← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

لا يجوز له الأكل والشرب إلى طلوع الفجر، خالف نص القرآن، وإن قال: يجوز له ذلك، فإنه يوجب عليه النية بعد طلوع الفجر؛ وهذا باطل على المذهب. ولأنه مفطر في الليل وإن لم يأكل؛ فتركه الأكل والجماع مع كونه مفطراً غير مفيد. وقد حكى أبو الطيب وغيره عن أبي سعيد الإصطخري أنه قال: يستتاب أبو إسحاق؛ فإن تاب وإلا قتل. وحكى أن أبا إسحاق رجع عن قوله في هذه المسألة، أي: عام حجه؛ كما قاله [الفوراني والإمام] وأنه أشهد على نفسه. وقال البندنيجي وابن الصباغ: إن هذا القول يحكي عن أبي إسحاق حكاية، وليس بموجود في كتبه. واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الصبي لو نوى صوم رمضان بالنهار لا يصح وإن كان نفلاً في حقه، وكلام الشافعي في "المختصر" يخرّجه؛ فإنه قال: "ولا يجزئ أحداً [صيام] فرض شهر رمضان ولانذر ولا كفارة إلا من ينوي من الليل قبل الفجر". قال: ويصح النفل بنية قبل الزوال، أي: إذا لم يكن قد فعل ما ينافيه، [ولا يصح بنية بعده].

стр. 2872

ووجه صحته بنية قبل الزوال: ما روى مسلم عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: "هل عندكم شيء؟ " فقلنا: لا، قال: "فإني إذاً صائم". ثم أتانا يوماً آخر، فقلنا: يا رسول الله، أهدي لنا حيس، فقال: "أرينيه؛ فلقد أصبحت صائماً"، ثم أكل. وروى – أيضاً – عن الربيع بنت معوذ أن عفراء قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: "من كان أصبح صائماًن فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً، فليتم بقية يومه". ومعلوم أن يوم عاشوراء كان نافلة؛ فإنه لم يأمر من أفطر بالقضاء مع شدة حاجتهم إلى بيان الحكم فيه أن لو كان واجباً، وقد أمرهم بصومه نهاراً. وقد [جاء في] حديث عائشة أنه قال: "هل عندكم من غداءٍ؟ "؛ والغداء – كما قال أبو الطيب -: اسم لما يؤكل قبل الزوال، والمأكول بعد الزوال يسمى: عشاء. ووجه عدم صحته بنية بعد الزوال: التمسك بحديث حفصة، وما قبل الزوال خرج بما ذكرناه. ولأنه لو جاز بنية بعد الزوال لخلا معظم العبادة عن النية، بخلاف ما قبله. وقد حكى الإمام عن شيخه تردداً مع التفريع على هذا القول فيما إذا وقعت نيته.

стр. 2873

بعد منتصف الزمان من طلوع الفجر إلى الغروب، وهو يقع ضحوة، والمنع موافق لمن اعتبر أكثر العبادة. قال الإمام: ولعل من اعتبر الزوال على هذا اعتبره؛ لأنه بني، وضبط وسط الوقت مع الاحتساب من طلوع الفجر عسير، ولا خلاف أن [النهي عن] السواك منوط بما بعد الزوال؛ فإن المرعي فيه ظهور الخلوف، وهو في الغالب مختص بما بعد الزوال. وعن المزني: أنه لا يصح النفل إلا بنية من الليل؛ لخبر حفصة، وبه قال بعض الأصحاب، وهو البلخي. قال الإمام: وهو القياس، وفعله – ﵇ – وأمره يرد عليهما. وقيل: يصح بنية بعد الزوال أيضاً؛ [أي]: إذا لم يتصل آخر نيته بغروب الشمس؛ لأنه لما كان الليل محلاً للنية في صوم الفرض [واستوى حكم جميعه فيها، وكان النهار محلاً للنية في صوم التطوع] – وجب أن يستوي حكم جميعه فيها، وقول الربيع لا حجة فيه؛ لجواز أن الأمر لم يبلغهم إلا بعد الزوال؛ وهذا ما نقله حرملة؛ كما قال القاضيان أبو الطيب والحسين، وحكاه البندنيجي عن نصه في "اختلاف على وعبد الله"، وقال: "إنه إذا اتصلت نيته بغروب الشمس، لم يصح قولاً واحداً"، والأول هو ظاهر ما نقله المزني والربيع، وقال القاضيان أبو الطيب، والحسين: إنه الذي نص عليه في القديم والجديد. والفرق بين جميع الليل وجميع النهار: أن اعتبار النية في الليل إنما كان للمشقة، فلو اختصت بوقت منه، تحصلت، وليس كذلك النية قبل الزوال؛ فإنه لا مشقة فيها. وحكى القاضي الحسين عن القفال: أنه كان يبني هذا الخلاف على أصل [آخر] مقصود في نفسه، وهو أنه إذا نوى قبل الزوال من أي وقت يصير صائماً؟ وفيه وجهان: أحدهما – وهو قول أبي إسحاق-: أنه يكون صائماً من وقته، وقبل ذلك يكون

стр. 2874

ممسكاً إمساك عادة، لا يثاب عليه، وهو الأصح في "الإبانة"،وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه القائسون. قال الرافعي: ويقال: إنه اختيار القفال؛ لأن النية في العبادات شرط، والعبادة لا تسبق الشرط. والمذهب أنه يكون صائماً من أول النهار، وبه قال أكثر الأصحاب؛ كما قال الماوردي وأبو الطيب. فإن قلنا: يصير صائماً من أول النهار، لم تجزئه النية بعد الزوال؛ لأنه لم يبق معظم النهار. وإن قلنا: يصير صائماً من قوت النية، صحت نيته بعد الزوال. وهذا فيه نظر من وجهين: [أحدهما]: أن الخلاف المذكور في وقت النية- كما ذكرنا – قولان، فكيف يمكن بناؤهما على وجهين أو على قول ووجه؟! والثاني: أن الرافعي وغيره حكوا الخلاف في انه هل يكون صائماً من وقت نيته أو من أول النهار فيما إذا كان نوى قبل الزوال أو بعده وصححناه، ولو كان

стр. 2875

مبنياً على ما ذكره، لم يكن يما إذا نوى بعد الزوال خلاف في أنه يكون صائماً من وقته. وقد غلط الماوردي أبا إسحاق فيما قاله، وصحح خلافه؛ موجهاً له بأنه: لو أكل في أول النهار، ثم نوى أن يصوم بقية نهاره، لم يصح؛ لامتناع تبعيض الصوم، وتفريق حكم اليوم؛ فإذا كان ذلك ممتنعاً، وقد حكم له بصوم بعض اليوم، وجب أن يحكم له بجميعه، ولا بعد في ذلك؛ فإن المصلي إذا أدرك الإمام في الركوع، حسب له جميع الركعة وثواب جميعها وإن كان مدركاً لبعضها. وقد حكى القاضي الحسين عن الشيخ أبي زيد من أصحابنا والفوراني عن ابن سريج والرافعي عن ابن جرير الطبري: أنهم قالوا: لو أكل، ثم نوى صوم التطوع، صح صومه. قال القاضي: وهو خلاف النص الذي لم يورد البغوي غيره. وقال الفوراني في توجيه ما صححه: لا يمتنع أن تكون عبادة في وقت، ويشترط تقديم شرط على ذلك الوقت؛ كما أن من أدرك الجمعة، فجمعته من وقت ما يشرعه في الصلاة، ويشترط تقديم الخطبة. وقد قال بعضهم: إن ما حكى عن أبي زيد لا يحل نقله، أي: للعمل به. ثم الخلاف المشهور فيما إذا طهرت الحائض أو أسلم الكافر في أثناء يوم، ثم نوى التطوع، فإن قلنا: إنه يكون صائماً من أول النهار، لم يصح، وألا فوجهان، حكاهما المتولي، وكذا الإمام عن شيخه مع قطعه بأنه إذا كان قد أكل لا يصح صومه، وقال: [إنه لعمري] يقرب بعض القرب، فأما تصوير الصوم بعد الأكل في النهار فهو في حكم الهزو عندنا. قال: ولا يصح صوم رمضان ولا غيره من [الصيام] الواجب - أي: وإن تعين وقته: كقضاء ما عليه من رمضان إذا لم يبق من شعبان إلا قدره، ونذر صوم يوم

стр. 2876

بعينه- إلا بتعيين النية، أي: بأن ينوي في كل ليلة: أنه صائم غداً من رمضان، أو عن قضائه، أو عن نذره، أو عن كفارته؛ على حسب ما هو عليه؛ لقوله – ﵇: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر" وقوله: "إنما الأعمال بالنيات". ووجه الدلالة من ذلك: أنه إذا لم يعين رمضان، ولا قضاءه، ولا النذر، ولا الكفارة – لم يجمع صوم ذلك من الليل ولا نواه، وقد وافق [الخصم] – وهو أبو حنيفة- فيما سيقت المسألة لأجله، وهو صوم رمضان في الحضر على أنه لا يصح صوم قضائه والنذر المطلق والكفارة إلا بالتعيين. فنقول له: صوم رمضان عبادة يفتقر قضاؤها إلى تعين النية؛ فوجب أن يفتقر أداؤها إلى التعيين، وأصل ذلك الصلاة. فإن قيل: رمضان يقبل الفطر والصوم؛ فلذلك افتقر إلى أصل النية، ولا يقبل صوماً غيره فلهذا لم يشترط التعيين فيها [بخلاف] زمن قضائه والنذور والكفارات؛ فإنه يقبل ذلك ويقبل غيره؛ فافتقر إلى التعيين في نيته؛ كما في أوقات الصلاة. قلنا: قد قال به الحليمي من أصحابنا لهذا الفرق؛ كما ذكره المتولي، لكنه لا أثر له عند الخصم؛ لأنه [لا] يجوز الصوم فيما إذا نذر صوم يوم بعينه من غير تعيين وإن كان ذلك الزمن [لا] يقبل صوماً غيره، وكذلك لو نوى المسافر الصوم وأطلق انصرف إلى رمضان عنده وإن قبل عنده صوماً غيره من النذر والقضاء والكفارة، فإذا تقرر أنه لابد من ذلك، فهل يشترط معه التعرض للفرضية والأداء وكونه من رمضان هذه السنة؟ فيه وجهان: المنسوب منهما [إلى أبي] إسحاق في الأولى – وهو الذي صححه أب والطيب والبغوي – الاشتراط. وإلى مقابله فيها ذهب ابن أبي هريرة، وهو المذهب في "تعليق" البندنيجي،

стр. 2877

وسكت العراقيون عن الكلام فيما عداها، والخلاف فيه مذكور في الطريق المراوزة. قال الإمام: وقول بعض المتأخرين: إنه يجب أن ينوي أداء رمضان هذه السنة غير محتفل به عندي، وإنما [هو] تحريف في الفهم. ولا خلاف في انه لا يشترط النطق بشيء من ذلك، وإن حكى وجه في اشتراط النطق بالمنوي في الصلاة. وإذا عرفت ذلك، عرفت أن النية الكاملة في رمضان: أن ينوي صوم الغد من أيام شهر رمضان هذه السنة أداء لله تعالى. فرع: لو نوى قضاء فريضة أول يوم من رمضان والفائت يوم آخر، أو نوى أن يقضي يوماً من رمضان [عينه كذا والفائت من رمضان] آخر – قال في التتمة: لا يجزئه، وهو ما حكاه البندنيجي عن الشيخ أبي حامد، وحكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه وجهاً مع وجه آخر: أنه يجزئه، وهما في المهذب احتمالان. ووجه المنع: القياس على ما لو كانت عليه كفارة القتل، فأعتق عن كفارة الظهار، لا يجزئه. قال في "التتمة": وهذا بخلاف ما لو قال في الأداء: نويت صوم غد من رمضان سنة كذا، وكانت السنة [غير] التي عينها، أو قال: يوم الاثنين، واليوم يوم الثلاثاء – فإن الصوم صحيح؛ لأن الوقت متعين، فالخطأ في السنة لا يضر، وهو ما أبداه ابن الصباغ احتمالان لنسه – كما قال بعضهم – أخذاً من قول القاضي أبي الطيب في "المجرد": إنه إذا نوى أن يصوم غداً من رمضان هذه السنة، وظنها سنة تسعين أو اثنتين وتسعين، وكانت [سنة] إحدى وتسعين، أو نوى أن يصوم غداً وهو يظنه

стр. 2878

يوم الإثنين، وكان يوم الثلاثاء – إنه يصح. وإن كان المحكي عن القاضي أبي الطيب فيما إذا نوى صوم الغد من رمضان سنة اثنتين وتسعين، وكانت سنة إحدى وتسعين – أنه لا يصح. قال بعضهم: ولعل القاضي فرع في أمر السنة على أن تعيين السنة في النية شرط، كما تقدم. قال: ويصح النفل بنية مطلقة [كما تصح صلاة النفل بنية مطلقة]. واعلم أن كل ما يجب التعرض له في النية، فلابد من العلم به وإحضاره بالبال؛ ليتعلق القصد به، فإن أحضره بقلبه، ولم يعلم معناه، لم يجزئه؛ لاستحالة صحة القصد مع الجهل به، والمقصود معنى الألفاظ دون صورها. ولا يشترط في تعيين النية في رمضان أن تستند إلى تحقيق أن ذلك من رمضان. نعم، لابد أن تستند إلى علم أو ظن شهد له الشرع بالاعتبار، وهو الناشئ عن استصحاب الحال في آخر يوم من رمضان إذا وقع الشك فيه أو إخبار عدل بالرؤية في ليلة الثلاثين من شعبان، وكذا إخبار المرأة والعبد إذا [وثق بهما] [كما] صرح به القاضي أبو الطيب وغيره، وحكاه البندنيجي عن الشيخ أبي حامد، ولم يحك سواه. ولو كان قد غلب على ظنه دخول الشهر بحساب النجوم أو منازل القمر، أو أخبره [بذلك] من يثق به منهم – فقد تقدم الكلام فيه. والظن الناشئ عن الاجتهاد في حق الأسير ومن في معناه كاف فيما نحن فيه، كما تقدم. ولو وجد التعيين مع انتفاء العلم والظن الناشئ عما ذكرناه، كما إذا نوى ليلة الشك أنه صائم غداً من رمضان – فقد حكى الإمام عن رواية صاحب "التقريب" وجهين في المسألة، والشهور: عدم الصحة؛ لأن الجزم غير ممكن، فإن صور

стр. 2879

مصور جزماً فذاك إجراء حديث تعيين، وليست النية حديثاً، وإنما هي قصد واقع، ولا يتصور مجرده مع التردد في المقصود. ومن طريق الأولى إذا نوى صومه من رمضان – إن كان من رمضان – وتطوعاً إن كان من شعبان، بان أنه من رمضان؛ لأجل التعليق. وحكى الفوراني عن المزني: أنه يجزئه، وليس بشيء. وقد حكى الإمام مثله عن طوائف من الأصحاب فيما إذا ردد النية هكذا؛ وكان قد ثبت عنده أصل يثبت غلبة الظن: كشهادة عدل، أو وصية ذوي رشد، وقال: إنه لعمري موافق لمذهب المزني، فظاهر المذهب: أنه لا يصح صومه عن رمضان، ولو بان منه. نعم، [لو بان أنه] من شعبان، وقع نفلاً. قال في التتمة: لأن نية النفل اعتضدت بأصل، وهو بقاء شعبان؛ فصار كما لو كان له مال غائب، فقال: هذا زكاة مالي الغائب إن كان سالماً، وإن لم يكن سالماً فنافلة، فبان سالماً – يجزئه. وعلى هذه المسألة قاس البندنيجي ما إذا نوى [ليلة] آخر يوم من رمضان: أنه صائم غداً من رمضان إن كان منه، وإلا أفطر؛ فبان من رمضان: أنه يصح له. قلت: ويتجه فيما إذا نوى ليلة الشك الصوم عن رمضان، فبان أنه من شعبان: أنه هل ينعقد نفلاً أم لا – [الخلاف فيما إذا نوى صوم الفرض بالنهار؛ فإنه لا يصح رضاً، وهل يصح نفلاً أم لا؟] كما هو فيما إذا تحرم بالظهر قبل الزوال. فروع: أحدها: إذا نوى صوم الغد من رمضان – إن شاء الله –فهل تصح نيته؟ قال في "الحاوي": الصحيح: أنه لا صوم له.

стр. 2880

وفيه وجه آخر: أن صومه جائز؛ لعلتين مدخولتين: أحداهما: أن قوله: "إن شاء الله" قول باللسان، والنية اعتقاد بالقلب، والأقوال لا تؤثر في الاعتقاد. والثاني: [أن الله شاء] صومه. والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين و"التهذيب": أنه إن قصد بذلك الشك في فعله، لم تصح، [وإن قصد] الإعانة من الله – تعالى- صحت، وإن أطلق لم تصح، وبذلك يحصل في المسألة ثلاثة أوجه، وقد حكاها في "البيان"، ونسب الثالث إلى ابن الصباغ. الثاني: إذا نوت الحائض قبل أن تطهر صوم الغد، فانقطع دمها قبل الفجر، [فهل] تجزئها تلك النية؟ نظر: إن لم تكن لها عادة بانقطاع دمها في ذلك الوقت، لم تكفها، وإن كانت عادتها ذلك، فوجهان [في] تعليق القاضي الحسين وغيره، وهذا فيما إذا نوت قبل انتهاء أكثر الحيض، فإن نوت وكان انتهاء مدة الحيض قبل الفجر، أجزأها ذلك. الثالث: لو قال: أتسحر؛ لأقوى على الصوم، قال أبو المكارم في "العدة": لم يكف. قال الرافعي: ونقل بعضهم عن نوادر الأحكام لأبي العباس الروياني: أنه لو

стр. 2881

تسحر للصوم، أو شرب لدفع العطش نهاراً، أو امتنع من الأكل والشرب والنكاح؛ مخافة الفجر – كان ذلك نية للصوم. قال: وهذا هو الحق إن خطر بباله الصوم بالصفات التي شرط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحر ليصوم كذا، فقد قصده. قال: ومن مرض، فخاف الضرر –أي: إن صام- جاز له أن يفطر، وعليه القضاء – أي: إذا برئ، وتمكن منه – لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] تقديرها: فأفطر فعدة من أيام أخر، ومثل هذا الإضمار ملحق [بلحن] القول، وهو ما يفهم من سياق القول، وإن لم يصرح به؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]، وأعاد الله – تعالى- هذه الآية وإن كان قد ذكرها من قبل بلفظ الفاء؛ ليعلم أن هذا الحكم ثابت بعد النسخ، فإن هذه الآية نسخت ما قبلها كما تقدم. ولا فرق في جواز الفطر لأجل المرض بين أن يكون قد طرأ قبل الفجر أو بعده، بخلاف ما سنذكره في السفر. نعم، إن كانت عادة المرض أن يأتيه في وقت دون وقت، فإن كان وقت الشروع فيه، فله ترك النية، وإلا فعليه أن ينوي من الليل، ثم إن عاد واحتاج إلى الإفطار، أفطر، ولا يجب عليه مع القضاء فدية إن كان فطره بغير الجماع، سواء قصد بفطره الترخص وقد نوى من الليل الصوم، أو لم يقصده. وفي تعليق القاضي الحسين وغيره: أنه إن نوى بفطره الترخص فلا فدية عليه، وإن لم ينو الترخص [فيه وجهان] ينبنيان على أن الصحيح إذا أفطر متعمداً، هل تلزمه الفدية؟ وفيه وجهان: إن قلنا هناك: لا تلزمه، فهاهنا أولى. وإن قلنا هناك: لا تلزمهن فهاهنا وجهان. والفرق: أنه هاهنا معذور، بخلاف ثم. وأما إذا كان فطره بالجماع، وقد نوى الصوم من الليل، فيظهر أن يكون الحكم فيه

стр. 2882

كالمسافر، وسنذكره، كما أن المسافر إذا نوى الصوم، وأكل حيث يجوز له لو قصد الترخص أو لم يقصده – ينبغي أن يكون حكمه في الفدية كما حكيناه عن القاضي في حق المريض أيضاً؛ لاستوائهما في العذر. والمراد بخوف الضرر هاهنا –كما قال في "المهذب" -: خوف الزيادة فيه عند الصوم، ورجاء زواله عند فقده. وغيره اكتفى برجاء خفة المرض عند الفطر أو وقوفه. وعبارته في "التهذيب": أنه إذا كان يجهده الصوم، ويلحقه بسببه ضرر يشق عليه احتماله – جاز له الفطر. ويجهده: يقال بفتح الياء والهاء، وبضم الياء وكسر الهاء، والأول أفصح. وفي "النهاية" في باب التيمم أو جماع التيمم: أن الأصحاب قالوا: المرض الذي يجوز فيه الفطر هو الضرر الظاهر، وعندي أنه كل مرض يقع منه التضرر مع الصوم، وهو المعني بالضرر الظاهر الذي ذكره الأصحاب، فإنه جاز الإفطار لأجل السفر؛ حتى لا يتعذر على طوائف يكثرون التقلب في أسفارهم. وعن "البسيط": أن بعض الأصحاب قال: إنه يكفي فيه ما يسمى: مرضاً، واستوهنه، واختار: أنه إذا كان الضرر ظاهراً، أو كان يزداد بالصوم ولو أفطر لوقف أو خف، ومن عطش فخاف الهلاك إن لم يشرب – قال في "التتمة": يباح له الفطر كالمريض. وهذا ما يشعر كلام البندنيجي أن الشافعي قاله؛ لأنه قال: [إن] الشافعي [قال] في "حرملة" و"البويطي": "لا فدية على الشيخ الهم أصلاً، كمن أجهده العطش فأفطر؛ فإنه لا كفارة عليه". أما إذا أفطر واتصل مرضه بالموت، لم يجب عليه

стр. 2883

شيء، صرح به الأصحاب. قال: ومن سافر قبل الفجر سفراً يقصر فيه الصلاة، جاز له أن يفطر، أي: إما بترك النية من الليل، أو بتعاطيه ما سنذكره من المفطرات في النهار بعد نيته من الليل، واستمر السر؛ للآية، ولقوله – ﵇: "إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة"، وأراد: إذا اختار الفطر والقصر، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه أفطر في السفر، وصام فيه، وكذلك الصحابة. وروى البخاري ومسلم عن أنس قال: "سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان، فصام بعضنا، وأفطر بعضنا، ولم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم". وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري نحوه. قال في "المهذب": ويحتمل عندي أنه لو أراد أن يفطر في اليوم الذي شرع في صومه، وهو بعد في السفر – لم يكن له ذلك؛ لأنه دخل [في] فرض المقيم؛ فلا يجوز له أن

стр. 2884

يترخص برخصة المسافر؛ كما لو دخل في الصلاة بنية الإتمام، ثم أراد أن يقصر. وقد أبدى الإمام هذا الاحتمال – أيضاً – لنفسه، وحكاه القاضي الحسين في [باب] صوم التطوع وجهاً للأصحاب. وقال الإمام: إنه لا ينفعه إلحاق السفر بالمرض؛ فإن المريض إذا أصبح صائماً، ثم عنَّ له الفطر، جاز؛ لأنا لو جرينا على هذا التشبيه، للزم أن يقال: من أصبح صائماً مقيماً، ثم سافر، يجوز له أن يفطر؛ كما لو كان صحيحاً في أول النهار ثم مرض، وهذا لا يجوز. قلت: الدافع له رواية جابر أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان حتى بلغ كراع الغميم فصام وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، فدعا بقدح من ماء بعد العصر، فشرب والناس ينظرون. كذا أورده في التتمة، وقال: إن مسلماً رواه في صحيحه. والفرق بين ما نحن فيه على المذهب وبين الإتمام إذا قدم من السفر: ما قاله الماوردي: إن الفطر يضمن بالقضاء وعذر الإفطار قائم بدوام السفر، وليس كذلك القصر؛ لأنه لا يضمن بالقضاء، وقد ضمنه بالإتمام عن نفسه؛ ولهذا المعنى فصل بينهما. والقاضي الحسين فرق بأنه مخاطب مأمور بأصل الصلاة في سفره، إلا أنه رخص له في القصر، فإذا شرع فيه فقد أعرض عن الرخصة؛ فلزمه الإتمام، ولا كذلك الصوم، فإنه يباح له أن يخلي الوقت عن الصوم أصلاً؛ فجاز أن يخرج عنه بعد الشروع فيه؛ وعلى هذا هل [يكره له] الفطر؟ روى عن القاضي الحسين حكاية وجهين فيه.

стр. 2885

فرع: حكاه الإمام في صالة المسافر عن العراقيين -: إذا أفطر المقيم في يوم من رمضان بعذر، ثم سافر، وشرع في القضاء، ثم عَّن له في أثنائه أن يفطر مترخصاً – فله ذلك؛ كما يفطر في أداء رمضان مسافراً. ولو كان أفطر مقيماً عاصياً من غير عذر، ثم سافر وشرع في القضاء، ثم أراد أن يترخص بالإفطار – فهل له ذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: [لا]؛ لأنه كان عاصياً بالإفطار أولاً، وكان يجب عليه القضاء على الفور، فإذا شرع فيه لم يجز له قطعه. والثاني: له ذلك؛ فإن المعصية قد انقضت، وهو الآن غير عاص بسفره، وهو مرخص للفطر. قال: والأفضل أن يصوم – أي: إذا قدر عليه من غير هجد – لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولرواية أبي داود عن سنان بن سلمة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ :"من كانت له حمولة، ويأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه". ولأن الأداء أفضل من القضاء. ولأن الأصل وجوب الصوم، والفطر رخصة؛ فكان الإتيان بالأصل أفضل، دليله غسل الرجلين مع القدرة [على مسح] الخفين؛ فإنه أفضل.

стр. 2886

والفرق بين ما نحن فيه والقصر حيث قلنا: إنه أفضل على أصح القولين: أن ذمته تبرأ بالقصر من غير ضرر يلحقه في نفس ولا مال، والفطر يوجب القضاء؛ فتبقى الذمة مشغولة. والمسح ينقص مالية الخف، وذلك ضرر. أما إذا كان يجهده الصوم ويدخل [عليه] به الضرر، قال القاضي الحسين: فالفطر له أفضل بلا إشكال، كما في حق المريض، ويدل عليه رواية مسلم عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ في سفر، فرأى رجلاً قد اجتمع الناس عليه، وقد ظلل عليه، فقال: "ما له؟ "قالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﷺ : "ليس [من] البر أن تصوموا في السفر إذا كنتم لا تطيقونه كهذا". وألحق الأصحاب بذلك من يطيق الصوم، لكن سفره للغزو أو سفر حج، وكان يخاف أن لو صام لضعفت قوته، قاله المتولي. وفي مسلم ما يدل على ذلك في حالة الغزو. قال: فإن أفطر، لزمه القضاء – أي: إذا تمكن منه بعد الإقامة – للآية، أما إذا اتصل سفره بالموت، فلا شيء عليه، وإنما خصصنا الفطر بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة؛ لأنه إسقاط فرض يتعلق [بمسافة؛ فوجب أن يتقدر بأربعة برد أصله: قصر الصلاة. وقد روى البخاري] بإسناده عن ابن عباس وابن عمر: أنهما كانا يفطران ويقصران في أربعة برد، ولم ينكر عليهما [أحد]. واعلم أنه لا فرق في كون الصوم أفضل من الفطر بين أن يبلغ سفره ثلاثة أيام فأكثر أو لا يبلغ [ذلك]؛ لما ذكرناه، نعم، هو فيما بلغ الثلاث أفضل؛ لوجه آخر،

стр. 2887

وهو الخروج من خلاف أبي حنيفة؛ فإنه لا يجز الفطر فيه كالقصر، وبهذا ينتفي وهم من قد يتوهم أن كلام الشيخ يعود إلى هذه الصورة؛ لأنه أناط الجواز والأفضلية في الصوم بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، وهو أربعة برد كما تقدم. وقد احترز الشيخ بقوله: "قبل الفجر" عما إذا سافر بعد الفجر، وقد نوى الصوم [في الليل فنه يلزمه إتمام الصوم] كما لو تحرم بالصلاة في الحضر، ثم سافر. وعن المزني: أنه بالخيار: إن شاء أتم، وإن شاء أفطر؛ لفطره – ﵇ – حيث بلغ كراع الغميم وقد خرج إلى مكة، كما تقدم. وفي "التتمة" نسبة هذا القول إلى أبي إسحاق المروزي، وهو اختيار ابن المنذر؛ كما قاله ابن التلمساني، وزعم الموفق بن طاهر: أنه قاله ابن خيران؛ ولأجل ذلك حكى الحناطي طريقاً: أن المسألة على وجهين، والمذهب الأول. قال البندنيجي: وقد حكى عن المزني: أنه رجع عن هذا وخط عليه في "المنثور"، وقال: "يلزمه الإتمام"؛ لأنه كان يظن أن صومه – ﵇ – وفطره كان في يوم واحد، وليس كذلك؛ فإن بين المدينة وكراع الغميم مراحل، هي ثمانية أيام، كما قال الإمام. وفي "الرافعي": [أنه إنما رجع عن الاستدلال بالحديث، لا عن مذهبه. ويقر منه قول الإمام]: إنه يأتي في بعض النسخ استدلاله بالحديث مخطوطاً عليه. قال: وإذا خافت الحامل والمرضع على أنفسهما، أي: ضرراً بينًّا من الصوم، مثل: الضرر الذي ينشأ للمريض من الصوم – كما قال البندنيجي – أفطرتا، وعليهما القضاء بالقياس على المريض، ولا يجب عليهما الفدية، وهو مما لا يختلف المذهب فيه، كما قال أبو الطيب. ولا فرق بين أن يتضرر الولد معهما أو لا، كما قاله القاضي الحسين. قال: وإن خافتا على ولديهما – أي: مثل أن خافت الحامل أن يسقط الحمل، أو المرضع أن يقل اللبن، فيهلك الولد أيضاً أفطرتا، لقوله – ﵇: "إن الله

стр. 2888

وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، ون الحبلى والمرضع الصوم" أخرجه النسائي. قال: وعليهما القضاء؛ لأنه إذا وجب عند الفطر للخوف على النفس، فعند عدمه أولى، وهذا مما لا خلاف فيه. قال: وفي الفدية ثلاثة أقوال: أحدها: [أنه يجب] عليهما عن كل يوم مد من طعام؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأوجب الفدية على [كل] من أطاق الصيام، فأفطر. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: "الحامل والمرضع إذا أفطرتا، يجب عليهما الفدية، عن كل يوم مد لمسكين" ولا مخالف لهما. ولأنه فطر بسبب نفس عاجزة عن الصوم في أصل الخلقة، فأوجب الفدية؛ كالشيخ الهم. ولأنها مقيمة صحيحة باشرت الفطر لعذر معتاد، فوجبت عليها الفدية كالشيخ الهم، وهذا ما نص عليه في عامة كتبه من "المختصر" و"الأم" والقديم؛ قاله أبو الطيب. والثاني: أنها مستحبة، أما كونها لا تجب؛ فلقوله – ﵇:"إن الله وضع عن المسافر الصوم ... " الخبر، فسوى بين المسافر وبينهما في وضع الصوم، والمسافر لا تجب عليه الفدية مع القضاء، فكذا هما. ولأنهما أفطرتا بعذر، فوجب القضاء؛ فلم تجب به الفدية، أصله: فطر المريض والمسافر، والمراد قياس الحامل على المريض؛ لأن الضرر الذي يصيب الولد يتعدى

стр. 2889

إليها وقياس المرضع على المسافر؛ لأنهما يفطران كي لا يمنعهما الصوم عما هما بصدده، وهو السفر والإرضاع. قال الرافعي: وقد يشبهان معاً بالمريض والمسافر؛ من حيث إن الإفطار سائغ لهما، والقضاء يكفي تداركاً. وقولنا: يوجب القضاء، احتراز من فطر الشيخ والشيخة الهمَّين؛ فإنه لا يجب القضاء ويجب عليهما الفدية. وأما استحبابها فللخروج من الخلاف، وهذا ما حكاه أبو علي الطبري في الإفصاح، كما قال أبو الطيب وغيره. وفي تعليق القاضي الحسين: أن بعضهم حكاه عن رواية حرملة، وكذلك قاله الرافعي، واختاره المزني وابن المنذر، كما قال ابن الصباغ والروياني في "الحلية". والثالث: أنها تجب على المرضع دون الحامل؛ لأن المرضع أفطرت لمعنى منفصل عنها؛ [ففارقت المريض والمسافر، والحامل أفطرت لمعنى متصل بها]؛ لأن الولد إذا تضرر لحقها ضرره، فأشبهت المريض، وهذا ما نص عليه في "مختصر" البويطي، قال القاضي الحسين: وهو اختيار المزني. وعن الشيخ أبي حامد حكاية طريقة قاطعة بوجوبها على المرضع، وتذكر حكاية قولين في وجوبها على الحامل، وهي التي أوردها البندنيجي لا غير، وادعى

стр. 2890

القاضي الحسين أنها المذهب؛ ولأجل ذلك قال الإمام: الأصح القطع بإيجاب الدية عليها مع القضاء. والأصح - وإن ثبت الخلاف - القول الأول؛ لما ذكرناه. فإن قيل: الآية التي استدللتم بها منسوخة؛ لأن الإنسان كان مخيراً في صدر الإسلام بين الصوم والفطر وإخراج الفدية، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فإن قلتم: إن النسخ عام في كل واحد، فلا يصح لكم الاحتجاج بها، وإن قلتم [هو عام] إلا في حق المرضع والحامل، بطل قولكم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] لأن الفطر خير [للحامل والمرضع] بالإجماع. وأيضاً: فينبغي أن توجبوا عليهما الفدية دون القضاء؛ لأن هذا هو الحكم في صدر الإسلام، وقد قلتم به في حق الشيخ الهم لما ادعيتم أنها غير منسوخة في حقه. وكذلك ابن عباس لما قال: إن الآية كانت رخصة للشيخ الهم والعجوز، وهما يطيقان الصيام: أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا قال أبو داود: يعني: على أولادهما، قال: تجب الفدية دون القضاء. وهو المحكي عن ابن عمر [أيضاً، ومن] هنا ظهر أنه [لا] حجة في قولهما أيضاً؛ لأنكم توجبون القضاء مع الفدية. فالجواب: أنا لا نسلم أن الآية منسوخة كما قال بعضهم، وإن سلمناه كما هو الصحيح، قلنا: هي منسوخة، إلا في حق الشيخ الهم، والحامل والمرضع للإجماع على جواز الفطر لهما مع القدرة وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] لا يبطل ذلك؛ لأنه خاص بالشيخ الهم، [دون] [المرضع

стр. 2891

والحامل] وإن كان صدر الآية عاما في حق الكل، وقد جاء مثل ذلك في مواضع من الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهو عام في حق الرجعية وغيرها، ثم قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهو في الرجعية خاصة. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عام في [الكبيرة والصغيرة]، ثم قال: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهو في الصغيرة خاصة. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] وهذا عام في المسلمين والمشركين، ثم قال: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ الآية [الأنعام: ٩٤]، وهي خاصة بالمشركين. ولا نسلم أن القضاء لم يكن واجباً في صدر الإسلام، بل كان يجب [مع] الفدية؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ فإن تقدير الآية: وعلى الذين يطيقونه عدة من أيام أخر وفدية، والعرب تعطف الشيء على الشيء، وتحذف الواو، فتقول: أكلت خبزاً سمناً، وتريد: خبزاً وسمناً. وكون ابن عباس وابن عمر قالا: لا يجب القضاء، لا يمنع ذلك من الاحتجاج بقولهما على الخصم، في إيجاب الفدية؛ لأنهما حكمان. والفرق بينهما وبين المريض والمسافر والشيخ الهم ومن في معناه حيث لا يجب عليهم إلا أمر واحد، وهو القضاء أو الفدية: أن فطر كل منهم لم ترتفق به إلا نفس واحدة، وفطر الحامل والمرضع ارتفق به نفسان، فلذلك وجب به أمران: القضاء، والفدية. وعلى هذا فروع: أحدها: لو كانت الحامل والمرضع في سفر أو مرض، فأفطرتا، هل يجب عليهما الفدية؟ نظر:

стр. 2892

إن أفطرتا بسبب السفر أو المرض فلا، وإن أفطرتا لأجل الولد فنعم. وإن لم يكن لهما نية، ففي الفدية وجهان؛ بناء على الخلاف المحكي في طريق المراوزة في المسافر بصلاة على قصد الرخصة، هل يجب عليه الكفارة أم لا؟ كما سنذكره: إن ألزمناه ثم فهاهنا كذلك، وألا فلا. وقد وافق القاضي الحسين على هذا البناء في حق المرضع المريضة، وقال في المسافرة: إن ألزمنا المجامع في السفر الكفارة، فهاهنا أولى، وإلا فوجهان. والفرق: أن المرضع يجوز أن يلزمها الفدية، وإن كان يباح لها الإفطار وهي إذا كانت في الحضر، كذلك هاهنا. وقيل: لا تجب الفدية هاهنا بحال، لوجود السفر والمرض، ولايختلف الحال بالقصد وعدمه. الثاني: لو أشرف شخص على الغرق واضطر من ينقذه إلى الإفطار، فأفطر - وجب عليه مع القضاء الفدية، وكذا إذا دفع عن الشخص من يقتله، واضطر الدافع إلى الفطر، فأفطر. قال القاضي الحسين: وكذلك كل فطر مأذون فيه لأجل غيره، يجب فيه الفدية مع القضاء. وحكى الفوراني والبغوي وجهاً في مسألة الغريق: أنها لا تجب مع جزمهما بالوجوب على المرضع. وفرق البغوي بينهما بأن فطر المرضعة لأجل نفس عاجزة عن الصوم؛ فأشبه صوم

стр. 2893

الشيخ الهم، وفطر المنقذ للغريق صادر من غير عاجز عن الصوم؛ وبهذا يظهر لك إجراء الوجه في باقي الصور. وقد جعل الشيخ أبو محمد الوجهين في إيجاب الفدية في مسألة الغريق مبنيين على الخلاف في إيجابها على المرضع إن أوجبناها عليها وجبت هنا وألا فلا. الثالث: إذا كان للمرضع ولدان، وأفطرت بسببهما فهل تتعدد الفدية؟ فيه وجهان في "التتمة" وغيرها، أصحهما في "الرافعي"، وهو المذكور في "التهذيب" -: عدم التعدد. الرابع: لو أرادت الحامل والمرضع بعد الشروع في الصوم أن تخرجا الفدية قبل الإفطار هل يجوز؟ فيه وجهان، [أظهرهما -كما قال الرافعي في كتاب الأيمان-: الجواز]، وهوا لذي أورده في "الروضة" هناهنا؛ وعلى هذا ففي جواز تعجيل الفدية لسائر الأيام وجهان؛ بناء على الخلاف في تعجيل زكاة عامين، والله أعلم. تنبيه: فرض الشيخ الكلام في المرضع لولدها، قد يفهم اختصاص الحكم بذلك، لكن في "التتمة": أن المرضع لولد غيرها بالأجرة وغير أجرة إذا خافت عليه، يجوز لها الفطر، وتقضي، وتفتدي؛ كالسفر لما جوز الفطر، استوى فيه سفره لحاجة نفسه وحاجة غيره. وفي "فتاوى" الغزالي: أنها إذا أجرت نفسها للإرضاع في رمضان، وكان الصوم ينقص لبنها، فلا يجوز لها الفطر بعذر الإجارة وإن جاز للأم؛ لأنها في حكم المتعينة طبعاً لإرضاع الولد، ولا خيار للمستأجر؛ لأن تأثير الصوم في نقص اللبن ظاهر، إلا إن تعذر فيمن يخفى عليه ذلك، فلا يبعد الخيار، كالأمة إذا عتقت تحت عبد فسكتت؛ جهلاً بالخيار.

стр. 2894

قال في "الروضة": والصحيح قول صاحب "التتمة"، وبه قطع القاضي الحسين في "فتاويه"، فقال: يحل لها الإفطار، بل يجب إن أضر الصوم بالرضيع، وفدية الفطر على من تجب؟ قال: يحتمل وجهين؛ بناء على ما لو استأجر المتمتع، فعلى من يجب دمه؟ فيه وجهان. ولو كان هناك مرضع، فأرادت أن ترضع صبياً؛ تقرباً لله تعالى، جاز الفطر لها. قال: وإذا حاضت الصائمة أو نفست، بطل صومها؛ لأن الحيض مناف للصوم إذا قارن ابتداءه بإجماع الصحابة، فإذا طرأ عليه أبطله؛ كالردة، والنفاس دم حيض مجتمع. قال: وعليها القضاء؛ لأنها مخاطبة بالقضاء إذا لم تشرع في الصوم إجماعاً؛ للخبر مع عدم قدرتها عليه بجملته، فلأن يجب، وقد فسد بعد صحته من طريق الأولى. وقد قدم الشيخ الكلام في تحريم الصوم على الحائض والنفساء في باب الحيض. [قال الماوردي: ولم يخالف أحد في ذلك إلا طائفة من الحرورية؛ بزعم أن الفطر لها رخصة، فإذا صامت أجزأها. ولو خرج الولد، لوم تر نفاساً، فهل يبطل صومها؟] قال الماوردي في باب النفاس: فيه وجهان مبنيان على وجوب الغسل: إن أوجباه بطل، وألا فلا. وفيه نظر؛ لأن من أوجب الغسل وجه بأن الولد مني منعقد، وقد خرج منها؛ فأوجب الغسل، وخروج المني في الصوم من غير سبب يقتضي خروجه في حال الصوم من قبلة أو مباشرة لا يبطله؛ ألا ترى: أنه لو نظر، فأنزل، لم يبطل صومه، ولو جامع معتقداً بقاء الليل فنزع مع الفجر، وأنزل بعده، لا يفطر وإن كان خروج المني على هيئته؟! فما شأنك بخروج الولد. قال: وإن جن، بطل صومه؛ لأن الجنون معنى ينافي الصوم في الابتداء فنافاه في الدوام؛ كالحيض. قال: ولا قضاء عليه؛ لأنه في أول النهار مشتغل بالعبادة، وفي باقيه قد سقط عنه التكليف؛ لنقصه؛ فلم يجب عليه القضاء كالصغير، وهذا هوا لجديد كما قال ابن الصباغ، وحكاه القاضي أبو الطيب عن القاضي أبي حامد في "الجامع".

стр. 2895

وقال في القديم كما قال أبو حامد وكذا [في] "البويطي" كما قال البندنيجي: إذا جن في أثناء النهار، كان كما لو أغمي عليه؛ فيتخرج على الأقوال. وهذا ما اقتضى كلام البندنيجي ترجيحه؛ حيث قال: والمذهب أنه لا فرق بين الإغماء والجنون إلا في فصل، وهو أن الجنون إذا استدام الشهر كله يسقط القضاء، ولو كان مكانه إغماء لا يسقط القضاء. والمذهب في "التهذيب" ماذكره الشيخ، ولم يورد الماوردي غيره، وهو مفرع إلى المذهب في أنه إذا لم يفق إلا بعد مضي رمضان أو بعضه، لا يجب قضاؤه كما تقدم. فرع: لو طرأ الجنون بعد ردة أو سكر، هل يسقط القضاء؟ فيه وجهان عن رواية الحناطي قال الرافعي: ولعل الأظهر الفرق بين اتصاله بالردة واتصاله بالسكر؛ كما في الصلاة. [فرع] آخر: الموت هل يلحق بالجنون في إبطال الصوم؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي أبي الطيب في كتاب الجنائز، وأن القائل بعدم الإبطال تمسك بما روي أنه – ﵇ – قال لعثمان: "أنت تفطر عندنا الليلة". قال: وإن أغمى عليه جميع النهار –أي: وكان قد نوى الصوم من الليل – لم يصح صومه؛ لأن الصوم نية وترك، ولو انفرد الترك عن النية، لم يصح؛ فكذلك إذا انفردت النية عن الترك. قال: وعليه القضاء؛ لأن الإغماء مرض؛ ولذلك يجوز طروءه على الأنبياء، وإذا كان كذلك اندرج تحت قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقيل: لا قضاء عليه؛ كالمجنون؛ حكاه البغوي عن ابن سريج؛ وهذا يظهر أن يكون قاله تخريجاً على المذهب في أن المجنون لا قضاء عليه، وإلا فمذهب ابن

стр. 2896

سريج: أن المجنون يجب عليه القضاء –كما تقدم – فكيف بالمغمي عليه؟! وقيل: يصح صومه؛ كما لو نام جميع النهار وقد نوى من الليل؛ وهذا قول المزني، وقد جعله المراوزة قولاً مخرجاً في المسألة. وقال القاضي الحسين تفريعاً عليه: إن الشخص لو جن بعد النية من الليل جميع النهار، صح صومه، وإن من أصحابنا من قال: هو في المجنون بعيد، ولا يبعد في الإغماء، لأن الجنون يزيل الخطاب كله. والمذهب: ما ذكره الشيخ، وقد قال أبو العباس والإصطخري وأبو الطيب بن سلمة بمثله في النائم جميع النهار، وهو مأخوذ من قوله في "المختصر": فإن أفاق في بعض النهار، فهو صائم – يعني: المغمي عليه – ثم قال: وكذلك إن أصبح راقداً ثم استيقظ: فأشعر كلامه باشتراط الاستيقاظ في بعض النهار. لكن المذهب أنه لا يبطل، والفرق بينه وبين الإغماء: أن النوم جبلة وعادة، والنائم ثابت العقل؛ فنه إذا نبه انتبه، وله حكم المستيقظ؛ فإنه لا تسقط ولايته على ماله؛ بخلاف المغمى عليه. ولأن النوم لا يزيل الخطاب بشيء من العبادات، بخلاف الإغماء؛ فإنه يزيل الخطاب بالصلاة؛ فأشبه الحيض. وإذا عرفت أن من أغمي عليه جميع النهار وقد نوى من الليل، [يجب عليه القضاء] – عرفت أن وجوبه عليه إذا لم ينو أولي؛ وهو مصرح به كذلك. وقد قيل: إنه لا يلزمه أيضاً كالمجنون. قال: وإن أغمي عليه في بعض النهار – أي: وكان قد نوى من الليل – ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: يبطل صومه؛ [لأنه لو دام جميع النهار، أبطل صومه]، فإذا طرأ في بعضه، أبطله؛ كالجنون. [ولأنه معنى إذا طرأ أسقط فرض الصلاة، فأبطل الصوم كالحيض]؛ وهذا ما نص عليه في "اختلاف العراقيين"، و"اختلاف الحديث"، ولفظه في "اختلاف

стр. 2897

العراقيين": "وإن أغمي عليها وهي صائمة، أو حاضت، بطل صومها"، ولفظه في "اختلاف الحديث": "لو أصاب الرجل امرأته في شهر رمضان، ثم أغمي عليه، أو حاضت [المرأة] – فقد قيل: لا كفارة عليه، وقيل: عليه الكفارة"، وقد اختاره في "المرشد". والثاني: لا يبطل. قال بعضهم: لأنه وجد منه النية وإمساك، مع العقل في بعض النهار؛ فأشبه ما لو كان في أول النهار. قلت: وهذا يقتضي تعليل الشيخ بنفسه؛ لأن من جملة ما اشتمل عليه هذا القول إذا كان قد أغمي عليه وقد أصبح مفيقاً؛ ولأجل ذلك قال في "المهذب": إن هذا القول لا أعرف له وجهاً. ووجه القاضي الحسين بأن الصوم لابد فيه من وجود القصد، فإذا لم يفق في شيء من النهار لا يكون قاصداً إليه، وإذا أفاق جزءاً من النهار، فقد قصد، ثم استدامة القصد ليست بشرط؛ كما لو نام في النهار، أو عزبت نيته، لا يضره ذلك. وادعى في الخلاصة أن هذا القول أعدل الأقوال، وهو الذي صححه الرافعي، ونص عليه الشافعي في كتاب الصيام من "المختصر"؛ حيث قال: إذا نوى من الليل، وأصبح مغمى عليه، واتصل أكثر من يوم – فاليوم الذي بعد الأول لا يصح؛ لأنه ما نواه من ليلته، وأما الأول: فإن لم يفق [في بعضه] لم يصح صومه، وإن أفاق في بعضه، صح صومه، ولا فرق عليه بين أن يكون زمن الإفاقة كثيراً أو يسيراً. والثالث: إن كان مفيقاً في أول النهار لم يبطل، أي: وإن كان مغمى عليه بطل لأنه وقت الشروع في العبادة؛ فكان ما بعده تابعاً له، وهذا ما نص عليه في كتاب الظهار من "البويطي"، ولفظه: إن كان مفيقاً عند طلوع الفجر صح صومه.

стр. 2898

وصححه القاضي أبو الطيب والغزال في "الوجيز". قال الرافعي: والجمهور على تصحيح الذي قبله. وقيل: إن كان مفيقاً في طرفيه، لم يبطل. هذا قول ابن سريج خرجه من اعتبار النية في طرفي الصلاة على القول الصحيح؛ وبه يحصل في المسألة أربعة أقاول: ثلاثة منصوصة، وواحد مخرج؛ وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي؛ كما قال في "الحاوي"، وقال: إنها إحدى المسائل التي غلط فيها على الشافعي؛ لأنه جعل ما قاله ابن سريج قولاً رابعاً، وليس للشافعي ما يدل عليه، ووراءها طرق: إحداها – وهي التي نسبها القاضي الحسين إلى أبي إسحاق المروزي، وذكرها الماوردي، ولم يعزها إلى أحد -: أن المسألة على قولين لا غير: ما نص عليه في أراد بالإغماء الجنون. والثانية: القطع بأن المسألة على قول واحد، وهو الثالث: حكاها ابن الصباغ وغيره، واختارها أبو العباس بن سريج؛ كما قال الماوردي وأبو الطيب، وأنه أول نصه فيما عداه، فقال: أما قوله في كتاب الصيام: ["إذا أفاق في بعض النهار"، فإنه أطلقه، ثم قيده هنا؛ فيحمل المطلق على المقيد. وأما قوله في "اختلاف العراقيين"، ففيه تأويلان: أحدهما: أنه ذكر الحيض والإغماء، وأجاب عن الحيض. والثاني: أنه أراد بالإغماء هنا الجنون. والثالثة- حكاها الغزالي-: القطع بالقول الثاني وأن نص الإبطال محمول على الإغماء المستغرق. وقوله في كتاب الظهار: "إذا كان في أول النهار مفيقاً لم يبطل" جرى اتفاقاً من غير قصد، والمقصود التنصيص على لحظة ما، وهي المنسوبة في "تعليق" القاضي الحسين إلى القفال.

стр. 2899

أما إذا لم يكن قد نوى من الليل، لزمه القضاء بلاخلاف. فرع: لو كان قد نوى من الليل، ثم شرب دواء؛ فزال عقله بالنهار – قال في "التهذيب": يترتب على الإغماء: فإن قلنا هناك: لا يصح، فهاهنا أولى، وألا فوجهان، والأصح: أن عليه القضاء. ولو شرب المسكر ليلاً، وبقي سكره في جميع النهار، فعليه القضاء، وإن بقي في بعضه، ثم صحا؛ فهو كالإغماء في بعض النهار؛ قاله في "التتمة". قال: وإن طهرت الحائض، أو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو قدم المسافر، وهو مفطر – استحب لهم مساك بقية النهار تشبها بالصائمين، وللخروج من خلاف أبي حنيفة؛ فإنه أوجب على المذكورين سوى المجنون الإمساك؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب عنه، ولا يجب ذلك: أما في المسافر؛ فلقوله – ﵇: "إذا قدم المسافر من سفره مفطراً، أكمل فطره" رواه الدارقطني. وأما في المجنون والحائض؛ فلأنهما أفطرا بعذر أبلغ من السفر؛ لأنهما لا يصح منهما الصوم؛ فكانا بعد الوجوب أولى. وأما في الكافر؛ فلأن الشرع ألحقه بالمذورين عند إسلامه؛ بدليل عدم إيجاب القضاء عليه؛ وهذا ما أورده الماوردي، وكذا القاضي أبو الطيب، وحكاه عن نصه [في"المختصر" في الحائض والمسافر، وفي "حرملة" في الكافر، وحكاه البندنيجي عن نصه] في "البويطي" في الكافر يسلم والمجنون يفيق والصبي يبلغ، مع حكاية وجه في وجوب الإمساك عليه، وقد تقدمت حكايته.

стр. 2900

وسكت الشيخ عن الصبي؛ لاستغنائه بذكر المجنون؛ لأنه سوى بينهما في عدم إيجاب يوم الإفاقة [و] البلوغ على ظاهر المذهب، وقد حكى ابن يونس وجوب الإمساك على الحائض تطهر والمسافر يقدموه ومفطر، وادعى القاضي الحسين: أن أصحابنا لم يختلفوا في ذلك، وتبعه الإمام؛ لتحقق المبيح لهم، ولعله أراد المراوزة، وألا فقد حكى صاحب "المعتمد" في وجوب الإمساك على الحائض والنفساء وجهين، وجريانهما في المسافر من طريق الأولى. وسكوته عن المريض تعافى، يجوز أن يكون لاعتقاده أنه ملحق بالمسافر يقيم في أنه يستحب له الإمساك، كما ألحقه البغداديون به، ولم يحك البندنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ غيره، ويؤيده ما سنذكره عن نصه في "البويطي" فيما إذا بدأ وهو صائم. ويجوز أن يكون لاعتقاده أنه يجب عليه الإمساك؛ كما صار إليه البصريون من أصحابنا، وحكاه القاضي الحسين أيضاً، وفرق بأن الفطر بالمرض ضرورة، فإذا ارتفع زالت الضرورة؛ فزالت به إباحة الأكل، والفطر بالسفر ليس بضرورة؛ فلا يتغير بالإقامة. قال الماوردي: والقول الأول أقيس؛ وهذا أشبه.

стр. 2901

والحامل والمرضع إذا زال خوفهما، قال البندنيجي: [ليس] لأصحابنا فيهما نص، والذي يجيء أنهما كالمريضين. والحكم فيما إذا قدم المسافر من سفره نهاراً، ولم يكن قد أكل، ولا شرب، ولا نوى الصوم من الليل – كالحكم فيما لو قدم وكان قد أكل. وحكى القاضي الحسين والإمام وغيرهما من المراوزة وجهين في إباحة الأكل في هذه الصورة. ووجه المنع: أنه لم يتحقق [فطره] بالأكل. والصحيح: الجواز، وهما – كما قال الرافعي – مفرعان على المذهب الصحيح في أنه إذا قدم صائماً يلزمهم إتمام الصوم، والله أعلم. قال: وإن بلغ الصبي أو قدم المسافر وهما صائمان، فقد قيل: يلزمهما إتمام الصوم؛ لان سبب الرخصة زال قبل الترخص؛ فلم يجز الترخص بعده؛ كما لو قدم المسافر في أثناء الصلاة، وبل أولى؛ لأنه قد نوى القصر وه والمرخص فيه وهنا نوى الصوم [وهو] ضد الرخصة، وبالقياس على ما لو زال المرض وهو صائم، فإنه يلزمه [الإتمام] قولاً واحداً؛ كما قاله ابن الصباغ وغيره، وهذا ما جزم به ابن الصباغ والإمام تبعاً لأبي الطيب في حق الصبي في موضع، وحكاه عن أبي إسحاق في حق المسافر في آخر. فعلى هذا إذا أتم المسافر صومهن لا قضاء عليه، وإن أتمه الصبي فهل يجب عليه قضاؤه؟ قال ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما: إذا لم نوجب عليه القضاء وقد بلغ مفطراً، فهاهنا أولى، وإذا أوجبناه ثم، ففي وجوبه هاهنا وجهان: قال أبو إسحاق: لا قضاء. وقال غيره: [عليه] القضاء؛ لأنه لم ينو الفرض.

стр. 2902

ومثل هذا الخلاف قد تقدم فيما إذا بلغ الصبي في أثناء الصلاة. والمذهب في حق المسافر – كما قال القاضي الحسين -: لزوم الإتمام لأن الشافعي قال: "إن قدم نهاراً مفطراً، أكل"، دل على أنه لو قدم صائماً لا يأكل، ولم يحك في "الوسيط" تبعاً للإمام غيره. وقد قيل: إنه لا يلزمهما إتمام الصوم وهو المنسوب في "الحاوي" في حق الصبي إلى ابن سريج، وأنه يجب عليه القضاء، وفي حق المسافر إلى ابن أبي هريرة؛ كما حكاه ابن الصباغ وغيره. وقال البندنيجي: إنه نص عليه في "البويطي"، وقال الماوردي: إنه نص عليه في "حرملة"؛ لأنه أبيح له الإفطار في أول النهار ظاهراً وباطناً فجاز له استدامة ذلك؛ كما لو أفطر. وهذا التعليل يقتضي عدم إلحاق الصبي به إن كان يقول: [إن الصبي إذا قدم وهو مفطر] يلزمه إمساك بقية النهار، [ويقتضي إلحاقه به إن كان يقول: لا يلزمه إمساك بقية النهار]. وقد ألحق به في "المهذب" المريض يبرأ وهو صائم، يجوز له الفطر، وحكاه البندنيجي عن نصه في "البويطي" أيضاً. قال الشيخ: وعندي: أنه يلزم المسافر دون الصبي؛ لأن المسافر شرع فيه وهو فرض عليه بنية الفرضية، وسبب الرخصة قد زال قبل الترخص فلم يكن له الترخص كما لو قدم المسافر في أثناء الصلاة؛ فإنه لا يقصر، والصبي شرع في

стр. 2903

[فعل] بنية النفل؛ فلا يجزئه عن الفرض، وإذا لم يجزئه صار كما لو بلغ مفطراً، لا يلزمه الإمساك. وقد ادعى الماوردي أن مذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابه: أنه يتم صومه واجباً، ولا إعادة عليه، ولا يمتنع أن يكون متنفلاً بالصيام في أوله مفترضاً في آخره؛ كالصائم المتطوع إذا نذر إتمام صومه إن قدم زيد، فإذا قدم زيد لزمه إتمامه وإن كان متطوعاً في ابتدائه. قال: ومن نوى الخروج من الصوم، أي: مثل: أن قال: أبطلت الصوم، أو قطعت النية – بطل صومه؛ لأن النية شرط في جميعه، فإذا قطعها في أثنائه، بقي الباقي بغير نية؛ فبطل، وإذا بطل البعض، بطل الكل. قال القاضي الحسين: وللشافعي ماي دل عليه في صوم المظاهر؛ فإنه قال: "إن صام فيها يوماً تطوعاً، أو غير النية إلى التطوع – فعليه أن ستأنف" وهذا ما أورده البندنيجي. وقيل: لا يبطل؛ لأنها عبادة تتعلق الكفارة بجنسها؛ فلم تبطل بنية الخروج؛ كالحج. وهذا ما ادعى الرافعي في كتاب الاعتكاف أنه أظهر، وحكاه ابن الصباغ عن القاضي أبي الطيب والشيخ أبي حامد، واقتصر على حكايته، [وقد رأيت في تعليق القاضي أبي الطيب [قبل باب الاعتكاف حكاية الوجهين، وفرق على الأول – وهو الذي صححه البغوي] وصاحب البحر في باب صوم التطوع وغيرهما – بينه وبين الحج بأن الحج لا يخرج منه بما يفسده، والصوم يخرج منه بما يفسده؛ فكان كالصلاة. وقد جعل الماوردي محل الوجهين ما إذا قصد الأكل والجماع، ولم يفعل، والمذكور منهما في تعليق القاضي الحسين - والصورة هذه – عدم البطلان. قال الماوردي: وإذا قلنا بالبطلان ففي زمان فطره وجهان: أحدهما: في الحال. والثاني: حتى يمضي عليه من الزمان قدر الأكل والجماع. وحكى الشيخ أبو حامد الوجهين فيما إذا شك هل [يخرج] من صومه أم لا؟ كما قال ابن الصباغ.

стр. 2904

والمختار في "المرشد": الإبطال، وبه جزم الماوردي والقاضي الحسين؛ فإنه إذا نوى أن يفطر بعد ساعة، [لا يكون مفطراً، وكان على صومه؛ وهذا بخلاف الصلاة على أحد الوجهين إذا نوى أن يكون بعد ساعة] غير مصل. [و] قال في التهذيب: إذا نوى أن يخرج إذا قدم زيد، فهل يخرج إذا قدم؟ فيه وجهان كالصلاة. فرع: لو كان صائماً عن فرض غير رمضان، فنوى أن يقلبه نذراً، وقلنا: إن نية الخروج مبطلة – لم يحصل له النذر، وهل يبقى تطوعاً؟ فيه وجهان، قال في "التهذيب": وهما جاريان فيما لو رفض نية الفرضية فقط، ولو كان ذلك في صوم رمضان، لم ينقلب نفلاً؛ لأنه لا يقبله كما تقدم. قال: وإن أكل أو شرب، أي: ما يعتاد أكله وشربه أولاً، وصل إلى جوفه أو لا؛ كما إذا وصل إلى حلقه، ثم ذرعه القيء؛ كما قاله في "التهذيب"، وحكى عن ابن القاص، وأشار إليه الإمام بقوله: فإذا جاوز الشيء الحلقوم، أفطر. [أو] استعط، أي: وهو [أخذ] الدواء وغيره من أنفه، حتى يصل دماغه، أو احتقن، أي: وهو جعل الدواء ونحوه في الدبر، أو صب الماء في أذنه، فوصل إلى دماغه، أو طعن جوفه، أي: فنفذت الطعنة إليه، أو طعن بأذنه، أو داوى جرحه؛ فوصل الدواء إلى جوفه، أي: فنفذت الطعنة إليه، أو طعن بأذنه، أو داوى جرحه؛ فوصل الدواء إلى جوفه، أو استقاء، أي الطعام او الشراب وإن لم يصل إلى الأمعاء كما صرح به الإمام، وسواء في ذلك رجع من فيه إلى جوفه أو لا؛ بأن تحفظ عن ذلك، أو جامع؛ أي: في قبل أو دبر، ولو من بهيمة أنزل أو لم ينزل، أو باشر فيما دون الفرج، أي: بالمضاجعة والمعانقة، أو المفاخذة، أو التقبيل؛ فأنزل، أو استمنى فأنزل، ذاكراً للصوم، عالماً بالتحريم – بطل صومه: أما في الأكل والشرب والجماع؛ فلأن الله تعالى أباح ذلك إلى الفجر بقوله: ﴿مِنْ

стр. 2905

الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧] فعنى إباحة ذلك [إلى الفجر]؛ فالحكم بعد الغاية مخالف لما قبلها، وسنذكر من حديث أبي هريرة في الأكل والشرب ناسياً ما يدل على الفطر بهما إذا تعمدهما. وفي قصة الأعرابي ما يدل على فطره بالجماع. وأما في الاستعاط؛ فلما روى أبو داود عن لقيط بن صبرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً"،قال الترمذي: وهو حسن صحيح. وجه الدلالة منه: أنه نهى عن المبالغة فيه، فلولا أن الوصول [إلى أعلى] الدماغ ينافي الصوم، لما نهاه عن ذلك. وأما في الاستقاء فلما روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من ذرعه القيء وهو صائم، فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض"، قال الترمذي وهو حسن غريب. واختلف الأصحاب في علة الفطر: فقيل: لكونه خروج خارج غير معتاد.

стр. 2906

وقال ابن سريج لأنه يرجع شيء منه إلى الجوف؛ فيكون من قبيل دخول داخل. قال الإمام: فإن قيل: الغالب أنه لا يرجع شيء إذا استقاء المرء والرجوع نادر فكيف يعلل الفطر به؟ قلنا: ليس كذلك؛ فإنه يمتزج بالريق [بما يمتزج ثم لأن الماء يمتزج بالريق] عند المضمضة من غير مبالغة؛ فينبغي أن يكون مفطراً؛ لأن الريق بطبعه لا يمازج الماء؛ لغلظه ولزوجته، والذي يمج الماء من فيه لا يجد للماء أثراً، إلا البرد الذي برده؛ لطبيعة تمازج الريق للمجانسة في الغلظ واللزوجة. وأما في الإنزال عند المباشرة؛ فللإجماع؛ كما قال الماوردي. وغيره استدل لذلك بأن المجامعة تبطل الصوم وإن لم يحصل بها المقصود، وهو الإنزال، فلأن يبطله تحصيل المقصود منه أولى. وغيرهما استدل بما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت وأنا صائم، [فقلت]: يا رسولا لله، صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم، قال: "أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس [قال]: "فمه". فشبه القبلة بالمضمضة، وهو إذا تمضمض، فوصل الماء إلى

стр. 2907

جوفه، أفطرن وإن لم يصل لم يفطر. وهذا فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن النسائي خرجه، وقال: هذا حديث منكر. والثاني: ما سنعرضه في وصول الماء إلى الجوف عند الاستنشاق. وأما في الباقي فبالقياس على ما نص عليه؛ لاشتراكهما في الوصول إلى الجوف بحيلة. ووراء ما ذكره الشيخ في بعض الصور وجوه: أحدها: فيما إذا احتقن: أنه لا يفطر كما حكاه الرافعي عن القاضي الحسين، وهو غريب. والثاني: فيما إذا صب في أذنه شيئا ًفوصل إلى دماغه، كما سنذكره. والثالث: فيما إذا استقاء وتحفظ، فلم يرجع منه شيء إلى جوفه، لا يفطر، بناء على علة ابن سريج. ولو نزل إلى جوفه بعد التحفظ، قال الإمام: فهو كوصول الماء إلى الجوف عند المبالغة في المضمضة. والرابع: أن إتيان البهيمة إذا لم يتصل به الإنزال، لا يفسد الصوم؛ إذا قلنا: الواجب فيه التعزير فقط؛ حكاه القاضي الحسين. والخامس: إذا أنزل، وقد باشر من غير حائل: أنه كما إذا وصل الماء إلى جوفه عند المبالغة في المضمضة، وسنكمل الكلام فيه.

стр. 2908

ثم [في] معنى الأكل سفُّ الأعيان ويلعها، سواء كان مما يعتاد فيها ذلك [أو لا] كالنرد والحصا والزجاج، ونحو ذلك، وكذا الخيط وإن بقي بعضه خارجاً؛ لأنه ممنوع من ذلك إجماعاً، ولولا أنه يفطر لما منع منه؛ قاله الماوردي. وقال ابن الصباغ: إن الفطر بذلك مما أجمع عليه أهل العصر، وإن كان قد سبق خلاف العلماء فيه. ولا يلتحق بذلك التصدي لحصول غربلة الدقيق وغبار الطريق في جوفه، مثل: أن يفتح فاه لأجل ذلك، على أصح الوجهين في "التهذيب"، كما لا يفطر به إذا حصل من غير قصد اتفاقاً. قال الرافعي: وقد شبهوا هذا الخلاف بالخلاف فيما إذا قتل البراغيث عمداً أو تلوث بدمائها: هل يقع عفواً؟ وهو المذكور في "التتمة". وهل يلتحق به ابتلاغ النُّخامة وهو ما يستنزله من رأسه؛ فيحصل [في] فيه؟؟ فيه خلاف، وادعى البندنيجي: أن ظاهر المذهب الفطر، وبه وقال الماوردي بعد حكاية الوجهين في الفطر بالنخامة: والصحيح: أنه إن أخرجها من صدره، ثم ابتلعها، فقد أفطر؛ كالقيء، وإن أخرجها من حلقه أو دماغه، لم يفطر كالريق. وحكى الإمام عن شيخه أنه كان يقول: ما يجري من النخامة من الدماغ إلى الحلقوم، فلا مؤاخذة به، ولا يكلف صرفه عن سير الحلق إلى فضاء الفم، ثم أراد رده، فهذا يفطر. قال: والوجه أن تقول: ما لا يشعر الصائم به، فهو محطوط عنه، وما يجري منه وهو على علم وخبر: فإن لم يقدر على رده، فلا فطر، وإن قدر على صرفه ومجه، فلم يفعل، ففيه خلاف بين الأصحاب:

стр. 2909

منهم من لم يؤاخذه به، وحسم الباب ما لم يتكلف صرفه من مجراه إلى الفم. ومنهم من حكم بالفطر إذا تركه في مجراه مع القدرة على مجه؛ وهذا ما أورده القاضيان الحسين وأبو الطيب. قال الرافعي: وهو الذي أجاب به الحناطي وكثير من الأئمة، ولم يذكروا غيره. وفي معنى الشرب بلع ما جمعه من ريقه في كفه أو خرج على ظاهر شفتيه؛ كما حكاه القاضي أبو الطيب والإمام، وكذا ما اتصل بالخيط المحروز بالفم كما يفعله الخياطون ولا أثر للقلة في ذلك. وللشيخ أبي محمد احتمال فيه؛ لأن القدر النادر منه أقل مما يبقى من أجزاء الماء في داخل الفم بعد المضمضة. قال الإمام: وللاحتمال في هذا مجال. قال الرافعي: وخص في "التتمة" الوجهين بما إذا كان جاهلاً بأن ذلك لا يجوز، [و] قال فيما إذا كان عالماً: يبطل صومه بلا خلاف، ولا يلتحق به بلع ما اجتمع في فيه من غير قصد؛ فإنه لا يفطر [به]؛ لتعذر التحرز منه، وكذا لو جمعه في فيه قصداً وابتلعه على أحد الوجهين في "تعليق" البندنيجي وغيره. ومقابله مأخوذ – كما قال الإمام – من قول الشافعي: "وأكره العلك؛ لأنه يجمع الريق في الفم". والأصح في "النهاية": الأول. نعم: لو كان ريقه متغيراً بطاهر كما إذا أدخل

стр. 2910

خيطاً مصبوغاً بطاهر، فتغير ريقه به وابتلعه – أفطر به، ومن طريق الأولى إذا تغير بنجس، ولو حكم بنجاسته من غير تغير كما إذا دميت لثته، فبصق حتى صار الريق أبيض ولم يغسل فاه، وابتلع ريقه بعد ذلك- فهل يفطر؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين، اختيار الحناطي والروياني منهما: عدم الفطر؛ لأن ابتلاع الريق مباح، وليس فيه عين أخرى وإن كان نجساً. وقال في "التهذيب": إنه لا يجوز له ابتلاعه، ولو ابتلعه، فالمذهب بطلان صومه. وهو المذكور في "التتمة"، قال الرافعي: وهو الأظهر عند الأكثرين. ولو أخرج الريق على طرف لسانه، ثم ابتلعه، قال الإمام حكاية عن الأئمة: فلا بأس؛ لأن اللسان معتبر بداخل الفم. وفي "التهذيب" حكاية وجه في الفطر به. وفي معنى الاستعاط: [ما] إذا وصل الموضوع في الأنف إلى الجوف؛ كما قال الماوردي. وفي معنى الاحتقان: ما إذا أدخل إصبعه في دبره، أو فعل غيره به ذلك بإذنه. قال القاضي الحسين: وإذا أخرجه بطل وضوءه. قال: وينبغي للصائم أن يحفظ إصبعه حالة يستنجي، وخاصة رأس الأنملة من مسربته؛ فإنه لو دخل هي أدنى شيء من رأس أنملته لبطل صومه، والاحتياط أن يتغوط بالليل قبل الفجر، ويبول بالنهار، وكذا في معناها ما إذا قطر في إحليله شيئاً أو أدخل فيه مبضعاً؛ فوصل إلى مثانته.
следующие страницы →