← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

كما قال: "وفي الرقة ربع العشر" وأراد: إذا بلغت نصاباً، والفرق بين ما نحن فيه والغنيمة والفيء: أن ذلك يؤخذ من الكفار على وجه الإذلال لهم والصغار ولا كذلك الزكاة؛ فإنها تؤخذ من المسلمين تطهيراً، وعلى هذا يستحب له أن يخمس ما وجده للخروج من الخلاف نص عليه، ولا يضم ما وجده من الركاز دون النصاب في موضع إلى ما وجد في آخر وإن قرب ما بينهما من المسافة، بل يستأنف لهما الحول من يوم تم النصاب، ويخرج في آخره ربع العشر نص عليه في "الأم". وعلى كلا القولين فما مصرف هذا الخمس؟ فيه قولان، أو قول ووجه وهو المشهور، والقول الصحيح: أن مصرفه مصرف الزكاة؛ لأنه حق واجب في المستفاد من الأرض فأشبه الواجب في الزرع والثمار. وقال المزني وأبو حفص بن الوكيل البابشامي، وأبو جعفر الترمذي: إن مصرفه مصرف الفيء- أي: خمس الفيء- لأن أصل ذلك من جهة مشترك، بخلاف المعدن. والحجة عليهم ما تقدم. وقال القاضي الحسين: إن قلنا باختصاص ذلك بالذهب والفضة، إذا كان نصاباً فمصرفه مصرف الصدقات، وإن قلنا بوجوبه في كل قليل وكثير من ذهب وفضة وغيرهما، ففيه الوجهان. أما إذا كان عنده أو له دين تجب فيه الزكاة لو كان نصاباً ما يكمل به المستخرج ركازاً نصاباً أو يزيد عليه- فقد أحال الرافعي الكلام فيه على ما تقدم في نظيره من المعدن. وقال غيره- ما يقرب منه-: إنه ينظر: فإن كان ما عنده من غير الركاز نصاباً فلله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يوافق وجوده تمام الحول فيضم إليه الركاز ويخرج منه الخمس، ومما عنده واجبه. وإن وجده بعد حولان الحول ولم ينقص ما عنده بما وجب فيه عن النصاب

стр. 2592

فكذلك يضم الركاز إليه ويخرج منه الخمس، ثم إن كان أخرج واجب ما عنده، وإلا أخرجه. قال ابن الصباغ: وهذه المسألة التي حكينا نصه فيها لم يختلف أصحابنا فيها. وإن وجد قبل حولان الحول فلا خمس في الركاز، ويجب فيما عنده عند تمام حوله واجبه، وإذا تم الحول على الركاز من حين وجده أخرج ربع عشره، وهذا ما أورده في "المهذب" والقاضي أبو الطيب في "التعليق". وقال في "الشامل": إن القاضي ذكر في "شرح الفروع": أنه إذا استفاد من المعدن أو الركاز تسعة عشر ديناراً ومعه دينار، أو ما يتم به النصاب- أخرج حق المعدن؛ لأن شرط الزكاة قد وجد فيه. واحتج بما ذكرناه عن الشافعي فيما إذا وجده بعد تمام الحول؛ فإنه يزكيه، وإن كان الحول الثاني لم يتم على ماله فلا حكم للحول الذي ينقضي قبل وجود الركاز، وكان بمنزلة من كان معه عشرون ديناراً أحد عشر شهراً ثم بادل تسعة عشر [منها] بمثلها- انقطع الحول فيها ولم ينقطع في الدينار. ثم قال ابن الصباغ: وهذا الذي قاله القاضي هو ظاهر كلامه في "الأم"؛ فإنه قال: وإن كان ماله ديناً أو عيناً عرف الوقت الذي وجد فيه الركاز، ثم سأل فإن كان ماله الغائب كان في يد من وكله فهو ككينونة المال في يده وأخرج زكاة الركاز، فلم يعتبر وجوده في آخر جزء من آخر الحول أو بعده، ولو كان ما عنده أو ما له من الدين [الذي] يجب في مثله الزكاة دون النصاب، فإن حال عليه الحول من يوم ملكه، ووافق إخراج الزكاة آخر الحول- ففي ضم أحدهما إلى الآخر حتى نوجب الخمس في الركاز، وفيما عنده ربع العشر، وجهان: أحدهما- وهو المشهور من مذهب الشافعي كما قال أبو الطيب-: الضم، وحكاه عن نصه في "الأم"؛ فإنه قال فيه: لا فرق بين أن يكون نصاباً، أو يتم بالركاز نصاباً، وتبعه في حكايته كذلك الشيخ في "المهذب"؛ ولأجله قال البندنيجي: إنه المذهب. وابن الصباغ حكى إيجاب الخمس في الركاز عن نصه في "الأم"، ورجحه،

стр. 2593

وإيجاب ربع العشر فيما عداه عن رواية أبي علي في "الإفصاح"، وقال: إنه ليس بصحيح. والوجه الثاني: أنه يستأنف لهما حولاً من حين تم النصاب بالركاز، فإذا تم الحول أخرج ربع العشر منهما، كذا حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ. وحكى البندنيجي بدله: أنه يخرج الخمس من الركاز، ولا يخرج عما عنده شيئاً، وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه: قال البندنيجي: والحكم فيما إذا وجد بعد حولان الحول كالحكم فيما إذا وجده مع آخر الحول. ولو وجد قبل تمام الحول، قال أبو الطيب: فلا يضم بلا خلاف، بل يستأنف الحول عليهما من حين تم النصاب. وقال البندنيجي: لا نص لصاحبنا فيها. وقال الشيخ- يعني أبا حامد-: ولكن يجيء على مذهبنا أنه لا يجب عليه شيء في الحال. وقال ابن الصباغ: يجب في الركاز الخمس، وهو ظاهر كلام الشافعي كما ذكرنا، خلافاً لما ذكره أبو حامد، وحينئذ يستأنف الحول لهما. وقد فرض الماوردي الكلام في المسألة فيما إذا وجد دون النصاب وعنده مال للتجارة قيمته دون النصاب والمجموع يبلغ نصاباً، وذكر الماوردي بعض ما ذكرناه. قال وإن كان من دفين الإسلام فهو لقطة، أي: يفعل فيه ما يفعل بها كما سيأتي في بابه؛ لأن الظاهر أنه لمسلم أو ذمي فلا يحل تملك مالهما بغير بدل قهراً، وهذا ما أورده العراقيون. وحكى الإمام عن رواية الشيخ أبي علي في "شرح التلخيص" وجهاً: أنه محفوظ لمالكه أبداً، وإن أخذه سلطان فهو مال لا يدري مالكه فإن رأى حفظه حفظه، وإن رأى استقرائه لمصلحة فعل، وهو اختيار القفال؛ لأن اللقطة هي التي تنسل من مالكها فتقع في مضيعة فأثبت الشارع لآخذها سلطان التملك بعد

стр. 2594

السنة؛ ليكون ذلك ذريعة [لاستحثاث الأمناء على الأخذ، فأما ما وضعه مالكه كنزاً] فاتفق العثور عليه بسبب احتفار الأرض فليس يثبت فيه حكم التملك. قال الشيخ: وكذلك لو طيرت الريح ثوباً في دار إنسان فليس ذلك لقطة تملك بعد التعريف. وذكر غيره: أن حكم اللقطة يثبت في هذه المواضع كلها، قال الإمام: وهذا قياس متجه، ولكن فيما ذكره الشيخ أبو علي فقه. ودفن الإسلام يعرف: بأن يكون مكتوباً عليه آية من القرآن، أو اسم النبي ﷺ أو اسم أحد من الخلفاء أو ملوك الإسلام، وعن هذا احترز الشيخ بقوله: "من دفين الجاهلية". وقد سكت [الشيخ] هنا عما إذا وجد ما يحتمل أن يكون من دفين الجاهلية، أو من دفين الإسلام كالأواني والسبائك والنقار ونحو ذلك، وقال في "المهذب": المنصوص: أنه لقطة؛ لأنه يحتمل الأمرين فغلب حكم الإسلام، ومن أصحابنا من قال: هو ركاز؛ اعتباراً بموضعه. وما ادعى أنه المنصوص اتبع فيه الشيخ أبا حامد والبغداديين، ولأجله قال البندنيج: إنه المذهب. وما حكاه عن بعض الأصحاب، قد حكاه البصريون عن النص أيضاً، وكذا القاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وقال في "البحر": إنه نصه في "الأم" حيث قال: أستحب له أن يعرف ويخمس؛ حتى إن كان لقطة كان قد وفى حق تعريفها، وإن كان ركازاً كان قد أخرج الخمس منها ولا أوجب عليه التعريف؛ لأن الظاهر منه إذا كان في الموات الذي يملك بالإحياء أنه [من] دفين الجاهلية.

стр. 2595

وقال الإمام: إنا إذا قلنا لا يكون ركازاً، فهل يكون لقطة، أو يحفظه لمالكه؟ حكى الشيخ أبو علي [فيه وجهين؛ لضعف أثر الإسلام. قال الرافعي: والذي رأيته للشيخ أبي علي] في "شرح التلخيص" مساعدة الجمهور في هذه الصورة؛ فإنه قال: يعرِّف سنة، فإن لم يظهر مالكها فعل بها ما يفعل بسائر اللقطات. قال: وإن كان في أرض مملوكة- أي: وعرف مالكها- فهو لصاحب الأرض، أي: محكوم به لصاحب الأرض إن لم ينفه عن نفسه كالأثاث في داره؛ لأن يده على ما فيها، وعن هذه الصورة احترز الشيخ بقوله: "في موات [من] الأرض". أما إذا لم يعرف مالكها: فإن كانت جاهلية كديار الأكاسرة والملوك القديمة التي يعلم أنها [كانت] عامرة فبادت وباد أهلها، فحكمها حكم الموات، وألحق بذلك أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما قبور الجاهلية؛ لخبر ورد فيها، وهذا كما قال الإمام فيما إذا لم يتفق فيه اختصاص لغانم ولا لمن يستحق الفيء. وإن كانت إسلامية فالموجود فيها لبيت المال دون الواجد، قال الماوردي: ولا يكون لقطة. وهو اختيار القفال كما قال في "البحر"؛ لأن اللقطة: ما وجدت في غير ملك وضاع من صاحبه. وقال في "البحر": إن من أصحابنا من قال: إنه لقطة. وقال أبو ثور: هو ركاز. وهو غلط وهكذا حكم الموجود في ديار أهل العهد الداثرة قاله الماوردي. وفي "ابن يونس": أنا إن قلنا [في الأرض التي يعرف مالكها: تملك بالإحياء، فهي كالموات، وإن قلنا]: لا تملك، فهو لقطة على أصح الوجهين، ومال ضائع على الآخر. ولو نفى صاحب الأرض الملك عن نفسه في الركاز عرض على من انتقلت

стр. 2596

عنه الأرض إن كان حياً أو على ورثته إن كان ميتاً، فإن ادعوه سلم إليهم بلا يمين؛ إذ لا منازع، وإن نفوه انتقلنا إلى من انتقل الملك عنه، وهكذا إلى أن يدعيه من كانت في ملكه فيسلم إليه، أو يجهل من كانت الأرض له فيكون حكمه [حكم] ما تقدم. ولو ادعاه بعض ورثة من كانت الأرض له حين العرض عليهم، ونفاه باقي الورثة- سلمت حصة المدعي منه إليه وباقيه يفعل فيه ما كان يفعل في الجميع عند نفي الكل له. ولو كان الركاز في دار مستأجرة أو مستعارة فادعاه المستأجر أو المستعير ولم ينازعه مالكها- سلم له ولا يمين، وإن نازعه مالكها فالقول قول المستأجر والمستعير لكن مع اليمين؛ لأنه صاحب اليد، وقال المزني: القول قول المالك. وليس بشيء. وهكذا الحكم فيما لو تنازع بائع الأرض ومشتريها وهي في يده باقية، فالقول قول المشتري مع اليمين، وقد أطلق الجمهور الحكم كما ذكرناه، وقيده الشيخ أبو علي بما إذا كان الموضع بحيث يتصور ممن في يده العين وضعه في المدة التي تثبت يده فيها، ولو على بعد، فإن كان وضعه وصفته تنافي دعواه على قطع فلا نصدقه، بل نصدق من كان قبله على شرط الإمكان الذي ذكرناه. قال الإمام: ولا شك فيما ذكره، ولو وقع التنازع بين المستأجر والمؤجر بعد عود الأرض [إلى الآخر، فإن ادعى الآخر أنه دفنه بعد العود] وكان ذلك ممكناً- فالقول قوله مع اليمين، وإن ادعى أنه كان دفنه قبل الإيجار وتسليمها إلى المستأجر فمن القول قوله منهما؟ وجهان، قال الإمام: الظاهر منهما أن القول قول المستأجر؛ لأن المؤجر اعترف له بسبق اليد عليه.

стр. 2597

وقد أفهم كلام الشيخ أموراً: أحدها: أن الأرض إذا ملكت بالاغتنام يكون الركاز فيها غنيمة لهم، وكذا إذا ملكها أهل الفيء يكون لأهل الفيء، وبه صرح الأصحاب [وقالوا]: لو بنى مشرك حصناً أو قرية، ودفن فيها كنزاً، فبلغته الدعوة، فعاند ولم يسلم حتى مات وخربت القرية، ثم وجد مسلم ذلك الكنز- لا يكون ركازاً؛ بل يكون فيئاً، وإنما يكون ركازاً إذا لم يعرف حاله هل بلغته الدعوة فحل ماله، أو لم تبلغه الدعوة فلم يحل ماله؟ قاله في "البحر". الثاني: أنه [لو] ملك الأرض بالإحياء كان الركاز له سواء أخرجه هو أو غيره وهو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين، وحكاه الرافعي عن رواية القفال في "شرح التلخيص"، وهو المذكور في "الحاوي" – أيضاً- وطرده فيما إذا أقطع الإمام أرضاً [فوجد فيها ركازاً، فهو لمقطع الأرض] وإن وجده غيره. وحكى مجلي: "في أن المحيي هل يملك الركاز بالإحياء تبعاً للأرضن خلافاً مرتباً على ما إذا أغلق الباب على ظبية دخلت موضعه من غير قصد تملكها: هل يملكها أم لا؟ والأظهر: أنه لا يملكها، وهذا الذي ذكره هو من تخريج الإمام، وبنى عليه أيضاً ما إذا باع المحيي الأرض والركاز فيها هل يختص به المشتري؟ قال: إن قلنا: إن المحيي ملكه، لم يملكه المشتري وكان للمحيي، وهو الذي أورده القاضي الحسين، وإن قلنا: لا يملكه المحيي، فهو أحق به ما دامت الأرض في يده لا محالة، فإذا باعها هل ينتقل هذا الحق إلى المشتري؟ فيه خلاف. والثالث: أن ما يوجد في الأرض المملوكة لشخص وهي مستطرقة لسائر الناس من غير منع من مالكها، يكون لمالكها دون أحد، وقد ذكر صاحب "التقريب" فيه خلافاً، قال [الإمام]: وفي موضع الخلاف تأمل، وظاهر كلامه أنه أورده في حكمين:

стр. 2598

أحدهما: أنه إذا وجد من ليس بمالك للساحة، ولم يكن مالك الأرض محيياً على الابتداء؛ فكان لا يتبين لنا من الذي أحيا الأرض ابتداء- فهل له أخذه؟ فعلى وجهين، قال الإمام: والظاهر عندي أنه لا يضر أخذ الركاز من الأرض المملوكة ملكاً له، وإنما الخلاف في حكم التنازع، فإذا قال الواجد: كنت وضعته، فالقول قول من؟ فعلى ما ذكرناه من الوجهين، وهذا إذا وقع التنازع بعد إخراج الكنز، فلو وقع قبل إخراجه فالقول قول مالك الأرض مع اليمين بلا خلاف. الرابع: أن الموجود في أرض الحربي بدار الحرب قبل تملكها يكون للحربي، ويكون أخذ المسلم له كأخذ مال الحربي، وقد قال في "الحاوي": إنه غنيمة يؤخذ خمسها، ولا يكون ركازاً. وأفهم كلامه أن هكذا الحكم فيما لو كان الآخذ يخفيه؛ لأنه قال عقيبه: وقال أبو حنيفة: "يكون غنيمة" كقولنا: لكن لا يؤخذ خمسها؛ بناء على أصله في أن ما غنم على وجه الخفية من غير إمام لا يخمس. والمذكور في "تعليق البندنيجي" [وغيره] أنه يكون فيئاً، وللكلام في ذلك التفات على أن ما يؤخذ خفية هل يملكه أحد بجملته، أو يخمس؟ وفيه كلام يأتي في باب قسم الفيء. ثم ما ذكرناه مصور بما إذا دخل دار الحرب بغير أمان، فإن دخلها بأمان وجب عليه رده للحربي، حكاه الشيخ أبو علي والقاضي الحسين؛ لأنهم في أمان منه، وليس هو في أمان منهم، وطرد ذلك فيما إذا وجده في الموات الذي يذبون عنه فقال: يجب رده إليهم. وقد بقي من مسائل الباب ما سكت الشيخ عنه، وهو ما إذا وجد الركاز في الأماكن المشتركة بين المسلمين وغيرهم، وهي الشوارع ونحوها وكذا المساجد، وقد ألحق الماوردي الشوارع بالموات، وعليه جرى الغزالي، وتبعه ابن يونس.

стр. 2599

وقال العراقيون والقفال، كما قال الرافعي: إن الموجود فيها لقطة، وهو المذكور في "تعليق" القاضي الحسين و"التهذيب" وطرد ذلك في المدفون في المساجد والأماكن المشتركة، والإمام حكى الوجهين. ولو وجد ذلك في أرض موقوفة قال في "التهذيب": فهو لمن في يده الأرض وهذا معتضد بالقياس، والله أعلم.

стр. 2600

كفاية النبيه شرح التنبيه الجزء السادس تتمة كتاب الزكاة- كتاب الصيام

стр. 2601

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب زكاة الفطر اعلم أنه يقال: زكاة الفِطْر، وزكاة الفِطْرة- بكسر الفاء -: فالأول: يجعل وجوبها بدخول الفطر. والثاني: أوجبها على الفطرة، والفطرة: الخِلْقة، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] [أي: خِلْقَته التي جَبَل الناس عليها، والفُطرة - بضم الفاء-: اسم للمُخْرَج في زكاة الفطر، وهو مولَّد. وقد تقدم أن الزكاة في اللغة: الزيادة والبركة، [والنمو] والمدح، وسميت زكاة المال زكاةً؛ لأنه ينمو إذا زكِّيَ، وسميت صدقة الفطر زكاة]؛ لأنها تزكي النفس وتطهرها، وتنمي عملها، ويقال للعمل الصالح زكاة؛ لأنه ينمي عامله، ويرفع من شأنه، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]: إنها العمل الصالح.

стр. 2602

قال الماوردي: واختلف أصحابنا هل وجبت ابتداء بما وجبت به زكاة الأموال أو وجبت بغيره؟ على مذهبين: أحدهما- وهو قول البغداديين-:أنها وجبت بالظواهر التي وجبت بها زكاة الأموال من الكتاب والسنة؛ لعمومها في الزكاتين. والثاني-: وهو قول البصريين-: أنها وجبت [بغير ما وجبت] به زكاة الأموال؛ فإن وجوبها أسبق؛ لما روي عن قيس بن سعد بن عبادة [أنه] قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر قبل نزول آية الزكاة، فلما نزلت [آية الزكاة] لم يأمرنا ولم ينهنا". ومن قال بهذا اختلفوا هل وجبت بالسنة [أو بالكتاب. والسنة مبينة [للكتاب] على مذهبين: أحدهما: أنها وجبت بالسنة] بحديث قيس بن سعد، فعلى هذا يكون وجوبها من طريق السنة، والدلالة [على] وجوبها من طريق السنة ما رواه الشافعي بسنده عن ابن عمر أن: رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر-وفي بعضها: صدقة الفطر- في رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على كل حر وعبد، ذكر

стр. 2603

وأنثى من المسلمين". وروى جعفر بن محمد عن أبيه مثله، وزاد فيه: "عمن تمونون"،قال عبد الحق: والأخبار الصحاح [المشهورة] ليس فيها: "عمن تمونون"، وقوله: " [فرض] زكاة الفطر على الناس" معناه أوجب عليهم، ولا يجوز أن يكون معناه: قدر عليهم؛ لأنه ذكر التقدير من بعد، وقوله: "على كل حر وعبد" معناه: عن كل حر أو عبد؛ لأن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض [لغة]، قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين] فأراد- والله أعلم-[إذا اكتالوا] من الناس، وقال الشاعر: إذا رضيت عليَّ بنو قُشَيْرٍ لعَمْرُ الله أعجبني رضاها ومعناه: [إذا رضيت عني.

стр. 2604

وتعين] ما ذكرناه هنا؛ لوجهين: أحدهما: أن العبد لا يخاطب بإخراجها؛ لأنه لا يملك شيئاً، وقد روى [مسلم] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ [أنه قال]: "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر". والثاني: أن حمل قوله: "على كل حر" على الإيجاب يؤدي إلى التكرار لأن قوله في الابتداء: "على الناس" أفاد الإيجاب؛ فيجب أن يحمل على فائدة مجددة، وقد روى أبو داود عن ابن عباس-﵄ قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرةً لصائم من اللغو والرفث، وطعمةً للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" وأخرجه ابن ماجه. والمذهب الثاني: أنها وجبت بكتاب الله تعالى، وإنما البيان مأخوذ من السنة كما أخذ بيان الأموال المزكيات، ومن روى أن رسول الله ﷺ فرضها؛ فمعناه: قدرها؛ كما قال في زكاة الإبل: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ " بمعنى: قدرها؛ لأن فرض زكاتها بالآية. ومن قال بهذا اختلفوا بأية آية وجبت؟ على مذهبين: أحدهما: بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى] فإن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز [قالا:] هي زكاة الفطر. [وقال عطاء: زكاة الفطر] وزكاة المال. والثاني: بقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥]. قال: وتجب زكاة الفطر على كل حر مسلم [فضل] – أي حالة وجوبها – عن

стр. 2605

قوته وقوت من تلزمه نفقته أي ليلة الفطر ويومه كما نص عليه الشافعي- ﵀ وأصحابه، ما يؤدي في الفطرة، أي إما عنه كما إذا كان الفاضل عما ذكره أحد الأصناف التي يجزئ إخراجها، أو ما يمكن تحصيل الواجب بهن ووجهه ما ذكرناه. وحكى ابن الصباغ تبعاً للقاضي أبو الطيب أن أبا الحسن [بن] اللبان الفرضي من أصحابنا قال: إنها غير واجبة. قال في "الروضة": وهو غلط صريح. واحترز الشيخ بالحر عن العبد؛ لأنه لا يملك شيئاً وإن ملك على القديم إذا ملكه السيد فهو ملك ضعيف لا يصلح للمواساة؛ لأنه لا يجب عله نفقة قريبه وهي آكد من زكاة الفطر، وإذا لم تجب نفقة القريب عليه فزكاة الفطر أولى ولا يقدح في ذلك ما تقدم من قوله ﷺ : "من حر أو عبد"؛ لأنا قد بينا أن معناه: عن حر أو عبد، [ويؤكده قوله- ﵇: "ليس على المسلم في عبده ولا قريبه صدقة إلا صدقة الفطر" فأثبت على السيد زكاة الفطر]. [ولأجل ما ذكرناه من المعنى] لم تجب على المكاتب على المذهب المنصوص الذي حكاه الإمام والبندنيجي؛ قياساً على زكاة المال وعنه احترز الشيخ أيضاً. وعن ابن سريج تخريج قول أنها تجب عليه كنفقته، وكذلك أطلق الصيدلاني في المسألة قولين، قوال القاضي الحسين والبغوي: إن فيها وجهين. وقد قيل: إن فطرته تجب على سيده؛ لأنه باق على ملكه فأشبه العبد الآبق والمغصوب، قوال البندنيجي وغيره: إن أبا ثور حكاه عن القديم والقاضي الحسين نقله عن القديم، ولم ينسبه لرواية أبي ثور، وقال: [إنه بناه] في القديم على قوله القديم في جواز بيعه. وأنكر الشيخ أبو علي أن يكون هذا قولاً للشافعي- ﵀ وقال: إنه مذهب أبي ثور نفسه. وأم الولد والمدبر والمعلق عتقه بصفة، كالقن. فإن قلت: لفظ الحر كما أخرج من ذكرته يخرج من بعضه حر وباقيه رقيق عن أن

стр. 2606

تجب عليه زكاة الفطر؛ فقد قال الأصحاب: إن لم يكن بينه وبين [مالك بعضه] الرقيق مهايأة وجب عليه من الفطرة بقدر من فيه من الحرية إذا ملك ذلك، فاضلاً عما يخص ما فيه من الحرية من قوته ليلة العيد ويومه؛ فإذا كان نصفه حراًّ وملك نصف صاع فاضلاً عن [نصف] قوته وجب عليه إخراجه؛ لأن جميعه لو كان حراً لوجب عليه صاع، ولو كان رقيقاً لوجب على مالكه؛ فوجب أن يوزع عليهما عند اجتماع الرق والحرية. وإن كان بينهما مهايأة فهل تدخل زكاة الفطر فيها كما تدخل النفقة الراتبة، أو لا تدخل كما لا يدخل أرش الجناية التي يجنيها [فيها]؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره، وقال: إن الأظهر- وهو الذي أورده جمهور أصحابنا-: عدم الوجوب. ولم يحك القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ هنا غيره، لأن طريق المهايأة طريق المعارضة، ولا معاوضة في الفطرة، وعلى هذا يكون الحكم كما لو لم يكن بينهما مهايأة، سواء وجد وقت الوجوب في نوبة السيد أو العبد. وقال الإمام: إن الخلاف في المسألة ينبني على أن المؤن النادرة هل تدخل في المهايأة أو لا تدخل؟ وفيها وجهان، فإن قلنا: تدخل، دخلت زكاة الفطر، وإن قلنا: لا تدخل، فهل زكاة الفطر من المؤن النادرة أو المؤن الدائرة؟ فيه وجهان: فإن قلنا بالأول- وهو الذي عليه الجمهور- فالحكم كما تقدم، وإن قلنا بالثاني وجبت على من حصل وقت الوجوب في نوبته، وهو ما ادعى الرافعي أنه الأظهر، اللهم إلا أن نقول: وقت الوجوب مجموع الوقتين، ووجد الغروب في نوبة أحدهما، وطلوع الفجر في نوبة الآخر؛ فإنها تجب عليهما لأنه لم ينفرد واحد منهما في نوبته بموجب الفطرة. والخلاف الذكور مطرد فيما إذا كان عبدان اثنان وجرت بينهما مهايأة. واحترز [الشيخ] بالمسلم عن الكافر الأصلي؛ فإنها لا تجب عليه للخبر، ولأنها طهرة للصائم، وليس للكافر أهلية التطهير ولا أهلية إقامة العبادات. وأما المرتد ففيه الأقوال المذكورة في أول الكتاب، صرح به في "المهذب".

стр. 2607

وهذا في فطرة نفسه، أما فطرة رقيقه المسلم وقريبه، فسيأتي الكلام فيه. وقد اقتضى كلام الشيخ أنه لا يشترط في الوجوب ملك النصاب كما هو ظاهر الخبر؛ فإنه لم يفرق بين الغني والفقير، [بل] في بعض الأخبار: "عن كل حر وعبد، ذكر وأنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، أما الغني فيزكيه الله، وأما الفقير فيرد الله عليه أكثر مما أعطى"، ولأنه حق مالي لا يزيد بزيادة المال؛ فوجب ألا يعتبر فيه وجود النصاب قياساً على الكفارات. فإن قيل: ظاهر الخبر أيضاً يدل [على الوجوب] على من لا يملك إلا قوته وقوت من تلزمه نفقته، وقد قلتم: إنها لا تجب عليه فما وجه مخالفته؟ [قيل]: لأن ذلك آكد من نفقة الفطر، بدليل ما تقدم، وقد قال ﷺ : "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"؛ فلم يجز أن يؤمر بإغناء غيره ويحوج نفسه إلى أن يغنيه غيره، ومن تلزمه نفقته كنفسه. ومن ها هنا يؤخذ أن الدين إذا استغرق ماله منع وجوب زكاة الفطر؛ لأن نفقته دين

стр. 2608

يسقط في حق القريب بمرور الزمان، ومع ذلك منعها؛ فالدين الذي لا يسقط بحال بذلك أولى، وهذه الطريقة في "المهذب" لم يحك الغزالي غيرها تبعاً لإمامه؛ فإنه قال: ديون الآدميين تمنع [وجوب] زكاة الفطر وفاقاً، ولو ظن ظان أنها لا تمنعها على قول كما لا تمنع وجوب الزكاة كان مبعداً، ووراءها طرق: إحداها: أن القولين في زكاة المال فيها. والثانية: أنها تجب قولاً واحداً؛ لأن زكاة الفطر [تجب في الذمة لا تعلق لها بالمال؛ فلا يؤثر فيها الدين. وهذان الوجهان حكاهما المتولي، وإلى الثانية منهما ميل كلام العراقيين في كتاب زكاة الفطر] تبعاً لظاهر النص فيه؛ حيث قال: ولو مات حين أهل شوال وله رقيق فزكاة الفطر عنه وعنهم في ماله مبدأٌ على الدين وغيره من ميراث ووصايا. والثالثة- قالها القاضي الحسين في باب الدين مع الصدقة- إنا إن قلنا: [إنه يمنع] زكاة المال، فزكاة الفطر أولى، وألا فوجهان، والفرق: أن محل زكاة الفطر: الذمة، والدين محله الذمة، فلما اجتمعا في محل واحد دفع أحدهما الآخر بخلاف زكاة المال؛ فإنها تتعلق بالعين والاحتياج إلى الكسوة في ليلة العيد ويومه كالاحتياج إلى النفقة فيهام؛ فيعتبر أن يكون ما يؤديه في الفطرة فاضلاً عنها؛ لأن ذلك لا يباع في الدين ففي الفطرة أولى، وهذا ما صرح به في التتمة، وهو مما لا خلاف فيه كما قال الرافعي، وإن كان الشافعي-﵀-وجمهور أصحابه لم يتعرضوا له، بل اقتصروا على ما ذكره الشيخ. وقال الإمام: الذي أراه أن المعتبر أن يكون المؤدي في الفطرة فاضلاً عنه هو المعتبر في الكفارة، والعبد لخدمته لا يلزمه إعتاقه عن كفارته المرتبة، قال: وقد رأيت من الأصحاب في أنه غير معتد به في الفطرة أيضاً، وحينئذ فالمسكين المحتاج إليه أولى من العبد. نعم، قد ذكرنا أن الصحيح: أن عبد الخدمة في حق من أخرج

стр. 2609

صاعاً عن نفسه لا يملك غيره يجب إخراج الفطرة عنه، فهو إذا غير محسوب في فطرة المولى، وهو معتد به في الفطرة المضافة إلى العبد نفسه على المذهب الظاهر. وفي "التهذيب" سوى بين المسألتين فقال: إن كان له عبد يحتاج إلى خدمته هل يباع بعضه في صدقة الفطر عن العبد وعن نفسه؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، وهو كالمعدوم كما في الكفارة، ويشهد له نص الشافعي – ﵀ – على أنه لو كان لابنه الصغير عبد هو محتاج إلى خدمته يجب على الأب نفقة ذلك العبد وفطرته، ولولا أن العبد غير محسوب [لسقط بسببه] نفقة الابن وفطرته عن الأب. والثاني: يباع كما يباع في الدين، بخلاف الكفارة؛ فإن لها بدلاً تنتقل إليه فخفف الأمر فيها، وهذا ما رجحه الشيخ أبو علي، ﵀. قلت: ويمكن أن ينبني الخلاف على أن الدين هل يقدم [على زكاة الفطر أو لا؟ فإن قلنا: إن زكاة الفطر مقدمة على] الدين، فيباعان في الفطرة؛ لأنهما يباعان في الدين وهي مقدمة [عليه] فيتبعهما فيها من طريق الأولى، وإن قلنا: إن الدين مقدم على زكاة الفطر، فيجوز أن يقال: لا يباعان فيها، ويجوز أن يجيء الوجهان. ثم ما أيد به البغوي عدم [البيع] من النص [ينازع] فيه قول الإمام في باب نفقة الأقارب: ولا خلاف أن عبد الرجل مبيع في نفقته، وإن كان ذلك يلجئه إلى التبذل والتبسط [نفسه] في الحاجات الدنيئة كاستقاء الماء وما أشبهه. على أن له أن يقول: هذا خاص بالكبير، والصغير بخلافه، والله أعلم. وما يؤدي في الفطرة هو الصاع كما سيأتي. قال: فإن فضل بعض ما يؤدي فقد قيل: يلزمه؛ لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا حد استطاعته، وقيل لا يلزمه كما لو وجبت عليه كفارة مرتبة وهو يملك نصف رقبة أو غير مرتبة وهو يملك [كسوة خمسة أو إطعامهم]؛ فإنه لا يجب عليه إخراج ذلك. والوجهان مرويان عن أبي إسحاق – ﵀ – وقال في "البحر": إن أصحهما

стр. 2610

الثاني، وفي "الحاوي": أن مذهب الشافعي – ﵀ –وما ذكره منصوصاً في بعض كتبه: الأول، وهو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين وغيره، وبعضهم قال: إن مقابله غلط، وفرق بين الفطرة والكفارة بوجهين: أحدهما: أن الكفارة لا تتبعض في الجملة، والفطرة تتبعض؛ بدليل أن من بعضه حر يلزمه منها بقدر ما فيه من الحرية. والثاني: أن الكفارة [لها] بدل؛ فصار كما لو وجد ما يستر به بعض العورة؛ فإنه يلزمه الستر به. وقد تكلم الإمام هاهنا فيما يجب عند نقصه عن المقدور، وما لا يجب، فقال: كل أصل ذي بدل فالقدرة على بعض الأصل لا حكم لها، والمستثني من ذلك وجود المقدار من الماء الذي لا يكفي لتمام الطهارة فإن فيه قولين، وسبب الخلاف ورود الماء مطلقاً في الشرع من غير تقدير وتوقيف ثم التيمم مشروط في لفظ الشارع بعدم جنس الماء، وهذا لا يتحقق في الكفارات المرتبة، فأما الفطرة فلا بدل لها؛ فالوجه إيجاب الميسور فيها، وكذلك إذا انتقضت الطهارة بانتقاض بعض المحل، فالوجه القطع بالإتيان بالمقدور عليه، وقد ذكر بعض الأصحاب فيه اختلافاً بعيداً أو هو قريب من التردد فيما نحن فيه، ومن انتهى في الكفارة المرتبة إلى إطعام ستين مسكيناً فلم يجد إلا طعام واحد تعين عليه؛ فإن طعام كل مسكين في حكم كفارة. نعم، لو وجد بعض مد فقد يتطرق إليه احتمال. قال: ومن وجبت عليه فطرته وجبت عليه فطرة كل من تلزمه نفقته، أي بسبب زوجية أو قرابة أو ملك، إذا كانوا مسلمين، ووجد ما يؤدي عنهم؛ لقوله في الخبر السابق: "من تمونون"، وهذا قد رواه الشافعي مرسلاً، وغيره أسنده، وقد جاء أنه ﷺ قال: ["أدوا زكاة الفطر عمن تمونون" قاله الماوردي. وقال الإمام]: إن الأثبات نقلوه، وهذا الخبر وإن لم يقع فيه تعرض للإسلام

стр. 2611

فقد وقع في غيره، وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: "كنا نخرج إذا كان فينا رسول الله ﷺ زكاة الفطر عن [كل] صغير وكبير، حر أو مملوك: صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب"، وزاد أبو داود: "أو صاعاً من حنطة" [قال]: وليس بمحفوظ عندنا. وهذا مستند الوجوب؛ إذ لو رددنا إلى القياس الذي عقلناه لما أثبتنا على الإنسان صدقة فطر غيره؛ فإن القربات بعيدة من التحمل، وإن نحن قلنا: [إن] الفطرة غير متحملة، بل وجوبها [بسبب الغير بمثابة وجوب زكاة المال بسبب المال] – فهذا بعيد [أيضاً من جهة] أن قريب الإنسان ليس محل ارتفاق كماله، فيبعد إيجاب إخراج الفطرة عنه قياساً على زكوات الأموال. ولكن أجمع المسلمون على أن الفطرة تجب على الغير بسبب الغير في الجملة؛ لما ذكرناه، لكن هل نقول: الوجوب لاقاه ابتداء أولاً في المنفق عليه، ثم تحمله؟ فيه وجهانا في "المهذب" وغيره، والفوراني وكذا القاضي الحسين روياهما قولين للشافعي، قوال الإمام: إن منهم من خصها بالزوجة الموسرة. وإنهما فيها يستنبطان من معاني كلام الشافعي ﵀[لأنها لو كانت خالية عن الزوج لوجبت عليها]؛ فأمكن أن يقال: يحملها عنها الزوج، أما إذا كانت معسرة أو كان المنفق عليه قريباً أو رفيقاً فلا نقول: [إنه] يجب عليه شيء ثم يتحمل عنه، بل الوجوب يلاقي المنفق ابتداءً؛ لأنه لو فقد المنفق لم يجب عليه فطرة نفسه، فكيف يقال: إن الوجوب يلاقيه؟! وهذه الطريقة هي التي رجحها الإمام واقتضاها كلام الشيخ في أول الباب.

стр. 2612

لكن القائلون بطرد وجه التحمل في هؤلاء تمسكوا بظاهر الخبر؛ فإنه مقتض لإيجاب الفطرة على العبد وغيره من طريق الأولى، قال الإمام: ولولاه لما عددت إجراء الخلاف في المذهب، وغاية الممكن في توجيهه أن يجعل السيد مادة العبد ومتعلقه؛ فكذا القريب الملتزم بنفقة قريبه مادة قريبة. قال الرافعي: ثم [حيث] فرض الخلاف وقلنا بالتحمل فهو كالضمان أو كالحوالة؟ حكى أبو العباس الروياني في "المسائل الجرجانيات" فيه قولين: قلت: والذي حكاه البندنيجي: أنا إذا قلنا بالتحمل كان المنفق كالضامن، وإن قلنا: إن الوجوب لاقاه ابتداء، جعلناه كالمحال عليه. وقد صرح به هكذا في "البحر" أيضاً. وبنى الأصحاب على هذا الخلاف – مع ما سنذكره- أن الزوجة الموسرة لو أخرجت فطرة نفسها بدون إذن الزوج، وكذا القريب لو اقترض وأخرج فطرة نفسه بغير إذن قريبه: هل يجزئه؟ إن قلنا: إنها وجبت على المنفق ابتداءً، فلا، وألا أجزأه. [وقال الماوردي: القريب إذا اقترض وأدى زكاة فطرة [نفسه] أجزأه] بالإذن وبدونه، والزوجة إذا أخرجت عن نفسها فإن كان بالإذن أجزأ، وإن كان بغير الإذن فوجهان كما سبق، والفرق: أن نفقة القريب وفطرته وجبت مواساة بدليل سقوطها بغناهم، ولا يرجعون بما أنفقوه على أنفسهم، والزوجة نفقتها وزكاة فطرها أوكد لأنها تجب معاوضة، بدليل وجوب ذلك مع غناها ورجوعها بما تنفقه على نفسها. قال: وليس للزوجة مطالبة زوجها بإخراج الفطرة عنها؛ لأنا وإن أجريناها مجرى الحوالة فليس للمحيل المطالبة، وإن أجريناها مجرى الضمان فليس للمضمون عنه مطالبة الضامن. وقال في "البحر": في مطالبتها بالإخراج وجهان؛ بناء على أن الوجوب على الزوج ابتداءً، أو عليها ثم يتحمل. وهما [كما] لو حلق حلال شعر محرم مكرها هل له أن يطالب الحالق بإخراج الجزاء؟ وفيه قولان. قال: وهكذا الحكم في الأب الزمن. ثم قال: والمذهب ما حكيناه [عن "الحاوي"]. واحترز الشيخ بقوله: "ومن وجبت عليه [فطرته وجبت عليه] فطرة كل من

стр. 2613

تلزمه نفقته" عن مسائل: إحداها: الكافر إذا ملك عبداً مسلماً، أو كان له قريب [مسلم] تجب عليه نفقته، فإن فطرته لا تجب عليه على طريقة حكاها في "التتمة" مع أخرى، وهي التي حكاها في "المهذب" وغيره عن العراقيين: أن ذلك يبني على أن الفطرة تجب على المنفق ابتداءً أو تحملاً؛ فعلى الأول – وهو الذي قلنا: إن كلام الشيخ يقتضيه – لا تجب في هذه الصورة، وكذا فيما إذا أسلمت ذمية تحت ذمين ثم جاء وقت الوجوب والزوج كافر، ثم أسلم في العدة، وقلنا بوجوب نفقتها عليه. وعلى الثاني: تجب، قال الإمام: وكان يحتمل أن يقال: لا تجب على الثاني أيضاً، ويمتنع التحمل بما يمتنع به الإلزام، قال: وهو منتجه، ثم إن قلنا بالوجوب فالنية لا تصح منه، ولم يصر أحد من أصحابنا إلى تكليف من منه التحمل ألبتة، وكيف يقدر ذلك وقد يكون صغيراً؟! فلا خروج لها إلا على استقلال الزكاة بمعنى المواساة؛ كما تخرج الزكاة من مال المرتد. وعبارته في "التتمة": أن الإمام يأخذها من ماله كما يأخذها من المسلم الممتنع. وبقوله: "إذا كانوا مسلمين"، عن الكفار؛ فإنه [لا] يجب عليه فطرتهم، وإن قلنا: إنها تجب على المنفق ابتداءً؛ لأنها طهرة للمخرج عنه، كما جاء في خبر ابن عباس، والكافر ليس من أهل الطهرة، وقد ادعى الإمام اتفاق علمائنا على ذلك، وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه لبعض أصحابنا: أن المسلم يخرج الفطرة بسبب عبده الكافر كما قاله أبو حنيفة، ﵀. قلت: وكأنه نظر إلى قولنا: إنها تجب ابتداءً على السيد، وإن صح هذا وجب طرده في [الزوجة و] القريب، وبه صرح في "التتمة" هكذا، والله أعلم. المسألة الثانية: المكاتب إذا ملك عبداً أو تزوج امرأة فإن نفقتها تجب عليه، ولا تجب عليه فطرتها [إذا لم نوجب عليه فطرة نفسه، أما إذا أوجبناها عليه وجبت عليه فطرتهما]. قاله ابن سريج وادعى الإمام اتفاق الأصحاب على ذلكن وقال القاضي الحسين هنا وفي باب [من] تجب عليه الزكاة: إنا إذا أوجبنا عليه فطرة نفسه ففي

стр. 2614

فطرة عبده وجهان. الثالثة: العبد إذا ملكه السيد مالاً، وقلنا: إنه يملكه، فإنه تجب عليه نفقة زوجته، ولا يجب عليه فطرتها، لأنه لا تجب عليه فطرة نفسه. نعم، لو أذن له السيد في إخراج فطرتها منه فقد حكى الإمام عن شيخه في ذلك وجهين، قال: وعندي أن ذلك يترتب على ما تقدم في زوجة المكاتب، وما نحن فهي أولى بألا تجب؛ فإن العبد لا استقلال له أصلاً، والوجه: القطع بعدم الوجوب. فإن قيل: العبد إذا تزوج بإذن مولاه تعلقت نفقتها بكسبه فهلا كانت فطرتها كذلك، وهي تنحو نحو النفقة؟ قيل: النفقة تلزم ذمة العبد، ولما كان النكاح بإذن المولى اقتضى الإذن في الإلزام إذناً في التأدية، ولا محل لذلك أقرب من كسب العبد، أما الفطرة فإنها [عمن تلزمه نفقته]، والعبد ليس من أهل التزام النفقة، والسيد لم [تلزمه نفقة زوجة العبد] حتى تتبع الفطرة النفقة، كذا قاله الإمام. وقد اقتضى كلام الشيخ- ﵀ – أموراً: أحدها: وجوب فطرة عبد ولده الصغير الذي لا يستغني عن خدمته؛ لأن نفقته واجبة عليه، وقد حكيناه عن النص، وقال في "البحر": إنه نص عليه في القديم، وإن الداركي من أصحابنا حكى وجهاً: [أنه لا يباع، وتكون زكاة الفطر في ذمته، ووجهاً] آخر: أنه يباع منه بقدر الزكاة، وهو ما أبداه الإمام احتمالاً لنفسه من عدم إيجاب فطرة زوجة الأب. وهذا الذي حكيته عن "البحر" رأيته في نسخة منه، وقد حكى فيها بعد ذلك ما يوهم توقفاً فيما تقدم، فمن عثر على خلافه من نسخة صحيحة فليلحقه بحاشية كتابنا هذا. الثاني: وجوب فطرة زوجة الأب الذي يجب [نفقته إذا أوجبنا على ابنه إعفافه؛ لأن نفقتها تجب] على الابن، وهو أحد الوجهين في المسألة، والذي صححه الغزالي وطائفة.

стр. 2615

ومقابله: عدم الوجوب، وهو الأصح في "التهذيب" و"العدة" وغيرهما؛ لأن الأصل في القيام بأمرها هو الأب والابن متحمل عنه، والفطرة غير لازمة على الأب [بسبب] الإعسار؛ فلا يتحملها الابن، بخلاف النفقة فإنها لازمة مع الإعسار فيتحملها، ولأن فقدها النفقة يمكنها من الفسخ، وإذا فسخت احتاج الابن إلى تزويجه، وفقد الفطرة بخلافه. قال الرافعي: ويجري الوجهان في فطرة مستولدته. الثالث: وجوب فطرة خادم زوجته إن كانت ممن تخدم، كما صرح به في كتاب النفقات، وهو المحكي عن نصه في "المختصر"، ولم يورد الماوردي غيره، وقال الإمام بعد حكايته عن بعض الأئمة: والأصح عندنا أنها لا تجب، فإن نفقة الخادمة غير مستقلة إذ يمكنه تحصيل الغرض بمتبرعة أو مستأجرة، وتصوير محل الوجوب مذكرو في كتبا النفقات. أما وجوب فطرة الزوجة فلا خفاء فيه؛ فلذلك لم أنبه عليه, نعم، حكى القاضي الحسين فيما إذا تزوج [الحر الموسر بمكاتبة] هل تجب فطرتها عليه؟ خلافاً ينبني على أن فطرة الكاتب هل تجب على [نفسه، أو لا؟ فإن قلنا: لا تجب عليه] فطرة نفسه، فها هنا لا تجب على الزوج فطرتها، وإن قلنا: تجب، فهاهنا يجب على الزوج فطرتها. قلت: والجزم فيه بعدم الوجوب على الزوج إذا قلنا: لا يجب على المكاتب فطرة نفسه – فيه نظر؛ بل يظهر أن [يبني على] أن الفطرة تجب على الزوج تحملاً أو ابتداء؟ [فإن قلنا تحملاً، فالأمر كم قال، وإن قلنا: ابتداءً]، فلا، وكلامه في موضع آخر يرشد إلى ذلك، لأنه قال: إذا قلنا بالجديد وهو أن المكاتب لا تجب فطرة نفسه-[فلا تجب فطرة] المكاتبة على زوجها؛ لأنها ليست من أهل الفطرة، وإذا لم تجب عليها فكيف يتحمل عنها؟! والله أعلم. الرابع: وجوب فطرة العبد الآبق على رأي؛ لأن الإمام حكى هاهنا خلافاً في أن

стр. 2616

العبد الآبق هل يستحق النفقة أم لا؟ وأبداه قبيل باب صدقة الخلطاء احتمالاً وقد حكى في "المهذب" في وجوب فطرته طريقين: أحداهما: القطع بالوجوب؛ لأن فطرته تجب بحق الملك، والملك لا يزول بالإباق. والثانية: في فطرته قولان كالزكاة في المال المغصوب. وكذا حكى الطريقين فيه المراوزة والقاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ في أواخر باب صدقة الغنم، [ونسبت طريقة القطع بالوجوب إلى الشيخ أبي حامد. قال ابن الصباغ: وهو ظاهر كلام الشافعي- ﵀] وطريقة القولين تنسب إلى باقي الأصحاب والبندنيجي فرض الطريقين هكذا ها هنا فيما إذا كان الآباق لا يعرف موته ولا حياته وكذا غيره من العراقيين [فرضهما] فيمن لم يعرف موته ولا حياته، وقالوا: إن الأولى طريقة أبي إسحاق، والثانية طريقة المزني وغيره من الأصحاب، وإن الاختلاف أخذ من قوله في "المختصر" هنا: ويخرج عن عبيده الحضور والغيب وإن لم يرج رجعتهم إذا علم حياتهم. وقال في موضع آخر من "المختصر": يزكي عنهم وإن لم يعلم حياتهم. فأبو إسحاق يقول: قد نص أنه يزكي عنهم إذا علم حياتهم، ولم يسقط الزكاة عنهم إذا [لم يعلم] حياتهم، ولا يجب أن نجعل لكلامه دليل خطاب فكانت المسألة على قول واحد وهو الوجوب. وغيره جمع بين صريح أحد لفظيه ومفهوم [الآخر، وأثبت فيهما قولين منصوصين. والمراوزة قالوا: إن الاختلاف أخذ من نصه على] وجوب فطرته وعلى عدم إجزاء عتقه عن الكفارة فمن اثبت القولين نقل وخرج ومن قطع بالوجوب قرر النصين وفرق بأن الفطرة تجب بالملك والأصل بقاؤه والأصل شغل الذمة بالكفارة فلا تسقط بالشك. والصحيح – وإن ثبت الخلاف كما قال القاضي أبو حامد والماوردي وغيرهما -: الوجوب وإذا قلنا به فهل يجب الإخراج في الحال؟ قال البندنيجي وغيره: فيه قولان نص عليهما في "الأم"،والمذكور منهما في "تعليق" القاضي

стр. 2617

الحسين: الوجوب ومقابله ليس بشيء باتفاق الأصحاب وفرقوا بين زكاة المال الغائب حيث لا يجب إخراجها قبل حضوره وبين زكاة فطرة العبد الغائب: بأن إمكان الأداء شرط في الضمان في زكاة المال، والمال الغائب يتعذر فهي الأداء وليس كذلك زكاة الفطر فإنها تجب [على ما تؤدَّى] منه. والطريقان جاريان – كما حكاهما القاضي أبو الطيب والإمام متصلاً بباب صدقة الخلطاء – في فطرة العبد المغصوب، وقال الإمام هنا: إن الذي ذهب إليه المحققون أن صدقة الفطر على المملوكين لا يُنْحَى بها نحو زكاة الأموال حتى [يرعى في إيجابها تمكن] السيد [من] مملوكه؛ فإن المالية غير مرعية في هذه القاعدة؛ ولهذا وجبت الفطرة بسبب الابن والزوجة. وذهب بعض أصحابنا إلى تنزيل فطرة العبد منزلة زكاة الأموال. [ثم قال]: فإن قلنا بوجوبها ففي وجوب إخراجها على التعجيل وجهان والذي أورده العراقيون والماوردي وجوب زكاة فطرته، [وكذا المرهون]،وبه قطع المراوزة [فيه]. وقال الإمام عند الكلام في إيجاب زكاة الفطر [على الورثة في] العبد الموروث: وعندي أن انسداد التصرف بالرهن لا ينقص عن انسداده بغصب العبد فيجيء فيه الطريقان، وعادة أئمة المذهب إذا ذكروا شيئاً ضعيفاً ألا يعودوا إليه، والمنقول في "الإبانة" وغيرها: الأول. وقال الماوردي: ولا يجوز للسيد إخراجها منه بل يخرجها من ماله وهذا بخلاف المال المرهون حيث أخرجت زكاته منه على أحد القولين لأن فطرة العبد في ذمة سيده وزكاة المال على أحد القولين في عينه. وحكى في "البحر" وجهاً آخر: أنه يباع منه بقدرها كأرش الجناية، وقد حكى [عن] ابن عبدان طرد الطريقين فيما إذا حيل بين الزوج وزوجته عند الاستهلال. الخامس: وجوب فطرة مطلقته الحامل طلاقاً بائناً؛ فإن نفقتها واجبة، وهي طريقة

стр. 2618

حكاها الإمام وصححها، وحكى طريقة أخرى عن رواية الشيخ أبي علي-: وهي التي أوردها الماوردي والجمهور-أن ذلك يبني على أن النفقة لها أو للحمل؟ فن قلنا: لها- وهو الأصح – وجبت، وإلا فلا؟ إذ الحمل لا تجب الفطرة عنه. واعلم أنا إذا أوجبنا الفطرة في الصور السابقة كانت القاعدة التي ذكرها الشيخ مطردة وهل هي منعكسة حتى نقول: ومن لاتجب نفقته لاتجب فطرته؟ [فيه خلاف]؛ لأن الشيخ أبا بكر بن الحداد قال: إذا كن له ولد صغير يملك قوت يوم العيد وليلته فلا تجب على الأب نفقته في ذلك اليوم وتجب [عليه] فطرته، ولو فرضت [هذه الصورة] في الابن البالغ قال: لاتجب فطرته؛ لأنه لم يفضل من قوته شيء، ولا تجب الفطرة على الأب-أيضاً – لسقوط النفقة عنه في يوم وجوب الفطرة، والفرق: أن نفقة الصغير آكد؛ لأن الأم تتسلط على استقراضها على الأب في غيبته وعند امتناعه وهذا يفضي إلى تقرير النفقة في الذمة من جهة الاستقراض، ومثل ذلك لا يثبت للابن البالغ المعسر فإذا كانت نفقة الصغير آكد عدت الفطرة جزءاً من النفقة. وهذا ما أورده القاضي الحسين في "تعليقه" لا غير، وكذلك المتولي، وإذا قلنا به لا تكون القاعدة منعكسة. والذي حكاه الإمام عن شيخه: أن فطرة الولد الصغير لا تجب [كالولد الكبير] وهو القياس، والأول بعيد عنه، وأنه تردد في جواز الاستقراض وقال: القياس المرتضى امتناع ذلك من الأم، إلا أن يسلطها السلطان. فعلى هذا تكون القاعدة منعكسة أيضاً.

стр. 2619

وقد أفهم قول الشيخ: "ووجد ما يؤدي عنهم"، أن من ملك عبداً لا مال له بعد قوت يوم العيد وليلته، [وصاعاً يخرجه عن نفسه غيره] – أنه لا تجب فطرته، وقد حكى الإمام فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هذا؛ لأنه لو وجب عليه بيع جزء منه لأجل فطرته لأدى إلى اتحاد المخرج والمخرج عنه. والثاني أنها تجب، وهو الذي ذهب إليه الأكثرون كما قال الإمام في موضع من هذا الباب وقال [في آخر منه: إنه المذهب] الظاهر. ولم يحك القاضي أبو الطيب في "شرح الفروع" غيره؛ فإن المعتمد في المال المعتبر في إيجاب الفطرة: أن يفضل عن القوت يوم العيد مقدار الفطرة والعبد في نفسه فاضل عن القوت. والثالث: [إذا كان العبد مستغرقاً بالخدمة] [فلا فطرة لتعذر تقدير بيعه، وإن لم يكن الرجل محتاجاً إلى الخدمة] فالعبد كسائر الأموال وهذا ما ادعى الرافعي أنه الأظهر. وأنت إذا أفردت كل حالة من حالتي العبد كان لك فيها وجهان وقد حكاهما البغوي فيما إذا كان العبد مستغرقاً لخدمته وصحح المنع كما تقدم وحكاهما في "الوسيط" فيما إذا كان مستغنياً عن خدمته وأبدى الإمام على قول من لمي وجب الفطرة فقهاً فقال: قد يقال لهذا القائل: مقدار الصدقة من الرقبة إن كان ينقص عن المالية فالزائد عليه يجب أن يخرج قسطه من الفطرة عنه؛ تخريجاً على إيجاب الفطرة عن العبد المشترك، وهذا ما لابد منه ولكن الذي أطلقه الأصحاب نفي الزكاة في وجه، ولست أرى ذلك وجهاً؛ ولأجل ذلك حكى في "الوسيط" في الصورة التي حكى فيها الخلاف، وهي ما إذا كان مستغنياً عن خدمة العبد وجهاً ثالثاً، قال: وهو الأعدل وإن لم يكن محكياً على هذا الوجه- أنه إن استغرق الصاع قيمته فلا يخرج وإن كان عشرة مثلاً يشتري بتسعة أعشار صاع فليخرجه عن الباقي بعد بيع العشر؛ لأن من لا يملك إلا تسعة أشعار عبد يلزمه تسعة أعشار صاع فلا يؤدي إلى الاتحاد المحذور، وقد قال في "التتمة": إن قلنا: إن العبد المحتاج إليه للخدمة يباع في فطرة السيد، فهل يباع بعضه في فطرة نفسه؟ فيه وجهان. وهذا الترتيب قد أبداه

стр. 2620

الرافعي احتمالاً لنفسه. وقد جزم الغزالي وغيره بأن السيد يخرج الصاع عن نفسه، وهو بناء على الصحيح في أنه [إذا] لم يجد إلا صاعاً وقد اجتمع معه من يجب عليه فطرته: أنه يخرجه عن نفسه أما إذا قلنا في هذا الصورة: إنه يتخير أو يجب توزيعه- كما سيأتي-فمثل ذلك يأتي في مسألة العبد لا محالة إذا قلنا: لا يجب بيع جزء منه لأجل فطرته، والله أعلم. قال: وإن وجد ما يؤدي عن البعض بدأ بمن يبدأ بنفقته لأن الفطرة تابعة لها بمقتضى الخبر، وهذا ما عليه أكثر أصحابنا كما قاله البندنيجي وصححه النووي. فعلى هذا: يبدأ بفطرة نفسه؛ لقوله-﵊: "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول"، ولأنه لو كان هو ومن تلزمه نفقته مضطرين ومعه طعام قليل كان هو أولى بالطعام، وكذلك إذا جامع امرأته ومعه ماء قليل يكفي لغسل واحد كان هو أولى به فكذا في مسألتنا، فإن فضل عنه شيء صرف عن زوجته؛ لأن استحقاقها آكد من استحقاق القرابات؛ إذ كانت تستحق النفقة بعقد معاوضة بإزاء التمكين من الاستمتاع والاحتباس في منزله، ولأن نفقتها تثبت في حال اليسار والإعسار وتثبت ديناً في ذمته وليس كذلك نفقة الأقارب. فإن فضل شيء صرفه عن ولده الصغير؛ لأن نفقته ثبتت [بنص القرآن] والسنة وزكاة فطرته إجماع بخلاف فطرة الأب. فإن فضل شيء صرفه عن أبيه، ثم عن أمه، ثم عن ولده الكبير. وهذا ما ذكره في "المهذب" تفريعاً على هذا الوجه؛ اتباعاً للقاضي أبي الطيب والماوردي، قال [الرافعي]: وهو الأظهر.

стр. 2621

وقد حكى القاضي الحسين وجهاً آخر على هذا: أنه يقدم بعد فطرة نفسه وزوجته فطرة الأب، ثم الأم، ثم الولد الصغير، ثم الكبير. وحكى البندنيجي والفوراني [وجهاً]: أنه يقدم فطرة نفسه، ثم [فطرة] زوجته، ثم ولده الصغير، ثم ولده الكبير، [ثم الأب فالأم. ولو] اجتمع الأب والأم فثلاثة أوجه مبنية على أيهما مقدم في النفقة، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: [تقدم نفقة الأب] فعلى هذا تقدم فطرته. والثاني: تقدم نفقة الأم فعلى هذا تقدم فطرتها. والثالث: تقسم بينهما وعلى هذا قال أبو حامد: يقسم الفاضل بينهما إن شاء وإن شاء أخرجه عمن شاء منهما. قال في "البحر": ينبغي أن يقال: يخرج عمن شاء منهما ولا يقسم؛ لأنا هذا تفريع على قول الترتيب وأداء التمام، [لا] على قول القسمة وترك الترتيب. والصحيح: أن الأب أولى. وهذا إذا اجتمع متفاوتون في الدرجة، فلو فضل صاع بعد فطرته واستوى الباقون في الإنفاق، فهل يقسم بينهم أو يتخير؟ فيه وجهان في "الوسيط" وغيره قال الرافعي: ولم يتعرضوا للإقراع هاهنا، وله مجال في نظائره. قال: وقيل يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه؛ لأنها [تتبع النفقة] ونفقتها تجب بحكم المعاوضة فتثبت في الذمة بخلاف نفقة غيرها فكانت آكد، قال في "الوجيز": ولأن فطرتها دين، والدين يمنع وجوب هذه الزكاة.

стр. 2622

قال الرافعي: وصاحب الوجه الأول قد يمنع في هذه الصورة كونها تصير ديناً في الذمة، [وإن أراد أنها تكون ديناً في الذمة] في الجملة فنفقة القريب كذلك، وهذا الوجه حكاه أبو إسحاق المروزي، وقال الإمام: إنه من غلطات المذهب. فإذا قلنا به قدم فطرة نفسه ثم من ذكرناه. قال البندنيجي والمتولي: والمذهب تقديم فطرته على فطرتها. والوجهان متوافقان على تقديم فطرتها على الأقارب، وقد حكى وجه يعزى إلى ابن أبي هريرة: أنه يقدم فطرة نفسه ثم أقاربه ثم الزوجة؛ لأن علقة القرابة لا تنقطع، بخلاف الزوجية، وقال الإمام: هذا لا أرى له وجهاً، ولم يذكره إلا بعض المصنفين. قال: وقيل: يبدأ بفطرة نفسه ثم هو بالخيار في حق غيره؛ لقوله-﵊: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"، قال الإمام وهذا لا وجه له عندي. وقيل: هو بالخيار في حق نفسه وحق غيره، لأن كل واحد لو انفرد لوجبت فطرته، وقال الإمام: لعل قائله تلقى مذهبه من مذهب الإيثار في النفقة لما رأى الفطرة متلقاة من النفقة، وهو ساقط من جهة أن الفطرة قربة ولا إيثار في القرب، ولست أعرف خلافاً في [أن] من وجد من الماء ما يكفيه لطهارته لم يكن له أن يؤثر به رفيقه ليتطهر به وما يتخيله من أمر النفقة لا أصل [له]؛ فإنا لم نتبع الفطرة النفقة على معنى معقول حتى [يلزم تنزيل] الفرع على الأصل إن كان ينتظم ذلك، وإنما اتبعنا فيه الخبر. وادعى الشيخ أبو حامد- ﵀ – أن هذا الوجه ظاهر المذهب؛ لأنه قال في "المختصر": ومن دخل عليه شوال وعنده قوت وقوت من يقوت يومه وما يؤدي به زكاة الفطر عنه وعنهم أداه فإن لم يكن عنده بعد قوت اليوم إلا ما يؤدي عن بعضهم [أدى عن بعضهم]. فأطلق الأداء عن البعض إطلاقاً؛ فدل على تخيره. وال الرافعي: إنه الذي رجحه القاضي الروياني، فإذا قلنا به لمن أراد أن يوزع الصاع هل له أن يفعل ذلك؟ نقل الإمام [فيه] وجهين، ووجه الجواز: صيانة البعض عن

стр. 2623

الحرمان ووجه المنع- وهو الأصح عنده -: نقصان المخرج عن قدر الواجب في حق الكل مع أنه لا ضرورة إليه، والوجهان كما قال في "الوسيط" على [قولنا]: إن من لم يجد إلا بعض الصاع يخرجه، فإن لم يلزمه إخراجه لم يجز التوزيع وجهاً واحداً. قال الرافعي: وقد أورد المسعودي وجه التوزيع إيراداً يشعر بأنه يتعين عليه ذلك محافظة على الجوانب. قلت: وهو مصرح به كذلك في الإبانة والبحر وابن يونس والقاضي الحسين ذكره هكذا فيما فضل عن فطرة نفسه فقال: إذا كان معه صاعان فأخرج أحدهما عن نفسه – فالصاع الآخر يجب توزيعه على من تلزمه نفقته. وهكذا أورده المتولي والإمام عن الصيدلاني وقال: إنه [ركيك مع تفاوت الرتب] ولا ينقدح إلا حيث ينقدح الإيثار. وقد حكى الماوردي في المسألة وجهاً آخر: أنه يخرج الفاضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته إذا كان صاعاً عن واحد لا بعينه ليحتسب [الله به] عمن شاء؛ لأنه [لو] كان واجد الفطرة جميعهم لم يلزمه أن يعينها عن كل واحد منهم؛ فكذا إذا كان واجد الفطرة واحداً منهم لا يلزمه أن يعينها عن واحد منهم. قلت: وهذا الوجه يظهر بناؤه على أن [فطرة] من تلزمه نفقته تجب ليه ابتداء لاتحملا وبه صرح الإمام حيث قال في آخر الفصل: [إنا] إذا قلنا: الوجوب [يلاقي] المخرج ابتداء لا تحملا فلا معنى للتقديم والتأخير. نعم إن عين من قلنا إنه مؤخر فسد بتعيينه ما أخرجه وكان [هذا] كما لو نوى إخراج الزكاة عن بضاعته التي بالري فإذا هي تالفة- وسنذكره - أما إذا قلنا: إن المخرج يتحملها عن المنفق عليه فلابد من تعيين من يخرج عنه بالقصد، وإن كان لا يجب عليه مراجعته فهي استنابة شرعية قهرية. قلت: وقد اقتضى كلام الإمام أن الخلاف فيمن يستحق التقديم في الفطرة جار على قولنا: [إن المخرج يلقاه الوجوب ابتداء أو تحملاً، ولا شك في ظهوره

стр. 2624

إذا قلنا]: إنه يتحمل، أما إذا قلنا: إن الوجوب يلقاه ابتداء، فلا يظهر جريانه؛ إذ لا أثر له؛ فإن من [لم يخرج] عنه إذا كان موسراً – وهو إنما يتصور في الزوجة – لا يجب [عن نفسه على هذا القول كما سيأتي ومن أخرج عنه غير مثاب، والله أعلم. تنبيه: قول الشيخ: "فإن وجد بعض ما يؤدي عن البعض"، ظاهره أنه وجد ما يؤدي عن بعض من تلزمه نفقته مع وجدانه ما يؤديه عن فطرة نفسه، وإذا كان كذلك لم يستقم قوله من بعد: "وقيل: يقدم فطرة الزوجة على فطرة نفسه"؛ فإن هذا القول يقتضي أن الموجود صاع واحد لا غير، وأيضاً فإنه جعل الشرط في وجوب فطرة من تلزمه نفقته أن تكون فطرة نفسه قد وجبت عليه وإذا وجب عليه إخراج الصاع الذي قدر عليه عن زوجته لم تكن فطرة زوجته قد وجبت عليه وجواب هذا أنه أراد: من صلح لأن تجب عليه فطرة نفسه في الجملة وجب عليه فطرة كل من تلزمه نفقته ... إلى آخره، والله أعلم. قال: وإن زوج أمته بعبد أو حر معسر أي: وسلمها إليه ليلاً أو نهاراً، أو تزوجت موسرة بحر معسر- ففيه قولان. القولان في هذه المسألة بالنقل والتخريج؛ لأن الشافعي – ﵀ – نص كما حكاه البندنيجي وغيره فيما إذا زوج أمته من عبد أو مكاتب أو حر معسر على وجوب فطرتها على سيدها، وقال في الحرة إذا تزوجت بحر معسر: "لا يبين لي أن تجب عليها؛ لأنها مفروضة على غيرها"، فاختلف الأصحاب لأجل ذلك في المسألة، فالأكثرون منهم – كما قال الماوردي والإمام – قالوا: لا فرق بين الحرة والأمة؛ لأن الحرة من نفسها بمنزلة الأمة من مولاها؛ لأن نفقة الحرة قبل التزويج على نفسها في مالها، ونفقة الأمة قبل التزويج على مولاها في ماله، فإذا قال الشافعي – ﵀ – في المولى: "يجب عليه زكاتها"، وجب أن يكون على الحرة في مالها، وإذا قال في الحرة: "لا تجب عليها"، وجب ألا يكون على المولى، فحينئذ يكون في المسألة قولان كما حكاهما الشيخ ﵀. قال: أحدهما: يجب على السيد فطرة الأمة، وعلى الحرة فطرة نفسها؛ لأن الزوج المعسر الذي لا يقدر على إخراج الزكاة بمنزلة المعدوم، ولو لم يكن لها زوج وجبت على المولى والحرة؛ فكذلك هاهنا.

стр. 2625

والثاني: لا تجب؛ لأنها زكاة واجبة على الزوج، فوجب أن تسقط بعجزه عنها كزكاة نفسه. قال القاضي أبو الطيب: وفي "المهذب" و"البحر": وقد قال بعض أصحابنا: إن القولين ينبنيان على أن زكاة الفطر تجب على الزوج بطريق التحمل أو ابتداءً؟ فإن قلنا: تحملاً، فإذا لم يكن من أهل التحمل بقي وجوبها على السيد والحرة، وإن قلنا: تجب ابتداءً، سقطت، ولا تجب على المولى والحرة. وهذا لذي قاله هو الذي قاله البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والفوراني والغزالي لا غير، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الخلاف في أن الفطرة تجب على الزوج تحملاً أو ابتداء [فيه] وجهان، فكيف يمكن بناء القولين على وجهين؟ وهذا يمكن جوابه من وجهين: أحدهما: أنا قد ذكرنا أن بعضهم أثبت الخلاف قولين، وعلى هذا لا إشكال. والثاني: أنا وإن سلمنا أنه وجهان، فالوجهان مخرجان من أصول الشافعي – ﵀ – وحينئذ فلا يمتنع بناء قوليه على أصليه، والله أعلم. النظر الثاني: أنا قد حكينا عن رواية الرافعي عن أبي عباس الروياني: أنا إن قلنا: إنها وجبت بطريق التحمل، فهل المؤدي كالضامن أو كالمحال عليه؟ فيه قولان، فإن قلنا: إنه كالضامن – وهو ما حكيته عن البندنيجي [و] صاحب "البحر" لا غير- اتجه ما قالوه من البناء على بعد، وإن قلنا: إنه كالمحال عليه، فلا وجه لمطالبة المحتمل عنه عند إعسار المحتمل؛ كما لا مطالبة [للمحتال] على المحيل عند إعسار المحال عليه. قال: وقيل: تجب على السيد ولا تجب على الحرة؛ وهو ظاهر المنصوص، أي: في المسألتين؛ لأن المولى لا يلزمه تسليم الأمة إلى زوجها نهاراً، وإنما يلزمه ذلك ليلاً، فإذا أسلمها نهاراً كان متبرعاً به، فلم تسقط بذلك زكاة واجبة عليه، وليس كذلك الحرة؛ فإنه يجب عليها بالعقد تسليم نفسها إلى زوجها ليلاً ونهاراً، فانتقلت فطرتها عنها بغير اختيارها فلم تعد إليها، ولأن الأمة اجتمع فيها في التحمل سببان: الملك والزوجية، والملك أقوى بدليل تقديمه في الاستخدام على النكاح؛ فإن السيد يسافر بها دون إذن الزوج، ولا يسافر بها الزوج إلا بإذن السيد؛ فتعلق الوجوب بالسبب الأقوى، ولا كذلك الحرة؛ فإنه لم يوجد في حقها إلا

стр. 2626

سبب واحد، فأنيط الحكم به. وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي وغيره كما قال البندنيجي، وهي المصححة في "الروضة". والصحيح عند الشيخ أبي علي وغيره: الطريقة الأولى، وما ذكره أبو إسحاق منتقض بما إذا كان [الزوج] موسراً؛ فإن فطرتها واجبة على الزوج وجهاً واحداً، أبي أو رضي، وما ذكره موجود فيه. وأشار الإمام- ﵀ – إلى ضعف الفرق بقوله: وذهب بعض أصحابنا إلى محاولة الفرق، ولا يكاد ينقدح. ثم الفرق الأول إنما هو على قولنا: إن الأمة إذا سلمت ليلاً فقط، لا تجب نفقتها كما هو الصحيح، أما إذا قلنا: تجب فلا يتأتى؛ لأنه تبرع فعلى هذا تكون كالحرة سواء في الفطرة، وإن قلنا: [إن] الواجب بتسليمها ليلاً نصف النفقة، فينبغي على سياق هذا: أن يسقط النصف ويجب النصف، وإن وجد التسليم ليلاً ونهاراً؛ كما لو كان نصف العبد لقادر على فطرته، [ونصفه لعاجز عنها، وقلنا: لايباع العبد في فطرته، أو نصفه حر وهو عاجز عن الفطرة]، ونصفه لقادر عليها، فقد صرح الإمام بذلك فيما إذا سلمها ليلاً دون النهار وأبداه في "البحر" احتمالاً. ولا فرق في جريان الطريقتين في الحرة – كما قال البندنيجي وتبعه في "البحر" – بين أن يكون الإعسار مقارناً لعقد النكاح أو طارئاً عليه. ثم حيث قلنا: لا يجب علها فطرة نفسها، فالأولى أن تخرجها، نص عليه في "المختصر". ولو نشزت، فسقطت فطرتها عن الزوج لسقوط نفقتها، فقد قال الإمام – ﵀: الوجه عندي القطع بإيجاب الفطرة عليها وإن قلنا: إن الوجوب لا يلاقيها؛ لأنها بالنشوز أخرجت نفسها عن إمكان التحمل، وبه صرح ابن الصباغ في آخر باب صدقة الغنم. قلت: ويؤيده أن الماوردي – ﵀ – لم يحك خلافاً في أنها تجب على السيد إذا لم يسلم الأمة إلى الزوج، وهو ما نص عليه في "المختصر"، أما لو تزوجت

стр. 2627

الحرة الموسرة بعبد أو مكاتب، وقلنا: لا تجب على المكاتب فطرة نفسه، فلا شك أن فطرتها لا تجب على الزوج، وهل تجب عليها؟ فيها طريقان عند المراوزة: أحداهما: فيها قولان؛ كما لو تزوجت بحر معسر، وهي التي أوردها البندنيجي لا غير. والثانية: القطع بالوجوب؛ [لأن العبد أو المكاتب] ليس بأهل لأن تجب عليه فطرة نفسه؛ فلا يصلح للتحمل، [بخلاف الحر فإنه من أهل التحمل] في الجملة. قلت: والطريقان يمكن أخذهما من أن القولين فيما إذا تزوجت بحر أصلان بأنفسهما وعليهما ما سلف أو هما مبنيان على أن الفطرة تجب على الزوج تحملاً أو ابتداء؟ فإن قلنا: هما أصلان –لما ذكرناه من العلة – جرياً ها هنا؛ لأن علتهما موجودة، وإن قلنا: هما مبنيان على ما تقدم، قطعنا هنا بالوجوب عليها لما ذكرناه، وحينئذ يكون الطريقان في طريقة العراقيين أيضاً، وقضية ذلك: أن تطرد الطريقة القاطعة بالوجوب عليها فيما إذا زوج أمته بعبد، وإن قلنا: إنه [لو] زوجها بحر معسر كان في فطرتها القولان لما ذكرناه من المعنى، وبه صرح الفوراني والقاضي الحسين وغيرهما. قال: وتجب صدقة الفطر إذا أدرك آخر جزء من شهر رمضان، وغربت الشمس في أصح القولين؛ لقول ابن عمر – ﵁: إن رسول الله صلى الله ليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان، [وقول ابن عباس – ﵄: إنه ﵇ فرض زكاة الفطر من رمضان] [طهرة] للصائم. فأضاف الزكاة إلى الفطر المطلق من صوم رمضان. وأول فطر يحصل إنما هو بغروب الشمس في آخر أيامه؛ فدل على أن ذلك سببها الموجب لها، وهذا هو الجديد، ووافق الشيخ على تصحيحه من عداه، وهو في هذه العبارة متبع للشافعي – ﵀ –فإنه قال في "المختصر": وإنما يجب عليه أن يزكي عمن كان عنده منهم في شيء من نهار آخر يوم من شهر رمضان وغابت الشمس ليلة شوال، فيزكي عنه. فإن قلت: إدراك آخر جزء من شهر رمضان لا يدرك إلا بغروب الشمس ليلة

стр. 2628

العيد، فلأي معنى قال: وغربت الشمس؟ قلت: ليبين لك أن مجموع الزمنين – أعني: آخر جزء من شهر رمضان، وأول جزء من ليلة العيد هو سبب الوجوب، وهو مراد الشافعي – ﵀ – بما حكيناه عنه؛ ولذلك قال القاضي أبو الطيب: كأن الشافعي اعتبر آخر جزء من آخر يوم من رمضان إلى أول جزء من ليلة شوال، قال الماوردي – ﵀: لأن زكاة الفطر إما أن تجب بخروج رمضان أو بدخول شوال، وغروب الشمس يجمع الأمرين؛ فكان تعلق الزكاة به أولى. قال: وتجب بطلوع الفجر في الثاني؛ لقوله – ﵇:"أغنوهم عن الطَّلب في هذا اليوم"، وأراد به يوم الفطر؛ فدل على أن الوجوب يتعلق باليوم دون الليلة؛ ولأنها عبادة تتعلق بالفطر من رمضان؛ فوجب أن تتعلق بيوم الفطر كصلاة العيد، وهذا ما نص عليه في القديم. والقائلون بالأول قالوا: الخبر حجة لنا؛ لأن الإغناء عن الطلب في هذا اليوم يقتضي أن يكون الإعطاء سابقاً؛ حتى يكون غنيّاً من أول النهار إلى آخره، والقياس لا حجة فيه؛ لأنا لا نسلم أن صلاة العيد تتعلق بالفطر من صوم رمضان على أنا نقلبه عليهم فنقول: وجب ألا تتعلق بطلوع الفجر من يوم الفطر كصلاة العيد. وقد حكى المراوزة قولاً ثالثاً: أنها تجب [بإدراك مجموع] الوقتي، ونسبه القاضي الحسين والإمام إلى حكاية صاحب "التلخيص"، وقال الإمام: إنه لا يكاد يتجه. ووجَّهه القاضي بأن حقيقة الفطر إنما تدخل بطلوع الفجر؛ إذ الليل غير قابل للصوم؛ فاشترطنا كلا الطرفين: أحدهما: لدخول وقت الفطر، والثاني: لتحقق الفطر. وقال في "البحر": إن هذا القول مخرج ذكره صاحب "التلخيص"، ولا يعرف

стр. 2629

للشافعي ﵀ – وعن الصيدلاني: أن الأصحاب استنكروه. التفريع: إن قلنا بالأول، فلو اشترى مملوكاً، أو تزوج امرأة أو وُلد له قريب، أو أسلم بعد الغروب – لم يجب شيء. ولو وجد ذلك قبل الغروب، واستمر الوجود إلى أن غربت الشمس – وجبت الفطرة، ولا يضر الموت بعد ذلك، إلا إذا حصل [قبل] التمكن من إخراج الفطرة؛ فإن في سقوطها وجهين في "تعليق" القاضي أبي الطيب عن ابن سريج: أحدهما: نعم؛ كزكاة المال. والثاني: لا؛ لأنها تجب [في الذمة]، ولا تعلق لها بالعين أصلاً، وتخالف زكاة المال؛ فإنها تتعلق بالعين تعلق شركة أو رهن عند العراقيين. وقد حكى الإمام والمتولي والبغوي الوجهين من غير عزو إلى ابن سريج، وكذا الشيخ في "المهذب"،والذي أورده البندنيجي وصاحب "البحر" منهما: الثاني، والوجهان يجريان فيما لو تلف ماله بعد الوجوب وقبل التمكن، كما حكاه القاضي أبو الطيب في أواخر باب صدقة الغنم والمشهور منهما: الثاني. فإن قلنا بالثاني أجرينا ما ذكرناه من التفصيل قبل الغروب وبعده، قبل طلوع الفجر وبعده. [وإن قلنا بالثالث فلو وجد ذلك قبل الغروب، وزال قبل طلوع الفجر، أو حدث بعد الغروب]، واستمر إلى طلوع الفجر – لم تجب. نعم، لو ملك عبداً قبل الغروب، وغربت الشمس وهو في ملكه، ثم مات السيد وله وارث معين، وبقي العبد حتى طلع الفجر – فالمذهب على الثالث: أنه لا تجب فطرته، وحكى الشيخ أبو علي [أن] من أصحابنا من أوجبها؛ بناء على القديم في أن الوارث يبني

стр. 2630

على حول الموروث. ولو ملك عبداً قبل الغروب، وباعه [بعده]، ثم اشتراه قبل طلوع [الفجر]، وطلع الفجر وهو في ملكه – ففي وجوب فطرته عليه على هذا القول وجهان، بناء على أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد، وعلى القولين الأولين يجب بلا خلاف. وعلى الأقوال كلها: لو ملك عبداً، أو ولد له ولد، أو تزوج امرأة بعد الغروب، ثم زال الملك والزوجية، ومات الولد قبل طلوع الفجر- لا زكاة بسبب ذلك، والله أعلم. قال: والأفضل أن تخرج قبل صلاة العيد؛ لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة" وهذا ما نص عليه في القديم كما قال أبو الطيب وابن الصباغ، لكن ما المراد بالقبلية المذكورة؟ في "التهذيب" أنها تحصل بالتفرقة في ليلة العيد ويوم العيد قبل الصلاة، و [قال القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي: إن الأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة]، وهو الذي يقتضيه ظاهر الخبر، وهو الأولى للخروج من الخلاف في جواز التعجيل. [قال: ويجوز إخراجها في جميع شهر رمضان؛ لأن إخراجها قبل ذلك بيوم أو يومين جائز بإجماع الخصم، وهو مالك – ﵀ – وليه يدل ما رواه أبو داود: أن ابن عمر
следующие страницы →