← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

سبب واحد، فأنيط الحكم به. وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي وغيره كما قال البندنيجي، وهي المصححة في "الروضة". والصحيح عند الشيخ أبي علي وغيره: الطريقة الأولى، وما ذكره أبو إسحاق منتقض بما إذا كان [الزوج] موسراً؛ فإن فطرتها واجبة على الزوج وجهاً واحداً، أبي أو رضي، وما ذكره موجود فيه. وأشار الإمام- ﵀ – إلى ضعف الفرق بقوله: وذهب بعض أصحابنا إلى محاولة الفرق، ولا يكاد ينقدح. ثم الفرق الأول إنما هو على قولنا: إن الأمة إذا سلمت ليلاً فقط، لا تجب نفقتها كما هو الصحيح، أما إذا قلنا: تجب فلا يتأتى؛ لأنه تبرع فعلى هذا تكون كالحرة سواء في الفطرة، وإن قلنا: [إن] الواجب بتسليمها ليلاً نصف النفقة، فينبغي على سياق هذا: أن يسقط النصف ويجب النصف، وإن وجد التسليم ليلاً ونهاراً؛ كما لو كان نصف العبد لقادر على فطرته، [ونصفه لعاجز عنها، وقلنا: لايباع العبد في فطرته، أو نصفه حر وهو عاجز عن الفطرة]، ونصفه لقادر عليها، فقد صرح الإمام بذلك فيما إذا سلمها ليلاً دون النهار وأبداه في "البحر" احتمالاً. ولا فرق في جريان الطريقتين في الحرة – كما قال البندنيجي وتبعه في "البحر" – بين أن يكون الإعسار مقارناً لعقد النكاح أو طارئاً عليه. ثم حيث قلنا: لا يجب علها فطرة نفسها، فالأولى أن تخرجها، نص عليه في "المختصر". ولو نشزت، فسقطت فطرتها عن الزوج لسقوط نفقتها، فقد قال الإمام – ﵀: الوجه عندي القطع بإيجاب الفطرة عليها وإن قلنا: إن الوجوب لا يلاقيها؛ لأنها بالنشوز أخرجت نفسها عن إمكان التحمل، وبه صرح ابن الصباغ في آخر باب صدقة الغنم. قلت: ويؤيده أن الماوردي – ﵀ – لم يحك خلافاً في أنها تجب على السيد إذا لم يسلم الأمة إلى الزوج، وهو ما نص عليه في "المختصر"، أما لو تزوجت

стр. 2627

الحرة الموسرة بعبد أو مكاتب، وقلنا: لا تجب على المكاتب فطرة نفسه، فلا شك أن فطرتها لا تجب على الزوج، وهل تجب عليها؟ فيها طريقان عند المراوزة: أحداهما: فيها قولان؛ كما لو تزوجت بحر معسر، وهي التي أوردها البندنيجي لا غير. والثانية: القطع بالوجوب؛ [لأن العبد أو المكاتب] ليس بأهل لأن تجب عليه فطرة نفسه؛ فلا يصلح للتحمل، [بخلاف الحر فإنه من أهل التحمل] في الجملة. قلت: والطريقان يمكن أخذهما من أن القولين فيما إذا تزوجت بحر أصلان بأنفسهما وعليهما ما سلف أو هما مبنيان على أن الفطرة تجب على الزوج تحملاً أو ابتداء؟ فإن قلنا: هما أصلان –لما ذكرناه من العلة – جرياً ها هنا؛ لأن علتهما موجودة، وإن قلنا: هما مبنيان على ما تقدم، قطعنا هنا بالوجوب عليها لما ذكرناه، وحينئذ يكون الطريقان في طريقة العراقيين أيضاً، وقضية ذلك: أن تطرد الطريقة القاطعة بالوجوب عليها فيما إذا زوج أمته بعبد، وإن قلنا: إنه [لو] زوجها بحر معسر كان في فطرتها القولان لما ذكرناه من المعنى، وبه صرح الفوراني والقاضي الحسين وغيرهما. قال: وتجب صدقة الفطر إذا أدرك آخر جزء من شهر رمضان، وغربت الشمس في أصح القولين؛ لقول ابن عمر – ﵁: إن رسول الله صلى الله ليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان، [وقول ابن عباس – ﵄: إنه ﵇ فرض زكاة الفطر من رمضان] [طهرة] للصائم. فأضاف الزكاة إلى الفطر المطلق من صوم رمضان. وأول فطر يحصل إنما هو بغروب الشمس في آخر أيامه؛ فدل على أن ذلك سببها الموجب لها، وهذا هو الجديد، ووافق الشيخ على تصحيحه من عداه، وهو في هذه العبارة متبع للشافعي – ﵀ –فإنه قال في "المختصر": وإنما يجب عليه أن يزكي عمن كان عنده منهم في شيء من نهار آخر يوم من شهر رمضان وغابت الشمس ليلة شوال، فيزكي عنه. فإن قلت: إدراك آخر جزء من شهر رمضان لا يدرك إلا بغروب الشمس ليلة

стр. 2628

العيد، فلأي معنى قال: وغربت الشمس؟ قلت: ليبين لك أن مجموع الزمنين – أعني: آخر جزء من شهر رمضان، وأول جزء من ليلة العيد هو سبب الوجوب، وهو مراد الشافعي – ﵀ – بما حكيناه عنه؛ ولذلك قال القاضي أبو الطيب: كأن الشافعي اعتبر آخر جزء من آخر يوم من رمضان إلى أول جزء من ليلة شوال، قال الماوردي – ﵀: لأن زكاة الفطر إما أن تجب بخروج رمضان أو بدخول شوال، وغروب الشمس يجمع الأمرين؛ فكان تعلق الزكاة به أولى. قال: وتجب بطلوع الفجر في الثاني؛ لقوله – ﵇:"أغنوهم عن الطَّلب في هذا اليوم"، وأراد به يوم الفطر؛ فدل على أن الوجوب يتعلق باليوم دون الليلة؛ ولأنها عبادة تتعلق بالفطر من رمضان؛ فوجب أن تتعلق بيوم الفطر كصلاة العيد، وهذا ما نص عليه في القديم. والقائلون بالأول قالوا: الخبر حجة لنا؛ لأن الإغناء عن الطلب في هذا اليوم يقتضي أن يكون الإعطاء سابقاً؛ حتى يكون غنيّاً من أول النهار إلى آخره، والقياس لا حجة فيه؛ لأنا لا نسلم أن صلاة العيد تتعلق بالفطر من صوم رمضان على أنا نقلبه عليهم فنقول: وجب ألا تتعلق بطلوع الفجر من يوم الفطر كصلاة العيد. وقد حكى المراوزة قولاً ثالثاً: أنها تجب [بإدراك مجموع] الوقتي، ونسبه القاضي الحسين والإمام إلى حكاية صاحب "التلخيص"، وقال الإمام: إنه لا يكاد يتجه. ووجَّهه القاضي بأن حقيقة الفطر إنما تدخل بطلوع الفجر؛ إذ الليل غير قابل للصوم؛ فاشترطنا كلا الطرفين: أحدهما: لدخول وقت الفطر، والثاني: لتحقق الفطر. وقال في "البحر": إن هذا القول مخرج ذكره صاحب "التلخيص"، ولا يعرف

стр. 2629

للشافعي ﵀ – وعن الصيدلاني: أن الأصحاب استنكروه. التفريع: إن قلنا بالأول، فلو اشترى مملوكاً، أو تزوج امرأة أو وُلد له قريب، أو أسلم بعد الغروب – لم يجب شيء. ولو وجد ذلك قبل الغروب، واستمر الوجود إلى أن غربت الشمس – وجبت الفطرة، ولا يضر الموت بعد ذلك، إلا إذا حصل [قبل] التمكن من إخراج الفطرة؛ فإن في سقوطها وجهين في "تعليق" القاضي أبي الطيب عن ابن سريج: أحدهما: نعم؛ كزكاة المال. والثاني: لا؛ لأنها تجب [في الذمة]، ولا تعلق لها بالعين أصلاً، وتخالف زكاة المال؛ فإنها تتعلق بالعين تعلق شركة أو رهن عند العراقيين. وقد حكى الإمام والمتولي والبغوي الوجهين من غير عزو إلى ابن سريج، وكذا الشيخ في "المهذب"،والذي أورده البندنيجي وصاحب "البحر" منهما: الثاني، والوجهان يجريان فيما لو تلف ماله بعد الوجوب وقبل التمكن، كما حكاه القاضي أبو الطيب في أواخر باب صدقة الغنم والمشهور منهما: الثاني. فإن قلنا بالثاني أجرينا ما ذكرناه من التفصيل قبل الغروب وبعده، قبل طلوع الفجر وبعده. [وإن قلنا بالثالث فلو وجد ذلك قبل الغروب، وزال قبل طلوع الفجر، أو حدث بعد الغروب]، واستمر إلى طلوع الفجر – لم تجب. نعم، لو ملك عبداً قبل الغروب، وغربت الشمس وهو في ملكه، ثم مات السيد وله وارث معين، وبقي العبد حتى طلع الفجر – فالمذهب على الثالث: أنه لا تجب فطرته، وحكى الشيخ أبو علي [أن] من أصحابنا من أوجبها؛ بناء على القديم في أن الوارث يبني

стр. 2630

على حول الموروث. ولو ملك عبداً قبل الغروب، وباعه [بعده]، ثم اشتراه قبل طلوع [الفجر]، وطلع الفجر وهو في ملكه – ففي وجوب فطرته عليه على هذا القول وجهان، بناء على أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد، وعلى القولين الأولين يجب بلا خلاف. وعلى الأقوال كلها: لو ملك عبداً، أو ولد له ولد، أو تزوج امرأة بعد الغروب، ثم زال الملك والزوجية، ومات الولد قبل طلوع الفجر- لا زكاة بسبب ذلك، والله أعلم. قال: والأفضل أن تخرج قبل صلاة العيد؛ لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة" وهذا ما نص عليه في القديم كما قال أبو الطيب وابن الصباغ، لكن ما المراد بالقبلية المذكورة؟ في "التهذيب" أنها تحصل بالتفرقة في ليلة العيد ويوم العيد قبل الصلاة، و [قال القاضي أبو الطيب والماوردي والبندنيجي: إن الأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة]، وهو الذي يقتضيه ظاهر الخبر، وهو الأولى للخروج من الخلاف في جواز التعجيل. [قال: ويجوز إخراجها في جميع شهر رمضان؛ لأن إخراجها قبل ذلك بيوم أو يومين جائز بإجماع الخصم، وهو مالك – ﵀ – وليه يدل ما رواه أبو داود: أن ابن عمر

стр. 2631

كان يؤديها قبل الصلاة بيوم أو يومين، وإذا جاز التعجيل] بيوم أو يومين قلنا بجوازه في شهر رمضان قياساً، والجامع: إخراجها في جزء من رمضان، وقد وجهه الأصحاب بأنها تجب بأمرين يختصان بها، وهام: إدراك رمضان والفطر، وما وجب بأمرين يختصان به جهاز تقديمه على أحدهما كزكاة المال والكفارة؛ فإنه يجوز تعجيل الزكاة بعد ملك النصاب وقبل الحول للخبر كما سنذكره، ويجوز إخراج الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث بوفاق الخصم. وقولنا: يختصان به، احتراز من الإسلام والحرية؛ فإنهما لا يختصان بها، وإدراك رمضان [ووقت الفطر يختصان بها]. قلت: وهذا القياس منتظم على قولنا: إن وقت الوجوب الغروب أو مجموع الوقتين، أما إذا قلنا: وقته طلوع الفجر، فلا؛ لأن من ولد له ولدن أو ملك عبداً بعد الغروب، وبقي إلى طلوع الفجر – تجب فطرته وإن لم يدرك رمضان؛ فدل على أن إدراكه على هذا القول ليس بسبب، وإذا كان كذلك فلا سبب لها إلا واحد، وقضية ذلك [أنه لا يجوز] التعجيل؛ لأن ما له سبب واحد لا يجوز تعجيله عليه، وهذا لم أره لأحد من الأصحاب، غير أن البندنيجي والماوردي حكياً أن أبا عبيد بن حروبويه من أصحابنا قال: لا يجوز تعجيل زكاة المال أصلاً، وذلك في زكاة الفطر أولى؛ لأنها فرعه.

стр. 2632

[فإن قلت: من قال بأنها تجب] بطلوع الفجر يجوز أن يجعل وجود الشخص في نفسه سبباً ثانياً؛ لأن زكاة المال عن المال، وهي أحد سببيه؛ فكذا هاهنا، [وحينئذ فيكون] التعجيل بتقدم أحد السببين؛ فجاز كما في زكاة المال. قلت: لو كان هذا المأخذ لجاز إخراجها في جميع السنة كما قاله أبو حنيفة – ﵀ – وبعض أصحابنا، كما حكاه القاضي الحسين والرافعي في باب تعجيل الصدقة؛ لاعتقادهما أن وجوده في نفسه سبب، والذي جزم به العراقيون والجمهور ممن حكى أن الوجوب متعلق بطلوع الفجر: أنه لا يجوز إخراجها قبل رمضان؛ فانتفى هذا الاحتمال. ولا ينجي من هذا ما قاله القاضي أبو الطيب وغيره في الرد على أبي حنيفة – ﵀: من أن وجوده وإن عد سبباً [في وجوبها] فالصوم والفطر سببان أيضاً، والشيء إذا تعلق بثلاثة أسباب لا يجوز تقديمه على اثنين منها، دليله: كفارة الظهار؛ فإن النكاح سببها، ولا يجوز تقديمها على الظهار والعود؛ فكذا هاهنا. انتهى. ولأن التفريع على أن إدراك رمضان ليس بسبب، وإنما السبب وجوده في نفسه وطلوع الفجر، وحينئذ فيكون التقديم على رمضان تقديماً على أحد السببين لا غير؛ فانتفى الجواب. وكل ذلك دليل على ضعف القول بأنها تجب بطلوع الفجر، فافهمه، والله أعلم. وقد وافق الشيخ – ﵀ – الجهور في جواز التعجيل في رمضان، إلا المتولي وصاحب "البحر" تبعاً للفوراني في "الإبانة"؛ فإنه قال: جواز التعجيل يختص بطلوع فجر أول يوم من رمضان إلى غروبها من آخر يوم منه. [وإن] قلنا: الوجوب يتعلق بالغروب وإلى طلوع الفجر يوم العيد على القول الآخر، وما قبل طلوع الفجر أول يوم من رمضان إلى غروب الشمس [من] آخر يوم من شعبان – لا يجوز؛

стр. 2633

لأن وجوب الصدقة بالفطر عن رمضان؛ فاعتبر الشروع في صوم رمضان كما اعتبر في سائر الزكوات الشروع في سببها وهو الحول. فرع: إذا أدى زكاة الفطر عن عبده قبل غروب الشم، ثم باعه – يلزم المشتري أداء زكاة الفطر عنه. ولو مات المخرج، فانتقل العبد إلى وارثه المعين، هل عليه إخراج الفطرة عنه؟ فيه قولان مخرجان، [قال] في "البحر": وقد نص في زكاة المال إذا جلها، ثم مات: يجزئ عن ورثته، وسنذكره. قال: ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر؛ لقوله – ﵇: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، فإن أخرجها فيه بعد الصلاة أجزأه مع الكراهة، كما قال القاضي أبو الطيب؛ لما ذكرناه من خبر ابن عباس، وقال البندنيجي: إنه يكون تاركاً للأفضل، وهو ما يقتضيه كلام الشيخ. قال: فإن أخرها أثم؛ لمخالفة الأمر، ولزمه القضاء؛ لأنه حق مال وجب عليه وتمكن من أدائه؛ فلا يسقط عنه بفوات وقته كالزكاة، كذا قاله ابن يونس. والشيخ في "المهذب" لم يقل: كالزكاة، وكأنه – والله أعلم- إنما سكت عنه؛ لظهور الفرق؛ فإن زكاة الفطر وجبت لمصلحة في الوقت؛ بدليل اعتباره في حق سائر الناس، والوقت في زكاة المال لا مصلحة فيه؛ بدليل اختلافه باختلاف ابتداء ملك النصاب، وإنما يتعين له الوقت الأول لمصلحة أربابه؛ ولهذا لا يوصف من أداها بعده بالقضاء، ولا كذلك زكاة الفطر. فرع: إذا قلنا: إن من مات بعد الوجوب وقبل إمكان الأداء يسقط عنه

стр. 2634

الوجوب، فلو مات بعد التمكن وقبل انقضاء يوم العيد فالذي أطلقه الأصحاب: الاستقرار. قلت: وهل يأثم؟ يظهر تخريجه على ما لو مات في أثناء وقت الصلاة وقد تمكن من فعلها؛ لأن الشرع جعل وقتها موسعا ًكوقت الصلاة ولا كذلك زكاة المال كما سيأتي، والله أعلم. قال: والواجب منه صاع، أي من المخرج، برا كان أو تمراً أو غيرهما؛ لخبر أبي سعيد الخدري السابق، وقد روى الدارقطني: أن أبا سعيد ذكروا عنده صدقة رمضان فقال: "لا أخرج إلا ما كنت أخرجه في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر، أو صاعاً من حنطة، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقطٍ، فقال رجل: أو مدّاً من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية، لا أقبلها ولا أعمل بها"، وهذا نص في إخراج صاع من الحنطة، وأيضاً فقد وافق الخصم – وهو أبو حنيفة – على أن المخرج إذا كان تمراً كان الواجب صاعاً منه،

стр. 2635

فنقول له: قوت مخرج عن صدقة الفطر؛ فكان مقدراً بالصاع كالتمر. قال: بصاع رسول الله ﷺ ؛ لما روى النسائي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "المكيال على مكيال أهل المدينة، والوزن على وزن أهل مكة"، وصاع المدينة هو صاع رسول الله ﷺ . قال: وهو خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، كذا ذكره الترمذي والشافعي، واستدل له الماوردي وأبو الطيب وغيرهما بقوله – ﵇ – لكعب بن عجرة وقد آذاه هوامٌّ رأسه "احلق، ثم اذبح شاة نسكاً، أو صم [ثلاثة أيام، [أو أطعم] ثلاثة آصع] " كما أخرجه البخاري ومسلم، وروي أنه قال له: "أو أطعم ستة مساكين فرقاً من زبيب" كما أخرجه أبو داود، ووجه الدلالة من ذلك: أن القصة واحدة، وقد نقل عنه – ﵇ – أنه أمره بثلاثة آصع، وقد نقل [عنه] أنه أمره بفرق، والفرق –بتحريك الراء -: ستة عشر رطلاً، [كما قاله القتبي في كتاب الأشربة؛ فدل ذلك على أن ثلاثة آصع ستة عشر رطلاً]: إما لكون النبي ﷺ قال: ثلاثة آصع فرق، أو يكون السامع عبر عن الفرق [بالآصع وعن الآصع بالفرق]، وهو يدل على استوائهما. وأوضح من هذا الدليل [قول مالك]: أخرج لي نافع صاعاً وقال: هذا صاع أعطانيه [ابن عمر وقال: هذا صاع] رسول الله ﷺ فعيَّرته به، فكان بالعراقي خمسة أرطال وثلثاً. وروي أن الرشيد – ﵀ – حج ومعه أبو يوسف، فلمّا دخل المدينة جمع

стр. 2636

بينه وبين مالك – ﵀ – فسأل أبو يوسف مالكاً عن الصاع، فقال: خمسة أرطال وثلث، فأنكر أبو يوسف ذلك؛ لأن أبا حنيفة يعتقد أنه ثمانية أرطال؛ فاستدعى مالك – ﵀ – أهل المدينة، وسأل كل واحد منهم أن يحضر صاعه معه، فاجتمعوا ومع كل واحد منهم صاعه يقول: هذا ورثته عن أبي، وحدثني [أبي] أنه ورثه عن جدي، وأنه كان يخرج به زكاة الفطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسل، فوزنه الرشيد فإذا هو خمسة أرطال وثلث؛ فرجع أبو يوسف إلى هذا؛ لظهوره في الصحابة، واشتهاره في المدينة، وتواتر نقل الخلف عن السلف، وليس هذا لأنه عمل بقول أهل المدينة؛ [بل] لأنه خبر منهم، فرجع إليهم فهي كما رجع إليهم في [الأخبار في القبر] والمسجد وسائر ما نقلوه من آثار رسول الله ﷺ . وما تمسك به أبو حنيفة – ﵀ – من أنه ثمانية أرطال هو رواية أنس بن مالك – ﵁ – قال: كان رسول الله ﷺ "يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد" والمُدُّ: رطلان، [وهو] ضعيف. ولو صح [هذا] لم يكن فيه حجة؛ لأنه وارد في صاع الماء، وخلافنا في صاع الزكاة، وقد كانت في عهد رسول الله ﷺ آصعٌ مختلفة، وقال: أصغر الصيعان صاعنا. وقال القاضي أبو الطيب- ﵀: ولنا طريق آخر في [أن] الواجب ما ذكرناه، وهو أنه أقل ما قيل فيه، وهو مجمع على وجوبه، وما زاد [عليه] مختلف فيه: بعضهم يثبته، وبعضهم ينفيه؛ فتعارض القول فيه فلم يجب، ووجب ما أجمع عليه، [أو نقول]: الأقل ثابت بالإجماع، وما زاد متنازع فيه، والأصل براءة الذمة منه فلا يزاد بغير دليل. [و] إذا تقرر ذلك فجملة وزنه – كما قال الرافعي -: ستمائة درهم وثلاثة

стр. 2637

وتسعون درهماً وثلث درهم. قلت: و [هذا] بناء على أن الرطل البغدادي مائة وثلاثون درهماً، وقد تقدم أن الصحيح خلافه، والأصل فيه – كما قال ابن الصباغ -: الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن استهاراً. [قلت]: وعليه يدل قول الشافعي – ﵀ –في [أوائل] كتاب الزكاة من القديم: والصاع خمسة أرطال وثلث، زيادة شيء أو نقصانه. قال البندنيجي وغيره: عنى به أنه يختلف باختلاف الكيل بحسب خفته وثقله، فلو كان الاعتبار بالميزان لما وجبت الزيادة، ولما جاز الننقصان، فلو أخرج خمسة أرطال وثلثاً، وهو لا يعلم أنه صاع – لم [يجزئه. انتهى]. وقال في "البحر": إن جماعة من أصحابنا غلطوا حيث قالوا: يعتبر الوزن. وما غلَّطهم فيه هو الذي أورده الإمام في باب زكاة الثمار حيث قال: ثم الذي لا نستريب فيه أن الصاع والمد لا يعني بهما ما يحوي المد وغيره، وإنما هو مقدار موزون مضاف إلى الصاع والمد؛ فإن الصيعان يبعد ضبط أجوافها على وتيرة حتى لا تتفاوت؛ فقد تكون متسعة الأسافل متضايقة الأعالي على تخريط؛ فيعسر تساوي صاعين. ثم تفاوت الأوزان في الأنواع ليس من النادر الذي تسامح فيه، وكنت بمكة أرى ملء صاع من الحنطة المجلوبة من سراة تزن خمسة أمناء، ومثل ذلك بعينه من الحنطة المضرية أربعة أو أقل، فإذا اتفق الأئمة على مقدار موزون دل على أنهم عنوا بالصاع هذا المقدار، فالصاع في الفطرة: خمسة أرطال وثلث، ولا ينبغي للفقيه في هذا المقام أن يلاحظ التساوي [المرعي] في الربويات. قال الرافعي في كتاب الظهار: اعلم أن في قدر الفطرة ونحوها نوع إشكال؛ لأن الصيدلاني وغيره من الأئمة ذكروا أن الاعتبار في ذلك بالكيل دون الوزن، وأرادوا به أن المقدار [الذي] يحويه الصاع يختلف وزنه باختلاف جنس المكيل ثقلاً وخفة، والواجب الذي يحويه المكيال بالغاً ما بلغ، وذكر بعضهم [أن] الذي نقل في وزن الصاع كأنه اعتبر فيه البر والتمر، وقضية هذا الكلام: أن يجزئ من الشعير مادون ذلك المقدار في الوزن إذا ملأ الصاع، لكن اشتهر عن القاسم بن سلام [ثم] عن ابن

стр. 2638

سريج: أن درهم الشريعة خمسون حبة وخمساً حبة، ويسمى ذلك: درهم الكيل؛ لأن الرطل الشرعي منه يُرَكَّب، ويركب من الرطل المد، ومن المد الصاع. وذكر الفقيه عبد الحق بن أبي بكر بن عطية أن الحبة التي يتركب منها الدرهم هي حبة الشعير المتوسطة التي [لم] تقشر، وقطع من طرفيها ما امتد. وقضية هذا: أن يحوي الصاع هذا المقدار من الشعير، وحينئذ فإن اعتبر ما يملأ الصاع من البر بهذا الوزن لم ينتظم القول: إن الواجب ما يحويه الصاع، وإن اعتبر بالكيل كان ما يحويه من البر أكثر مما يحويه من الشعير، وقد ذكرت في كتاب الظهار شيئاً من ذلك، فليطلب منه. قال: ويجب ذلك من الأقوات التي تجب فيها الزكاة، وهي التمر والزبيب والبر والشعير وما أشبهها. أما في التمر؛ فلخبر أبي سعيد وغيره، وأما في الباقي فبالقياس بجامع الاقتيات، وعن صاحب "الإفصاح" حكاية قول عن القديم: أنه لا يجزئ إخراج العدس والحمص [في الفطرة] لأنهما أدمان، قال الرافعي في كتاب الظهار: وقد نقل السرخسي – ﵀ – وجهاً في الأرز: أنه لا يجزئ في الكفارة، وعن ابن كج: أنه [لا] يجزئ إلا إذا نحيت عنه القشرة العليا، قال: ولم يَجْرِ في الفطرة [ذكر] هذا الخلاف، ويشبه أن يجيء في كل باب ما نقل في الآخر، والمذهب: الأول. وقد أفهم كلام الشافعي – ﵀ – إجراء الخلاف في الباقلاء، حيث قال: لا أحسبه يقتات، فإن كان قوتاً أجزأه إذا أدى منه صاعاً. قال في "البحر" وغيره: وأجمع أصحابنا على أنه قوت تجب فيه الزكاة وتخرج منه زكاة الفطر. قال: وأما الأقط فقد قيل يجوز؛ لما ذكرناه من حديث أبي سعيد الخدري؛

стр. 2639

فإنه ثابت في "الصحيحين" فوجب العمل به لقول الشافعي – ﵀: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". وقد روى كثير بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، [أو صاعاً من زبيب]، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من طعام"، وهذا نص في المسألة، وهذه طريقة أبي إسحاق، وعليها نص في القديم و"الأم"، قال ابن الصباغ: [و] قال بعض أصحابنا: إنه علق [القول] فيه في "الأم"، وهو المذكور في "تعليق" البندنيجي. وقيل: فيه قولان: وجه الجواز: أنه مقتات مدخر يستند إلى أثر؛ فجاز إخراجه كالتمر، أو مقتات يتولد مما تجب فيه الزكاة ويجزئ فيه الصاع؛ فجاز إخراجه في زكاة الفطر كالحب. ووجه المنع: أنه [مقتات] لاتجب الزكاة فيه؛ فلا يجوز إخراجه في زكاة الفطر كالفَثِّ وحب الحنظل والبَلُّوط. وهذه الطريقة حكاها القاضي أبو حامد في "جامعه، وقال هو والمتولي وغيرهما: إن أصح القولين الجواز، وبه أجاب منصور التميمي في "المستعمل"، وهذه الطريقة أظهر عند الرافعي، ولم يورد الإمام ومن تبعه غيرها، وقال الإمام: إن مثار التردد أن الخبر ليس على الحد المرضي في الصحة عند الشافعي – ﵀ – وليس هو على حد التزييف عنده؛ فلذلك تردد قوله. وقال الماوردي: إن صح الخبر أن أبا سعيد كان يخرج الأقط بأمر رسول الله ﷺ أو بعلمه أجزأ قولاً واحداً، وإن لم يثبت أن أبا سعيد كان يخرج الأقط بأمر رسول الله ﷺ أو بعلمه، ولا صح الخبر الآخر في إسناده – ففيه القولان، والقديم منهما: الجواز، والجديد: المنع؛ لما ذكرناه. ثم إذا قلنا بالجواز – إما جزماً أو على قولٍ – فهل يقوم اللبن مقامه؟ فيه وجهان في "الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين "والإبانة" "والتتمة":

стр. 2640

أحدهما: نعم، وهو الذي أورده الإمام والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ؛ فإنه أولى [معتبراً فيما يعتمد] الاقتيات، والجبن ملحق به أيضاً، لكن هل يجوز اللبن مع وجود الأقط؟ أو يجوز عند عدمه فقط؟ فيه وجهان: الذي قاله أبو الطيب: الأول، والذي أفهمه كلام الشيخ أبي حامد: الثاني، وقال البندنيجي: إنه نص عليه في القديم. والوجه الثاني: أنه لا يجوز اللبن مطلقاً، وهو ما ادعى الماوردي أنه الأصح، [و] الفرق بينه وبين الأقط: وثبت الأثر في الأقط وعدمه في اللبن، ولأن الأقط له حالة ادخار فجاز كالتمر، واللبن بخلافه فلم يجز كالرطب. قلت: والفرق الأول يقتضي إلحاق الجبن باللبن في المنع، وهو ما حكاه في "البحر" عن بعض المراوزة، والفرق الثاني يقتضي إلحاقه بالأقط في الجواز؛ لأنه يدخر، قال في "البحر": وهو الأصح. ولا خلاف أنه لا يجزئ السمن؛ لأنه ليس قوتاً، وكذا المصل والكشك، وهل يجزئ اللحم على قولنا بإجزاء اللبن؟ حكى الإمام عن رواية العراقيين فيه قولين، قال: وهو بعيد؛ فإن إلحاق الأقط بما قدمَّناه يقرب من إلحاق الشيء بالشيء إذا كان في معناه أو يتصل بالشبه الظاهر، واللحم بعيد عنه، ولكنهم اعتقدوا الأقط أصلاً للنص فيه، وترقوا منه إلى اللبن؛ لأنه قوت، [ثم] قالوا: إنما يقوت من حيث إنه عصارة اللحم، فارتقوا منه إلى اللحم، والذي جزم به القاضيان أبو الطيب والحسين والماوردي: [المنع، وعنه احترزنا في دليل قول إجزاء الأقط بقولنا: وهو مما يجزئ فيه الكيل. وكل هذا في أهل البادية إذا كان ذلك قوتهم لا غير، لو كان لهم قوت غيره لم يجزئهم بلا خلاف، وكذا لو كان قوت أهل الحاضرة لا غير؛ لأن ذلك نادر. قاله الماوردي]، وقد حكى الرافعي في كتاب الظهار فيما إذ قلنا: يجزئ في كفارته الأقط، هل يختص بأهل البادية، أو يعم الحاضر والبادي؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، ولا بعد في مجيئهما هاهنا، وقد أورد الماوردي على ما حكاه سؤالاً

стр. 2641

فقال: فإن قيل: قد قال أبو سعيد: "كنا نخرج الأقط"، وهو من أهل الحضر. قلنا: قد كان أبو سعيد يسكن البادية كثيراً؛ ألا ترى إلى قوله – ﵇ – له: "إذا كانت في باديتك فارفع صوتك بالأذان"، على أن [قوله]: "كنا نخرج"، كناية عنه وعن غيره ممن كان على عهد رسول الله ﷺ ، وقد كان كثير منهم أهل بادية. فإن قلنا بعدم الإجزاء وإن كان قوتهم، قال أبو الطيب والماوردي: أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم، فإن استوى بلدان في القرب وكان قوتهما مختلفاً قال أبو الطيب: تخيروا، والأفضل أن يخرج أغلاهما. و [قال] في "التتمة": إن هكذا الحكم فيما إذا قلنا: الواجب في الفطرة على التعيين، لا على التخيير، فإن قلنا: إنه على التخيير – كما سيأتي – تخيروا من أي الأجناس شاءوا. والأقط: بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز إسكان القاف مع فتح الهمزة وكسرها، وهو لبن يابس غير منزوع الزبد. قال: وتجب الفطرة مما يقتات به من هذه الأجناس؛ لأنها تابعة للمؤنة وواجبة في الفاضل عنها؛ فوجب أن تكون منها، وكما تعتبر في الزكاة ماشيته، وهذا ظاهر [نصه في "المختصر" و"الأم"] كما قال أبو الطيب والماوردي، وبه قال الإصطخري وأبو عبيد بن حربويه من أصحابنا، وقال ابن عبدان: إنه الصحيح عندي. فعلى هذا لو كان يقتات من نوعين، [و] أحدهما الأغلب أخرج منه، فإن استويا أدى من أيهما شاء، والأفضل أن يؤدي من خيرهما، قاله القاضي الحسين، وفي "البحر". وقيل: من غالب قوت البلد، أي: من وقت وجوب الفطرة، لا في جميع السنة،

стр. 2642

كما قاله في "الوسيط" قال الرافعي: ولم أظفر بهذا التقييد في كلام غيره، ووجه هذا الوجه: قوله- ﵇: "أغنوهم عن الطَّلب في هذا اليوم"، والإغناء إنما يحصل لهم بغالب قوتهم؛ لأنه إذا دفع إليهم ذرة أو شعيراً، وهم يأكلون الحنطة لم يحصل لهم بذلك غناء، واحتاجوا إلى صرفه فيما يقتاتون به حتى يستغنوا، وبالقياس على الكفارة. وهذا قول ابن سريج وأبي إسحاق كما قال الماوردي والبندنجي، وقال القاضي أبو الطيب: إنه قول أكثر الأصحاب، وقالوا: قول الشافعي – ﵁: " [من] غالب قوته"، إنما أراد به: [من] غالب قوت البلد؛ لأن غالب قوت [أهل] البلد غالب قوته، وهذا ما صححه في "الرافعي" و"البحر" وغيره. فعلى هذا: إن كان [في الحجاز] أخرج التمر، وإن كان ببلاد العراق وخراسان ومصر فالحنطة، وإن كان بطبرستان أو جيلان فالأرز، ولو كان ببلد فيها أقوات مختلفة لا يفضل بعضها بعضاً أخرج من أيها شاء، والأفضل أن يخرج [من] أغلاها ثمناً، قاله البندنيجي. قلت: ويتجه أن يقال: الأفضل أن يخرج الأعلى وإن كان قليل الثمن – كما سنذكره – وعليه ينطبق قوله في "المهذب": والأفضل أن يخرج من أفضلها.

стр. 2643

قال: فن عدل عن القوت الواجب، أي: على قولنا إن الاعتبار بقوته أو بغالب قوت البلد، وفيها قوت غالب، إلى قوت أعلى منه - أجزأه؛ لأنه زاد خيراً فأِبه ما لو وجبت عليه بنت مخاض، فأخرج بنت لبون، وهذا ما أورده الجمهور، وحكاه الماوردي عن النص مع وجه آخر: أنه لا يجزئه؛ لأنه غير ما وجب عليه؛ فأشبه ما لو أخرج عن زكاة الشعير قمحاً، وعن زكاة الدراهم ذهباً. والفرق على الأول ما قاله القاضي الحسين – ﵀ – في "تعليقه": إن زكاة الفطر تتعلق بالقوت، والأعلى مما يقتات، وأما زكاة المال فإنها تتعلق بجنس ذلك النصاب الذي وجبت فيه الزكاة؛ فوجب أن يكون المخرج من جنسه. وأورد الرافعي لنفسه قريباً منه فقال: الزكوات المالية متعلقة بالمال؛ [فأمر أن] يواسي الفقير مما واساه الله تعالى، والفطرة زكاة البدن؛ [فوقع] النظر فيها إلى ما هو غذاء البدن وبه قوامه، والأقوات متشاركة في هذا الغرض، وتعيُّن شيء منها رفقٌ، فإذا عدل [إلى الأعلى] كان في غرض هذه الزكاة؛ كما لو أخرج كرائم ماشيته. قال: وإن عدل إلى ما دونه ففيه قولان: أحدهما: لا يجزئه؛ لما فيه من الإضرار بالمستحقين، وهذا ما أورده الماوردي لا غير، سواء قلنا: إن الواجب من قوته أو غالب قوت البلد، وادعى بعض الشارحين أنه لم ير في الكتب المشهورة تفريعاً على اعتبار قوته غيره، وفيه ما ستعرفه. فعلى هذا: هل يسترد ما دفعه إن كان باقياً، وصرح بأنه غير زكاته أو صدقة المدفوع إليه؟ يظهر أن يكون الحكم فيه كما لو أخرج الرديء من النقد عن الجيد منهن وقد ذكرته في باب زكاة الناض، والجامع: أن المقصود القوت، وهو اسم جامع؛ ولذلك جاز إخراج الأعلى [منهما] عن الأدنى، كما أن الذهب والفضة اسم جامع

стр. 2644

لأنواعهما، ويجوز إخراج الأعلى منهما من الأدنى. والثاني: يجزئه؛ لأن ظاهر الخبر يقتضي التخيير، فإذا أخرج بمقتضاه وجب أن يعتد به. قلت: ويشهد لذلك ما تقدم فيما إذا أخرج الرديء من الذهب أو الفضة عن الجيد: أنه يجزئه على رأي، والجامع ما تقدم. وقد روى القولين هكذا ابن الصباغ وغيره، والقاضي أبو الطيب قال: إن أبا إسحاق المروزي رواهما في الشرح هكذا، وإنه صحح الثاني. وقال في "البحر": إن القاضي هو الذي صححه. فلعله رآه في غير "تعليقه". قال القاضي: ومن قال بالأول أجاب عن الخبر بأنه ليس بتخيير؛ وإنما معناه: صاعاً من تمر إن كان ذلك غالب القوت، يدل عليه: أن أبا سعيد – ﵀ – ذكر التمر والزبيب، ولم يكن الزبيب قوتاً لأهل المدينة، وإنما كان قوت أهل الطائف، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المائدة: ٣٣] فإنها على الترتيب، وإن كان ظاهرها التخيير. وقد حكى البندنيجي القولين هكذا فيما إذا قلنا: إن الواجب من غالب قوت البلد، فأخرج من الأدنى منه، وقال: إنا إذا قلنا بعدم الإجزاء رجع حاصله إلى [أنه مخير بني قوت البلد وأعلى منه، وإذا قلنا] بالإجزاء رجع [حاصله] أن الأقوات التي يجب فيها [العشر] – وهو مخير فيها – يخرج منها ما شاء ويجزئه. قلت: ويجوز أن نقول بالإجزاء وإن لم يكن مخيراً في الأصل كما تقدم نظيره، ويشهد له – أيضاً – أن من وجبت عليه الجمعة لو أوقع الظهر قبل فوات الجمعة وفاتته الجمعة، يجزئه ما أوقعه من الظهر عن فرضه على قولٍ، وإن لم يكن مخيراً بين الظهر والجمعة. نعم، في أصل المسألة قول حكاه الماوردي عن نص الشافعي – ﵀ – في بعض كتبه: أن الواجب صاع من الأقوات التي تجب فيها الزكاة على التخيير، واستدل له بالخبر، وبان الزكاة مواساة، والتخيير فيها أيسر، والتسوية بين جميعها أرفق، وقد أثبته في

стр. 2645

"المهذب" وغيره وجهاً، وقال الإمام: إنه غير سديد، والخبر محمول على التنويع كما تقدم، والذي نص عليه في المختصر وأكثر كتبه – كما قال الماوردي – عدم التخيير، والواجب من غالب القوت، لكن قوته أو قوت بلده؟ [فيه ما] سبق] ". وقد أفهم كلام الشيخ أن الواجب عله على القول الأول جنس ما يقتاته، سواء كان يليق بحاله أو كان أعلى منه أو دونه، وقد حكى ابن يونس – ﵀ – فيما إذا كان يليق به البر وهو يأكل الشعير بخلاص [، فأخرج الشعير]: هل يجزئه أم لا؟ قولين أو وجهين، مأخذهما: أن النظر إلى ما يليق به أو إلى [ما يأكله]، وأن الصحيح: النظر إلى ما يليق بحاله. وهذا لم أره فيما وقفت عليه، بل الذي رأيته فيها عدم الإجزاء مع قطع النظر عما ذكرناه من الخلاف السابق، وحكوا الخلاف فيما إذا كان يليق بحاله الشعير فاقتات البر ترقّعاً: هل يجزئه إخراج الشعير، أو يتعين البر؛ بناء على المأخذ المذكور؟ وصححوا الأول. وقال الرافعي: يشبه أن يرجع الخلاف إلى اختلاف عبارتين للأصحاب في حكاية وجه ابن حربويه؛ فإن بعضهم حكى عنه أن المعتبر فيه قوت الشخص نفسه، وهو ما ذكره في ["الحاوي" و] "التهذيب"، وبعضهم حكى عنه أن المعتبر القوت اللائق بأمثاله، وهو ما حكاه الصيدلاني كما قال، وقال في "البحر": إن القائل بهذا هو القفال. وإليه يرشد قوله في "التهذيب": ولم يورد الإمام غيره. ثم قال الرافعي: وإن جرينا على الرواية الأولى لم يجزئه إخراج الشعير، وإن جرينا على الرواية الثانية أجزأه. قلت: وهذا الذي قاله يرجع حاصله إلى نفي الخلاف في المسألة، وإنما يتم لو لم يقل بأن الاعتبار بقوت الشخص نفسه إلا ابن حربويه، وقد ذكرناه عن غيره. ثم أعلى الأجناس المخرجة في الفطرة عند الماوردي وصاحب "البحر": البر والتمر، وهو نصه في "البويطي" كما قال في "البحر"، لكن أيهما أعلى من الآخر؟ فيه وجهان، أمثلهما بكلام الشافعي – ﵀ – أنه البر؛ لأنه قال في "الأم":

стр. 2646

"وإذا كان الرجل يقتات حبوباً مختلفة: شعيراً وحنطة وتمرا ًوزبيباً فالاختيار له أن يخرج زكاة الفطر من الحنطة، ومن أيها أخرج أجزأه، إن شاء الله تعالى"، وهذا يدل على أن الحنطة أعلى الأقوات عنده، وقد حكاه ابن المنذر عن الشافعي – ﵀ – ولأجل ذلك صححه بعضهم، ووجهه بأنه أزيد في غرض الاقتيات، ولأنه قد اختلف في إجزاء مدين منه، ولم يختلف في أن الواجب من التمر صاع. قال الماوردي: ولو قيل: إن أولاهما يختلف باختلاف البلاد، لكان مذهباً له في الاعتبار وجه. والأمر [كما قال] كما ستعرفه. وكما ادعى في "الوسيط" أن البر أشرف من التمر في غرض الاقتيات، [ولا نظر إلى القيمة والتمر أشرف من الزبيب في غرض الاقتيات]، وفي الزبيب مع الشعير تردد، وهذا التردد حكاه الإمام عن شيخه، وأنه كان يتردد في التمر والزبيب وأيهما يقدم على الآخر، وأنه كان يقدم التمر على الشعير. قلت: وتقديمه التمر على الشعير مع تردده في الزبيب والشعير لا يستقيم معه التردد في التمر والزبيب، بل يتعين بمقتضى ذلك تقديم التمر على الزبيب كما أورده الغزالي، وقال الإمام: إنه الأولى. وقد حكى القاضي أبو الطيب وغيره وجهاً: أن النظر في الأعلى إلى القيمة؛ فما كان أكثر قيمة فهو المعتبر، واستدل له بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [آل عمران: ٩٢] وبقوله – ﵇ – وقد سئل عن أفضل الرقاب: "أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها"، وهذا الوجه قد حكيت جزم البندنيجي به من قبل. قال الرافعي: وعلى هذا تختلف الأحوال باختلاف [البلاد ولأوقات] إلا أن يعتبر زيادة القيمة في الأكثر. قلت: وإلى اعتبار زيادة القيمة في الأكثر نظر البغوي حيث قال: لو أخرج التمر

стр. 2647

عن القمح أو الشعير، لا يجزئه على الأصح وإنه يجوز إخراجهما عن التمر على الأصح؛ فإن الوجه [إجزاء التمر عن] القمح، وعدم إجزاء القمح عن التمر، وهو [الوجه] الصائر إلى أن النظر إلى القيمة لا إلى الأغلب في الاقتيات؛ فإن الغالب أن قيمة التمر أكثر، ولو كان ناظراً إلى القيمة في كل زمان لم يطلق القول بأنه يجزئ على وجه مطلقاً؛ بل كان يقيده بما إذا لم تنقص قيمته عن القمح، لكن القاضي الحسين قطع بعدم الإجزاء فيما إذا كانت قيمة التمر أقل، والله أعلم. قال: ولا يجزئ صاع، أي: عن شخص واحد، من جنسين؛ كما لا يجزئ في كفارة اليمين أن يطعم خمسة ويكسو خمسة بلا خلاف عندنا، وحكى الإمام عن بعض الأصحاب وجهاً- قال: إنه غير معدود من المذهب- أنه لو أخرج نصف صاع من شعير حيث يجزئه؛ لكونه غالب قوت البلد، فنصف صاع من بر يجزئه؛ لأنه لو أخرج بقية الصاع شعيراً قبلناه فإذا أخرجه من الأعلى كان أولى بالقبول. وقد نسبه الرافعي إلى رواية بعض المتأخرين، قال الإمام: وهو لا يجزئ بالاتفاق فيما لو استوى الجنسان، وقد أطلق ابن يونس حكاية وجه في الإجزاء من غير تفصيل. قال: وإن كان [عبد بين] نفسين مختلفي القوت، أي: وفرعنا على أن الاعتبار بقوت الشخص نفسه، كما هو ظاهر المذهب كما قال البندنيجي- فقد قيل: يخرج كل واحد منهما نصف صاع من قوته؛ لأنه لم ينتقص ما عليه. وهذا ما اختاره ابن الحداد، وصححه الرافعي والمتولي، [والنووي] وشبهه بما إذا قتل ثلاثة من المحرمين ظبية، فأخرج أحدهم ثلث شاة، وأطعم الثاني بقيمة ثلث شاة، وصام الثالث عدل ذلك – فإنه يجزئ اتفاقاً، ولو كان القاتل لها واحداً لم يجزئه ذلك على أحد الوجهين. وقيل: يخرجان من أدنى القوتين، حذارا من ضرر التبعيض اللاحق بالمستحقين والإجحاف بالمخرج؛ فإن من قوته الأعلى يقدر على إخراج الأدنى، ومن قوته الأدنى لا يقدر على إخراج الأعلى؛ فلو كلفناه أن يخرج من الأعلى لأجحفنا به.

стр. 2648

وهذان الوجهان [هكذا] منسوبان إلى ابن سريج وأبي إسحاق كما قال [الجمهور، وقال] البندنيجي: وهما فرعا ذلك على ظاهر المذهب [في أن] الاعتبار بقوت، لا على مذهبهما في أن الاعتبار بغالب قوت البلد، وينبنيان كما قال الشيخ أبو علي على أن فطرة العبد تجب على السيد ابتداء أو تحملاً فالأول علىقولنا: إنها تجب على السيد ابتداء، والثاني على أنها تجب عليه تحملاً؛ لأن الصاع واجب عن واحد، والشيء لا يتحمل ضماناً إلا كما وجب، لكن ما المنسوب إلى ابن سريج منهما، وإلى أبي إسحاق؟ الجمهور على نسبة الأول إلى أبي إسحاق، والثاني إلى ابن سريج، وعكس الفوراني والبغوي ذلك: فنسبا الأول إلى ابن سرجي، والثاني إلى أبي إسحاق، ونسب الإمام إلى ابن سريج عدم إجزائه من جنسين، لكنه قال: إنا إذا قلنا به لم نقل لمن قوته البر أن يخرج الشعير موافقة لمن قوته الشعير؛ بل على من قوته الشعير أن يخرج نصف صاع من بر، لا وجه غيره وإن كان يجر إجحافاً، وبهذا يتجه ما اختاره ابن الحداد. وقيل: يخرجان من قوت البلد الذي فيه العبد [بناء] على أنها وجبت على العبد ويتحملها السيد عنه، وأن الاعتبار بغالب قوت البلد كما هو مذهب ابن سريج وأبي إسحاق. وإن قلنا بظاهر المذهب، وهو [أن] الاعتبار بقوت الشخص نفسه – أخرجا من قوت العبد. وقال البندنيجي: إنا إذا قلنا باعتبار قوت الشخص نفسه فمذهب أبي إسحاق أنه يجزئ أيضاً صاع من جنسين، وقال ابن سريج: لا يجزئ. وقال الرافعي: يشبه أن يخرج على الوجهين فيما إذا اعتبرنا قوتهما وكانا مختلفي القوت، والأب إذا كان في نفقة ولدين فالقول في إخراج الفطرة عنه كالقول في السيدين، وكذا العبد [الذي] بعضه حر وبعضه رقيق، وقوت العبد والمولى مختلف قاله الرافعي وغيره. والوجه الآخر في الكتاب: يجزئ فيما لو كان [العبد] كله لشخص وهو في

стр. 2649

بلدة وسيده في أخرى، وقوت البلدين مختلف – فيجب على السيد أن يخرج من قوت البلد الذي فيه العبد؛ بناء على أنه متحمل، ذكره في "التهذيب". وعليه يخرج – أيضاً – ما حكاه القاضي الحسين وصاحب "البحر" فيما إذا كان له نصف عبدين وقوتهما الشعير، فأراد أن يخرج عن أحدهما نصف صاع شعير وعن الآخر نصف صاع بر – أنه يجوز. ويجيء على قولنا: إن الواجب يتلقاه السيد ابتداء، أنه لا يجوز؛ لأنه وجب عليه صاع فلا يجزئ من جنسين، كما لو أخرجه عن نفسه، وقد حكاه القاضي أبو الطيب أيضاً. ولو كان له من تلزمه نفقتهم فأراد أن يخرج عن كل واحد صاعاً من جنس – فقد أطلق القاضي الحسين وصاحب "البحر" القول بالإجزاء، وقال البندنيجي: إنا إذا قلنا بالتخيير جاز، وإن قلنا: بتعيين غالب قوت البلد أو قوته، فأخرج منه أو من الأعلى أجزأه، وإن أخرج من الأدنى لم يجزئه. قال: وإن كانوا في بادية لا قوت لهم فيها أخرجوا من قوت أقرب البلاد إليهم، [كما لو لم يكن نقد غالب يقوم به؛ فإنه يعدل إلى غالب نقد أقرب البلاد إليهم]. فلو استوى بلدان في القرب، واختلف الغالب من أقواتهما [تخير]، والأفضل أن يخرج [من] الأعلى كما تقدم. والبادية: من البدو، بمعنى: مأخوذ من البدو، وهو الظهور. قال: ولا يؤخذ في الفطرة دقيق ولا سويق؛ لأنه بدل، ولا مدخل للأبدال في الزكوات، ولأنه أنقص من الحق؛ ففي أخذه إضرار بمستحقه، والسويق نوع متخذ من القمح على ما سنذكره في كتاب الأيمان لا ما يفهم عرفاً. وهذا ما حكاه القاضي الحسين لا غير. وذهب أبو القاسم بن بشار الأنماطي من أصحابنا إلى أن الدقيق أصل وكذا السويق لأنه جاء في خبر أبي سعيد الخدري- كما رواه سفيان بن عيينة: "أو صاعاً من دقيق"، وقد حكاه الإمام قولاً عن رواية العراقيين؛ أخذاً من الأقط المضاف إلى

стр. 2650

اللبن، وقال: إنه مزيف لا أصل له. وغيره قال: إنه ليس بشيء؛ لان هذه الزيادة لم تثبت، وقد قال أبو داود: "إن سفيان بن عيينة وهم فيها ثم رجع عنها"، وإذا رجع الراوي عما رواه سقط الاحتجاج به، ولأنه أزيل عن كونه حبّاً فنقصت منفعته؛ فوجب ألا يكون أصلاً في زكاة الفطر كالخبز. وقد قال ابن عبدان: [إن] قول الأنماطي يقتضي قياسه إجزاء الخبر أيضاً: وقال: إن قوله هو الصحيح؛ لان المقصود إشباع المساكين في هذا اليوم، والله أعلم. قال: ولا حب معيب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، ولأنها تجب من القوت الغالب، والغالب السلامة، قال القاضي الحسين في "تعليقه": وهذا فيما إذا كان له غيره، أما إذا لم يكن له سوى المسوس والمعيب وهو يقتات منه، جاز له أن يخرج منه. قلت: وعلى هذا ينبغي أن يخرج من المسوس قدراً يتحقق أنه يملأ الصاع من اللب بقشره لو أخرجه، كما ستعرفه [في الأقط. والعيب تارة يكون بسبب تسوسه، وتارة بسبب دود فيه]، أو نتنته، أو تغير لونه كما قال الماوردي، وكل ما ينقص قيمته كما قال غيره. ويجزئ فيه العتيق الصحيح الحب كما نص عليه، لكن المستحب إخراج الجديد [الحديث]. وحيث جوزنا إخراج الأقط، قال الإمام: فلا يجزئ المملح كثيراً؛ لأنه عيب فيه، ولو كان ملحه على الوجه المعتاد فلا يجزئ- أيضاً- لأن الملح [غير مجزئ] وهو ينقص من مكيلة الأقط، فإن أخرج منه مقداراً زائداً أو كانت الزيادة تقابل وزن الملح جاز، والمرجع في ذلك إلى أهله، والله أعلم.

стр. 2651

باب قسم الصدقات القَسْم - بفتح القاف-: مصدر بمعنى: القسمة، وبكسر القاف: النصيب: والصدقات: جمع "صدقة"، وهي تطلق على الواجب وعلى التطوع، والمراد بها [في الباب]: زكوات الأموال، كما ستعرفه. وجمع "الصدقة" لاختلاف أنواعها: فإنها تارة تكون من الماشية، [وتارة من الحَبِّ، وتارة من التمر]، وتارة من جوهر النقد، واسم "الصدقة" يقع عليها، وكذا اسم "الزكاة"، وإن غلب على أفواه العوام - كما قال الشافعي ﵀ في القديم - أن الواجب من الماشية: صدقة، ومن الحب والتمر: عشر، ومن الذهب والورق: زكاة، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وهي عامة في جميع المأخوذ من الأموال كما تقدم، وقال ﵇:"ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة"، "وفي الكرم يخرص كما تخرص النخل، أو تؤدَّى زكاته زبيباً كما تؤدَّى زكاة النخل تمراً". قال: ومن وجبت عليه الزكاة وقدر على إخراجها لم يجز له تأخيرها؛ لأنه حق وجب عليه، وقدر على أدائه مع قيام القرينة الدالة على طلبه، [وهي] تنجز حاجات الأصناف؛ فتعين عليه أداؤه على الفور؛ كما لو كان عليه دين حالٌّ وعنده عين، طلب ذلك ربه أو وكيله، ولا عذر في تأخيره. أو نقول: الزكاة فرض يتكرر وجوبه في كل عام مرة؛ فوجب أن يكون عند التمكن من أدائه على الفور كالصيام. وهذا في زكاة الأموال، أما زكاة الفطر فقد تقدم أن وجوبها موسع بليلة الفطر ويومه على الصحيح، وبيومه فقط على مقابله. ثم قول الشيخ: "وقدر على إخراجها" إنما يحتاج إليه إذا قلنا إن التمكن شرط [في] الضمان كما هو الصحيح، وعليه فرع الشيخ ﵀ أما إذا قلنا: إنه

стр. 2652

شرط في الوجوب، فلا يحتاج إلى ذكره. وقد تقدم في باب صدقة المواشي تسير القدرة فليطلب منه. ومؤنة إيصال الزكاة إلى الساعي أو أهل الأصناف على المؤدي، حتى لو كان المخرج بعيراً جموحاً كان عليه العقال، وعلى هذه الحالة حمل أصحابنا قول أبي بكر – ﵁ – في حق مانعي الزكاة: "لو منعوني عقالاً مما أعطوا رسول الله صل الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه"، كذا حكاه القاضي الحسين في باب عفو المجني عليه، لكنه قال في أول كتاب الزكاة: إن البعير إذا كان شارداً لا يمكن تسليمه إلا بالعقال؛ فعليه تسليمه بالعقال ثم يسترد العقال. وقد حكيته من قبل. والمذكور في "التتمة" قبل الفصل الرابع فيما يحصل به التمكين: الأول، وقد قيل: إنه – ﵇ – أراد بالعقال: صدقة عام؛ فإن العقال – بفتح العين -: صدقة العام. قال: فإن آخَّرها أثم؛ لترك ما تعيَّن عليه فعله على الفور مع القدرة. قال: وضمن – أي الزكاة إن أتلف المال أو بعضه، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأصحاب كما تقدمن لأنه بالامتناع خرج عن أن تكون الزكاة أمانة في يده فضمنها كالغاصب إذا تلفت العين في يده، كذا قاله أبو الطيب. لكن الغاصب إذا تلفت العين

стр. 2653

في يده وكانت من ذوات القيم ضمنها بالقيمة، وهنا يضمنها بالمثل الصوري، وإن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالعين تلعق شركة؛ لأنه لو فعل ذلك مع بقاء المال لأجزأه فتعيَن عند عدمه، وقد قدمت حكاية ذلك عن الأصحاب في أواخر باب زكاة النبات. نعم، لو تلف النصاب بعد التمكن وعسر الوصول إلى الشاة، ومسَّت حاجة المساكين – قال الإمام قبل باب ما يسقط الزكاة عن الماشية: فالظاهر عندي أنه يخرج القيمة للضرورة. ولعل هذا يناظر ما لو أتلف الرجل مثليًّا وألزم المثل، ثم أعوزه، وتوجهت المطالبة – فالرجوع إلى القيمة، فلو وجد المثل بعد أخذ القيمة فهل يجب المثل وتسترد القيمة؟ [فيه خلاف، وقد يتجه مثله في الزكاة، والأشبه فيها أخذ القيمة] وانقطاع الطلابة بالكلية، وهذا فيما إذا كانت الشاة من جنس الأصل، فلو كانت عن الإبل فقد تقدم حكمها. قال: وإن منعها جاحداً لوجوبها – أي: وهو قديم العهد بالإسلام، ناشئٌ بين المسلمين – كفر، وأخذت منه، [وقتل بكفره]: أما الحكم بكفره وقتله به فوجهه: أن الزكاة مما جاء به النبي ﷺ وأمر بها؛ فمن جحدها فقد كذبه فيما جاء به، ومن كذبه كفر، ويجب قتاله وقتله. قال القاضي أبو الطيب: فإن قيل: هذا مخالف لمذهب الشافعي – ﵀ – لأن عنده أن مانعي الزكاة على عهد أبي بكر – ﵁ – لم يكونوا كفاراً؛ لأنهم قالوا: ما كفرنا بعد إيماننا، لكنا شححنا على أموالنا، وقالوا: إن النبي ﷺ كان يأخذ زكاتنا، وأما أبو بكر فلا حق له فيها؛ فهلا أوجب الشافعي – ﵀ – قتال جاحديها، ولم يحكم بكفرهم كهؤلاء. قلنا: إنما لم يحكم بكفرهم؛ لأن الإجماع لم يكن استقر على وجوب الزكاة بعد رسول الله ﷺ ، وكانوا يظنون أن وجوبها متعلق بدفعها إليه – صلوات الله عليه – خاصة، فلما استقر إجماع الصحابة ومن بعدهم على وجوبها كفر جاحدوها؛ ألا ترى أن عمرو بن معد يكرب وقدامة بن مظعون كانا يعتقدان إباحة الخمر [بعد تحريمها، ويتأولان قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا

стр. 2654

اتَّقَوْا﴾ الآية [المائدة: ٩٣] ويقولون: نحن قد اتقينا وعملنا الصالحات، ولا يقال: إنهما كفرا بذلك؛ لأن الإجماع على تحريم الخمر] لم يكن قد استقر، [والآن قد] استقر، ونقل عنهما أنهما رجعا عن ذلك لما قيل لهما: إن الآية نزلت فيما طعموا قبل الإسلام وقبل نزول التحريم لا في المستقبل؛ فمن أباحها الآن فقد كفر. قلت: وما ذكره القاضي يفهم إفهاماً ظاهراً أن مانعيها في زمن أبي بكر – ﵁ – خالفوا في بقاء الوجوب، [وفي ذلك تعريض] بمخالفة غيرهم من الصحابة فيه أيضاً، وعبارة الماوردي دالة عليه؛ [فإنه قال بعد حكاية مناظرة عمر أبا بكر –﵄ – في مقاتلة مانعي الزكاة ورده عليه]: فأجمعت الصحابة معه على وجوبها بعد مخالفتهم له، وأطاعوه على قتال مانعيها بعد إنكارهم عليه؛ فثبت وجوبها بالكتاب والسنة والإجماع. أما إذا كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية [بعيدة] عن بلاد الإسلام – فيعذر إلى أن يعرف وجوب ذلك. وأما أخذها منه؛ فلأنها حق مالي تعلق بذمته أو بماله فلم يسقط بكفره كديون الآدميين. قال: فإن منعها بخلاً بها، أي: وهو في قبضة الإمام – أخذت منه، أي: سواء كان ماله ظاهرا ً أو باطناً، لما تقدم. وقال القاضي الحسين في قسم الصدقات، وتبعه المتولي: لأي معنى أخذت منه؟ فيه معنيان: أحدهما: أن زكاة الأموال الباطنة والظاهرة كانت تحمل إلى رسول الله ﷺ وإلى خلفائه إلا أن عثمان – ﵁ – فوض [صرف زكاة] المال الباطن إلى ربه باجتهاده، فإذا ظهر منه التقصير كان للإمام المطالبة، وعلى هذا لو وجب على شخص نذر أو كفارة لا يطالبه الإمام بإخراجها. والثاني: أن الزكاة من حقوق الله – تعالى – والإمام نائب عنه، فإذا علم من قوم التقصير فيه استوفاه؛ كما إذا علم من قوم ترك الصلاة أمرهم بها، وعلى هذا يطالب بالنذور والكفارات، وسيأتي في ذلك كلام من بعد. وهل ينوي الإمام عنه

стр. 2655

في هذه الحالة؟ سنذكره. قال: وعزر [على ذلك]، أي: إن علم التحريم؛ لأنه أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة. وحكى القاضي أبو الطيب في أول كتاب الزكاة عن القديم: أنه يؤخذ مع الزكاة شطر ماله عقوبة له؛ لقوله-﵇: "في كلِّ أربعين من الإبل السَّائمة بنت لبون، من أعطاها مؤتجراً بها فله أجرها، ومن منعها بخلاً بها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمةً من عزمات ربنا، ليس لآل محمَّدٍ منها شيء". وحينئذ يكون في المسألة قولان، القديم: هذا، والجديد: الأول، وهو وجوب التعزير دون شطر المال، وبعضهم [قطع] به، وحجته قوله – ﵇: "ليس في المال حقٌّ سوى الزَّكاة"؛ ولأنه لو دفعها ثم أخذها ومنعها لم يجب عليه شطر ماله، مع أن ملك أهل السُّهمان لها بعد القبض مستقر؛ فعدم وجوبه بالمنع قبل الاستقرار أولى، والحديث قد ضعَّفه الشافعي – ﵀ – قال الأصحاب: وإن صح فجوابه: أنه كان في صدر الإسلام حين كانت العقوبات في

стр. 2656

الأموال: فكان الزاني يؤخذ جميع ماله، والسارق يغرم مثلي ما سرق، وعليه جَلَداتٌ نكالاً، ومانع الزكاة يؤخذ شطر ماله، ثم نسخ ذلك، قال في "الروضة": وهذا ضعيف؛ لأن النسخ يحتاج إلى دليل، [وهو غير ظاهر هنا]. أما إذا كان خارجاً عن طاعة الإمام، وهو في منعةٍ لا يقدر عليه – كان للإمام قتاله، وعلى الرعية معاونته حتى يؤديها، قاله في "البحر" [هنا، وقد تعرض له الشيخ] في باب قتال أهل البغي. قال: فإن غلَّها أخذت منه وعزر، أي: إن علم تحريم ذلك، وكان الإمام عادلاً كما نص عليه، ووجهه: ما تقدم. ويجيء فيه القول القديم السابق، وهو مذهب أحمد، واستدل له برواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من غلَّ صدقته فإنَّا آخذوها وشطر ماله، عزمةً من عزمات ربِّنا، ليس لآل محمد فيها نصيب"، وحجتنا عليه: ما تقدم. وقد أفهم كلام القاضي أبي الطيب وغيره أن القول القديم لا يجزئ فيه؛ لأنهم قالوا: والخبر [قد] قال الشافعي – ﵀:إن صح [إسناده] قلت به. قال الماوردي: واختلف أصحابنا فيه: فقال بعضهم: [عني: إن صح إسناده وثبت نقله [قلت به وعملت]؛ لأن رواية بهز بن حكيم ضعيفة. وقال أبو العباس: بل معناه: إن صح ثبوت حكمه، وأنه [غير منسوخ]، ولم يكن أصلٌ يدفعه ولا إجماع يخالفه –قلت به. وأصول الشرع تدفعه، وإجماع الصحابة على ترك العمل به يخالفه بالتحريم؛ فلم يكن [فيه مع صحة إسناده حجة].

стр. 2657

أما إذا كان [غير عالم] بالتحريم؛ لقرب عهده بالإسلام ونحوه، أو كان الإمام جائراً – قال البندنيجي: [يعني] كالخارجي والمتغلب – فلا يعزر؛ لأنه ربما غلها ليفرقها بنفسه خوفاً من ألا يضعها الإمام موضعها؛ فهو عذر في حقه، كذا قاله الماوردي وابن الصباغ وغيرهما، قوال الفوراني: إن ادعى شبهة لنفسه مثل أن قال: أخفيتها عنك؛ لأنك جائر، فأحببت أن أتولى الدف بنفسي – لم يعزَّر وإن لم يدع شبهة عزر. وغلها: إخفاؤها [بإخفاء ماله] أو بعضه؛ حتى لا يراه الساعي، وقال القاضي الحسين: الغلول: أن يخفي بعض ماله لينقص [ما ظهر] من زكاته، قال الأزهري: وأصله من غلول الغنيمة وهي الخيانة فيها، قال: والإغلال: الخيانة في شيء يؤتمن عليه، وقال أبو عبيد: الغلول من المغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد، [ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة]: أغلَّ يغلُّ، ومن الحقد: غلَّ يغلُّ – بكسر العين- ومن الغلول: غلَّ يَغُلُّ، بالضم. قال: وإن قال: بعته، ثم اشتريته، ولم يحل عليه الحول [بعد] وما أشبه ذلك مما يخالف الظاهر، [أي]: كما إذا قال: أديت زكاتها لساع آخر قريباً، أو: ليست لي وإنما هي وديعة [ثم اشتريتها،] وليس عندي حساب حولان [حولها] أو تفصيل أمرها، أو: هي وديعة لذميّ، أو كانت عندي ودية ثم اشتريتها، ولم يمض الحول من حين الشراء – حلف عليه، أي: إيجاباً؛ لأن دعواه تخالف الظاهر فحلف، وإن كان أميناً كالمودع إذا ادعى تلف الوديعة، وقيل: يحلف استحباباً؛ لأنها لو وجبت إذا كانت دعواه تخالف الظاهر لوجبت إذا وافقت الظاهر كالمودع، وهي لا تجب؛ لما سنذكره، فكذا هنا، وهذا ما صححه النواوي – ﵀ –واقتضى إيراد القاضي أبي الطيب ترجيحه، واختيار الإمام كما ستعرفه. والوجهان متوافقان على تحليفه، ومحلهما: إذا اتهمه فيما قاله، أما إذا لم يتهمه فلا يحلفه، قاله

стр. 2658

الماوردي، وسنذكر عن الإمام ما يوافقه. وقد حكى القاضي الحسين – وتبعه الإمام – وجهاً: أنه لا يحلف أصلاً، وستعرفه من كلامهما الآتي من بعد وادعى الإمام أن هذه [الصورة تفرع] لا محالة على أنه يتعين دفع الأموال الظاهرة إلى السلطان. قال: وإن قال: لم يحل عليه الحول بعد، وما أشبه ذلك مما لا يخالف [الظاهر]، أي: مثل أن قال: هذه السَّخال نتجت بعد الحول، ولا ظاهر يكذبه، أو قال: ما كانت الأمهات نصاباً، وإنما كمل النصاب بالسخال؛ فالحول من حين كمل النصاب ولم يمض بعد، أو قال: هذه السخال من غير الأمهات؛ فلا تعد معها – كما قاله البندنيجي وغيره – حلف استحبابا؛ لأن دعواه لا تخالف الظاهر، والزكاة مبنية على الرِّفق والمواساة؛ فلو أوجبنا اليمين خرجت عن حد الرفق والمواساة. وهذا الذي ذكره الشيخ في المسألتين، هو الذي أورده العراقيون، وحكى الماوردي وجهين في قوله: بعته ثم اشتريته، ولم يحل عليه الحول – هل هو [من المخالف] للظاهر حتى يكون في وجوب اليمين الخلاف السابق، أو من الموافق للظاهر حتى تكون مستحبة قولاً واحداً؟ والصحيح الأول. وقد جمع القاضي الحسين والفوراني بين صور الدعوى المخالفة للظاهر والموافقة له، وقالا: على الساعي أن يصدقه؛ لأنه أمين، فإن اتهمه أحلفه، وهذا نصه في "المختصر" فيما إذا ادعى الدفع لساع آخر. قالا: وهذا الاستحلاف على معنى الاستحباب [أو على معنى الإيجاب]؟ فيه وجهان، المنسوب منهما في "تعليق" القاضي الحسين إلى ابن سريج: الثاني، وسلك الإمام طريقاً آخر ملخصه في جميع الصور: أن الساعي إذا لم يتهم رب المال فيما ادعاه، ودعواه لا تخالف الظاهر فلا يحلف، [وإن اتهمه] ودعواه تخالف الظاهر حلف. وإن خالفت دعواه الظاهر، لكنه عدل غير متهم، وإن كان الظاهر لا يكذبه واتهمه الساعي: فهل

стр. 2659

يحلف؟ فيه وجهان. ثم إذا قلنا: يحلف، فهل هو مستحب أو مستحق؟ فيه اختلاف للأئمة: فإن قلنا: إنها مستحبة، قال الإمام: فالذي أراه أنه يعرف ذلك، ولا يحرم عليه القول بالحلف؛ فإن أمر الإمام إرهاق، فإن امتنع أن يحلف لم يؤخذ منه شيء. وإن قلنا: إنها واجبة، فالذي حكاه العراقيون هاهنا: أنها تؤخذ منه؛ حيث قالوا: [إن الحلف واجب. وهو ما إذا كانت دعواه تخالف الظاهر وإنهم قالوا]: وليس ذلك قضاء بالنكول عن اليمين لكن بالوجوب الذي اقتضاه الظاهر الذي [لم يسقطه بيمينه]؛ كما أن الزوجة إذا لم تلاعن يجب عليها حدُّ القذف الذي وجب بلعان الزوج، ولم يسقط بيمينها. وقال ابن القاص: إن أخذ الزكاة منه في هذه الحالة حكم بالنكول. قال القاضي أبو الطيب هنا: وهو وهم منه، وليس على مذهب الشافعي حكم بالنكول بحال. وقال القاضي أبو الطيب في موضع آخر ما يقتضي مساعدة ابن القاص، وقد حكيته في باب اليمين في الدعاوى فليطلب منه. وقال أبو العباس بن سريج: لا يجوز أن يأخذ الزكاة منه [بنكوله، لكن يحبس حتى يحلف أو يؤدي؛ لأن في أخذ الزكاة منه] حكماً عليه بالنكول، ولا يجوز ذلك على مذهب الشافعي. قال الماوردي: وهذا الذي قاله غلط على الشافعي وعلى نفسه: فأما غلطه على الشافعي فمن وجهين: أحدهما: أنه خالف نص مذهبه. والثاني: أنه جهل تعليل قوله؛ لأن العلة في أخذ الزكاة منه: الظاهر المتقدم، لا النكول الطارئ. وأما غلطه على نفسه فهو أنه أوجب حبس رب المال بنكوله، والنكول لا يوجب الحبس كما لا يوجب الحكم بالحق؛ فكان مثل ما ارتكبه مساوياً لمثل ما أنكره. وقال المراوزة: حيث قلنا: اليمين مستحقة كما تقدم، فامتنع منها: فهل نقضي

стр. 2660

عليه بالنكول؟ ينظر: فإن كان في موضع أهل السُّهمان فيه محصورون، وقلنا: لا يجوز نقل الصدقة عنهم – فلا نقضي عليه به، بل المستحقون يحلفون إن أرادوا فإن لم يحلفوا ترك قال القاضي الحسين: وإنما قلنا ذلك؛ لأن الشافعي – ﵀ – قال: ولو وجبت عليه الزكاة وهناك ساكنون محصورون، فلم يدفع الزكاة إليهم حتى ماتوا - قال: تعطى الزكاة [إلى] ورثتهم، وكذا لو صاروا أغنياء تعطى إليهم. فجعلهم بمنزلة أرباب الديون، وهذا ما حكاه الإمام عن كثير من أئمتنا، وأنه الذي ذكره الصيدلاني، ثم: قال إن من أئمتنا من قال: لا تردُّ اليمين عليهم وإن تعينوا بسبب الانحصار ومنع النقل، وإنه الذي ذكره العراقيون، وهو في بعض تصانيف المراوزة؛ لأنهم وإن تعيَّنوا فسببه انحصارهم، وإلا فالزكاة تتعلق في قاعدة الشرع [الصفات لا بالأعيان]. ثم من يرى الرد عليهم فإنما ذاك فيه إذا ادعوا، قال: والقول في أن دعواهم هل تسمع وهل لها وقع، يخرج عندي على أن اليمين هل ترد عليهم لو نكل رب المال أم لا؟ وسنذكر- إن شاء الله تعالى – في الباب ما أبداه من البحث في تتمة ذلك في موضعه. وإن كان أهل السُّهمان غير محصورين أو محصورين لكنا لم نمنع النقل، أو منعناه، وقلنا: لا يحلفون عند نكول رب المال – فهل نقضي عليه بالنكول؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا؛ عملاً بقاعدة الشافعي – ﵀ – المستقرة، وعلى هذا قال الإمام: فهل نخلي سبيله أو يحبس حتى يحلف أو يعترف؟ اختلف فيه أصحابنا وظاهر المذهب: الأول، وقائل الثاني يعلله بأنا إذا كنا نخليه فلا فائدة للحكم بوجوب اليمين عليه والقضاء بأن استحلافه مستحق؛ فتعين حبسه حتى يحلف أو يعترف، قال الإمام: والحبس ليحلف، خروجٌ عن قاعدة الشافعي – ﵀ – وانسلال عن الضبط بالكلية، ولكن يجب القطع بإنه إذا كنا لا نقضي عليه بالنكول ولا يحبس؛ فلا يجب استحلافه، ولا يتفرع هذا قطعاً على رأي من يوجب الاستحلاف، ويجب رد الكلام إلى أنا إذا لم نقض بنكوله فلا يجب استحلافه، ومن تخيل خلاف ذلك فقد عاند، ويخرج من مضمون ذلك أن من الوجه نفي إيجاب الاستحلاف.

стр. 2661

قلت: وقد يظن ظان أن القول بحبسه قد ذكره الشيخ حيث قال في باب اليمين في الدعاوي: فإن نكل عن اليمين فإن كان الحق لغير معين [كالمسلمين والفقراء حبس] المدعى عليه حتى يحلف أو يدفع الحق. وليس الأمر كذلك؛ لأن الشيخ ذكر هذا حيث تكون اليمين واجبة وهاهنا إنما تكون [اليمين] واجبة عند العراقيين فيما إذا كانت دعواه تخالف الظاهر واتهم، وهو إذا امتنع عنها في هذه الحالة أخذت منه الزكاة؛ لما ذكرناه؛ فلا حبس. والوجه الثاني: أنه يقضي عليه بالنكول للضرورة، وإنما لا يقضي به في حق الآدميين؛ لإمكان حلفهم. وعلى هذا إذا: قضى به، قال مجلي: فهل يأخذها من ماله أو يحبسه حتى يؤديها؟ فيه وجهان. وقال القاضي الحسين هل تؤخذ من ماله أو يحبس [إلى أن] يقر أو يؤدي؟ فيه وجهان لابن سريج، وكذا حكاهما في "الإبانة". والوجه الثالث- وهو الذي صححه الفوراني، وقال الإمام: إنه أعدل الوجوه – أن رب المال إن تصور بصورة مدعى عليه فلا يقضي عليه به طرداً للقياس، وإن تصور في صورة مدعٍ قضي عليه به؛ فإنه لو حلف لكان على صورة مدعٍ مثبت، فإذا احتمل ذلك في تحليفه فليجر في نكوله على قياس نكول المدعي، ولو نكل المدعي عن اليمين المردودة عليه [لقضي عليه بنكوله]. قال الإمام: ومع هذا فيه شيء؛ فإن المودع إذا [ما] دعى رد الوديعة فاليمين فيها معروضة عليه، وهو على صورة المدعين، ولو نكل لم يقض عليه بنكوله، ولكن سبب منع القضاء عليه إمكان الرد على الخصم الذي هو مالك الوديعة، والرد غير ممكن في الزكاة وانضم إليه تصور من عليه الزكاة بصورة المدَّعين فقيل إنه [يقضي عليه مثل تصوُّره بصورة] المدعي عليه بما إذا قال: لم يحل [عليه] الحول، أو: ليس المال لي وإنما هو وديعة عندي، وتصوره بصورة المدعى بما إذا قال: قد

стр. 2662

أديت الزكاة إلى ساع آخر، أو: بعت المال ثم اشريته. وجعل الفوراني قوله: لم يحل عليه الحول، من القسم الثاني. والذي ذكره القاضي [الحسين] في حكاية الوجه [الثالث]، وعزاه إلى ابن سريج: أنه إن تصور بصورة المدعي عليه ونكل عن اليمين فلا يقضي عليه بالزكاة، وإن تصور بصورة المدعين، فإذا نكل قضي عليه لا بنكوله، لكن بالسبب السابق الذي أوجب الزكاة، ولم يأت بحجة يسقطها عنه، ومثل الصورتين بما ذكره الإمام، وحقيقة هذا الوجه ترجع إلى ما قاله العراقيون لولا أنه قاض بأنه إذا قال: ليس المال لي، بعدم الأخذ منه، فتأمله. والله أعلم. قال: وإن بذل الزكاة قبلت منه؛ لتبرأ ذمته، وتصل إلى مستحقيها. قال: والمستحب أن يدعي له؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم كما قاله الأكثرون، وبه أخذ الشافعي، وإن [كان] ابن عباس قال: "إن المراد بالصلاة الاستغفار"،ولأن في العداء له ترغيباً في الخير وتطييباً لقلبه. فإن قيل: ظاهر الأمر الوجوب، فلم عدلتم عنه، وهذا ظاهر قوله في "المختصر": "فحق على الوالي إذا أخذ صدقة امرئ أن يدعو له]، يقتضي الوجوب، فلم عدلتم عنه؟ قلنا: قد قال بظاهر هذا النص بعضهم؛ فأوجب على الإمام إذا أخذها الدعاء [له]، حكاه الحناطي، [وكذا الماوردي] وقال: إنه إذا أخذها الفقراء لم يجب عند هذا القائل. وقيل عكسه: إن الدعاء يلزم الفقير دون الإمام؛ لأنا دفعها إلى الإمام متعين، [وإلى الفقير غير متعين]، وقيل: إن سأل رب المال الدعاء وجب؛ لما روى عبدالله بن أبي أوفى عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ بصدقات قومي، فقلت: يا رسول الله، صل علي، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وليقع

стр. 2663

الفرق بين الجزية المأخوذة صغاراً وبين الزكاة المأخوذة تطهيراً، وهذا ما ادعى في "البحر" أن الماوردي صححه. والذي رأيته في "الحاوي" في كتاب الزكاة: تصحيح مقابله، وهو عدم الوجوب، وهو الذي صححه غيره، ولم يورد الشيخ في "المهذب" وأبو الطيب والقاضي الحسين غيره؛ لأنه – عليه السالم – لم يأمر معاذاً حين بعثه وأمره أن يأخذ الزكاة [به و] لأنه لم ينقل أنه – ﵇ – دعا لغير أبي أوفى مع أن الصدقات كانت تحمل إليه، وذلك دليل على عدم الوجوب، كذا قاله القاضي الحسين، ورواية البخاري ومسلم وغيرهما ترد عليه؛ فإنهم رووا عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان"، قال: فأتاه أب بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وأصحاب الشجرة هم الذين بايعوه بالحديبية تحت الشجرة سنة ست من الهجرة، وآل أبي أوفى قيل: المراد به أبو أوفى، و"الآل" تقع على ذات الشيء، وكذلك قوله – ﵇:"من مزامير آل داود"، وقيل: أراد به داود. وقد ادعى الماوردي في كتاب الزكاة أنه لم يختلف أصحابنا في أنه إذا لم يسأل رب المال الدعاء، فليس على الوالي أن يدعو له؛ لأن رب المال بدفع الزكاة مؤد لعبادة واجبة، وذلك لا يوجب على غيره الدعاء كسائر العبادات، وقال في قسم الصدقات ما حكيناه أولاً من قبل، [وقيل:] وعليه جرى في "البحر".

стр. 2664

الأمر، وهو اللائق بالحال. والمحكي في "المختصر" في كتاب الزكاة، وهوا لذي أورده ابن الصباغ والغزالي وغيرهما في ترتيب هذا الدعاء - أنه يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك لك فيما أبقيت. قال النواوي: وهذا أحسن وأشبه مما قاله المصنف. وفي "آجرك الله" لغتان مشهورتان: أجره الله - بالقصر - يأجره - بضم الجيم، وكسرها - أجراً. وآجره - بالمد - إيجاراً، كأكرمه إكراماً. والأجر: الثواب. وقد ادعى في "المذهب" [أن المستحب] أن يقول: اللهم صل على آل فلان؛ للخبر. وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه لا يجوز لأحد أن يصلي على أحد غير الأنبياء ابتداء، مثل أن يقول: أبو بكر أو عمر [أو عثمان] أو علي، [صلى الله عليه]، وإنما يجوز على سبيل التبعية كما يقال: اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه. وما فعله النبي ﷺ مخصوص به؛ لأن الصلاة منصبه فكان له أن يخص بها من شاء؛ كما أن صاحب الدار والمجلس يرفع من أراد إلى مجلسه وصدره، وليس لغيره في داره ومجلسه أن يرفع أحداً دون إذنه. وهذا ما حكاه الإمام عن الأئمة، لكنه أبدل لفظة "لا يجوز ذلك" بأنه: "لا ينبغي ذلك"، وأن الذي كان عليه الناس في الأعصار السالفة قبل ظهور الأهواء ترك ذلك؛ فلم يكن أحد من الأولين يقول: أبو بكر، رضي الله تعالى عنه. وهو كما أن قول القائل: الله فإنه لا يسوغ استعماله في حق غير الله، وإن كان "الجليل" من "الجلال" و"العزيز" من "العزة". وقال: [إن] الشيخ أبا محمد كان يقول: السلام بمنزلة الصلاة فيما ذكرناه. [قال الرافعي] لأن الله - تعالى - جمع بينهما فقال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] فلا يقول: أبو بكر وعلي ﵉، وكذا غيرهما لا يفرد به في حال الغيبة.

стр. 2665

قال الرافعي: ولا بأس به في معرض المخاطبة، فيقال للأحياء وللأموات من المؤمنين: سلام عليكم. قال في "الروضة": وقول الرافعي: "لا بأس [به] "، ليس بجيد؛ فنه مسنون للأحياء والأموات بلا شك، وهذه الصيغة لا تستعمل في المسنون؛ فكأنه أراد: لا منع منه في المخاطبة بخلاف الغيبة، وأما استحبابه في المخاطبة فمعروف. ثم قال الإمام: [وظاهر] ما ذكره الصيدلاني: أن الصلاة على غير الرسل في حكم ترك الأولى والأدب، وهذا لا يبلغ مبلغ ما يوصف بالكراهة. وفي هذا أدنى نظر؛ فإن المكروه يتميز عندنا عن ترك الأولى؛ فإنما يفرض فيه نهي مقصود كالنهي عن الاستنجاء باليمين، وقد ثبت نهي مقصود في التشبه بأهل البدع وإظهار شعارهم؛ وذكر الصلاة والسلام مما اشتهر بالفئة الملقبة بالرفض، وينضم إليه تقوي السلف عن إطلاق ذلك مقصوداً في غير الأنبياء، ﵈. وحاصل ما ذكره الإمام: أن فعل ذلك ترك للأولى أو مكروه؟ فيه خلاف، الراجح عنده: الثاني، وهو الذي حكاه الرافعي عن القاضي الحسين، وعن صاحب "العدة" التصريح بنفي الكراهة؛ فإنه قال: إنما "الصلاة" بمعنى "الدعاء"؛ فتجوز على كل أحد أما بمعنى التعظيم والتكريم فيختص بها الأنبياء، ﵈. وأنت إذا أجريت ما حكيته من لفظ القاضي الحسين على ظاهره جاءك في المسألة أوجه: أحدها: أن ذلك لا يجوز. والثاني: أنه مكروه. والثالث: أن فاله تارك للأولى غير مرتكب لمكروه. والرابع: أنه مباح إذا كان بمعنى الدعاء، ممتنع إذا كان بمعنى التعظيم. والخامس: [أنه] مستحب في حق مؤدِّي الزكاة كما قال في "المهذب"، ولم أقف عليه لغيره، بل المذكور فيها ما حكيناه عن النص، وأنه بأي دعاء دعا إذا كان
следующие страницы →