إلى المرعى، فكأن بعضهم أطلق اسم "المسرح" على ذلك الموضع وعلى المرتع نفسه؛ لأن الإبل مسرحة إليها، ومنهم من خص اسم "المسرح" بذلك الموضع.
والمراد بالمشرب: الموضع الذي يشرب منه الماء، عيناً كان أو نهراً أو بئراً.
وبالفحل: الذي يضربها واحداً كان أو أكثر، سواء كان مشتركاً بينهما أو لأحدهما أو مستعاراً، وهذا ما أورده العراقيون والماوردي، وقال القاضي [الحسين]: قال الشافعي: "ويكون فحولها مختلطة"، فاختلف أصحابنا في ذلك:
فمنهم من قال: أراد به أن يكون الفحل مشتركاً، بينهما [وهو المحكي عن رواية الشيخ أبي محمد أيضاً.
قال القاضي]: والأكثرون [قالوا]: أراد به ألا يميز كل واحد منهما ماشيته عند الإنزاء، ويكون الفحل بينهما مرسلا ينزو.
كلام الغزالي يحتمل إجراؤه على هذا الخلاف؛ فإنه قال الاشتراك: في الراعي والمحلب والفحل فيه وجهان. وفي بعض الشروح أن بعض الخراسانيين قال: إن اشتراط الاشتراك في الفحل مخصوص بما إذا اتحد النوع، فإن اختلف كالضأن والمعز فلا يضر اختلاف الفحل؛ للضرورة. قلت: وحقيقة ذلك ترجع إلى أنا على الأول لا نثبت حكم الخلطة عند اختلاف نوع المال، إذ لا اشتراك في الفحل مع اختلافه، ولكن نثبتها عند اتحاد النوع، إذ في تلك الحالة يتصور الاشتراك، وعلى الثاني نجوزها في الحالين، لكن لابد مع اتحاد النوع من الاشتراك فيه؛ للخبر.
стр. 2431
وهذا لم أره لغيره، نعم، حكى الرافعي في اشتراط الاشتراك في الفحل وجهين، أحدهما: أنه لا يشترط ولا يقدح في الخلطة اختصاص كل واحد بإنزاء فحل على ماشيته، قال: وهو أصح عند المسعودي لكن يشترط أن يكون الإنزاء على موضع واحد كما سنذكره في الحلاب.
والمراد بالاشتراك في الراعي: أن يكون راعي المالين متحداً، واحداً كان أو أكثر بحيث لا يتميز [مال] كل منهما براع، وفيه الوجه الذي حكيناه عن الغزالي.
والمراد بالمحلب- بفتح الميم-: الموضع الذي يحلب فيه؛ لأن الشافعي نص عليه في "الإملاء"، فقال: وأن يحلب في مكان واحد، فإن تفرقا في مكان الحلاب قبل الحول زكيا زكاة الاثنين. ولأجل ذلك قال الرافعي: إن اتحاد موضع الحلاب لابد منه. وأفهم كلام النووي خلافاً فيه؛ لأنه قال: والأصح اشتراط اتحاد موضع الحلب فينبغي أن يقرأ كلام المصنف بفتح الميم؛ لأنه بالفتح: موضع الحلب، وبكسرها: الإناء الذي يحلب فيه، ولفظ الشافعي الذي حكاه في "المختصر": "ولا يكونان خليطين حتى يريحا ويسرحا، ويحلبا ويسقيا معاً"، واختلف الأصحاب فيه، فقال أبو إسحاق: ما نقله المزني غلط، ولم يذكره الشافعي في "الأم" ولا في شيء من كتبه. وغيره صحح النقل، وقال: قد حكاه الزعفراني وحرملة أيضاً، لكن ما المراد منه؟ اختلفوا فيه:
стр. 2432
فمنهم من قال: مراده أن يكون [موضع حلابهما واحداً كما نص عليه في "الإملاء".
ومنهم من قال: مراده أن يكون] الإناء الذي يحلب فيه واحداً، وأن يخلط اللبن بعد الحلب؛ لأن ذلك أرفق، وأقل مؤنة، قال القاضي أبو الطيب: وهو الذي عليه عامة الأصحاب، وهو ظاهر النص، ولا يقال: إن خلط اللبن يؤدي إلى الربا؛ لاحتمال أن يكون لبن أحدهما أكثر من لبن الآخر؛ لأنا نقول: ما كان موضوعاً على الرفق والمساهلة سقط [اعتبار الربا فيه] كما قلنا في مسافرين خلطوا أزوادهم؛ فإنه يجوز أن يتفاوت أكلهم، ولم يمنع ذلك من الخلط؛ فكذا هنا.
ومنهم من قال: المراد: أن يكون الحالب واحداً والإناء واحداً مع خلط اللبن.
ومنهم من قال: المراد: أن يكون الإناء واحداً والحالب واحداً، فأما خلط اللبن فلا يشترط؛ لأن اللبن نماء فلا يعتبر فيه الخلط كالصوف، بل لا يجوز خلط اللبن؛ لأنه يفضي إلى الربا، وما ذكر من دفع ذلك قياساً على أزواد المسافرين، فالفارق قائم، وهو أن المقصود هاهنا التمليك وهو مما يشاحح فيه، وفي أزواد المسافرين الإباحة ولا مشاححة وهذا ما ادعى البندنيجي أنه المذهب.
ثم دليل اعتبار هذه الأشياء ما تقدم من الخبر؛ لأنه نص فيه على البعض، ونبه به على الباقي بجامع طلب خفة المؤنة، وقد اشترط بعض الأصحاب نية الخلطة في الوجوب وفي منعه، حتى إذا جمع الرعاة الماشية واتصفت بصفات الخلطة لا تجب الزكاة، كما قيل بمثل ذلك في قصد السوم والعلف، والمذهب في "تعليق" البندنيجي: عدم الاشتراط، وهو المختار في "المرشد"؛ لأن المصلحة حاصلة وإن لم يقصد.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه لا فرق فيما ذكره بين أن يكون النصاب مشتركاً بينهما على التساوي أو على التفاضل، وكذا في خلطة الجوار، وهو الذي صرح به الأصحاب.
واحترز بقوله: "من أهل الزكاة"، عما إذا كان بين نفسين أحدهما من أهل الزكاة والآخر ليس من أهلها، كالمكاتب والذمي؛ فإن الزكاة لا تجب لعدم تأثير
стр. 2433
الخلطة، ولو كان بينهما ما يخص من هو من أهل الزكاة منه قدر النصاب، كما إذا ملك ثمانين من الغنم نصفين؛ فإنه تجب عليه شاة قاله القاضي الحسين؛ لعدم تأثير الخلطة أيضاً.
وبقوله: "نصاب" عما إذا كان بينهما دون النصاب مختلطاً [وفي ملكهم غير مختلط ما يكمل به النصاب، كما إذا وقعت الخلطة] في ثمانٍ وثلاثين من الغنم بينهما نصفين، ويملك كل منهما شاة مفردة؛ فإنه لا زكاة للخبر.
وبقوله: "حولاً كاملاً" عما إذا كان ملك أحدهما بعض النصاب والآخر باقيه بعد ذلك، ومضى حول من حين ملك الأول؛ فإنه لا تجب الزكاة ما لم يتم حول من حين ملك الأول؛ فإنه لا تجب الزكاة ما لم يتم حول من حين ملك الثاني، ولا يزكيان زكاة المنفرد كما ستعرفه، ويتصور ذلك فيما إذا كان المال بين ذميين نصفين، فأسلم أحدهما غرة المحرم، وباع الآخر نصفه غرة صفر فمن تجب عليه الزكاة والمال مختلط لم يفصل، ويسلمه كذلك حين البيع؟ نعم، لو ملك أحدهما نصاباً في أول المحرم، والآخر نصاباً في أول المحرم، وخلطا حين ملكا- ثبت حكم الخلطة كما تقدم، وإن لم تقع الخلطة إلا في أول صفر فهل تجب عند تمام الحول الأول عليهما زكاة الخلطة أو زكاة الانفراد؟ وفيه قولان؟
القديم: الأول؛ لقوله- ﵇: "ولا يفرق بين مجتمع"، ولأن الزكاة تعتبر بآخر الحول؛ بدليل ما لو نتجت سخلة في آخر الحول أو ماتت واحدة منه وهذا القول مطرد فيما إذا لم يخلطا إلا في ذي الحجة؛ فعلى هذا يجب عليهما شاة.
والجديد- وهو الذي نص عليه في عامة كتبه، كما قال البندنيجي-: الثاني؛ فتجب على كل منهما شاة؛ لأنه انفرد في أول الحول فكان النظر إلى المتقدم أولى؛ ولأن زكاة الانفراد مجمع عليها بخلاف زكاة الخلطة، وأيضاً: فإنه لو لم تقع الخلطة إلا قبل انقضاء السنة بيوم أو يومين [لم تؤثر؛ فكذا هنا، وبهذا فارق نتاج السخلة وهلاك الشاة قبل انقضاء الحول بيوم أو يومين] وأيضاً: فإن النظر
стр. 2434
إلى آخر الحول إنما هو في المستفاد من النصاب؛ بدليل أنه لو ملك سخلة بالبيع ونحوه قبل الحول لم يضم، وهو نظير ما نحن فيه.
وهذا كله في السنة الأولى، أما في السنة الثانية فلا خلاف في أن الواجب فيها زكاة الخلطة إذا بقي النصاب، ولو كان أحدهما ملك أربعين في أول المحرم، والآخر ملك أربعين في أول صفر، ووقع الخلط- فقد حكى عن ابن سريج [تخريج] قول: أن الواجب زكاة الانفراد أبداً في الحول الأول، قال الرافعي: ولم يصح ذلك عن ابن سريج. وقد ذكر أبو إسحاق في "الشرح" عن ابن سريج خلافه، وأضاف التخريج إلى غيره من الأصحاب، وما بعده؛ نظراً إلى أن الاعتبار: الاتفاق في الحول كما في غيره والمنصوص في القديم والجديد خلافه. نعم، ينظر: فإن خلطا- والصورة كما ذكرنا- أول صفر ففي القديم يزكيان جميعاً زكاة الخلطة، قال في "الوسيط" وغيره: فيجب على كل منهما نصف شاة عند تمام سنة، وهكذا أبداً ما دام النصاب.
قلت: وهذا ظاهر إذا قلنا: إن الزكاة لا تتعلق بالوقص، أما إذا قلنا: تتعلق [به] فينبغي أن يكون الحكم كما سنذكره.
وفي الجديد: أن على الأول شاة عند تمام السنة الأولى، وفيما على الثاني عند تمام السنة الأولى [له] وجهان في "تعليق" البندنيجي وغيره:
أحدهما: عليه شاة أيضاً؛ لأن خليطه لم ينتفع بخلطته؛ فكذلك هو نظراً إلى التسوية، قال الغزالي: وهو بعيد.
والثاني: عليه زكاة الخلطة نصف شاة.
قلت: وهذا ظاهر إذا قلنا: إنه لا تعلق للزكاة بالوقص، فإن قلنا: إنها تتعلق به فينظر:
إن أخرج الأول الزكاة من عين المال وجب على الثاني أربعون جزءاً من تسعة وسبعين جزءاً ونصف من شاة، وهو أكثر من نصف شاة؛ لأن المال عند وجوب الزكاة عليه تسع وسبعون شاة ونصف شاة، [وإن كان مختلطاً]، والنصف الآخر لأهل السهمان ولا زكاة عليهم كما تقدم.
стр. 2435
وإن أخرج الأول الزكاة من غير المال فإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق شركة، فكذلك، إلا على قول حكاه ابن خيران وأبو إسحاق: أنه إذا أخرج الزكاة من غير المال تبينا أنها لم تتعلق بالعين؛ فيكون الحكم كما إذا قلنا: إنها تتعلق بالذمة، وإذا قلنا به وجب على الثاني نصف شاة، وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تعلق جناية، فالحكم كذلك.
وكل هذا أخذته من كلام الأصحاب الذي ستعرفه، وهذا حكم السنة الأولى، أما في السنة المستقبلة فالواجب على كل منهما عند تمام سنته زكاة الخلطة، وإن وقع خلطهما في أول ربيع الأول فعلى القديم: الواجب عليهما جميعاً زكاة الخطة، وعلى الجديد: زكاة الانفراد، وهذا في السنة الأولى وفيما بعدها تجب زكاة الخلطة، قال البندنيجي: فيجب على الأول نصف شاة، وأما الثاني: فينظر: فإن كان الأول قد أخرج زكاة نصيبه من غير هذا المال وجب عليه أربعون جزءاً من تسعة وسبعين جزءاً ونصف من شاة كما تقدم، وإن أخرجها من غيره، وقلنا: قد ملك الفقراء من النصاب قدر الفرض، فالحكم كذلك. وإن قلنا تتعلق بالذمة، وجبت عليه نصف شاة.
قلت: ويجيء فيه من البحث والتفريع ما تقدم.
ولو كان أحدهما قد ملك أربعين أول المحرم، والثاني ملك عشرين أول صفر، وخلطها حين ملكها- فعلى القول المخرج المنسوب إلى ابن سريج: يجب على الأول شاة عند تمام حوله، ولا يجب على الثاني شيء في هذه السنة ولا بعدها وإن دام الاختلاط، وعلى القديم قال في "الوسيط" وغيره: يجب على الأول عند تمام سنته ثلثا شاة، وعلى الثاني عند تمام سنته ثلث شاة.
قلت: وفيه ما تقدم.
وعلى الجديد: يجب على الأول عند تمام السنة الأولى شاة، وعلى الثاني ثلث شاة.
قلت: وفيه ما تقدم.
ولا يجيء فيه الوجه السالف الناظر إلى أن شريكه لم ينتفع بالخلطة؛ لأنه لو
стр. 2436
جاء هنا لأدى إلى عدم الوجوب عليه، وأما في السنة الثانية فيكون الحكم في حقهما كما في التفريع على القديم.
وهذا حكم خلطة المجاورة إذا طرأت على الانفراد، فلو طرأ عليه خلطة الشيوع، مثل أن يكون في ملكه أربعون من الغنم ستة أشهر، فيبيع نصيبه مشاعاً في أثناء الحول، ويسلم ذلك في وقته- فإنه ينقطع الحول فيما باعه، ولا ينقطع فيما لم يبعه، فإذا تم حوله وجب عليه نصف شاة، ووجهه الأصحاب: بأن ملكه ما انفك عن نصاب في طول الحول؛ فإنه كان في بعض الحول خليط نفسه وفي باقيه خليط غيره [فوجب أن تجب عليه الزكاة؛ لأنه لو كان خليط نفسه أو خليط غيره] جميع السنة وجبت فكذا إذا اجتمعا.
قلت: ويجيء في إيجاب الزكاة على المشتري عند تمام حوله ما تقدم من النظر إلى إخراج الأول الزكاة من عين المال أو غيره، وقد قال ابن خيران وأبو العباس: إن في المسألة قولين:
أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: أن حول ما لم يبعه قد انقطع أيضاً؛ بناء على القولين في أن خلطة الجوار إذا طرأت في أثناء الحول هل يجب على الأول زكاة الانفراد أو زكاة الخلطة؟ وأيد الانقطاع بأن الشافعي قال: لو كان لرجل ستون شاة ستة أشهر، ثم باع ثلثها مشاعاً، ثم حال حول البائع وجب عليه شاة على الجديد.
فلولا أن الخلطة لا حكم لها بعد البيع لكان الواجب عليه ثلثا شاة، قال القاضي أبو الطيب [وغيره]: وهذا غلط مذهباً وحجاجاً:
أما المذهب فإنهما يسقطان الزكاة عن البائع على الجديد، والشافعي إنما أوجبها على الجديد نص عليه في "المختصر" وفي "الأم".
وأما الحجاج فما ذكرناه.
وأما ما ذكرناه من نصه في الستين إذا باع ثلثها فالجواب: أن الخلاف في حكم الحلو هل ينقطع ويستأنف أو لا، الشافعي لم يتعرض له، وإنما ذكر قدر المأخوذ، وهل يكون بحكم الخلطة أم لا؟ وقد تقدم الكلام فيه.
فإذا قلنا بطريقة ابن خيران، استأنف الحول من حين ملك المشتري، واستقر
стр. 2437
ملكه، ووجب عليهما في آخر الحول شاة على أحد القولين، وعلى القول الآخر يكون الحكم كما في التفريع على الطريقة الأولى، وهي أنا ننظر عند تمام حول المشتري: فإن كان البائع قد أخرج نصف الشاة التي وجبت عليه من عين هذا المال حين وجب، مثل أن سلم ذلك إلى الساعي مشاعاً فلا زكاة على المشتري لنقص النصاب في حقه. وإن كان قد أخرج ذلك من غيره: فإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالذمة أو بالعين [تعلق جناية، وجب على المشتري أيضاً نصف شاة وإن قلنا: تتعلق بالعين تعلق] شركة، فلا تجب؛ لأن النصاب قد نقص [فلا يجب] قبل تمام حوله باستحقاق الفقراء ذلك.
وعن ابن خيران حكاية قول آخر حكاه عن أبي إسحاق في "الشرح"، أيضاً كما قال البندنيجي: أنه يجب على الثاني نصف شاة، لأن البائع لما أخرج الزكاة من عين المال تبينا أن أهل السهمان لم يملكوا من هذا المال شيئاً، وأنه لم يزل عن ملك البائع، ولو كان البائع قد باع النصف معيناً والصورة هذه، مثل: أن سلم عشرين من الغنم وباعها، قال القاضي أبو الطيب: فإن عزلها وباعها انقطع الحول، وإن لم يعزلها بل باعها وسلم الكل وتركها مختلطة، فوجهان:
أحدهما- قاله ابن سلمة-: أن الحول لا ينقطع.
والثاني: أنه ينقطع. قال: وقائله يذهب إلى أن الخلطة لا تثبت إلا بالنية، وهي هاهنا معدومة.
وقد عكس البندنيجي ذلك فقال: إن علمها بعلامات وباعها ولم يعزلها فالحكم كما لو باع نصفها مشاعاً حرفاً بحرف، وإن أفرد ذلك ثم باعه ثم خلطها المشتري، ففيها الوجهان.
وقال الماوردي: إن باعها مفردة وسلمها مفردة، وأخرجها المشتري من المراح، ثم عاد وخلطها- انقطع الحول، وإن باعها وهي مختلطة وسلمها كذلك لم يبطل، وإن تسلمها مفردة لكنه لم يخرجها من المراح ثم خلطها، فوجهان:
أحدهما- قاله أبو إسحاق-: انقطاع الحول.
والثاني- قاله ابن أبي هريرة-: أنه لا ينقطع، لأن المراح يجمعهما.
стр. 2438
ولو وجد البيع في الصورتين ولم يتصل به التسليم، قال القاضي الحسين والماوردي: فإن قلنا بوجوب الزكاة في المبيع قبل القبض عند الانفراد [على المشتري] فالحكم كما تقدم، وإلا فلا يجب، قال القاضي: وهل تجب على البائع في نصيبه؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: لا؛ لأن ماله يختلط بمن لا زكاة في ماله؛ فأشبه ما لو كان خليطه مكاتباً.
الثاني: تجب، ويخالف ما لو كان خليطه مكاتباً؛ لأن المكاتب لم يكن من أهل وجوب الزكاة، وخليطه هاهنا من أهل الوجوب عليه.
وبقوله: "زكيا زكاة المنفرد"، الاحتراز عن وجه رواه الإمام في صدقة الفطر عن حكاية الشيخ أبي علي، فيما إذا كان بينهما أربعون من الغنم لأحدهما عشرون من الضأن، وللثاني عشرون من المعز، فأراد كل واحد منهما أن يخرج نصف شاة من نوع ما يملك- أنه يجوز؛ لإمكان تميز الملكين، والمذهب: أنه لا يجوز إلا ما يجزئ أحدهما لو انفرد بالنصاب المذكور، وما حكاه أبو علي في نهاية الضعف، قال الإمام: وهو مفسد لقاعدة الخلطة.
واعلم أن الحكم فيما إذا كان بين أنفس من أهل الزكاة نصاب مشترك من الماشية أو نصاب غير مشترك، كالحكم فيما إذا كان بين نفسين بلا خلاف.
قال: فإن أخذ الساعي الفرض من نصيب أحدهما رجع على خليطه بالحصة، أي: بقيمة الحصة؛ للخبر فإنه اقتضى التراجع، وهو رجوع كل منهما على صاحبه بشيء؛ فرجوع أحدهما من طريق الأولى، ومثال رجوع أحدهما على صاحبه فقط: أن يكون بينهما خمس من الإبل، أو خمس وعشرون منها أو ثلاثون من البقر أو أربعون منها، أو أربعون من الغنم، ونحو ذلك، والخلطة خلطة جوار، ويكون الرجوع بالنسبة: فإذا كان بينهما أربعون من الغنم نصفين رجع الدافع [بنصف قيمة] الشاة. وإن كان لأحدهما ثلاثون ولآخر عشر، وأخذ الشاة من صاحب العشر- رجع على رفيقه بنصف قيمتها، وربع قيمتها، ولو كانت من غنم الآخر رجع على خليطه بربع قيمتها.
стр. 2439
قال الأصحاب: ولو كان بينهما ستون من الغنم، لأحدهما أربعون ولآخر عشرون، فالشاة بينهما أثلاثاً، فإن أخذت من الأربعين رجع صاحبها على الآخر بثلث قيمة الشاة، وإن أخذت من العشرين رجع على خليطه بثلثي قيمتها.
قلت: ولا يقال: إن هذا مخرج على أن فرض النصاب يتعلق بالجميع، بل هو على القولين؛ لأن جعل الوقص من مال أحدهما فقط لا وجه له؛ فتعين إشاعته وتوزيعه عليهما بالنسبة، وذلك يقتضي ما ذكرناه، والله أعلم.
ومثال رجوع كل منهما على صاحبه الذي اقتضاه الخبر: أن يكون بينهما مائة وثمانون من الإبل لأحدهما مائة وللآخر ثمانون، وليس في الثمانين بنت لبون، وفيها حقاق، وفي المائة بنات لبون، وليس فيها حقة، فإن الساعي يأخذ من المائة بنتي لبون وتسع قيمة بنتي لبون، ومن الثمانين حقتين، ويرجع صاحب المائة على خليطه [بثلث قيمة بنتي لبون وتسع قيمة بنتي لبون، ويرجع صاحب الثمانين على خليطه] بنصف قيمة حقتين ونصف تسع قيمة حقتين فإن تساوى ما على كل منهما لصاحبه جاءت أقوال التقاص.
[وهذا] الحكم فيما لو كان لأحدهما ثلاثون من البقر وللآخر أربعون منها، وليس في الثلاثين تبيع وفيها مسنة، وليس في الأربعين مسنة، وفيها تبيه، فإن الساعي يأخذ تبيعاً من الأربعين، و [مسنة] من الثلاثين، ويرجع صاحب الثلاثين [على صاحب الأربعين بأربعة أسباع التبيع]، وتجيء أقوال التقاس عند التساوي.
وهذا مما لا شك فيه ولا خلاف بين الأصحاب، وكذا لم يختلفوا فيما إذا كان مال أحدهما صغاراً ومال الآخر كباراًـ، في أخذه الفريضة من صاحب الكبار، وفيما إذا كان مال أحدهما صحاحاً ومال الآخر مراضاً: في أخذه الزكاة من صاحب الصحاح كما قاله البندنيجي وغيره. [نعم] اختلفوا فيما إذا أمكن الساعي أن يأخذ من مال كل منهما [قدر ما] يجب عليه، قال الرافعي: في حالة الانفراد، كما إذا كان بينهما مائتان من الغنم لكل منهما مائة، أو مائة وثمانون من الإبل لأحدهما مائة وللآخر ثمانون وفي الثمانين بنتا لبون
стр. 2440
[وحقاق] وفي المائة حقتان [وبنات لبون]، فهل للساعي أن يأخذ الفرض من أحد المالين؟ أو ليس له أن يأخذ من كل مائة [إلا شاة] ومن المائة من الإبل إلا حقتين، ومن الثمانين إلا بنتي لبون؟ فيه وجهان:
المنسوب في "الحاوي" و"تعليق" البندنيجي وأبي الطيب والفوراني في "الإبانة" إلى أبي إسحاق: الثاني، ولا حاجة بهما إلى التراجع. قال الماوردي: وعلى هذا لو أخذ الفرضين من مال أحدهما لم يكن له الرجوع على خليطه؛ لأنه مظلوم بها.
والمعزي إلى ابن أبي هريرة: الأول؛ لعموم قوله: "ويتراجعان بينهما بالسوية"، وهذا ما ادعى القاضي أبو الطيب أنه ظاهر المذهب، وأنه [إذا] أخذ الشاتين من أحدى المائتين رجع صاحبها على خليطه بقيمة شاة.
قلت: وإذا تأملت الوجهين عرفت اتفاقهما على أن المأخوذ ليس شائعاً [في الجميع].
أما على قول أبي إسحاق فظاهر؛ لأنه يقول: "فرض كل منهما شاة"، إذ لو قال [بالشيوع لزمه] التراجع، وقد جزم الفوراني بأنه إذا أخذ من كل منهما شاة ومالهما مائتان على السواء: بعدم التراجع؛ فإنه أخذ من كل منهما ما وجب عليه.
وأما على قول ابن أبي هريرة؛ فإنه لو كان شائعاً لرجع المأخوذ من ماله الشاتان بقيمة نصف الشاتين لا بقيمة شاة، وإذا كان كذلك اتجه طرد ذلك في حالة عدم الإمكان كما تقدم.
لكن الجمهور على أن للساعي أخذ الفرضين من أي المالين شاء عند الإمكان وأنه يقع شائعاً؛ فيرجع المأخوذ مجموع ذلك من ماله على خليطه بالنسبة.
ومثال ذلك: إذا أخذ الحقتين وبنتي اللبون من المائة رجع على صاحبه بأربعة أتساع قيمة الحقتين وبنتي اللبون، ولو أخذ ذلك من الثمانين رجع صاحبها على صاحبه بخمسة أتساع قيمة الحقتين وبنتي اللبون، وعلى هذا القياس في غيرها من الصور.
стр. 2441
وخطأ الإمام الفوراني فيما جزم به، وكذا في حكايته عن أبي إسحاق ما تقدمت حكايته عنه، وقال: إنه لم يره إلا في كتابه، وقال: إنه خبط يطرح من المذهب وقد عرفت أن غيره حكاه عن أبي إسحاق مع أنه ضعيف.
قال الأصحاب: ولا يتصور التراجع أو الرجوع في خلطة الأعيان إلا فيما إذا كان الفرض من غير الجنس، كما إذا كان بينهما عشرون من الإبل فما دونها، ولأحدهما غنم دون الآخر، فإن الساعي يأخذ الفرض منها، ويرجع صاحبها على شريكه بالحصة.
قلت: ويتصور فيما إذا كان من الجنس، مثل أن يكون بينهما أربعون من الغنم، لأحدهما في عشرين منها نصفها، وفي العشرين الأخرى نصفها وربعها فيأخذ الساعي شاة منها، فإنه إن أخذها من العشرين التي يملك فيها أحدهما نصفها وربعها، وكانت قيمة الشاة مثلاً أربعة دراهم، رجع صاحب النصف [والربع منها على صاحب الربع] بنصف درهم، وإن أخذها من العشرين التي بينهما نصفين، وقيمتها أربعة دراهم أيضاً رجع صاحب الربع من العشرين الأخرى على صاحب النصف والربع منها بنصف درهم.
والمرجع في القيمة عند الاختلاف إلى البينة، فإن فقدت فالقول قول المرجوع عليه مع اليمين.
ولو كان الساعي قد أخذ فوق الفرض [من] مال أحدهما نظر: فإن [كان الفاضل متميزاً كما إذا أخذ شاتين والواجب شاة، فلا يرجع المأخوذ منه إلا بالحصة من الواجب فقط، وإن كان لا يتميز نظر:
فإن] لم يكن للساعي شبهة في ذلك، كما إذا أخذ الكرام لم يرجع إلا بالحصة من غير كريمة، قال القاضي الحسين: وهذا دليل على أنالفرض يسقط وإن ظلم الساعي وأخذ أكثر، وأن الإمام لا ينعزل بالجور.
وإن كان للساعي شبهة في أخذ الفاضل وتأويل مثل: أن أخذ صحيحة عن مراض، وكبيرة عن صغار، على مذهب مالك- رجع على خليطه بحصته من الفاضل. وقياس هذا: أنه لو أخذ القيمة من أحدهما عن الزكاة؛ اعتماداً على
стр. 2442
مذهب أبي حنيفة- أن يرجع على خليطه بحصته منهما، وهو أحد الوجهين في المسألة، ويقال: إنه نص عليه في "الأم"، وعن أبي إسحاق: أنه لا يرجع بشيء؛ لأن القيمة لا تجزئ في الزكاة عند الشافعي بحال بخلاف الكبيرة والصحيحة؛ فإنه لو تطوع بها قبلت، وقد قيل بطرد هذا الخلاف فيما لو أخذ عن السخال كبيرة.
قال: وإن كان بينهما نصاب من غير الماشية، أي: كالثمار والزروع والدراهم والدنانير وعروض التجارة، ففيه قولان:
أصحهما: أنه كالماشية، أي فيزكيان زكاة الخلطة عند الاشتراك في الملك، أو الانفراد فيه والاشتراك في الارتفاق، كما سنذكره؛ لعموم قوله ﷺ : "لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة"، ولأن المؤن تخف بالخلطة؛ فعلى هذا يشترط في الثمار والزروع: اتحاد الناطور والأكار والعمال والحصاد والملقح والمنقح والنهر، وفي غيرهما: اتحاد الحانوت والحارس والميزان والوزان، والناقد والمنادي والمتقاضي، كما قال البندنيجي.
ومن الأصحاب من قال بعدم جريان هذا القول في خلطة الأوصاف، ويحكى عن اختيار أبي إسحاق، وهو الأصح في "الحاوي" قال: لأنها مأخوذة من الاختلاط، وهذه مجاورة، وما ذكره الشيخ هو الراجح عند الأكثرين، ومنهم البغوي، وهو الذي فرع عليه الشافعي في باب زكاة الثمار من "المختصر"، ولذلك قال في "التتمة": إنه المذهب؛ لأن ما صح فيه خلطة الأعيان صح فيه خلطة الأوصاف كالماشية.
قال في "الحاوي" في باب زكاة الثمار: والوجهان مأخوذان من اختلاف أصحابنا في الخلطة في الماشية بالأوصاف، هل سميت خلطة لغة أم شرعاً؟ فمن قال: لغة: منع من الخلطة، ومن قال: شرعاً، جوز الخلطة هاهنا.
قال: والثاني [أنهما] يزكيان زكاة المنفرد، أي: يزكي كل منهما زكاة المنفرد؛ لقوله- ﵇: "والخليطان ما اجتمعا في الرعي [والحوض
стр. 2443
و] الفحل"؛ فدل ذلك على أن ما لا يوجد ذلك فيه لا تؤثر فيه الخلطة، ولأن خلطة المواشي تحصيلها يقع تارة بإزاء ضرر لأرباب الأموال والفقراء، وليس فيما سواها [إلا] الإضرار بأرباب الأموال؛ فإنه لا وقص فيها، فامتنع إلحاقها بالمواشي، وهذا هو القديم.
والقائلون بالجديد قالوا: الحديث مبين لما تقدم من قوله: "وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"؛ فإن ذلك لا يكون إلا في الماشية؛ فكذلك بين الخليطين، لا لأنه أراد جنس الخلطة في كل الأموال. وأما قولهم: إن الخلطة في المواشي لها تأثير في تغليظ الزكاة تارة وتخفيفها أخرى، فهو غير مقصود منها؛ ألا ترى أن الماشية إذا كانت أزيد من أربعمائة لم تفد الخلطة فيها أبداً إلا إضراراً برب المال؟
وسلك الغزالي تبعاً لإمامه طريقاً آخر، فحكى في الثمار والزورع ثلاثة أقوال، ثالثها: [تثبت فيها] خلطة العين دون خلطة الجوار؛ إذ لا تتحد المرافق بالتجاور، وغاية الممكن فيه: اتحاد الناطور والنهر، وأما الدراهم والدنانير فالمذهب: أن خلطة الجوار لا تؤثر فيها؛ إذ لا وقع لاتحاد الحانوت والحارس، وفي خلطة الشيوع قولان.
وما قال هنا: إنه المذهب، جزم به في "الوجيز" تبعاً للقفال؛ فإنه جزم فيها بعدم تأثير خلطة الجوار، وقال: في خلطة الاشتراك قولان. وهي الطريقة التي أوردها الشيخ أبو محمد والصيدلاني، ووافقهما القاضي الحسين على إجراء القولين في خلطة الشيوع، وقال في خلطة الجوار: إنها مبنية على النخل والزرع، فإن قلنا هنا: لا تثبت، فهاهنا أولى، وإلا فقولان، ووجه الفرق: أن تمام الارتفاق إنما يحصل في الذهب والفضة بالخلطة بالشركة، بأن يتصرفا فيه فينتفعا به، ولا يرتفقان في خلطة المجاورة في الحقيقة، والله أعلم.
стр. 2444
باب زكاة النبات
النبات يطلق على ما له ساق وهو الأشجار، وعلى ما لا ساق له وهو الزرع والحشيش [ونحوه].
والأصل في وجوب الزكاة في النوعين على الجملة- قبل الإجماع- من الكتاب قوله تعالى: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ﴾ فأوجب بأمره الإنفاق مما أخرجه من الأرض لنا، والنوعان خارجان من الأرض، ثم قال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: الرديء، لما تقدم ﴿مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وأراد الزكاة، يدل عليه قوله- : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] وقد تقدم أن المراد بها في هذه الآية: الزكاة؛ للخبر فكذا فيما نحن فيه.
ولأنه ليس مما يخرج من الأرض حق واجب سوى الزكاة، ولأنه حرم إخراج الخبيث، وهو الرديء كما تقدم، ولو كان المراد غيره لما حرمه، إذ يجوز إخراج خبيثه وطيبه.
ومن السنة: ما روى أبو داود عن سالم بن عبد الله عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "فيما سقت [السماء] والأنهار والعيون أو كان بعلاً العشر، وفيما سقي بالسواني أو النَّضْحِ نصف العشر". وأخرجه البخاري وغيره.
стр. 2445
وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "فيما سقت الأنهار والعيون العشر، وما سقي بالسواقي ففيه نصف العشر" أخرجه مسلم.
وقد ورد في الكتاب والسنة ما يدل على الوجوب في الزرع خاصة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَمَا﴾ إلى قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وحقه- كما قال ابن عباس-: العشر ونصف العشر وروي عنه أنه قال: هو الزكاة المفروضة.
وإنما قلنا باختصاص دلالتها بالزرع؛ لقول الشافعي: "وقوله: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ دلالة على أنه إنما جعل الزكاة على الزرع"، أي: في هذه الآية.
قال الأصحاب: لأن الحصاد غير مستعمل في الأشجار، وإنما هو حقيقة في الزرع، [وإن استعمل مجازا في غيره؛ فإنه يقال: حصد الزرع] وجد النخل، وقطف العنب، وجني الفاكهة، ولا يقال: إن المراد بالحصاد في الآية الاستئصال كما في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾ [يونس: ٢٤] فيكون تقديرها يوم استئصاله، هذا لا يختص بالزرع؛ لما ذكرنا أنه حقيقة في الزرع، ولو سلمنا أنه
стр. 2446
حقيقة في الاستئصال فلا يمكن الاستدلال بظاهر الآية على الثمار؛ لأن الأشجار لا تستأصل، بل تترك أصولها وتجني ثمارها، وإذا لم يمكن استعمال ظاهر الآية سقط الاحتجاج به، وقال-[﵇]- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن "خذ الحب من الحب" أخرجه أبو داود والنسائي.
وورد في السنة ما يدل على وجوبها في الثمار خاصة: روى أبو داود عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله ﷺ : "أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً كما تؤخذ صدقة النخل تمراً". وأخرجه الترمذي وقال: إنه حسن غريب. وغيره ذكر أنه منقطع؛ لأن عتاباً توفي في اليوم الذي توفي فيه أبو بكر [الصديق] ﵁ وولد سعيد بن المسيب في خلافة عمر سنة خمس عشرة على المشهور، وقال الترمذي: إن هذا الخبر قد رواه ابن جريج عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة. قال: وسألت محمداً- يعني البخاري- عن هذا فقال: حديث ابن جريج غير محفوظ، وحديث سعيد بن المسيب عن عتاب ابن أسيد [أصح].
[و] قال الأصحاب: وإنما جعل النبي ﷺ النخل أصلاً ورد الكرم إليه؛ لأنه افتتح خيبر في سنة ست وكان بها نخل، وكان يوجه عبد الله بن رواحة
стр. 2447
يخرصها عليهم، فكان خرص النخل ووجوب الزكاة فيه معهوداً عندهم، ثم افتتح الطائف في سنة ثمان وكان بها كرم؛ فأمرهم بخرصها كما يخرص النخل.
قال- ﵀: ولا تجب الزكاة في شيء من الزروع إلا فيما يقتات، أي: يكون له بقل يستمسك.
قال: مما ينبته الآدميون، أي يزرع جنسه الآدميون [وإن نبت بنفسه] كما إذا تناثر حب لمن تجب عليه الزكاة أو حمله [الهواء أو الماء] فنبت، صرح بذلك القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
واحترزنا بقولنا: لمن تجب عليه الزكاة عما لو حمل السيل الحب من بلاد الحرب ونبت في الصحاري، لا عشر فيه، وكذا النخيل إذا كانت مباحة في الصحاري، لا عشر في ثمارها.
قال: كالحنطة، والشعير، والدخن، والذرة، والأرز، وما أشبه ذلك والقطنية: وهي العدس والحمص والماش والباقلي واللوبيا والهرطمان.
هذا الفصل اقتضى أمرين:
أحدهما: وجوب الزكاة فيما ذكره، ودليله قد تقدم؛ لأنه داخل في جملة العموم.
والثاني: انتفاء الوجوب عما عدا ذلك وهو قسمان كما ذكر.
أحدهما: ما لا يقتات أصلاً أو في حال الاختيار؛ لأنه حين قال إلا فيما يقتات مثله، والممثل به هو المقتات في حال الاختيار فدل على أنه مراده؛ لأن المثال يبين ما أهمل من المراد.
فمن الأول: الأبازير؛ كالكمون والكراويا وغير ذلك، وكذا بذر الكتان وسائر البقول والخضروات كالقثاء والبطيخ، والبقول.
ومن الثاني: الترمس؛ لأنه لا يقتات في حال الاختيار، على أنه قد حكى عن الشافعي أنه قال: لا أعلم أنه يؤكل إلا دواء وتفكهاً.
وقال القاضي الحسين: إنه يهيج الباءة ويؤكل للجماع.
والقسم الثاني: ما يقتات لكنه لا يزرع جنسه الآدميون وهو ما نبت في الصحاري.
стр. 2448
وقال [الشافعي] في "المختصر": ولا يبين لي أن يؤخذ من الفث وإن كان قوتاً ولا من حب الحنظل ولا من شجرة برية أي كالعفص والبلوط ونحو ذلك، كما لا يؤخذ من بقر الوحش ولا من الظباء صدقة ولا من الثفاء ولا من حب البقول.
والفث- كما قال المزني وابن أبي هريرة-: حب الغاسول وهو حب الأشنان، فإذا أدرك وتناهى حصل فيه مرارة وحموضة.
وقال غيرهما: هو حب ينبت بالبادية يشبه الشعير له رأسان يقتاته الناس في الجدب.
وقال القاضي أبو الطيب: سألت قوماً من أهل المدينة عن الفث فقال: هو حب الثمام يملح ويؤكل.
стр. 2449
وقال أبو حامد: قال قوم: إن الفث: حب أسود يدفن حتى يلين ثم يخرج ويطحن ويخبز يأكله أعراب طيء عند المجاعة. وهو أشبه بقول الشافعي؛ لأنه قال [فيه]: "وإن كان قوتاً"، وحب الأشنان لا يكون قوتاً بحال.
وقال في "الصحاح": هو حب يخبز ويؤكل في الجدب، وخبزه غليظ شبيه بخبز الملة.
والثفاء: حَبُّ الرَّشاد.
وقيل: إنه حب باليمن لا يحتاج آكله إلى شرب الماء عليه.
والدليل على نفي الوجوب في القسمين ما روي عن علي وطلحة أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : "ليس في الخضراوات صدقةُ".
стр. 2450
وروى أبان عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ليس فيما أنبتته الأرض من
стр. 2451
الخضراوات زكاةٌ".
وروى موسى بن طلحة عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ قال: "فيما سقت السماء والبعل والسيل والعين العشر، وما سقبي بنضح أو غرب ففيه نصف العشر يكون ذلك في التَّمر والحنطة والشَّعير والحبوب، فأمَّا الرُّمَّان والقثَّاء والبطِّيخ والقضب فعفوُ عفا عنها رسول الله ﷺ ، وفي لفظ: "عفا الله عنها".
ولأن الزكاة إذا وجبت في جنس تعلقت بأعلى نوعيه [وسقطت عن أدناهما، كالحيوان لم تجب الزكاة إلا في أعلى نوعيه] وهو النعم السائمة وكالمعادن لم تجب الزكاة إلا في أعلى نوعيها وهي [الذهب والفضة]، وكالعروض لم تجب الزكاة إلا في أعلى نوعيها وهي عروض التجارة، فاقتضى أن تكون زكاة الزرع متعلقة بأعلى نوعيه دون الآخر وهو ما ذكرناه.
وتحريره قياساً: أنه جنس مال تجب فيه الزكاة فوجب أن تختص الزكاة بأعلى النوعين من جنسه كالحيوان وفارقت هذه الأشياء الأقوات الغالبة؛ لعظم منافع تلك.
стр. 2452
وقد جمع الشيخ بقوله: "يقتات مما ينبه الآدميون"، الشروط الأربعة التي اعتبرها الشافعي فإنه قال: في "المختصر": "وما جمع أن يزرعه الآدميون، وييبس، ويدخر ويقتات خبزاً أو سويقاً أو طحيناً- ففيه الصدقة".
وأدرج في "الوسيط" ذلك في قوله: "بكل مقتات في حال الاختيار [وأنبتته أرض مملوكة أو مستأجرة خراجية أو غير خراجية فيجب فيه العشر على الحر المسلم إذا كان مالكه متعيناً"؛ لأن "المقتات في حال الاختيار"] جامع للصفات الأربع فلذلك استغنى عن التصريح بها لكن قوله: "أنبتته الأرض مملوكة أو مستأجرة" وإن ساقه لبيان أن الأجرة والعشر يجتمعان عندنا، وكذا العشر، والخراج؛ لأن الخراج أجرة خلافاً لأبي حنيفة، فهو يوهم أن ما أنبتته الأرض المغصوبة لا زكاة فيه، وليس كذلك بل زكاته واجبة على صاحب البذر بلا خلاف.
تنبيه: الحنطة: معروفة، ويقال لها: البر والقمح والسمراء، وهي تطلق على البيضاء والحمراء والواسطية والبغدادية والموصلية والشامية وهي أجودها [كما قال البندنيجي].
وقال القاضي الحسين: إن الشامية هي العلس وهو بفتح العين المهملة واللام وبالسين المهملة.
قال الأزهري: يكون [منه] في الكمام الواحد حبتان وثلاث.
قال الجوهري: وهو طعام أهل صنعاء.
والشعير: معروف وهو بفتح الشين على المشهور، ويقال: بكسرها ويطلق- كما قال البندنيجي، وتبعه في "البحر"- على الأبيض والأسود [والأحمر والحلو والحامض]، وقد قال بعض أصحاب الشافعي: إن السلت ضرب منه وهو ما كان يقطع به الشيخ أبو محمد وأبو علي في "الإفصاح"، وبه أجاب الماوردي في "الأحكام".
قال البندنيجي: وليس كما قالوا فإن الشافعي نص في "الأم" [و"البويطي"] على أنه جنس بانفراده لا يضم إلى شعير ولا إلى حنطة. قال: وهو كالحنطة
стр. 2453
وطعمه طعم الشعير. وهكذا قال غيره من العراقيين.
وقال في "الروضة": إنه الصحيح بل هو الصواب وبه قطع جماهير الأصحاب كما قال، وذكره أهل اللغة وأراد بكونه كالحنطة: في اللون والنعومة.
وقال القاضي الحسين: إن لونه لون الحنطة وطعمه طعم الشعير وإنه الشعير العادي.
وحكى الإمام عن الصيدلاني أنه قال: هو على صورة الشعير، ولكنه لا قشر له وطبعه طبع الحنطة إلى الحرارة، ولا يضم إلى الشعير ولا إلى الحنطة، بل هو مستقل بنفسه. وما ذكره من صفته هو الذي أورده الفوراني، وكذا غيره.
وقد حكى الإمام عن صاحب "التقريب" رواية وجه ثالث فيه: أنه يضم إلى الحنطة؛ لأنه يسد مسدها.
والأرز: معروف وفيه ست لغات مشهورات.
أرز: بفتح الهمزة وضم الراء، وأرز: بضمها، والزاي مشددة فيهما.
وأرز [وأُرْز]: بضمهما وبضم الهمزة وإسكان الراء، والزاي مخففة فيهما، كرسل ورسل.
ورز، ورنزُ.
والقطنية: بكسر القاف وتشديد الياء؛ سميت به لأنها تقطن في البيوت أي: تمكث يقال: قطن إذا قام.
والحمص: بكسر الحاء، وكسر البصريون ميمه وفتحها الكوفيون.
الماش- بتخفيف الشين- حب معروف، قيل: إنه ضرب من الجلبان.
الباقلي: فيه لغتان التشديد مع القصر ويكتب بالياء والتخفيف مع المد ويكتب بالألف. ويقال: له: الفول.
واللوبيا: مذكر، يمد ويقصر. قال الرافعي: وقيل: إنها تسمى الدخن أيضاً.
الهرطمان- بضم الهاء والطاء- هو الجلبان: بضم الجيم، ويقال له: الخلَّر، بضم الخاء المعجمة، وفتح اللام المشددة وبعدها الراء.
واعلم أن في كلام الشيخ أمرين لابد من التنبيه عليهما:
стр. 2454
أحدهما: أنه حصر القطنية فيما ذكر، وهو في ذلك متبع للقاضي أبي الطيب، فإنه هكذا قال.
وقال النووي: إن الدخن والذرة معدودان من القطنية، وينكر على المصنف حين أفردهما عنها.
وقال في "الحاوي": القطنية: الحبوب المقتاتة ما سوى البر والشعير. وكذا قال القاضي الحسين والإمام.
الثاني: أن الماوردي قد حصر ما تجب فيه الزكاة فيما ذكره؛ لأنه ذكر ما ذكره الشيخ وضم إليه ثلاثة أمور: العلس، والسلت، والجاورس وقال: هذا ما تجب فيه الزكاة دون ما عداه، ثم قال: والعلس نوع من البر، والسلت نوع من الشعر.
ومن أصحابنا من قال: هو صنف على حياله، والجاورس: نوع من الدخن.
وهذا يقتضي انحصار الوجوب- كما ذكرنا- فيما ذكره الشيخ وإذا كان هذا صحيحاً لم يبق لقول الشيخ: "وما أشبه ذلك" معنى.
نعم يجوز أن يكون الشيخ قد اختار المنصوص في السلت وهو أنه جنس مستقل بنفسه؛ فيكون قوله: "وما أشبهه" عائداً إليه؛ لأنه يشبه الشعير أو القمح مع كونه مقتاتاً.
قال- ﵀: ولا في شيء من الثمار إلا في الرطب والعنب:
أما وجوبها في الرطب والعنب فقد تقدم وجهه.
وأما [نفي الوجوب عما] عداهما فلأنه- ﵇ لما قال: "فيما سقت السماء العشر .. " الخبر اقتضى أن تجب في كل ما سقته، فلما قال:
стр. 2455
"يكون ذلك في التمر والحنطة والشعير .. " إلى آخره بين أن المراد مما أطلق أولاً ما بينه آخراً فكان عدم الوجوب فيما عدا المبين باقياً على الأصل، ولولا قوله- ﵇ في العنب: "يخرص كما يخرص الكرم"، لكنا لا نقول بالوجوب في العنب، ولأن ما عداهما لا تكمل منفعته فشابه الخضراوات، وهذا هو الجديد.
قال الشيخ: وقال في القديم: تجب في الزيتون لأنه روي عن عمر: أنه كتب إلى عامله بالشام أن يأخذ زكاة الزيتون.
وروي عن ابن عباس أنه قال: في الزيتون العشر. ولا مخالف لهما وعلى هذا قال الشافعي: وأحب أن يخرج العشر من الزيت.
فمن الأصحاب من قال: يجب بهذا كما يجب أن يجفف التمر ثم يؤدي العشر منه؛ لأنه منتهى حاله، وعلى هذا إذا أخرج الزيت، قال الإمام: فالكسب الذي يتخلف عن عصر الزيتون ليس فيه عندي نقل، ولعل الظاهر أنه يسلم نصيب الفقراء إليهم، وليس كالقصل والتبن الذي يتخلف عن الحبوب فإن الزكاة تجب في الزيتون نفسه ثم على المالك مؤنة فصل الزيت كما عليه مؤنة تجفيف الرطب والعنب ولا يجب العشر إلا في الحب. قال: وفي المسألة احتمال.
ومنهم من قال: هو على الاستحباب، فإن أخرج الزيتون أجزأه، وهذا إذا كان الزيتون يتأتى عنه الزيت.
قلت: وهذا الوجه الثاني مصرح به بأنه يجوز إخراج الزيتون والزيت، وهو ما أورده القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وكذا المتولي، وفرق بينه وبين ما إذا أراد أن يخرج زكاة التمر دبساً أو خلاً فإنه لا يجوز؛ لأن التمر قوت والدبس والخل ليسا بقوت ولكنهما أدمان، وأما الزيتون فإنه ليس بقوت ولكنه إدام والزيت أصلح للأدم من الزيتون فلا يفوت الغرض.
وهذا الوجه لم يورده الماوردي، بل حكى الأول وحكى معه وجهاً آخر: أنه
следующие страницы →